← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 11199

أصول النحو 1 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (308 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

-[أصول النحو ١]- كود المادة: GARB٥٣٥٣ المرحلة: ماجستير المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية الناشر: جامعة المدينة العالمية عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

الدرس: ١ حد أصول النحو، وحد النحو، وحد اللغة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الأول (حدّ أصول النحو، وحدّ النحو، وحدّ اللغة) معنى أصول النحو الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فنتعرف على حد أصول النحو، وحد النحو، وحد اللغة. أصول النحو: هي أدلة النحو التي تفرَّعت منها فروعه وفصوله، كما أن أصول الفقه أدلَّة الفقه التي تنوَّعت عنها جملته وتفصيله، ذكر هذا أبو البركات الأنباري في بداية كتابه (لمع الأدلة)، وفصل السيوطي المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة من الهجرة في كتابه المسمى (الاقتراح) فصَّل القول في هذا التعريف فقال: "أصول النحو علم يُبحث فيه عن أدلة النحو الإجمالية من حيث هي أدلته، وكيفية الاستدلال بها، وحال المستدل"، وهكذا أوضح السيوطي أن موضوع علم أصول النحو ثلاثة أمور: أولها: البحث عن أدلة النحو الإجمالية من حيث هي أدلته. وثانيها: البحث عن كيفية الاستدلال بهذه الأدلة. وثالثها: البحث عن حال المستدل بها. وألقى مزيدًا من الأضواء الكاشفة على هذا التعريف، مبينًا أن مراده بقوله: "علم" أنه صناعة يعني: أنه يحتاج في تحصيله إلى دُربة ومران؛ لتتكوَّن لدى من يتعلمه ملكة استحضار مسائله وقواعده وقضاياه، ولا يلزم فقده من فقد العالم به؛ لأنه صناعة مدوَّنة، وقواعد مقررة، وأدلَّة محررة؛ سواء وُجد العالم بها أو لم يوجد. وأفاد أن تقييده بقوله: "يبحث فيه عن أدلة النحو" يخرج كل صناعة

стр. 3

سوى هذا العلم وسوى النحو، أي: حتى يكون هذا العلم مقصورًا على موضوعه. وفي ضوء ما ذكره علماء أصول النحو، وعلى رأسهم ابن جني المتوفى سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة من الهجرة، وأبو البركات الأنباري المتوفى سنة سبع وسبعين وخمسمائة من الهجرة وجلال الدين السيوطي نقول: إن أدلة النحو التي اعتمد عليها علماء الصناعة النحوية في تقعيد القواعد كثيرة جدًّا تخرج عن حدِّ الحصر، لكن الغالب منها أربعة أنواع، وهي السماع، والقياس، والإجماع، واستصحاب الحال، وفي حديث السيوطي عن حدِّ أصول النحو في بداية كتابه المسمى بـ (الاقتراح) بيَّن أن ابن جني في كتابه الخصائص تحدَّث عن ثلاثة أنواع من هذه الأربعة، ولم يذكر الاستصحاب، وأن الأنباري تحدَّث أيضًا عن ثلاثة منها فقط، ولكنه لم يذكر الإجماع، ثم علَّق السيوطي على ذلك بقوله: "فزاد -يعني: الأنباري- الاستصحاب، ولم يذكر الإجماع؛ فكأنه لم يرَ الاحتجاج به في العربية كما هو رأي قوم" انتهى، والحق أن ذلك سهو من السيوطي ﵀ وقد نبَّه عليه الأستاذ الدكتور أحمد محمد قاسم محقق (الاقتراح) طيب الله ثراه، كما نبَّه عليه غيره ممن عُنوا بشرح هذا المؤلف القيم، فأوضحوا أن الأنباري ذكر الإجماع في مؤلفه المسمى بـ (لمع الأدلة)؛ حيث ذكر إن الإجماع حجة قاطعة. تحليل الحدِّ الذي أورده السيوطي لعلم أصول النحو: أراد السيوطي أن يوضّح للدارسين أن هناك فرقًا دقيقًا بين الاستدلال عند علماء أصول النحو، والاستدلال عند علماء النحو، فلكل وظيفة وتخصص؛ فالأولون وهم علماء أصول النحو يبحثون عن الأدلة الإجمالية، أي: ككون القرآن الكريم حجة، أما علماء النحو فهم يبحثون عن الأدلة التفصيلية، وذكر لذلك أربعة أمثلة، وهي:

стр. 4

المثال الأول: مسألة جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار. والمثال الثاني: مسألة جواز الإضمار قبل الذكر في باب الفاعل والمفعول. والمثال الثالث: مسألة جواز مجيء الحال من المبتدأ. والمثال الرابع: مسألة جواز مجيء التمييز مؤكدًا. وقال: إن البحث عن دليل خاصّ بكل مسألة من هذه المسائل ونحوها؛ إنما هو وظيفة علم النحو لا علم أصول النحو، يريد أن هذه المسائل الخلافية يتناولها علم النحو بالتفصيل والتحليل؛ مستعينًا على حسم الخلاف، والوصول إلى رأي معين بالترجيح، أو التضعيف، أو القبول، أو الرّدّ بما يحضر عالم النحو من الأدلة النحوية الخاصة من قرآن كريم، أو حديث نبوي شريف، أو كلام عربي، أو قياس نحوي، أو غير ذلك من الأدلة التي فاضت بها المؤلفات النحوية، والتي أفادها هذا العالم على سبيل الإجمال من تحصيله لعلم أصول النحو، وعرف عن طريق هذا العلم مدى قوة كل دليل أو ضعفه. وقول السيوطي: "في حد أصول النحو من حيث هي أدلته بيان لجهة البحث عن هذه الأدلة بما له حجية في علم النحو -أي: في البحث عن القرآن الكريم بأنه حجة في النحو كما سبق- لأنه أفصح الكلام؛ سواء أكان متواترًا أم آحادًا، وعن السنة النبوية الشريفة بشرطها الآتي في مبحث الكلام عنها بالتفصيل، وعن الكلام العربي النثري أو الشعري الصادر عمن يُوثق بعربيته، ويُحتج بكلامه، وعن إجماع أهل البلدين البصرة والكوفة، وعن القياس، وما يجوز من العلل فيه، وما لا يجوز"، وقوله في الحد: "وكيفية الاستدلال بها" معطوف على قوله: "أدلة النحو الإجمالية". والمعطوف هنا هو الأمر الثاني من الأمور الثلاثة التي يتناولها موضوع علم أصول النحو، فكما يُبحث فيه عن الأدلة السابق ذكرها

стр. 5

يُبحث فيه أيضًا عن كيفية الاستدلال بهذه الأدلة أي: عند تعارضها واختلاف مقتضاها، ونحو ذلك كتقديم السماع على القياس؛ إذ لا بد من قبول المسموع، ثم لا يُقاس عليه غيره كـ ﴿اسْتَحْوَذَ﴾ في قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ (المجادلة: ١٩) فالقياس في مثله أن تُنقل حركة الواو إلى الحرف الساكن الصحيح قبلها وهو الحاء هنا، ثم تُقلب الواو ألفا لتحركها في الأصل، وانفتاح ما قبلها بعد نقل حركتها إليه، ولكن قُدِّم المسموع على هذا القياس في خصوص ما سُمع، ثم لا يُقاس عليه غيره؛ فحكم ما سُمع عن العرب مخالفًا لأقيسة العلماء تقديم المسموع على المقيس، اللهم إلا لمانع من ذلك التقديم، كإجماعهم على إهدار ذلك المسموع لضعفه، كقول العرب: "خرق الثوب المسمار" برفع المفعول ونصب الفاعل. ومن أمثلة كيفية الاستدلال التي أوردها السيوطي: تقديم ما كثر استعماله على ما قوي قياسه، كتقديم اللغة الحجازية على اللغة التميمية، إلا لمانع من فقدِ شرط من شروط الإعمال، أو أكثر؛ لأن الحجازية أكثر استعمالًا، ولذا نزل بها القرآن الكريم، وإن كانت التميمية أقوى قياسًا، وكتقديم أقوى العلتين على أضعفهما، فإذا تعارض قياسان مثلًا أُخذ بأرجحهما، وهو ما وافق دليلًا آخر من سماع أو قياس، كقول الكوفيين إن "إنَّ" تنصب المبتدأ فقط؛ لشبهها بالفعل، أما الخبر فمرفوع بما كان مرفوعًا به قبل دخولها؛ لضعف الحرف عن القيام بعملين، وقول البصريين: إنها تنصب الاسم وترفع الخبر؛ لأنه ليس في كلام العرب عامل يعمل في الاسم النصب إلا وهو يعمل في الخبر الرفع، فما ذهبتم إليه أيُّها الكوفيون يؤدّي إلى ترك القياس ومخالفة الأصول لغير فائدة. وكتقديم أخف الأقبحين على أشدهما قبحًا، وذلك إذا قلت مثلًا: فيها قائمًا رجل. لما كنت بين أن ترفع قائمًا، فتقدم الصفة على الموصوف، وهذا لا يكون

стр. 6

بحال، وبين أن تنصبه حالًا من النكرة التي لا مسوّغ لها وهو خلاف القياس، ولكنه سُمع في لغة ضعيفة حكاها سيبويه في (الكتاب)، فالحمل على هذه اللغة الضعيفة أولى إلى غير ذلك. وقد اشتملت كتاب السيوطي (الاقتراح) بعد المقدمات على سبعة كتب، ويعني بها السيوطي: الأبواب أو الفصول، وعقد مبحثًا خاصًّا في التعارض والترجيح تضمَّن ست عشرة مسألة، تناول فيها كيفية الاستدلال بأدلة النحو عند تعارضها، وذلك في الكتاب السادس من هذه الكتب السبعة التي ضمها كتابه، ولذلك قال: "وهذا المعقود له الكتاب السادس"، وقوله في الحد: "وحال المستدل معطوف على ما قبله "، وهذا هو الأمر الثالث من الأمور التي يتناولها موضوع علم أصول النحو. فهذا العلم يُبحث فيه كذلك عن حال المستدل -أي: المستنبط للمسائل من الأدلة المذكورة، أي: يبحث فيه عن صفاته وشروطه، وما يتبع ذلك من صفة المقلد والسائل قال: "وهذا هو الموضوع له الكتاب السابع" والكتاب السابع آخر مباحث كتاب (الاقتراح)، وقد ضمَّ أربع مسائل. أما الأدلة غير الغالبة كالاستقراء والاستحسان، وعدم النظير، وعدم الدليل، فكان الكثير منها موضوع الكتاب الخامس، ولذلك قال بعد ذكره: أنه عقد أربعة الأبواب الأولى للحديث عن الأدلة الغالبة الأربعة، قال: "ودونها الاستقراء والاستحسان، وعدم النظير، وعدم الدليل المعقود لها الكتاب الخامس "، فائدة علم أصول النحو قال السيوطي نقلًا عن كتاب (لمع الأدلة) لأبي البركات الأنباري: "وفائدته -أي: فائدة علم أصول النحو- التعويل في إثبات الحكم على الحجة والتعليل، والارتفاع عن حضيض التقليد إلى يفاع الاطلاع على

стр. 7

الدليل، فإن المُخْلِد إلى التقليد لا يعرف وجه الخطأ من الصواب، ولا ينفك في أكثر الأمر عن عوارض الشك والارتياب" انتهى. ومعنى ما قاله أبو البركات الأنباري: أن دراسة أصول النحو والوقوف على أدلة الاحتجاج تُعِين الدارس على إثبات الأحكام الموثقة بالحجة البينة، والدليل المعتمد؛ فيكون حكمه أبعد ما يكون عن عوارض الشك والارتياب، في حين أن من يعجز عن الوصول إلى الدليل والنظر، ويركن إلى التقليد من غير تحقيق أو تدقيق، أو إعمال فكر، أو إدارة بصر لا يعرف وجه الخطأ من وجه الصواب، ولا تخلص معلوماته عن شوائب الشك والارتياب. حدود النحو ذكر السيوطي أن للنحو حدودًا شتَّى يريد أن حدود النحو كثيرة مبثوثة متفرقة في بطون الكتب، واختار من بين هذه الحدود ستة حدود لستة علماء من ستة مؤلفات؛ موضحًا أن أليقها بكتابه -أي: أحسنها، وألصقها، وأقربها إلى تحقيق الغرض من تأليف كتابه- هو قول ابن جني في (الخصائص): "هو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب، وغيره كالتثنية والجمع، والتحقير، والتكثير، والإضافة، وغير ذلك؛ ليلحق من ليس من أهل اللغة العربية بأهلها في الفصاحة، وأصلها -يعني: النحو- مصدر نحوت بمعنى قصدت، ثم خُصَّ به انتحاء هذا القبيل من العلم، كما أن الفقه في الأصل مصدر فقهت بمعنى فهمت، ثم خُصَّ به علم الشريعة" انتهى. ونلحظ أن السيوطي قد تصرف في النقل عن ابن جني تصرفًا يسيرًا بالإيجاز غير المخل؛ خشية الإطالة على القارئ، ورغبة في الوفاء بما ذكره في مقدمة

стр. 8

(الاقتراح)؛ حيث قال: "واعلم أني قد استمديت -أي: استمدت بمعنى طلبت المدد والمعونة، فأصله بدالين ثم خُفف بإبدال الثانية ياء لكراهية التضعيف، وهذا الإبدال غير مطرد- هذا الكتاب كثيرًا من (الخصائص) لابن جني، فإنه وضعه في هذا المعنى وسماه (أصول النحو)، لكن أكثره خارج عن هذا المعنى، ثم قال: فلخصت منه جميع ما يتعلق بهذا المعنى بأوجز عبارة، وأرشقها، وأوضحها معزوًا إليه" انتهى. وهذا النص قد تضمن معنى النحو بأوجز عبارة وأفصح بيان، وأوضح أن النحو هو الاتجاه صوب كلام العرب، والميل جهة طرائقهم في تصرفه من إعراب وتصريف، أي: في تصرف الكلام العربي من وجه إلى آخر؛ سواء كان ذلك في التراكيب أو المفردات، وقال معللًا انتحاء سمت كلام العرب: ليلحق من ليس من أهل العربية بأهلها في الفصاحة، وابن جني يُريد بالفصاحة هنا ما يشمل سلامة المفردات من مخالفة الاستعمال، أو القياس، أو هما معًا، وسلامة التراكيب من الوقوع في اللحن. وقد ذكر شراح (الاقتراح) أن السيوطي في اختصاره كلام ابن جني حذف منه مواضع لا تخلو عن فائدة في الجملة، ولذلك نذكر كامل العبارة لإتمام النفع وإكمال الفائدة، قال ابن جني -رحمه الله تعالى- في (الخصائص): "باب القول على النحو هو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره كالتثنية والجمع، والتحقير، والتكثير، والإضافة، والنسب، والتراكيب، وغير ذلك؛ ليلحق من ليس من أهل العرب بأهلها في الفصاحة، فينطق بها، وإن لم يكن منهم، وإن شذَّ بعضهم عنها رُدَّ به إليها، وهو في الأصل مصدر شائع -أي: نحوت نحوًا كقولك: قصد قصدًا، ثم خُصَّ به انتحاء هذا القبيل من العلم، كما أن الفقه في الأصل مصدر فقهت الشيء أي: عرفته، ثم خُصَّ به علم الشريعة

стр. 9

من التحليل، والتحريم، وكما أن بيت الله خُصَّ به الكعبة، وإن كانت البيوت كلها لله، وله نظائر في قصر ما كان شائعًا في جنسه على أحد أنواعه، وقد استعملته العرب ظرفًا وأصله المصدر" انتهى. وولي تعريف ابن جني للنحو في كتاب (الاقتراح) تعريف صاحب (المستوفى)، وهو أبو سعيد الفرخان أو الفرُّخان بالفاء المفتوحة والخاء المعجمة بينهما راء ساكنة أو مضمومة مشددة، والضبط الأول هو الأصح واسمه علي بن مسعود بن محمود بن الحكيم القاضي جمال الدين، المتوفى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة من الهجرة قال في كتابه المذكور: "النحو صناعة علمية ينظر لها أصحابها في ألفاظ العرب من جهة ما يتألَّف بحسب استعمالهم؛ لتُعرف النسبة بين صيغة النظم، وصورة المعنى، فيتوصل بإحداهما إلى الأخرى" انتهى. ونحن نلحظ أن ابن جني قد حدَّ النحو بمفهومه القديم الشامل للنحو والصرف معًا، باعتبار الصرف قسمًا من النحو فحدَّه بما يتناول أحكام المفردات والتراكيب. أما صاحب (المستوفى) فقد حدَّه مقصورًا على ما يتألفه -أي: يتركب منه الكلام- ولا أدلَّ على ذلك من قوله في كتابه (المستوفى) عند حديثه عن فضيلة النحو: "وأما مرتبة هذا العلم من العلوم المناسبة له فبعد اللغة والتصريف، وقبل الكلام والفقه ... " إلى قوله: "فهو فوق ما قبله، ودون كثير مما بعده" انتهى. ففرَّق بينه وبين التصريف، ولكنه أشار في التعريف إلى مراعاة الارتباط فيه بين الألفاظ والمعاني؛ فالنحو عنده مراعاة ما تقتضيه ظاهر الصناعة، ومراعاة ما تتطلبه المعاني معًا لما بينهما من كمال الارتباط. أما الحد الثالث للنحو الذي أورده السيوطي في (الاقتراح) فقد نقله عن محمد بن يحيى بن هشام الأنصاري الخزرجي الأندلسي، المعروف بالخضراوي نسبة إلى

стр. 10

الجزيرة الخضراء المتوفى سنة ست وأربعين وستمائة من الهجرة قال: "النحو علم بأقيسة تغيير ذوات الكلم، وأواخرها بالنسبة إلى لغة لسان العرب" انتهى. والأقيسة هي القواعد -أي: القوانين- وقد شمل تعريفه النحو بأقيسة تغيير ذوات الكلم أي: المفردات؛ كالتثنية، والجمع، والتصغير، وسائر المباحث الصرفية، وأيضًا شمل تغيير أواخر الكلم أي: التراكيب؛ فالصرف عنده إذن قسم من النحو، فهو متابع في هذا لابن جني. وقد اتهم بأن في تعريفه هذا ركاكة غير خافية، وبخاصة قوله: "إلى لغة لسان العرب" فقيل: لو حذف كلمة "لسان" لكان أولى. أما الحد الرابع للنحو الذي أورده السيوطي فقد نقله عن ابن عصفور الأندلسي المتوفى سنة تسع وستين وستمائة من الهجرة قال: "النحو علم يُستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها" انتهى. وتعبيره بالفعل المضارع "يستخرج" أبلغ من التعبير باسم المفعول "مستخرج"، لما في الفعل المضارع من الدلالة على الدوام والاستمرار، كما أن التعبير بالجمع الأقصى "مقاييس" أبلغ من تعبير الخضراوي بصيغة جمع القلة "أقيسة"؛ إذ القواعد النحوية لا تكاد تُحصى لكثرتها، فجمع الكثرة إذًا أولى بها من جمع القلة. والمراد بمعرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها ما يشمل الأحكام التصريفية والأحكام النحوية. ولم يَسْلَم هذا التعريف أيضًا من النقد؛ فقد اعترضه أحمد بن محمد الإشبيلي المشهور بابن الحاج المتوفى سنة سبع وأربعين وستمائة من الهجرة اعترضه من وجهين:

стр. 11

أحدهما: أن بيان ما يُستخرج منه النحو ليس بيانًا لحقيقة النحو. والآخر: أن كلامه يقتضي أن المقاييس شيء غير النحو مع أن علم مقاييس كلام العرب هو النحو. وقد رُدَّ عليه بأن قول ابن عصفور: "علم يستخرج بالمقاييس ... " إلى آخره مراده به إدراك حاصل من القواعد الحاصلة من المقاييس المستنبطة من الاستقراء، أي: من تتبع كلام العرب، وهو تبيينٌ لحقيقة النحو، لا تبيين لما منه استخراجه، ويُعلم بهذا أن علم مقاييس كلام العرب هو النحو، فيسقط النقد بوجهيه. أما الحد الخامس للنحو فقد نقله السيوطي عن صاحب كتاب (البديع)، وهو محمد بن مسعود الغزني المتوفى سنة إحدى وعشرين وأربعمائة من الهجرة، قال: "النحو صناعة علمية يُعرف بها أحوال كلام العربي من جهة ما يصح ويفسد في التأليف؛ ليعرف الصحيح من الفاسد وبهذا يعلم أن المراد بالعلم المصدر به حدود العلوم الصناعة، ويندفع الإيراد الأخير على كلام ابن عصفور" انتهى. وبهذا الحد يتفق صاحب (البديع) مع صاحب (المستوفى) فقد عرف كلاهما النحو بأنه صناعة نحوية، أي: ملكة حاصلة بالتمرّن والدُّربة، وأشار صاحب (البديع) إلى أنه بتعريف النحو بأنه صناعة نحوية يندفع ما أورد على تعريف ابن عصفور السابق الذي لم يشر في صدارته إلى أن النحو صناعة، من أنه يقتضي فقد العلم عند فقد العالم بما ذكر، وليس كذلك لثبوته؛ لأنه قواعد مقررة، وأقيسة محررة سواء وجد العالم بها أم لم يوجد. كما أشار إلى ذلك السيوطي عند تعريفه أصول النحو.

стр. 12

أما الحد السادس للنحو فأورده السيوطي نقلًا عن الإمام أبي بكر محمد بن الثري البغدادي المعروف بابن السراج المتوفى سنة ثلاثمائة وستة عشرة من الهجرة قال في كتابه المسمى بـ (الأصول في النحو): "النحو علم استخرجه المتقدمون من استقراء كلام العرب" وقد قيل: إن هذا التعريف تقريبي؛ لأنه يصدق على علوم الأدب كلها، فإن هذا شأن كل منها، ولم يشر السيوطي إلى فائدة علم النحو كما أشار إلى فائدة علم أصول النحو؛ لأن كتابه (الاقتراح) ليس موضوعه النحو، وإنما موضوعه أصول النحو. كما أن الحديث عن فائدة علم النحو حديث يحتاج إلى الإسهاب والإطناب، ولا تغني فيه الإشارة عن المقالة، ولكن الأمر كما يقول المثل العربي: حسبك من القلالة من أحاط بالعنق. ويكفي أن نطلع على ما ذكره المؤرخون لنشأة علوم اللغة العربية، وفي مقدمتها علم النحو، وكيف كانت الملكة اللسانية عند العرب من أحسن الملكات وأوضحها إبانة عن المقاصد والقدرة على الوصول إلى أجلّ المعاني، وأكثرها بأوجز الألفاظ وأقلها، وهذا هو معنى قول الرسول الكريم -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الأطهار-: ((أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارًا))، ولكن لما اختلط العرب بالعجم، تغيَّرت تلك الملكة بما ألقى إليها السمع من المخالفات التي للمستعربين، والسمع أبو الملكات اللسانية -كما قال ابن خلدون- ففسد بما ألقي إليها مما يُغايرها لجنوحها إليه باعتياد السمع، وخشي العلماء أن تفسد تلك الملكة رأسًا، ويطول العهد بها فينغلق فهم الكتاب والسنة، ولا يسلما من عادية اللحن والتحريف، وهما موئل الدين وذخيرة المسلمين فبادر الغيور على دين الله إلى تأليف تلك القواعد والقوانين في ضوء أدلة علم أصول النحو، واصطلحوا على تسميتها بعلم النحو.

стр. 13

حدُّ اللغة أما المعنى المعجمي لكلمة لغة، وتصريفها، ومعرفة حروفها؛ فإنها فعلة من لغوت أي: تكلمت، ومن المعاني التي دارت حولها مادة اللام والغين والواو، في كلام العرب: الخطأ، والباطل، والفحش في القول، والنطق، والتلفظ، والتكلم، يقال: لغى الرجل في القول يلغى، كسعى يسعى، ولغى يلغو لغوًا: تكلم باللغو، وهو أخلاط الكلام، ولغي يلغى كرضي يرضى لغًا وملغاة: أخطأ وقال باطلًا، واللاغية: الفاحشة، ولغي بالأمر يلغى من باب رضي أيضًا: لهج به، ويقال: إن اشتقاق اللغة من ذلك، وحذفت اللام وعُوّض منها التاء، وأصلها لغوة كغرفة؛ فلامها واو، قال ابن جني: "وأصلها لغوة ككرة وقلة وثبة، كلها لاماتها واوات لقولهم كروت بالكرة، وقلوت بالقلة، ولأن ثبة كأنها من مقلوب ثاب يثوب" انتهى. وقول ابن جني: "وأصلها لغوة ككرة ... " إلى آخره، يريد أنها كانت في الأصل لغوة، أي: قبل الإعلال والتعويض، ثم نقلت حركة الواو إلى الساكن الصحيح قبلها، وهو حرف الغين؛ فبقيت الواو ساكنة فحذفت وعوض منها التاء كما مر، والكرة معروفة، والقلة هي الخشبة الصغيرة تُنصب ليلعب بها الصبيان، والثبة الجماعة من الناس وغيرهم. وأما في الاصطلاح فقد حدها ابن جني "بأنها أصوات يُعبّر بها كل قوم عن أغراضهم"، ومعنى ما قاله ابن جني ﵀ أن اللغة هي وسيلة التعبير والتفاهم بين أعضاء المجتمع الواحد، ولقد أخذ ابن خلدون هذا المعنى؛ فذكر في (المقدمة) في الفصل السادس الذي عقده في علوم اللسان العربي الأربعة: اللغة، والنحو، والبيان، والأدب، ذكر: "أن اللغة هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعلٌ لساني، فلا بد أن تصير ملكة متقرّرة في العضو الفاعل لها، وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم" انتهى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 14

الدرس: ٢ اللغة: وضع أم اصطلاح؟ ومناسبة الألفاظ للمعاني

стр. 15

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني (اللغة: وضع أم اصطلاح؟ ومناسبة الألفاظ للمعاني) اختلاف العلماء في وضع اللغة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، أما بعد: فنتعرف فيه على إجابة هذا السؤال: اللغة: أهي من وضع الله تعالى أم من وضع البشر وعلى مناسبة الألفاظ للمعاني، وعلى الدلالات النحوية؟ اختلف العلماء اختلافًا طويلًا في بيان واضع اللغة، وقد عقد ابن جني بابًا في (الخصائص) عنوانه: باب القول على أصل اللغة، أإلهام هي أم اصطلاح؟ وقال في صدارة هذا الباب، "هذا موضع مُحوج إلى فضل تأمّل" وهي عبارة توحي بأنه موضوع دقيق يحتاج إلى شدَّة معاناة، وإمعان نظر؛ ولذلك اختلف العلماء قديمًا وحديثًا فيه، وتنوعت آراؤهم، وتعددت مذاهبهم، ومع ذلك -كما قيل- لم يصل في بحثهم إلى نتائج يقينية، بل كان جُلّ آرائهم يصطبغ بالصبغة الشخصية ولم يتجاوز مرحلة الظن والحدس والتخمين، ونسوق هنا أشهر هذه المذاهب في ضوء ما أورده السيوطي منها: المذهب الأول: مذهب الوحي والإلهام، أو هو مذهب التوقيف، وهو أن اللغة بوضع الله ﵎ علمها الله تعالى نبيه آدم ﵇ ووقَّف عليها عباده، وهذا المذهب منسوب إلى الأشعري، وهو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق المتوفى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة من الهجرة، وقد اختار هذا المذهب جماعة من العلماء، منهم: أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي المعروف المتوفى سنة خمس وتسعين وتسعمائة من الهجرة، وبسط القول في كتابه المسمى بـ (الصاحبي) في توضيح هذا الرأي، وبيان الأسباب التي دعته إلى اختياره، فذكر: "أن دليل ذلك قول الله -جل ثناؤه-: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة: ٣١)

стр. 16

فكان ابن عباس ﵄ يقول: علمه الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارفها الناس من دابة، وأرض، وسهل، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها"، وأجاب ابن فارس على ما قد يوجه إلى هذا المذهب من اعتراض مضمونه: لو كان ذلك كما تذهب إليه لقال الخالق ﵎: "ثم عرضهنَّ"، أو "ثم عرضها"، لكنه سبحانه قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ (البقرة: ٣١) فمنطوق الآية يدل على أن المعروض عليهم جماعة العقلاء، أي: أعيان بني آدم أو الملائكة؛ لأن موضوع الضمير في كلام العرب أن يقال لمن يعقل: عرضهم، ولما لا يعقل: عرضها أو عرضهنّ. وقد أجاب ابن فارس بأن ما ورد في الآية الكريمة جاء مطابقًا لسنّة من سنن العرب في كلامهم؛ فمن سنن كلامهم ما يُعرف بالتغليب، فهم يغلّبون على الشيء ما لغيره لاختلاط بين الشيئين، فإذا اختلط جمع ما لا يعقل بجمع من يعقل غُلّب جمع من يعقل كقول الله ﵎: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (النور: ٤٥) فقال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ تغليبًا لمن يمشي على رجلين، وهم بنو آدم، وأشار ابن فارس إلى أنه ليس معنى أن اللغة توقيفية أنها جملة واحدة في زمان واحد، بل وقف الله آدم ﵇ على ما شاء أن يُعلّمه إيَّاه في زمانه، ثم علَّم بعده من عرب الأنبياء -صلوات الله عليهم- نبيًّا نبيًّا ما شاء أن يعلمه، حتى انتهى الأمر إلى نبينا محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فآتاه الله ما لم يؤتِه أحدٌ قبله، ثم قر الأمر قراره، فلا نعلم لغةً حدثت بعده. وقال السيوطي: "ومال إلى هذا القول ابن جني، ونقله عن شيخه أبي علي الفارسي وهما من المعتزلة". والمذهب الثاني: أنها اصطلاحية وضعها البشر، وهو مذهب أبي هاشم الجبائي المعتزلي المتوفى ببغداد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة من الهجرة، ثم اختلف

стр. 17

أصحاب هذا المذهب فيمن وضع اللغة من البشر على ثلاثة آراء، فقيل: وضعها آدم ﵇ وقد ذكر ابن جني أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة، إنما هو تواضع واصطلاح، لا وحي وتوقيف، وعندما قال له شيخه أبو علي الفارسي يومًا: هي من عند الله، واحتج بآية البقرة السابقة: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة: ٣١) ذكر ابن جني أن الآية الكريمة لا تقطع بكون اللغة توقيفية؛ إذ يجوز أن تؤوَّل على معنى أقدر الله آدم ﵇ على أن واضع عليها، وقيل: لعله كان يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدًا، فيحتاجون إلى الإبانة عن الأشياء المعلومة، فوضعوا لكل واحد منها سمة ولفظًا؛ إذا ذُكر عُرف به مسماه، وامتاز به عن غيره، وأغنى ذكره عن إحضاره إلى مرآة العين؛ إذ ربما قد يُحتاج في كثير من الأحوال إلى ذكر ما لا يُمكن إحضاره كالمعاني، وقيل: إن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدويّ الريح، وخرير الماء، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونهيق الحمار ... ونحو ذلك، ثم وُلدت اللغات عن ذلك فيما بعد. قال ابن جني: "وهذا عندي وجه صالح ومذهب مُتقبَّل". والمذهب الثالث: الوقف -أي: لا يُدرى أهي من وضع الله ﵎ أم من وضع البشر، وهذا المذهب هو الذي اختاره ابن جني بعد طول تردُّد؛ لعدم وجود دليل قاطع على مذهب غيره من وجهة نظره، فالعقل يجوّز ذلك كله. ومن هنا ذكر السيوطي أن بعضهم زعم أنه لا فائدة لهذا الخلاف، قال السيوطي: "وليس كذلك بل ذُكر له فائدتان: الأولى فقهية، ولذا ذُكرت هذه المسألة في أصوله -يعني: في أصول الفقه- والأخرى نحوية، ولهذا ذكرتها في أصوله -يعني: في أصول النحو- تبعًا لابن جني في (الخصائص)، وهي جواز قلب اللغة، فإن قلنا: إنها اصطلاحية؛ جاز وإلا فلا".

стр. 18

أما الفائدة الفقهية التي أشار إليها السيوطي فهي المعروفة بمهر السّرّ والعلانية، وهي: إذا تزوج رجل امرأة بألف واصطلح على تسمية الألف بألفين، هل الواجب ألف لأنه مقتضى الاصطلاح اللغوي، أو ألفان نظرًا لهذا الوضع الحادث؟ اختلف في ذلك الفقهاء وصحَّحوا كلًّا من الاعتبارين. وأما الفائدة النحوية فهي النظر في جواز قلب اللغة، فحُكي عن بعض القائلين بالتوقيف منع القلب مطلقًا؛ فلا يجوز تسمية الثوب فرسًا، والفرس ثوبًا، وعن القائلين بالاصطلاح تجويزه. وأما المتوقفون فاختلفوا، فذهب بعضهم إلى التجويز كمذهب قائل الاصطلاح، وبعضهم إلى المنع، وهذا كله فيما لا يؤدّي قلبه إلى فساد النظام، أو تغييره إلى اختلاط الأحكام، فإن أدَّى إلى ذلك فلا يختلف في تحريم قلبه. مناسبة الألفاظ للمعاني هدف السيوطي من إيراد هذه المسألة تالية لمسألة الحديث عن وضع اللغة، وواضعها أن يبيّن أن اللغة هي لفظ ومعنًى؛ فاللفظ إطار المعنى، أو هو الصورة التي تُعبّر عن المضمون، فينبغي أن تكون هناك مناسبة بين الألفاظ ومدلولاتها، وقد نقل أهل أصول الفقه عن عباد بن سليمان الصيمري، وهو من المعتزلة أنه ذهب إلى أنه بين اللفظ ومدلوله مناسبة بالطبع، أي: طبيعية حاملة للواضع على أن يضع، قال: "وإلا لكان تخصيص الاسم المعين بالمسمى المعين ترجيحًا من غير مُرجح"، وأنكر الجمهور هذه المقالة وقال: "لو ثبت ما قاله لاهتدى كل إنسان إلى كل لغة، ولما صح وضع اللفظ للضدّين كـ"القرء" للحيض والطهر، و"الجون" للأبيض والأسود"، وأجابوا عن دليل عباد بأن التخصيص بإرادة الواضع

стр. 19

المختار؛ خصوصًا إذا قلنا: إن الواضع هو الله ﵎، فإن ذلك كتخصيصه وجود العالم بوقت دون وقت. وأما أهل اللغة والعربية فقد كادوا يجمعون على ثبوت المناسبة بين الألفاظ والمعاني، لكنهم يُخالفون عبَّادًا بأنهم لا يرونها ذاتية دالة بالطبع أو طَبَعِية كما قال، وعلى سبيل الوجوب كما يراها. وقد ذكر السيوطي المناسبة بين الألفاظ والمعاني نقلًا عن ابن جني الذي عقد لها في كتابه القيم (الخصائص) بابًا عنوانه: باب في إمساس الألفاظ أشباه المعاني وملخص هذا الباب: أن الواضع الحكيم قد وضع الحرف القوي للمعنى القوي، والحرف الضعيف للمعنى الضعيف، وقد صدره ابن جني بقوله: "اعلم أن هذا موضع شريف لطيف، وقد نبَّه عليه الخليل وسيبويه، وتلقته الجماعة بالقبول له، والاعتراف بصحته"، ثم أورد أمثلة كثيرة توضح قوة المناسبة بين اللفظ ومعناه، ومن هذه الأمثلة قول الخليل: كأن العرب توهَّموا في صوت الجُندب استطالة ومدًّا، فقالوا: سرّا، وتوهّموا في صوت البازي تقطيعًا فقالوا: صرصر" انتهى. والجُندُب أو الجُندَب -بضم الجيم وضم الدال أو فتحها، بينهما نون ساكنة-: هو نوع من الجراد أو طائر يقع في النار، ويقال: صر الجندب يصرّ صريرًا أي: صوّت، وفي المثل العربي: يا جندب ما يصرك -أي: ما يحملك على الصرير- قال: أخاف من حرِّ غدٍ. يُضرب هذا المثل لمن يخاف ما لم يقع بعد. والبازي أو الباز: نوع من الصقور التي يصطاد بها، ويقال: صرصر البازي صرصرة، وقال الشاعر: إذا صرصر البازي فلا ديك يصرخ ... ........................... وكأنهم تخيَّلوا في صوت الجندب المدَّ، وفي صوت البازي الترجيع؛ فحكوهما على ذلك، وفي (الخصائص): "وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على

стр. 20

الفعلان: إنها تأتي للاضطراب والحركة نحو: النقذان، والغليان، والغثيان، فقابلوا بتوالي حركات المثال توالي حركات الأفعال. قال ابن جني: ووجدت أنا من هذا الحديث أشياء كثيرة على سمت ما حدَّاه، ومنهاج ما مثَّلاه، وذلك أنك تجد المصادر الرباعية المضاعفة تأتي للتكرير نحو: الزعزعة، والقلقلة، والصلصلة، والقعقعة، والصعصعة، والجرجرة، والقرقرة، ووجدت أيضًا الفعلى في المصادر والصفات إنما تأتي للسرعة نحو: البَشَكى، والجَمَذى، والوَلَق" انتهى. فابن جني يفتتح هذا الباب بإيراد ما يدْعَم به مسألة المناسبة بين الألفاظ والمعاني من الأمثلة الدالة على ذلك مما نقله عن شَيْخَي البصرة الخليل وسيبويه، وقد شرحنا ما نقله عن الخليل. أما ما نقله عن سيبويه فكعادته نراه قد تصرَّف فيه، ولقد سبق شيخنا التعلامة الشيخ محمد علي النجار، محقق (الخصائص) طيَّب الله ثراه حين قال: "ويبدو أنه -أي: ابن جني- قد يعتمد في النقل على حفظه فينال نقله بعض التغيير" انتهى. وعبارة سيبويه في (الكتاب) وليس ابن جني منها ببعيد، سوى في بعض الأمثلة التي لم ترد في نص الكتاب، وتفسير ما جاء في (الخصائص) من أمثلة: أما النقذان فمصدر قولك: نقذ الظبي وغيره في عدْوِه نقذًا ونقذانًا، أو وثب صُعُدا وقفز، والغليان مصدر: غلت القدر وغيرها غليًا وغليانًا، والغثيان مصدر: غثت النفس غثيًا وغثيانًا اضطربت وتهيأت للقيء، ونص سيبويه من (الكتاب) قال: "ومن المصادر التي جاءت على مثال واحد حين تقاربت المعاني قولك النزوان، والنقذان، وإنما هذه الأشياء في زعزعة البدن واهتزازه في ارتفاع، ومثله العسلان والرتكان" انتهى.

стр. 21

والعسلان مصدر: عسل الماء عسلًا وعسولًا وعسلانًا، أي: تحرك واضطرب، والرتكان مصدر: رتك البعير رتكًا وتكانًا أي: عدى في مقاربة خطو. فإذا تركنا ما ذكره الخليل من تعبير العرب بالأفعال التي تحكي صوت ما توهموه من استطالة ومدّ، أو ترجيع وتقطيع، وانتقالنا إلى المصادر التي تجيء على وزن واحد، وهو وزن "فعلان" رأيناها تدور حول معنًى واحد هو: زعزعة البدن واهتزازه في ارتفاع، كما ذكر سيبويه. نوع آخر من المصادر، وهو: مصادر الأفعال الرباعية والمضاعفة التي يتكرَّر فيها حرفان، فنجدها لمعانٍ فيها تكرير، وذلك مثل: الزعزعة، وهي التحريك، وهي مصدر زعزع الشيء -أي: حركه- ومثلها: القلقلة وزنًا ومعنى، والصلصلة مصدر صلصل الشيء أي: صوت صوتًا فيه ترجيع كالجرس، والحلي، والرعد، والصعصعة مصدر صعصع الرجل: خاف واضطرب، وجلب وصاح، وصعصع القوم أي: أفزعهم وفرّقهم، والجرجرة مصدر جرجر البعير أي: ردَّد صوته في حنجوره عند الضجر، والقرقرة مصدر قرقر بطنه أي: صوَّت من جوع أو غيره؛ فجعلوا الوزن المكرر للمعنى المكرر. ونجد أيضًا وزن "الفعلى" المتوالية المتتابعة الحركات في المصادر والصفات إنما يأتي لمعنى السرعة نحو: الجمذى، يقال: جمذى الفرس ونحوه جمذًا وجمذى: سار سيرًا قريبًا من العدو، والبَشَكى، يقال: ناقة بشكى، وامرأة بشكى: سريعة خفيفة، والولقى يستعمل مصدرًا وصفة يقال: ولق يلق أي: أسرع، والولقى عدوٌ للناقة فيه شدَّة، والناقة السريعة؛ فجعلوا الوزن الذي توالت حركاته للأفعال التي توالت الحركات فيها لكمال المناسبة بين الألفاظ والمعاني. ووصل ابن جني عرض الأمثلة، فذكر أن من ذلك أيضًا باب استفعل الذي جعلوه في أكثر الأمر للدلالة على الطلب؛ لما فيه من تقدم حروف زائدة على

стр. 22

الأصول، كما يتقدَّم الطلب الفعل، فالأفعال إذا أخبرت بأنك سعيت فيها وتسببت لها؛ وجب أن تقدم أمام حروفها الأصول في مُثُلِهَا الدالة عليها أن تقدّم أحرفًا زائدة على تلك الأصول تكون كالمقدمة لها، والمؤدّية إليها نحو: استسقى، واستطعم، واستوهب، واستمنح، واستقدم عمرو، واستصرخ جعفرًا؛ فجاءت الهمزة والسين والتاء في استفعل زوائد، ووردت بعدها الأصول: الفاء، والعين، واللام، فهذا من اللفظ الذي جاء وفق المعنى المراد التعبير عنه، وجعلوا الأفعال الواقعة عن غير طلب إنما تفجأ وتبغت حروفها الأصول نحو: وهب ومنح، أو ما ضارع الأصول نحو: أكرم وأحسن؛ فإن الهمزة وقعت موقع الفاء من الفعل الرباعي، فأشبهت الحرف الأصلي، ومن ذلك أيضًا أنهم جعلوا تكرير العين في البناء دالًّا على تكرير الفعل فقالوا: كسَّر، وقطَّع، وفتَّح، وغلَّق، وذلك أنهم لما جعلوا الألفاظ دليلة المعاني، فأقوى اللفظ ينبغي أن يُقابل به قوة الفعل، فناسبوا بين المعنى والمبنى، والعين أقوى من الفاء، ومن اللام؛ لأنها واسطة لهما ومكنوفة بهما؛ فصارا كأنهما سياج أي: سور أو جدار لها، ومذهولان للعوارض دونها، يعني: أنهما لكونهما في الطرف معرّضان لما يحدث للكلمة من إعلال ونحوه من غير أن يصل للعين شيء من هذا الإعلال غالبًا، فهما يحميانها من العوارض الإعلالية. فأما حذف الفاء ففي المصادر من باب وعد نحو: العدة والزنة؛ لأنهم استثقلوا الوعدة والوزنة، ولأن المصدر قد جرى مجرى الفعل، وأما حذف اللام فنحو: اليد، والدم والفم، والأب، والأخ. وقلما تجد الحذف في العين نحو: مذ وأصله منذ، فلما كانت الأفعال دليلة المعاني كرَّروا أقوى أحرفها، وجعلوا التكرير دليلًا على قوة المعنى المحدث به، وهو تكرير الفعل، كما جعلوا تقطيعه في نحو: صرصر دليلًا على تقطيعه، ولم يكونوا ليضعفوا الفاء، أو اللام؛ لكراهية التضعيف في أول

стр. 23

الكلمة والإشفاق على الحرف المضعف أن يجيء في آخرها، وهو مكان الحذف وموضع الإعلال، وهم قد أرادوا تحصين الحرف الدّال على قوة الفعل. ومن ذلك أيضًا: مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث، وهو باب عظيم واسع، وذلك أنهم كثيرًا ما يجعلون أصوات الحروف معبِّرة عن الأحداث الدالة عليها، من ذلك قولهم: خضم، وقضم؛ فالخضم لأكل الرطب كالبطيخ والقثاء، والقضم للصلب اليابس نحو: قضمت الدابة شعيرها؛ فاختاروا الخاء لرخاوتها للرطب، والقاف لصلابتها لليابس، حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث، ومثل ذلك قولهم النضح للماء ونحوه، وهو الرش، وبابه ضرب إن كان الفعل متعديًا يقال: نضح البيت: رشه، ويقال نضحت القربة أي: رشحت، وباب اللازم قطع. والنضخ بالخاء المعجمة أقوى من النضح بالحاء المهملة قال الله : ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ (الرحمن: ٦٦) فجعلوا الحاء لرقتها للماء الضعيف، والخاء لغلظها لما هو أقوى منه، فالعين نضاخة أي: كثيرة الماء أو الفوارة. الدلالات النحوية ذكر ابن جني أن الدلالات النحوية ثلاث: لفظية، وصناعية، ومعنوية، وأنها في القوة على هذا الترتيب فأقواهنّ اللفظية، ثم تليها الصناعية، ثم تليها المعنوية. وأفاد أن جميع الأفعال في كل فعل منها الدلالات الثلاث؛ فالفعل "قام" مثلًا دلَّ لفظه على مصدره أي: على الحدث، فهذه هي الدلالة اللفظية، ودلَّ بناؤه -أي: وزنه- على الزمان وهذه هي الدلالة الصناعية، ودل معناه على فاعله، وهذه هي الدلالة المعنوية، وإنما كانت الدلالة الصناعية أقوى من الدلالة المعنوية

стр. 24

من جهة إنها وإن لم تكن لفظًا، فإنها صورة أي: صفة يحملها اللفظ، ويخرج عليها ويستقرّ على البناء المعتزم بها، فلما كانت كذلك لحقت بحكمه، وجرت مجرى اللفظ المنطوق به؛ فدخل -أي: الدلالتان اللفظية والصناعية- بذلك في باب المعلوم بالمشاهدة. وأما المعنى فدلالته لاحقة بعلوم الاستدلال، وليست في حيز الضروريات، مثال ذلك: الأفعال، فالفعل -كما مر- دلَّ بلفظه على مصدره، وببنائه وصيغته على الزمان، وهما مدركان بحاسة السمع، وهو مراد ابن جني بالمشاهدة فيما سبق، ودلَّ بمعناه على فاعله، وهذا إنما يُدرك بإعمال النظر من جهة أن كل فعل لا بد له من فاعل؛ لأن وجود فعل من غير فاعل محالٌ فهو استدلالي ونظري، وليس في قوة الدلالتين الأوليين. ويفسّر ابن جني ذلك ويؤكد على أن دلالة الفعل على فاعله دلالة معنوية أي: من جهة معناه لا من جهة لفظه فيقول: "ألا تراك حين تسمع ضرب قد عرفت حدثه وزمانه، ثم تنظر فيما بعد فتقول: هذا فعل ولا بد له من فاعل، فليت شعري من هو، وما هو؟ فتبحث حينئذٍ إلى أن تعلم الفاعل من هو وما حاله من موضع آخر لا من مسموع ضرب، ألا ترى أنه يصلح أن يكون فاعله كلَّ مذكر يصحّ منه الفعل مجملًا غير مفصل فقولك: ضرب زيد، وضرب عمرو، وضرب جعفر، ونحو ذلك، شرع سواء، وليس لضرب بأحد الفاعلين هؤلاء ولا غيرهم خصوص ليس له بصاحبه، كما يُخص بالضرب دون غيره من الأحداث، وبالماضي دون غيره من الأبنية، ولو كنت إنما تستفيد الفاعل من لفظ ضرب لا معناه؛ للزمك إذا قلت: قام. أن تختلف دلالتهما على الفاعل لاختلاف لفظيهما، كما اختلفت دلالتهما على الحدث لاختلاف لفظيهما، وليس الأمر في

стр. 25

هذا كذلك بل دلالة ضرب على الفاعل كدلالة قام وقعد وأكل وشرب وانطلق واستخرج عليه، لا فرق بين جميع ذلك" انتهى. ونقل السيوطي عن الخضراوي قوله في كتابه المسمى بـ (الإفصاح): "ودلالة الصيغة هي المسماة دلالة التضمن، والدلالة المعنوية هي المسماة دلالة اللزوم" انتهى. ودلالة التضمن: هي دلالة الفعل على ما تضمَّنه معناه المركب من الحدث والزمان، وهو يدل على الزمان بهيئته، وعلى الحدث بمادته، ودلالته على مجموعهما مطابقة؛ لأنه تمام ما وُضع له لفظ الفعل، والدلالة المعنوية هي دلالة الفعل على الفاعل كما مر، وهي تُسمى دلالة اللزوم لدلالة اللفظ على لازم الموضوع له، وهو الحدث الواقع في زمانٍ من وجود فاعله، كما نقل السيوطي عن أبي حيان في كتابه المسمى (تذكرة النحاة) ذِكره: أن في دلالة الفعل ثلاثة مذاهب، نكتفي هنا بذكر المذهب الراجح، وهو أنه يدل على الحدث -أي: المصدر- بلفظه -أي: بمادته- وعلى الزمان بصيغته، أي: كونه على شكل مخصوص، ولدلالة صيغته على الزمان تختلف الدلالة على الزمان باختلاف صيغه، ولا تختلف الدلالة على الحدث باختلافها، أي: لأنه مهما اختلفت الصِّيَغ، فمادة الفعل ثابتة لا تتغيَّر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 26

الدرس: ٣ تقسيم الحكم النحوي

стр. 27

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث (تقسيم الحكم النحوي) تقسيم الحكم النحوي إلى واجب وغيره الحمد لله والصلاة، والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فالحكم النحوي ينقسم إلى: واجب، وممنوع، وحسن، وقبيح، وخلاف الأولى، وجائز على السواء. فالأقسام ستة. فأما الحكم الواجب: فكرفع الفاعل ونصب المفعول، أما رفع الفاعل؛ فلأنه عمدة إذ لا يستغنى عنه، والرفع لأنه أشرف علامات الإعراب جُعل علامة على العمد، ولكونه عمدة في الكلام جعل له الضمة أو ما ناب عنها، والضمة أقوى الحركات، وأما نصب المفعول فالغرض إظهار الفرق بينه وبين الفاعل، ولم يعكسوا؛ لأن الفعل له فاعل واحد، وقد يكون له مفعولات كثيرة، فمنه من يتعدى إلى مفعول واحد، ومنه ما يتعدى إلى مفعولين، ومنه ما يتعدى إلى ثلاثة، وربما يتعدى إلى أكثر من ذلك، كتعديه أيضًا إلى ظرف الزمان، وإلى ظرف المكان، وإلى المفعول لأجله، وإلى الحال ... إلى آخره، والرفع أثقل والفتح أخف، فأعطوا الأقل الأثقل، والأكثر الأخف؛ ليكون ثقل الرفع موازيًا لقلة الفاعل، وتكون خفة النصب موازيةً لكثرة المفعول. والمراد بالفاعل: الفاعل الاصطلاحي، وهو كل اسم، أو ما في تأويله ذكرته بعد فعل، أو ما في تأويله، وأسندت ذلك الفعل أو ما في تأويله إليه؛ فلا يرد فاعل الصفة المشبهة، واسم الفاعل والمصدر، واسم المصدر، فإن فاعل هذه الأسماء العاملة عمل الفعل يجوز جرُّه بإضافته إليها نحو قولك: زيد حسن الوجه، وأصله: حسنٌ وجهه، وعمرو قادم الأبي، وأصله: قادم أبوه، وآلمني ضرب زيد عمرو، أي: أن يضرب زيد عمرو، وأحب عطاءك المعروف، أي: أن تعطي المعروف، فهذان الحكمان النحويان بالنسبة للفاعل والمفعول حكمان

стр. 28

واجبان، ولا يقدح فيهما ما وَرَد عكسه شذوذًا في قولهم: خرق الثوب المسمار، وكثر الزجاج الحجر برفع المفعول ونصب الفاعل؛ لأن الشاذ يُحفظ ولا يُقاس عليه. ومن الأحكام الواجبة بالنسبة للفاعل أيضًا: تأخيره عن الفعل، فلا يجوز تقديم الفاعل عن الفعل؛ لأن الفاعل تنزل منزلة الجزء من الفعل، ولذلك وجدناهم يسكنون لام الفعل الماضي إذ اتصل به ضمير من ضمائر الرفع المتحركة، وهي: تاء الفاعل، ونا الفاعلين، ونون النسوة مثل: أنا فهمت، ونحن فهمنا، وهنَّ فهمنَ؛ فالفعل الماضي الذي يستحق البناء على الفتح في الأصل سُكّن آخره؛ كراهة تتابع أربعة متحركات فيما يُعدُّ كالكلمة الواحدة، ولولا أنهم نزلوا ضمير الفاعل من الفعل هذه المنزلة ما تغيَّرت علامة بناء الفعل. ووجدناهم كذلك يجعلون ثبوت النون في الأفعال الخمسة علامة للرفع، وحذفها علامة للنصب والجزم؛ لأنهم جعلوا الضمائر الثلاثة التي تتصل بالفعل المضارع -وهي ألف الاثنين، وواو الجماعة، وياء المخاطبة- بمنزلة جزء من هذه الأفعال فيقولون: هما يفهمان، وأنتما تفهمان، وهم يفهمون، وأنتم تفهمون، وأنت تفهمين، وعند إعراب ذلك نقول: إن كل ضمير من الثلاثة وقع فاعلًا، وإن الفعل مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، فنجد علامة الرفع تقع بعد الضمير، ومن المعروف أن العلامة الإعرابية تكون في آخر الكلمة المعربة، ومعنى هذا أن الضمائر الثلاثة عُدَّت جزءً من الفعل؛ فوقعت العلامة الإعرابية بعدها. ومن أمثلة الأحكام النحوية الواجبة أيضًا: جرُّ المضاف إليه، لأنه لما كانت الإضافة على معنى حرف من أحرف الجر الثلاثة -اللام، أو من، أو في- وحُذف حرف الجر قام المضاف مقامه؛ فعمل في المضاف إليه الجر كما يعمل حرف الجر، وذلك نحو: سرَّني علم خالد، أي: علم لخالد، وهذا خاتم فضة،

стр. 29

أي: من فضة، وقوله تعالى: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (البقرة: ٢٢٦) أي: في أربعة أشهر. ومن الأحكام النحوية الواجبة كذلك: تنكير الحال والتمييز، أما وجوب تنكير الحال فلأنها تجري مجرى الصفة للمصدر، فإذا قلت: جاء فلان راكبًا. دلَّ على مجيء موصوف بركوب، والمصدر نكرة، فكذلك وصفه وجب أن يكون نكرة، ولأن الغالب أيضًا كونها مشتقة مع كون صاحبها معرفة؛ فالتزم تنكيرها لئلا يُتوهَّم كونها نعتًا إذا كان صاحبها منصوبًا نحو: أحببت عمرًا قارئًا، وحمل غير المنصوب على المنصوب، أما وجوب كون التمييز نكرة فلأنه يُشبه الحال، وذلك أن كل واحد منهما يُذكر للبيان ورفع الإبهام، فهو يُبيّن ما قبله كما أن الحال كذلك، فلما أشبه الحال أُعطي حكمها في وجوب التنكير. كما أن شرط التمييز أن يكون نكرة جنسًا مقدرًا بمن؛ لأنه واحد في معنى الجمع، فأنت إذا قلت: عندي عشرين درهمًا. معناه أن عندك عشرين من الدراهم، فقد دخله بهذا المعنى الاشتراك بين الدلالة على الإفراد والجمع، وما كان كذلك كان نكرة والممنوع كأضداد ذلك، فيمنع أن تنصب الفاعل إلا ما سُمع شاذًّا كما سبق بيانه، أو أن تجره بحرف أصلي. وأما قول جمهور البصريين: إن نحو قولنا في التعجب: أحسن بزيد. مثلًا الباء داخلة فيه على الفاعل، فإنهم يفسرون ذلك بأن الباء حرف جرّ غير أصلي، وما بعدها فاعل مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وأن أصل التركيب في هذا ونحوه: أحسن زيد أي: صار ذا حسن؛ فالهمزة الداخلة على الفعل تسمى همزة الصّيرورة كقولهم أغدّ البعير، أي: صار ذا غدة، والغدة هي طاعون الإبل؛ فالصيغة في الأصل كانت خبرية ماضوية، ثم غُيّرت إلى إنشاء التعجب، فغيرت الصيغة إلى الأمرية أي: إلى أحسن زيد؛ فقبح إسناد صيغة الأمر إلى

стр. 30

الاسم الظاهر، لأن صيغة الأمر لا ترفع الاسم الظاهر، فزيدت الباء في الفاعل؛ ليصير في صورة المفعول به المجرور بالباء كامرر بزيد، ولم يتغيّر إعراب الاسم المتعجب منه. وقس على ما تقدَّم ما حكم عليه النحويون بالمنع من أضداد ما حكموا عليه بالوجوب. أما الحكم بالحسن فكحكمهم على رفع المضارع الواقع جوابًا وجزاءً لأداة شرط جازمة بعد شرط ماضٍ، وبيان ذلك: أن فعل الشرط إذا كان ماضيًا لفظًا أو معنًى -وهو المضارع المنفي بلم- وكانت الأداة جازمة؛ جاز لك رفع المضارع الواقع جوابًا وجزاءً، وهذا الرفع حسن؛ لأنه لمَّا لم يظهر لأداة الشرط تأثير في فعل الشرط لكونه ماضيًا ضعفت عن العمل في الجواب، وذلك نحو قولك: إن قام خالد يقوم عمرو، ونحو: إن لم يقم خالد يقوم عمرو، ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى يمدح هرم بن سنان: وإن أتاه خليلٌ يوم مسْغبة ... يقول لا غائبٌ مالي ولا حرم فالفعل المضارع "يقول" جاء مرفوعًا مع أنه في جواب أداة الشرط الجازمة، ومثله قول الآخر: ولا بالذي إن بان عنه حبيبه ... يقول ويخفي الصبر إني لجازع ويجوز جزم المضارع الواقع جوابًا وجزاء حينئذٍ، والجزم أحسن؛ لأنه هو الأصل وفاءً بحق الأداة الجازمة، والقبيح كرفع المضارع الواقع بعد شرط المضارع والأداة جازمة، كقول الراجز: يا أقرع بن حابس يا أقرعُ ... إنك إن يُصرعْ أخوك تصرعُ والشاهد في "تصرع" في آخر الرجز؛ حيث جاء مرفوعًا بعد شرط مضارع مجزوم، وإنما حكموا عليه بالقبح؛ لأن فيه تهيئة العامل للعمل ثم قطعه عنه، وقد أشار الناظم إلى الحسن والقبح في المثالين المذكورين ونحوهما بقوله:

стр. 31

وبعد ماضٍ رفعك الجزا حسن ... ورفعه بعد مضارع وهن أي: ضعف أو قبح، والحكم بخلاف الأولى مثل حكم النحويين بذلك على تقديم الفاعل في نحو: ضرب غلامه زيدًا، أي: ضرب غلام زيد سيده زيدًا؛ فالضمير متصل بفاعل مقدم وعائد على مفعول مؤخر، وقد أجاز هذه الصورة الأخفش وابن جني، ومن الكوفيين أبو عبد الله الطوال مستدلِّين بنحو قول حسان ﵁ يرثي مطعم بن عدي: ولو أن مجدًا أخلد الدهر واحدًا ... من الناس أبقى مجده الدهر مطعما قوله: "الدهر" منصوب على الظرفية الزمانية في شطري البيت. والشاهد قوله: "أبقى مجده الدهر مطعما" حيث عاد الضمير من الفاعل المتقدّم على المفعول المؤخر. ويرى بعض العلماء ومنهم السيوطي أن ذلك ونحوه خلاف الأولى، وكأن الذي سوَّغ ذلك من وجهة نظر المجيزين تقدُّم ذكر المفعول، وكأن الشاعر قال: أبقى مجد هذا المذكور المتقدم ذكره مطعمًا. فوضع الظاهر موضع المضمر، كما لو قلت: إن زيدًا ضربت جاريته زيدًا، أي: ضربت جاريته إياه، ولا بأس بمثل هذا -كما قال عبد القادر البغدادي- ولا سيما إذا قصدت التعظيم والتفخيم لذكر الممدوح، والجمهور يُقصرون جواز ذلك على الضرورة، ويُوجبون فيه في النثر تقديم المفعول كقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (البقرة: ١٢٤) والجائز على السواء كحذف المبتدأ أو الخبر، وإثباته؛ حيث لا مانع من الحذف ولا مقتضي له، وأمثلة ذلك لا تخفى عليك، وقد اجتمعت الأقسام الستة في عمل الصفة المشبهة لاسم الفاعل، وهي كما عرَّفها ابن الناظم: "الصفة المصوغة لغير تفضيل لإفادة نسبة الحدث إلى موصوفها، دون إفادة الحدوث: وأشار الناظم إليها بقوله:

стр. 32

صفة استُحسن جر فاعل ... معنًى بها المشبهة اسم الفاعل يعني: هي التي استحسن فيها أن تضاف لما هو فاعل بها في المعنى كطويل الأنف، وعريض الحاجب، وواسع الفم، وحسن الوجه، ونقي الثغر، وطاهر العرض، والأصل في هذه المُثل: طويل أنفه، وعريض حاجبه، وواسع فمه، وحسن وجهه، ونقيّ ثغره، وطاهر عرضه. وتفصيل اجتماع الأقسام الستة في عملها أنها إما أن تكون بـ"أل" أو لا، فلها حالتان. ومعمولها إما مجرد أو مقرون بـ"أل" أو مضاف إلى ما فيه "أل" أو إلى ضمير الموصوف، أو إلى مضاف إلى ضمير الموصوف، أو إلى مجرد من أل والإضافة. فله ست حالات، فهذه اثنتا عشرة وعملها: إما رفع للمعمول على الفاعلية للصفة عند سيبويه، أو على الإبدال من ضمير مستتر فيها عند الفارسي، أو نصب على التشبيه بالمفعول به إن كان معرفة كالوجه، وعليهم أو على التمييز إن كان نكرة كوجهًا، أو جرٌّ بالإضافة؛ فمجموع الصور ست وثلاثون صورة، وهي الحاصلة من ضرب أوجه الإعراب الثلاثة في حالتي تنكير الصفة وتعريفها، في الحالات الست للمعمول تتعاورها الأحكام الستة النحوية على الوجه الآتي: الجارّ ممنوع في أربع صور، وهي: أن تكون الصفة بأل، والمعمول مجرد منها ومن الإضافة لما هي فيه، بأن يكون مجردًّا من أل والإضافة كالحسن وجه، أو يكون مضافًا إلى مجرد منهما كالحسن وجه أب، أو يكون مضاف إلى ضمير الموصوف كالحسن وجهه، أو يكون مضافًا إلى مضاف لضمير الموصوف كالحسن وجه أبيه. ووجه المنع في الصورتين الأولى والثانية: لزوم إضافة المعرفة إلى النكرة، وفي الصورتين الثالثة والرابعة: عدم الفائدة، وذلك لأن الإضافة اللفظية إنما تجوز إذا أفادت تخفيفًا، أو رفع قبح، ولا يوجد تخفيف في هاتين الصورتين؛ لسقوط التنوين بسبب وجود أل، ولا يوجد أيضًا رفع قبح؛ لوجود الضمير مع المعمول.

стр. 33

وخلاف الأولى الجرُّ في صورتين أن تكون الصفة مجردة من أل، والمعمول مضاف إلى ضمير الموصوف كحسن وجهه، أو مضاف إلى مضاف لضمير الموصوف كحسن وجه أبيه، والجر فيهما عدَّه سيبويه من الضرورات الشعرية، ومنعه المبرد في الشعر والنثر؛ لأنه يُشبه إضافة الشيء إلى نفسه، وأجازه الكوفيون في الكلام كله، ورأى ابن مالك أن رأيه هو الصحيح لوروده في بعض الأحاديث النبوية الشريفة كالحديث الذي رواه البخاري في صحيحه، في كتاب بدء الخلق، باب: واذكر في الكتاب مريم، في وصف الدجال، وفيه: ((أعور عينيه اليمنى))، ورأى السيوطي مراعاة للخلاف: أنهما خلاف الأولى، وخلاف الأولى أيضًا النصب في أربع صور: أن تكون الصفة مجردة والمعمول بأل، أو مضاف إلى ما فيه أل، أو مضاف إلى ضمير الموصوف، أو مضاف إلى مضاف لضمير الموصوف نحو: حسن الوجه، وحسن وجه الأب، وحسن وجه، وحسن وجه أبيه، ووجه كونها خلاف الأولى أنها من إجراء وصف القاصر مجرى وصف المتعدي. والقبيح الرفع في أربع صور: أن يكون المعمول مجردًّا، أو مضاف إلى مجرد؛ سواء كانت الصفة بأل أم بدونها، وذلك مثل: الحسن وجه، والحسن وجه أب، وحسن وجه، وحسن وجه أب، ووجه القبح بها خلو الصفة من ضمير يعود على الموصوف لفظًا، وعلى قبحها فهي جائزة في الاستعمال؛ لوجود الضمير تقديرًا، والحسن فيها النصب أو الجر. والواجب النصب في صورتين: أن تكون الصفة بأل، والمعمول مجرد أو مضاف إلى مجرد نحو: الحسن وجهًا، والحسن وجه أب. والجائز على السواء الأوجه الإعرابية الثلاثة في صورتين: أن تكون الصفة بأل والمعمول مقرون بها، أو مضاف إلى معرف بها نحو: الحسن الوجهُ، والوجهَ والوجهِ، والحسن وجه الأب، وجه الأب، وجه الأب بالأوجه الإعرابية الثلاثة.

стр. 34

تقسيم الحكم النحوي إلى رخصة وغيرها ذكر السيوطي أن الحكم النحوي ينقسم أيضًا إلى رخصة وغيرها، وأراد بالرخصة: ما جاز استعماله لضرورة الشعر، أي: ما جاز في الشعر مما لا يجوز استعمال نظيره في الكلام النثري الاختياري، وهو المعروف بالضرائر الشعرية، وأوضح أن هذه الضرائر ليست على درجة واحدة، بل هي تتفاوت حسنًا وقبحًا أي: أن النحويين حكموا على بعض الضرائر بالحسن، وعلى بعضها بالقبح. وقال: "وقد يلحق بالضرورة ما في معناها، وهو الحاجة إلى تحسين النثر بالازدواج". ومن الواضح أن السيوطي قد اختار مذهب سيبويه والجمهور في تعريف الضرورة الشعرية؛ فالضرورة الشعرية عند هؤلاء العلماء: ما جاز في الشعر مما لا يجوز نظيره في الكلام الاختياري مطلقًا، أي: سواء أكان للشاعر عنه مندوحة -أي: مهرب وسعة وفسحة- أم لم يكن له عنه مندوحة لماذا؟ لأنهم يَرَوْن أن الشعراء أُمراء الكلام، والضرورة هي مخالفة لسَنَن الكلام أي: لطريقة الكلام الاختياري، بالنسبة للإجراء على القواعد النحوية المعروفة، ولكن ليس معناها الخروج ألبتَّة عن قواعد اللغة ومقاييسها، فللضرورة عندهم حدود تنتهي إليها، وغاية تقف عندها، ومقاييس يلتزم الشعراء بها، نعم هي مُخَالِفة ومُخَالَفة لسنن الكلام المنثور، خارجة عن قوانينه بما للشعر من سمات معينة، وطبيعة منفردة تجعله خليقًا بأن يتخفَّف من قيود الكلام، لكن الشاعر مع ذلك يُراعي أن الشعر أحد نوعي التعبير اللغوي؛ فينبغي أن تتصل بين النوعين الأسباب، وأن تمتدَّ بينهما الوشائج، فلا ضرورة إلا وهناك صلة ما تربطها بالكلام النثري، وهذه

стр. 35

الصلة هي التي تُعرف بوجه الضرورة، أو بعلة الضرورة، والمتتبّع لضرائر الشعر عند العرب يجد أن وجه الضرورة لا يكاد يخرج عن أحد أمرين: الأول: تشبيه ما وقع في الشعر بما وقع في الكلام النثري، كصرف ما لا ينصرف من الأسماء تشبيهًا له بما ينصرف في الكلام للتناسب، كتنوين "سلاسل" مع كونها على صيغة منتهى الجموع؛ لمناسبة ما بعدها في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ (الإنسان: ٤) وقال أبو كبير الهذلي: مما حملنا به وهن عواقد ... حُبك النطاق فشب غير مهبل وصف الشاعر رجلًا شهم الفؤاد، ماضيًا في الرجال ينزع إلى أبيه في الشَّبَه، والشاهد في البيت صرف عواقد، مع أنه على صيغة منتهى الجموع، فهو جمع عاقدة، وذلك للضرورة الشعرية. والوجه الآخر للضرورة: ردُّ الأشياء إلى أصولها كفكّ المدغم الواجب إدغامه في الكلام كقول الشاعر: مهلًا أَعاذلَ قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوم وإن ضَنِنُوا الواجب في الكلام أن يقال: وإن ضنًّوا بوجوب إدغام المثلين، فلما اضطر الشاعر فك الإدغام؛ رجوعًا إلى الأصل. ومما يؤكد اختيار السيوطي لمذهب سيبويه والجمهور في الضرورة الشعرية إجازته أن يُلحَق بالضرورة ما في معناها، وهو الحاجة إلى تحسين النثر؛ فسيبويه والمبرد والسيرافي وابن عصفور وغيرهم كثير من النحويين قد أجازوا في بعض أنواع الكلام النثري ما جاز في الشعر، كالكلام المسجوع، والأمثال؛ لورود ذلك عن العرب. ففي حين منع جمهور البصريين حذف حرف النداء إذا كان المنادى نكرة مقصودة، ذكر سيبويه أنه قد يجوز بقلةٍ حذف ياء من النكرة المقصودة في الشعر

стр. 36

فقال في (الكتاب): "وقد يجوز حذف ياء من النكرة -أي: المقصودة- في الشعر، وقال العجاج: جاري لا تستنكري عذيري ... ......................... يريد: يا جارية، وقال في مثل: افتدي مخنوق، وأصبح ليل، وأطرق كرى" انتهى. وهكذا أدخل سيبويه الأمثال في حيّز ما يُستجاز في الشعر. وقال المبرد في (المقتضب): "والأمثال يستجاز فيها ما يستجاز في الشعر لكثرة الاستعمال لها" انتهى. واستطرد السيوطي فقال: "فالضرورة الحسنة ما لا يستهجن، ولا تستوحش منه النفس يُريد ما لا يستقبح، أو يعاب، أو تنفر منه النفس" وضرب لذلك ثلاثة أمثلة من غير استشهاد عليها، وهي صرف ما لا ينصرف كبيت أبي كبير الهذلي الذي أوردناه فيما سبق، وقصر الجمع الممدود كقول الشاعر: فلو أن الأطبّا كان حولي ... وكان مع الأطباء الأُسَاة فقصر الشاعر الأطباء في الشطر الأول من البيت، وهو جمع طبيب، كما أنه أيضًا اكتفى بالضمة عن واو الجماعة في قوله: كانوا، وهي ضرورة أخرى في البيت، وإن لم يذكرها السيوطي في (الاقتراح)، وقيل: إن السيوطي أراد بضرورة قصر الجمع الممدود حذف الياء الواقعة قبل الآخر في الجمع الأقصى، كقول الراجز يصف ما أصابه من الكبر: وكحل العينين بالعواور والأصل: بالعواوير؛ لأنه جمع عُوَار، والعوار: هو الرمد الذي يصيب العين، ومن الضرائر الشعرية التي أوردها السيوطي: مدُّ الجمع المقصور، قيل: أراد به

стр. 37

زيادة ياء قبل آخر الجمع الأقصى كقول الفرزدق يصف ناقة بالسرعة في حرّ الهاجرة، فقال: تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدنانير تنقاد الصياريف فالصياريف أصله: الصيارف؛ لأنه جمع صيرف، فاضطر الشاعر إلى إشباع كسرة الراء وزيادة الياء. وذكر السيوطي أن أسهل الضرورات جمع المؤنث السالم للاسم المؤنث الثلاثي ساكن العين مفتوح الفاء، الذي على وزن "فَعْلة" -بسكون العين في المفرد- فإن قاعدة جمعه تقتضي أن تُفتح عينه في الجمع وجوبًا؛ إتباعًا لحركة فائه، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ (البقرة: ١٦٧) فحسرات جمع حسرة بسكون السين في المفرد، وبفتحها في الجمع، ويجوز تسكين عين الجمع في الشعر للضرورة الشعرية كقول الراجز: فتستريح النفس من زفراتها ومما عدَّه السيوطي من أقبح الضرائر الشعرية: الزيادة المؤدية لما ليس أصلًا في كلام العرب، كقول الشاعر: وأنني حيثما يَثني الهوى بصري ... من حيثما سلكوا أدنُوا فأنظُور يريد: فأنظر، ولكنه اضطر فأشبع الضمة على الظاء؛ فتولَّد عن هذا الإشباع زيادة الواو، وكذلك الزيادة المؤدية إلى ما يقل في الكلام كقول امرئ القيس يُشبه ناقته بعقاب خفيفة سريعة: كأني بفتخاء الجناحين لقوت ... صيود من العقبان طأطأت شيمالي يريد: شمالي، ولكنه اضطر فأشبع الكسرة، وقيل: الشيمال لغة في الشمال، ولكنها لغة قليلة، وكذلك يُستقبح النقص المُجْحِف كقول لبيد:

стр. 38

درس المنى بمتالع فأباني ... فتقادمت بالحبس فالثوبان أراد الشاعر درس المنازل، يقال: درس المنزل أي: عفى وانمحى أثره، ومتالع، وأبان، والحبس، والثوبان: أسماء مواضع. ومما يستقبح من الضرائر أيضًا: العدول عن صيغة لأخرى كقول الحطيئة: فيه الرماح وفيه كل سابغة ... جدلاء محكمةٍ من نسج سلَّام أي: من نسج سليمان. وختم السيوطي هذه المسألة بالإشارة إلى مذهب ابن مالك في الضرورة الشعرية؛ حيث ذهب ابن مالك إلى أن الضرورة ما ليس للشاعر عنه مندوحة، أي: ما ليس له عنه سعة وفسحة، وهو بهذا يُخالف ما عليه مذهب سيبويه والجمهور وقد حكم النحويون على مذهب ابن مالك بالفساد والبطلان؛ لاعتماده على مجرد التفسير اللغوي البحت لمعنى الضرورة، من غير مراعاة لطبيعة الشعر الذي هو لغة العواطف والوجدان؛ فالضرورة عند ابن مالك مشتقَّة من الضرر، وهو النازل الذي لا مدفع له، فقول الشاعر: يقول الخنا وأبغضُ العجم ناطقًا ... إلى ربنا صوت الحمار اليُجَدَّع فيه ضرورة عند الجمهور، وهي إدخال أل الموصولة على صريح الفعل المضارع المبني للمفعول؛ لمشابهته لاسم المفعول، وذلك لا يجوز عندهم في النثر؛ إذ هو شاذّ قبيح لا يجيء إلا في ضرورة. وذهب ابن مالك إلى أن وصل أل بالمضارع وغيره جائز اختيارًا، ولكنه قليل، وعلل بجعله في الاختيار بإمكان الشاعر أن يقول: صوت الحمار يُجدّع. من غير إخلال بالوزن أو المعنى، واعتمادًا على هذا المذهب في الضرورة لا يرى ابن مالك بأسًا من الاستشهاد لمجيء المضارع مجزومًا بلام طلب مقدرة بعد قول خبري في الاختيار، بقول الراجز:

стр. 39

قلت لبواب لديه دارُها ... كيدًا فإني حموها وجارها فهو يرى أن الأصل لتأذن، فحذف الشاعر اللام الجازمة وأبقى عملها، وكسر حرف المضارعة، وليس الراجز مضطرًا إلى هذا الحذف؛ لتمكنه من أن يقول: إيذن من غير إخلال بالوزن، أو المعنى، فحذف اللام الطلبية وإبقاء عملها إنما هو في البيت من قبيل العمل الاختياري، وليس كما رأى الكثير أن ذلك مقصورٌ على الشعر للضرورة الشعرية. ورفض هذا المذهب كثير من العلماء لأنه يؤدّي إلى أنه ليس في كلام العرب ضرورة؛ إذ لا توجد لفظة إلا يمكن للشاعر تبديلها، ونظم لفظ آخر مكانها، وربّ كلمة يرى الشاعر مفعمة بالمعاني التي تجيش في صدره، صادقة في التعبير عنها مع ما في استعمالها من مخالفة لسنن الكلام الاختيار وقواعد النحاة، ولا يرى ذلك في مرادفاتها مما يُساير سنن الكلام وقواعد النحاة. ولذلك رأى أبو حيان وغيره أن ابن مالك لم يفهم قول النحويين في ضرورة الشعر؛ فقال في غير موضع: "ليس هذا البيت بضرورة لأن قائله متمكن من أن يقول كذا" ففهم أن الضرورة في اصطلاحهم هي الإلجاء إلى الشيء، وليس كذلك. وقد أبطل الشاطبي مذهب ابن مالك من وجوه، أهمها: إجماع النحاة على عدم اعتبار ذلك المنزع، وعلى إهماله في النظر القياسي جملة، ولو كان معتبرًا لنبَّهوا عليه. والثاني: أن الضرورة عند النحاة ليس معناها أنه لا يمكن في الموضع غير ما ذُكر؛ إذ ما من ضرورة إلا يُمكن أن يعوَّض من لفظها غير هذا اللفظ، ولا ينكر هذا إلا جاحد لضرورة العقل. هذه الراء في كلام العرب من الشياع في الاستعمال بمكانٍ لا يُجهل، ولا يكاد المتكلم ينطق بجملتين تعريان عنها، وقد هجرها واصل بن عطاء لمكان لُثغته فيها، حتى كان يناظر الخصوم، ويخطب على المنبر، فلا يُسمع في نطقه راء؛ فكان إحدى الأعاجيب حتى صار مثلًا فيها. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 40

الدرس: ٤ تعلق الحكم بشيئين أو أكثر، وهل بين العربي والعجمي واسطة؟ وتقسيم الألفاظ، والمراد بالسماع
следующие страницы →