Полный текст (308 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
والشواهد التي ذكرها ابن جني، ليدل بها على معنى المطرد والشاذ. وكما نقل السيوطي عن ابن جني معنى المطرد ومعنى الشاذ نقل عنه أيضًا تقسيم الاطراد والشذوذ أربعة أضرب، وهي: مطرد في القياس والاستعمال معًا، ومطرد في القياس شاذ في الاستعمال، ومطرد في الاستعمال شاذ في القياس، وشاذ في القياس والاستعمال معًا.
والحق أن ابن جني فيما ذكره من تقسيم الاطراد والشذوذ كان متأثرًا بشيخه أبي علي الفارسي؛ إذ أفرد في كتابه (المسائل العسكرية) بابًا لمعرفة ما كان شاذًّا في كلامهم، لكنه ذكر فيه أن الشَّاذّ في العربية على ثلاثة أضرب: شاذ عن الاستعمال مطرد في القياس، ومطرد في الاستعمال شاذ عن القياس، وشاذ عنهما.
ولم يذكر أبو علي ما كان مطردًا في القياس والاستعمال معًا؛ لأنه جعل الباب خاصًّا بما كان شاذ في كلامهم، ولأن المطرد في القياس والاستعمال هو الأصل والغالب. والمراد بالقياس: ما ذكره أهل الصناعة النحوية، والمراد بالاستعمال: ما ورد عن العرب الموثوق بعربيتهم وفصاحتهم.
تقسيم المطرد والشاذ: أما القسم الأول منه وهو المطرد في القياس والاستعمال معًا، فهو الغاية المطلوبة والنهاية المرغوب فيها من علم العربية؛ لأنها توافق ما سُمع عن العرب، كما توافق قياس علماء العربية الذي بُني على السماع كرفع الفاعل ونصب المفعول، وجر المضاف إليه، ونحو ذلك، فإن ورد في كلام العرب ما خالف القياس والسماع؛ حُكم بإهدار ذلك المسموع لضعفه كقول العرب: "خرق الثوب المسمار" برفع المفعول ونصب الفاعل.
стр. 72
وأما القسم الثاني: وهو المطرد في القياس والشاذ في الاستعمال: فالمراد به ما كان موافقًا لمقاييس العربية، ولكن السماع لم يردْ به، أو وَرَد السماع به على قلة، وله أمثلة متعدِّدة:
المثال الأول: الفعلان: وَذَر، وَوَدَع، فإنهما ماضيان من يَذَر ويدع، والقياس لا يمنع منه؛ لأن كل مضارع يستعمل منه ماضٍ إلا هذين الفعلين؛ فقد شذَّا عن نظائرهما، وانفردا عن بابيهما وغيرهما من الأفعال يأتي منه الماضي نحو: يرث فالماضي منه ورث، ويزن فالماضي منه وزن، ولكن العرب لم تستعمل الماضي من يذر ويدع؛ استغناء عنه بترك، يقول سيبويه في (الكتاب): "وأما استغناؤهم بالشيء عن الشيء، فإن هم يقولون: يدع، ولا يقولون: ودع، استغنوا عنها بترك"، ويقول في موضع آخر: "يدع ويذر على ودعت ووذرت وإن لم يُستعمل"، ويقول في موضع ثالث: "يقال: يذر ويدع، ولا يُستعمل "فعل" أي: لا يُستعمل الماضي منهما، فصار قول الذي يقول: "ودع" شاذًّا عن الاستعمال، ولا يُخرجه عن شذوذه أنه ورد في قراءة: "ما وَدَعَكَ ربك وما قلى" (الضحى: ٣) لأنها قراءة شاذة، كما لا يخرجه عن شذوذه أنه ورد في قول رسول الله ﷺ : ((اتركوا الترك ما تركوكم وذروا الحبشة ما وذروكم))؛ لأن الماضي قد ورد في هذا الحديث للمشاكلة".
المثال الثاني: قول العرب: مكان مبقل، فمبقل اسم فاعل من الفعل الرباعي "أبقل"، وهذا ما يقتضيه القياس؛ إذ إن اسم الفاعل من غير الثلاثي كما نعلم يكون بقلب حرف المضارعة ميمًا مضمومة وكسر ما قبل الآخر، ولكن كثر في الاستعمال قولهم: مكان باقل، فقد نقل ابن منظور عن الأصمعي قوله: "أبقل المكان فهو باقل من نبات البقل، وأورث الشجر فهو وارث إذا أورق" (لسان العرب) مادة: بقل،
стр. 73
فباقل أكثر استعمالًا من مُبقل، ومُبقل أقيس، ولكنه شاذٌّ في الاستعمال، وقد سُمع أيضًا في قول القائل:
أعاشني بعدك وادٍ مبقل ... ..........................
المثال الثالث: مجيء خبر كاد وأخواتها اسمًا صريحًا، فيقال: كاد زيد قائمًا، عسى عمرو راجعًا، فهذا هو القياس المطرد، لكنه قد شذَّ في الاستعمال مجيء الخبر اسمًا صريحًا، وكثر مجيئه جملة فعلية فعلها مضارع كقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (البقرة: ٢١٦) والأول مسموع، ومنه قول رؤبة:
أكثرت في العزل ملحًّا دائمًا ... لا تكثرنَّ إني عسيتُ صائمًا
وقولهم في المثل عسى الغوير أبؤسًا، فجاء خبر عسى اسمًا صريحًا، ولكنه قليل. وقد بيَّن ابن جني حكم هذا النوع فقال: "إن كان الشيء شاذًّا في السماع مطردًا في القياس تحاميت ما تحامت العرب من ذلك، وجريت في نظيره على الواجب في أمثاله، ومعناه الامتناع من قول ما لم تقله العرب، واستعمال نظيره وإن لم يسمعه المتكلم".
وأما القسم الثالث -وهو المطرد في الاستعمال الشاذ في القياس- فالمراد به: ما استعمل كثيرًا في فصيح الكلام، وهو مخالف لأقيسة علماء العربية ومن أمثلته:
المثال الأول: تصحيح العين في المعتلّ في نحو قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ (المجادلة: ١٩) ونحو قولهم: استنوق الجمل، وقولهم استصوبت الأمر؛ فالقياس في الأفعال استحوذ، واستنوق، واستصوب أن تُنقل حركة العين المعتلة إلى الساكن الصحيح قبلها، ثم تُقلب الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فيقال: استحاذ، واستناق الجمل، واستصاب الأمر، كما يقال: استقام، والأصل: استقوم، هذا هو القياس، ولكن جاء السماع المطرد بخلافه.
стр. 74
المثال الثاني: فتح العين من المضارع "يأبى" في نحو قوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ (التوبة: ٣٢) فإن القياس كسر العين؛ لأن الماضي إذا كان يائيّ اللام كان مضارعه على زنة "يفعل" بكسر العين، نحو: جرى يجري، وأوى يأوي، وثوى يثوي ونحوها. هذا هو القياس، وقد جاء السماع المطرد بخلافه، وحكم هذا النوع وجوب اتباع السمع الوارد به فيه نفسه، لكنه لا يُتَّخذ أصلًا يقاس عليه غيره؛ فلا يتجاوز المتكلم ما ورد السمع به.
وأما القسم الرابع -وهو الشاذ في القياس والسماع معًا- فالمراد به: ما كان مخالفًا للمسموع من أشباهه ونظائره، ومخالفًا لأقيسة علماء العربية، ومن أمثلته: تتميم ما عينه واو عند تميم في صيغة "مفعول" كقولهم: ثوب مصوون، وفرس مقوود، ورجل معوود من مرضه، فهذا شاذٌّ في القياس؛ إذ القياس حذف إحدى الواوين فيقال: مصون ومقود، كما قيل: مزور ومصوغ، وشاذّ في الاستعمال أيضًا؛ إذ لم يوجد في كلامهم إلا قليلًا.
وقد بين ابن جني حكم هذا النوع فقال: "لا يسوغ القياس عليه، ولا ردّ غيره إليه، ولا يحسن أيضًا استعماله فيما استعملته فيه -أي: العرب- إلا على وجه الحكاية".
الاستشهاد بأشعار الكفار من العرب
نقل السيوطي عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام، الملقب بسلطان العلماء المتوفى سنة ستين وستمائة من الهجرة قوله: "اعْتُمد في العربية على أشعار العرب، وهم كفار لبعد التدليس فيها" انتهى.
ونلحظ أن العز بن عبد السلام قد قيَّد الاحتجاج بالشعر، وكان الأولى أن يقول: اعتمد في العربية على كلام العرب؛ لأن الشعر العربي ونثرهم في ذلك سواء، وقد اعتذر عنه بعض شُرَّاح (الاقتراح) بأمرين:
стр. 75
الأول: أنه اقتصر على الشعر لأن الشعر هو الأغلب في كلام العرب.
والآخر: أنه إذا كان يُحتجُّ بالشعر، مع كون الشعر محلّ الضرائر والضيق؛ فالاحتجاج بالنثر من باب أولى وأحرى، وإنما جاز الاحتجاج بكلام الكفار من العرب؛ لأن اللغة العربية عندهم سليقة طُبعوا عليها، وهذا هو مراد الشيخ العز بن عبد السلام في قوله: "لبعد التدليس فيها".
ثم ذكر السيوطي أن العدالة شرط في الراوي، وليست شرطًا فيمن يُحتجّ بكلامه من العرب، فقال: "فعلم أن العربي الذي يُحتج بقوله لا يشترط فيه العدالة، نعم تشترط -أي: العدالة- في راوي ذلك" انتهى.
فهناك إذًا فرق بين قائل الكلام وراوي الكلام من حيث اشتراط العدالة، وعدم اشتراطها. أما قائل الكلام فلا تُشترط العدالة فيه لماذا؟ لأنه ينطق على سجيَّته، وقد احتجُّوا بكلام الصبيان والمجانين، وأثبتوا به القواعد والكلمات. وأما الراوي فإن العدالة شرط فيه؛ لأنه ناقل كلام غيره، والعدالة أصل في قبول الأخبار. ولما كانت العدالة أصلًا في قبول الأخبار؛ لم يُقبل من الأخبار من انقطع سنده، وهو المرسل، وما لا يُعرف قائله وهو المجهول؛ لأن انقطاع السند والجهل بالناقل يوجبان الجهل بالعدالة.
أحوال الكلام الفرد في الاحتجاج به
إن السيوطي قد لخَّص هذا الموضع من مواضع متفرّقة ذكرها ابن جني في (الخصائص)، وبتأمّل كلام ابن جني نلحظ أن كلمة "الفرد" يُراد بها وصف الكلام حينًا، ويُراد بها وصف المتكلم حينًا آخر، وله أحوال:
الحالة الأولى: أن يكون الفرد صفة للكلام بأن يكون المسموع فردًا ليس له نظير في الألفاظ المسموعة أي: سُمع وحده، ولم يُسمع عن العرب ما يُخالفه، بل
стр. 76
أجمعوا على النطق به، مثال ذلك: قولهم في النسب إلى شنوءة، ومن معانيه المتقزّز مما يُعاب به، يقال في النسب إليه: شنأيٌّ بحذف الواو؛ لأن شنوءة على وزن "فعولة"، فحذفت الواو عند النسب كما حُذفت الياء عند النسب إلى ما كان على وزن "فعيلة"؛ لتساويهما -أي: الواو والياء- في كونهما حرفي مدّ، وفي كونهما بعد عين الكلمة، وفي أن آخر كل وزن منهما تاء التأنيث، وفي أن الوزنين يتواردان فيقال: أثيم وأثوم، ورحيم ورحوم؛ فلما استمرَّت حال فعيلة وفعولة هذا الاستمرار، حذفت الواو من شنوءة كما حُذفت الياء من حنيفة، فأطبق العرب على قولهم "شنأيّ" عند النسب، فلم يُسمع خلافه، كما أن هذا المسموع لم يسمع في غير هذه الكلمة، فكان المسموع فردًا.
وحكم هذا النوع أنه يقبل ويُحتج به ويقاس عليه غيره، وعلة ذلك -كما قال العلامة ابن جني-: "أنه لم يأت فيه شيء ينقضه" أي: لم يأتِ فيه شيء آخر، إذ لم يسمع إلا هو. إذًا تُحذف الواو من كل اسم على وزن "فعولة" فيقال -بناء على هذا- في النسب إلى ركوبة وحلوبة: ركبي وحلبي، وإتمامًا للنفع وإكمالًا للفائدة نشير إلى أنه يُشترط في حذف الواو مما على وزن "فعولة" عند النسب ألا تكون العين معلة أو مضعفة، فإن كانت العين معلة لم تُحذف الواو نحو: قوولة، فيقال عند النسب: قُوُولي، وإن كانت العين مضعفة لم تُحذف الواو نحو: حرورة، فيقال عند النسب: حروريّ ببقاء الواو؛ حملًا على بقاء الياء فيما كان على وزن فعيلة نحو: جليلة، إذ يقال في النسب: جليلي.
الحالة الثانية: أن يكون الفرد صفة للمتكلم، وأن يكون المتكلم به من العرب واحدًا مخالفًا لما عليه الجمهور، ولم يردْ استعمال هذا اللفظ إلا من جهة هذا الإنسان، ولا يمكن الحكم بقبوله أو ردِّه إلا إذا نظرنا في حال هذا المتكلم، ولا يخرج حاله عن أمرين، أي: عن أحد أمرين؛ لأنه إما أن يكون فصيحًا في غير
стр. 77
الموضع الذي خالف فيه الجمهور، أو أن يكون غير ذلك، ولكلٍّ حكم. فإن كان هذا المتكلم فصيحًا في جميع ما قال لم يُؤثر عنه لحن، ولم يُعهد عليه خطأ، وكان الكلام الذي انفرد به مما يقبله القياس اللغوي؛ فحكمه حينئذٍ الحكم بصحته، لقول ابن جني الذي نقله السيوطي: "فإن الأولى في ذلك أن يُحسن الظن به -أي: بالمتكلم- ولا يُحمل على فساده"، وقد يعترض هذا القول متعرض فيقول: إن تفرُّد متكلم واحد بما يُخالف ما عليه جمهور العربي فيه ارتجال لغة لنفسه غير معهودة، ولا يجوز ذلك، فكيف يمكن قبوله. وقد افترض ابن جني هذا الاعتراض، وأجاب عنه بأن تفرُّد متكلم واحد بما يُخالف ما عليه الجمهور ليس ارتجالًا للغة، وإنما يُمكن أن يكون ذلك وقع إليه من لغة قديمة طال عهدها، وعفى رسمها، ولم يصل إلينا مما قالته العرب إلا أقلُّه؛ فقد يكون هذا الفصيح المتفرّد بالكلام قد وصل إليه من لغات العرب ما لم يصل إلى غيره من العرب، وإن كان المتكلم المخالف للجماعة قد عَرف الناس لحنه، وعهدوا منه فساد كلامه؛ فحكمه أن يُردَّ القول الذي تفرد به، وألا يُسمع منه.
يقول ابن جني: "هذا هو الوجه، وعليه ينبغي أن يكون العمل، فإن قيل: ولم لا يكون قوله الذي تفرَّد به منقولًا عن لغة أخرى لم تصل إلى غيره، كما قيل في حال من عُرفت فصاحته؟
أجيب بأن هناك فرقًا بين من عُرفت فصاحته ومن عُرف فساد قوله، فإن من عرفت فصاحته كان حسن الظن به أولى، فقُبل ما تفرَّد به؛ لاحتمال أنه قد وصل إليه من لغة أخرى. أما من عرف فساد قوله فإنه يُحكم بردِّ ما تفرد به؛ لأنا لو فتحنا هذا الباب ما رددنا خطأً أبدًا لمجيء ذلك الاحتمال فيه، ولأن المدار في الخطأ والصواب على الظواهر.
стр. 78
والحالة الثالثة: أن يكون الفرد صفة للمتكلم، وأن يكون المتكلم به من العرب واحدًا، ولا يُسمع من غيره لا ما يُوافقه ولا ما يُخالفه.
فالفرق بين هذه الحالة والتي قبلها أن المتكلم في الحالة السابقة قد خالف ما عليه جمهور العرب، أما المتكلم في هذه الحالة فقد تفرَّد في شيء لم يرد عن العرب لا ما يوافقه ولا ما يخالفه. والحكم عن هذه الحالة متوقف على معرفة المتكلم، فإن كان المتكلم فصيحًا ثبتت فصاحته؛ وجب قبول كلامه ولا يجوز ردُّه.
وقد أفرد ابن جني في كتابه (الخصائص) بابًا في الشيء يُسمع من العربي الفصيح لا يُسمع من غيره؛ فقيد السماع الفرد بأن يكون صادرًا عن عربي فصيح، وذكر من أمثلته: الجبر، ومعناه: الملك، في قوله:
اسلم براوُوق حبيت به ... وانعم صباحًا أيُّها الجبر
ومن أمثلته أيضًا: البابوس، ومعناه: ولد الناقة، في قوله:
حنت قلوصي إلى بابوسها جزعًا ... فما حنينك، أم ما أنت والذِّكَر
بكسر الذال وفتح الكاف جمع ذكرة بكسر فسكون، وهي الذكرى بمعنى التذكر، ومن أمثلته أيضًا: المأنوسة، ومعناه: النار، في وقوله:
كما تطاير عن مأنوسة الشَّرَرُ
فهذه أحرف من الغريب الذي قال عنه الأصمعي فيما نقله ابن جني: "لا أعلم أحدًا أتى بها إلا ابن أحمر الباهلي" انتهى.
وحكم هذا النوع: أنه يجب قبوله لما ثبت من فصاحة ابن أحمر، فيكون الذي تفرَّد به إما أن يكون شيئًا أخذه عمَّن نطق به بلغة قديمة لم يُشارك في سماع ذلك منه، أو شيئًا ارتجله، أي: اخترعه وجاء به من عنده، وليس عجيبًا أن يرتجل الأعربي الفصيح ما لم يُسبق إليه؛ فقد حُكي عن رؤبة وأبيه أنهما كانا يرتجلان
стр. 79
ما لم يسمعاه، أو ما لم يُسبقا إليه، فقبل ما ارتجلاه، ولا يُقبل إلا من فصيح، يقول ابن جني: "لكن لو جاء شيء من ذلك عن ظنين، أو متهم، أو من لم ترقَ به فصاحته، ولا سبقت إلى الأنفس ثقته؛ كان مردودًا غير متقبل" انتهى.
ومعنى ما قاله ابن جني، ونقله السيوطي: هو أن قبول الفرد مقيَّد بفصاحة المتكلم.
ونختم ببيان حكم الكلام الفرد الذي يُخالفه كلام العرب، ويأباه القياس على كلامها، فنقول: نقل السيوطي عن ابن جني قوله: "إن ورد عن بعضهم شيء يدفعه كلام العرب ويأباه القياس على كلامها؛ فإنه لا يُقْنَع في قبوله أن يُسمع من الواحد ولا من العدة القليلة، إلا أن يكثر من ينطق به منهم" انتهى.
ومعنى هذا الكلام: أنه إذا ورد عن بعض المتفردين كلامٌ يُخالف معهود العرب في كلامها، وكان أيضًا مخالفًا لقياس العرب؛ وجب ردُّه، ولم يجز قبوله، فإن كان على قياس كلام العرب قُبل؛ لقول المازني: "ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب"، هذا إذا كان المتكلم واحدًا أو عدة قليلة. أما إذا كثر الناطقون بما خالف قياس العرب في كلامها، فإن الكلام الفرد يكون مقبولًا غير مردود مع ضعفه من جهة القياس، وطريق جوازه أمران:
أحدهما: أن يكون المتكلم به لم يُحكم قياسه.
والآخر: أن يكون المستمع قد قَصُرَ عن استدراك وجه صحته.
وقد ذكر ابن جني: "أنه يُحتمل أن يكون المتفرد قد سمع كلام الفرد من غير فصحاء، ثم دخل غير الفصيح في الفصيح من الكلام، وامتزج به امتزاجًا"، ولكنه ضعَّف هذا الاحتمال بقوله: "إلا أن هذا كأنه متعذِّر، ولا يكاد يقع مثله، وذلك أن الأعرابي الفصيح إذا عُدل به عن لغته الفصيحة إلى أخرى سقيمة عافها ولم يَبْهَأ بها" انتهى.
стр. 80
ونقل السيوطي كلام ابن جني، وغيَّر "يَبْهَأ" إلى "يَعْبَأ"، ونبَّه الأستاذ الدكتور أحمد محمد قاسم محقق (الاقتراح) -طيب الله ثراه- إلى هذا التغيير؛ موضحًا أن عبارة ابن جني معناه: لم يأنس بها، فهي أنسب من عبارة السيوطي.
ونخلص مما سبق إلى أن الفصيح إن تكلَّم بكلام قُبل منه كلامه، ولم يُردَّ عليه، ويُحمل أمره على ما عُرف من حاله وإن خالف القياس مشيًا على الظاهر الذي هو مناط الأحكام، ولذلك قاسه ابن جني على قبول القاضي شهادة من دارت عدالته، وإن كان يجوز أن يكون الأمر عند الله بخلاف ما شهد به؛ لأن القاضي إنما أُمر بحمل الأمور على ما تبدو، وإن كان في المغيب غيره. انتهى.
فإذا لم يجزْ للقاضي أن يشكّ فيمن ظهرت عدالته؛ وجب على متلقي اللغة أيضًا ألا يشكَّ فيمن ظهرت فصاحته؛ لأن الشك لو تسرَّب إليه لأدى ذلك إلى ترك الفصيح.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 81
الدرس: ٧ الاحتجاج باللغات، وامتناع الأخذ عن أهل المدر، وكلام العربي المتنقل، وتداخل اللغات
стр. 82
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع
(الاحتجاج باللغات، وامتناع الأخذ عن أهل المدر، وكلام العربي المتنقل، وتداخل اللغات)
اللغات والاحتجاج بها
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإن علماء العربية لم يأخذوا عن جميع القبائل العربية، وإنما أخذوا عن القبائل التي سَلِمَ أهلها من الاختلاط بالأعاجم، وانحصرت هذه القبائل في ستّ وهي: قيس، وتميم، وأسد، وهذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين.
وقد اختلفت لغات هذه القبائل وتعدَّدت أوجه الاختلاف بينها:
فمنها: أن يكون الاختلاف في الحذف والإثبات، وذلك نحو: استحيت واستتحييت.
ومنها: أن يكون الاختلاف في الإمالة والتفخيم في مثل: قضى ورمى فبعضهم يفخم وبعضهم يُميل.
ومنها: أن يكون الاختلاف في صورة الجمع، فبعضهم يجمع لفظ أسير على أسرى، وبعضهم يجمعه على أُسارى.
ومنها: أن يكون الاختلاف في الإعراب وذلك نحو: ما زيد قائمًا، وبعضهم يقول: ما زيد قائم، برفع الجزأين.
وقد أفرد ابن جني في كتابه (الخصائص) بابًا عنوانه: اختلاف اللغات وكلها حجة، وعليه عوَّل السيوطي في موضعين من كتابه (الاقتراح) أولهما هنا، والآخر في الكتاب السادس من (الاقتراح) المسألة الثانية، والمراد باللغات لغات القبائل المأخوذ عنها والمعتدّ بفصاحتها.
وبتأمّل ما ذكره ابن جني ونقله السيوطي يمكن تقسيم الاختلاف بين لغات العرب قسمين:
стр. 83
أحدهما: أن يكون الاختلاف بين لغتين متقاربتين يقبلهما القياس.
والآخر: أن يكون الاختلاف بين لغتين متباعدتين بأن تكون إحداهما قليلة جدًّا، والأخرى تكون كثيرة جدًّا، ولكلٍّ حكم.
أولًا: الاختلاف بين لغتين متقاربتين:
إن كان الاختلاف بين لغتين متقاربتين، وكان القياس يقبلهما، فقد بيَّن ابن جني الحكم في هذه الحالة فقال: "ليس لك أن تردَّ إحدى اللغتين بصاحبتها؛ لأنها ليست أحق بذلك من رسيلتها، لكن غاية ما لك في ذلك أن تتخيَّر إحداهما فتقويِّها على أختها، وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها، وأشدّ أُنسًا بها. فأما ردُّ إحداهما بالأخرى فلا". ومعنى ما قاله ابن جني: أن اللغتين المتقاربتين اللتين يقبلهما القياس يجب قبولهما، ولا يجوز ردُّ إحداهما بالأخرى مع اختيار واحدة منهما؛ لأنه لا يمكن الجمع بينهما في وقت واحد.
ونسوق هنا مثالين يدلَّان على هذه القاعدة:
المثال الأول: إعمال "ما" وإهمالُها، فللعرب في ذلك مذهبان:
أحدهما: إعمال ما عمل ليس فترفع المبتدأ اسمًا لها، وتنصب الخبر خبرًا لها بشروط، وهي لغة الحجازيين؛ إذ يقولون: ما زيد قائمًا بنصب الخبر، والآخر إهمالها فتدخل على المبتدأ والخبر، فتفيد معنى النفي ولا تعمل شيئًا في المبتدأ والخبر وهي لغة بني تميم؛ إذ يقولون: ما زيد قائم بالرفع، واللغتان يقبلهما القياس؛ فقد عملها الحجازيون حملًا لها على ليس؛ لأن "ما" تشبه ليس في الجمود ونفي الحال، فلما أشبهت "ما" "ليس" عملت عملها فرفعت الاسم ونصبت الخبر. وأهملها بنو تميم فلم تعمل عندهم شيئًا؛ لأنه قد فُقد منها شرط
стр. 84
العمل وهو الاختصاص، إذ تقرر أن غير المختص لا يعمل كحروف الاستفهام، فإنه يقع بعدها الاسم والفعل؛ فلا تختص بأحدهما دون الآخر.
وكذلك "ما" فإنها تدخل على الأسماء والأفعال، فالأصل ألا تعمل، ولذلك وصف سيبويه في (الكتاب) وصف إهمالها بأنه هو القياس فلما كانت اللغتان -لغة الإعمال ولغة الإهمال- متقاربتين؛ لم يجز ردُّ إحداهما بالأخرى، وإنما نقدم إحدى اللغتين على الأخرى، مع اعتقادنا أن اللغة الأخرى صحيحة فصيحة فنقول: إن لغة الحجازيين في إعمال "ما" هي المقدمة وهي العليا التي نزل بها القرآن الكريم قال تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (يوسف: ٣١) فـ"ما" في الآية الكريمة يقال: إنها نافية، وإنها بمعنى ليس، وتعمل عمل ليس، واسم الإشارة اسمها في محل رفع، و ﴿بَشَرًا﴾ خبرها منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وقال : ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (المجادلة: ٢) فـ"ما" هي ما النافية الحجازية التي تعمل عمل ليس، والضمير: ﴿هُنَّ﴾ في محل رفع؛ لأنه اسمها، وأمهاتي من: ﴿أُمَّهَاتِهِمْ﴾؛ لأنه جمع مؤنث سالم منصوب؛ لأنه خبرها، وعلامة نصبه الكسرة؛ لأن هذه العلامة هي العلامة التي تكون علامة لنصب جمع المذكر السالم. وأمهات مضاف وهم مضاف إليه.
وإنما قُدمت لغة الحجازيين؛ لكثرة استعمالها وشيوع المسموع بها؛ لأنه إذا تعارض قوَّة القياس وكثرة الاستعمال قُدِّم ما كَثُر استعماله، كما جاء في (الخصائص).
والمثال الثاني: حكم الاستثناء المنقطع، والمراد بالاستثناء المنقطع: هو ما كان المستثنى فيه من غير جنس المتستثنى منه، وذلك نحو: ما في الدار أحد إلا حمارًا، فحمارًا هو المستثنى وليس من جنس المستثنى منه، وللعرب في هذا النوع من الاستثناء مذهبان:
стр. 85
أحدهما: وجوب النصب وهي لغة الحجازيين، والإعراب على لغتهم ما: نافية. وفي الدار: جار ومجرور متعلق بمحذوف لأنه خبر مقدم للمبتدأ وهو "أحد" المرفوع. وإلا: أداة استثناء. وحمارًا: مستثنى مع أنه مستثنى منقطع إلا أنه عندهم منصوب على الاستثناء.
والآخر: جواز الإتباع بأن يكون المستثنى تابعًا للمستثنى منه؛ رفعًا أو نصبًا أو جرًّا، وهي لغة تميم، والإعراب عندهم. ما: نافية. وفي الدار: جار ومجرور خبر مقدم. وأحد: مبتدأ مؤخر. وإلا: أداة استثناء. وحمار: بالرفع بدل من أحد المستثنى منه المرفوع.
فالمستثنى هو تابع للمستثنى منه على البدلية ولكلٍّ وجهٌ، فقد أوجب الحجازيون النصب؛ لأنه لا يصح الإبدال فيه حقيقةً من جهة أن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، وقد قال سيبويه في (الكتاب): "وكرهوا أن يُبدلوا الآخر من الأول، فيصير كأنه من نوعه؛ فحُمِلَ على معنى: ولكنَّ، وعمل فيه ما قبله كعمل العشرين في الدرهم". انتهى.
وأجاز بنو تميم الإتباعَ، والباعثُ عليه واحد من ثلاثة: إما الحمل على المعنى؛ لأن المقصود هو المستثنى فالقائل: ما في الدار أحد إلا حمار، بالرفع على لغة بني تميم، كأنه أراد: ما في الدار إلا حمار، وأُدخلت أحد توكيدًا، وإما أنهم جعلوا الحمار من جنس أحد على سبيل المجاز، وإما أنهم خلطوا من بعض ما يعقل بما لا يعقل فغلَّبوا مَن يعقل، فقالوا: ما فيها أحد. وهم يريدون من يعقل ومن لا يعقل ثم أبدلوا من أحد على هذا التأويل، واللغتان متقاربتان فلا يجوز ردُّ إحداهما بالأخرى؛ لأن سعة القياس تُبيح لهم ذلك ولا تحظره عليهم.
стр. 86
ثانيا: الاختلاف بين لغتين متباعدتين:
إن كان الاختلاف بين لغتين متباعدتين بأن كانت إحداهما كثيرة جدًّا، وكانت الأخرى قليلة جدًّا؛ فقد بين ابن جني حكم هذه الحالة بقوله: "تأخذ بأوسعهما روايةً، وأقواهما قياسًا" ومعنى ما قاله ابن جني أن اللغات القليلة لا يُقاس عليها، وإنما يقتصر فيها على المسموع، ولا يتجاوز. وقد أفرد ابن فارس في كتابه (الصاحبي) بابًا لهذه اللغات القليلة عنوانه: باب اللغات المذمومة، كما أفرد لها السيوطي النوع الحادي عشر في كتابه (المزهر)، عنوانه: معرفة الرديء المذموم من اللغات، وفي وصف هذه اللغات بأنها رديئة ومذمومة ما يدلُّ على أنها لا يُقاس عليها، وإنما يُكتفى فيها بما سمع عن العرب، فلا يجوز أن يقول قائل: أكرمتكش. بزيادة الشين بعد كاف الخطاب المنصوبة؛ قياسًا على مَن ألحقها بالمجرورة، فقال: مررت بكش؛ لأن هذه اللغة قليلة وتُسمى الكشكشة ولا يقاس عليها.
ونختم ببيان أمرين:
الأول: أن هذه اللغات القليلة يجب أن يقلَّ استعمالها، وأن يكثر استعمال ما هو شائع من اللغات إلا أن استعمال شيء من اللغات القليلة لا يُعَدُّ خطأً يُلام صاحبه عليه، ولا يقال: إن من استعملها قد أخطأ، وإنما يقال: إن مَن يستعمل هذه اللغات يكون مخطئًا لأجود اللغتين حين ترك القوي من اللغات واستعمل الضعيفَ، أو ترك الكثير واستعمل القليلَ.
والثاني: أنه لو اضطر شاعر فاستعمل شيئًا من هذه اللغات القليلة فإنه لا يكون ملومًا على استعماله، وكذلك لو ألجأ السجع أحد المتكلمين به إلى استعمال شيء من هذه اللغات فله ارتكاب ذلك بلا لَوْم ولا نسبة لخطأ ولا إنكار عليه في ذلك؛ لِمَا تقرر أن الضرورات تُبيح المحذورات.
стр. 87
علة امتناع الأخذ عن أهل المدر
إن المراد بالمدر: المدن والحضر، وأصل المدر في اللغة قطع الطين، وسميت الحاضرة بذلك؛ لأن بيوتها ومبانيها تكون من المدر، وقد عرفنا أنه لم يؤخذ عن حضري قط؛ لأن الحاضرة محل اجتماع الناس من كل جانب واختلاط اللغات واختلال الألسنة، وأن ابن جني قد أفرد في (الخصائص) بابًا لعلة امتناع الأخذ عن أهل المدر، قال فيه: "علة امتناع ذلك ما عرض للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد والخطل".
وفي ضوء ما ذكره ابن جني ونقله السيوطي، نعلم أن الحاضرة بذاتها ليست مانعة من الاحتجاج، وإنما امتنع الاحتجاج بكلام أهلها؛ لأنه يغلب عليهم الاحتكاك بغير العرب من الأمم، والاختلاط بالأعاجم، وفساد الألسنة، ومع أن العلماء قد نصُّوا على عدم الاحتجاج بكلام أهل المدر، نجد ابن جني قد بيَّن أن المعيار في الاحتجاج وعدمه ينحصر في أمر واحد، وهو الفصاحة بقاؤها أو عدمها، فمن بقيت فصاحته قُبلت لغته وإن كان من أهل المدر، ومن زالت عنه الفصاحة لم يُؤخذ بكلامه وإن كان من أهل الوبر. يقول ابن جني: "ولو عُلم أن أهل المدينة باقون على فصاحتهم، ولم يعترض شيء من الفساد للغتهم؛ لوجب الأخذ عنهم كما يُؤخذ عن أهل الوبر، وكذلك أيضًا لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر من اضطراب الألسنة وخبالها، وانتقاد عادة الفصاحة وانتشارها؛ لوجب رفض لغتها وترك تلقّي ما يَرِد عنها".
ومعنى ما ذكره ابن جني ونقله عنه السيوطي: أن الفصاحة الكاملة هي المعيار في قبول الكلام أو ردّه، والمقياس الذي يُعتمد عليه في الاحتجاج وتركه، فلو بقي
стр. 88
أهل مدينة على فصاحتهم وجب الأخذ عنهم والاحتجاج بكلامهم، ولو عرض لأهل البادية ما يقدح في فصاحتهم تعين ترك لغتهم وبطل الأخذ عنهم؛ لأن الحكم دائر مع علته وجودًا وعدمًا، فمتى وجدت الفصاحة الكاملة والوثوق؛ صح الاحتجاج من كِلا الفريقين، ومتى انتفى ذلك انتفى الاحتجاج.
ومن هذا يتبين أن علماء العربية قد دقَّقوا النظر فيما يأخذون عنهم، فلم يأخذوا إلا عن قوم اطمأنوا إلى فصاحتهم، ووثقوا بصفاء لغتهم، وخلوص عربيتهم، ويدل على ذلك قول سيبويه في (الكتاب): "وسمعنا الثقة من العرب يقول: يا حرمل. يريد يا حرملة"، وقوله: "وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقول: ما منهم مات حتى رأيته في حال كذا وكذا، وإنما يريد ما منهم واحد مات". انتهى.
ونلحظ في كلام سيبويه أنه ينقل عن الثقات من العرب، والثقات هم الذين لم يعرض لكلامهم ما يمنع من أخذه والاحتجاج به، ومن أجل ذلك وجدنا ابن جني لا يثق بكل أعرابي، وإن كان أكثر كلامه مقبولًا، لا سبيل إلى الطعن في فصاحته، بل يدعو إلى الاطمئنان إلى أن لغته ليس فيها ما يقدح في فصاحتها، أو ينال منها، أو يغضُّ من شأنها فيقول -رحمه الله تعالى-: لا نكاد نرى بدويًّا فصيحًا وإن نحن آنسنَا منه فصاحة في كلامه، لم نكد نعدم ما يفسد ذلك، ويقدح فيه، وينال ويغض منه". انتهى.
وقد استدلَّ ابن جني على فساد سليقة الأعراب في زمنه وقبل زمنه بأمور:
منها: أنه قد طرأ عليه أحد من يدَّعي الفصاحة البدوية فتلقى ابن جني أكثر كلامه بالقبول له، وميزه تمييزًا حَسُنَ في النفوس موقعه إلى أن وقع في كلامه ما لا أصل له، ولا قياس يسوغه، ولا ورد بمثله سماع.
стр. 89
ومنها: ما روي في لحن في الصدر الأول؛ إذ وقع اللحن أمام رسول الله ﷺ فقال: ((أرشدوا أخاكم، فقد ضل))، كما وقع اللحن في عهد عمر ﵁ فقد رَوَوا أن أحد ولاته كتب إليه كتابًا لَحَنَ فيه، فكتب إليه عمر: "أن قنّع كاتبك صوتًا". وروي أن مقرئًا أقرأ أعرابيًّا قوله تعالى: "أن الله بريء من المشركين الله ورسولِه" (التوبة: ٣) بكسر اللام فقال الأعرابي: برئت من رسول الله، فأنكر ذلك علي بن أبي طالب ﵁ ورسم لأبي الأسود من عمل النحو ما رسمه، وصحة قراءة الآية: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (التوبة: ٣) برفع لفظ "رسوله" وإعرابها في المشهور أن رسوله بالرفع مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: ورسوله بريء كذلك، أو أنه معطوف على الضمير المرفوع في الصفة المشبهة الواقعة خبرًا لـ"أن"، وهو لفظ: ﴿بَرِيءٌ﴾.
وإذا كان اللحن قد عُرف من قديم فإنه ينبغي أن يستوحش من الأخذ عن كل أحد، إلا أن تقوى لغته، وتشيع فصاحته، ويُعرف بجودة لسانه وسلامة سليقته، وقد قال الفراء في بعض كلامه: "إلا أن تسمع شيئًا من بدوي فصيح فتقوله".
العربي الفصيح ينتقل لسانه
استمدَّ السيوطي هذا الفرع من كتاب (الخصائص) لابن جني إلا أنه قد ترك من كلام ابن جني أمورًا لا بد من ذكرها لإكمال النفع، وإتمام الفائدة، وقد أفرد ابن جني بابًا عنوانه: "في العربي الفصيح ينتقل اللسان"، والمراد بالعربي هنا: مَن تؤخذ عنه اللغة، ويُحتجّ بكلامه في العربية، ولذلك قيَّده ابن جني بقوله: "في العربي الفصيح"، والمراد بانتقال لسانه: أن يفارق لغته المعروفة له التي نشأ عليها؛ ليتكلم بغيرها، ولا تخلو اللغة التي انتقل إليها لسانه من إحدى حالتين:
стр. 90
الحالة الأولى: أن تكون اللغة التي انتقل إليها لسانه قد سلمت من اللحن، وبرئت من الاختلال والفساد، فكأنه انتقل من لغة فصيحة إلى لغة أخرى فصيحة، وقد بيَّن ابن جني حكم هذه الحالة بقوله "فإن كان إنما انتقل من لغته إلى لغة أخرى مثلها فصيحة؛ وجب أن يُؤخذ بلغته التي انتقل إليها، كما يُؤخذ بها قبل انتقاله إليها، حتى كأنه إنما حضر غائب من أهل اللغة التي صار إليها، أو نطق ساكت من أهلها". انتهى.
ومعنى ما قاله ابن جني: أنه إذا كانت اللغة التي انتقل إليها لسان العربي الفصيح لغة فصيحة يُؤخذ بها، ويحتجُّ بها، بأن كانت منقولة عن إحدى القبائل التي يحتجُّ بكلامها في العربية، إذَا كان الأمر كذلك؛ فإنه لا يضيرها أن يكون المتكلم بها من أهلها، أو لا. ونلحظ في كلام ابن جني قوله: "وجب أن يؤخذ بلغته التي انتقل إليها" فوصف اللغة التي انتقل إليها لسان العربي الفصيح بأنها لغته، فكأنه أحد أبنائها وقد كان غائبًا فحضر، أو كان ساكتًا فنطق بها، ومن تكلم لغة قوم فهو منهم.
والحالة الثانية: أن تكون اللغة التي انتقل إليها لسان العربي الفصيح غير فصيحة، والحكم حينئذٍ ألَّا يؤخذ بكلامه وألا يُعتبر به وألا يلتفت إليه، وإنما يُؤخذ بلغته الأولى التي انتقل عنها واشتهر بالفصاحة فيها. يقول ابن جني -رحمه الله تعالى-: "فإن كانت اللغة التي انتقل لسانه إليها فاسدة لم يُؤخذ بها، ويؤخذ بالأولى حتى كأنه لم يزل من أهلها". انتهى.
وفي كلام ابن جني ما يدلّ على أن لغة العربي الفصيح قد يدخلها شيء من الفساد، أو يتسرَّب إليها لحن أو خطأ، ولكن هذا الاحتمال لا يجوز أن يكون حائلًا يحول دون الأخذ عن الفصحاء، أو سببًا يؤدِّي إلى التشكيك فيما يقولونه؛
стр. 91
لأنه لو أُخذ بهذا الاحتمال لأدَّى ذلك إلى ألا تطيب نفس بلغة من اللغات، وإلى الإعراض عن كل واحد من العرب الفصحاء، ولا يخفى ما في ذلك من الخطأ وفساد الرأي.
تداخل اللغات
نشير إلى أن جُلَّ العنوانات في كتاب (الاقتراح) إنما هي من صنع محققه الدكتور أحمد محمد قاسم -طيب الله ثراه- يشهد بذلك خلوُّ شروح (الكتاب) من العنوانات، وخلو الطبعات الأخرى منها، ولكن عنوان: تداخل اللغات، لم يكن من صنع المحقق، وإنما كان من صنع المؤلف ﵀ رحمة واسعة- وقد وضع العنوان نفسه في كتابه (المزهر) النوع السابع عشر، وهو معرفة تداخل اللغات، ونقل في الكتابين عن كتاب (الخصائص) لابن جني، ولكنه غير العنوان؛ لأن ابن جني قد عبَّر عن هذا الفرع بقوله في (الخصائص): "باب في الفصيح يجتمع في كلامه لغتان فصاعدًا".
وقد ذكر الشراح (الاقتراح) أن العنوان الذي اختاره ابن جني أولى من العنوان الذي ذكره السيوطي؛ لأن تداخل اللغات يعني: دخول بعضها في بعض، والمقصود به عند أهل العربية أن تتكلَّم بلغة مركبة من لغتين، كأن يقال: رَكن يركن بالفتح في الماضي والمضارع، وهذا شيء لا يُعرف؛ إذ إن فتح العين في الماضي والمضارع لا يكون إلا إذا كانت العين أو اللام من أحرف الحلق، وهي الهمز والهاء والعين والحاء والغين والخاء، نحو: فتح يفتح، وبدأ يبدأ، ونهى ينهى، ونأى ينأى إلى آخره، فإن لم تكن العين أو اللام من أحرف الحلق؛ لم يُعرف في كلام العرب فتح العين في الماضي والمضارع إلا في لفظة واحدة، وهي:
стр. 92
أبى يأبى، وليس لها ثانٍ، فإن قيل: ركن يركن بفتح العين فيهما كان فيه تداخل لغتين؛ لأن ركن بفتح العين في الماضي لغة فصيحة، ومضارعه يركن بضم العين في المضارع، وأما يركن بفتح العين في المضارع، فهو مضارع لركن المكسور، فإن قيل: ركن يركن بالفتح فيهما، كان فيه تداخل لغتين وتركيبهما، حتى صارتَا لغة واحدة، وهو غير المراد من هذا الباب.
وقد أفرد ابن جني لتداخل اللغات بابًا آخر عنوانه: باب في تركب اللغات، وجاء فيه بأنواع من التداخل التي أورد السيوطي بعضها، وأشار شراح كتاب (الاقتراح) إلى أن السيوطي قد خلط بين بابين؛ هما: باب الفصيح يجتمع في كلامه لغتان فصاعدًا، وباب: تركب اللغات، حتى ذكر أحد شراح (الاقتراح) أن السيوطي قد أجحف بكلام ابن جني غاية الإجحاف، وجعل بابين مستقلّين في فرع واحد، وأدخل بعضهما في بعض، ولا بد من مراجعة كلام ابن جني، ووضع هذا العنصر في أمرين يتناول أحدهما اجتماعَ لغتين، ويتناول الآخر تداخلَ اللغات.
وبِناءً على ما سبق يندرج تحت هذا العنصر أمران:
الأول: اجتماع لغتين فصاعدًا في كلام فصيح.
والثاني تداخل لغتين.
الأمر الأول: وهو اجتماع لغتين فصاعدًا في كلامٍ فصيحٍ، فنقول:
إن اجتماع لغتين فصاعدًا في كلام فصيح ليس نذرًا قليلًا، وإنما هو كثير في كلام الفصحاء كثرة ظاهرة حتى وصفه ابن جني بقوله "وما اجتمعت في لغتان أو ثلاث أكثر من أن يحاط به". انتهى.
ومما اجتمعت في لغتان قول لبيد بن أبي ربيعة العامري:
стр. 93
سقى قومي بني مجد وأسقى ... نميرًا والقبائل من هلال
فجمع بين الفعلين سقى المجرد، وأسقى المزيد بحرف، وهما بمعنًى واحد، يقال: سقيت الرجل، وأسقيته، كما يقال: سقاه الله الغيث وأسقاه.
ومنه أيضًا قول الشاعر:
أما ابن طوق فقد أوفى بذمَّته ... كما وفى بخلاص النجم حاديها
فجمع بين الفعلين "وفى" المجرد و"أوفى" المزيد، وهما بمعنًى واحد، يقال: وفى بعهده وأوفى بمعنًى.
ومنه قول الشاعر:
وأشرب الماء ما بي نحوه عطش ... إلا لأن عيونه سيل واديها
فأشبع الهاء من قوله نحوه لأنها تتولَّد عن الضمة فيُنطق بها لفظًا ولا ترسم في الخط، وأسكن الهاء من قوله: عيونه، والإشباع والإسكان لغتان اجتمعتَا في كلام فصيح، والإشباع أفصح اللغتين.
وزعم الزجاج أن هناك لغة ثالثة وهي ضم الهاء من غير إشباع، وزعم أن من هذه اللغة قول الشاعر:
له زجل كأنه صوت حاد ... إذا طلب الوثيقة أو زمير
فالهاء من قوله: "له" مشبعة على اللغة الفصحى، والهاء من قوله: "كأنه" مضمومة من غير إشباع، وليس ضمها من غير إشباع لغة ثالثة، كما زعم الزجاج، بل هو ضرورة من الضرائر التي تسوغ للشاعر دون الناثر، وقد ذكر سيبويه هذا البيت في (الكتاب) في باب: ما يحتمل الشعر، واقتفى أثره ابن جني فذكر أنه ينبغي أن يكون ذلك ضرورة وصنعة لا مذهب ولغة؛ لضعفه في القياس، ووجه ضعفه أنه ليس على مذهب الوصل، ولا على مذهب الوقف.
стр. 94
أما الوصل فيُوجب إثبات واوه في اللفظ لا في الكتابة: كلقيته أمس، وأما الوقف فيوجب الإسكان: كلقيته وكلمته، ولما كان قول الشاعر: "كأنه" في البيت السابق على غير مذهب الوصل هو مذهب الوقف؛ تعيَّن أن يكون ذلك ضرورة لا لغة.
وإذ انتهينا إلى أن اجتماع لغتين فصاعدًا كثير في كلام الفصحاء يجدر بنا أن نتساءل: كيف اجتمعت اللغتان في كلام الفصيح؟
وللإجابة عن هذا التساؤل لا بد من النظر في حال المتكلم الفصيح الذي اجتمعت لغتان في كلامه. فإما أن تكون اللغتان اللتان اشتملا عليهما كلامه متساويتين في كثرة استعمالهما، أو لا، فإن كانت اللفظتان في كلامه متساويتين في الاستعمال ففي اجتماع الكلمتين احتمالان:
الأول: أن تكون القبيلة التي ينتمي إليها هذا المتكلم قد اصطلحت على وضع اللفظتين لمعنًى واحد.
والثاني: أن تكون إحدى اللفظتين من لغة القبيلة التي ينتمي إليها هذا المتكلم، ثم إنه استفاد الأخرى من قبيلة أخرى وطال بها عهده وكثر استعماله لها؛ فلحقت لطول المدة واتصال الاستعمال بلغته الأولى، وأقرب هذين الاحتمالين إلى الصحة، وأحقهما بالقبول هو الأول؛ لأن العرب قد تضع الألفاظ الكثيرة للمعنى الواحد وهو الترادف؛ فرارًا من التكرار وإعادة اللفظ بعينه، والداعي إلى ذلك أمران:
أحدهما: الحاجة إليه في أوزان أشعارها.
والآخر: لأن العرب تفرُّ من التكرار وإعادة اللفظ بعينه لما فيه من استكراه السامع، والثقالة على المستمع. أما إيراد المعنى الواحد في قوالب مختلفة من الألفاظ فقد نبَّه أئمة الأدب على عدِّه من التفنن العجيب والتصرف الغريب.
стр. 95
وإذا كانت إحدى اللفظتين أكثر في كلامه من الأخرى ففي اجتماعهما احتمالان:
الأول: أن تكون اللفظة التي كثر استعمالها في كلامه هي لغته الأصلية، وتكون اللفظة الأخرى التي قل استعماله إيَّاها هي الجديدة المستحدثة.
والثاني: أن تكون اللفظتان معنى اللغتين له ولقبيلته، وإنما قلت إحداهما لضعفها أو شذوذها، ومذهب العربي الاستخفاف بالأضعف واستعمال الأقوى؛ لأن الأقوى أحق وأحرى، كما أنهم لا يستعملون المجاز إلا لضرب من المبالغة.
الأمر الثاني: وهو تداخل لغتين وهو الذي عنوانه في (الخصائص) باب في تركب اللغات، ومعناه:
أن يؤخذ الماضي من لغة والمضارع أو الوصف من لغة أخرى لا تنطق بالماضي كذلك، فمثال ما أُخذ المضارع من لغة أخرى قول بعضهم: قنط يقنط بفتح العين في الماضي والمضارع، وهما لغتان تداخلتا؛ لأن الفعل الماضي قنط بفتح العين يكون مضارعه يقنط بكسر العين في المضارع. أما الفعل قنط بكسر العين في الماضي فمضارعه يقنط بفتح العين في المضارع، ثم تداخلت اللغتان فتركبت لغة ثالثة بفتح العين في الماضي والمضارع.
ومثاله أيضًا قول بعضهم: قلى يقلى بفتح العين في الماضي والمضارع على غير قياس؛ لأن مضارع قلى المفتوح العين هو يقلي بكسر العين نحو: رمى يرمي، ومضارع قلي المكسور العين هو يقلَى بفتح العين، فتركبت من اللغتين لغة ثالثة. ومثاله أيضًا قول بعضهم: فضل يفضل بكسر العين في الماضي وضمها في المضارع، وهما لغتان تداخلتا؛ لأن من العرب من يقول: فضل يفضل بفتح
стр. 96
العين في الماضي وضمها في المضارع، ومنهم مَن يقول: فضل يفضل بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع، فمن قال: فضل يفضل بكسر العين في الماضي وضمها في المضارع؛ فقد أخذ الماضي من لغة والمضارع من لغة أخرى.
ومثال ما أخذ الوصف من لغة أخرى قول بعضهم: طهر فهو طاهر، وشعر فهو شاعر بضم العين في الفعلين: طهر وشعر، وجاء اسم الفاعل منهما على وزن فاعل، والأصل أن اسم الفاعل يكون على وزن فاعل من الثلاثي مفتوح العين أو مكسورها نحو: ضرب فهو ضارب، ولعب فهو لاعب. أما الثلاثي المضموم العين فاسم الفاعل منه على وزن فعيل نحو: كرم فهو كريم، وشرف فهو شريف. وقد بيَّن ابن جني أن سبب تداخل اللغتين هو أن أصحاب اللغتين قد تلاقيَا فسمع هذا لغةَ هذا، وسمع هذا لغة هذا؛ فأخذ كل واحد من صاحبه ما ضمَّه إلى لغته.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 97
الدرس: ٨ الاحتجاج بكلام المولدين، وأول الشعراء المحدثين، والاحتجاج بكلام مجهول قائله، وقولهم: "حدثني الثقة "
стр. 98
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن
(الاحتجاج بكلام المولدين، وأول الشعراء المحدثين، والاحتجاج بكلام مجهول قائله، وقولهم: "حدثني الثقة")
حكم الاحتجاج بكلام المولدين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فالمولد هو: المحدث من كل شيء ومنه المولدون من الشعراء، سمُّوا بذلك لحدوثهم، وقد ذكر السيوطي في بداية هذا الفرع الإجماع على أن كلام المولدين لا يكون حجة؛ فقال: "أجمعوا على أنه لا يحتج بكلام المولدين والمحدثين في اللغة والعربية" انتهى.
ولنا مع كلام السيوطي ثلاث وقفات:
الأولى: لبيان المراد بمن أجمعوا على عدم الاحتجاج بكلام المولدين والمحدثين.
والثانية: لبيان معنى عطف المحدثين على المولدين، وهل هما بمعنى واحد أم بمعنيين مختلفين؟.
والثالثة: لبيان معنى عطف العربية على اللغة، وهل هما بمعنًى واحد أم بمعنيين مختلفين؟.
أما قوله: "أجمعوا" فإن الذين أجمعوا على ذلك هم أئمة النحو والصرف واللغة، أما علماء المعاني والبيان والبديع فإنهم يستدلون بأشعار جميع أنواع الشعراء على اختلاف طبقاتهم؛ سواء أكانوا من القدماء أم من المحدثين.
وأما قوله: "لا يحتج بكلام المولدين والمحدثين" ففيه عطف المحدثين على المولدين، والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، وبناء على ذلك يكون المولدون غير المحدثين عند السيوطي. وقد ذكر العلامة عبد القادر البغدادي المتوفى سنة ألف وثلاث وتسعين من الهجرة أنهما بمعنًى واحد، فذكر أن شعراء الطبقة الرابعة هم المولدون وقال: "ويقال: لهم المحدثون" فطبقات الشعراء عنده أربعة طبقات.
стр. 99
الأولى: الشعراء الجاهليون، وهم الذين كانوا قبل الإسلام كعنترة وامرئ القيس والأعشى وغيرهم.
والثانية: الشعراء المخضرمون، وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام كلبيد بن ربيعة العامري وحسان بن ثابت.
والثالثة: الشعراء الإسلاميون، ويقال لهم: المتقدمون، وهم الذين نشئوا في الإسلام كجرير والفرزدق.
والرابعة: المولدون، ويقال لهم: المحدثون، وهم من بعدهم إلى زمننا هذا كبشار بن برد وأبي نواس.
وذهب ابن الطيب الفاسي المتوفى سنة ألف ومائة وسبعين من الهجرة إلى أن المولدين هم الذين هم الذي جاءوا بعد الإسلاميين، وأما المحدثين هم الذين جاءوا بعدهم، وأما المتأخرين هم الذين جاءوا بعدهم من شعراء الحجاز والعراق. وهذا الذي ذكره ابن الطيب الفاسي لا فائدة فيه ولا ثمرة منه.
وقد اتفق العلماء على صحة الاحتجاج بشعر الطبقتين الأولى والثانية من الطبقات الأربع، واختلفوا في الاحتجاج بشعر الطبقة الثالثة وهي طبقة الإسلاميين؛ فمنع أبو عمرو بن العلاء الاحتجاج بما جاء في أشعارهم، وقال عن جرير: "لقد أحسن هذا المولد حتى لقد هممت أن آمر صبياننا برواية شعره"، فوصف جريرًا بأنه مولد؛ لأن أبا عمرو لم يكن يحتجّ إلا بأشعار المتقدمين، يقول الأصمعي: "جلست إليه عشر حجج فما سمعته يحتج ببيت إسلامي"، وذهب غير أبي عمرو إلى جواز الاحتجاج بشعر هذه الطبقة الثالثة، وهو صحيح.
أما الطبقة الرابعة -وهي طبقة المولدين أو المحدثين- فالصحيح أنه لا يجوز الاحتجاج بكلامها على اللغة والنحو والتصريف، وإلى هذا ذهب جمهور
стр. 100
العلماء، وخالف الزمخشري ومن تبعه فاحتجوا بأشعار المحدثين، وقد استشهد الزمخشري ببيت لأبي تمام عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ (البقرة: ٢٠) فذكر أن الظاهر في الفعل أظلم أن يكون متعديًا، واستدل على تعديته بقراءة "أُظلم" على ما لم يُسمَّ فاعله، وبقول أبي تمام:
هما أظلما حاليّ ثمّ تأجْليَا ... ظلاميهما عن وجهِ أمردَ أشيبا
وحجته -أي: الزمخشري- في ذلك أن أبا تمام ليس كغيره من الشعراء المولدين، بل هو إمام في هذا الفن، عارف بمقاصده الغامضة، فكما أن العلماء كانوا يستشهدون بأبيات الحماسة التي رواها أبو تمام ثقة بروايته؛ فكذلك يجوز عند الزمخشري الاستشهاد بما يقول أبو تمام، وفي ذلك يقول الزمخشري في (الكشاف): "وهو -أي: أبو تمام- وإن كان محدثًا لا يستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه، ألا ترى إلى قول العلماء الدليل عليه بيت الحماسة، فيقتنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه" انتهى.
ولم يرتضِ جمهور العلماء ما ذهب إليه الزمخشري من التسوية بين ما يقوله أبو تمام وما يرويه، بل ذهبوا إلى التفرقة بينهم وهو الصحيح؛ لأن الرواية مبنية على الضبط والوثوق، والقول مبنيّ على الدراية والإحاطة بأوضاع اللغة وقوانينها، وإتقان الرواية لا يلزم منه إتقان القول؛ لأنه جمع في الحماسة أشعار من يجوز الاستشهاد بأشعارهم، فمن أين يجب أن يكون ما استعمله في شعره مسموعًا ممن يُوثق به، أو مأخوذًا من استعمالهم.
وقد خطأ النحاة واللغويون أبا تمام والمتنبي والبحتري وأضرابهم من الشعراء في أشياء كثيرة، ومما يُضعف ما ذهب إليه الزمخشري أن الإنسان قد يتساهل فيما ينطق به دون ما ينقله إذا كان عدلًا، وأنه لو فُتح هذا الباب؛ لجاز الاحتجاج
стр. 101
بكل ما وقع بشعر المحدثين، ومع ضعف ما ذهب إليه الزمخشري وجدنا من علماء العربية من يوافقه ويأخذ به، وهو العلامة الرضي الذي استشهد بشعر أبي تمام في عدَّة مواضع من (شرح كافية ابن الحاجب)، وبذلك يكون الزمخشري أوَّل من جوز الاحتجاج بشعر أبي تمام، فإن قيل: إن أبا علي الفارسي قد ذكر بيتًا لأبي تمام في كتابه (الإيضاح) وهو قوله:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهمومًا
وفيه دليل على أن الفارسي هو أول من استشهد بشعر أبي تمام؛ لأنه يسبق الزمخشري. أجيب بأن الفارسي لم يذكر هذا البيت على سبيل الاستشهاد به، وإنما ذكره على سبيل التمثيل، وقد أحسن ابن أبي الربيع إذ ذكر في شرحه على (الإيضاح) أن النحويين لهم أن يضعوا أمثلة من عندهم؛ لبيان ما تقرر عندهم من قوانين العربية، وقد رأى الفارسي أن يأتي بهذا البيت عوضًا من مثال من عنده؛ استحسانًا للفظه ومعناه، وكأنه قال: لو قلت: من كان همه بطنه لم يزل ممقوتًا؛ لجاز في بطنه الرفع والنصب.
ونعود إلى تحليل كلام السيوطي، وإلى قوله: "في اللغة والعربية"، وفيه عطف العربية على اللغة، فهل هما متغايران، أم أن هذا العطف من قبيل عطف العام على الخاص؟ الظاهر أنهما متغايران، وأن المراد باللغة متنها، أي: متن اللغة، وهو معرفة الألفاظ المفردة، وأن المراد بالعربية التراكيب النحوية والتغايير الصرفية؛ فلا يُحتج فيها بكلام المولدين، وقد نبَّه بعض شراح (الاقتراح) على أن العروض والقوافي من العلوم العربية التي لا يُقبل فيها إلا كلام العرب بطبقاتهم، دون كلام المولدين. وفي كلام السيوطي احتراز عن علوم المعاني والبيان والبديع، فلم ير علماء هذه العلوم بأسًا في الاحتجاج بكلام المولدين على المعاني.
стр. 102
أول الشعراء الُمْحَدثين
إن العلماء قد أجمعوا على جواز الاحتجاج بقول من يُوثق بفصاحته وسلامة عربيته، وقد قصروا الاحتجاج من حيث الزمان على أقوال عرب الجاهلية، وفصحاء الإسلام حتى منتصف القرن الثاني الهجري، ولم يقبلوا الاحتجاج بشعر من جاء بعد هذا التاريخ، ويجدر بنا أن ننقل كلام السيوطي كاملًا إذ قال ﵀: "أول الشعراء المحدثين بشار بن برد، وقد احتج سيبويه في كتابه ببعض شعره تقربًا إليه؛ لأنه كان هجاه لترك الاحتجاج بشعره" ذكره المرزباني وغيره، ونقل ثعلب عن الأصمعي قال: "خُتم الشعر بإبراهيم بن هرمة، وهو آخر الحجج" انتهى كلام السيوطي.
وقد اشتمل هذا الكلام على ثلاثة أمور، وهي: أن أول الشعراء المحدثين هو بشار بن برد، وأن سيبويه قد احتج بشعره تقربًا إليه، وأن آخر الحجج هو إبراهيم بن هرمة، أي: آخر من يحتج بشعره، وبشار بن برد أصله من طخارستان من سبي المهلب بن أبي سفرة، وكنيته أبو معاذ، وهو عقيلي بالولاء نسبة إلى قبيلة عقيل بن كعب، وهو في أول مرتبة المحدثين من الشعراء المجيدين، وأحد مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، وقد تُوفي سنة سبع وستين ومائة من الهجرة، ولا يجوز الاحتجاج بشعر بشار بن برد؛ لأنه من الشعراء المحدثين.
وقد ذكر السيوطي أن سيبويه احتج في كتابه بشعر بشار تقربًا إليه وخوفًا من لسانه، وزعم أن هذا قول المرزباني، والحق أن المرزباني في كتابه (الموشح) قد ذكر قصة هجاء بشار لسيبويه، ولم يُشر إلى أن سيبويه احتج بشيء من شعر بشار. أما الذي كان يحتج بشعر بشار في كتبه فهو أبو الحسن الأخفش، ذكر أبو
стр. 103
الفرج الأصفهاني في كتابه (الأغاني) أن الأخفش بعد أن هجاه بشار كان يحتجُّ بشعره في كتبه ليبلغه ذلك فيكُفَّ عن ذكره بعد هذا بشر، فكَفَّ عن ذكره بعد هذا. وليس في كتاب سيبوبه ما يدل على استشهاد سيبويه بشعر لبشار، وإنما يمكن أن يكون سيبويه قد ذكر شعر بشار في بعض مجالسه من غير أن يقصد إلى الاحتجاج به، ولم يذكر شيئًا منه في كتابه يدل على ذلك قول أبو الفرج الأصفهاني في (الأغاني) عن سيبويه: "وكان إذا سُئل عن شيء فأجاب عنه، ووجد له شاهدًا من شعر بشار؛ احتج به استكفافًا لشره"، انتهى. استكفافًا: أي: طلبًا للكفّ.
ولعل سيبويه لم يكن يقصد الاحتجاج، وإنما أراد التمثيل فقط، وإلى هذا أشار أبو العلاء المعري في (رسالة الغفران) فقال: "وذكر من نقل أخبار بشار أنه توعَّد سيبويه بالهجاء، وأنه تلافاه واستشهد بشعره، ويجوز أن يكون استشهاده به على نحو ما يذكره المتذاكرون في المجالس ومجامع القوم" انتهى.
وتبقى الإشارة إلى أن كتاب سيبويه قد خلا من اسم بشار، كما خلا من شعره، ولا يوجد في كتاب سيبويه إلا بيت واحد زعم أصحاب بشار أنه من شعره، وهو قوله:
فما كل ذي لُبّ بمؤتيك نصحه ... وما كل مؤتٍ نصحه بلبيب
وقد ذكر سيبويه عجز هذا البيت في باب الإدغام في (الكتاب) ولم ينسبه إلى قائل، وأصحاب بشار يَرْوُون له هذا البيت. والصحيح أنه لأبي الأسود الدؤلي وهو مذكور في ديوانه، كما جاء في كثير من المصادر.
وقد ختم السيوطي كلامه بقوله: "ونقل ثعلب عن الأصمعي قال: خُتم الشعر بإبراهيم بن هرمة" وهذا الرأي هو أحد آراء ثلاثة ذكرها الأصمعي فيمن يعد
стр. 104
خاتمة الحجج، فتارة يذكر أنه الطرماح، وتارة يذكر أنه ابن هرمة، وتارة يذكر أنه بشار بن برد، والطرماح بكسر الطاء والراء المهملتين وتشديد الميم وآخره حاء مهملة، ووزنه فعمّال، أو فعلَّان من قولهم: طرمح البناء وغيره أي: علاه ورفعه، وهو طرماح بن حكيم الطائي شاعر إسلامي في الدولة المروانية، ومولده ومنشأه في الشام، ثم انتقل إلى الكوفة مع من وردها من جيوش الشام.
أما إبراهيم بن هرمة: فهو إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر بن هرمة، وهو من مخضرمي الدولتين، مدح الوليد بن يزيد، ثم أبا جعفر المنصور، وكان مولده سنة سبعين، ووفاته في خلافة الرشيد بعد الخمسين ومائة تقريبًا.
حكم الاحتجاج بكلامٍ مجهولٍ قائلُه
لقد استقرَّ عند النحاة أنه لا يجوز الاحتجاج بكلام المولدين ومن لا يُوثق بفصاحتهم، وقد ترتَّب على هذا الأصل عندهم عدم الاحتجاج بكلام لا يُعلم قائله؛ خوف أن يكون من كلام من لا يحتج بكلامه، وقد صدر السيوطي هذا الفرع بقوله: "لا يجوز الاحتجاج بشعر أو نثر لا يُعرف قائله" صرَّح بذلك ابن الأنباري في (الإنصاف)، فنسب السيوطي هذه القاعدة إلى أبي البركات الأنباري، ولم يكن الأنباري المتوفى سنة سبع وسبعين وخمسمائة من الهجرة هو أول من صرَّح بعدم الاحتجاج بكلام مجهول قائله، وإنما سبقه إلى ذلك أبو عثمان المازني المتوفى سنة تسع وأربعين ومائتين من الهجرة، الذي سُئل عن لفظ "السكين" أمذكر أم مؤنث؟ فقال: إنه مذكر فأنشده السائل قول الشاعر:
............................... ... بسكين موثقة النصاب
стр. 105
فوصف لفظ "السكين" بالمؤنث فدلَّ على تأنيثه؛ فقال أبو عثمان: "من هذا؟ وما صاحبه؟ وأين صاحبه من أبي ذؤيب حين قال:
...................... ... فذلك سكين على الحلق حاذق
فقد ردَّ المازني القول بأن السكين مؤنث؛ لأنه قول لا يُعلم قائله، وصار على دربه تلميذه المبرد المتوفى سنة خمس وثمانين ومائتين من الهجرة في كتابه (المقتضب)؛ إذ منع إضمار اللام الجازمة للمضارع في شعر أو نثر، وأما قول الشاعر:
محمد تفدي نفسك كل نفس ... إذا ما خفت من أمر تبالى
أي: هلاكًا، فلم يرتضِ المبرد تخريجه على إضمار اللام، أي: على أن يكون التقدير: لتفدي نفسك كل نفس، وحجته في ذلك عدم العلم بقائله، فقال معلقًا على هذا البيت في (المقتضب): "وأما هذا البيت الأخير فغير معروف" انتهى.
ولم يذكر السيوطي شيئًا من كلام المازني ولا من كلام المبرد، وإنما اعتمد على ما ذكره أبو البركات لأمرين:
الأول: أنه ذكر في مقدمة (الاقتراح) أنه أخذ من (الإنصاف) حين قال: "وضممت إليه من كتابه (الإنصاف) في مباحث الخلاف جملة".
والآخر: أن أبا البركات الأنباري قد ذكر هذه القاعدة في عديد من المواضع من كتابه (الإنصاف في مسائل الخلاف)، وهو يرد على الكوفيين احتجاجهم بما لا يُعرف قائله.
ومن هذه المواضع ما جاء في مسألة إضافة النيف إلى العشرة، فقد أجازها الكوفيون، والنيف كل ما زاد على العقد فهو نيف حتى يبلغ العقد الثاني كما في (الصحاح) و (القاموس)، واحتج الكوفيون بقول الشاعر:
стр. 106
كُلف من عنائه وشقوته ... بنت ثماني عشرة من حجته
وموضع الشاهد قوله: "بنت ثماني عشرة"؛ حيث أضاف الشاعر لفظ النيف وهو "ثماني" إلى العشرة، فلم يجد الأنباري في هذا البيت حجة للكوفيين؛ فقال في (الإنصاف): "أما ما أنشدوه -أي: الكوفيون- فلا يُعرف قائله، ولا يُؤخذ به"، ومما ردَّه لعدم العلم بقائله أيضًا ما جاء في مسألة توكيد النكرة توكيدًا معنويًّا؛ إذ ذهب الكوفيون إلى جوازه مستدلين بعدة أبيات من الشعر، منها قول الراجز:
قد صرتِ البكرةُ يوما أجمعا
فأكد يومًا بأجمع، فاستدلَّ الكوفيون به على جوازه، وردَّه الأنباري بقوله في (الإنصاف): "هذا البيت مجهول لا يعرف قائله فلا يجوز الاحتجاج به".
ومن ذلك أيضًا: ما جاء في مسألة إظهار أن المصدرية بعد كي، فقد ذهب الكوفيون إلى جوازه محتجين بقول الشاعر:
أردت لكيما أن تطير بقربتي ... فتتركها شنًّا ببيداء بلقع
فقد ظهرت أن المصدرية بعد كي، وردَّه الأنباري بقوله في (الإنصاف): "هذا البيت غير معروف، ولا يُعرف قائله؛ فلا يكون فيه حجة". ومما ردَّه لعدم العلم بقائله كذلك ما جاء في مسألة مد المقصور في الشعر، فلقد ذهب الكوفيون إلى جوازه مستدلين بقول الراجز:
قد علمت أم أبي السعلاء ... وعلمت ذاك مع الجراء
أن نعم مأكولًا على الخواء ... يا لك من تمر ومن شيشاء
ينشب في المسعل واللهاء ... .......................
والسعلاء -بكسر السين وسكون العين- أصله: السعلاة، والخواء واللهاء كلها مقصورة في الأصل؛ إنما مُدَّت لضرورة الشعر؛ فجاز عند الكوفيين لذلك مد
стр. 107
المقصور للضرورة مستشهدين بهذا الرجز، ولم يرتض ذلك أبو البركات الأبناري؛ فقال في كتابه (الإنصاف): "أما قول الشاعر:
قد علمت أم أبي السعلاء ... ...........................
... الأبيات إلى آخرها، فلا حجة فيها؛ لأنها لا تُعرف ولا يُعرف قائلها، ولا يجوز الاحتجاج بها، ولو كانت صحيحة لتأوَّلناها على غير الوجه الذي صاروا إليه" انتهى.
وهكذا تعدَّدت الأبيات التي يردُّ أبو البركات الأنباري الاحتجاج بها، لماذا؟ لأنها مجهولة القائل، وقد ذكر السيوطي أن أبا البركات الأنباري قد ردَّ على الكوفيون استشهادهم بقول القائل:
................................... ... ولكنني من حبها لعميد
على جواز دخول اللام في خبر لكن لعدم العلم به، ونقل عنه أنه قال عن هذا البيت: "هذا البيت لا يُعرف قائله، ولا أوله، ولم يذكر منه إلا هذا، ولم يُنشده أحد ممن وثق في اللغة، ولا عزي إلى مشهور بالضبط والإتقان" انتهى.
والحق أن أبا البركات قد علَّق على هذا البيت، أو على هذا الجزء من البيت بقوله في (الإنصاف): "هو شاذّ لا يُؤخذ به لقلته، وشذوذه، ولهذا لا يكاد يُعرف له نظير في كلام العرب وأشعارهم" انتهى.
ومن كلام الأنباري يُفهم أنه ردَّ الاستشهاد بهذا البيت لا لعدم العلم به فحسب، كما ذكر السيوطي، وإنما ردَّ الاستشهاد به؛ لأنه أيضًا شاذّ لا يُقاس عليه. وقد ذهب بعض الدارسين المحدثين إلى أن هذا الأصل كان مضطربًا في ذهن أبي البركات الأنباري؛ لأنه وضع في أصول النحو كتابين وهما: (لمع الأدلة)، و (الإغراب في جدل الإعراب)، ولم يشر إلى هذا الأصل فيما ضمنه الكتابين من أصول.
стр. 108
وهذا يدل على أن ما فعله في كتاب (الإنصاف) لم يكن غير استجابة لطبيعة الجدل والمناظرة، واضطرب المتأخرون في فهم هذا الأصل واعتمده، فابن هشام الأنصاري المتوفى سنة إحدى وستين وسبعمائة من الهجرة يذكر في تعاليقه على الألفية، كما ذكر السيوطي أنه لا يجوز الاحتجاج بكلام مجهول قائله، ويردُّ على الكوفيين استدلالهم بالأبيات الخمسة المجهولة القائل السابقة على جواز مد المقصور في الشعر، ويقول: "الجواب عندنا أنه لا يُعلم قائله فلا حجة فيه"، ثم يستنكر رفض الاحتجاج بالبيت المجهول قائله فيقول -يعني في شرحه المختصر لشواهد الألفية الشعرية المسمى (تخليص الشواهد وتلخيص والفوائد) -: طعن عبد الواحد الطواح في كتابه (بغية الآمل ومنية السائل) في الاستشهاد بقوله:
........................... ... لا تكثرن إني عسيت صائمًا
وقال: "هو بيت مجهول لم ينسبه الشراح إلى أحد، فسقط الاحتجاج به، ولو صح ما قاله لسقط الاحتجاج بخمسين بيتًا من كتاب سيبويه، فإن فيه ألف بيت قد عُرف قائلوها وخمسين مجهولة القائلين" انتهى كلام ابن هشام.
وهذا الاضطراب الذي وقع فيه ابن هشام يدل على ضعف هذا الأصل عنده، كما يدل على ضعفه أيضًا أن النحاة القدامى كانوا يستدلون بأقوال أعراب مجهولين لا يسمونهم، وينقلون عنهم أقوالًا نثرية، ولم يعترض ذلك معترض من النحاة.
ولا بد من الإشارة إلى أن العلماء كانوا يقبلون ما يذكره الثقة من النحاة كسيبويه، فإنهم قبلوا ما جاء في كتابه وإن لم يعلموا قائله؛ اعتمادًا على أنه ثقة، وفي ذلك يقول البغدادي في (خزانة الأدب الجزء): "الشاهد المجهول قائله وتتمته إن صدر عن ثقة يعتمد عليه؛ قبل، وإلا فلا، ولهذا كانت أبيات سيبويه أصح الشواهد، اعتمد عليها خلف بعد سلف، مع أن فيها أبيات عديدة جهل قائلوها وما عيب بها ناقلوها" انتهى.
стр. 109
ونعود إلى كلام ابن هشام حول قضية الأبيات الخمسين في كتاب سيبويه، فنذكر أن أول من أشار إليها هو أبو عمر الجرمي المتوفى سنة خمس وعشرين ومائتين من الهجرة في قوله: "نظرت في كتاب سيبويه فإذا فيه ألف وخمسون بيتًا، فأما الألف فقد عرفت أسماء قائليها فأثبتها، وأما الخمسون فلم أعرف أسماء قائليها" انتهى.
وقال أبو جعفر النحاس في (مقدمة شرح أبيات سيبويه): "جملة أبيات كتاب سيبويه ألف وخمسون بيتًا منها خمسون غير معروفة" انتهى.
وينبغي أن نفرق بين أمرين: الجهل بالقائل، وعدم نسبة البيت إلى قائل معين، فإن سيبويه لم يكن يحرص على نسبة لجميع الأبيات إلى قائليها؛ لأنه كان واثقًا من صدق الذين أخذها عنهم، وكان واثقًا أيضًا من دقتهم وتثبتهم، فذكر كثيرًا من الشواهد دون اعتداد بذكر قائليها، وقد بلغ عدد الشواهد المنسوبة في (الكتاب) إلى قائليها سبعمائة وتسعة وثلاثين شاهدًا نصَّ فيها سيبويه على اسم الشاعر، كما أن سيبويه استشهد بأبيات أخرى لم يذكر أسماء الشعراء فيها، وإنما ذكر أسماء القبائل التي يُنسب إليها هؤلاء الشعراء، وعدد هذا القسم من الشواهد يبلغ سبعة وأربعين شاهدًا.
وإذا صح ما روي عن أبي عمر الجرمي كان المراد منه أن في الكتاب خمسين بيتًا قد جهل الجرمي نسبتها إلى قائليها، ولا يلزم منه أن يكون في الكتاب خمسون بيتًا يسقط الاحتجاج بها؛ لأن الواجب كون الشاهد معروف القائل حال الاستشهاد به، وطروُّ الجهالة بقائله بعد ذلك لا يضر في ثبوت ما ثبت به حال معرفته، فسيبويه ما استدلَّ إلا بما كان معروفًا مشهور القائل في ذلك الوقت، وما قامت حجته على مخالفيه بتلك الشواهد إلا وهي معروفة القائلين لديهم، مشهورة فيما بينهم.
стр. 110
وقد قال أحد الباحثين المعاصرين: "المتصفح لكتاب سيبويه يلاحظ أن معظم شواهد الشعر فيه كانت معروفة لدى شيوخ سيبويه، وبخاصة الخليل بن أحمد ويونس بن حبيب، ويبدو أن تلك الشواهد كانت متداولة في مجالس العلم حيث ذاك، والظاهر أن سيبويه كان لا يترك شاهدًا سمعه من شاعر، أو من راوٍ، أو من عالم، أو من طالب علم دون أن يعرض ذلك الشاهد على من يثق به من العلماء، وبخاصة شيخاه الخليل ويونس، فعدد كبير من الشواهد التي لا ينصّ سيبويه صراحة على سماعه لها من العرب، أو من أحد العلماء نجده يعرضها من خلال رأي لأحد العلماء بصورة تدل دلالة قاطعة على أن هذا العالم، أو ذاك كان على معرفة بتلك الشواهد ورواياتها، وما يدور حولها من مشكلات لغوية".
هل يُقبل قولُ القائل: "حدثني الثقة "؟
إن اللغة تؤخذ سماعًا من الرواة الثقات ذوي الصدق والأمانة، والأصل في الكلام أن يكون معزوًّا إلى قائله منسوبًا إليه باسمه، وقد يُعدل عن هذا الأصل فيقول النحوي أو اللغوي: حدثني ثقة. ولا يذكر اسمه.
وقد اختلف في حكمه؛ فقيل: يقبل قوله، وقيل: لا يقبل، وقد وقع هذا القول كثيرًا من سيبويه في كتابه، فكان يقول: حدثني ثقة. يريد به شيخه الخليل وغيره.
وقد ذكر السيوطي في كتابه (المزهر) نماذج مما قال فيه النحوي: حدثني ثقة؛ منها قول أبي زيد: "كل ما قال سيبويه في كتابه حدثني ثقة فأنا أخبرته"، ومنها قول أبي زيد أيضًا: "كان سيبويه يأتي مجلسي فإذا سمعته يقول: وحدثني من أثق بعربيته، فإنما يريدني"، ومنها أيضًا ما رواه ثعلب في أماليه قال: "كان يونس يقول: حدثني الثقة عن العرب، فقيل له: من الثقة؟ قال: أبو زيد، قيل: فلم لا تسميه؟ قال: هو حي بعدُ فأنا لا أسميه" انتهى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
следующие страницы →