← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 11199

أصول النحو 1 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (308 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فقال في (الكتاب): "وقد يجوز حذف ياء من النكرة -أي: المقصودة- في الشعر، وقال العجاج: جاري لا تستنكري عذيري ... ......................... يريد: يا جارية، وقال في مثل: افتدي مخنوق، وأصبح ليل، وأطرق كرى" انتهى. وهكذا أدخل سيبويه الأمثال في حيّز ما يُستجاز في الشعر. وقال المبرد في (المقتضب): "والأمثال يستجاز فيها ما يستجاز في الشعر لكثرة الاستعمال لها" انتهى. واستطرد السيوطي فقال: "فالضرورة الحسنة ما لا يستهجن، ولا تستوحش منه النفس يُريد ما لا يستقبح، أو يعاب، أو تنفر منه النفس" وضرب لذلك ثلاثة أمثلة من غير استشهاد عليها، وهي صرف ما لا ينصرف كبيت أبي كبير الهذلي الذي أوردناه فيما سبق، وقصر الجمع الممدود كقول الشاعر: فلو أن الأطبّا كان حولي ... وكان مع الأطباء الأُسَاة فقصر الشاعر الأطباء في الشطر الأول من البيت، وهو جمع طبيب، كما أنه أيضًا اكتفى بالضمة عن واو الجماعة في قوله: كانوا، وهي ضرورة أخرى في البيت، وإن لم يذكرها السيوطي في (الاقتراح)، وقيل: إن السيوطي أراد بضرورة قصر الجمع الممدود حذف الياء الواقعة قبل الآخر في الجمع الأقصى، كقول الراجز يصف ما أصابه من الكبر: وكحل العينين بالعواور والأصل: بالعواوير؛ لأنه جمع عُوَار، والعوار: هو الرمد الذي يصيب العين، ومن الضرائر الشعرية التي أوردها السيوطي: مدُّ الجمع المقصور، قيل: أراد به

стр. 37

زيادة ياء قبل آخر الجمع الأقصى كقول الفرزدق يصف ناقة بالسرعة في حرّ الهاجرة، فقال: تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدنانير تنقاد الصياريف فالصياريف أصله: الصيارف؛ لأنه جمع صيرف، فاضطر الشاعر إلى إشباع كسرة الراء وزيادة الياء. وذكر السيوطي أن أسهل الضرورات جمع المؤنث السالم للاسم المؤنث الثلاثي ساكن العين مفتوح الفاء، الذي على وزن "فَعْلة" -بسكون العين في المفرد- فإن قاعدة جمعه تقتضي أن تُفتح عينه في الجمع وجوبًا؛ إتباعًا لحركة فائه، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ (البقرة: ١٦٧) فحسرات جمع حسرة بسكون السين في المفرد، وبفتحها في الجمع، ويجوز تسكين عين الجمع في الشعر للضرورة الشعرية كقول الراجز: فتستريح النفس من زفراتها ومما عدَّه السيوطي من أقبح الضرائر الشعرية: الزيادة المؤدية لما ليس أصلًا في كلام العرب، كقول الشاعر: وأنني حيثما يَثني الهوى بصري ... من حيثما سلكوا أدنُوا فأنظُور يريد: فأنظر، ولكنه اضطر فأشبع الضمة على الظاء؛ فتولَّد عن هذا الإشباع زيادة الواو، وكذلك الزيادة المؤدية إلى ما يقل في الكلام كقول امرئ القيس يُشبه ناقته بعقاب خفيفة سريعة: كأني بفتخاء الجناحين لقوت ... صيود من العقبان طأطأت شيمالي يريد: شمالي، ولكنه اضطر فأشبع الكسرة، وقيل: الشيمال لغة في الشمال، ولكنها لغة قليلة، وكذلك يُستقبح النقص المُجْحِف كقول لبيد:

стр. 38

درس المنى بمتالع فأباني ... فتقادمت بالحبس فالثوبان أراد الشاعر درس المنازل، يقال: درس المنزل أي: عفى وانمحى أثره، ومتالع، وأبان، والحبس، والثوبان: أسماء مواضع. ومما يستقبح من الضرائر أيضًا: العدول عن صيغة لأخرى كقول الحطيئة: فيه الرماح وفيه كل سابغة ... جدلاء محكمةٍ من نسج سلَّام أي: من نسج سليمان. وختم السيوطي هذه المسألة بالإشارة إلى مذهب ابن مالك في الضرورة الشعرية؛ حيث ذهب ابن مالك إلى أن الضرورة ما ليس للشاعر عنه مندوحة، أي: ما ليس له عنه سعة وفسحة، وهو بهذا يُخالف ما عليه مذهب سيبويه والجمهور وقد حكم النحويون على مذهب ابن مالك بالفساد والبطلان؛ لاعتماده على مجرد التفسير اللغوي البحت لمعنى الضرورة، من غير مراعاة لطبيعة الشعر الذي هو لغة العواطف والوجدان؛ فالضرورة عند ابن مالك مشتقَّة من الضرر، وهو النازل الذي لا مدفع له، فقول الشاعر: يقول الخنا وأبغضُ العجم ناطقًا ... إلى ربنا صوت الحمار اليُجَدَّع فيه ضرورة عند الجمهور، وهي إدخال أل الموصولة على صريح الفعل المضارع المبني للمفعول؛ لمشابهته لاسم المفعول، وذلك لا يجوز عندهم في النثر؛ إذ هو شاذّ قبيح لا يجيء إلا في ضرورة. وذهب ابن مالك إلى أن وصل أل بالمضارع وغيره جائز اختيارًا، ولكنه قليل، وعلل بجعله في الاختيار بإمكان الشاعر أن يقول: صوت الحمار يُجدّع. من غير إخلال بالوزن أو المعنى، واعتمادًا على هذا المذهب في الضرورة لا يرى ابن مالك بأسًا من الاستشهاد لمجيء المضارع مجزومًا بلام طلب مقدرة بعد قول خبري في الاختيار، بقول الراجز:

стр. 39

قلت لبواب لديه دارُها ... كيدًا فإني حموها وجارها فهو يرى أن الأصل لتأذن، فحذف الشاعر اللام الجازمة وأبقى عملها، وكسر حرف المضارعة، وليس الراجز مضطرًا إلى هذا الحذف؛ لتمكنه من أن يقول: إيذن من غير إخلال بالوزن، أو المعنى، فحذف اللام الطلبية وإبقاء عملها إنما هو في البيت من قبيل العمل الاختياري، وليس كما رأى الكثير أن ذلك مقصورٌ على الشعر للضرورة الشعرية. ورفض هذا المذهب كثير من العلماء لأنه يؤدّي إلى أنه ليس في كلام العرب ضرورة؛ إذ لا توجد لفظة إلا يمكن للشاعر تبديلها، ونظم لفظ آخر مكانها، وربّ كلمة يرى الشاعر مفعمة بالمعاني التي تجيش في صدره، صادقة في التعبير عنها مع ما في استعمالها من مخالفة لسنن الكلام الاختيار وقواعد النحاة، ولا يرى ذلك في مرادفاتها مما يُساير سنن الكلام وقواعد النحاة. ولذلك رأى أبو حيان وغيره أن ابن مالك لم يفهم قول النحويين في ضرورة الشعر؛ فقال في غير موضع: "ليس هذا البيت بضرورة لأن قائله متمكن من أن يقول كذا" ففهم أن الضرورة في اصطلاحهم هي الإلجاء إلى الشيء، وليس كذلك. وقد أبطل الشاطبي مذهب ابن مالك من وجوه، أهمها: إجماع النحاة على عدم اعتبار ذلك المنزع، وعلى إهماله في النظر القياسي جملة، ولو كان معتبرًا لنبَّهوا عليه. والثاني: أن الضرورة عند النحاة ليس معناها أنه لا يمكن في الموضع غير ما ذُكر؛ إذ ما من ضرورة إلا يُمكن أن يعوَّض من لفظها غير هذا اللفظ، ولا ينكر هذا إلا جاحد لضرورة العقل. هذه الراء في كلام العرب من الشياع في الاستعمال بمكانٍ لا يُجهل، ولا يكاد المتكلم ينطق بجملتين تعريان عنها، وقد هجرها واصل بن عطاء لمكان لُثغته فيها، حتى كان يناظر الخصوم، ويخطب على المنبر، فلا يُسمع في نطقه راء؛ فكان إحدى الأعاجيب حتى صار مثلًا فيها. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 40

الدرس: ٤ تعلق الحكم بشيئين أو أكثر، وهل بين العربي والعجمي واسطة؟ وتقسيم الألفاظ، والمراد بالسماع

стр. 41

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع (تعلق الحكم بشيئين أو أكثر، وهل بين العربي والعجمي واسطة؟ وتقسيم الألفاظ، والمراد بالسماع) تعلق الحكم النحوي بشيئين أو أكثر الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فذكر السيوطي أن الحكم النحوي يعني بمفهومه العام الشامل للمفردات والتراكيب، هذا الحكم قد يتعلَّق بشيئين أو أكثر؛ فتارة يجوز الجمع بينهما أو بينها، وتارة يمتنع، فمما يجوز الجمع فيه مسوغات الابتداء بالنكرة، وهي كثيرة جدَّا أوصلها بعضهم إلى أكثر من ثلاثين مسوغًا، وجعلوا مدار صحة الإخبار عن النكرة على حصول الفائدة، لا على ما ذكروه من هذه المسوغات. فالمتقدمون لم يعولوا في ضابط الابتداء بالنكرة إلا على حصول الفائدة، وكل مسوّغ تتحقَّق به الفائدة؛ يجوز معه الابتداء بالنكرة على انفراده، ولا يمتنع اجتماع اثنين منها فأكثر فقوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ (البقرة: ٢٢١) وقعت فيه النكرة، وهو كلمة "عبد" مبتدأ، فقال الجمهور: المسوغ للابتداء بالنكرة في الآية الكريمة وصفها بقوله: ﴿مُؤْمِنٌ﴾. وقال بعضهم: المسوغ لذلك دخول لام الابتداء عليها. ورأى بعضهم أن المسوغ لها إنما هو معنى العموم؛ لأن المراد المفاضلة بين الجنسين، لا بين أفرادهما المخصوصة. ولا مانع من اجتماع هذه المسوغات المصححة للابتداء بالنكرة؛ إذ لا تعارض بينها. ومن أمثلة ذلك أيضًا: اجتماع دخول أل المعرفة والتصغير معًا على الاسم الواحد، مع أن كليهما من خواص الأسماء، فأل مما يتميز به الاسم عن قسيميه في أنواع الكلمة: الفعل، والحرف. والتصغير وصف في المعنى، فلا تُوصف إلا الأسماء، ويجوز مع ذلك اجتماعهما، فيقال مثلًا: هذا الرجل، هذا الرجيل أصغر من ذاك الرجيل، وذلك الجبيل أعلى من ذلك الجبيل. وقد والتاء من خواص الأفعال، ويجوز اجتماعهما نحو: قد قامت الصلاة، ومما لا يجوز فيهما

стр. 42

الجمع بينهما أداة التعريف أل والإضافة، وهما من خواص الأسماء، وإنما لم يجز الجمع بينهما؛ لأن كلتيهما أداة تعريف ولا يجوز الجمع بين معرفين على معرف واحد، فإن قيل: فقد اجتمع المعرفان في نحو قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ (آل عمران: ٤٣) فقد اجتمع على الاسم التعريف بأداة النداء وبالعلمية، وقال الشاعر: علا زيدُنا يومًا نقى رأس زيدكم ... بأبيض ماضي الشفرتين يمان فقال: زيدنا، وزيدكم. فجمع بين التعريف بالعلمية والتعريف بالإضافة، فالجواب: أن تعريف العلمية قد زال مما ذكر، وأُجري العلم مجرى النكرات، وصار معرفًا بأل في الآية الكريمة، وبالإضافة في البيت، أو أن الممتنع هو الجمع بين التعريفين إذا كان بعلامتين لفظيتين، كالجمع بين يا مع الألف واللام، والعلمية ليست بعلامة لفظية. أما قولهم: يا الله. فقد جمعوا فيه بين يا وأل؛ لأن الألف واللام عِوَض من حرف أصلي، وكأن هذا الاسم الكريم أصله إله؛ فحذفوا الهمزة من أوله، وعوَّضوا منها الألف واللام، فصارت كأنها جزء منه، كما أن هذا الاسم الكريم قد كثر استعماله فخفَّ على ألسنتهم؛ فجوزوا فيه ما لم يجوزوا في غيره. ومما لا يجتمعان كذلك التنوين والإضافة مع أنهما من خواص الأسماء، وذلك أن كلًّا منهما علامة على نهاية الاسم وتمامه، ولا يجتمع على تمام الاسم علامتان، أو لأن التنوين يدلُّ على الانفصال، والإضافة تدلّ على الاتصال فلم يجمعوا بينهما، ألا ترى أن التنوين يُؤذِن بانقطاع الاسم وتمامه، والإضافة تدلّ على اتصال المضاف بما بعده وهو المضاف إليه، وكون الشيء متصلًا منفصلًا في حالة واحدة أمر محال، أو لأن التنوين في الأصل يدلّ على التنكير المفيد للعموم، أما الإضافة فتُخصّص أو تعرف، فلم يجتمعا.

стр. 43

قال ابن جني في (الخصائص): "ومن غلبة حكم الطارئ حذف التنوين للإضافة نحو: غلام زيد، وصاحب عمرو؛ لأنهما ضدَّان، ألا ترى أن التنوين مُؤذن بتمام ما دخل عليه، والإضافة حاكمة بنقص المضاف، وقوة حاجته إلى ما بعده، فلما كانت هاتان الصفتان على ما ذكرنا تعادتا وتنافاتا؛ فلم يمكن اجتماع علامتيهما. وأيضًا فإن التنوين علم للتنكير والإضافة موضوعة للتعريف، وهاتان أيضا قضيتان متدافعتان إلا أن الحكم للطارئ من العلمين -أي: من العلامتين- وهو الإضافة، ألا ترى أن الإفراد أسبق رتبة من الإضافة، كما أن التنكير أسبق رتبة من التعريف؟ " انتهى. وكذلك السين وسوف، وهما من خواص الفعل المضارع، ومن أدوات الاستقبال كلتاهما حرف مفيد للتنفيس أي: للتوسيع بمعنى: أنهما يقلبان المضارع من الزمن الضَّيّق وهو الحال، إلى الزمن الواسع وهو الاستقبال، وسوف مرادفة للسين، وقيل أوسع منها؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، ولا يُجمع بينهما؛ كراهة الجمع بين علامتي استقبال، ولذلك ذكر ابن عصفور: "أنه لا يجوز أن يجمع بين أن المصدرية والسين وسوف؛ لكون أن إذا دخلت على المضارع خصَّصته بالزمن المستقبل، فلا يجوز أن يقال: يعجبني أن ستجتهد، أو أن سوف تجتهد؛ كراهة الجمع بين حرفين يعطيان شيئًا واحدًا، وهو التخليص للاستقبال". قال السيوطي: "والتاء والسين خاصتان ولا يجتمعان" انتهى. وتفسير ما قال: أن التاء سواء أكانت تاء التأنيث الساكنة، أم كانت تاء الفاعل المحرّكة، هي من خواص الفعل الماضي؛ فلا تجتمع مع السين التي هي من خواص الفعل المضارع لتنافيهما.

стр. 44

وقال السيوطي: "ومن القواعد المشتهرة قولهم: البدل والمُبدل منه، والعوض والمُعوض منه لا يجتمعان" ومن المهم الفرق بين البدل والعوض، ثم أورد نصين أحدهما من كتاب (تذكرة النحاة) لأبي حيان، والآخر لابن جني من (الخصائص)، ويدور هذان النصان حول ذكر الفرق بين البدل والعوض. وإنما ذكر السيوطي أنه من المهم معرفة الفرق بين البدل والعوض؛ لأن بعض النحاة يُطلقون لفظ البدل ويريدون به العوض، ومن هؤلاء المبرد في (المقتضب)، وابن يعيش في (شرح المفصل)، والعلامة الرضي في شرحه على (شافية ابن الحاجب)، وأبو الحسن الأشموني في شرحه على (ألفية بن مالك)، وهذا الإطلاق من باب التجوّز. وقد أوضح أبو حيان في نصه المنقول عن (التذكرة) أن البدل لغةً العوض، ويفترقان في الاصطلاح، ثم أشار إلى بعض الفروق الاصطلاحية بينهما؛ فالبدل عند علماء النحو هو أحد التوابع الخمسة، وقد عرفه النحويون بأنه: التابع المقصود بالحكم بلا واسطة، وهو يجتمع مع المبدل منه، قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (الفاتحة: ٦، ٧) فقوله سبحانه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ بدل من الصراط، وقد اجتمعا، وقال : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران: ٩٧) فـ ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾: بدل من ﴿النَّاسِ﴾، وقد اجتمعا، وإنما يجتمع البدل مع المبدل منه لأن المقصود بالحكم هو البدل، وأما المبدل منه فهو يُذكر توطئة وتمهيدًا، ومن هنا يقولون: المبدل منه في حكم الطرح من جهة المعنى غالبًا، ويكون الغرض من ذكر البدل أن يُذكر الاسم المقصود بالحكم بعد التوطئة؛ لإفادة توكيد الحكم وتقريره، ولذلك يرى الأكثرون أن عامل البدل مقدَّر دلَّ عليه العامل في المبدل منه، فهو مع البدل جملة أخرى في الحقيقة، وإن كانوا يسمون الكلام المشتمل على المبدل منه والبدل جملة واحدة؛ اعتبارًا بظاهر اللفظ.

стр. 45

ويُحكى عن أبي علي الفارسي أنه قيل له: "كيف يكون البدل إيضاحًا للمبدل منه، وهو من غير جملته؟ فقال: لما لم يظهر العامل في البدل، وإنما دلَّ عليه العامل في المبدل منه، واتصل البدل بالمبدل منه في اللفظ؛ جاز أن يوضحه"، والذي يدل على أن العامل في البدل غير العامل في المبدل منه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ﴾ (الزخرف: ٣٣) فظهور اللام في "بيوتهم" وهي بدل من "مَن" دليل على أن عامل البدل غير عامل المبدل منه، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (الأعراف: ٧٥) فظهور اللام مع "من" وهو بدل من "الذين استضعفوا" دليل على ما تقدم أيضًا، هذا هو البدل النحوي. أما في اصطلاح علماء الصرف فمن مباحثهم: البدل والعوض، والبدل عندهم، هو: جعل حرف مكان حرف آخر مطلقًا كجعلهم الطاء في موضع التاء في "اصطبر"، والألف موضع الواو في "قال"، والهمزة موضع الياء في "بناء". ومرادهم بجعل حرف مكان آخر إزالة الحرف المبدل منه من الكلمة، ووضع حرف آخر موضعه، وهذا معنى قول أبي حيان في النص المنقول عنه: "وبدل الحرف من غيره لا يجتمعان أصلًا، ولا يكون إلا في موضع المبدل منه"، وأوضح أبو حيان أن البدل الصرفي في اصطلاحهم لا بد فيه من هذين الأمرين؛ لأنه بهما يُغاير العوض؛ فالعوض -كما قال أبو حيان- لا يكون في موضعه، يعني: لا يكون في موضع المعوض منه، وربما اجتمعا ضرورة، يُشير بهذه العبارة إلى مذهب بعض علماء الصرف كابن يعيش وغيره، الذين يذهبون إلى أن يكون العوض مقصورًا على كون الحرف الآتي عوضًا في غير موضع المحذوف المعوض منه؛ فهمزة الوصل في ابن واسم عوضٌ من الواو التي هي لام ابن، لأن أصله

стр. 46

"بنوٌ" فحذفت الواو تخفيفًا، وسكنت الباء، وجيء بهمزة الوصل للتعويض، وإمكان النطق بالساكن. وعوض من الواو في "اسم"؛ لأن أصله عندهم من السمو. ومثل ذلك التاء في نحو: عدة، وزنة، عوض من الواو التي هي فاء الكلمة، وهكذا. وربما اجتمع العوض والمعوض منه في كلمة واحدة وإن اختلف موقعهما، وذلك في الضرورة الشعرية كالجمع بين حرف النداء والميم المشددة التي تكون عوضًا منه كقول الراجز: إني إذا ما حدث ألمَّا ... أقول يا اللهم يا اللهم وبناءً على هذا المذهب تكون النسبة بين البدل والعوض التباين؛ فالبدل أن تُقيم حرفًا خلفًا لحرف في موضعه، ولا يجتمعان، والعوض: أن تقيم حرفًا خلفًا لحرف في غير موضعه، وقد يجتمعان في الشعر للضرورة الشعرية. قال أبو حيان: "وربما استعملوا العوض مرادفًا للبدل في الاصطلاح" أي: ربما استعملوا العوض في الاصطلاح في الإتيان بالحرف في مكان الحرف المحذوف؛ فيكون أعم من البدل لا مباينًا له، وهو يشير بهذه العبارة إلى مذهب بعض الصرفيين الذين لا يشترطون أن يكون الحرف الآتي عوضًا من غيره في مكان المعوض منه أو في غير مكانه؛ فالطاء في نحو: "اصطبر" عندهم عوضٌ من تاء الافتعال، والأصل: اصتبر، وهمزة الوصل في أول نحو: "ابن" عوض من الواو في آخره، وهكذا. وهم يرون أن النسبة بين البدل والعوض العموم، والخصوص المطلق؛ فيجتمعان في شيء وينفرد الأعم منهما -وهو العوض- في شيء، وذلك في كل كلمة حدث فيها تغيير بحذف حرف، وإحلال حرف آخر خلفًا له؛ سواء أكان في

стр. 47

موضع الحرف المحذوف أم في غير موضعه، فإن كان في موضعه فهو بدل وعوض، وإن كان في غير موضعه فهو عوض فقط. فكل بدل على ذلك يُسمّى عوضًا، وليس كل عوض يسمى بدلًا، فيجتمعان في نحو: اصطبر، وينفرد العوض في نحو: عدة، وزنة، واسم من السمو، قال ابن مالك في التصغير: وجائز تعويض يا قبل الطرف ... إن كان بعض الاسم فيهما انحذف الضمير في قوله: "فيهما" للتكسير والتصغير، ومعنى البيت: أنه يجوز أن يعوض مما حذف منهما ياء قبل الآخر، فيجوز أن يقال: فرازيق وفريزيق في تكسير فرزدق وتصغيره بزيادة ياء فيهما قبل الطرف؛ عوضًا من حذف الدال مع أنها في موضع المحذوف. أما نص ابن جني الذي نقله عنه السيوطي فقد أورده في (الخصائص) في باب عقده بعنوان: باب في الفرق بين البدل والعوض، بيَّن فيه أن جماع ما في هذا الباب أن البدل أشبه بالمبدل منه من العوض، وانتهى فيه إلى أن البدل أعمُّ تصرفًا من العوض؛ فكل عوض بدل، وليس كل بدل عوضًا. هل بين العربي والعجمي واسطة ؟ وتدور فكرة هذا العنصر حول ما يُسمى بمسائل التمرين في الصرف العربي بأن يقال: كيف تبني من كذا مثل كذا، أي كيف تأتي بكلمة مطابقة لما يُوازن كلمة من كلام العرب، بمعنى: أنك إذا ركَّبت منها زنتها، وعاملت ما يقتضيه القياس التصريفي في هذه الكلمة من زيادة، أو حذف، أو قلب، أو إدغام، أو غير ذلك فهل تُعَدُّ هذه الكلمة المصنوعة ونظائرها من الكلمات المصنوعة، هل تُعَدُّ واسطة بين الكلام العربي والكلام العجمي؟

стр. 48

أجاب عن ذلك ابن عصفور في كتابه المسمى بـ (الممتع) بالإيجاب، أي: قال ما معناه: نعم. فإذا تكلمنا نحن بهذه الألفاظ المصنوعة كان تكلمنا بما لا يرجع إلى لغة من اللغات يعني: لا يكون عربيًّا ولا عجميًّا، وإنما يكون واسطة بين العربي والعجمي. وردَّه الخضراوي ذاكرًا بأن كل كلام ليس عربيًّا فهو عجمي، ولا واسطة بينهما، ونحن كغيرنا من الأمم. ووافق أبو حيان في شرحه على (التسهيل) ابن عصفور موضحًا أن الكلمات المصنوعة ليست عجمية؛ لأن العجمي عندنا هو كل ما نُقل إلى اللسان العربي من لسان غيره؛ سواء كانت من لغة الفرس، أو الروم، أو الحبش، أو الهند، أو البربر، أو الإفرنج، أو غير ذلك، انتهى. فأبو حيان يوافق ابن عصفور في أن الكلمات المصنوعة لا تُعدُّ أعجمية كما ذهب إلى ذلك الخضراوي؛ لأنها مصنوعة، وليست منقولة عن العجم، يعني: أن اللغة الأعجمية على اختلاف أنواعها وتباين أجناسها موضوعة لأهلها بالرواية عنهم، لم يصنعها، ولم يختلقها أحدٌ. أما التكلم بالألفاظ المصنوعة فتكلم بما لم يضعه واضع، فلا يتم قول الخضراوي. ولإلقاء مزيدٍ من الضوء على ما تُعرف به عُجمة الأسماء، أورد السيوطي بعض الوجوه التي ذكر النحاة أن بها تُعرف عجمة الاسم: أحدها: النقل: بأن ينقل ذلك أحد أئمة العربية كإيراد سيبويه في (الكتاب) في باب الأسماء الأعجمية بعض هذه الأسماء: "كاللجام، والديباج، واليرنج، والنيروز، والزنجبيل، والياسمين، وبعض الأعلام كإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وهرمز، وفيروز، وقارون، وفرعون". والثاني: خروجه عن أوزان الأسماء العربية نحو: إبريسم، والإبريسم هو أحسن الحرير، فإن مثل هذا الوزن، وهو "إفعيلَلْ" مفقود في أبنية الأسماء في اللسان العربي.

стр. 49

والثالث: أن يكون أوله نون ثم راء نحو: نرجس، فإن ذلك لا يكون في كلمة عربية. والرابع: أن يكون آخره زاي بعد دال نحو: مهندز، وصيَّروا زاياه سينًا فقالوا: مهندس، فإن ذلك لا يكون في كلمة عربية. والخامس: أن يجتمع فيه الصاد والجيم نحو: الصولجان، وهو المحجن أي: العصا المعوجَّة، والجص الجص بفتح الجيم وكسرها، وهو ما يُبنى، أو يُطلى به البيت. والسادس: أن يجتمع فيه الجيم والقاف نحو: المنجنيق: وهو آلة لرمي العدو بحجارة كبيرة، وقد اختلف العلماء في ميمه بين الأصالة والزيادة، وهي عند سيبويه من نفس الكلمة. والسابع: أن يكون خماسيًّا أو رباعيًّا خاليًا من حروف الزلاقة، وهي ستة أحرف مجموعة في قولهم: "مر بنفل"، وهي الميم، والراء، والباء، والنون، والفاء، واللام. والزلاقة لغة: الحدة، ولسان زلق أي: بليغ حديد، قال الأخفش: "سميت بذلك لأن عملهنَّ في طرف اللسان، وطرف اللسان زلق، وقيل: الزلاقة الفصاحة والخفة في الكلام، وهذه الحروف أخفّ الحروف، ولا ينفكّ رباعي أو خماسي متى كان عربيًّا من حرف منها إلا شاذًّا كالعسجد، وهو الذهب، وهو أيضًا الجوهر كله كالدُّرّ والياقوت، ويقال كذلك: بعير عسجد إذا كان ضخمًا، والدهدقة، وهو تكسير اللحم وتقطيعه، والزهزقة وهو شدَّة الضحك. وذلك لأن الرباعي والخماسي ثقيلان فلم يخليا من حرف سهل خفيف على اللسان، ومن أمثلة الأسماء المحكوم بأعجميتها لخلوّها من أحرف الزلقة: سفرجل، وهو نوع من الأشجار ثمره كثير الفوائد، وقزعمل وهو القصير الضخم من الإبل، وقرطعب وهو الشيء الحقير يقال: ما عنده قرطعبة ولا قزعملة أي: لا قليل ولا كثير، وجحمرش وهي الثقيلة السمجة من النساء.

стр. 50

تقسيم الألفاظ إلى واجب وممتنع وجائز ذكر السيوطي أن ابن الطراوة قسَّم الألفاظ إلى ثلاثة أقسام: واجب، وممتنع، وجائز. أما الواجب من الألفاظ فرجل وقائم ونحوهما مما يجب أن يكون في الوجود ولا ينفك الوجود عنه أي: لا يصحّ عند العقل عدمه، والممتنع: لا قائم ولا رجل؛ إذ يمتنع أن يخلو الوجود من أن يكون لا رجل فيه ولا قائم، أي: يمتنع نفي وجود ما يجب أن يكون في الوجود، فنفي الواجب ممتنع، والجائز أي: الذي يقبل العقل وجوده وعدمه نحو: زيد وعمرو؛ لأنه جائز أن يكون وأن لا يكون. قال ابن الطراوة: "فكلام مركب من واجبين لا يجوز نحو: رجل قائم؛ لأنه لا فائدة فيه أي: لأن مدلوله لا يغيب عن العقل، فلم تحصل فائدة من الكلام، فكان ممتنعًا، وكلام مركب من ممتنعين أيضًا لا يجوز نحو: لا رجل لا قائم؛ لأنه كذب ولا فائدة فيه أي: لأنه مركب من جزأين كاذبين، فالعقل لا يقبله بحسب العادة، وكلام مركب من ممتنع وجائز لا يجوز، ولا من واجب وممتنع نحو: زيد لا قائم، ورجل لا قائم لأنه كذب؛ إذ معناه لا قائم في الوجود، وكلام مركب من جائزين لا يجوز نحو: زيد أخوك لأنه معلوم، لكن بتأخيره صار واجبًا؛ فصح الإخبار به، لأنه مجهول في حق المخاطب؛ فالجائز يصير واجبًا بتأخيره، ولو قلت: زيد قائم صح. لأنه مركب من جائز وواجب، فلو قدمت وقلت: قائم زيد لم يجز؛ لأن زيد صار بتأخيره واجبًا فصار كلامه مركبًا من واجبين، فصار بمنزلة قائم رجل. قال أبو حيان: "وهذا مذهب غريب أي: خارج عن قانون العربية، وما قاله -أي: ابن الطراوة-: من أن الجائز يصير بتأخيره واجبًا. ممنوع لأن معناه مقدمًا ومؤخرًا واحد".

стр. 51

الأصل الأول من أصول النحو الغالبة: السماع مراد علماء أصول النحو بالسماع الذي هو الأصل الأول من أصول النحو الغالبة: فنقول: ذكر السيوطي أنه -يعني: بالسماع- ما ثبت في كلام من يوثق بفصاحته، فشمل هذا كلام الله تعالى، وهو القرآن الكريم، وهو أفصح كلام وأبلغه، وكلام نبيه ﷺ وهو الحديث النبوي الشريف، وكلام العرب قبل بعثته وفي زمنه وبعده إلى أن فسدت الألسنة بكثرة المولدين نظمًا ونثرًا من مسلم أو كافر. فهذه ثلاثة أنواع لا بد في كل منها من الثبوت: أما القرآن الكريم فكل ما ورد أنه قُرئ به؛ جاز الاحتجاج به في العربية، سواء كان متواترًا أم آحادًا أم شاذًّا، فالقرآن الكريم -كما قيل- فوق النحو، والفقه، والمذاهب كلها، فهو الأصل الأصول، ما وافقه فهو مقبول، وما خالفه فهو مردودٌ ومرذولٌ، وذلك أن لغة القرآن الكريم هي أفصح أساليب العربية على الإطلاق، وأن الكتاب أعربُ وأقوى من الشعر، كما قال الفراء -رحمه الله تعالى. ولقد صدق أبو عمرو الداني المتوفى سنة أربع وأربعين وأربعمائة من الهجرة حين قال: وأئمة القراءة لا تعمل من القراءات في شيء على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية؛ بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردَّها قياس عربية، ولا فشوّ لغة؛ لأن القراءة سُنة متبّعة فلزم قبولها والمصير إليها، انتهى. قال السيوطي: "وقد أطبق الناس -يعني: أجمعوا- على الاحتجاج بالقراءات الشاذَّة في العربية إذا لم تُخالف قياسًا معروفًا؛ بل ولو خالفته يُحتج بها في مثل ذلك الحرف بعينه، وإن لم يجز القياس عليه كما يُحتجّ بالمجمع على وروده، ومخالفته القياس في ذلك الوارد بعينه، ولا يقاس عليه نحو: استحوذ، ويأبى".

стр. 52

أوضح السيوطي في هذه الفقرة أن القراءات الشاذة أجمع النحويون على الاستشهاد بها في تقعيد القواعد إذا لم تُخالف قياسًا معروفًا، وإن خالفته أجمعوا على الاحتجاج بها أيضًا لكن في خصوص ما وردت فيه من غير أن يُقاس عليها، وقد أشار إلى ذلك ابن جني في غير موضع من (الخصائص). ثم أورد السيوطي مثالين للاحتجاج بالقراءات الشّاذّة فقال: "وما ذكرته من الاحتجاج بالقراءات الشاذة لا أعلم فيه خلافًا بين النحاة، وإن اختُلف في الاحتجاج بها في الفقه، ومن ثمَّ احْتُجَّ على جواز إدخال لام الأمر على المضارع المبدوء بتاء الخطاب بقراءة: "فبذلك فلتفرحوا" (يونس: ٥٨) احتُجَّ بها على إدخالها على المبدوء بالنون بالقراءة المتواترة: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ (العنكبوت: ١٢)، واحتج على صحة من قال: إن الله أصله: لاه، بما قرئ شاذًّا: "وهو الذي في السماء لاهٌ وفي الأرض لاهٌ" (الزخرف: ٨٤) " انتهى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 53

الدرس: ٥ ما عيب من القراءات، وحكم الاحتجاج بالحديث الشريف

стр. 54

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس (ما عيب من القراءات، وحكم الاحتجاج بالحديث الشريف) بيان ما عيب من القراءات الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فيكشف لنا السيوطي النقاب عن حَمْلة آثمة لتلحين القراء، استفتح بابها وحمل لواءها نُحاة البصرة المتقدمون، ثم تابعهم غيرهم من اللغويين والمفسرين، ومصنّفي القراءات، كما قال شيخنا العلامة الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة صاحب (دراسات لأسلوب القرآن الكريم) -رحمه الله تعالى رحمة واسعة- وقد افتتح السيوطي هذا المبحث في (الاقتراح) بقوله: "تنبيه: كان قوم من النحاة المتقدمين يعيبون على عاصم، وحمزة، وابن عامر قراءات بعيدة في العربية، وينسبونهم إلى اللحن، وهم مخطئون في ذلك؛ فإن قراءاتهم ثابتة بالأسانيد المتواترة الصحيحة التي لا مطعن فيها، وثبوت ذلك دليل على جوازه في العربية، وقد ردَّ المتأخرون -منهم ابن مالك- على من عاب عليهم ذلك بأبلغ ردّ، واختار جواز ما وردت به قراءاتهم في العربية، وإن منعه الأكثرون؛ مستدلًّا به". إن تصدير السيوطي هذه المقدمة بكلمة تنبيه يُوحي بخطورة ما سيلفت الأنظار إليه، ويوجه العقول إلى أهمية ما سينبّه عليه، وأيُّ خطورة أشدّ، وأيّ تنبيه أعظم من تلحين قُرَّاء القراءات المتواترة، ونسبة بعضهم إلى الخطأ في القراءة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ (الكهف: ٥)، فعاصم ابن بهدلة أبي النجود -بفتح النون وضم الجيم- هو شيخ الإقراء بالكوفة، وأحد القُرَّاء السبعة، وأبو النَّجود هو اسم أبيه، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "سألت أبي عن عاصم بن بهدلة. فقال: رجل صالح خير ثقة، فسألته: أيُّ القراءة أحبّ إليك؟ قال: قراءة أهل المدينة، فإن لم تكن فقراءة عاصم". وقد توفي ﵀ سنة سبع وعشرين ومائة من الهجرة، وحمزة هو ابن حبيب الزيات أحد القُرَّاء السبعة،

стр. 55

وإليه صارت الإمامة في القراءة بعد عاصم. قال عنه ابن الجزري: "كان إمامًا، حجةً، ثقةً، ثبتًا، رضًا، قيمًا بكتاب الله، بصيرًا بالفرائض، عارفًا بالعربية، حافظًا للحديث، عابدًا، خاشعًا، زاهدًا، ورعًا، قانتًا لله عديم النظير". وقال أبو حنيفة لحمزة: "شيئان غلبتنا عليهما لسنا ننازعك فيهما القرآن والفرائض". توفي ﵀ سنة ست وخمسين ومائة من الهجرة. وابن عامر هو عبد الله بن عامر اليحصبي أو اليحصبي -بضم الصاد وكسرها- أحد القُرَّاء السبعة، وإمام أهل الشام في القراءة قيل عنه: كان إمامًا عالمًا ثقة فيما آتاه، حافظًا لما رواه، متقنًا لما وعاه، عارفًا فَهِمًا قيمًا فيما جاء به، صادقًا فيما نقله من أفاضل المسلمين وخيار التابعين وأجلة الراوين، لا يُتهم في دينه، ولا يُشك في يقينه، ولا يُطعن عليه في روايته، صحيح نقله، فصيح قوله، عاليًا في قدره، مصيبًا في أمره، مشهورًا في علمه، مرجوعًا إلى فهمه لم يتعدَّ فيما ذهب إليه الأثر، ولم يقل قولًا يُخالف فيه الخبر، توفي ﵀ سنة ثماني عشرة ومائة من الهجرة. والذين ذكرهم السيوطي ممن حكم بعض النحاة المتقدمين على قراءتهم باللحن هم قليل من كثير، فقد لحَّنوا نافع بن أبي نعيم قارئ مدينة رسول الله ﷺ ، وأحد القُرَّاء السبعة، وابن كثير وهو إمام أهل مكة، وأحد القُرَّاء السبعة وغيرهم وغيرهم. وقد أشار السيوطي إلى أن تلحين هؤلاء القُرَّاء كان بسبب قراءات لهم بعيدة في العربية، أي: بسبب قراءات قد خفي توجيهها على هؤلاء النحاة الذين حكموا عليها باللحن ونسبوها إلى الخطأ. إما لأنها كانت صادرة عن لهجات عربية لم تبلغهم، أو لكونها تُخالف ما كانوا يحتكمون إليه من قواعد، وما يتعارفون عليه من قوانين، وما يتوصلون إليه من أقيسة.

стр. 56

أما المنصفون فهم الذين يرون أن القراءة لا تتبع العربية، بل إن العربية هي التي تتبع القراءة؛ لأنها مسموعة من أفصح العرب بإجماع، وهو نبينا محمد ﷺ ومن أصحابه ومن بعدهم، ولقد صدق ابن الحاجب إذ قال: "والأولى الرَّدّ على النحويين، فليس قولهم بحجة عند الإجماع، ومن القُرَّاء جماعة من النحويين، فلا يكون إجماع النحويين حجة مع مخالفة القُرَّاء لهم، ولو قُدِّر أن القُرَّاء ليس فيهم نحوي فإنهم ناقلون لهذه اللغة، وهم مشاركون النحويين في نقل اللغة، فلا يكون إجماع النحويين حجة دونهم، وإذا ثبت ذلك كان المصير إلى قول القُرَّاء أولى؛ لأنهم ناقلون عمن ثبتت عصمته عن الغلط في مثله. ولأن القراءة ثبتت متواترة، وما نقله النحويون آحاد، ثم لو سُلِّم أنه ليس بمتواتر فالقراء أعدل وأثبت؛ فكان الرجوع إليهم أولى"، وقد ذكر السيوطي ثلاثة أمثلة توضح بعض القراءة التي دافع عن صحّتها ابن مالك، واحتجَّ بها في إثبات القواعد المستنبطة منها وهي: المثال الأول: احتجاجه على جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار بقراءة حمزة: "تساءلون به والأرحامِ" (النساء: ١) وبيان ذلك أن سيبويه قال في (الكتاب): "ومما يقبح أن يشركه المظهر علامة المضمر المجرور، وذلك قولك: مررت بك وزيد، وهذا أبوك وعمرو؛ كرهوا أن يشرك المظهر مضمرًا داخلًا فيما قبله" انتهى. أي: أن عطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور بالحرف نحو: مررت بك وزيد، أو بالاسم نحو: هذا أبوك وعمرو، من غير إعادة الجار قبيح، وقد علَّل لذلك بأن الضمير المجرور قد جمع بين أمرين: أحدهما: أنه لا يتكلم به إلا متصلًا بما قبله من حرف، أو اسم؛ فلا يجوز فصله عما قبله؛ لأنه كالجزء منه.

стр. 57

والآخر: أنه بدل من اللفظ بالتنوين أي: أنه قام مقامه، تقول: غلام. فتجد فيه التنوين، فإذا أضفته قلت: غلامك. قام الضمير الواقع مضافًا إليه مقام التنوين؛ فلم يجز العطف عليه. كما لا يُعطف على التنوين. وأجاز سيبويه هذا العطف في الشعر؛ اعتمادًا على الضرورة الشعرية كقول الشاعر: فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب حيث عطف الشاعر لفظ "الأيام" على ضمير المخاطب المجرور بالباء، ومن ثَمَّ عاب كثير من النحويين هذه القراءة -أي: قراءة حمزة- وخطأها المبرد، ووصفها الفراء بالقبح، وذهب جمهور الكوفيين وبعض البصريين وابن مالك إلى جواز هذا العطف في الاختيار، دون إعادة الجار محتجِّين بهذه القراءة، وببعض الشواهد الأخرى كقول الرسول ﷺ : ((إنما مثلكم واليهود والنصارى كرجل استعمل عمالًا ... )) إلى آخر الحديث الشريف، وهو في (صحيح البخاري)،وقال ابن مالك في الألفية مشيرًا إلى هذا الخلاف ومبينًا رأيه فيه: وعود خافض لدى عطف على ... ضمير خفض لازمًا قد جعلا وليس عندي لازمًا إذ قد أتى ... في النظم والنثر الصحيح مثبتا والمثال الثاني: احتجاج ابن مالك على جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بمفعوله بقراءة ابن عامر: "وكذلك زُين لكثير من المشركين قتلُ أولادَهم شركائِهم" (الأنعام: ١٣٧)، والقراءة برفع "قتل" على النيابة عن الفاعل بـ"زُيّن" المبني للمفعول، ونصب "أولادهم" على المفعولية للمصدر "قتل"، وجر "شركائهم" الذي أضيف إليه المصدر، فـ"قتل" مصدر مضاف، و"شركائهم" مضاف إليه، من إضافة المصدر إلى فاعله، و"أولادهم" مفعوله وهو الفاصل بين

стр. 58

المتضايفين. وقد ردَّها الفراء في (معاني القرآن)، وقال أبو علي الفارسي: "ولو عدل عنها إلى غيرها كان أولى"، وأنكرها الطبري في تفسيره، والزمخشري في (الكشاف)، أما ابن مالك فقد رآها من أقوى الأدلة على جواز هذا الفصل معللًا لذلك بأن قراءة ابن عامر ﵁ ثابتة بالتواتر، ومعزوَّة إلى موثوق بعربيته، قبل العلم بأنه من كبار التابعين، ومن الذين يُقتدى بهم في الفصاحة، كما يقتدى بمن في عصره من أمثاله الذين لم يُعلم عنهم مجاورة للعجم يحدث بها اللحن، وقال: "ويكفيه شاهدًا على ما وصفته به أن أحد شيوخه الذين عوَّل عليهم في قراءة القرآن عثمان بن عفان ﵁ وتجويز ما قرأ به في قياس النحو قويّ، وذلك أنها قراءة اشتملت على فصل بفضلة بين عامرها المضاف إلى ما هو فاعل، فحسَّن ذلك ثلاثة أمور: أحدها: كون الفاصل فضلة، فإنه بذلك صالح لعدم الاعتداد به. الثاني: كونه غير أجنبي لتعلقه بالمضاف. الثالث: كونه مقدَّر التأخير من أجل المضاف إليه، مقدر التقدم بمقتضى الفاعلية المعنوية، فلو لم تستعمل العرب الفصل المشار إليه؛ لاقتضى القياس استعماله، لأنهم قد فصلوا في الشعر بالأجنبي كثيرًا، فاستحقّ الفصل بغير أجنبي أن يكون له مزيَّة، فحكم بجوازه". انتهى ما قاله ابن مالك. والمثال الثالث: احتجاج ابن مالك على جواز سكون لام الأمر بعد "ثم" بقراءة "ثُمَّ ليقطع" من قوله : ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ (الحج: ١٥)، والقراءة المذكورة هي قراءة عاصم مع حمزة، وقد نصَّ النحاة على أن حركة لام الأمر الكسر حملًا على لام الجر؛ لأنها أختها في الاختصاص بنوع من أنواع الكلمة

стр. 59

وعملها فيه، وسُليم تفتحها، ويجوز تسكينها بعد الواو والفاء وثم، وتسكينها بعد الواو والفاء أكثر من تحريكها؛ لشدة اتصالهما بما بعدهما، لكونهما على حرف واحد، فصارا معه ككلمة واحدة، فخفف بحذف الكسر كما خفّف نحو كَتِف وفَخِذ بتسكين الوسط المحرك بالكسر، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: ١٨٦) قالوا: وكسر لام الأمر بعد ثم أكثر من تسكينها؛ لكون ثم على ثلاثة أحرف، وإنما جاز تسكينها بعدها؛ حملًا لها على الواو والفاء، فلا تبلغ مبلغهما، وخالف في ذلك المبرد؛ فمنع تسكينها بعد "ثم"، وذكر أن قراءة "ثم ليقطع" بتسكين اللام لحن، وممن أجاز التسكين ابن مالك محتجًا بالقراءة المذكورة، وقال في نظم (الكافية): واللام قد تسكن بعد الفا وثم ... والواو نحو من يكارم فليدم قال السيوطي: "فإن قلت: فقد روي عن عثمان أنه قال لما عرضت عليه المصاحف: إن فيه لحنًا ستقيمه العرب بألسنتها، وعن عروة قال: "سألت عائشة عن لحن القرآن عن قوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (طه: ٦٣) وعن قوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (النساء: ١٦٢) وعن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ (المائدة: ٦٩) فقالت: يا ابن أختي هذا عمل الكُتاب أخطئوا في الكتاب"، أخرجه أبو عبيد في فضائله، فكيف يستقيم الاستدلال بكل ما فيه بعد هذا، قلت: معاذ الله كيف يظن أولًا بالصحابة أنهم يلحنون في الكلام؛ فضلًا عن القرآن وهم الفصحاء اللُّدّ -أي: الذين رسخت أقدامهم في الفصاحة، وثبت لهم الوصف الكامل فيها- ثم كيف يظن بهم ثانيًا في القرآن الذي تلقوه من النبي ﷺ كما أنزل، وضبطوه، وحفظوه، وأتقنوه، ثم كيف يُظن بهم ثالثًا اجتماعهم كلهم على الخطأ، وكتابته، ثم كيف يظن بهم رابعًا عدم تنبُّهِهِم ورجوعهم عنه، ثم كيف يظن بعثمان أن يقرأه ولا يغيره، ثم

стр. 60

كيف يظن أن القراءات استمرَّت على مقتضى ذلك الخطأ، وهو مروي بالتواتر خلفًا عن سلف، هذا مما يستحيل عقلًا وشرعًا وعادة". وقد ذكر السيوطي أن العلماء قد أجابوا عن ذلك بأجوبة عديدة بسطها في كتابه الموسوم بـ (الإتقان في علوم القرآن)، وهي توضح وجوه هذه المستحيلات، وخلاصة الأجوبة عن الأثر المروي عن عثمان ﵁ وأحسنها أن ذلك لا يصحّ عن عثمان، فإن إسناده ضعيف مضطرب منقطع، ولأن عثمان جُعل إمامًا للناس يقتدون به، فكيف يرى في القرآن الكريم لحنًا ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها، فإذا كان الذين تولَّوا جمعه وكتابته لم يقيموا ذلك، وهم الخيار فكيف يُقيمه غيرهم، وأيضًا فإنه لم يكتب مصحفا واحدًا، بل كتب عدَّة مصاحف. فإن قيل: إن اللحن وقع في جميعها فبعيد اتفاقهم على ذلك، أو في بعضها فهو اعتراف بصحة بعضها، ولم يذكر أحد من الناس أن اللحن كان في مصحف دون مصحف، ولم تأتِ المصاحف قط مختلفة إلا فيما هو من وجوه القراءة وليس ذلك بلحن، أو أن هذا الأثر قد وقع فيه تحريف؛ فإن ابن أشتة المتوفى سنة ستين وثلاثمائة من الهجرة، أخرجه في كتاب (المصاحف) من طريق عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر قال: "لما فُرغ من المصحف أُتي به عثمان فنظر فيه فقال: أحسنتم وأجملتم، أرى شيئًا سنقيمه بألسنتنا" انتهى. فكأنه لما عرض عليه بعد الفراغ من كتابته رأى فيه شيئًا على غير لسان قريش، كما وقع لهم في التابوت والتابوه من قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (البقرة-: ٢٤٨) فقال القرشيون: التابوت. وقال زيد: التابوه. فقال ﵁: اكتبوه "التابوت" فإنه نزل بلسان قريش، فوعد بأنه سُيقيمه على لسان قريش، ثم وفَّى بذلك. وأما الأثر

стр. 61

المروي عن عائشة ﵂ فيمكن أن يجاب عن إنكارها بأنه قد حصل قبل أن يبلغها التواتر، وليس كل صاحبيٍّ كان حافظًا لروايات القرآن الكريم. وأما خلاصة التوجيهات النحوية للآيات القرآنية الثلاث التي سُئلت عنها عائشة ﵂ فنوجزها فيما يلي: أما قراءة قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (طه: ٦٣) فأقوى توجيهاتها أنها جاءت على لغة بلحرث بن كعب، وقبائل أُخر، وهم الذين يُلزمون المثنى الألف كالمقصور في أحواله الثلاث، ويقدرون إعرابه بالحركات وهي لغة مشهورة، أو أن يقال: اسم إن ضمير الشأن محذوفًا، والجملة من المبتدأ والخبر بعده في محل رفع خبرًا لإن، والتقدير: إن الأمر والشأن هذان لهما ساحران. وأما قوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ من قوله : ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ١٦٢) وهي قراءة الجمهور، فأحسن ما قيل في توجيهها: أن ﴿الْمُقِيمِ ينَ﴾ منصوب على القطع المفيد للمدح؛ لبيان فضل الصلاة، فهو مفعول به لفعل محذوف تقديره: أمدح المقيمين الصلاة. وعليه يكون قوله: ﴿الرَّاس ِخُونَ﴾ مبتدأ خبره جملة: ﴿يُؤْمِنُون﴾ ومتعلقاتها حتى يكون القطع بعد تمام الجملة الأولى. وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (المائدة: ٦٩) فقوله ﴿وَال صَّابِئُونَ﴾ بالرفع هي قراءة الجمهور أيضًا، وأظهر ما قيل في توجيهها: أنه مرفوع بالابتداء وخبره محذوف لدلالة خبر إن عليه، والنية به التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها، والتقدير: إن الذين

стр. 62

أمنوا والذين هادوا من آمن منهم ... إلى آخره والصابئون كذلك، أو أنه مرفوع عطفًا على محل اسم إن؛ لأنه قبل دخولها كان مرفوعًا بالابتداء، فلما دخلت عليه لم تغيّر معناه، بل أكدته. الاحتجاج بكلام الرسول ﷺ - إذا أطلق لفظ الحديث الشريف في اصطلاح المحدثين أُريد به ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، وقد يُراد به ما أضيف إلى صحابي أو تابعي. ولكن الغالب أن يقيد إذا ما أريد به غير النبي ﷺ . أما الحديث الشريف عند النحاة: فهو قول الرسول الكريم -صلوات الله وسلامه عليه- وإنما يهتمّ النحويون بالقول؛ لأنه موضوع النحو، ومنبع استدلالهم، ومرجع أحكامهم، وكذلك الأقوال المنسوبة إلى الصحابة أو التابعين متى جاءت من طريق المحدثين تأخذ حكم الأقوال المرفوعة إلى رسول الله ﷺ من جهة الاحتجاج بها في إثبات لفظ لغوي، أو قاعدة نحوية. وقضية الاحتجاج بالحديث الشريف من القضايا المهمّة في النحو العربي، وقد انقسم النحاة فيها إلى مانعين ومُجيزين، ومتوسطين. ومن اللافت للنظر أن أكثر النحاة اهتمامًا بهذه القضية من الأقسام الثلاثة هم ممَّن ينتمون إلى المدرسة الأندلسية، فأوَّل من رفع لواء منع الاستشهاد بالحديث في مجال الدراسات النحوية -فيما نعلم- هو ابن الضائع، وهو أبو الحسن علي بن محمد بن علي الإشبيلي الكتامي المتوفى سنة ثمانين وستمائة من الهجرة، ثم تلميذه من بعده أبو حيان محمد أثير الدين بن يوسف الغرناطي المتوفى سنة خمس وأربعين وسبعمائة من الهجرة، الذي كان على مذهب أستاذه ابن الضائع في منع الاستشهاد بالحديث.

стр. 63

ثم جاء من بعدهما جلال الدين السيوطي المصري المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة من الهجرة، وهو صاحب كتاب (الاقتراح) فوجدناه أقرب إلى المنع منه إلى الإجازة، ولعله في هذا كان متأثرًا بأستاذه أبي حيان الذي يُعدُّ كتابه (ارتشاف الضرب من لسان العرب) من أهم المصادر العلمية التي استقى منها السيوطي كمادة كتابه (همع الهوامع). أما المجيزون للاستشهاد بالحديث الشريف فهم -بحمد الله- أكثر من المانعين، وعلى رأسهم ابن مالك المتوفى سنة اثنتين وسبعين وستمائة من الهجرة -رحمه الله تعالى- وهو إمام النحاة واللغويين لعصره، وأكبر عالم نحويّ اهتمَّ بالحديث الشريف، وجعله المصدر الثاني للتقعيد بعد القرآن الكريم، كما أنه المصدر الثاني للتشريع. ومن ثَمَّ وجه إليه المانعون نقدهم وإنكارهم، وكان قد سبقه إلى الاحتجاج بالحديث علماء أجلاء من علماء الأندلس، منهم: أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي المتوفى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة من الهجرة، وابن خروف وهو علي بن محمد بن علي الأندلسي المتوفى سنة تسع وستمائة من الهجرة، ثم قيَّد الله للحديث الشريف بعد ابن مالك من يسير على دَرْبه، ويُعيد رفع لواء الاحتجاج به، ومن هؤلاء جمال الدين عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله المعروف بابن هشام الأنصاري المصري المتوفى سنة إحدى وستين وسبعمائة من الهجرة. أما المتوسطون المعتدلون ففي مقدماتهم أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المعروف بالشاطبي، المتوفى بالأندلس سنة تسعين وسبعمائة من الهجرة. ونبدأ مع السيوطي مناقشة قضية الاستشهاد بالحديث عند النحاة في ضوء ما أورده في (الاقتراح) يقول: "وأما كلامه ﷺ فيستدل منه بما ثبت أنه قاله على اللفظ المروي، وذلك نادر جدًّا؛ إنما يوجد في الأحاديث القصار على قلة أيضًا،

стр. 64

فإن غالب الأحاديث مرويٌّ بالمعنى، وقد تداولتها الأعاجم والمولدون قبل تدوينها، فرووها بما أدَّت إليه عباراتهم فزادوا ونقصوا، وقدموا وأخروا، وأبدلوا ألفاظًا بألفاظ، ولهذا ترى الحديث الواحد في القصة الواحدة مرويًّا على أوجه شتَّى بعبارات مختلفة، ومن ثم أُنكر على ابن مالك إثباته القواعد النحوية بالألفاظ الواردة في الحديث" وما ذكره السيوطي في هذه العبارة ترديد أمين لكلام شيخه الذي تلمذ لمؤلفاته، واستقى أكثر مادته منها، وتأثر بمنهجه واتجاهه النحوي، وهو أبو حيان. ولذلك نجده قد أردف كلامه بكلام الشيخ أبي حيان في شرحه على (التسهيل) المسمى (التذييل والتكميل في شرح التسهيل)، ونوجز هنا منا أورده السيوطي من كلام شيخه أبي حيان في النقطتين الآتيتين: "الأولى: أن المصنف -يعني: ابن مالك- قد أكثر بالاحتجاج بالحديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب، في حين أننا لم نَرَ أحدًا من النحاة القدامى، أو المتأخرين قد سلك هذه الطريقة؛ بل إن الواضعين الأولين لعلم النحو من أئمة البصريين أو الكوفيين الذين شافهوا العرب الخلص، واستقرءوا الأحكام من لسانهم لم يفعلوا ذلك، وتبعهم على هذا المسلك المتأخرون من سائر المدارس النحوية. الثانية: أن إحجام المتقدمين من واضعي هذا العلم عن الاحتجاج بالحديث الشريف في مؤلفاتهم؛ إنما يرجع إلى أمرين: أحدهما: تجويز الرواة النقل بالمعنى، ومن ثَمَّ تجد قصة واحدة جرت في زمانه ﷺ يُوردها الرواة بألفاظ مختلفة كحديث النكاح المروي بألفاظ متعدِّدة: ((زوجتكها بما معك من القرآن)) ((ملكتكها بما معك)) ((خذها بما معك)) مما يدل على أن الرواة إنما يرْوُون بالمعنى.

стр. 65

والأمر الأخر: وقوع كثير من اللحن فيما روي من الحديث؛ لأن أكثر الرواة كانوا غير عرب" انتهى. ملخص كلام أبي حيان، وما قاله هو كما يقول المثل العربي: شنشنة أعرفها من أخزمي. فما قاله إنما هو ترديد أمين أيضًا لما قاله من قبله شيخه ابن الضائع، الذي استشهد على منعه الاحتجاج بالحديث بترك الأئمة هذا الاحتجاج وإجازة الرواية للحديث بالمعنى. وختم السيوطي هذا المبحث بالاستدلال على صحة ما ذهب إليه ابن الضائع وأبو حيان بأن ابن مالك قد استشهد على لغة "أكلوني البراغيث" بحديث (الصحيحين): ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)) يعني: مع أن هذا الحديث لم يأتِ على هذه اللغة؛ لأنه حديث مختصر رواه البزار، كما ذكر السيوطي نقلًا عن السهيلي مطولًا مجودًا فقال فيه: ((إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)) فالواو في "يتعاقبون" هي واو الجماعة، وقعت فاعلًا، و"ملائكة" خبر مبتدأ محذوف أي: هم ملائكة، كما استشهد ابن مالك أيضًا يعني: على جواز وقوع خبر كاد مقرونًا بأن بحديث: ((كاد الفقر أن يكون كفرًا)) أي: مع أن سيبويه رأى أن ذلك لا يجوز إلا في شعر؛ اعتمادًا على الضرورة الشعرية، ووافقه المبرد والجمهور على منع ذلك الاختيار. ولذلك قال أبو البركات الأنباري في كتاب (الإنصاف في مسائل الخلاف) فإن صحَّ أي: الحديث المذكور، فزيادة "أن" من كلام الراوي لا من كلامه ﵇؛ لأنه -صلوات الله عليه- أفصح من نطق بالضاد. ونختم برأي الشاطبي الذي توسَّط في الاحتجاج بالحديث ونحن معه، فلم يردّ الاحتجاج به، ولم يفتح الباب على مصراعيه لهذا الاحتجاج؛ فجوز في مبحث

стр. 66

الاحتجاج في شرحه على الألفية الاحتجاج بالأحاديث التي اعْتُني بنقل ألفاظها قائلًا: "لم نجد أحدًا من النحويين استشهد بحديث رسول الله ﷺ ، وهم يستشهدون بكلام أجلاف العرب وسفهائهم الذين يبولون على أعقابهم، وأشعارهم فيها الفحش والخنى، ويتركون الأحاديث الصحيحة؛ لأنها تُنقل بالمعنى، وتختلف رواياتها وألفاظها بخلاف كلام العرب وشعرهم فإن، رواته اعتنوا بألفاظها لما يَنْبَني عليه من النحو، ولو وقفت على اجتهادهم قضيت منه العجب، وكذا القرآن ووجوه القراءات، وأما الأحاديث فعلى قسمين: قسم يَعتني ناقله بمعناه دون لفظه، فهذا لم يقع به استشهاد أهل اللسان. وقسم عُرف اعتناء ناقله بلفظه لمقصود خاص كالأحاديث التي قُصد بها بيان فصاحته ﷺ ، ككتابه لهمدان، وكتابه لوائل بن حُجر، والأمثال النبوية. فهذا يصح الاستشهاد به في العربية" انتهى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 67

الدرس: ٦ أسماء القبائل العربية، وانقسام الكلام المسموع، وأشعار الكفار من العرب، وأحوال الكلام الفرد

стр. 68

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس (أسماء القبائل العربية، وانقسام الكلام المسموع، وأشعار الكفار من العرب، وأحوال الكلام الفرد) كلام العرب، وأسماء القبائل التي أخذ عنها والتي لم يؤخذ عنها، وتوجيه ذلك الحمد لله والصلاة، والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن كلام العرب هو المصدر الثالث من مصادر السماع بعد القرآن الكريم والحديث الشريف عند من أجاز الاحتجاج به، وكلام العرب الذي يُحتج به هو كل نظم أو نثر ثبت عن الفصحاء الموثوق بعربيتهم قبل أن تفسد الألسنة؛ فليس كل كلام عربي يصحُّ الاحتجاج به، وإنما وضع العلماء ضوابط مكانيَّة وزمانية لما يجوز الاحتجاج به من كلام العربي، وما لا يجوز؛ فقد نقل السيوطي عن أبي نصر الفارابي المتوفى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة من الهجرة أن قبائل العرب تنقسم من حيث الاحتجاج بكلامها، وعدم الاحتجاج قسمين: الأول القبائل التي لم يُؤخذ عنها ولم يُحتجّ بكلامها، وهي: لخم وجذام؛ لمجاورتهم أهل مصر والقبط، وقضاعة وغسان وإياد؛ فإنهم كانوا مجاورين لأهل الشام، أي: حيث يسكن الروم، فاختلطت ألسنتهم، وأكثرهم نصارى يقرءون في صلاتهم بغير العربية، وتغلب والنمر؛ فإنهم كانوا مجاورين لليونانية، وبكر؛ لأنهم كانوا مجاورين للنبط والفرس، وعبد القيس؛ لأنهم كانوا سكّان البحرين مخالطين للهند والفرس، وأزد عمان؛ لأنهم كانوا أيضًا مجاورين للهند والفرس، واليمن لمخالطتهم للهند والحبشة، وبنو حنيفة، وسكان اليمامة، وثقيف والطائف؛ لمخالطتهم تجار الأمم المقيمين عندهم، وحاضرة الحجاز؛ لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدءوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم. فهذه القبائل لا يجوز الاحتجاج بكلامها لأنها قبائل لم تتوغَّل في البداوة، بل كانت تسكن أطراف البلاد المجاورة لغير العرب؛ فلم تسلم لغاتها من التأثر بغير العربية، إذ دخل هذه اللغات ما يُؤثّر في فصاحتها لفظًا بمخالفة القياس وتركيبًا بوقوع اللحن.

стр. 69

وكما لم يُؤخذ عن هذه القبائل لم يُؤخذ كذلك عن حضري قط؛ لأن الحاضرة محلّ اجتماع الناس من كل جانب واختلاط اللغات واختلال الألسنة، وقد أفرد ابن جني في (الخصائص) بابًا في ترك الأخذ عن أهل المضر -أي: أهل المدن والقرى- بيَّن فيه علة امتناع الأخذ عنهم، وهي ما عرض للغات الحاضرة وأهل المضر من الاختلال والفساد والخطل. وفي ضوء ما ذكره ابن جني والسيوطي نقلًا عن الفارابي يمكن أن نقول: إن المعيار الذي وضعه العلماء لقبول لغة قبيلة ما هو سلامة لغة هذه القبيلة من الاختلاط بغير العرب؛ لأن الاختلاط بغير العرب من الأعاجم يؤدِّي إلى فساد اللغة وانحراف الألسنة عن الصواب، والألسنة تتأثر بما حولها فيلحقها اللحن، ويتسرب إليها الخطأ. الثاني: القبائل التي يُحتج بكلامها، وهي: قيس، وتميم، وأسد، ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين؛ فهؤلاء هم الذين عنهم نُقلت اللغة العربية، وبهم اقتضي، وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب، والذي يجمع من بين هذه القبائل هو توغُّلها في البداوة، وبُعدها عن الاختلاط بغيرها من الأمم، واتصالها بالأعاجم، كما يجمع بينها قُربها من قريش؛ لأن قريشًا -كما علمنا- أفصح العرب، وأجودهم انتقادًا للأفصح من الألفاظ. وقد ذهب ابن خلدون إلى أن مقياس الفصاحة هو القرب أو البعد من قريش فقال في مقدمته: "كانت لغة قريش أفصح اللغات العربية وأصلحها؛ لبعدها عن بلاد العجم من جميع جهاتهم، ثم من اكتنفهم من ثقيف، وهذيل، وخزاعة، وبني كنانة، وغطفان، وبني سعد، وبني تميم. وأما من بَعُد عنهم من ربيعة، ولخم، وجذامة، وغسان، وإياد، وقضاعة، وعرب اليمن المجاورين لأمم الفرس والروم والحبشة؛ فلم تكن لغتهم تامة الملكة بمخالطة الأعاجم، أي: بسبب مخالطة الأعاجم، وعلى نسبة بُعدهم من قريش كان الاحتجاج بلغاتهم في الصحة والفساد عند أهل الصناعة العربية" انتهى.

стр. 70

وكما جاز الاحتجاج بلغة هذه القبائل جاز الاحتجاج بأمرين آخرين: أحدهما: ما روي من نثر العرب ونظمهم بعد أن دوِّنت الدواوين بشرط أن يكون الراوي ثقةً صدوقًا أمينًا عدلًا: والآخر: كلام الإمام الشافعي ﵁ الذي تأخر زمانه عن زمن الاحتجاج. وقد أورد السيوطي كلمة أحمد بن حنبل: "كلام الشافعي في اللغة حجة"، ولم يكن هذا رأي ابن حنبل وحده، بل تعدَّدت أقوال العلماء التي تدل على الاحتجاج بلغة الشافعي، ومنها قول عبد الملك بن هشام: "الشافعي بصير باللغة يؤخذ عنه، ولسانه لغة فاكتبوه"، وقول الوليد بن أبي الجارود: "كان يقال: إن الشافعي لغة وحده يحتج بها"، وقول أبي منصور الأزهري: "والشافعي فصيح حجة في اللغة" ومعنى هذه الأقوال أن ما جاء في مصنفات الإمام الشافعي من عبارات شذَّت عن القواعد العربية المعروفة لا يمكن حملها على الخطأ، وإنما تُجعل عباراته شاهدًا لما استعملت فيه كما تُعدُّ وجهًا من وجوه سعة العربية. وقد أحسن المحقق الكبير الأستاذ أحمد محمد شاكر حين صنع في نهاية (الرسالة) فهرسًا لأقوال الشافعي التي خالفت المعهود من قواعد العربية. انقسام الكلام المسموع إلى: مطرد، وشاذ انقسام المسموع إلى مطرد وغيره: ينقسم المسموع إلى مطرد وشاذ، فالمطرد مأخوذ من طرد، وأصل هذه المادة التتابع والاستمرار. وعليه يكون المطَّرد: هو ما استمرّ من الكلام في الإعراب وغيره. والشّاذ مأخوذ من شذذ، وأصل هذه المادة التفرق والتفرد، وعليه يكون الشّاذّ: هو ما فارق ما عليه بابه، وانفرد عن ذلك إلى غيره. ونلحظ أن السيوطي قد نقل تعريف المطرد والشاذ عن ابن جني في (الخصائص)، وتصرف في النقل عنه تصرفًا يسيرًا بالإيجاز غير المخل؛ فأسقط بعض الأمثلة

стр. 71

والشواهد التي ذكرها ابن جني، ليدل بها على معنى المطرد والشاذ. وكما نقل السيوطي عن ابن جني معنى المطرد ومعنى الشاذ نقل عنه أيضًا تقسيم الاطراد والشذوذ أربعة أضرب، وهي: مطرد في القياس والاستعمال معًا، ومطرد في القياس شاذ في الاستعمال، ومطرد في الاستعمال شاذ في القياس، وشاذ في القياس والاستعمال معًا. والحق أن ابن جني فيما ذكره من تقسيم الاطراد والشذوذ كان متأثرًا بشيخه أبي علي الفارسي؛ إذ أفرد في كتابه (المسائل العسكرية) بابًا لمعرفة ما كان شاذًّا في كلامهم، لكنه ذكر فيه أن الشَّاذّ في العربية على ثلاثة أضرب: شاذ عن الاستعمال مطرد في القياس، ومطرد في الاستعمال شاذ عن القياس، وشاذ عنهما. ولم يذكر أبو علي ما كان مطردًا في القياس والاستعمال معًا؛ لأنه جعل الباب خاصًّا بما كان شاذ في كلامهم، ولأن المطرد في القياس والاستعمال هو الأصل والغالب. والمراد بالقياس: ما ذكره أهل الصناعة النحوية، والمراد بالاستعمال: ما ورد عن العرب الموثوق بعربيتهم وفصاحتهم. تقسيم المطرد والشاذ: أما القسم الأول منه وهو المطرد في القياس والاستعمال معًا، فهو الغاية المطلوبة والنهاية المرغوب فيها من علم العربية؛ لأنها توافق ما سُمع عن العرب، كما توافق قياس علماء العربية الذي بُني على السماع كرفع الفاعل ونصب المفعول، وجر المضاف إليه، ونحو ذلك، فإن ورد في كلام العرب ما خالف القياس والسماع؛ حُكم بإهدار ذلك المسموع لضعفه كقول العرب: "خرق الثوب المسمار" برفع المفعول ونصب الفاعل.

стр. 72

وأما القسم الثاني: وهو المطرد في القياس والشاذ في الاستعمال: فالمراد به ما كان موافقًا لمقاييس العربية، ولكن السماع لم يردْ به، أو وَرَد السماع به على قلة، وله أمثلة متعدِّدة: المثال الأول: الفعلان: وَذَر، وَوَدَع، فإنهما ماضيان من يَذَر ويدع، والقياس لا يمنع منه؛ لأن كل مضارع يستعمل منه ماضٍ إلا هذين الفعلين؛ فقد شذَّا عن نظائرهما، وانفردا عن بابيهما وغيرهما من الأفعال يأتي منه الماضي نحو: يرث فالماضي منه ورث، ويزن فالماضي منه وزن، ولكن العرب لم تستعمل الماضي من يذر ويدع؛ استغناء عنه بترك، يقول سيبويه في (الكتاب): "وأما استغناؤهم بالشيء عن الشيء، فإن هم يقولون: يدع، ولا يقولون: ودع، استغنوا عنها بترك"، ويقول في موضع آخر: "يدع ويذر على ودعت ووذرت وإن لم يُستعمل"، ويقول في موضع ثالث: "يقال: يذر ويدع، ولا يُستعمل "فعل" أي: لا يُستعمل الماضي منهما، فصار قول الذي يقول: "ودع" شاذًّا عن الاستعمال، ولا يُخرجه عن شذوذه أنه ورد في قراءة: "ما وَدَعَكَ ربك وما قلى" (الضحى: ٣) لأنها قراءة شاذة، كما لا يخرجه عن شذوذه أنه ورد في قول رسول الله ﷺ : ((اتركوا الترك ما تركوكم وذروا الحبشة ما وذروكم))؛ لأن الماضي قد ورد في هذا الحديث للمشاكلة". المثال الثاني: قول العرب: مكان مبقل، فمبقل اسم فاعل من الفعل الرباعي "أبقل"، وهذا ما يقتضيه القياس؛ إذ إن اسم الفاعل من غير الثلاثي كما نعلم يكون بقلب حرف المضارعة ميمًا مضمومة وكسر ما قبل الآخر، ولكن كثر في الاستعمال قولهم: مكان باقل، فقد نقل ابن منظور عن الأصمعي قوله: "أبقل المكان فهو باقل من نبات البقل، وأورث الشجر فهو وارث إذا أورق" (لسان العرب) مادة: بقل،

стр. 73

فباقل أكثر استعمالًا من مُبقل، ومُبقل أقيس، ولكنه شاذٌّ في الاستعمال، وقد سُمع أيضًا في قول القائل: أعاشني بعدك وادٍ مبقل ... .......................... المثال الثالث: مجيء خبر كاد وأخواتها اسمًا صريحًا، فيقال: كاد زيد قائمًا، عسى عمرو راجعًا، فهذا هو القياس المطرد، لكنه قد شذَّ في الاستعمال مجيء الخبر اسمًا صريحًا، وكثر مجيئه جملة فعلية فعلها مضارع كقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (البقرة: ٢١٦) والأول مسموع، ومنه قول رؤبة: أكثرت في العزل ملحًّا دائمًا ... لا تكثرنَّ إني عسيتُ صائمًا وقولهم في المثل عسى الغوير أبؤسًا، فجاء خبر عسى اسمًا صريحًا، ولكنه قليل. وقد بيَّن ابن جني حكم هذا النوع فقال: "إن كان الشيء شاذًّا في السماع مطردًا في القياس تحاميت ما تحامت العرب من ذلك، وجريت في نظيره على الواجب في أمثاله، ومعناه الامتناع من قول ما لم تقله العرب، واستعمال نظيره وإن لم يسمعه المتكلم". وأما القسم الثالث -وهو المطرد في الاستعمال الشاذ في القياس- فالمراد به: ما استعمل كثيرًا في فصيح الكلام، وهو مخالف لأقيسة علماء العربية ومن أمثلته: المثال الأول: تصحيح العين في المعتلّ في نحو قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ (المجادلة: ١٩) ونحو قولهم: استنوق الجمل، وقولهم استصوبت الأمر؛ فالقياس في الأفعال استحوذ، واستنوق، واستصوب أن تُنقل حركة العين المعتلة إلى الساكن الصحيح قبلها، ثم تُقلب الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فيقال: استحاذ، واستناق الجمل، واستصاب الأمر، كما يقال: استقام، والأصل: استقوم، هذا هو القياس، ولكن جاء السماع المطرد بخلافه.

стр. 74

المثال الثاني: فتح العين من المضارع "يأبى" في نحو قوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ (التوبة: ٣٢) فإن القياس كسر العين؛ لأن الماضي إذا كان يائيّ اللام كان مضارعه على زنة "يفعل" بكسر العين، نحو: جرى يجري، وأوى يأوي، وثوى يثوي ونحوها. هذا هو القياس، وقد جاء السماع المطرد بخلافه، وحكم هذا النوع وجوب اتباع السمع الوارد به فيه نفسه، لكنه لا يُتَّخذ أصلًا يقاس عليه غيره؛ فلا يتجاوز المتكلم ما ورد السمع به. وأما القسم الرابع -وهو الشاذ في القياس والسماع معًا- فالمراد به: ما كان مخالفًا للمسموع من أشباهه ونظائره، ومخالفًا لأقيسة علماء العربية، ومن أمثلته: تتميم ما عينه واو عند تميم في صيغة "مفعول" كقولهم: ثوب مصوون، وفرس مقوود، ورجل معوود من مرضه، فهذا شاذٌّ في القياس؛ إذ القياس حذف إحدى الواوين فيقال: مصون ومقود، كما قيل: مزور ومصوغ، وشاذّ في الاستعمال أيضًا؛ إذ لم يوجد في كلامهم إلا قليلًا. وقد بين ابن جني حكم هذا النوع فقال: "لا يسوغ القياس عليه، ولا ردّ غيره إليه، ولا يحسن أيضًا استعماله فيما استعملته فيه -أي: العرب- إلا على وجه الحكاية". الاستشهاد بأشعار الكفار من العرب نقل السيوطي عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام، الملقب بسلطان العلماء المتوفى سنة ستين وستمائة من الهجرة قوله: "اعْتُمد في العربية على أشعار العرب، وهم كفار لبعد التدليس فيها" انتهى. ونلحظ أن العز بن عبد السلام قد قيَّد الاحتجاج بالشعر، وكان الأولى أن يقول: اعتمد في العربية على كلام العرب؛ لأن الشعر العربي ونثرهم في ذلك سواء، وقد اعتذر عنه بعض شُرَّاح (الاقتراح) بأمرين:

стр. 75

الأول: أنه اقتصر على الشعر لأن الشعر هو الأغلب في كلام العرب. والآخر: أنه إذا كان يُحتجُّ بالشعر، مع كون الشعر محلّ الضرائر والضيق؛ فالاحتجاج بالنثر من باب أولى وأحرى، وإنما جاز الاحتجاج بكلام الكفار من العرب؛ لأن اللغة العربية عندهم سليقة طُبعوا عليها، وهذا هو مراد الشيخ العز بن عبد السلام في قوله: "لبعد التدليس فيها". ثم ذكر السيوطي أن العدالة شرط في الراوي، وليست شرطًا فيمن يُحتجّ بكلامه من العرب، فقال: "فعلم أن العربي الذي يُحتج بقوله لا يشترط فيه العدالة، نعم تشترط -أي: العدالة- في راوي ذلك" انتهى. فهناك إذًا فرق بين قائل الكلام وراوي الكلام من حيث اشتراط العدالة، وعدم اشتراطها. أما قائل الكلام فلا تُشترط العدالة فيه لماذا؟ لأنه ينطق على سجيَّته، وقد احتجُّوا بكلام الصبيان والمجانين، وأثبتوا به القواعد والكلمات. وأما الراوي فإن العدالة شرط فيه؛ لأنه ناقل كلام غيره، والعدالة أصل في قبول الأخبار. ولما كانت العدالة أصلًا في قبول الأخبار؛ لم يُقبل من الأخبار من انقطع سنده، وهو المرسل، وما لا يُعرف قائله وهو المجهول؛ لأن انقطاع السند والجهل بالناقل يوجبان الجهل بالعدالة. أحوال الكلام الفرد في الاحتجاج به إن السيوطي قد لخَّص هذا الموضع من مواضع متفرّقة ذكرها ابن جني في (الخصائص)، وبتأمّل كلام ابن جني نلحظ أن كلمة "الفرد" يُراد بها وصف الكلام حينًا، ويُراد بها وصف المتكلم حينًا آخر، وله أحوال: الحالة الأولى: أن يكون الفرد صفة للكلام بأن يكون المسموع فردًا ليس له نظير في الألفاظ المسموعة أي: سُمع وحده، ولم يُسمع عن العرب ما يُخالفه، بل
следующие страницы →