← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 11199

أصول النحو 1 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (308 стр.). Показаны 281–308 · переход к 286.

стр. 281

الشرعية -كما يقول أحد المعاصرين- جمع بين متناقضيْن، وهو محال على الشارع الحكيم المحيط علمه بكل شيء؛ لأنه أمارة العجز، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. وإنما المراد: التعارض الظاهري في نظر المجتهد المستنبط للأحكام من أدلتها قبل معرفة الناسخ والمنسوخ من الدليل، أو قبل أن يظهر له رجحان أحدهما على الآخر أو إمكان الجمع بينهما؛ فهو يحكم في بادئ الأمر بالتعارض قبل البحث، وبعد بحثه وتأمله يزول هذا التعارض. أما أدلة النحو؛ فيجوز أن يوجد بينها تعارض حقيقي؛ إذ إن أحد الأدلة يثبت حكمًا وينفيه الآخر، وحينئذ يكون الترجيح بين الأدلة المتعارضة، هذا وارد في النحو. وإذا عرفنا أن مبحث التعارض والترجيح منقول من أصول الفقه إلى أصول النحو مع الفارق الذي بيَّنَّاه؛ فإننا نشير إلى أن ابن جني قد أفرد في كتابه (الخصائص) بابًا عنوانه: باب في تعارض السماع والقياس؛ كما أشار إلى تحكيم القياس في الترجيح بين السماعين إذا تعارضا، وعقد الأنباري في كتابه (الإغراب في جدل الإعراب) فصلًا عنوانه: في ترجيح الأدلة؛ كما عقد في كتابه (لمع الأدلة) ثلاثة فصول: أولها: في المعارضة، وثانيها: في معارضة النقل بالنقل، وثالثها: في معارضة القياس بالقياس. ثم جاء السيوطي فجمع ما ذكره ابن جني وما ذكره الأنباري، وزاد عليهما فصولًا؛ فجعل التعارض والترجيح في ست عشرة مسألة. وبتأمل هذه المسائل التي ذكرها السيوطي في (الاقتراح) نلحظ أن بعض هذه المسائل يندرج تحت تعارض الأدلة النحوية، مثل: التعارض بين سماعين،

стр. 282

والتعارض بين قياسين، والتعارض بين السماع والقياس؛ فهذه المسائل تتناول التعارض بين أدلة النحو وأصوله؛ إذ إن السماع والقياس من أدلة النحو الغالبة؛ كما أن بعض هذه المسائل ليس من تعارض الأدلة النحوية؛ كالتعارض بين ارتكاب ضعيف وارتكاب لغة شاذة، وتعارض القولين لعالم واحد، وما رجحت به لغة قريش على غيرها من لغات العرب، والترجيح بين البصريين والكوفيين ... وغيرها؛ فهذه المسائل ليست من تعارض الأدلة. تعارض نقلين إن التعارض بين نقلين هو المسألة الأولى من مسائل التعارض والترجيح، والمراد به: أن يدل دليل من السماع على حكم ويدل دليل آخر على خلافه، وقد نقل السيوطي هذه المسألة عن الأنباري الذي قال في (لمع الأدلة): "اعلم أنه إذا تعارض نقلان أُخِذ بأرجحهما، والترجيح يكون في شيئين: أحدهما: الإسناد، والآخر: المتن؛ فأما الترجيح في الإسناد؛ فأن يكون رواة أحدهما أكثر من الآخر، أو أعلم وأحفظ؛ وأما الترجيح في المتن؛ فأن يكون أحد النقلين على وفق القياس، والآخر على خلاف القياس" انتهى. ومعنى ما ذكره الأنباري ونقله السيوطي عنه: أنه قد يرد في كلام العرب دليل نقلي يدل على حكم من الأحكام النحوية ثم يرد دليل آخر يقتضي خلاف ما دل عليه الدليل الأول، وإذا وقع مثل ذلك كان هناك سبيلان للترجيح بين هذين الدليلين المتعارضين: أحدهما: أن يكون الترجيح بالإسناد. والآخر: أن يكون الترجيح بالمتن.

стр. 283

ومعنى الترجيح بالإسناد: أن يكون رواة أحد الدليلين أكثر أو أعلم أو أحفظ من رواة الدليل الآخر؛ فيكون الدليل الذي كثر رواته أو سلموا من الطعن أولى بالقبول من الدليل الذي قل رواته أو لم يسلموا من الطعن فيهم. ومثال الدليلين المتعارضين اللذيْن رجح الإسناد أحدهما وضعف الآخر: قول الشاعر: اسمع حديثًا كما يومًا تحدِّثُه ... عن ظهر غيب إذا ما سائل سأل فقد روي قوله: "تحدِّثُه" بروايتين: "تحدِّثُه" و"تحدِّثَه" -بالرفع والنصب- فاستدل الكوفيون برواية النصب على أن "كما" تأتي بمعنى: "كيما"، ويكون المضارع بعدها منصوبًا، وذهب البصريون إلى أن "كما" لا تكون بمعنى: "كيما"، ولا يجوز نصب المضارع بعدها، وحجتهم في ذلك: أن رواية النصب في "تحدِّثُه" لم يذكرها إلا المفضل الضبي وحده، وقد أجمع الرواة من البصريين والكوفيين على رواية الرفع: "تحدِّثُه"، فلما كان رواة الرفع أكثر وأعلم وأحفظ؛ كانت روايتهم راجحة على رواية من روى البيت بالنصب؛ وبذلك يكون الإسناد هو الذي رجح أحد النقلين على الآخر. ومعنى الترجيح بالمتن: أن يكون أحد النقلين موافقًا للقياس ويكون النقل الآخر مخالفًا له؛ فيكون الدليل الذي جاء موافقًا للقياس أولى بالقبول وأحق بالترجيح. ومثاله قول الشاعر: ألا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوغى ... وأن أشهدَ اللذاتِ هل أنت مخلِدي فقد روي قوله: "أحضر" بروايتين: "أحضرُ" و"أحضرَ" بالرفع والنصب، واستدل الكوفيون برواية النصب على أن الأصل: أن أحضرَ؛ فدل هذا على جواز إعمال "أنْ" محذوفة في غير مواضع حذفها المقررة في علم العربية؛ ومنع ذلك البصريون إذ إن "أنْ" لا يجوز إعمالها عندهم محذوفة في غير مواضع حذفها،

стр. 284

وردوا قول الكوفيين بقولهم: إن رواية الرفع جاءت موافقة للقياس، ووجه موافقتها له: أن "أنْ" من عوامل الفعل وهي ضعيفة؛ فينبغي ألا تعمل من غير عوض، ويدل على ضعفها أنَّ من العرب من يهملها مظهرة ويرفع "ما" بعدها تشبيهًا لها بـ"ما" المصدرية؛ كما جاء في قراءة ابن محيصن: "لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ" (البقرة: ٢٣٣) برفع "يُتِمُّ"؛ ولما كانت "أنْ" ضعيفة عن العمل كان القياس ألا تعمل وهي محذوفة، وعلى القياس جاءت رواية الرفع في قول الشاعر: "أحضر الوغى"، ولما كان القياس يقتضي ألا تعمل "أنْ" وهي محذوفة كانت رواية الرفع أولى وأرجح من رواية النصب في قول الشاعر: ألَا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوغى ... .................................. ... البيت، ونلحظ على هذا المثال أن السيوطي قد نقله من (لمع الأدلة) لأبي البركات الأنباري، وقد سبق إلى الترجيح بالمتن ابن جني في كتابه (الخصائص)؛ إذ ذكر أن القياس يكون حكمًا بين النقلين المتعارضين، وذلك في مسألة تقديم التمييز على عامله المتصرف؛ فقد اختلف النحويون في تقدم التمييز على عامله المتصرف؛ فذهب فريق من النحويين إلى جوازه؛ فأجازوا أن يقال مثلًا: عرقًا تصببتُ؛ مستدلين في إحدى روايتي هذا البيت: أتهجر ليلى بالفراق حبيبَها ... وما كان نفسًا بالفراق تطيب فقد روي البيت بنصب "نفسًا" على التمييز فتقدم التمييز "نفسًا" على عامله المتصرف "تطيب"، ومنع فريق من النحويين أن يتقدم التمييز، وذكروا أن هذه الرواية تقابلها رواية أخرى، وهي: وما كان نفسي بالفراق تطيب برفع نفسي لأنها اسم كان وتطيب خبرها، كأنه قال: وما كان نفسي طيبة؛ فتعارض نقلان، وقد منع ابن جني تقديم التمييز على عامله المتصرف، ورجح رواية الرفع على رواية النصب؛ وكان القياس هو المرجح لأن التمييز فاعل في المعنى، ولا يجوز تقديم الفاعل على الفعل؛ فكذلك التمييز.

стр. 285

قال ابن جني ﵀: ومما يقبح تقديمه الاسم المميز وإن كان الناصبه فعلًا متصرفًا؛ فلا نجيز: شحمًا تفقَّأتُ، ولا عرقًا تصببتُ، وأما ما أنشده أبو عثمان وتلاه فيه أبو العباس من قول المخبل: أتهجر ليلى بالفراق حبيبَها ... وما كان نفسًا بالفراق تطيب فتقابله برواية الزجاجي وإسماعيل بن نصر وأبي إسحاق أيضًا: وما كان نفسي بالفراق تطيب؛ فرواية برواية والقياس من بعد حاكم ... انتهى. وأوضح ابن جني أن التمييز في البيت المذكور في الأصل هو الفاعل في المعنى؛ فأصل الكلام: تصبب عرقي، وتفقأ شحمي، ثم حول الإسناد عن الفاعل الواقع مضافًا إلى ياء المتكلم إلى المضاف إليه، أي: إلى ياء المتكلم؛ فحوِّلت إلى ضمير رفع لوقوعها فاعلًا؛ فحصل في الإسناد إلى هذا الضمير إبهام؛ فجيء بالمضاف الذي كان فاعلًا وجعل تمييزًا، ويقال عنه: إنه تمييز محول عن الفاعل؛ فكما لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل؛ فكذلك لا يجوز تقديم المميز؛ إذ كان هو الفاعل في المعنى على الفعل. ترجيحُ لغةٍ على أُخرى لقد أفرد ابن جني بابًا في كتابه (الخصائص) عنوانه: باب اختلاف اللغات وكلها حجة، وعليه عوَّل السيوطي في هذه المسألة؛ فقد أجاز ابن جني فيه الاحتجاج بجميع لغات العرب، وليس المراد جميع ما نطق العرب به؛ بل المراد باللغات لغات القبائل التي يؤخذ عنها يؤخذ عنها ويعتد بفصاحتها؛ إذ إن علماء العربية لم يأخذوا عن جميع القبائل؛ وإنما أخذوا عن بعضها وأعرضوا عن بعض؛ فأخذوا عن القبائل التي سلم أهلها من الاختلاط بالأعاجم وأعرضوا عن

стр. 286

القبائل التي لم تسلم من مخالطة الأعاجم فتسرب إلى ألسنتهم اللحن والخطأ في البنية أو التركيب. وقد قال ابن جني: "باب اختلاف اللغات وكلها حجة؛ اعلم أن سعة القياس تبيح لهم ذلك ولا تحظره عليهم؛ ألا ترى أن لغة التميميين في ترك إعمال "ما" يقبلها القياس، ولغة الحجازيين في إعمالها كذلك؛ لأن لكل واحد من القومين ضربًا من القياس يؤخذ به ويخلد إلى مثله؟! وليس لك أن ترد إحدى اللغتين بصاحبتها؛ لأنها ليست أحق بذلك من رسيلتها؛ لكن غاية ما لك في ذلك: أن تتخير إحداهما فتقويها على أختها وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها وأشد أنسًا بها؛ فأما رد إحداهما بالأخرى فلا" انتهى. ونلحظ في كلام ابن جني أن له عناية واضحة بالقياس، وقد تجلت هذه العناية في أمرين: أحد هذين الأمرين: أنه قد جعل اللغات على اختلافها حجة إذا كانت هذه اللغات موافقة للقياس، فإن كانت إحداها مخالفة له؛ فهي لغة مردودة مرغوب عنها. والآخر: أنه قد أوجب على المتكلم أن يختار إحدى اللغتين وهو معتقد أنه الأقوى قياسًا وأن يترك الأخذ بالأخرى وهو معتقد أنها الأضعف من جهة القياس؛ كما نلحظ أن ابن جني يرفض رد إحدى اللغتين بصاحبتها لأنهما متساويتان في قبول القياس لهما؛ ولذلك قال: فأما رد إحداهما بالأخرى فلا. وقوله: "غاية ما لك في ذلك: أن تتخير إحداهما"، معناه: أن الواجب على المتكلم إذا وجد لغتين يقبلهما القياس: أن يتخير إحدى اللغتين لعدم إمكان الأخذ بهما معًا؛ إذ لا يمكن الجمع بين لغتين في وقت واحد، وضرب ابن جني لذلك مثلًا، وهو: إعمال "ما" وإهمالها؛ فإن للعرب لغتين في ذلك:

стр. 287

الأولى: إعمالها عمل "ليس"، وهي لغة الحجازيين. والثانية: إهمالها، وهي لغة التميميين. والقياس يقبل اللغتين ولا يرد واحدة منهما، وقد سبق أن فصلنا القول في اللغتين. ومما تقدم نلحظ أن اللغتين يقبلهما القياس؛ فيجب قبولهما، ولا يجوز رد واحدة منهما؛ وإنما تقدم إحداهما على الأخرى مع الاعتقاد بصحة الأخرى وفصاحتها، واللغة المقدمة من هاتين اللغتين هي لغة الحجازيين في إعمال "ما" عمل "ليس"؛ لأنها اللغة التي نزل بها القرآن الكريم؛ إذ يقول الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (يوسف: ٣١)، وقد كثر استعمالها كثرة ظاهرة ولا يجوز رد لغة التميميين؛ لأن هاتين اللغتين لغتان متساويتان في القياس؛ فليست إحداهما أحق من الأخرى؛ أما إذا تباعدت اللغتان فكانت إحداهما كثيرة جدًّا وكانت الأخرى قليلة جدًّا؛ فلا يجوز القياس على اللغة القليلة؛ وإنما يقتصر فيها على المسموع ولا يتجاوز. وقد ذكر ابن جني أنه: "إن قلت: إن إحدى اللغتين قلت جدًّا وكثرت الأخرى جدًّا؛ أخذتَ بأوسعهما رواية وأقواهما قياسًا؛ ألا ترى أنك لا تقول: مررت بَك، ولا: المال لِك؛ قياسًا على قول قضاعة: المال لِه، و: مررت بَه؛ و: لا أكرمتُكِش؛ قياسًا على لغة من قال: مررت بكِش، وعجبت منكِس" انتهى. ومعنى ما ذكره ابن جني: أن كسر كاف المخاطب لا يجوز قياسًا على كسر الهاء؛ كما لا يجوز زيادة الشين بعد كاف الخطاب المنصوبة قياسًا على من ألحقها بالمجرورة؛ فمثل هذا لا قياس عليه؛ بل يقتصر فيه على المسموع ولا يتجاوز.

стр. 288

ثم ذكر ابن جني أن استعمال هذه اللغات الضعيفة لا يعد خطأ؛ وإن كان الواجب على المتكلم أن يقل استعماله لها، وأن يتخير ما هو أقوى وأشيع؛ فإن تكلم باللغة القليلة فإنه مصيب في الجملة لعدم خروجه عن كلام العرب بالكلية؛ كما أن المتكلم إذا اضطُر إلى استعمال شيء من ذلك لإقامة وزن أو لمراعاة سجع في كلامه فإن له أن يرتكب ذلك بلا لوم ولا نسبة خطأ ولا إنكار عليه، وقد قال ابن جني في ذلك: الواجب في مثل ذلك: استعمال ما هو أقوى وأشيع؛ ومع ذلك لو استعمله إنسان لم يكن مخطئًا لكلام العرب؛ فإن الناطق على قياس لغة ما من لغات العرب مصيب غير مخطئ؛ لكنه يكون مخطئًا لأجود اللغتين؛ فأما إن احتاج لذلك في شعر أو سجع فإنه مقبول منه غير منعي عليه ... انتهى. وقد ختم السيوطي هذه المسألة بقول أبي حيان في (شرح التسهيل): "كل ما كان لغة لقبيلة قيس عليه" انتهى. وليس هذا الكلام على إطلاقه؛ لأن إبدال اللام ميمًا لا يقاس عليه لقلته؛ فوجب التفصيل بين ما كان لغة قليلة وما كان لغة كثيرة؛ أما اللغة القليلة فلا يقاس عليها -كما سبق- وأما اللغة التي تكثر في كلام العرب فإنه يجوز القياس عليها. ترجيح لغةٍ ضعيفةٍ على الشاذّ لقد ذكر ابن عصفور فيما نقله السيوطي عنه أنه إذا تعارض ارتكاب شاذ ولغة ضعيفة؛ فارتكاب اللغة الضعيفة أولى من ارتكاب الشاذ، ومعنى ما ذكره ابن عصفور: أنه إذا دار أمر المتكلم بين أن يتكلم بلغة ضعيفة أو بكلام شاذ؛ فإن التكلم باللغة الضعيفة أولى من ارتكابه الشاذ؛ لأن هذه اللغة -على ضعفها- مروية عن العرب أو عن بعض العرب، وكل لغة تمثل حقلًا لغويًّا لا يصح إهداره أو الحيف عليه؛ وليس كذلك الشاذ؛ فاللغة الضعيفة إنما قدمت على الشاذ لأن

стр. 289

اللغة الضعيفة مجمع على أن طائفة من العرب قد نطقت بها -وإن كانت ضعيفة- ولأن الأصل في الشاذ أن يُحفظ ولا يقاس عليه؛ فلا يجوز أن تبنى عليه القواعد، والمراد بالشاذ هنا: المردود -كما سبق أن أوضحنا ذلك غير مرة. الأخذ بأرجح القياسين عند تعارضهما إن التعارض بين قياسين صورة من صور التعارض بين الأدلة، وقد أفرد الأنباري في كتابه (لمع الأدلة) فصلًا عنوانه: في معارضة القياس بالقياس، وعليه عوَّل السيوطي في هذه المسألة، وقد ذكر الأنباري في مقدمة هذا الفصل أنه قد يقع التعارض بين قياسين؛ فأحدهما يثبت حكمًا والآخر يثبت حكمًا آخر، وإذا وقع التعارض بين القياسين؛ رجح أحدهما على الآخر، وقد ذكر الأنباري أن هناك طريقين يرجح بهما بين القياسين المتعارضين؛ فقال: "اعلم أن القياسين إذا تعارضا أخذ بأرجحهما، وهو أن يكون أحدهما موافقًا لدليل آخر من طريق النقل أو طريق القياس" انتهى. ومعنى ما ذكره الأنباري: أن السماع -وهو الذي يعبر عنه الأنباري باسم النقل- قد يرجح قياسًا على قياس كما أن موافقة القياس قد ترجح أحدهما على الآخر، ولم يذكر الأنباري مثالًا رجح فيه السماع أحد القياسين؛ وإنما اكتفى بقوله: "فأما الموافقة من طريق النقل فنحو ما قدمناه في الفصل الذي قبله" انتهى. والمراد بالفصل الذي قبله: فصل معارضة النقل بالنقل. ومما سبق نقول: إن الأنباري لم يذكر في (لمع الأدلة) كما لم يذكر السيوطي في (الاقتراح) مثالًا تعارض فيه قياسان وكان السماع مرجحًا أحد القياسين على الآخر، وقد ذكر الأنباري مثالًا لترجيح السماع بين القياسين المتعارضين، وذلك

стр. 290

في كتابه (الإنصاف)؛ إذ أفرد في هذه المسألة عامل النصب في خبر "ما" النافية، أفرد كلامًا كثيرًا تحدث فيه عن قوله: ذهب الكوفيون إلى أن "ما" الحجازية لا تعمل النصب في الخبر، وإلى أن الخبر منصوب بنزع الخافض، واحتجوا لمذهبهم بالقياس فقالوا: إن القياس في "ما": ألا تعمل؛ لأن الحرف إنما يكون عاملًا إذا كان مختصًّا و"ما" غير مختص؛ فالأصل فيه ألا يعمل؛ ولذلك أهملها بنو تميم وأعملها الحجازيون؛ لأنهم شبهوها بـ"ليس" من جهة المعنى وهو شبه ضعيف؛ فلم يقوَ على العمل في الخبر كما عملت "ليس". وذهب البصريون إلى أن "ما" هي التي تنصب الخبر، واحتجوا بالقياس؛ فذكروا أن الدليل على صحة مذهبهم، هو أنَّ "ما" أشبهت "ليس"؛ فوجب أن تعمل عملها، وعمل "ليس": الرفع والنصب، أي: رفع الاسم ونصب الخبر، ويقوي الشبه بين "ما" و"ليس": دخول الباء في خبر "ما" كما تدخل في خبر "ليس"؛ فمن دخول الباء في خبر "ليس": قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (الزمر: ٣٦)، ومن دخول الباء في خبر "ما": قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: ٤٦)، فإذا ثبت أن "ما" قد أشبهت "ليس"؛ وجب أن تعمل عملها. ومما سبق يتبين أن هناك قياسين متعارضين، وقد رجح الأنباري قياس البصريين؛ فذكر أن النقل -أي: السماع- هو الذي يرجح ما ذهب إليه البصريون؛ فقال: وأما قولهم -أي: قول الكوفيين-: إن القياس يقتضي ألا تعمل؛ قلنا: كان هذا هو القياس إلا أنه وجد بينها وبين "ليس" مشابهة اقتضت أن تعمل عملها، وهي لغة القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (يوسف: ٣١)، وقال تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (المجادلة: ٢). ومما سبق يتبين أن السماع هو أحد الطريقين الذين يرجح بهما بين القياسين المتعارضين، والطريق الآخر هو القياس، ومثاله: أن يقول الكوفي: إنَّ "إنَّ"

стр. 291

وأخواتها تعمل في الاسم النصب لشبه الفعل ولا تعمل في الخبر الرفع؛ بل الرفع فيه بما كان يرتفع به قبل دخولها؛ فيقول البصري: هذا فاسد؛ لأنه ليس في كلام العرب عامل يعمل في الاسم النصب إلا وهو يعمل الرفع أيضًا؛ فما ذهبت إليه -يا كوفي- يؤدي إلى ترك القياس ومخالفة الأصول لغير فائدة، وذلك لا يجوز. وقد ذكر السيوطي هذا الذي قاله وفيه إجمال يحتاج إلى تفصيل يكشفه ويبينه، وبيانه أن نقول: لم يختلف النحويون في أنَّ "إنَّ" أو إحدى أخواتها هي التي تعمل النصب في الاسم؛ ولكن اختلفوا في عامل الرفع في الخبر على مذهبين: أحد هذين المذهبين: أن عامل الرفع في الخبر بعد دخول "إنَّ" هو عامل الرفع في الخبر قبل دخولها، وهو مذهب الكوفيين، وحجة الكوفيين فيما ذهبوا إليه أنَّ "إنَّ" إنما عملت بالحمل على الفعل؛ فهي ضعيفة، ويجب أن تكون منحطة عن رتبة الفعل الذي عملت بالحمل عليه؛ كما هو شأن الفرع أبدًا؛ فوجب نزوله عن الفعل؛ ولو عملت في الخبر لأدى ذلك إلى التسوية بين الأصل والفرع، وذلك لا يجوز؛ فوجب بقاء الخبر على رفعه الذي كان عليه قبل؛ إبقاء لما كان على ما كان، ومعنى ذلك: أن الكوفيين قد قاسوا حال الخبر بعد دخول "إنَّ" عليه بحاله قبل دخولها. والآخر: أن "إنَّ" وأخواتها هي التي ترفع الخبر أيضًا، وهذا مذهب البصريين؛ يقول سيبويه في (الكتاب): "وزعم الخليل أنها -أي: "إنَّ" وأخواتها- عملت عملين الرفع والنصب كما عملت "كان" الرفع والنصب" انتهى. وحجة البصريين فيما ذهبوا إليه: أن "إنَّ" قد نصبت المبتدأ وجعلته اسمًا لها، ولو جاز أن يكون الخبر مرفوعًا على ما كان مرفوعًا به قبل دخول "إنَّ"؛ لكان المبتدأ

стр. 292

أحق بذلك؛ فلما نصب المبتدأ بـ"إنَّ" وجب أن يكون رفع الخبر أيضًا بها؛ إذ ليس في كلام العرب شيء يعمل النصب في الأسماء ولا يعمل الرفع، ومن المحال ترك القياس ومخالفة الأصول بغير فائدة. ومعنى ما سبق: أن الكوفيين قد استدلوا على صحة مذهبهم بالقياس، وهو أن "إنَّ" فرع عن الفعل في العمل، والفروع أبدًا تنحط عن درجات الأصول؛ كما استدل البصريون على صحة مذهبهم بالقياس أيضًا: وهو أنَّ "إنَّ" وأخواتها قد أشبهت الفعل لفظًا ومعنًى؛ كما أوضحنا من قبل؛ فلما قوي شبهها بالفعل والفعل يرفع وينصب وجب أن تكون مثله، وقد تعارض القياسان، ورجح الأنباري مذهب البصريين بالقياس؛ لأنه ليس في كلام العرب عامل يعمل في الأسماء النصب إلا وهو يعمل الرفع أيضًا. تعارض القياس والسماع وقد أفرد له ابن جني في (الخصائص) بابًا عنوانه: باب في تعارض السماع والقياس، ويعد التعارض بين السماع والقياس صورة من صور التعارض بين الأدلة النحوية، ومعناه: أن يؤدي قياس النحويين إلى حكم من الأحكام، وأن يؤدي السماع عن العرب الفصحاء الموثوق بعربيتهم إلى حكم آخر يخالف الحكم الذي أدى إليه القياس، وقد عوَّل السيوطي في هذا الباب على ما ذكره ابن جني الذي يقول: إذا تعارضا -أي: السماع والقياس- نطقتَ بالمسموع على ما جاء عليه ولم تقسه في غيره، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ (الحشر: ١٩)؛ فهذا ليس بقياس لكنه لا بد من قبوله؛ لأنك تنطق بلغتهم وتحتذي في جميع ذلك أمثلتهم، ثم إنك من بعد لا تقي عليه غيره فلا تقول في استقام: استقوم، ولا في استباع: استبيع، انتهى.

стр. 293

وقد نقله السيوطي بتصرف يسير جدًّا، ومعنى قول ابن جني: "إذا تعارضا" يعني: إذا اقتضى كل منهما خلاف الحكم الذي يقتضيه الآخر؛ فلا بد في هذه الحالة من قبول المسموع عن العرب والإقرار بفصاحته والاقتصار عليه؛ لكن دون قياس غيره عليه؛ لأنه مخالف للقياس. ومما سمع من ذلك وهو مخالف للقياس مثل: ﴿اسْتَحْوَذَ﴾ من قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ فإن القياس يقتضي نقل حركة الواو إلى الساكن الصحيح قبلها -وهو الحاء- لأنه حينما تكون الحاء -وهي حرف صحيح- تكون ساكنة في الوقت الذي فيه الواو حرف علة يكون متحركًا فتلك إذا قسمة ضيزى! فيجب -في هذه الحالة- نقل حرف العلة إلى الحرف الساكن الصحيح قبل هذا الحرف -وهو الحاء. ثم يقال: تحركت الواو في الأصل وانفتح ما قبلها الآن؛ فتقلب الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ فكان القياس أن يقال: استحاذ؛ هذا ما كان يقتضيه القياس؛ لكن جاء السماع بخلافه؛ فتعارض السماع والقياس، والحكم حينئذ هو قبول اللفظ المسموع لورود النص به مع عدم القياس عليه؛ فلا يجوز أن نقيس عليه غيره، يعني: أن نقول مثلًا في استقام: استقوَم؛ لا يجوز أن نقول ذلك مع أنه هو الأصل؛ كما أن الأصل في استباع: استبيَع؛ فهما مثل ﴿اسْتَحْوَذَ﴾ إلا أنه قد سمع ﴿اسْتَحْوَذَ﴾ ولم يسمع استقوَم ولا استبيَع؛ فوجب الاقتصار على ما سمع ولم يجز قياس غيره عليه. - فإن قيل: فقد جاء عن العرب قولهم: استنوَق الجمل واستتيَستْ الشاة؛ فلم تقلب الواو أو الياء فيهما ألفًا مع وجود شرط القلب، وهو: وقوع كل منهما عينًا متحركة مفتوحًا ما قبلها؛ فكان القياس أن يقال فيهما: استناق واستتاس. أجيب بأن قولهم: استنوق، واستتيست، من الشاذ، والشاذ يحفظ ولا يقاس عليه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 294

الدرس: ٢١ تابع: التعارض والترجيح

стр. 295

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الحادي والعشرون (تابع: التعارض والترجيح) تقديم كثرة الاستعمال على قوة القياس الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإليك بقية الباب السادس من أبواب كتاب (الاقتراح)، والذي عقده السيوطي للحديث عن التعارض والترجيح: قد يكون الشيء كثيرًا في استعمال العرب الفصحاء الموثوق بعربيتهم، وهو مع كثرته في الاستعمال أضعف في القياس من غيره؛ وإذا تعارضت كثرة الاستعمال مع قوة القياس كان استعمال ما كثر استعماله أولى مما قوي قياسه. وقد ساق السيوطي في هذا الأمر مثالًا نقله عن ابن جني: وهو تقديم "ما" النافية الحجازية على "ما" التميمية، ولغة بني تميم أقوى قياسًا؛ لأن "ما" فقدت شرط العمل، وهو: الاختصاص؛ ولذلك قال سيبويه عن إهمال ما في لغة بني تميم؛ قال: وهو القياس؛ فهي حرف غير مختص؛ فكان القياس ألا تعمل؛ إلا أن قوة القياس هنا معارضة لكثرة المسموع؛ إذ كثر في الكلام الفصيح إعمال "ما" عمل "ليس"؛ وعدت هذه اللغة هي اللغة العليا؛ لأن القرآن نزل بها، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (يوسف: ٣١) وقوله : ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (المجادلة: ٢). ولما تعارضت قوة القياس مع كثرة الاستعمال كانت كثرة الاستعمال هي المقدمة، وكان على المتكلم أن يستعمل في كلامه ما كثر استعماله في كلام الفصحاء؛ ولذلك قال ابن جني في المصدر السابق نفسه: إذا استعملت أنت شيئًا من ذلك؛ فالوجه: أن تحمله على ما كثر استعماله، وهو اللغة الحجازية؛ ألا ترى أن القرآن بها نزل؟! انتهى. ومعنى ما ذكره ابن جني: أن على المتكلم أن يتكلم بلغة الحجاز لأنها اللغة التي كثر استعمالها؛ إلا أن هذا الحكم ليس على إطلاقه؛ وإنما هو حكم مقيد بقيد، وهو: أن تستوفي "ما" شروط إعمالها عند الحجازيين، وهي: مراعاة الترتيب بين اسمها وخبرها، بأن يكون اسمها متقدمًا وخبرها متأخرًا، وألا يتقدم معمول

стр. 296

الخبر وهو غير ظرف ولا مجرور، وألا ينتقض النفي بـ"إلا"؛ فإن فقد شرط من هذه الشروط أهملت "ما" وهو القياس. وقد نقل السيوطي في (الاقتراح) عن ابن جني قوله: "فمتى رابك في الحجازية ريب من تقديم خبر أو نقض النفي؛ فزعت إذ ذاك إلى التميمية" انتهى. وإنما وجب الرجوع حينئذ إلى التميمية؛ لأنها القياس؛ ولأنه لا معارض للقياس لفقد شرط المعارضة. ونلحظ أن ابن جني قد عبر بالفعل "فزع"؛ ليدل به على وجوب الإسراع والمبادرة؛ فليس للمتكلم حينئذ أن يختار؛ وإنما يجب أن يفزع وأن يسرع ويبادر إلى لغة بني تميم؛ لأنها هي القياس. معارضة مجرد الاحتمال للأصل والظاهر، وتعارض الأصل والغالب معارضة مجرد الاحتمال بالأصل والظاهر: لقد تناول ابن جني هذه القضية في موضعين من (الخصائص) وعليهما عوَّل السيوطي في (الاقتراح) وأوردهما بعكس ترتيب ورودهما في (الخصائص)؛ فبدأ بالموضع الثاني في (الخصائص) وافتتح المسألة بقوله: "قال في (الخصائص): باب في الشيء يرد؛ فيوجب له القياس حكمًا ويجوز أن يأتي السماع بضده؛ أنقطع بظاهره أم نتوقف إلى أن يرد السماع بجلية حاله؟ " انتهى. ومعنى قول ابن جني: "نقطع بظاهره"، أي: لا ننظر إلى ما يحتمله اللفظ؛ وإنما ننظر إلى ظاهر حاله، ومعنى قوله: "بجلية حاله"، أي: بحاله الجلية الظاهرة، ومن الواضح أن ابن جني لم يذكر فيه رأيه ومذهبه صراحة وإن كان تقديمه للقطع في اللفظ يدل على تقديمه إياه في العمل.

стр. 297

وقد كثرت الأمثلة التي تدل على أنه إذا تعارض الظاهر مع الاحتمال كان القول بالظاهر أولى، ومنها: القول في نون: عنبر، وعنتر، ونحوهما؛ فإن الظاهر هو القول بأن النون فيهما أصلية؛ لأنها وقعت في موضع الأصل، وهو العين في "فعلَلٍ" نحو: جعفرٍ؛ فلما وقعت النون في الموضع الأصل كان الظاهر أنها أصلية، ويجوز أن يحكم على النون بأنها زائدة؛ كما قيل بزيادتها في: "عنْسَلٍ"، وهي الناقة السريعة؛ فإن النون فيها زائدة قطعًا ويدل على زيادتها الاشتقاق من العسلان: وهو إسراع الذئب في مشيته؛ فحكموا بأن وزنه: "فنْعل"، مع عدم هذا الوزن في أبنيته؛ وإنما أوجبوا أن يكون "عنْسل" على وزن "فنعل"؛ لأن الاشتقاق دال عليه، وهذا هو الأصح وبه جزم سيبويه في كتابه: فقال: "ومما جعلته زائدًا بثبت العنسل لأنهم يريدون العسول" انتهى. وقوله: "يريدون العسول" معناه: زيادة النون. أما الموضع الثاني؛ فهو باب في الحمل على الظاهر، وإن أمكن أن يكون المراد غيره، ومعنى ما ذكره ابن جني في هذا العنوان: أن الشيء يجب حمله على ظاهره وإن كان ممكنًا من جهة العقل أن يكون باطنه بخلاف هذا الظاهر. وقد وصف ابن جني القول بذلك بأنه المذهب، وبأن العمل عليه، وبأن الوصية به، ثم ذكر مثالًا يدل على عناية علماء العربية بالظاهر، وهو: حمل سيبويه كلمة سِيد -وهو الذئب أو الأسد- على أن عينه ياء؛ فوضعه في (الكتاب) في باب: تحقير كل اسم كان ثانيه ياء تثبت في التحقير؛ فالظاهر من حاله أن تكون عينه ياء؛ ولذلك قال سيبويه في تصغيره: سُيَيْد -بضم أوله؛ لأن التصغير يضم أوائل الأسماء- وهو لازم له كما أن الياء لازمة له. ثم ذكر سيبويه أن من العرب من يكسر أوله فيقول: سِيَيْد؛ كراهية الياء بعد الضمة.

стр. 298

ومن هذا المثال يتبين أن سيبويه قد حمل لفظ "سِيد" على أن عينه ياء؛ لأنه هو الظاهر من حاله مع إمكان أن يكون عينه واوًا؛ ولذلك قال السيوطي: "حمل سيبويه سيدًا على أنه مما عينه ياء؛ فقال في تحقيره: سُيَيْد عملًا بظاهره، مع توجه كونه فِعلًا مما عينه واو كريح وعيد" انتهى. وقول السيوطي: "مع توجه كونه فعلًا"، معناه: أن كلمة سِيد على وزن فِعل لا أنها فعل من الأفعال، وهذا القول من السيوطي يصحح سهوًا وقع فيه محقق كتاب (الاقتراح) -رحمه الله تعالى- تبعًا لمحقق كتاب سيبويه -رحم الله الجميع- إذ أثبتاه بلفظ "سَيِّد"، والصحيح أنه "سِيد" -بكسر السين- فقد حمله سيبويه على ظاهره، وهو أنه يائي العين مع جواز أن يكون واوي العين؛ فقلبت ياء لسكونها بعد كسرة كما قلبت فريح؛ فإن الأصل رِوْح؛ بدليل الجمع على أرواح، وقد وقعت الواو ساكنة بعد كسر؛ فقلبت ياء. وننتقل الآن إلى الحديث عن: تعارض الأصل والغالب: إذا تعارض الأصل والغالب؛ فقد ذكر السيوطي أن علماء النحو قد حذَوْ حَذْوَ الفقهاء في اختلافهم؛ فقد اختلف الفقهاء على قولين، وهما: العمل بالأصل، والعمل بالغالب، والأصح العمل بالغالب، وعلى ضربهم سار النحويون؛ فمنهم من ذهب إلى أن العمل يكون بالأصل، ومنهم من ذهب إلى أن العمل يكون بالغالب. ومثال ذلك: أن الأصل في الاسم أن يكون مصروفًا؛ فإن جاء في كلامهم اسم علم أو صفة على وزن "فُعْل" -بضم الفاء وفتح العين- ولم يعلم؛ أصرفوه -كما هو الأصل- أم منعوه من الصرف؛ كما هو الغالب في ما كان على وزن

стр. 299

"فُعَل"، نحو: عمَر، وزُفَر؛ فإنهما ممنوعان من الصرف للعلمية والعدل؛ فإذا جاء اسم علم أو صفة ولم يثبت عدله عن غيره ولم يعلم اشتقاقه؛ فهل يكون مصروفًا لأن الأصل في الاسم الصرف أم يكون ممنوعًا من الصرف؛ لأن نظيره من الأسماء ممنوع من الصرف؟. لقد ذكر السيوطي أن في ذلك ونحوه مذهبين للنحاة: الأول: مذهب سيبويه: وهو الصرف حتى يثبت أنه معدول؛ لأن الأصل في الأسماء عدم العدل عن غيرها؛ يقول سيبويه في (الكتاب): "اعلم أن كل فُعَل كان اسمًا معروفًا في الكلام أو صفة فهو غير مصروف؛ فالأسماء نحو: صُرَد وجُعَل، وأما الصفات فنحو: هذا رجل حُطَم" انتهى. والمذهب الثاني: مذهب غير سيبويه، وهو: المنع من الصرف؛ لأنه الأكثر والغالب في كلامهم، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه؛ لأن الأصل في الأسماء أن تكون مصروفة لا ممنوعة من الصرف؛ فلما لم يقم دليل على منع بعضها كان الرجوع إلى الأصل أولى. ومما تعارض فيه الأصل والغالب أيضًا: ما ذكره أبو حيان في (شرح التسهيل): من اختلافهم في رحمن، ولَحيان، على قولين: أحدهما: الصرف؛ لأنه الأصل، أي: ولأنه لا يمنع من الصرف إلا بشرط ألا يكون مؤنثه بالتاء بأن يكون مؤنثه على وزن "فَعلى"، ورحمان ولحيان لا مؤنث لهما. والآخر: المنع؛ لأن الغالب هو أن يكون على وزن "فعْلان" أن يكون ممنوعًا من الصرف؛ فتعارض الأصل والغالب.

стр. 300

وقال السيوطي ﵀ نقلًا عن أبي حيان، والصحيح صرفه -أي: صرف رحمان ولحيان- لأنا قد جهلنا النقل فيه عن العرب، والأصل في الأسماء الصرف؛ فوجب العمل به، ووجه مقابله: أن ما يوجد من "فعْلان" الصفة غير مصروف في الغالب، والمصروف منه قليل؛ فكان الحمل على الغالب أولى ... انتهى ما قال أبو حيان. وعقب السيوطي على عبارة أبي حيان بقوله: هذه عبارته، أي: هذه عبارة أبي حيان في (شرح التسهيل)؛ وكأن السيوطي قال ذلك للتبرؤ؛ لأنه أورد ذلك للتمثيل لا لكونه يرى رأي أبي حيان؛ لأن غيره صحح الأصل. تعارض أصلين، وتفضيل السماع والقياس على استصحاب الحال تعارض أصلين: لقد عقد ابن جني في كتابه (الخصائص) بابًا عنوانه: باب في مراجعة الأصل الأقرب دون الأبعد، وقد وصف هذا الموضع بأنه موضع يجب أن ينبه عليه ويحرر القول فيه، والمراد بمراجعة الأصل الأقرب دون الأبعد: هو أنه إذا تعارض في الكلام أصلان أحدهما قريب والآخر بعيد وجب الرجوع إلى الأصل القريب دون البعيد. ومما تعارض فيه أصلان: ضم الذال من كلمة "مُذْ" في نحو: "ما رأيته مُذُ اليوم"؛ فإن الأصل في الكلمة أن تكون ساكنة ويليها ساكن؛ فكان القياس أن يتخلص من التقاء الساكنين بالكسر كما هو الشأن دائمًا في كل ساكنين التقيا؛ فالتخلص منهما يكون بكسر أولهما؛ فيقال: ما رأيته مُذُ اليوم؛ ولكن هذا الأصل قد

стр. 301

عارضه أصل آخر؛ لأن أصلها الضم في "منذ"، وضمت فيه لالتقاء الساكنين إتباعًا لضمة الميم؛ فهنا إذًا أصلان تعارضا: الأول: الأصل الأبعد، وهو السكون. والثاني: الأصل الأقرب، وهو الضم. فكان الرجوع إلى الأصل الأقرب أولى؛ فضمت الذال من "مُذ" عند التقاء الساكنين ردًّا إلى الأصل الأقرب، وهو "منذ"، ولم ترد إلى الأبعد الذي هو سكونها؛ لأن مراجعة الأصل الأقرب أولى من مراجعة الأبعد. ومما تعارض فيه أصلان: أحدهما قريب والآخر بعيد: قولهم: بعت -بكسر الباء- وقلت -بضم القاف- فأصل الفعلين -باع وقال-: أن يكونا على وزن فعَل؛ فلما أسندا إلى تاء الفاعل نقل "باع" -وهو الأجوف اليائي- إلى وزن فعِل بكسر العين، ونقل الفعل قال -وهو الأجوف الواوي- إلى وزن فعُل بضم العين، ثم قلبت كل من الواو والياء ألفًا لتحركهما وانفتاح ما قبلهما؛ فالتقى ساكنان، وهما: العين المقلوبة ألفًا، ولام الفعل التي سكنت لاتصال الفعل بتاء الفاعل، ثم نقلت الكسرة التي في عين الفعل الأول، وهو بِعْت، إلى فاء الكلمة، ونقلت الضمة التي في عين الفعل الثاني، وهو قلت، إلى الفاء أيضًا؛ فقيل: بعت، وقلت، وفي هذا النقل مراجعة للأصل الأقرب، وهو اعتبار الفعلين بعد نقلهما من فعَل المفتوح العين إلى فعِل وفعُل المكسور العين والمضمومها. وننتقل الآن إلى الحديث عن: تفضيل السماع والقياس على استصحاب الحال: إن استصحاب الحال من أصول النحو الغالبة عند الأنباري؛ فقد قال في (لمع الأدلة): "وهو -أي الاستصحاب- من الأدلة المعتبرة" انتهى.

стр. 302

ومع عده إياه من أصول النحو الغالبة ذكر أنه أضعف الأدلة؛ فقال: "واستصحاب الحال من أضعف الأدلة؛ ولهذا لا يجوز التمسك به ما وجد هناك دليل" انتهى. ويدل على ضعفه ما نقله السيوطي من أنه: إذا تعارض استصحاب الحال مع دليل آخر من سماع أو قياس؛ فلا عبرة به -أي: لا اعتداد بالاستصحاب- ولا التفات إليه؛ لقوة الدليل الآخر الذي يقابله ويعارضه؛ فيقدم السماع أو القياس على الاستصحاب، وعلة ذلك: هي أن الأصل المستصحب إنما جرده النحاة فأصبح من عملهم ولم يكن من عمل العربي صاحب السليقة؛ فإذا عارضه السماع؛ فالسماع أرجح؛ لأن ما يقوله العربي أولى مما يجرده النحوي؛ وإذا عارضه القياس فالقياس أرجح؛ لأن القياس إن كان تجريدًا فهو حمل على ما قاله العربي. تعارض قبيحين، وتعارض الْمُجْمَعِ عليه والْمُختلَف فيه تعارض قبيحين: لقد عوَّل السيوطي في هذه المسألة على ما ذكره ابن جني في (الخصائص)؛ إذ إنه قد أفرد بابًا عنوانه: باب في الحمل على أحسن القبيحين، ومراده بذلك: أنه إذا حضرت عندك ضرورتان -أي: أمران قبيحان- وكان أحدهما أشد قبحًا من الآخر ولا بد للمتكلم من ارتكاب أحد القبيحين؛ فينبغي حينئذ ارتكاب أقربهما وأقلهما فحشًا. وقد ذكر السيوطي نقلًا عن ابن جني مثالين فيهما ارتكاب أقل القبيحين فحشًا، وهما:

стр. 303

المثال الأول: حكم الواو في "ورَنْتَل"، والورنتل: هو الشر والأمر العظيم؛ فإن الأمر في هذه الواو بين ضرورتين أن يدعي أنها أصلية وأن يدعي أنها زائدة، وهما أمران قبيحان؛ لأن الواو لا تكون أصلية في ذوات الأربعة إلا مكررة، نحو قولهم: الوصوصة والوحوحة؛ كما أنها لا تكون زائدة في أول الكلام، ولا بد من ارتكاب أحد القبيحين؛ فلما كان الأمر كذلك كان القول بجعلها أصلًا أولى من القول بجعلها زائدة؛ لأن الواو قد تكون أصلًا في ذوات الأربعة على وجه من الوجوه، أي: في حال التضعيف؛ أما أن تزاد أولًا فإن هذا أمر لم يوجد -على أي حال- فكان ارتكاب ما هو موجود خيرًا من ارتكاب ما ليس بموجود. والمثال الثاني نحو: فيها قائمًا رجلٌ، وفيها قائم رجل؛ فللمتكلم أن يرتكب أحد القبيحين؛ وهما: أن ينصب الوصف المشتق؛ فيجعل "قائمًا" حالًا من النكرة، وأن يرفعه؛ فيجعل اسم الفاعل نعتًا متقدمًا على منعوته؛ فلما كان مخيرًا بين هذين الأمرين كان القول بجعله حالًا من النكرة أولى؛ لأنه وارد على ضعف وأكثره في الشعر؛ كقول كثير: لمية موحشة طلل ... يلوح كأنه خلل وأما تقديم النعت على المنعوت فلم يرد. وننتقل الآن إلى الحديث عن: تعارض المجمع عليه والمختلف فيه: إذا تعارض أمر أجمع عليه النحويون من البصريين والكوفيين وأمر آخر اختلفوا فيه؛ فإن الرأي المجمع عليه أولى من الرأي المختلف فيه؛ لأن للإجماع مكانته عند علماء العربية، وقد عده ابن جني من أصول النحو الغالبة؛ كما ذكر الشاطبي ﵀ أن إجماع النحويين كإجماع الفقهاء وإجماع المحدثين، وكل علم اجتمع أربابه على مسألة منه؛ فإجماعهم حجة ومخالفهم مخطئ، وإذا كان الأمر كذلك؛ فإن الرأي المجمع عليه أولى من الرأي المختلف فيه؛ ولذلك

стр. 304

قال السيوطي: إذا تعارض مجمع عليه ومختلف فيه؛ فالأول أولى، وذكر مثالًا لذلك: وهو أنه إذا كان الشاعر مضطرًّا إلى قصر الممدود أو مد المقصور؛ فارتكاب الأول أولى؛ لأن البصريين والكوفيين جميعًا قد أجمعوا على جواز قصر الممدود في الشعر، ومنه قول الشاعر: لا بد من صنعا وإن طال السفر ... ............................. والأصل: صنعاء. أما مد المقصور للضرورة؛ فموضع خلاف بين النحويين؛ إذ أجازه الكوفيين متمسكين بقول الشاعر: سيغنيني الذي أغناك عني ... فلا فقر يدوم ولا غناء بمد غناء، والأصل عند الكوفيين: غنًى، بالقصر؛ فلما اضطر الشاعر مد، وذهب البصريون إلى أن "غناء" في البيت مصدر لغانيت؛ لأنهم يمنعون مد المقصور ولو في ضرورة الشعر؛ فتعارض قولان: أحدهما مجمع عليه، والآخر مختلف فيه؛ فكان المجمع عليه أولى من المختلف فيه. تعارض المانع والمقتضِي، وتعارض القولين لعالمٍ واحدٍ تعارض المانع والمقتضي: إن المراد بالمقتضي: ما يقتضي الحكم، أي: سبب الحكم، والمراد بالمانع: ما يمنع الحكم؛ فهما نقيضان؛ فإذا تعارض المانع والمقتضي كان المانع مقدمًا على المقتضي. والأمثلة التي يقدم فيها المانع على المقتضي كثيرة منها: المثال الأول: "هذا راشد وذاك غادر"؛ فـ"راشد" اتصلت بألفه راء مفتوحة، و"غادر" اتصلت بألفه راء مضمومة؛ فوجد فيهما سبب إمالة الألف: وهو وقوع

стр. 305

كسرة بعدها؛ كما وجد فيهما ما يمنع الإمالة: وهو الراء المفتوحة أو المضمومة؛ فيقدم المانع على المقتضي، وبعض العرب يُميل ولا يلتفت إلى الراء غير المكسورة. والمثال الثاني: "أي" وجد فيها سبب البناء، وهو أن "أيًّا" هذه أشبهت الحرف ووجد فيها أيضًا ما يمنع البناء وهو لزومها الإضافة، والإضافة من خصائص الأسماء؛ فقدم المانع وامتنع البناء. والمثال الثالث: الفعل المضارع المؤكد بالنون، وجد فيه سبب الإعراب وهو مضارعته للاسم ومشابهته إياه، ووجد فيه ما يمنعه من الإعراب وهو اتصال النون به، وقد باعد اتصال النون به بينه وبين الاسم؛ فقدم المانع، وأصبح المضارع الذي اتصلت به النون، أي نون التوكيد، مبنيًّا غير معرب، ومثل ذلك نون النسوة أيضًا. والمثال الرابع: اسم الفاعل إذا وجد شرط إعماله -وهو الاعتماد على نفي أو استفهام أو نحوهما- فإن وجد فيه ما يمنع العمل من تصغير أو وصف قبل العمل؛ فقد تعارض المانع والمقتضي؛ فيقدم المانع ويمنع اسم الفاعل من العمل. وننتقل الآن إلى الحديث عن: في القولين لعالم واحد: إن العالم الواحد قد يكون له في المسألة الواحدة غير قول في غير كتاب من كتبه أو في كتاب واحد من كتبه، وقد يقف المرء حائرًا بأي القولين أو الأقوال يأخذ وأي القولين أو الأقوال يدع، وقد وضع ابن جني ﵀ في (الخصائص) قواعد بها نتعرف على القول الذي نأخذ به والقول الذي ندعه، وهذه القواعد هي:

стр. 306

أولًا: إذا كان أحد القولين مرسلًا والآخر معللًا؛ كان الأخذ بالقول المعلل أولى لقيام حجته؛ وكان ترك القول المرسل واجبًا لضعفه وعدم قيام حجته. ومثال ذلك: ما جاء عن سيبويه ﵀ فقد ذكر في غير موضع من كتابه: أن التاء في بنت وأخت للتأنيث؛ فقال في باب النسب في (الكتاب): "وأما بنت؛ فإنك تقول: بنويٌّ -يعني: في النسب- من قبل أن هذه التاء التي هي للتأنيث لا تثبت عند الإضافة كما لا تثبت في الجمع" انتهى. وقال في باب ما لا ينصرف: إنها ليست للتأنيث، وعلل ذلك بأن ما قبلها ساكن وتاء التأنيث في الواحد لا يكون ما قبلها ساكنًا إلا أن يكون ألفًا؛ كفتاة ... ونحوها؛ فالقول بأنها ليست للتأنيث قول معلل، والقول بأنها للتأنيث قول مرسل؛ فكان المصير إلى القول المعلل أولى؛ لقيام حجته وظهور دليله. وقوله: "إنها للتأنيث" يكون مؤولًا بأن يقال: إنه محمول على التجوز؛ لأن التاء لا توجد في الكلمة إلا في حال التأنيث وتذهب بذهابه. ثانيًا: إذا كان القولان مرسلين بلا تعليل في أحدهما؛ كان القول المعتمد هو القول الأليق بمذهب صاحب القولين والأجرى على قوانينه. ومثال ذلك: قول سيبويه: إن "حتى" ناصبة للفعل المضارع، وقوله الآخر: إنها حرف جر؛ فهذان القولان متنافيان؛ لأن أحدهما يجعل "حتى" ناصبة، والآخر يجعلها جارة، والذي يليق بسيبويه ومذهبه النحوي البصري ويجري على القوانين المعتمدة عند البصريين: هو أن تكون "حتى" جارة، ويدل على ذلك أنه عد الحروف الناصبة للفعل المضارع ولم يذكر منها "حتى"؛ فعلم بذلك أن الفعل المضارع بعد "حتى" ليس منصوبًا بها؛ وإنما هو منصوب بأن المضمرة وجوبًا بعدها، وقول سيبويه: "إن "حتى" هي الناصبة للمضارع" فيه تجوز؛ فينبغي الرجوع إلى قوله الذي نص فيه على أنها جارة.

стр. 307

ثالثًا: إن لم يمكن التأويل؛ فإنْ نصَّ العالم في أحد الرأيين على الرجوع عن الرأي الآخر؛ علم أن الرأي الثاني هو رأيه؛ وإن لم ينص العالم على ذلك بحث عن تاريخهما وعمل بالمتأخر، وعلم أن الأول مرجوع عنه؛ فإن لم يعلم التاريخ وجب سبر المذهبين -أي: النظر في دليلهما قوة ودقة- كما وجب البحث عن حال القولين قوة وضعفًا؛ فإن كان أحدهما أقوى نسب إليه أنه قوله إحسانًا للظن به وأن الآخر مرجوع عنه؛ فإن تساويا في القوة وجب أن يعتقد أنهما رأيان له. فيما رجحت به لغة قريش على غيرها، والترجيح بين مذهبي البصريين والكوفيين فيما رجحت به لغة قريش على غيرها: إن العرب كانت تحضر مواسم الحج كل عام، وكانت قريش قائمة على أمر البيت الحرام؛ فكانوا يسمعون لغات جميع العرب؛ فيستحسنون ويستقبحون؛ فما استحسنوه من كلام العرب تكلموا به وما استقبحوه تركوه؛ فصاروا أفصح العرب لسانًا؛ لأن لغتهم قد خلت من مستبشع اللغات ومستقبح الألفاظ، وقد ذكر علماء العربية كثيرًا من اللغات العربية ووصفوها بالرديء والمذموم ونحوهما من الألقاب التي تدل على استبشاعهم إياها وذكروا أن لغة قريش قد خلت من ذلك كله. ومما خلت منه لغة قريش: - الكشكشة: وهي إلحاق كاف المخاطبة المؤنثة شينًا؛ فيقولون: رأيتكِش، والمراد: رأيتكِ، وقد كانت هذه اللغة في ربيعة ومضر. - والكسكسة: وهي إلحاق كاف الخطاب للمؤنث سينًا عند الوقف؛ فيقولون: أعطيتكِس، وهي لغة هوازن.

стр. 308

- والعنعنة: وهي جعل الهمزة المبدوء بها عينًا؛ فيقال في أنك: عَنَّك، وقد كانت هذه اللغة في قيس وتميم. - والعجعجة: وهي جعل الياء المشددة جيمًا؛ فيقولون في النسب إلى تميم: تميمجّ، وهي لغة قضاعة، وقد خلت قريش من ذلك كله وغيره مما عيبت به اللغات الأخرى؛ فرجحت على باقي لغات العرب. وننتقل الآن إلى الحديث عن: الترجيح بين مذهبي البصريين والكوفيين: إن البصريين هم أئمة النحو، وقد شغلوا به نحو قرن من الزمن، والكوفة مشغولة عنه برواية الأشعار والأخبار، وقد وصف البصريون بأنهم أصح قياسًا؛ لأنهم لا يلتفتون إلى كل مسموع ولا يقيسون على الشاذ، كما وصف الكوفيون بأنهم أوسع رواية لأنهم أكثر اطلاعًا على أشعار العرب. وقد ذكر السيوطي أن أبا حيان قد رجح مذهب الكوفيين على البصريين في مسألة العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار؛ إذ منعه البصريون وأجازه الكوفيون؛ لأنه قد ورد في كثير من الكلام العربي الفصيح، ومنه قول الشاعر: فاليوم قرَّبت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيامِ من عجب وقد ذكر أبو حيان علة جواز ذلك بقوله: الذي يختار جوازه لوقوعه في كلام العرب كثيرًا نظمًا ونثرًا، ومعنى ما ذكره: أن الدليل هو الذي يرجح مذهبًا من المذاهب على آخر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.