← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 11199

أصول النحو 1 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (308 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقد بين الأنباري ضعف الاستدلال بالاستصحاب في مسألة "نِعم" و"بئس"؛ إذ ذهب البصريون إلى أنهما فعلان واستدل بعضهما على فعليتهما باتصال الضمير بهما على حد اتصاله بالفعل المتصرف؛ فإنه جاء عن العرب قولهم: نعما رجلين ونعموا رجالًا؛ كما استدل بعضهم على فعليتهما باتصالهما بتاء التأنيث الساكنة كقولهم: نعمت المرأة هند، وبئست الجارية دعد؛ فهذه التاء يختص بها الفعل الماضي لا تتعداه. ومن البصريين من ذهب إلى أن "نِعم" و"بئس" فعلان مستدلًّا على فعليتهما بأن قال: الدليل على أنهما فعلان ماضيان: أنهما مبنيان على الفتح، ولو كانا اسمين لما كان لبنائهما وجه؛ إذ لا علة ها هنا توجب بناءهما ... انتهى. ولم يرتضِ الأنباري الاستدلال بهذا الدليل الأخير؛ لأنه استدلال بالاستصحاب؛ فقال: وهذا تمسك باستصحاب الحال، وهو من أضعف الأدلة، والمعتمد عليه ما قدمناه، أي: أن المعتمد عليه في إثبات فعلية "نعم" و"بئس": هو اتصال الضمير المرفوع بهما كما يتصل بكل فعل متصرف، واتصالهما بتاء التأنيث الساكنة. وخلاصة القول: أن الاستصحاب من أدلة النحو عند الأنباري ما لم يوجد دليل غيره؛ فإن وجد دليل غيره كان الاستدلال به ضعيفًا. الاعتراض على الاستدلال بالاستصحاب لقد ذكر الأنباري أن أدلة النحو الغالبة ثلاثة أدلة، وهي: النقل، والقياس، واستصحاب الحال، وكل دليل من هذه الأدلة الثلاثة يمكن الاعتراض عليه؛ ولذلك عقد في كتابه (الإغراب في جدل الإعراب) ثلاثة فصول، تناول فيها الاعتراض على أدلة النحو الغالبة مبينًا كيفية الجواب عما يمكن أن يرد على هذه الأدلة من اعتراضات:

стр. 247

فأول الفصول الثلاثة: الاعتراض على الاستدلال بالنقل. وثانيها: الاعتراض على الاستدلال بالقياس. وثالثها: الاعتراض على الاستدلال باستصحاب الحال، وهو الذي يعنينا في هذا الدرس. وقبل أن نذكر ما قاله الأنباري في هذا الفصل ونقله عنه السيوطي في (الاقتراح) نشير إلى أن المراد بالاعتراض في اللغة هو المنع والحيلولة؛ إذ يقال: عرض الشيء يعرض واعترض: انتصب ومنع، وصار عارضًا كالخشبة المنتصبة في النحو والطريق تمنع السالكين سلوكها، ولا ينفك المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي؛ فالمراد بالاعتراض هنا: الحيلولة بين المستدل وما يستدل به على حكم من أحكام النحو. وقد عرف أحد الباحثين الاعتراض على الدليل بأنه: ما يمنع به المعترض استدلال المستدل بدليله؛ فإذا كان المستدل يستدل على مسألة ما بدليل من السماع مثلًا؛ فإن هناك أمورًا يمنع بها المعترض هذا الاستدلال؛ كأن يطعن في السند أو يعترض على المتن باختلاف الرواية أو نحو ذلك؛ وإذا كان المستدل يستدل باستصحاب الحال؛ فقد ذكر الأنباري أن للمعترض أن يعترض عليه بأن يذكر دليلًا يدل على زوال استصحاب الحال، ولم يكتفِ الأنباري بذكر الاعتراض وحده وإنما ذكر كيفية الجواب عنه. فقال في (الإغراب في جدل الإعراب): "الاعتراض على الاستدلال باستصحاب الحال: وهو أن يذكر دليلًا يدل على زوال استصحاب الحال، مثل: أن يدل الكوفي على زواله إذا تمسك البصري به في بناء فعل الأمر؛ فيبين أن فعل الأمر مقتطع من الفعل المضارع ومأخوذ منه، وأن الفعل المضارع قد أشبه الاسم وزال عنه استصحاب حال البناء وصار معربًا بالشبه؛ فكذلك فعل الأمر.

стр. 248

والجواب: أن يبين -أي: البصري- أن ما توهمه -أي: الكوفي- دليلًا لم يوجد؛ فيبقى التمسك باستصحاب الحال صحيحًا". انتهى. وقد نقل السيوطي هذا الكلام ولم يعلق عليه بشيء، وفيه إجمال يحتاج إلى تفصيل يكشف، وتفصيل القول في هذا الكلام: أن نقول: إن البصريين يذهبون إلى أن فعل الأمر مبني، ولهم أن يستدلوا على صحة مذهبهم باستصحاب الأصل؛ لأن الأصل في الأفعال البناء، وقد يعترض الكوفيون على مذهب البصريين بأن يقولوا: إن استصحاب الحال -وهو البناء- قد زال عن فعل الأمر الذي استدل به البصري، والدليل على زوال استصحاب الحال من فعل الأمر: أن فعل الأمر ليس قسمًا برأسه؛ وإنما هو مأخوذ من الفعل المضارع ومقتطع منه، ولما كان فعل الأمر مأخوذًا من المضارع، والمضارع معرب لأنه أشبه الاسم؛ كان فعل الأمر كذلك معربًا بالشبه؛ فيقال: إن "اضرب" فعل معرب؛ لأن أصله "لِتضربْ"، ثم حذفت اللام -أي: لام الأمر- ثم حذف حرف المضارعة، ثم جيء بهمزة الوصل توصلًا إلى النطق بالساكن. هذا ما يمكن أن يورده الكوفي اعتراضًا على دليل البصري. فيجيب عنه البصري بأن: ما توهمه الكوفي دليلًا على إعراب فعل الأمر، وهو أنه مأخوذ من الفعل المضارع ومقتطع منه؛ لم يوجد؛ بل هو نوع مستقل على حدة، وحينئذ يبقى التمسك بالاستصحاب، واستصحاب الحال فيه: هو أصل البناء في الفعل. والخلاصة: أن استصحاب الحال، مع أنه قد جعل أحد الأدلة الأربعة الغالبة من الأدلة التي تعد أصولًا للنحو العربي؛ فإنه يعد أضعف هذه الأدلة؛ لأنه إنما يعتمد عليه في حالة عدم وجود دليل يعارضه؛ أما إذا وجد دليل يعارضه؛ فإن

стр. 249

هذا الدليل المعارض يسقط استصحاب الأصل، يقال: استصحاب الأصل، ويقال: استصحاب الحال، وهما بمعنى واحد؛ لأن المراد استصحاب حال الأصل كما عرفنا بالنسبة للإعراب في الأسماء وبالنسبة للبناء في الأفعال. لما كان الإعراب هو الأصل في الأسماء باعتبار أن الأسماء تتعاورها -أي: تتقلب عليها- المعاني المختلفة التي تفتقر معها إلى الإعراب للتمييز بين هذه المعاني؛ بحيث إذا لم يوجد الإعراب؛ اختلطت هذه المعاني بعضها ببعض، والتبس بعضها ببعض؛ فلم يتبين المستمع أو المخاطب لا يعرف مثلًا الفاعل من المفعول، أو المبتدأ من الخبر، أو أسلوب التعجب من أسلوب النفي ... إلى آخر ما قلناه؛ فإنها في هذه الحالة تحتاج احتياجًا متأصلًا إلى الإعراب، ومن ثم؛ فإذا أردنا أن نستدل على الإعراب في الأسماء؛ فإننا يمكن أن نستدل عليها باستصحاب الحال، لأن الإعراب هو الأصل في الأسماء؛ اللهم إلا إذا وجد دليل يعارض هذا الأصل، وهو: وجود شبه من أنواع الشبه بالحرف كما ذكرنا. وعلى العكس الفعل؛ فإن الأصل فيه البناء؛ لأنه لا تتعاوره المعاني المختلفة؛ إذ لا يدل على معنى الحدث والزمان، ومن ثم فهو لا يحتاج إلى الإعراب؛ فالأصل فيه البناء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 250

الدرس: ١٨ أدلة متفرقة من أدلة النحو غير الغالبة

стр. 251

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن عشر (أدلة متفرقة من أدلة النحو غير الغالبة) الاستدلال بالعكس الحمد لله والصلاة، والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، أما بعد: النصف الأول من الباب الخامس من أبواب كتاب (الاقتراح)، والذي عقده السيوطي للحديث عن: أدلة متفرقة من أدلة النحو غير الغالبة: نشير إلى أن السيوطي قد وضع لهذا الباب عنوانًا وهو: في أدلة شتى. والأدلة: جمع دليل وهو ما يستدل به. وقوله: "شتى" أي: متفرقة، ليس لها ضابط خاص؛ فهي تجمع في هذا الباب. وقد افتتح السيوطي الباب بقول الأنباري في (لمع الأدلة): "اعلم أن أنواع الاستدلال كثيرة لا تنحصر ... " انتهى. ومعنى قوله: "لا تنحصر": أنها كثيرة جدًّا، تخرج عن حد الحصر؛ لأن مدارها على حدة الفكر، وقوة الذكاء، وحسن الاستنباط. وقد ذكر السيوطي في هذا الباب ثمانية أدلة نتناول في هذا الدرس أربعة منها، ونبدأ الحديث عن الاستدلال بالعكس: إن الاستدلال بالعكس دليل من أدلة الأصوليين ويعبرون عنه بقياس العكس، ويعرفونه بأنه: عدم الحكم عند عدم العلة، وقد جعله السيوطي أول الأدلة غير الغالبة؛ فقال: ومنها: الاستدلال بالعكس، أي: جعل عكس الحكم دليلًا، وبهذا الدليل رُدَّ على الكوفيين زعمهم أن الخبر إذا كان ظرفًا كان منصوبًا بالخلاف. ومعنى كلام الكوفيين: أنه إذا قيل: زيدٌ أمامَك وعمرٌو وراءَك؛ فالظرفان "أمامك" و"وراءك" منصوبان بالخلاف، وحجتهم في ذلك: أن خبر المبتدأ هو

стр. 252

المبتدأ في المعنى؛ فإذا قيل: زيدٌ قائمٌ وعمرٌو جالسٌ؛ فزيد مبتدأ وقائم خبره، وقائم هو زيد في المعنى؛ فالقائم هو زيد؛ وكذلك عمرو هو الجالس، والجالس هو عمرو؛ فيستحق الخبر عندئذٍ أن يكون مرفوعًا به، أي: بالمبتدأ، وإذا قيل: زيد أمامَك وعمرٌو وراءَك، لم يكن "أمامَك" في المعنى هو زيد ولا "وراءَك" في المعنى هو عمرو؛ كما كان "قائم" في المعنى هو زيد؛ فلما كان الظرف مخالفًا للمبتدأ نُصِب على الخلاف. ومما سبق يتبين أن الكوفيين يرون أن عامل النصب في الظرف الواقع خبرًا هو عامل معنوي، عبروا عنه باسم الخلاف، ومعناه: المخالفة بين الخبر والمبتدأ، وأرادوا بأن الخبر ليس هو المبتدأ في المعنى وإنما هو مخالف له. وقد أفسد الأنباري هذا القول مستدلًّا على فساده بالعكس؛ لأنه لو كان عامل النصب في الظرف هو الخلاف لكان من الواجب أن يكون المبتدأ منصوبًا؛ لأن الخلاف مصدر الفعل "خالف"، وبنية هذا الفعل تدل على المشاركة بين اثنين يخالف كل منهما صاحبه كما هو شأن المفاعلة نحو: خاصم؛ إذ لا يتصور الخصام من واحد؛ وكذلك: جادل؛ ولا يتصور الجدال من واحد؛ فإذا كان الخبر مخالفًا للمبتدأ؛ فمعناه: أن المبتدأ أيضًا مخالف للخبر، وإذا كان الخلاف يوجب نصب الظرف -كما زعم الكوفيون- فالواجب أيضًا نصب المبتدأ، ولو وافقناهم على زعمهم فنقول: زيدًا أمامَك، بالنصب، ولا قائل بذلك؛ فبطل ما استدل به الكوفيون. يقول الأنباري في (الإنصاف): "لو كان الموجب لنصب الظرف كونه مخالفًا للمبتدأ؛ لكان المبتدأ أيضًا يجب أن يكون منصوبًا؛ لأن المبتدأ مخالف للظرف كما أن الظرف مخالف للمبتدأ؛ لأن الخلاف لا يتصور أن يكون من واحد؛ وإنما يكون من اثنين فصاعدًا؛ فكان ينبغي أن يقال: زيدًا أمامَك وعَمْرًا وراءَك ... وما أشبه ذلك؛ فلما لم يجز ذلك دل على فساد ما ذهبوا إليه" انتهى.

стр. 253

وقد نقل السيوطي في (الاقتراح) كلام الأنباري باختصار غير مخلٍّ؛ لأن الغاية التي سعى إليها هي بيان الاستدلال بالعكس، وأنه لما لم يكن المبتدأ منصوبًا مع قيام الخلاف به أيضًا دل عدم نصبه على أن الخلاف لا يكون موجبًا للنصب في الظرف وإلا فإن كون الخلاف عاملًا في أحدهما دون الآخر تحكم وترجيح بلا مرجح؛ فكان عكس الحكم دليلًا على نفيه. ونختم الحديث ببيان رأي البصريين في عامل النصب في الظرف الواقع خبرًا في نحو ما تقدم إكمالًا للنفع وإتمامًا للفائدة؛ فنقول: ذهب جمهور البصريين إلى أن عامل النصب في الظرف الواقع خبرًا هو فعل مقدر، والتقدير عندهم: زيد استقر أمامَك، وعمرو استقر وراءَك، وذهب بعضهم إلى أن عامل النصب اسم فاعل، والتقدير: زيد مستقر أمامَك، وعمرو مستقر وراءَك، والقول بتقدير الفعل أولى من القول بتقدير اسم الفاعل؛ لأن اسم الفاعل فرع عن الفعل في العمل، والفعل هو الأصل في العمل؛ فلما وجب تقدير عامل كان تقدير ما هو الأصل في العمل -وهو الفعل- أولى من تقدير ما هو الفرع فيه -وهو اسم الفاعل. الاستدلال ببيان العلة إن السيوطي قد اعتمد في مادة هذا الدليل على ما أورده أبو البركات الأنباري في الفصل الرابع والعشرين من كتابه (لمع الأدلة) وعنوانه: ما يلحق بالقياس من وجوه الاستدلال، وذكر في هذا الفصل: أن الاستدلال ببيان العلة هو أحد أدلة النحو غير الغالبة، وجعله مما يكثر التمسك به، وعليه عوَّل السيوطي في كتابه (الاقتراح) تعويلًا كاملًا؛ إذ نقل كلام الأنباري الذي ذكر فيه: أن بيان العلة قد يكون دليلًا يُستدَل به ويعتمد عليه عند الخلاف في إثبات حكم من الأحكام

стр. 254

النحوية أو نفيه؛ فيكون وجود العلة دليلًا على وجود الحكم ويكون عدمها دليلًا على نفي الحكم وعدم وجوده، وذكر أن الاستدلال ببيان العلة يكون على وجهين: أحد هذين الوجهين: أن يبين علة الحكم ويستدل بوجودها في موضع الخلاف؛ ليوجد بها الحكم. والثاني: أن يبين علة الحكم ثم يستدل بعدمها في موضع الخلاف؛ ليعدم الحكم ... انتهى. ومعنى ما قاله الأنباري ونقله عنه السيوطي: أن المستدل يكثر تمسكه بهذا الدليل -وهو بيان العلة- في مواضع الخلاف؛ فيثبت حكمًا وينفي آخر، يثبت بوجود علته وينفي آخر لانتفاء علته؛ إذ إن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا؛ لأنه كلما وُجدت العلة وُجد ذلك الحكم وإن انتفت العلة انتفى الحكم. وإذا كان الأنباري قد ذكر أن الاستدلال ببيان العلة يكون من وجهين وهما: إثبات الحكم، ونفيه؛ فإنه قد مثل لكل وجه منهما بمثال: أما الوجه الأول -وهو الاستدلال بوجود العلة على وجود الحكم- فمثاله: أن يستدل من أعمل اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي فيقول: إنما عمل اسم الفاعل في محل الإجماع لجريانه على حركة الفعل وسكونه، وهذا جارٍ على حركة الفعل وسكونه فوجب أن يكون عاملًا ... انتهى. ولتوضيح هذا المثال الذي ذكره الأنباري نقول: إنه لا خلاف بين النحاة في إعمال اسم الفاعل إذا كان للحال أو للاستقبال؛ لأنه في هذه الحالة يكون موافقًا للفعل الموافق له في اللفظ -وهو الفعل المضارع- يكون موافقًا له أيضًا في المعنى -وهو الزمن: الدلالة على الحال أو الاستقبال- فإن كان اسم الفاعل بمعنى

стр. 255

الماضي فقد ذهب جمهور النحويين من البصريين والكوفيين إلى أنه لا يجوز إعماله؛ فلا يجوز: "هذا ضاربٌ زيدًا أمسِ"؛ بل يجب أن يقال: "هذا ضاربُ زيدٍ أمسِ"، بالإضافة على سبيل الوجوب؛ لأنه فقد الشبه بالفعل المضارع في المعنى. وخالف في ذلك الكسائي وحده؛ فأجاز إعمال اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي، ويجوز لمن يرى إعمال اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي -كالكسائي ومن سار على دربه واتبع نهجه- أن يستدل على صحة رأيه ببيان العلة؛ فيقول: إن العلة التي من أجلها عمل اسم الفاعل عمل فعله: هي أنه يساوي فعل المضارع في حركاته وسكناته؛ فقولنا: يضرب، يساوي قولنا: ضارب، في الحركات والسكنات، وقولنا: يضرب، يساوي قولنا: ضارب، في الحركات والسكنات أيضًا ... وهكذا؛ فهو جارٍ على الفعل في حركاته وسكناته، وهذه العلة موجودة في اسم الفاعل، أي: أنه يجري على حركات المضارع وسكناته، يوافقه في حركاته وسكناته؛ سواء أكان بمعنى الماضي، أم كان بمعنى الحال، أم كان بمعنى الاستقبال، وإذا كان الأمر كذلك صح أن يعمل اسم الفاعل عمل فعله في الزمن الماضي لوجود العلة فيه؛ وبذلك يكون بيان العلة دليلًا يثبت به حكم من الأحكام، وهو: إعمال اسم الفاعل في الماضي. وإذ انتهينا من معرفة أن بيان العلة يكون بيانًا يثبت به إعمال اسم الفاعل في الماضي؛ يحسن بنا أن نشير إلى أن الراجح في هذه المسألة هو مذهب الجمهور، وأن مذهب الكسائي مرغوب عنه؛ لأن اسم الفاعل قد عمل عمل فعله لمجموع أمرين؛ وهما: المعنى، والشبه له من جهة اللفظ؛ فقولنا: هذا مكرمٌ عمرًا غدًا؛ فـ"مكرمٌ" بمنزلة "يكرم" في المعنى؛ بحيث يمكن إحلال الفعل "يكرم" محله، والمعنى -أي: من ناحية الزمن- يكون واحدًا، وهو مثله في اللفظ أيضًا، لا فرق

стр. 256

بينهما في الحركات والسكنات والأصول والزيادة؛ إلا أن الفعل أحد أحرف المضارعة، والأول من اسم الفاعل هو الميم المضمومة، واسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل؛ لأنك إذا قلت: "هذا ضاربٌ زيدًا أمس"، كان في معنى "ضرب" وليس مثله في اللفظ لا في الحركات ولا في السكنات ولا في عدد الحروف. وأما الوجه الثاني: وهو الاستدلال بنفي العلة على نفي الحكم؛ فمثاله: أن يستدل من أبطل عمل "إنْ" المخففة من الثقيلة؛ فيقول: إنَّما عملت "إنَّ" الثقيلة لشبهها بالفعل، وقد عدم هذا الشبه بالتخفيف؛ فوجب ألا تعمل. ولتوضيح هذا المثال الذي ذكره الأنباري نقول: إن "إنَّ" المثقلة من الأحرف الناسخة التي تنصب المبتدأ اسمًا لها وترفع الخبر خبرًا لها، ولا خلاف بين النحويين في إعمالها وهي مثقلة، وقد ذكر النحويون أن علة إعمال "إنَّ" وأخواتها: شبهها بالفعل من جهتي اللفظ والمعنى، وأن أهم أوجه الشبه: أنها موضوعة على ثلاثة أحرف كما أن أغلب الأفعال كذلك، وأنها مبنية على الفتح كما أن الفعل الماضي كذلك، وأنها تلزم الدخول على الأسماء كما أن الأفعال كذلك، وأنها تدخل عليها نون الوقاية مثل: إنني، وكأنني، ولكنني ... إلى آخره، والفعل كذلك، تقول: أفهمني، وعلمني ... إلى آخره، وأنها يتصل بها المضمر المنصوب ويتعلق بها كتعلقه بالفعل؛ تقول: إنه، وإنها، وإنك، وإنني، كما تقول: أكرمته، وأكرمتها، وأكرمتك، وأكرمتني، وأن فيها معاني الأفعال؛ فمعنى "إنَّ" و"أنَّ": حققت، ومعنى "كأنَّ": شبهت، ومعنى: "لكنَّ": استدركت، ومعنى "ليت": تمنيت، ومعنى "لعل": ترجيت؛ فإذا خففت جاز فيها وجهان:

стр. 257

فالأول: إبقاؤها على ما كانت عليه من الإعمال، وهو قليل في لسان العرب. والثاني: إهمالها، وهو الأكثر. ولكل وجهة هو موليها؛ فوجه بقاء الإعمال هو أنها عملت لأنها أشبهت الفعل، وتخفيفها لا يزيل شبهها بالفعل؛ لأن التخفيف حذف، والحذف عارض، والأصل هو الإثبات؛ فالمحذوف كأنه لم يحذف، ووجه الإهمال هو الذي أشار إليه الأنباري إذ ذكر: أنه يجوز لمن أهملها أن يستدل على صحة رأيه ببيان العلة؛ فيقول: إن العلة التي من أجلها عملت "إنَّ" هو شبهها بالفعل في المبنى والمعنى -كما سبق- وقد عدم الشبه بالتخفيف؛ إذ لم يبقَ مبناها كمبنى الفعل؛ فوجب انتفاء إعمالها لانتفاء العلة، وبذلك يكون بيان العلة دليلًا ينتفي به حكم من الأحكام: وهو إعمال "إنْ" المخففة عمل "إنَّ" المثقلة. الاستدلال بالاستقراء إن الدليل الثالث من الأدلة غير الغالبة عند السيوطي هو الاستدلال بعدم الدليل في الشيء على نفيه؛ أما الاستدلال بالاستقراء فهو الدليل السابع من الأدلة غير الغالبة عند السيوطي؛ ولكنا آثرنا تقديمه على الاستدلال بعدم الدليل لأنهما ضدان؛ فما ثبت بالاستقراء فقد ثبت بالإيجاب؛ وما ثبت بعدم الدليل فقد ثبت بالنفي؛ فأردنا أن نذكرهما متتاليين، وأن نبدأ الحديث عن الاستدلال بالاستقراء: فنقول: إن الاستقراء في اللغة هو مصدر الفعل استقرى بمعنى: تتبع، يقال: قروت البلاد قروًا، وقريتها قريًا، واقتريتها واستقريتها، أي: تتبعتها، أخرج من أرض إلى أرض، والمراد بالاستقراء هنا: تتبع الجزئيات لإثبات أمر كلي، وهو

стр. 258

من الأدلة غير الغالبة في أصول النحو، وقد اتخذه العلماء دليلًا في مواضع، ذكر منها السيوطي في (الاقتراح) موضعًا واحدًا لا غير، وهو: انحصار الكلمة في ثلاثة أنواع، وهي: الاسم، والفعل، والحرف. وقد استدل العلماء على هذا الحصر بأدلة متعددة منها الأثر المروي عن علي بن أبي طالب ﵁ حين قال لأبي الأسود الدؤلي: "الكلام كله اسم، وفعل، وحرف، جاء لمعنى"، ومنها الدليل العقلي، وبيانه: أن الكلمة إما أن تدل على معنًى في نفسها أو في غيرها؛ فإن دلت على معنى في نفسها ولم تقترن بزمن فهي الاسم؛ وإن اقترنت بزمن فهي الفعل؛ وإن دلت على معنى في غيرها فهي الحرف. ومن الدليل العقلي على انحصار الكلمة في هذه الأنواع الثلاثة: أن هذه الأنواع يعبر بها المتخاطبون عن جميع ما يخطر في أنفسهم من المعاني؛ فلو كان هناك نوع رابع لبقي في النفوس معانٍ لا يمكن التعبير عنها بإزاء هذا النوع الساقط. ومع كثرة الأدلة التي تدل على انحصار الكلمة في هذه الأنواع الثلاثة؛ فقد ذهب بعض العلماء إلى أن أحسن أدلة الحصر هو الاستقراء؛ لأن علماء العربية قد تتبعوا كلام العرب في محاوراتهم ومخاطباتهم؛ فلم يجدوا إلا هذه الأنواع الثلاثة، ولو كان هناك نوع رابع لعثروا على شيء منه؛ فلما لم يعثروا إلا على هذه الأنواع بعد تتبع كان الاستقراء هو دليل الحصر، وقد قال ابن الخباز -المتوفى سنة تسع وثلاثين وستمائة من الهجرة- وهو -أي: الاستقراء- أحسن دلائل الحصر. ونختم الحديث بأمرين: الأول: أن نشير إلى أن انحسار الكلمة في هذه الأنواع الثلاثة -الاسم، والفعل، والحرف- كان موضع إجماع النحاة، وخرق هذا الإجماع أبو جعفر بن صابر،

стр. 259

ولا عبرة بخلافه؛ لأن إجماع النحويين معتبر -كما سبق أن ذكرنا في مبحثه- فهو كإجماع الفقهاء، وإجماع المحدثين؛ وكل علم اجتمع أربابه على مسألة منه فإجماعهم حجة ومخالفهم مخطئ، كما قال العلامة الشاطبي. والثاني: أن نشير إلى أن انحصار الكلمة في الاسم والفعل والحرف ليس الموضع الوحيد الذي استدل فيه العلماء بدليل الاستقراء؛ بل هناك مواضع متعددة استدل العلماء فيها بدليل الاستقراء، وإلى هذا أشار السيوطي بقوله: استدلوا به في مواضع ... انتهى. ونكتفي بأن نشير هنا إلى موضعين من هذه المواضع وهما: الموضع الأول: الدليل على انحصار العلم المنقول، أي: غير المرتجل: فمن المعلوم أن العلم المنقول هو الذي نقل عن غيره مما لم يكن علمًا في الأصل، أي: أنه لم يوضع في الأصل على العلمية؛ فهو الذي كان مستعملًا قبل العلمية في أمر آخر؛ فله أصل مستعمل ثم سمي به الشخص؛ ككلمة "زيد"؛ فهي في الأصل مصدر الفعل زاد، وقد نُقل عن هذا المصدر وجُعل علمًا على الذات المشخصة المسماة به، فيقال له في هذه الحالة: إنه علم منقول. وقد ذكر السيوطي في كتابه (الأشباه والنظائر) نقلًا عن صاحب (البسيط) أن العلم المنقول ينحصر في ثلاثة عشر نوعًا، ولا دليل على حصره -كما ذكر- سوى استقراء كلام العرب. والموضع الثاني: وهو الدليل على معنى السين وسوف: فمن المقرر في علم العربية أن السين وسوف حرفا تنفيس تدخلان على الفعل المضارع فتخلصانه للاستقبال، وقد كان قبل دخول أحدهما عليه صالحًا للحال وللاستقبال، وقد ذكر السيوطي في (الأشباه والنظائر) أيضًا -نقلًا عن ابن

стр. 260

إياس-: "أن التراخي في سوف أشد منه في السين، واستدل على ذلك بالاستقراء؛ فقال: بدليل استقراء كلامهم؛ قال تعالى: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (الزخرف: ٤٤)، وطال الأمد والزمان، وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ (البقرة: ١٤٢) فتعجل القول ... " انتهى. وقد أوردنا هذا المثال لنبين به أن السيوطي قد ذهب -نقلًا عن ابن إياس- إلى أن الدليل على أن سوف أوسع من السين هو الاستقراء، وليس قوله بمجمع عليه؛ وإنما ذهب إلى هذا الرأي البصريون؛ لأنهم نظروا إلى أن الأحرف التي تتألف منها سوف أكثر؛ فقالوا: إن كثرة الحروف تدل على كثرة المعنى، وليس ذلك بمطَّرد؛ فإن حذرًا يدل على المبالغة مع قلة حروفه عن حاذر الذي لا يدل على المبالغة، مع أن الثاني -وهو حاذر الذي لا يدل على المبالغة؛ لأنه مجرد اسم فاعل- أكثر حروفًا من الأول. الاستدلال بعدم الدليل في الشيء على نفيه إن هذا الدليل هو الدليل الثالث من أدلة النحو غير الغالبة، وقد أخرناه عن الاستقراء للعلة التي أوردناها، وهي: أن الاستدلال بالاستقراء والاستدلال بعدم الدليل ضدان؛ لأن ما ثبت بالاستقراء فقد ثبت بالإيجاب؛ كأقسام الكلم، وأنواع الإعراب، فإذا أردنا استعمال دليل النفي أمكن أن نقول: إن الدليل على أقسام الكلمة ثلاثة: أنه لو لم تكن كذلك لقام الدليل على الزيادة أو النقص في هذا العدد، وذلك لما نعرفه عن جهد النحاة الذي بذلوه في البحث والتقصي؛ فلما لم يقم دليل يعارض أن أقسام الكلم ثلاثة؛ ثبت أنها ثلاثة ليس غير ... ذكر ذلك الأنباري في (لمع الأدلة). ويفهم مما سبق أن الاستدلال بعدم الدليل معناه: أن ينفي المستدل حكمًا؛ لأنه لم يرد دليل على صحة ذلك الحكم، ويكتفي به وإن لم يذكر دليلًا على النفي.

стр. 261

وقد عده الأنباري أحد الأدلة غير الغالبة وأفرد له الفصل الثلاثين من كتابه (لمع الأدلة)، ونقل السيوطي كلامه في (الاقتراح). وقبل أن نذكر ما قاله الأنباري ونقله عنه السيوطي نشير إلى أنه لا خلاف بين العلماء في أن إقامة الدليل واجبة على من أراد إثبات حكم من الأحكام، والخلاف بينهم في من أراد نفي حكم من الأحكام؛ فذهب فريق من العلماء إلى أن النافي عليه إقامة الدليل، وذهب آخرون إلى أن النافي لا دليل عليه. وقد عرض الأنباري الرأيين ومال إلى الرأي الأول، وهو: أن النافي عليه إقامة الدليل؛ فقال: اعلم أن هذا مما يكون فيما إذا ثبت لم يخفَ دليل؛ فيستدل بعدم الدليل على نفيه، وذلك مثل: أن يستدل على نفي أن أقسام الكلمة أربعة، أو نفي أن إعراب الكلمة خمسة أنواع؛ فيقال: لو كان أقسام الكلمة أربعة أو أنواع الإعراب خمسة لكان على ذلك دليل؛ ولو كان على ذلك دليل لعرف ذلك مع كثرة البحث وشدة الفحص؛ فلما لم يعرف ذلك دل على أنه لا دليل؛ فوجب ألا يكون أقسام الكلمة أربعة ولا أنواع الإعراب خمسة ... انتهى. ومعنى ما ذكره الأنباري: أن من نفى أن تكون أقسام الكلمة ثلاثة أو أن تكون أنواع الإعراب أربعة؛ فعليه إقامة الدليل على دعواه، ولما لم يقم دليل على هاتين الدعويين وجب ردهما والتمسك بأن أقسام الكلمة ثلاثة وأن أنواع الإعراب أربعة. وبعد أن بيَّن الأنباري أن النافي عليه إقامة الدليل عارض الرأي الآخر، وهو: وقد زعم بعضهم أن النافي لا دليل عليه؛ وإنما الدليل على المثبت وهذا ليس بصحيح؛ لأن الحكم بالنفي لا يكون إلا عن دليل، وكما يجب الدليل على المثبت؛ فكذلك يجب الدليل على النافي ... انتهى. ومعنى ما ذكره الأنباري: أن الرأي الذي يأخذ به ويطمئن إليه ويعوِّل عليه هو: التسوية بين الإثبات والنفي في إقامة الدليل؛ فمن أثبت حكمًا فعليه إقامة الدليل؛ ومن نفى حكمًا فعليه أيضًا إقامة الدليل.

стр. 262

ويبدو أن الأنباري قد اقتفى أثر الأصوليين في هذه القضية؛ فإن جمهور الأصوليين من الفقهاء يذهبون إلى التسوية بين المثبت والنافي، ويرون أن النافي يجب عليه إقامة الدليل على نفيه كما يجب على المثبت، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: ١١١). ووجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة: أن اليهود والنصارى قد نفوا دخول الجنة عن غيرهم، ومع ذلك طالبهم الله تعالى بالبرهان على النفي؛ فدل ذلك على أن النافي مطالب بإقامة الدليل على نفيه، وإلى هذا ذهب جمهور الأصوليين ووافقهم الأنباري. هذا؛ ويستعان بهذا الدليل كثيرًا في الرد على من يزعم تركيب بعض الأدوات أو حروف المعاني، ونورد هنا ثلاثة نماذج من الأدوات التي زعم بعض النحويين أنها مركبة، ورُد عليهم بأنه قول يفتقر إلى دليل: الأول: تركيب "لكنَّ": ذهب الكوفيون ووافقهم السهيلي إلى أن "لكنَّ" مركبة، واختلفوا فيما ركبت منه؛ فرأى الفراء أنها مركبة من "لكنْ" و"أنَّ" فطرحت الهمزة للتخفيف ونون "لكنْ" للساكنيْن، ورأى باقي الكوفيين أنها مركبة من "لا" و"إنَّ" والكاف الزائدة غير التشبيهية، وحذفت الهمزة تخفيفًا، ورأى السهيلي أنها مركبة من "لا" و"إنَّ" والكاف التشبيهية، وذهب البصريون وكثير من المتأخرين إلى أنها بسيطة لا تركيب فيها، وحجتهم في ذلك أن القول بتركيبها إنما هو مجرد دعوى من غير دليل. الثاني: تركيب "كم": ذهب الكوفيون إلى أن "كم" مركبة من الكاف و"ما" الاستفهامية، ثم حذفت ألفها لدخول الجار، وسكنت ميم للتخفيف لثقل الكلمة بالتركيب، وذهب

стр. 263

البصريون إلى أنها بسيطة غير مركبة، ووافقهم الأنباري، ورد قول الكوفيين بقوله: هذا مجرد دعوى من غير دليل. الثالث: تركيب "إلَّا": فقد زعم الفراء أن "إلَّا" مركبة من "إنَّ" و"لا" ثم خففت "إنَّ" وركبت مع "لا"، وقد رد الأنباري هذا الرأي بقوله: وأما قول الفراء فمجرد دعوى يفتقر إلى دليل، ولا يمكن الوقوف عليه إلا بوحي وتنزيل، وليس إلى ذلك سبيل ... انتهى. ومما سبق يتبين أن عدم الدليل يكون وسيلة من وسائل الرد على من يزعم تركيب بعض الأدوات، وكما كان من النحاة استدلال بعدم الدليل على بساطة بعض الأدوات؛ كان منهم استدلال به أيضًا على معانيها؛ ومن ذلك: ما ذهب الكوفيون إليه من أن اللام الداخلة على خبر "إنْ" المكسورة الهمزة المخففة من الثقيلة تكون بمعنى "إلَّا"؛ فقولنا: إنْ زيدٌ لقائم، وإن كان زيدٌ لقائمًا، وما أشبه ذلك، معناه: ما زيدٌ إلا قائمٌ، وما كان زيد إلا قائمًا، فـ"إنْ" نافية بمعنى "ما"، واللام بمعنى "إلَّا" وأنكر البصريون ذلك، وقالوا: إن هذه اللام تسمى لام الإيجاب ولام الفصل؛ لأن قولنا: إنْ زيدٌ لقائمٌ، معناه: إنَّ زيدًا لقائمٌ؛ فلما خففت "إنَّ" بطل عملها ورُفع ما بعدها بالابتداء والخبر ولزمتها اللام في الخبر؛ لئلا تلتبس بـ"إنْ" النافية التي بمعنى "ما". وخلاصة ما سبق: أن الاستدلال بعدم الدليل في الشيء على نفسه مما استعمله النحويون كثيرًا في استدلالهم وإن كثر أن يكون استعمال هذا الدليل في مواضع الجدل والرد على المخالفين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 264

الدرس: ١٩ تابع: أدلة متفرقة من أدلة النحو غير الغالبة

стр. 265

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس التاسع عشر (تابع: أدلة متفرقة من أدلة النحو غير الغالبة) الاستدلال بالأصول الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: النصف الثاني من الباب الخامس من أبواب كتاب (الاقتراح)، والذي عقده السيوطي للحديث عن: أدلة متفرقة من أدلة النحو: إن السيوطي قد عوَّل على كلام أبي البركات الأنباري في كتابه (لمع الأدلة)، وقد ذهب الأنباري إلى أن الاستدلال بالأصول هو أحد أوجه الاستدلال التي تلحق بالقياس، ويعد الاستدلال بالأصول من جملة الأدلة التي يلجأ إليها النحوي عند المحاجاة والجدل؛ إذ إن المراد به: إبطال مذهب أو رأي بالرجوع إلى الأصل الذي أصَّله النحويون، ومن الأصول التي أصَّلها النحويون: أن يكون الرفع مقدمًا على غيره من أنواع الإعراب، وبهذا الأصل رد الأنباري مذهب القائلين بأن عامل الرفع في الفعل المضارع المرفوع هو تجرده من الناصب والجازم؛ لأن القول بالتجرد معناه: أن الفعل كان متلبسًا بهما، أي: بالناصب والجازم، قبل تجرده منهما، وفي القول بذلك مخالفة للأصول؛ إذ الأصل تقدم الرفع على غيره. قال الأنباري في (لمع الأدلة): "وأما الاستدلال بالأصول فمثل أن يستدل على إبطال مذهب من ذهب إلى أن رفع المضارع إنما كان لسلامته من العوامل الناصبة والجازمة؛ لأن ما ذهب إليه يؤدي إلى خلاف الأصول؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون الرفع بعد النصب والجزم؛ وهذا خلاف الأصول؛ لأن الأصول تدل على أن الرفع قبل النصب؛ لأن الرفع صفة للفاعل والنصب صفة للمفعول، وكما أن الفاعل قبل المفعول فكذلك الرفع قبل النصب، وكذلك تدل أصول على أن الرفع قبل الجزم لأن الرفع في الأصل من صفات الأسماء والجزم من صفات الأفعال، وكما أن رتبة الأسماء قبل رتبة الأفعال؛ فكذلك الرفع قبل الجزم" انتهى.

стр. 266

وفي كلام أبي البركات الأنباري إجمال يحتاج إلى تفصيل يكشفه ويبينه: إن الأنباري قد رد مذهبًا من المذاهب وأبطل قولًا من الأقوال بالرجوع إلى الأصول التي استقرت عند النحويين؛ فقد استقر عند النحويين أن الرفع مقدم على غيره من أنواع الإعراب؛ فهو مقدم على النصب والجزم؛ فإذا كان الفعل المضارع مرفوعًا فإنه لا يجوز -عند الأنباري- أن يقال: إن رافعه هو تجرده من الناصب والجازم؛ لأن التعبير بالتجرد منهما يؤدي إلى سبقهما للرفع، ويؤدي إلى أن المضارع تجرد منهما بعد أن كان متلبسًا بهما، وهو خلاف الأصول؛ إذ إن الأصول شاهدة بتقدم الرفع عليهما. ويدل على تقدم الرفع على النصب: أن الرفع حكم ثابت للفاعل -وهو عمدة- كما أن النصب حكم ثابت للمفعول به -وهو فضلة- فكما أن الفاعل قبل المفعول منزلة واعتبارًا؛ فكذلك الرفع يكون قبل النصب منزلة واعتبارًا. ويدل على تقدم الرفع على الجزم: أن الرفع في الأصل صفة من صفات الأسماء، والجزم من صفات الأفعال، والأسماء متقدمة في الرتبة على الأفعال؛ فكذلك الرفع متقدم في الرتبة على الجزم. وخلاصة ما سبق: أن الأصل هو تقدم الرفع على النصب والجزم؛ فمن قال: إن المضارع مرفوع بتجرده من الناصب والجازم فقد قدم النصب والجزم على الرفع، وبذلك يكون قد خالف أصلًا من أصول النحاة فلا يُقبل قوله ولا يرتضى مذهبه عند الأنباري. وهذا القول الذي رده الأنباري واستدل على إبطاله بأصول هو رأي حذاق الكوفيين؛ يقول الفراء في (معاني القرآن) عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (البقرة: ٨٣): رُفعت ﴿تَعْبُدُونَ﴾ لأن دخول "أنْ" يصلح فيها؛ فلما حذف الناصب رُفعت، انتهى.

стр. 267

وهو القول الذي يجري على ألسنة المعربين، وقد قال ابن مالك في ألفيته: ارفع مضارعًا إذا يُجرَّد ... من ناصب وجازم كتسعدُ ونلحظ أن الأنباري قد أبطل هذا الرأي اعتمادًا على أن التجرد عن الناصب والجازم معناه: أن الفعل كان متلبسًا بهما قبل الرفع؛ ولكن يمكن أن يجاب عنه: بأن المراد بتجرد المضارع عن الناصب والجازم عدمُهما؛ وعبر عن العدم بالتجرد تنزيلًا للإمكان منزلة الحضور كما قالوا عند حفر بئر: "ضيِّقْ فمَها" أي: أوجدها ضيقة الفم. ونختم الحديث بقول أحد الباحثين المعاصرين: والحق أن استدلال الأنباري السابق يبدو عليه التكلف؛ إذ يمكن الاعتراض عليه من عدة أوجه؛ فمن الممكن أن نقول: إن التعري أسبق من التقييد؛ فالتعري أولًا؛ ولما كان الرفع هو الأول كان ملازمًا للتعري؛ كما يمكن أن يقال: إن الفعل المضارع رفع لأنه لم يدخل عليه ناصب فينصبه ولا جازم فيجزمه، دون أن نمس أسبقية الرفع للنصب والجزم، يضاف إلى ذلك أن عوامل النصب والجزم في المضارع عارضة، وعندما لا تأتي هذه العوارض فإن المضارع يأخذ الحكم الأول؛ ولما كان الرفع الأول أخذ المضارع الرفع. الاستدلال بعدم النظير لقد أفرد ابن جني لعدم النظير بابًا في (الخصائص) عنوانه: باب في عدم النظير، ولخصه السيوطي في (الاقتراح) وبدأه بقوله: ومنها الاستدلال بعدم النظير ... يعني: ومن أدلة النحو المتفرقة التي لا تحصر: عدم النظير: والمراد به: ألا يكون للشيء نظائر في بابه، بمعنى: أنه واحد لم يرد به سماع، ومعنى الاستدلال به: النفي لعدم وجود دليل الإثبات؛ ولذلك قال السيوطي: وإنما يكون دليلًا على النفي لا على الإثبات، ومعنى ما ذكره السيوطي: أن النظير يصحح الحكم

стр. 268

النحوي وأن عدمه ينفيه، وقد أكثر النحويون من الاحتكام إلى النظائر، وتعددت أقوالهم الدالة على قبولهم ما له نظير وردهم ما ليس له نظير. ومن أقوالهم الدالة على ذلك قولهم: الحمل على ما له نظير أولى من الحمل على ما لا نظير له، وقولهم: ما لا نظير له في العربية ولا يشهد له شاهد من العلل النحوية يكون فاسدًا، وقولهم: الحمل على ما له نظير -وإن قل وخرج عن القياس- أولى من قول لا نظير له، وقولهم: إذا أدى القول إلى ما لا نظير له وجب رفضه واقتراح الذهاب إليه. ومع كثرة أقوال النحويين في هذا الشأن فإنه لا يشترط إيجاد النظير في إثبات شيء إذا قام الدليل معه؛ وإنما يجب إيجاد النظير إذا لم يقم الدليل، وإلى هذا الأمر أشار ابن جني بقوله في (الخصائص): "أما إذا دل الدليل فإنه لا يجب إيجاد النظير، وذلك مذهب صاحب (الكتاب)؛ فإنه حكى فيما جاء على فعِل "إِبِلًا" وحدها، ولم يمنع الحكم بها عنده أن لم يكن لها نظير؛ لأن إيجاد النظير بعد قيام الدليل إنما هو للأنس به لا للحاجة إليه" انتهى. ومعنى ما ذكره ابن جني: أن سيبويه ﵀ لم يذكر مما جاء على وزن فعِلٍ -بكسر الفاء والعين- إلا كلمة واحدة وهي: "إبِلٌ"، وقال في (الكتاب): "لا نعلم في الأسماء والصفات غيره" انتهى. ولم يمنع سيبويه هذا الوزن مع أنه لا يعلم له نظيرًا؛ لأنه قد قام الدليل من السماع الصحيح على وجوده، وإذا قام الدليل على إثبات شيء لم يكن هنا حاجة إلى إيجاد نظيره ولا عبرة بعدمه، وإذا وُجِد فإنه يكون مؤنسًا ولا يتوقف ثبوت الحكم عليه، وقد قال ابن جني في (الخصائص): "إذا قام الدليل لم يلزم النظير" انتهى.

стр. 269

ومما قام الدليل على صحته ولا نظير له في الكلام: لفظ "أَنْدَلُس" -بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الدال وضم اللام- وقد قام الدليل فيه على زيادة النون: وهو أنه لو لم يحكم بزيادتها لحكم بأصالتها؛ فيكون الوزن فَعْلَلُلًَا، وليس في ذوات الخمسة الأحرف شيء على وزن "فَعْلَلُلٍ" تكون فيه النون أصلًا لوقوعها موقع العين؛ فوجب أن تكون النون زائدة، وأن يكون على وزن "أَنْفَعُلٍ" -بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الفاء وضم العين- وليس في العربية على هذا الوزن غير هذا اللفظ، وهو مقبول غير مردود، مع أنه بناء لا نظير له؛ وإنما قُبِل هذا البناء مع عدم نظيره لقيام الدليل عليه. والدليل: هو أن النون زائدة لا محالة، وإذا ثبت زيادة النون بقي في الكلمة ثلاثة أحرف أصول، وهي: الدال، واللام، والسين، وفي أولها همزة؛ ومتى وقع ذلك حكمت بزيادة الهمزة؛ لأنها واقعة قبل ثلاثة أصول، ولا تكون النون أصلًا والهمزة زائدة؛ لأن ذوات الأربع لا تلحقها الزيادة من أولها إلا في الأسماء الجارية على أفعالها نحو: مدحرِج وبابه؛ فقد وجب إذًا أن الهمزة والنون زائدتان؛ وعليه تكون الكلمة على وزن: "أَنْفَعُلٍ"، وإن كان مثالًا لا نظير له. ومما قام الدليل على صحته ولم يثبت له في الكلام نظير أيضًا: ما ذكره سيبويه من أنه قد ثبت في كلامهم فعُلتَ تفعَل -بضم العين في الماضي وفتحها في المضارع- وهو: كُدْتَ تكاد، ولا يوجد غيره؛ كما أثبت سيبويه وزنًا هو "إِنْفَعْلٌ" -بكسر الهمزة وسكون النون وفتح الفاء وسكون العين- وقد أثبته سيبويه بكلمة "إِنْقَحْلٍ": وهو الرجل الذي يبس جلده على عظمه من البؤس والكبر والهرم، وإن لم يحكِ غيره. ومن هذه الأمثلة وغيرها يتبين لنا: أنه إذا قام الدليل على صحة شيء لم تكن هناك حاجة إلى النظير، وقد أشار إلى ذلك ابن جني بقوله في (الخصائص): "ألا

стр. 270

تعلم أن القياس إذا أجاز شيئًا وسُمِع ذلك الشيء عينه؛ فقد ثبت قدمه وأخذ من الصحة والقوة مأخذه، ثم لا يقدح فيه ألا يوجد له نظير؛ لأن إيجاد النظير وإن كان مأنوسًا به فليس في واجب النظير إيجاده" انتهى. وقال: "وليس يلزم إذا قاد الظاهر إلى إثبات حكم تقبله الأصول ولا تستنكره ألا يحكم به حتى يوجد له نظير؛ وذلك أن النظير -لعمري- مما يؤنس به؛ فأما ألا تثبت الأحكام إلا به؛ فلا" انتهى. ومعنى ما ذكره ابن جني: هو أن النظير يوجد للأنس به عند عدم الدليل ولا يُلتفت إليه ولا يُعوَّل عليه إذا قام الدليل على حكم نحوي؛ وإذا ورد الدليل فإن عدم النظير لا يضر، وأنه لا يُنظر إلى عدم النظير عند قيام دليل الحكم وثبوته؛ وإنما تكون الحاجة إلى إيجاد النظير إذا لم يقم الدليل. وقد نبه ابن جني على ذلك بقوله في (الخصائص): "فأما إن لم يقم دليل فإنك محتاج إلى إيجاد النظير؛ ألا ترى إلى "عِزْوِيت" لما لم يقم الدليل على أن واوه وتاءه أصلان احتجت إلى التعلل بالنظير؛ فمنعت من أن يكون "فِعوِيلًا" لما لم تجد له نظيرًا وحملته على "فعليت"؛ لوجود النظير وهو: عفريت، ونفريت؟! " انتهى. ويفيد كلام ابن جني هنا أن النظير يحتاج إليه إذا لم يقم الدليل؛ فلفظ "عِزْوِيت" ومعناه: القصير، أو هو اسم موضع لا دليل فيه على أن واوه وتاءه حرفان أصليان؛ فربما يكونان أصليين وربما يكونان زائدين، ويختلف وزنه باختلاف القول بأصالتهما وزيادتهما؛ فيحتمل أن يكون على وزن "فِعويل" وأن يكون على وزن "فِعليت"، والوزن الأول -فعويل- لا نظير له، والثاني -فعليت- له نظير نحو: عفريت ونفريت؛ فصح أن القول بأنه على وزن "فعليت" هو القول المرضي لوجود نظائره.

стр. 271

وإذ قد انتهينا إلى معرفة أن النظير يحتاج إليه إذا لم يكن هناك دليل؛ فإننا نشير إلى أن النحويين قد احتجوا كثيرًا بعدم النظير، وردوا ما لا نظير له في الكلام، والأمثلة على ذلك في النحو والصرف كثيرة جدًّا، نذكر منها ما يلي: أولًا: ما استدل به المازني ردًّا على من زعم أن السين و"سوف" ترفعان الفعل المضارع؛ فقد رد المازني هذا القول بأنه لا يوجد في العربية عامل في الفعل تدخل عليه اللام، وقد دخلت اللام على "سوف" في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (الضحى: ٥) فالقول بعمل "سوف" يفضي إلى عدم النظير. ثانيًا: احتج به أبو عليٍّ الفارسي على من قال: إن النون في "شيطان" زائدة، واستدل على أن لفظ "شيطان" على وزن "فَيْعالٍ"، مثل لفظ: "بَيْطارٍ" وليس على وزن "فعلان" اعتمادًا على ما حكاه سيبويه عن العرب من قولهم: شيطنته فتشيْطن؛ فلو كان من شاط يشيط؛ لكان شيطنته فتشيطن: فعلنته فتفعلن، ولا نعلم هذا الوزن جاء في كلامهم؛ مما يدلك على أنه على فَيْعلته مثل بَيْطرته. ووجه الاستدلال بما ذكره أبو علي أنه استدل على أصالة النون في لفظ "شيطان" بما حكاه سيبويه عن العرب من قولهم: "تشيطن" وهو على وزن "تفيعل" لا "تفعلن"؛ إذ ليس من أبنيتهم -أعني: من أوزانهم-: تفعلن؛ فالنون هي لام الكلمة؛ فحمل أبو علي لفظ تشيْطن على ما له نظير نحو: تدهقن، أي: صار دهقانًا، وهو -أي: الدهقان-: رئيس القرية أو الكثير المال، ولم يحمله على ما لا نظير له في كلامهم. ثالثًا: احتج به ابن جني على رد قول المازني: إن الواو في "حيوان" أصلية وغير منقبلة عن ياء، ورد عليه بأن ما عينه ياء ولامه واو غير موجود في الكلام ولا نظير له، وذكر أن ما أجازه المازني مخالف للخليل وسيبويه؛ لأنهما يريان أن

стр. 272

أصل حيوان: "حييان"، بياءين؛ فقلبت الياء الواقعة لامًا واوًا استكراهًا لتوالي ياءين، ولا نعرف في الكلام ما عينه ياء ولامه واو؛ فذلك لا نظير له؛ فلا بد أن تكون الواو بدلًا من ياء. رابعًا: احتج به أبو علي الشَّلَوبين على رد قول من قال: إن الواو والألف والياء في الأسماء الستة علامات إعراب؛ لأن قوله يؤدي إلى عدم النظير، وأوضح بأنا إذا قلنا بذلك في "فوك وذو مال" كان كل واحد منهما اسمًا معربًا على حرف واحد، وهذا لا نظير له في الأسماء المبنية إلا في الضمائر المتصلة بها؛ فما ظنك به في الأسماء المعربة؟!. خامسًا: احتج به الأنباري على رد مذهب الكوفيين في إعراب الأسماء الستة وتأييد مذهب البصريين؛ إذ ذهب البصريون إلى أنها معربة من مكان واحد، والواو والألف والياء هي حروف الإعراب، وذهب الكوفيون إلى أنها معربة من مكانين، وأيد الأنباري مذهب البصريين بأن له نظيرًا لأن كل معرب في كلامهم ليس له إلا إعراب واحد؛ كما رد مذهب الكوفيين بأنهم ذهبوا إلى ما لا نظير له في كلامهم؛ فإنه ليس في كلامهم معرب له إعرابان، والمصير إلى ما له نظير أولى من المصير إلى ما لا نظير له. سادسًا: احتج به ابن مالك على رد مذهب الزجاج والسيرافي في فتحة: "لا رجلَ وشبهِه"، فقد ذهب الزجاج والسيرافي إلى أن هذه الفتحة فتحة إعراب وأن التنوين حذف منها تخفيفًا ولشبهه بالمركب، ورده ابن مالك بأنه يستلزم مخالفة النظائر؛ لأن الاستقراء قد أطلعنا على أن حذف التنوين من الأسماء المتمكنة لا يكون إلا لمنع صرف، أو للإضافة، أو لدخول الألف واللام، أو لكونه في علم موصوف بابن مضاف إلى علم، أو لملاقاة ساكن، أو لوقف، أو لبناء، واسم لا النافية للجنس ليس واحدًا مما سبق.

стр. 273

سابعًا: احتج به أبو حيان على رد مذهب الفراء في باب التنازع، هذا المذهب القائل: إذا استوى العاملان في طلب المرفوع فالعمل لهما، وذلك نحو: قام وقعد زيد، ويحسن ويسيء ابناك؛ فهو يرى أن العاملين في كل جملة من الجملتين السابقتين ونحوهما كالعامل الواحد؛ لأن مطلوبهما واحد؛ فرد ذلك أبو حيان بأنه يؤدي إلى عدم النظير؛ إذ لا يجتمع عاملان على معمول واحد إلا في التقدير نحو: "ليس زيد بجبان"، يعني: لا يجوز أن يجتمع عاملان على معمول واحد في اللفظ وإن توجها إليه في المعنى؛ لأن العوامل كالمؤثرات، ولا يجوز اجتماع مؤثرين في محل واحد. فهذه سبعة أمثلة تدل على عناية العلماء بالنظير واحتجاجهم بعدم النظير. الاستحسان إن الاستحسان -في أصله- مصطلح من مصطلحات الفقه وأصوله، وهو أحد الأدلة المختلف فيها عند الفقهاء، وكما اختلف الفقهاء في الأخذ به اختلف النحويون أيضًا في الأخذ به على قولين: الأول: عدم الأخذ بالاستحسان؛ لأن في الأخذ به تركًا للقياس ومخالفة له. والثاني: جواز الأخذ به. وقد حكى القولين أبو البركات الأنباري فقال: في (لمع الأدلة): "اعلم أن العلماء اختلفوا في الأخذ به: فذهب بعضهم إلى أنه غير مأخوذ به لما فيه من التحكم وترك القياس، وذهب بعضهم إلى أنه مأخوذ به، واختلفوا فيه فمنهم من قال: هو ترك قياس الأصول لدليل، ومنهم من قال: هو تخصيص العلة" انتهى.

стр. 274

ومعنى ما ذكره أبو البركات الأنباري: أن القائلين بجواز الأخذ بالاستحسان قد اختلفوا في حقيقته، فذهب بعضهم إلى أن المراد به هو أن يُترك الأصل إلى غيره لدليل. وقد ذكر الأنباري أن من أمثلة ترك قياس الأصول مذهب من ذهب إلى أن رافع الفعل المضارع عند تجرده من الناصب والجازم هو حرف المضارعة الزائد في أوله، يعني: أن القائل بذلك قد ترك قياس الأصول؛ لأن حرف المضارعة صار جزءًا من الفعل، والأصول تدل على أن يكون العامل غير المعمول وألا يكون جزءًا منه؛ لأن جزء الشيء لا يعمل فيه، وقد نسب هذا الرأي للكسائي، وقد ترك قياس الأصول لدليل اعتمد عليه، وهو ملازمة هذه الأحرف للمضارع في الأحوال الثلاثة؛ ولم تعمل مع عاملي النصب والجزم لقوتهما عنها. وذهب بعضهم إلى أن المراد بالاستحسان، هو: تخصيص العلة، ومعنى تخصيص العلة: عدم اطِّرادها، ومثال تخصيص العلة: ما جاء في جمع أرض جمع مذكر سالمًا بالواو والنون رفعًا، والياء والنون نصبًا وجرًّا مع أنها ليست علمًا لمذكر ولا صفة له؛ فقد فقدت شروط جمع المذكر السالم لأنها اسم جنس جامد مؤنث؛ وإنما جمعت هذا الجمع؛ فقيل: أرَضون؛ عوضًا من حذف تاء التأنيث؛ لأن الأصل أن يقال في أرض: أرضة؛ بالهاء الدالة على التأنيث؛ لأنها علامة لفظية؛ فهي أصل لتقديرها؛ فلما حذفت التاء في اللفظ مع بقاء معناها جمعت بالواو والنون عوضًا من التاء المحذوفة. ونلحظ أن هذه العلة غير مطردة؛ فالعرب قد خصصوا هذه اللفظة بجمعها جمع مذكر سالمًا، ولم يسمع ذلك في نظائرها من كل اسم مؤنث حذفت منه تاء التأنيث، نحو: شمس، وقِدر، ودار؛ فإن الأصل في هذه الكلمات الثلاث:

стр. 275

شمسة، وقدرة، ودارة، ولا يجوز أن تجمع بالواو والنون؛ فلا يقال: شمسون، ولا قدرون، ولا دارون؛ لأن هذا الباب سماعي يقتصر فيه على ما ورد ولا يتعداه إلى غيره. كما نلحظ أن الاستحسان لا يكون إلا عن دليل؛ لأن فيه عدولًا عن القياس ولا يعدل عن القياس إلا بدليل؛ ولذلك نعى الأنباري على من أجاز الاستحسان بلا دليل، وذكر أن القائل بذلك لا يلتفت إلى قوله ولا يعوَّل عليه، وأن ما حكي عن بعضهم من أن الاستحسان هو ما يستحسنه الإنسان من غير دليل فليس عليه تعويل. وبعد أن عرضنا مذهبي العلماء في الاستحسان نشير إلى أن ابن جني كان ممن يأخذون به وقد أفرد له في (الخصائص) بابًا عنوانه: باب في الاستحسان، وبيَّن ابن جني في مقدمة هذا الباب أن علة الاستحسان ضعيفة غير مستحكمة إلا أن فيه ضربًا من الاتساع والتصرف، ومع ضعف علته؛ فإن ابن جني ساق كثيرًا من الأمثلة مستدلًّا عليها بالاستحسان؛ وعليه اعتمد السيوطي فنقل في كتابه (الاقتراح) بعض هذه الأمثلة وأعرض عن بعض؛ كما نقل مثالًا عن صاحب (البديع). ونحن نذكر هنا جميع ما نقله السيوطي في (الاقتراح) ثم نتبعه بمثال مما ذكره ابن جني في (الخصائص) ولم يذكره السيوطي: المثال الأول: ترك الأخف إلى الأثقل من غير ضرورة؛ كقلب الياء واوًا في نحو: الفتوى، والتقوى؛ فإن الأصل فيهما وفي نحوهما: أن يكون بالياء بأن يقال: فتيا، وتقيا؛ لأن الكلمة الأولى من فتى يفتي، والثانية من وقى يقي؛ ولكن

стр. 276

العرب قد خالفوا هذا الأصل؛ فقلبوا الياء فيهما واوًا من غير علة قوية توجب قلب الياء؛ لأنه يمكن بقاؤها على حالها من غير مخالفة شيء من الأصول؛ وإنما انقلبوا استحسانًا للقلب وإيماءً للفرق بين الاسم والصفة؛ وخصوا الاسم بالإعلال لأنه أخف من الصفة فكان أحمل للأثقل. وهذه علة ضعيفة وليست علة معتدة كما قال ابن جني، ووجه ضعفها وعدم اعتدادها: أن الاسم شارك الصفة في أشياء أخرى، ولم يوجب العرب على أنفسهم التفرقة بينهما في جميع ما اشتركا فيه، ومما اشتركا فيه: تكثيرهما على وزن واحد؛ فقد قالوا في تكسير حسن: حسان؛ كما قالوا في تكسير جبل: جبال، فوزن جمع الاسم وجمع الصفة واحد -وهو فِعال- وقالوا في تكسير غفور: غُفُر، كما قالوا في تكسير عمود: عُمُد؛ فلم يختلف وزن الاسم عن وزن الصفة، ومعنى ذلك: أن علة الفرق بين الاسم والصفة علة ليست مطردة؛ فدل ذلك على أنها علة ضعيفة غير مستحكمة؛ لأنها لو كانت مستحكمة لاطَّردت في جميع المواضع. والمثال الثاني: التنبيه على أن أصل الباب في نحو: ﴿اسْتَحْوَذَ﴾، من قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ (المجادلة: ١٩)، و"أطْوَلْتَ" من قول الشاعر: صددت فأطْوَلْتَ الصدود وقَلَّما ... وصالٌ على طول الصدود يدوم ومطيبة من قولهم: هو مطيبة للنفس. فقد وجد في هذه الألفاظ الثلاثة ما يقضي بإعلالها فيقال: استحاذ، وأطلت، ومطاب؛ ولكن بقيت الواو في الأولين والياء في الأخيرة بحالها، مع قيام مقتضى الإعلال استحسانًا؛ تنبيهًا على أن الألف في نحو قولنا: استقام، أصله الواو وعلى أن أصل نحو: مقامة، هو مقومة.

стр. 277

والمثال الثالث: بقاء الحكم مع زوال علته؛ فالأصل أن الحكم مرهون بعلته؛ فإن زالت العلة زال الحكم إلا أن يكون في الكلام استحسان؛ فتزول العلة ويبقى الحكم؛ كما في قول الشاعر: حمًى لا يُحِل الدهر إلا بإذننا ... ولا نسأل الأقوام عقدَ المياثق فإن "المياثق" جمع مفرده: ميثاق، والأصل فيه: موثاق، وقد وقعت الواو ساكنة بعد كسرة فقلبت ياء، وقيل: ميثاق، ويجمع على مواثق؛ برد الواو إلى أصلها؛ لأن العلة التي أوجبت قلبها في المفرد قد زالت، وهي: كسر ما قبلها مع سكونها؛ لكن استحسن هذا الشاعر ومن تابعه إبقاء القلب مع زوال العلة؛ فقال في جمعه: "مياثق" بإبقاء القلب، والذي حسَّن بقاء القلب: هو أن الجمع غالبًا تابع لمفرده إعلالًا وتصحيحًا؛ فلما أعل المفرد بقلب الواو ياء وقيل: "ميثاق"؛ أعل الشاعر الجمع تبعًا لمفرده استحسانًا، لا عن علة قوية مستحكمة. والمثال الرابع: صرف الممنوع من الصرف إذا كان ثلاثيًّا ساكن الوسط نحو: هند، ونوح؛ فالقياس في هذين الاسمين: المنع من الصرف؛ فيمنع الأول من الصرف للعلمية والتأنيث، ويمنع الثاني من الصرف للعلمية والعجمة؛ ولكن هذا القياس قد خولف؛ فصرف هذان الاسمان ونحوهما تخفيفًا؛ فعلة الصرف الاستحسان مع قيام علة المنع، والخفة علة للاستحسان. المثال الخامس: إلحاق نون التوكيد اسم الفاعل: فالأصل في نون التوكيد أن تلحق الفعل المضارع، وقد لحقت اسم الفاعل في قول الراجز: أريتَ إن جئتُ به أُملودا ... مُرَجَّلًا ويلبس البرودا أقائلنَّ أحضروا الشهودا

стр. 278

فقد لحقت نون التوكيد اسم الفاعل: "أقائلن" تشبيهًا له بالفعل المضارع؛ قال ابن جني: فهذا استحسان لا عن قوة علة ولا عن استمرار عادة؛ ألا تراك لا تقول: أقائمن يا زيدون، ولا أمنطلقن يا رجال؟! إنما تقوله بحيث سمعته وتعتذر له وتنسبه إلى أنه استحسان منهم على ضعف منه واحتمال للشبهة له. الدليلُ الْمُسَمَّى بالباقي إن المراد به بقاء الدليل على حكمه الأصلي في جانب معين، بعد ما خولفت الجوانب الأخرى لعلة اقتضت ذلك: ومن أمثلة ذلك: أن الأصل في الفعل أن يكون مبنيًّا لعدم وجود علة تقتضي الإعراب، وقد خولف هذا الدليل في دخول الرفع والنصب الفعل المضارع؛ لأن هناك علة اقتضت ذلك، وهي: مشابهة المضارع اسم الفاعل؛ ولكن بقي الجر؛ فلم يجز أن يدخل المضارع؛ فكان الجر هو الدليل الباقي على أن الأصل عدم دخول الإعراب على الفعل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 279

الدرس: ٢٠ التعارض والترجيح

стр. 280

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس العشرون (التعارض والترجيح) المراد من التعارض والترجيح الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: الجزء الأول من جزأي الباب السادس من أبواب كتاب (الاقتراح)، والذي عقده السيوطي للحديث عن: التعارض، والترجيح: قبل أن نذكر المراد منهما نقول: إن التعارض والترجيح مصطلحان من مصطلحات أصول الفقه ولم يذكر السيوطي في كتابه (الاقتراح) التعريف بهما. و"التعارض" في اللغة مصدر الفعل تعارض؛ إذ يقال: تعارض الشيئان، إذا عارض كل منهما الآخر وقابله، ويعرفه علماء أصول الفقه بأنه: تقابل الدليلين المتساويين على سبيل التمانع، بمعنى: أن يقتضي كل دليل منهما حكمًا يخالف ما يقتضيه الدليل الآخر. و"الترجيح" في اللغة وهو مصدر الفعل رجح، ويعرفه الأصوليون بأنه: إظهار زيادة أحد المتماثلين على الآخر، بمعنى: أن يكون في أحد الدليلين المتماثلين زيادة ترجح ما يقتضيه هذا الدليل على ما يقتضيه الدليل الآخر. والمراد به عند النحاة: وقوع الرجحان بين الأدلة المتعارضة. وحديث علماء أصول النحو عن التعارض والترجيح أثر من آثار أصول الفقه؛ لأن الأصوليين من الفقهاء قد عنوا بالترجيح بين الأدلة التي يظن بينها التعارض؛ كما عني الأصوليون من النحاة بالترجيح بين الأدلة المتعارضة في النحو؛ غير أن هناك فرقًا بين التعارض في أدلة الشرع والتعارض في أدلة النحو؛ إذ ليس هناك تعارض حقيقي بين الأدلة الشرعية؛ لأن التعارض بين الأدلة

стр. 281

الشرعية -كما يقول أحد المعاصرين- جمع بين متناقضيْن، وهو محال على الشارع الحكيم المحيط علمه بكل شيء؛ لأنه أمارة العجز، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. وإنما المراد: التعارض الظاهري في نظر المجتهد المستنبط للأحكام من أدلتها قبل معرفة الناسخ والمنسوخ من الدليل، أو قبل أن يظهر له رجحان أحدهما على الآخر أو إمكان الجمع بينهما؛ فهو يحكم في بادئ الأمر بالتعارض قبل البحث، وبعد بحثه وتأمله يزول هذا التعارض. أما أدلة النحو؛ فيجوز أن يوجد بينها تعارض حقيقي؛ إذ إن أحد الأدلة يثبت حكمًا وينفيه الآخر، وحينئذ يكون الترجيح بين الأدلة المتعارضة، هذا وارد في النحو. وإذا عرفنا أن مبحث التعارض والترجيح منقول من أصول الفقه إلى أصول النحو مع الفارق الذي بيَّنَّاه؛ فإننا نشير إلى أن ابن جني قد أفرد في كتابه (الخصائص) بابًا عنوانه: باب في تعارض السماع والقياس؛ كما أشار إلى تحكيم القياس في الترجيح بين السماعين إذا تعارضا، وعقد الأنباري في كتابه (الإغراب في جدل الإعراب) فصلًا عنوانه: في ترجيح الأدلة؛ كما عقد في كتابه (لمع الأدلة) ثلاثة فصول: أولها: في المعارضة، وثانيها: في معارضة النقل بالنقل، وثالثها: في معارضة القياس بالقياس. ثم جاء السيوطي فجمع ما ذكره ابن جني وما ذكره الأنباري، وزاد عليهما فصولًا؛ فجعل التعارض والترجيح في ست عشرة مسألة. وبتأمل هذه المسائل التي ذكرها السيوطي في (الاقتراح) نلحظ أن بعض هذه المسائل يندرج تحت تعارض الأدلة النحوية، مثل: التعارض بين سماعين،

стр. 282

والتعارض بين قياسين، والتعارض بين السماع والقياس؛ فهذه المسائل تتناول التعارض بين أدلة النحو وأصوله؛ إذ إن السماع والقياس من أدلة النحو الغالبة؛ كما أن بعض هذه المسائل ليس من تعارض الأدلة النحوية؛ كالتعارض بين ارتكاب ضعيف وارتكاب لغة شاذة، وتعارض القولين لعالم واحد، وما رجحت به لغة قريش على غيرها من لغات العرب، والترجيح بين البصريين والكوفيين ... وغيرها؛ فهذه المسائل ليست من تعارض الأدلة. تعارض نقلين إن التعارض بين نقلين هو المسألة الأولى من مسائل التعارض والترجيح، والمراد به: أن يدل دليل من السماع على حكم ويدل دليل آخر على خلافه، وقد نقل السيوطي هذه المسألة عن الأنباري الذي قال في (لمع الأدلة): "اعلم أنه إذا تعارض نقلان أُخِذ بأرجحهما، والترجيح يكون في شيئين: أحدهما: الإسناد، والآخر: المتن؛ فأما الترجيح في الإسناد؛ فأن يكون رواة أحدهما أكثر من الآخر، أو أعلم وأحفظ؛ وأما الترجيح في المتن؛ فأن يكون أحد النقلين على وفق القياس، والآخر على خلاف القياس" انتهى. ومعنى ما ذكره الأنباري ونقله السيوطي عنه: أنه قد يرد في كلام العرب دليل نقلي يدل على حكم من الأحكام النحوية ثم يرد دليل آخر يقتضي خلاف ما دل عليه الدليل الأول، وإذا وقع مثل ذلك كان هناك سبيلان للترجيح بين هذين الدليلين المتعارضين: أحدهما: أن يكون الترجيح بالإسناد. والآخر: أن يكون الترجيح بالمتن.

стр. 283

ومعنى الترجيح بالإسناد: أن يكون رواة أحد الدليلين أكثر أو أعلم أو أحفظ من رواة الدليل الآخر؛ فيكون الدليل الذي كثر رواته أو سلموا من الطعن أولى بالقبول من الدليل الذي قل رواته أو لم يسلموا من الطعن فيهم. ومثال الدليلين المتعارضين اللذيْن رجح الإسناد أحدهما وضعف الآخر: قول الشاعر: اسمع حديثًا كما يومًا تحدِّثُه ... عن ظهر غيب إذا ما سائل سأل فقد روي قوله: "تحدِّثُه" بروايتين: "تحدِّثُه" و"تحدِّثَه" -بالرفع والنصب- فاستدل الكوفيون برواية النصب على أن "كما" تأتي بمعنى: "كيما"، ويكون المضارع بعدها منصوبًا، وذهب البصريون إلى أن "كما" لا تكون بمعنى: "كيما"، ولا يجوز نصب المضارع بعدها، وحجتهم في ذلك: أن رواية النصب في "تحدِّثُه" لم يذكرها إلا المفضل الضبي وحده، وقد أجمع الرواة من البصريين والكوفيين على رواية الرفع: "تحدِّثُه"، فلما كان رواة الرفع أكثر وأعلم وأحفظ؛ كانت روايتهم راجحة على رواية من روى البيت بالنصب؛ وبذلك يكون الإسناد هو الذي رجح أحد النقلين على الآخر. ومعنى الترجيح بالمتن: أن يكون أحد النقلين موافقًا للقياس ويكون النقل الآخر مخالفًا له؛ فيكون الدليل الذي جاء موافقًا للقياس أولى بالقبول وأحق بالترجيح. ومثاله قول الشاعر: ألا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوغى ... وأن أشهدَ اللذاتِ هل أنت مخلِدي فقد روي قوله: "أحضر" بروايتين: "أحضرُ" و"أحضرَ" بالرفع والنصب، واستدل الكوفيون برواية النصب على أن الأصل: أن أحضرَ؛ فدل هذا على جواز إعمال "أنْ" محذوفة في غير مواضع حذفها المقررة في علم العربية؛ ومنع ذلك البصريون إذ إن "أنْ" لا يجوز إعمالها عندهم محذوفة في غير مواضع حذفها،

стр. 284

وردوا قول الكوفيين بقولهم: إن رواية الرفع جاءت موافقة للقياس، ووجه موافقتها له: أن "أنْ" من عوامل الفعل وهي ضعيفة؛ فينبغي ألا تعمل من غير عوض، ويدل على ضعفها أنَّ من العرب من يهملها مظهرة ويرفع "ما" بعدها تشبيهًا لها بـ"ما" المصدرية؛ كما جاء في قراءة ابن محيصن: "لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ" (البقرة: ٢٣٣) برفع "يُتِمُّ"؛ ولما كانت "أنْ" ضعيفة عن العمل كان القياس ألا تعمل وهي محذوفة، وعلى القياس جاءت رواية الرفع في قول الشاعر: "أحضر الوغى"، ولما كان القياس يقتضي ألا تعمل "أنْ" وهي محذوفة كانت رواية الرفع أولى وأرجح من رواية النصب في قول الشاعر: ألَا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوغى ... .................................. ... البيت، ونلحظ على هذا المثال أن السيوطي قد نقله من (لمع الأدلة) لأبي البركات الأنباري، وقد سبق إلى الترجيح بالمتن ابن جني في كتابه (الخصائص)؛ إذ ذكر أن القياس يكون حكمًا بين النقلين المتعارضين، وذلك في مسألة تقديم التمييز على عامله المتصرف؛ فقد اختلف النحويون في تقدم التمييز على عامله المتصرف؛ فذهب فريق من النحويين إلى جوازه؛ فأجازوا أن يقال مثلًا: عرقًا تصببتُ؛ مستدلين في إحدى روايتي هذا البيت: أتهجر ليلى بالفراق حبيبَها ... وما كان نفسًا بالفراق تطيب فقد روي البيت بنصب "نفسًا" على التمييز فتقدم التمييز "نفسًا" على عامله المتصرف "تطيب"، ومنع فريق من النحويين أن يتقدم التمييز، وذكروا أن هذه الرواية تقابلها رواية أخرى، وهي: وما كان نفسي بالفراق تطيب برفع نفسي لأنها اسم كان وتطيب خبرها، كأنه قال: وما كان نفسي طيبة؛ فتعارض نقلان، وقد منع ابن جني تقديم التمييز على عامله المتصرف، ورجح رواية الرفع على رواية النصب؛ وكان القياس هو المرجح لأن التمييز فاعل في المعنى، ولا يجوز تقديم الفاعل على الفعل؛ فكذلك التمييز.

стр. 285

قال ابن جني ﵀: ومما يقبح تقديمه الاسم المميز وإن كان الناصبه فعلًا متصرفًا؛ فلا نجيز: شحمًا تفقَّأتُ، ولا عرقًا تصببتُ، وأما ما أنشده أبو عثمان وتلاه فيه أبو العباس من قول المخبل: أتهجر ليلى بالفراق حبيبَها ... وما كان نفسًا بالفراق تطيب فتقابله برواية الزجاجي وإسماعيل بن نصر وأبي إسحاق أيضًا: وما كان نفسي بالفراق تطيب؛ فرواية برواية والقياس من بعد حاكم ... انتهى. وأوضح ابن جني أن التمييز في البيت المذكور في الأصل هو الفاعل في المعنى؛ فأصل الكلام: تصبب عرقي، وتفقأ شحمي، ثم حول الإسناد عن الفاعل الواقع مضافًا إلى ياء المتكلم إلى المضاف إليه، أي: إلى ياء المتكلم؛ فحوِّلت إلى ضمير رفع لوقوعها فاعلًا؛ فحصل في الإسناد إلى هذا الضمير إبهام؛ فجيء بالمضاف الذي كان فاعلًا وجعل تمييزًا، ويقال عنه: إنه تمييز محول عن الفاعل؛ فكما لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل؛ فكذلك لا يجوز تقديم المميز؛ إذ كان هو الفاعل في المعنى على الفعل. ترجيحُ لغةٍ على أُخرى لقد أفرد ابن جني بابًا في كتابه (الخصائص) عنوانه: باب اختلاف اللغات وكلها حجة، وعليه عوَّل السيوطي في هذه المسألة؛ فقد أجاز ابن جني فيه الاحتجاج بجميع لغات العرب، وليس المراد جميع ما نطق العرب به؛ بل المراد باللغات لغات القبائل التي يؤخذ عنها يؤخذ عنها ويعتد بفصاحتها؛ إذ إن علماء العربية لم يأخذوا عن جميع القبائل؛ وإنما أخذوا عن بعضها وأعرضوا عن بعض؛ فأخذوا عن القبائل التي سلم أهلها من الاختلاط بالأعاجم وأعرضوا عن
следующие страницы →