← Акыда

Акыда · id 11195

دعوة إلى السنة في تطبيق السنة منهجا وأسلوبا

عبد الله الرحيلي

Полный текст (202 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة ... من كلمات السلف " ... أحدهم إذا خالفه صاحبه قال: كَفَرْتَ. والعِلْم إنما يقال فيه: أخطأتَ". "الإمام الشافعي رحمه الله تعالى". "وما أولاك رحمك الله بتدبُّر ما نقول؛ فإن كان حقّاً، وكنتَ لله مريداً، أن تتلقاه بقلبٍ سليم، وإن كان باطلاً، أو كان فيه شيء ذهب عنّا، أن تردّنا عنه بالاحتجاج والبرهان؛ فإنّ ذلك أبلغ في النصرة، وأوجب للعذْر، وأشفى للقلوب ... ". "ابن قتيبة رحمه الله تعالى". ندِينُ الله بكل ما صحّ عن رسول الله ﷺ ، ولا نجعل بعضه لنا وبعضه علينا، فنقرّ ما لنا على ظاهره، ونتأوّل ما علينا على خلاف ظاهره، بل الكلُّ لنا لا نُفَرِّق بين شيءٍ من سُننه، بل نتلقاها كلها بالقبول، ونقابلها بالسمع والطاعة، ونتَّبعها أين توجهت ركائبها، ونَنْزلُ معها أين نزلت مضاربها، فليس الشأن في الأخذ ببعض سنن رسول الله ﷺ وتَرْك بعضها، بل الشأن في الأخذ بجملتها، وتنزيل كل شيء منها منزلتَه، ووضعه بموضعه، والله المستعان وعليه التكلان. الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى.

стр. 2

شكرٌ وتقدير الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيّنا وسيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فيطيب لي، بل يتعيّن عليّ، أن أعترف بالفضل لأهله، فقد تفضّل عدد من الإخوة الفضلاء بقراءة هذا الموضوع قبل الطبع، فأفادوني بملحوظاتهم وآرائهم؛ فلهم منّي ولمن كان سبباً في نشر هذا الموضوع الشكر والدعاء، وأسأله أن يجزيهم عنّي وعن المسلمين وعن الإسلام خير الجزاء، وأن يوفّقنا جميعاً لما يحبّه ويرضاه. المؤلف

стр. 3

مقدّمة الطبعة الثانية الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد كانت الطبعة الأُولى لهذا الكتاب في عام ١٤١٠هـ ١٩٩٠م. وقد نفدت النُّسخ خلال مدة وجيزة، وتوالت الأسئلة عن الطبعة الثانية، وكنت أَعِدُ بها، وأَعزم على الوفاء بذلك، ولكن ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١، وقد أراد الله أن تتأخر هذه الطبعة إلى هذا الوقت؛ فأجريت عليها بعض التعديلات والإضافات. ملحوظات حول الكتاب وهذه الطبعة: لعل من المناسب أن أشير إلى الملحوظات التالية: - قد أجريت تعديلاتٍ وإضافاتٍ وتقديماً وتأخيراً على الكتاب في هذه الطبعة، ونال الفصل المنقول عن الإمام ابن تيمية نصيباً وافراً مِن هذا في طريقة عرْضه. وكان لبعض المستجدات للمسلمين فيما يتعلّق بقضية الكتاب أثرٌ واضح في هذه التعديلات. وأرجو أن يكون هذا التعديل إلى الأفضل. - قد اتّبعتُ في إحالة الآيات إلى المصحف الشريف طريقة محمد فؤاد عبد الباقي، بالعزو إلى رقم الآية أو الآيات، ثم اسم السورة، ثم رقمها.

стр. 4

- حرصت أن أعتمد في كتابة الآيات على رسم المصحف الشريف، لكن لم يتيسر برنامجٌ على الحاسب الآلي يحقق هذا الغرض؛ فكتبتها بالرسم الإملائي الحديث. - لم أستقصِ في تخريج الحديث، بل اكتفيت بما يؤدي الغرض مِن التخريج، فإذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما أغناني عن تتبع الحديث في المصادر الأخرى. - ربما كان مِن المناسب الإشارة هنا إلى أنّ مجالات الأفكار والتطبيقات المنتقدة تشمل، في الأصل، المحاور التالية: ١- الخلل في مجال فهْم السنن. ٢- الخلل في مجال التصوِّر لمفهوم التمسك بالكتاب والسنّة. ٣- الخلل في مجال فهْم الخلافات الفقهية الفرعية. ٤- الخلل في مجال فهْم العقيدة. وقد خُصِّص الكلام في هذا الكتاب بالموضوعات الثلاثة الأُوَل. - الهدف مِن هذا الموضوع هو ما حَدَّده عنوانه: دعوةٌ إلى السنّة في تطبيق السنّة، منهجاً وأسلوباً؛ ذلك لأنّ اتّباع السنّة لا يكفي أن يكون ظاهراً، حتى يكون ظاهراً وباطناً. ولقد رجوتُ أن يكون مثْل هذا العنوان شعاراً للمسلم في مجال تطبيق السنّة في هذا العصر. - ربما كان هذا الكتاب في طبعته الأُولى أوّلَ كتابٍ يَعْرض هذه المشكلة في الفهم ويعالجها؛ إذْ لا أَعْلم كتاباً قبْله تعرَّض لها. ثم ظهرتْ بعض

стр. 5

الكتابات في الموضوع، وعالجتْه معالجةً جادّةً، مثل: رسالة الشيخ بكر أبو زيد، بعنوان: حَدُّ الثّوب والأُزرة وتحريم الإسبال ولباس الشُّهرة، وكتاب د. يوسف القرضاوي، بعنوان: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم، دراسةٌ في فقه الاختلاف في ضوء النصوص والمقاصد الشرعية، وسِواهما مما اطلعت على بعضه؛ فأفدتُ في هذه الطبعة مما اطّلعتُ عليه مِن هذه الكتابات، وأشرتُ إليه في الكتاب. - في هذه الفترة تُرجم الكتاب إلى اللغة الانجليزية عن طبعته الأُولى، وقد اشترك في ترجمته عددٌ مِن الإخوة الأساتذة الفضلاء؛ حيث ترجمه أوّلاً د. عبد اللطيف الصعيدي، وراجعه د. عطا طه زيدان، ثم جدّتْ أمورٌ اقتضت إعادة النظر؛ فقام شقيقي د. عطاالله بن ضيف الله الرحيلي، والأستاذ غالب بن أحمد المصري بهذا المجهود، وأعادا صياغة بعض موضوعات الكتاب، وبذلا وقتاً وجهداً ليس مِن السهل تصوُّرُهُ، واجتهدا أن تَخْرج الترجمة في صورةٍ مثالية، جزاهم الله جميعاً خيراً، وتقبَّل منهم. إشارة إلى شيءٍ مِن تاريخ فكرة الكتاب: تأَخّرُ الطبعة الثانية هذا قد وافق بعضَ الظواهر المستجدة في المجتمعات الإسلامية؛ فلقد كان طرْقُ هذا الموضوع عند بداية ظهور تلك الأخطاء المنتقَدة في المحاضرة -التي هي أصْل هذا الكتاب-وفي هذا الكتاب مِن بَعْدها، إذْ كانت تلك البداية للأخطاء المعنية هي السبب في طرْق الموضوع، دون تسميةٍ أو تخصيصٍ لأحدٍ مِن الواقِعِين فيها. وكانت هذه البدايات في أول

стр. 6

عام ١٤٠٧هـ تقريباً، أي قبل إلقاء المحاضرة بنحوِ عام. وما كنتُ أتصوّر أن يكون لهذه الظواهر مستقْبَلٌ أو مستقْبِلٌ، وما كنت أتصوّر أن تَبْلغ هذه الظواهر المخطئة الخاطئة ما بلغتْه اليوم في مجتمعات المسلمين؛ لأن الانحراف فيها عن نصوص الدين وهدْيه وفطرة الله التي فطر الناس عليها واضحٌ كل الوضوح؛ ونصوصُ الدين وهدْيه وفطرةُ الله، كلها، لا تَقبلُ مثل هذا الْمَيل؛ ولكن سرعان ما رأى الناس كيف يفاجَئون-منذ ذلك الوقت-كل يومٍ بمفاجأةٍ أو بغريبةٍ مِن الغرائب التي تُعْرَض عليهم على أنها سنّةٌ لا خيار لهم في قبولها والأخذ بها!. ولم يكن مِن ثمار هذا عند بعض الناس الرجوع إلى السنّة، ولكن العكس، ولم يكن مِن الثمار اجتماع المسلمين، ولكن تَفرُّقهم، ولم يكن مِن الثمار الألفةَ والمحبةَ بينهم، بل العكس!. ورأينا في الناس: - مَن يُسْرع إلى الغلوِّ في نقْد الآخرين، مع تجاهلٍ لنقْد الذات. - ومَن يتجشّمُ الكلام على ما في طويات الآخرين، ويُسارِع إلى الحكم عليهم بإصدار التهم؛ نصْرةً للدين واتّباعاً للكتاب والسنّة بزعمه. - ومَن يُوالي ويعادي إخوانه المسلمين على فروع الأحكام الشرعيّة. - ومَن يميل إلى الظاهريّة في فهم الدين ونصوصه. - ومَن يأخذ بمذهب الخوارج عمليّاً في بعض المسائل، ويُحكِّمه في فهمه للإسلام، وفي إخوانه المسلمين، ولو تبرَّأَ منه بلسانه.

стр. 7

- ومَن أحلّ محل المودّة والأُخوّة الإيمانية الحقدَ والبغضاء والكراهية الدينية!. - ولقد رأينا في التاريخ، وسنرى في الحاضر كيف تكون نهاية أصحاب المناهج المخالفة لمنهج أهل السنّة والجماعة، تلك المناهج التي تميل إلى التشديد والتضييق في غير موضعهما، حيث يَتنكّب أولئك -ولو بعد حين- ما تُنادي به مناهجهم مِن أفكارٍ تُخالف هدْي هذا الدين ومنهج أهل السنّة والجماعة، والغالب أن ينقسموا على أنفسهم، ويتحزبوا فيما بينهم-فضلاً عن مَن سواهم-ويَحْكموا على أنفسهم بالفشل والبعد عن هدي الدين في هذا الباب؛ فلا يَسْلمون في أيّ شعارٍ جاءوا به مخالفاً لمنهج أهل السنّة والجماعة؛ فيقعون في ما يَتَّهمون غيرهم بالبعد عنه، والغالب أن تراهم يُفَرِّقون مِن حيث يُنادُون بعدم التفرّق، ويتحزبون مِن حيث يَدْعون إلى عدم التحزب؛ وهذه سنّة الله في هذه المناهج، والتاريخ شاهدٌ، وسيكون الحاضر والمستقبَل شاهدَيْن أيضاً؛ فأين المعتبِرِون!. وكان تعمُّقُ تلك الظواهر في مجتمعات المسلمين يؤكِّد الحاجة إلى هذا الموضوع بهذه الوجهة وهذه الدعوة إلى السنّة وفق هدْي السنّة منهجاً وأسلوباً. وكم جاء المؤلِّفَ مِن رسالةٍ وشكرٍ على هذا المؤلَّف، وتفاعلَ معه فريقان من الناس: الأول: المؤيد للفكرة الْمُشِيد بها، الذي يقول: لو فَهِم الناس الإسلام على هذا النحو مِن الفهم لما كانت هناك حاجةٌ إلى تلك الأفهام المخطئة وتلك المسالك الملتوية في فهم السنّة، وفي تطبيقها، وفي الدعوة إليها. الثاني: المعارِض الذي رأى أنّ مثل هذه الدعوة شرٌّ على الإسلام والمسلمين؛

стр. 8

فأَخذَ يناجِزُ مثل هذه الأفكار، ويُنَبِّهُ على ما فيها-في نظره- مِن الأخطار! ١، وهمْ قلةٌ مِن الناس.

стр. 9

منهج أهل السنّة والجماعة هو المنهج الحق: والحقُّ أحقُّ أن يُتَّبع، والله غالبٌ على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون؛ وقد قضى الله سبحانه أنه ناصِرٌ دينَهُ وكتابَهُ وعباده المخلصين الدّاعين إلى ذلك. والميزان الحق الذي لا يَضِلّ ولا يميل، الذي يجب أن يُحَكَّم في الأفكار والتصورات والأعمال، بل وفي سرائر النفوس، هو كتاب الله تعالى، وقَصْدُ وجْهِ الله وحْده الذي لا إله إلا هو، ولا ربّ سواه. ويَظَلُّ منهج تحكيم الكتاب والسنّة، وفْق منهج أهل السنّة والجماعة، هو المنهج الحقّ المعصوم، ويَظَلُّ هو طريق النجاة لمن أرادها، وبهذا المنهج نَدين الله تعالى، وإليه ندعو، سواء في هذا الكتاب أو غيره. وفي أعلام الهدى من أئمة هذا المنهج مِن السلف الصالح -مِن الصحابة فمن بعدهم، ممن توفاه الله على الحق غير مفتون ولا منحرفٍ- بصائر ومُهتدى وقدوةٌ لمن أراد الحق خالصاً صافياً لم تكدّرْه مكدِّرات الحق ومكدِّرات الرجال في هذا العصر!. ومسئولية الحفاظ على منهج أهل السنّة والجماعة مسئوليةٌ مشترِكةٌ بين

стр. 10

المسلمين جميعاً، بمختلف مجالاتهم، وبمختلف درجات تمسّكهم؛ لأنّ هذا راجعٌ إلى واجبِ حفْظِ الدين؛ وهو ليس مقصوراً على أحدٍ دون أحدٍ مِن المسلمين، ولا على بلادٍ دون بلاد. وأصول منهج أهل السنّة والجماعة أصولٌ مستقرّةٌ؛ فليس هو بحاجة إلى اجتهادات في أصوله وقواعده العامة؛ وإنما هو في حاجةٍ إلى تجديد تطبيق الأصول تلك على المستجدات في هذا العصر؛ لأنّ هذا هو مقتضى تفعيل هذا المنهج المعصوم في حياة الناس. وهذا الكتاب يكْشف جانباً مِن هذا المنهج الحق في موضوع البحث. علاج مشكلات المسلمين: لقد أيقنتُ أن العلاج لمشكلاتنا نحن المسلمين يَكْمن في أمرين، هما: الأول: الإخلاص لله تعالى. ومِن لازِم الإخلاص صِدْق الرغبة في معرفة الحق وفي اتّباعه. وقد كان السلف على هذه الصِّفَة؛ قال الشعبيُّ في مسألةٍ حَجَّهُ فيها المخالف له بالدليل: إني لأستحيي من الله إذا رأيت الحق أن لا أرجع إليه! ١. الثاني: الفقه في الدين، والفقه في الدعوة. ومِن لازِمه معْرفة النصوص الشرعية، ومعرفة مقاصد الشريعة وقواعدها، والعناية بمجالات تطبيق منهج الإسلام على الحياة المعاصرة، وفهْم المشكلات على حقيقتها؛ ومِن ثَمَّ

стр. 11

عرْضها على نصوص الشرع وقواعده. فمتى ما توافر هذان الأمران فينا كان الحل لمشكلاتنا، ومتى ما تخلَّف فينا هذان الأمران، أو أحدهما، كانت المشكلات التي لا تنتهي إلا بالعودة إلى هذا العلاج١. وهذا الكتاب يأخذ بيد القاريء الكريم إلى تحقيق شيءٍ من هذا الهدف العزيز. نسأل الله سبحانه أن يُصْلح القلوب والأعمال ويُحقّق الآمال. ولأخلاق الإسلام في هذا الباب، مكانها الذي لا يُغْني عنه سواه؛ فلا يُمْكن نشْر الإسلام بغير أخلاق الإسلام بحالٍ؛ فما أحوج المسلمين إلى أن يترسموا هدْي الإسلام في الدعوة إلى الإسلام. وهذا الكتاب يُنَبِّهُ إلى جوانب مِن هذا العلاج. وما أحوجنا إلى الصدق: صدْق الباطن، وصدْق الظاهر، صدْق القول وصدْق العمل؛ ثم بعْد ذلك سوف يكون حالنا دعوةً للآخرين قبل مقالنا، ويَصْدق في حقنا قول القائل: سِرُّ الفصاحة كامنٌ في المعدنِ لِخَصَائصِ الأرواح لا للأَلْسُنِ! فيستجيب المدعوّ بجهدٍ أقل، ويُقْبِل بقناعةٍ أكثر. ولقد صَدَق من قال:

стр. 12

وما يَنْفَعُ الإِعرابُ إنْ لم يكن تُقَى وما ضَرَّ ذا تقوى لسانٌ مُعْجَمُ؟! وإنْ كانت العُجْمةُ عيباً يضره في جوانب أُخرى، لكنه لا يضرّه في تقواه. هذا، وعلى الرغم مِن ازدحام الأفكار هنا إلا أنني أوثرُ أن أَدَعَ القاريء الكريم مع الكتاب علّه يَجِد فيه ما أردتُه مِن الخير وتوضيحِ منْهجٍ سديدٍ في موضوع الكتاب. ولايفوتني في الختام أن أشكر كلَّ مَن قدّمَ النصيحة في قليل أو كثير تجاه هذا الكتاب، وأسأل الله تعالى أن يجزي أولئك الإخوة الفضلاء خير الجزاء، ومنهم الذين قرءوا تجربة طبع الكتاب، وسِواهم كثير، ولئن لم أذكرْهم في هذا الموضع-لأسبابٍ، منها: عدم رضا بعضهم بذلك، ابتعاداً عن الشهرة أو الرياء، وفّقهم الله-فإني أرجو أن تكون ملائكة الرحمن قد أثبتتهم في سجلاتها فيمن ذبّ عن الإسلام ودعا إلى هداه على الوجه المقبول عند الله تعالى. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. وصلى الله على نبيه وعبده محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومَن والاه. وكَتَبَ: عبد الله بن ضيف الله الرحيلي

стр. 13

المبحث الأول: تمهيد بين يدي الموضوع ... بين يدي الموضوع إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ . أما بعد: فإن موضوع: "الدعوة إلى السنّة في تطبيق السنّة، منهجاً وأسلوباً" موضوع خطير جليل، والأصل أن يتصدَّى للحديث فيه من توافرت لديه الأهلية عِلْماً وعملاً، ولكن قد ينطلق المرء في حديثه من منطلق الشعور بالواجب وليس من منطلق الشعور بالأهلية، وذلك لما يراه من الحاجة الداعية للتصدِّى لمثل هذا الموضوع، وَمَنْ عدِم الماء تيمم بالتراب، فلستُ أتوهّم أنني طبيب معافى تعيّن عليه أن يتطبب في الناس، بل لم أظن ذلك، فلست أعلمَ منك أيها الأخ القارئ، ولا بالأكثر غَيْرة على سنّة المصطفى ﷺ ، وما هذه الكلمات إلا ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين.

стр. 14

فكرةٌ عن الموضوع، والفئة التي يخاطبها: إنني أُخاطب مِنَ الناس مَنْ قلوبهم مفعمة بالإيمان ومحبة الله تعالى ومحبة رسوله ﷺ ، يؤلمهم ما عليه واقع الأمة الإسلامية اليوم من إفراط أو تفريط، فقاموا بمهمة دعوة الناس إلى هذا الدين، مؤْثِرِين التعب والجدّ على ما يعدُّه الآخرون راحة وسكوناً. أُخاطب هداةً يحدوهم الأمل في هداية الناس وإسعاد البشرية الضائعة، وإخراجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم. إنني أُخاطبك أنت أيها الأخ الداعي إلى السنّة، يا مَنْ يحترق قلبك على ما أصاب كثيراً من المسلمين من ضياع وبُعْد عن السنّة، فأنت بذلك لا تملك إلا أن تنشط في مهمتك هذه جاعلاً إيّاها همّك بالليل والنهار، وشغلَك الشاغل في حركتك وسكونك في يقظتك ونومك في سرِّك وعلنك، ترجو بذلك أن تكون من أَتْباعِ النبي ﷺ المهتدين بهديه، المؤتسين به في سائر سنته. إنني أخاطب فيك إيمانك وغَيْرتك على السنّة النبويّة، فإنْ جرحتُ شعورك بذكْر خطأٍ فيك فأملي فيك أن لا تغضب ولا تحزن، إنما تُسَرُّ بقصْدك بالنصيحة وتنتفع بها، وقد قيل: اثنان ظالمان: رجل أُهديتْ إليه النصيحة فاتخذها ذَنْباً، ورجل وُسِّع له في مكان ضيق فجلس متربعاً!!. إن المقصود من هذا الموضوع هو تأكيد الدّعوة إلى السنّة بصورة مؤكَّدة تتناول اتّباع السنّة شكلاً ومضموناً، ومنهجاً وأسلوباً وعملاً وغاية، ويُراد منه تأكيد ضرورة الاهتداء بهدي السنّة في تطبيق السنّة، وفي الدعوة إليها،

стр. 15

إنه ليس دعوة إلى حِفْظِ السنّة ونَشْرها فقط، ولكنه دعوة إلى فقه السنّة فقهاً صحيحاً، وذلك شرْط أساسٌ للاستمساك بالسنّة وتقديرها حقّ قدرها. وليست هذه الفكرة جديدة، وإنْ لم أر أحداً أشار إليها نصّاً، فلقد تحدّث السلف الصالح ﵏ عن معان مهمّة ينبغي مراعاتها في الدعوة: كالحكمة، والموعظة الحسنة، واللين، والرفق، وغيرها من المعاني، منطلقين في ذلك من نصوص القرآن الكريم والحديث الشريف في هذه الموضوعات. إنّ هذا الموضوع نَقْدٌ لمنهجنا وأسلوبنا في الدعوة إلى السنّة يُراد منه النصيحة الواجبة لهذا الدين، وليس حديثي موجَّهاً لنقد شخص أو أشخاص أو جماعة، إنما هو لنقد أخطاء شائعة أو واقعة فينا قد يَلْزمنا التنبّه لها والرجوع عنها. واعتناء عدد منّا بالسنّة والدعوة إليها أمر حميد يُدخل السرور على النفس، بَيْد أنه لا يَمْنَع النقدَ ابتغاء النصيحة والتصحيح بل يوجبه. ولا يخفى أيها الأخ القارئ أن هذا الموضوع يحتاج إلى صَدْرٍ عامرٍ بالإيمان والإخلاص والقناعةِ التامّة بضرورة متابعة النبي المصطفى ﷺ والاقتداء به، والقناعة أنه القدوة المعصوم الذي لا يصح إيمان عبد حتى يقبل ما جاء به ﷺ . ومن لم يتوافر لديه مِثْلُ هذا المعنى من العبث أن يُتحدث إليه عن أهميّة فِقْه السنّة فقهاً صحيحاً!!. وقد عالج هذا الموضوع أخطاءً في المنهج وفي الأسلوب يقع فيها بعض الدعاة إلى الله تعالى عن حسن نيّة منهم وحرص على الخير، ولمّا كانت أخطاء طَلَبة العلم والداعين إلى السنّة ليست كأخطاء غيرهم، إذْ قد يحسبها

стр. 16

من الديِّن نفسه عامّةُ الناس ومن لا بصيرة له، وقد يستغلّها من في نفسه هوى لِيُشَوِّه دينَ الله المنزَّه، فيستغل بعض تصرفات طلبة العلم والحريصين على السنّة لينتقص بها الدين. وإنما هي أخطاء شخصية والإسلام منها براء. ولما كان الحرص على الخير والاجتهاد فيه لا يستلزم بالضرورة إصابة الحق - إذْ قد يُخالِف الصواب مَنْ يريده ويطلبه- لمّا كان كل ذلك مما يعانيه المسلمون بصورة واضحة، كانت هذه السطور جزءاً من علاج هذه الظواهر غير الموفَّقة. وقد رُوي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: ما أَمر الله عباده بما أمر، إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما إلى غلوّ وإما إلى تقصير، فبأيهما ظفر قنع١. وجاء هذا الموضوع على حدّ ما نَقَلتُهُ من قول الإمام ابن القيم-رحمه الله تعالى- عن السنّة والموقف منها، وأنها كلها لنا، وليس منها شيء لنا وشيء علينا، ولا نتخيّر منها. وقد اشتمل الموضوع على نظرات نقديّة لعددٍ من المناهج والأساليب غير السديدة في الدعوة إلى السنّة والتمسك بها، وَتَلَمُّس وجْه الصواب في أسلوب الدعوة في المسائل الخلافية، ومفهوم التمسك بالكتاب والسنّة بين الأخذ بالنص والأخذ بالاجتهاد، وكذلك وَجْه الصواب في مسألة تفاضل الأعمال، والخلاف في المسائل الفرعية.

стр. 17

وقد اخترتُ الحديث عن هذه الجوانب من الموضوع لمحاولة بيان المنهجيّة السليمة في فهم السنّة وإدراك هَدْيها ... وليس الهدف من الكتابة فيه بيانَ الأحكام الفقهية وأدلتها بقدْر تحديد المنطلقات والمنهج السديد لفقه السنن والدعوة إليها من خلال النصوص الشرعية نفسها. ومما دعا إلى الحديث عن هذا الأمر -كما قلت- ما رأيته من أخطاء ومنطلقات مخطئة في منهج بعض الناس، وأسلوبهم في الأخذ بالسنّة والدعوة إليها، قد تسيىء إلى السنّة. نسأله التوفيق والسداد. ?? المراد بالسنّة في هذا الموضوع وردت لفظة السنّة على عدة معان١، منها: ١- أن يراد بها المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، الذي هو الحديث النبوي، وهي بهذا تتعلق بالإسلام كله، دون أن تختص بفرض، أو واجب، أو سنّة، وهي بهذا شطر الدين، وليس هذا المعنى هوالمقصود هنا، وإن كانت أدلة إيجاب الأخذ بها في عمومها بهذا الاعتبار هي أدلة

стр. 18

الجانب الذي نتناوله. ٢- ووردت السنّة في مكان العقيدة. وليس هذا مقصوداً هنا أيضاً. ٣- ووردت في مكان الفَرْض. وليس هذا أيضاً مقصوداً هنا إلا أن يكون في مواضع قليلة. ٤- ووردت بمعنى ما يقابِلُ البدعة. وليس هذا مقصوداً هنا أيضاً. ٥- وإنما المراد بالسنّة هنا ما يقابل الفَرْض من فروع الأحكام الشرعية الثابتة عن النبي ﷺ وتتردد بين السنّة المؤكّدة والاستحباب. قال مكحول: "السنّةُ سنّتان: سنّةٌ الأخذ بها فريضة وترْكها كفر، وسنّةٌ الأخذ بها فضيلة وترْكها إلى غيرها١ حرج٢". ومجال السنّة هو مجال الأحكام الشرعيّة؛ قال ابن قتيبة رحمه الله تعالى: والسنّة إنما تكون في الدين لا في المأكول والمشروب. ولو أن رجلاً لم يأكل البطيخ بالرطب دهْرَه -وقد أكله رسول الله ﷺ أو لمْ يأكل القَرعَ، وقد كان يعجب النبي ﷺ ، لم يُقَلْ أَنه تَرَك السنّة٣!!. قلت: وهذا كلام نفيس يدل على فقه الرَّجل، ويؤخذ منه قاعدة عامّة،

стр. 19

ويستثنى من ذلك الإفطار على الرطب أو التمر أو الماء بالنسبة للصائم، لأنه قد تضافر على ذلك القولُ -بصيغة الأمر- والفعلُ منه ﷺ ؛ فيكون سنّةً. والله أعلم. إشارة إلى أهمية السنّة وأَودُّ الآن أن أُقدِّم الإشارةَ إلى أهمية السنّة بمعناها العامّ وأهمية التمسُّك بها. ويكفي في ذلك ما ورد من الآيات البيّنات والأحاديث الصحيحة من مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهاكُم عَنْهُ فَانتَهُوا ... ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَومَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً ... ﴾ ٢. وقوله: ﴿مَن يُطِع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ ٣. وقوله تعالى: ﴿يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ والرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ

стр. 20

تُؤمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَومِ الآخِر ذَلِكَ خَيْرٌ وَأحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ١. ومِنْ مثل قول النبي ﷺ : "فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديِّين من بعدي، تمسَّكوا بها، وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحْدَثات الأمور، فإن كل مُحْدَثة بِدعة، وكل بِدعة ضلالة" ٢. وقوله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ" ٣، وقوله ﷺ : "مَنْ أَحْدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدّ" ٤. إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة الوافرة في الحث على السنّة والاستمساك بها، فكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ كل ما فيهما حق وصواب، وليس فيهما شيء من الباطل أو الخطأ. والكتاب والسنة هما الأصل لشرع الله تعالى الذي لا نقص فيه ولا عيب، واعتقادُ هذا اعتقاداً جازماً من مقتضيات الإيمان بالله سبحانه والتسليم

стр. 21

بأن الكتاب والسنّة وحيٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهذا يعني ضرورة التسليم لهما، واتخاذهما ميزاناً لأقوال الناس ومذاهبهم وأفكارهم لمعرفة صواب ذلك من خطئه، وعدم معارضتهما بشيء من الأقوال والمذاهب والآراء، بما في ذلك أقوالنا وآراؤنا. إن الكتاب والسنّة هما الميزان الحق الذي به نعرف صواب الأقوال والمناهج والمذاهب من خطئها وليس العكس، وعليهما ينبغي أن تُعْرض وليس العكس!!. ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِين﴾ ١. ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً. وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلاً﴾ ٢، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِم﴾ ٣، ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٤. ومهمّة المسلم تُجاه الكتاب والسنّة هي فهْمهما فهْماً صحيحاً،

стр. 22

وتدبُّرهما، والعمل بهما، والدعوة إليهما. ليس لمسلم أن يُخالِف الكتاب والسنّة: وبناء على هذا فقد اتّضح أنه لا يصح لمسلم أن يُخالِف الكتاب ولا السنّة ولا يسعه ذلك، كيف والقرآن كلام الله تعالى، والسنّة حديث رسول الله ﷺ ؟! مَنْ ذا الذي يريد أن يستدرك على الله أو على رسول الله ﷺ أو يمكنه ذلك؟!. وقد كان السلف الصالح رضوان الله عليهم من الصحابة فمن بعدهم لا يختلفون على هذا المعنى، بل هم مُجْمِعون على ضرورة المتابعة للكتاب والسنّة وعلى استعظام الإعراض عنهما، وعلى أن كل أحد يؤخذ منه ويُرَدُّ عليه سوى رسول الله ﷺ . وقد كان عبد الله بن عمر ﵄ إذا سئل عن حُكمٍ ما فإنه كثيراً ما يحكي فعْل النبي ﷺ ثم يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَومَ الآخِرَ ... ﴾ ١ ٢.

стр. 23

وكذا كان يفعل ابن عباس رضي الله عنهما١. قال الشافعي: ولا أعلم من الصحابة ولا من التابعين أحداً أُخْبِر عن رسول الله ﷺ إلا قَبِل خبره، وانتهى إليه، وأثبت ذلك سنّة٢. وقال الأوزاعي: إذا بلغك عن رسول الله ﷺ حديث: فإياك أن تقول بغيره، فإن رسول الله ﷺ كان مبلِّغاً عن الله تعالى ٣. وقال الربيع: روى الشافعي يوماً حديثاً فقال له رجل: أتأخذ بهذا يا أبا عبد الله؟ فقال: متى ما رويت عن رسول الله ﷺ حديثاً صحيحاً فلم آخذ به، فأشهدكم أن عقلي قد ذهب٤. وقال الربيع: سمعت الشافعي وسأله رجل عن مسألة فقال له: يُروى عن النبي ﷺ فيها كذا وكذا. فقال له السائل: تقول به؟ فرأيته أُرعد وانتفض وقال: يا هذا أيُّ أرضٍ تقلّني وأيُّ سماءٍ تظلّني إذا رويت عن رسول الله ﷺ حديثاً فلم أقل به؟! نَعَمْ على السمع والبصر٥. وقال ابن أبي حاتم: أخبرني أبو محمد السجستاني فيما كتب إليّ عن

стр. 24

أبي ثور: سمعت الشافعي يقول: كل حديث عن النبي ﷺ قولي وإن لم تسمعوه منّي١. وقال مالك: لاتُعارضُوا السنّة وسلّموا لها٢. قال مَعْنٌ: سمعت مالكاً يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنّة فخذوا به وما لم يوافقهما فاتركوه٣. وصح عن الإمام أبي حنيفة وعن الإمام أحمد نحو ذلك. وقال مجاهد والشعبي والحاكم ومالك: ليس من أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم٤. وقال الإمام السبكي في مسألةٍ خلافية وهي مسألة ما إذا جاء قولٌ للشافعي يخالف حديثاً، فهل يؤخذ بالحديث أو يؤخذ بقول الشافعي؟ لأنه قرر أنه لا يخالف الحديث وأن الحديث إذا صح فهو مذهبه٥: قال: والأَولى عندي اتّباع الحديث ولْيفرض الإنسان نفسه بين يدي النبي ﷺ وقد سمع ذلك منه، أَيَسَعُهُ التأخر عن العمل به؟! لا والله، وكلّ أحد

стр. 25

مكلّف بحسب فهمه١، أي بحسب فهمه للكتاب والسنّة وَفْق القواعد والضوابط في ذلك. وقال في موضع آخر: والذي أقوله: إن المبادرة إلى امتثال الأمر مطلوبةٌ كمن سمعه من النبي ﷺ لا رخْصة له في ترْكه٢. ومِنْ هذا كله نخرج بحقيقةٍ واضحة هي أنه ما كان لأحد من السلف الصالح رضوان الله عليهم: من الصحابة ومن بعدهم من الأئمة أن يكون له الحق في مخالفة سنّة النبي ﷺ ، بل هم مُجْمعون على احترامها واتّباعها. على أن المراد باتّباع السنّة إنما هو اتّباعها وَفْق هَدْيها، سواء أفي مسألة الدعوة إليها أم الاهتداء بهَدْيها في سائر شئون الحياة، ولهذا أَنكر النبي ﷺ على من أخطأ في ظنه أنه يجوز له أن يغلوَ في الدين طالما أنه خَيْر، فقد أخرج البخاري وغيره عن أنس: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أُخْبروا كأنهم تَقَالّوها فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟! قد غفر الله له ما تقدم من ذَنْبه وما تأخر. قال أحدهم: أمّا أنا فأنا أصلِّي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أُفطِرُ، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً. فجاء رسول الله ﷺ ، فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أَمَا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنّي أصوم وأُفْطِرُ،

стр. 26

وأُصلِّي وأَرْقُدُ، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنَّتي فليس منّي" ١. فإذا تقرر لديك يا أخي ما سبق؛ فاعلم أن الناس تجاه التمسك بالسنّة على أحوال، ولكنْ هناك داءان لهما أثرٌ كبير في حياتنا تُجاه التمسك بالسنّة على مختلف أحقاب التاريخ الإسلامي هما: ١- الإعراض عن السنّة أو التساهل في الاستمساك بها لأيّ سبب من الأسباب التي قد لا تَخْرجُ عن أمرين، هما: أ - الجهل. ب- ضعْف الإيمان. ٢- التمسك بها على غير بصيرة ودون فِقْه لها، وذلك في صورةٍ أو أكثر مما يلي: أ - عدم الاهتداء بهديها الصحيح في التطبيق السلوكيّ لها. ب- عدم الاهتداء بهديها الصحيح في الدعوة إليها. جـ- الاهتمام بالأخْذ ببعضها على حساب بعضها الآخر. وهذا الثاني هو موضوع هذه السطور.

стр. 27

المبحث الثاني بيان المنهج والأسلوب الصحيحين للأخذ بالسنة والدعوة إليها المظاهر والأدلة ... المنهج والأسلوب الصحيحان في الأخذ بالسنة والدعوة إليها - المَظَاهِرُ والأدلة- لكلٍ من المنهج والأسلوب ارتباطٌ وثيق بالفكرة -أيّ فكرة- وبطريقةِ عرْضها. ولأثر كلٍ منهما انعكاسٌ تلقائي على الفكرة، وكم من قضية كانت حقاً ولكن أساء إليها منهجُ أو أسلوبُ عرْضها. ولا يكفي أن تكون الدعوى صحيحة لِيَقْبَلها الناس، حتى تُعْرَض عليهم بما يناسبها من المنهج والأسلوب الصحيحين. وهذا هو الأمر الذي يَفْرِضه الإسلام على الداعية حين يدعو إلى شيء من هَدْي الدين؛ فأوجب أن يُدْعى إليه بمنهجٍ سديد وأسلوب صحيح، وإلا فلا يَسُوغ لغير القادر أن يسيء إلى هذا الدين بأخطائه الشخصية منهجاً أو أسلوباً، وأنّ عليه -إذا كان غير متأهّلٍ للدعوة إليه-أن يتأهّل أَوّلاً، قبل أن يدعو إليه. والأدلة الموجبة لاتّباع المنهج والأسلوب الصحيحين كثيرة، وسأقتصر هنا على ذكر بعض الآيات والأحاديث في الموضوع، ومن ذلك: ١- اتخاذ الرسول ﷺ أُسوةً حسنة: قال الله تعالى آمراً بالاقتداء برسوله ﷺ والأخذ بسنته والاهتداء بهدْيه:

стр. 28

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ ١. وقال ﷺ : "صلّوا كما رأيتموني أصلي" ٢ وقال: "خذوا عنّي مناسككم فإني لا أدري، لعلّي لا أحج بعد حجتي هذه" ٣. ٢- الدعوة على بَصيرةٍ: قال تعالى في أهمية البصيرة في الدعوة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤. وقال ﷺ : "من يُرِد الله به خيراً يفقّهه في الدّين" ٥.

стр. 29

٣- الحكمة والرفق في الدعوة: قال سبحانه في أهمية: الحكمة١، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِه وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين﴾ ٢. وقال ﷺ : "من يُحْرم الرفق يُحْرم الخير" ٣. وقال: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا يُنْزع من شيء إلا شانه" ٤. وقال: "إن الله رفيق يُحِبُّ الرفْق في الأمر كله" ٥. وقال: "يَسِّروا ولا تُعسّروا وَبشِّروا ولا تُنفّروا" ٦.

стр. 30

وفي الآية الآتية إشارة إلى أهمية المنهج الصحيح في مجادلة المخالفين من الكافرين من أهل الكتاب، فهي تَنْهى المؤمنين عن مجادلتهم إلا بالتي هي أحسن، وليس هذا فحسب بل الآية تأمر المؤمنين بإعلان الحق الذي يؤمنون به ويدعوهم إليهم دِينُهم، ومِنْ ذلك ما يوافقهم عليه أهل الكتاب من أصول الإيمان، وفي هذا إشارة إلى عدم تحاشي إعلان الحق الذي يشاركنا في الإيمان به أهل الكتاب: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَينَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُم وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُم وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون﴾ ١. بل تذهب الآية الآتية إلى أبعدَ مِنْ هذا، إذ تأمر المؤمنين أن يبتعدوا عن سبّ الآلهة الزائفة التي يعبدها المشركون من دون الله، ومع أن مثل هذا المسلك حق في ذاته إلا أنه قد يجرّ المشركين إلى أن يسبّوا الله عَدْواً بغير علم، فلهذا نهى الله المؤمنين عن سبّ آلهة المشركين الزائفة، وفي هذا تفقيه للمؤمنين وأَمْر لهم أن ينظروا في عواقب الأمور وفي تحقيق المقاصد الشرعية: ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوَاً بِغَيْرِ عِلْم﴾ ٢.

стр. 31

٤- تبليغ الدعوة البلاغ المبين: قال تعالى مبيّناً لعباده المؤمنين أهمية البلاغ والبيان وضرورة العناية بهما وبما يحققهما من الوسائل: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ١. وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢. ٥- العناية بفقه الدين وفقه الدعوة إليه: قال تعالى في أهمية الفقه في الدين والدعوة إليه: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجُدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً، وَإِذَا جَاءَهُم أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَو رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَولا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُم وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ٣. وقال: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ٤. والفقه والبصيرة مما وصف الله به عباده الذين سمّاهم سبحانه: "عباد الرحمن" فَذَكَر أن مِنْ صفاتهم: ﴿وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا

стр. 32

عَلَيْهاصُمّاً وَعُمْياناً﴾ ١. ٦- الوسطية في الدعوة: قال سبحانه في وصْف عباد الرحمن أيضاً منبّهاً على أهمية التوسط وعدم الإفراط والتفريط: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ ٢. وقال محذّراً من الغلوّ: ﴿يا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاّ الْحَقَّ﴾ ٣. وقال سبحانه: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُم غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثيراً وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيل﴾ ٤. ٧- سلامة القلب للمؤمنين: ذَكَر اللهُ أَنّ من وصْف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِم يَقُولُون رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ٥.

стр. 33

٨- تحاشي ما يَصْرف الناس عن الهداية: قال سبحانه على لسان فئة من المؤمنين المفلحين: ﴿وَقَالَ مُوسَى يا قَوْمِ إِن كُنْتُمْ آمُنْتُم باللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ، فَقَالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظّالِمينَ﴾ ١. وقال على لسان إبراهيم الخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٢. ٩- بَذْل الوسع في الاستمساك بالدِّين: قال تعالى في الاستمساك بأحكام الإسلام وتعاليمه بقَدْر الاستطاعة من غير تقصير: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُم وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ... ﴾ ٣. وقال ﷺ : "فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" ٤. وقال ﷺ : "إنّ هذا الدين يُسْر ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا" ٥.

стр. 34

الحكمة في الدعوة إلى السنة وصور من مظاهرها مدخل ... الحكمة في الدعوة إلى السنّة وصُوَرٌ من مظاهرها الحكمة في الدعوة إلى السنّة-وإلى سائر أحكام هذا الدين-علاجٌ لكثيرٍ مِن الأخطاء الواقعة في هذا الباب. ولا يَخفى أيضاً أنّ الحكمةَ في منهج الدعوة إلى هذا الدين تُمَثِّل جانباً كبيراً مِن ذلك المنهج، ويكفي أنه تعالى قد أَمر بها فقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِه وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ١. إنّ نصوص الوحْي أمثال هذه الآية تدل بعمومها على أن الحكمة في أغلب الأحوال تقضي بالأخذ بالرفق واللين والتيسير، على أن الحكمة كلمة عامّةٌ جميلة المعنى، تقضي بوضع الشيء في موضعه المناسب، وباختيار التصرف الأنسب، والوسيلة والأسلوب المناسبين كذلك للدعوة إلى الخير والمعاني الفاضلة، حتى تشملَ الشدة في موضعها الشرعي المطلوبة فيه، لكنّ الواقع شاهدٌ بأنّ موضعها المطلوبة فيه- في مجال الإصلاح -في بعض الأحيان نادر جداً، وأنه مِن الندرة بحيث تبدو الشدة، مِن عموم هذه النصوص، غير ملتفَتٍ إليها، ذلك لأن هذه الشدة ليست هي المبدأ الأصل في التعامل

стр. 35

الشرعي، وإنما يُلجأ إليها بعد وجود أسبابها ودواعيها الشرعية النادرة. وهناك صُوَرٌ كثيرة من مظاهر الحكمة في الأخذ بالسنة سواء في مجال التطبيق العملي لها أو في الدعوة إليها، التي إذا أخذَ بها الإنسان كان متَّبعاً للكتاب والسنّة في هذا الباب؛ فمن ذلك:

стр. 36

١ - السماحة في الدعوة: السماحة في الدعوة إلى السنة سِمَةٌ للدعوة الصحيحة المُلْتَزِمة بأحكام هذا الدين، والسماحة تقتضي حُسْنَ الخُلُق وتقدير ظروف الناس، وتتجلى السماحة في مظاهر متعددة، في سلوك الداعية وتصرفاته، وفي أسلوب دعوته الناس، فينبغي للمسلم العناية بهذا الخلق الإسلامي الرفيع. وبما أن السماحة صفة من الصفات التي تميّز بها هذا الدين تتجلى في جميع أحكامه، فكذلك ينبغي أن تَظْهَرَ هذه السماحة في أسلوب الدعوة إليه ومنهجها، فهو دينٌ سمْحٌ يجب أن يُدْعى إليه بالسماحة، وقد قال ﷺ : "بُعثتُ بالحنيفية السمحة" ١. وقال ﷺ : "أحبُّ الدِّين إلى الله الحنيفية السمحة" ٢.

стр. 37

وهذا هو الأسلوب المؤثر في الناس، ويشهد بهذا الحكمِ: الشرعُ والعقلُ والفطرةُ والواقعُ، وقد قال الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُم وَلَو كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِك﴾ ١، فاللين في موضعه الشرعي من السماحة المطلوبة شرعاً. وليس من السماحة حَمْل الناس على رأي واحدٍ إذا كان في المسألة رأيان صحيحان، أو على صورةٍ واحدة إذا كان في المسألة صورتان مشروعتان. وليس من السماحة حمْل الناس على الأشد دائماً. وليس من السماحة حمْل الناس على الأَوْلى دون مراعاةٍ لظروف الناس التي يراعيها الشرع، أو دون مراعاة لطبيعة الحكم الشرعيّ في المسألة. وليس من السماحة عدم عُذْرِ من عَذَره الله. إنه ليس مِن السنّة الدعوة إلى السنّة بالغِلظة والتضييق اللذين لا مجال للسماحة معهما، وهذا يخالف طريقة النبي ﷺ في الدعوة إلى أحكام الدين وهدْيه؛ فكيف ندعو إلى السنّة متنكِّبين هدْي النبي ﷺ !.

стр. 38

٢- الرفق في الدعوة: الرفق في الدعوة إلى الله تعالى بعامّة والدعوة إلى السنّة بخاصة مبدأٌ شرعيّ، ولاسيما في مجال الدعوة إلى الله تعالى، والمراد به التلطف في إيصال الدعوة إلى الآخرين، وليس المراد المداهنة والتنازل عن شيء من هدْي

стр. 39

الإسلام، وقد قال النبي ﷺ قولاً عامّاً في الرفق وعاقبته، فقال: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه" ١. فأراد النبي ﷺ هذا العموم "لا يكون في شيء ... ولا ينزع من شيء"، وقال ﷺ : "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله" ٢. فلا يستطيع أحد، بعد هذا البيان النبوي الواضح، أن يُخْرِج الدعوة من هذا الحكم العام. والرفق المشروع في الدعوة إلى الله تعالى فرعٌ من فروع السماحة، ومَظْهَرٌ من مظاهرها، ودليل على التخلُّقِ بها. وليس من الرفق تجاهل ظروف الناس وأعذارهم. وليس من الرفق العجلة المذمومة. وليس من الرفق عدم مراعاة سنّة التدرج في الدعوة والبيان والتعليم المتآخية مع سنة الله في الخَلْق. وليس من الرفق الفُحْشُ والبذاء. وليس من الرفق والسماحة العدول عن هدي النبي المصطفى ﷺ بصفة عامة. وليس من الرفق والسماحة مُجَانَبَةُ هدْي النبي ﷺ في أنه ما خُيّرَ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً. إنه لا يَصحّ أن ندعو إلى السنّة بما ينافي طبيعتها وطبيعة هذا الدين

стр. 40

مِن الشدة والجفاء، على الرغم مِن تأكيد الرسول ﷺ على الرفق بعامّةٍ في الأمور كلها.
следующие страницы →