← Баляга

Баляга · id 11200

البلاغة 1 - البيان والبديع - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (467 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

-[البلاغة ١ - البيان والبديع]- كود المادة: LARB٤٠٩٣ المرحلة: بكالوريوس المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية الناشر: جامعة المدينة العالمية عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

الدرس: ١ علوم البلاغة الثلاثة: أهميتها، والفرق بينها - علم البيان . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الد رس الأول (علوم البلاغة الثلاثة: أهميتها، والفرق بينها - علم البيان) مقدمة في أهمية علوم البلاغة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد: فنبدأ بثمرات هذا المحتوى، الفائدة من وراء ذلك التعرف على أهمية الدرس البلاغي في فهم نصوص الوحي من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وفي فهم كلام العرب شعره ونثره. الأمر الثاني: التعريف على مكونات الدرس البلاغي، والعلوم التي تندرج تحت هذا الدرس البلاغي. الأمر الثالث: التمييز بين هذه العلوم ومعرفة ما يختص به كلٍّ. الأمر الرابع: البدء بتعريف علم البيان، وما يستلزمه هذا التعريف من شرح وتفصيل، وذلك بضرب الأمثلة، وتقديم النماذج التي تُعين على الفهم. نبدأ بهذه المقدمة في أهمية علوم البلاغة: من الأمور المسلم بها أن لعلمي البيان والمعاني مزيد اختصاص بتفسير كلام الله العزيز؛ لأنهما وسيلة لإظهار خصائص البلاغة القرآنية، وما تشتمل عليه الآيات من تفاصيل المعاني، وإظهار وجه الإعجاز، ولذلك كان هذان العلمان يُسميان في القديم علم دلائل الإعجاز، ذلك أن ربَّ العزة -سبحانه- قد منَّ على هذه الأمة بنزول هذا القرآن العظيم، وجعله لها المعجزة العظمى الخالدة، وذلك بعد أن تحدَّى به يقول سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (العنكبوت: ٥١).

стр. 3

وعليه، فلا مناص من تدبره، وتعلمه، وفهم معانيه، ولا سبيل لتحقيق ذلك إلا بتعلم علوم البلاغة. ومن هنا فقد ذكر جُلُّ أهل العلم من المفسرين والمعنيين بعلوم القرآن أن تعلُّم علوم البلاغة هو من أهم ما ينبغي لطالب العلم الشرعي أن يوليه اهتمامه، وأذكر ممن نصُّوا على ذلك بصريح العبارة الإمام الزمخشري، وقد ذكر في كتابه (الكشاف) نقلًا عن الجاحظ في كتابه (نظم القرآن): "أن الفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعظ، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه -علك اللغات يعني: هضمها وأجادها وفهمها حق الفهم- لا يتسطى أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق، إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن وهما: علم المعاني وعلم البيان، وتمهل في ارتيادهما آونة، وتمهل في التنقير عنهما أزمنة، وبعثته على تتبع مظانهما همة". هذا كلام الزمخشري، ويقول السيوطي مشيرًا في كتابه (الإتقان في علوم القرآن)، وقد جعله في ثمانين مطلبًا، يذكر في المطلب الثامن والسبعين كلام أهل العلم في العلوم التي تُشترط للمفسر أن يكون ملمًّا به، وأنها تأتي في خمسة عشر علمًا، الخامس، والسادس، والسابع منها المعاني والبيان والبديع. قال: "لأنه يُعرف بالأول منها خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى -هو علم البيان، وبالثاني -هو البيان- خواصها من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها، وبالثالث -هو البديع- وجوه تحسين الكلام". يقول: "وهذه العلوم الثلاثة هي علوم البلاغة، وهي من أعظم أركان المفسر؛ لأنه لا بد له من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، وإنما هو يدرج بهذه العلوم".

стр. 4

ويسوق السيوطي قول السكاكي: "اعلم أن شأن الإعجاز يدرك، ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة ولا طريق إلى تحصيله لغير ذوي الفطر السليمة، إلا التمرن، وعلى علمي المعاني والبيان"، كما يسوق قول ابن أبي الحديد: "اعلم أن معرفة الفصيح والأفصح، والرشيق والأرشق من الكلام أمر لا يدرك إلا بالذوق، ولا يمكن إقامة الدلالة عليه. وليس كل من اشتغل بالنحو واللغة والفقه يكون من أهل الذوق، وممن يصلح لانتقاد الكلام، وإنما أهل الذوق هم الذين اشتغلوا بعلم البيان، وراضوا أنفسهم بالرسائل، والخطب، والكتابة، والشعر، وصارت لهم بذلك دربة، وملكة تامة، فإلى هؤلاء ينبغي أن يُرجع في معرفة الكلام، وفضل بعضه على بعض". ويسوق السيوطي أيضًا قول الزمخشري: "من حق مفسر كتاب الله الباهر، وكلامه المعجز أن يتعاهد بقاء النظم في حسنه، والبلاغة على كمالها، وما وقع به التحدي سليمًا من القادح؛ حتى لا يطعن فيه طاعن، كما ساق قول غيره معرفة هذه الصناعة بأوضاعها، يقصد بها ملكة الذوق هي عمدة التفسير، المطلع على عجائب كلام الله تعالى، وهي قاعدة الفصاحة وواسطة عقد البلاغة". ثم أفصح السيوطي ﵀ تحت عنوان "ما يجب على المفسر أفصح عن قول العلماء: إنه يجب على المفسر أن يتحرى في التفسير مطابقة المفسر، وأن يتحرز في ذلك من نقص عما يحتاج إليه في إيضاح المعنى أو زيادة لا تليق بالغرض، وعليه بمراعاة المعنى الحقيقي والمجازي، ومراعاة التأليف والغرض الذي سيق له الكلام. قال: "ويجب عليه البداءة بالعلوم اللفظية، وأول ما يجب البداءة به منها تحقيق الألفاظ المفردة يتكلم عليها من جهة اللغة، ثم التصريف، ثم الاشتقاق، ثم

стр. 5

يتكلم عليها بحسب التركيب؛ فيبدأ بالإعراب، ثم بما يتعلق بالمعاني، ثم بالبيان، ثم بالبديع، ثم يبين المعنى المراد" هذا كلام يقوله السيوطي؛ ليبين أن تفسير كلام الله لا بد له من هذه الأمور، وأنه ليس لكل أحد أن يفسر ما شاء بما شاء. وبنحو ما ذكر السيوطي نطق الزركشي في كتابه (البرهان في علوم القرآن) وذلك من قبل السيوطي، ممن أشاد أيضًا بعلوم القرآن صاحب (كشف الظنون) الحاجي خليفة، فذكر ويسرد أسامي العلوم والفنون، ويعزيها لأصحابها: "أن ملاك الأمر في المعاني هو الذوق، ومن طلب البرهان عليه أتعب نفسه". وأوضح -عليه رحمة الله- أن العلوم المتداولة على صنفين: علوم مقصودة بالذات كالشرعيات والحكميات هذه مطلوبة بالأساس، وعلوم هي آلة ووسيلة لهذه العلوم الأولى هي الشرعي، كالعربية والمنطق، ثم ذكر في مطلب علوم اللسان العربي أن أركانها أربعة هي اللغة والنحو والبيان والأدب، ومعرفتها ضرورية على أهل الشريعة بما سبق من أن مأخذ الأحكام الشرعية عربي، فلا بد من معرفة العلوم المتعلقة به. من هؤلاء أشادوا بعلوم العربية الإمام أحمد بن عبد الكريم الأشموني؛ إذ ذكر في كتابه (منار الهدى في الوقف والابتدا)، وتحت عنوان "فوائد مهمة تحتاج إلى صرف الهمة" ذكر عن ابن الأنباري قوله: "أنه لا يتأتى لأحد معرفة معاني القرآن إلا بمعرفة الفواصل، وهو أمر وثيق الصلة بباب الفصل والوصل في علم المعاني"، وكان قد ذكر قبل ذلك، وبعد أن أوضح أن الله ذم اليهود عندما قرءوا التوراة من غير فهم، كما جاء في

стр. 6

قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (البقرة: ٧٨)، ذكر أنه على العاقل الأديب والفطن اللبيب أن يربأ بنفسه عن هذه المنزلة الدنيئة، فيقف على أهم العلوم وآكدها المتوقف عليها فهم الكتاب والسنة، وهو بعد تجويد ألفاظه خمسة، هكذا يذكر الأشموني "علم العربية، والصرف، واللغة، والمعاني، والبيان". الإمام الشوكاني في كتابه (طلب العلم وطبقات المعلمين) يقول: "ينبغي لطالب العلم بعد ثبوت الملكة له نحوًا وصرفًا أن يشرع في علم المعاني والبيان"، وأشار فيما بعد إلى أهمية تعلم علم البديع أيضًا، وهذا هو الطاهر بن عاشور ينقل في المقدمة الثانية لتفسيره (التحرير والتنوير) عن الإمام السكاكي قوله "وفيما ذكرنا ما ينبه على أن الواقف على تمام مراد الحكيم تعالى" وندير بالنا نحو كلمة الحكيم هذه، قد علق عليها الشريف الجرجاني، وعلق عليها ابن عاشور أيضًا يقول: "وفيما ذكرنا ما ينبه على أن الواقف على تمام مراد الحكيم تعالى مفتقر إلى هذين العلمين: المعاني والبيان كل الافتقار، فالويل كل الويل لمن تعاطى التفسير، وهو فيهما راجل" ويقصد بكلمة راجل يعني: لم يحزم أمره ليكون فارس ميدانهما. كما ينقل الطاهر عن السيد الجرجاني تعليقه على ما جاء في كلام السكاكي فيقول: "ولا شك أن خواص نظم القرآن أكثر من غيرها، فلا بد لمن أراد الوقوف عليها إن لم يكن بليغًا سليقة من هذين العلمين"، وقد أصاب السكاكي المحذ؛ إذ خص بالذكر اسم الحكيم من بين الأسماء الحسنى؛ لأن كلام الحكيم يحتوي على مقاصد جليلة، ومعاني غالية لا يحصل الاطلاع على جميعها أو معظمها إلا بعد التمرس بقواعد بلاغة الكلام المفرغة فيه. وقوله "فالويل كل الويل" تنفير؛ لأن من لم يعرف هذين العلمين إذا شرع في تفسير القرآن واستخراج لطائفه؛ أخطأ غالبًا، ويشير ابن عاشور ضمن ما يشير إلى أن في مراد السكاكي من قوله "تمام مراد الحكيم" ما يتحمله الكلام من المعاني

стр. 7

الخصوصية، فمن يفسر قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (الفاتحة: ٥) بإن نعبدك؛ لم يطلع على تمام المراد ليس هذا هو مراد الله ؛ لأنه أهمل ما يقتضيه تقديم المفعول من القصد، وتقديم المفعول هذا مبحث من مباحث أحوال متعلقات الفعل. يُشير الطاهر أيضًا إلى أن القرآن كلام عربي، فكانت قواعد العربية طريقًا لفهم معانيه، وبدون ذلك يقع اللغط وسوء الفهم لمن ليس بعربي بالسليقة. ويقول: "ونعني بقواعد العربية مجموع علوم اللسان العربي، وهي متن اللغة، والتصريف، والنحو، والمعاني، والبيان" كل هذا يريد أن يؤكد على أن مراد البلاغيين ومنهم السكاكي من تمام مراد الحكيم أن يفهم الإنسان مراد الله على حقيقته، وليس هكذا كما هو مثَّل بقوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (الفاتحة: ٥) فليس المراد بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (الفاتحة: ٥) إنا نعبدك هذا معنى يقوله أي إنسان، لكن إياك نعبد لا بد للبليغ، أو للمفسر، أو للبياني أن يعرف أن تقديم المفعول إياك إنما أفاد الاختصاص أي: لا نعبد سواك، فهو اختصاص لعبادة الله وحده لا شريك له، على أن السكاكي الذي لا يزال الطاهر يسوق كلامه لا يكفُّ عن ترداد كلامه السالف الذكر، فنراه يؤكد عليه، ويقول في أخر كلامه عن علم البيان: "لا أعلم في باب التفسير بعد علم الأصول أقرأ على المرء لمراد الله من كلامه من علمي المعاني والبيان، ولا أعون على تعاطي تأويل متشابهاته ولا أنفع في درك لطائف نكته وأسراره، ولا أكشف للقناع عن وجه إعجازه منهما". هذا ويذكر الإمام الألوسي في ثالث ما يحتاج المفسر من أمور، علم المعاني والبيان والبديع قائلًا "ويعرف بالأول خواص التراكيب من جهة إفادتها المعنى، وبالثاني خواصها من حيث اختلافها، وبالثالث وجوه تحسين الكلام، وهو الركن الأقوم واللازم الأعظم في هذا الشأن، كما لا يخفى ذلك على من ذاق طعم العلوم، ولو بطرف اللسان".

стр. 8

موضوع علوم البلاغة، والفرق بينها، وأثرها في النفس موضوع علوم البلاغة والفرق بينها وما تحدثه هذه العلوم من أثر في النفس: من خلال ما سبق تلاحظ أن كلمة أهل العلم مُجمِعة على أنه لا سبيل لفهم وتدبر كلام الله، والتعرف على أسراره البيانية إلا بتعاطي علوم البلاغة، وبخاصة من عبارة الألوسي الأخيرة أن علم البديع لا يقل أهمية عن أخويه المعاني والبيان؛ لكونه العلم الذي به يُعرف وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة، ووضوح الدلالة، فهو فضلًا عن اعتنائه في الأساس بمحسنات الكلام، فإنه يشتمل أيضًا على المعاني والبيان؛ لأن رعاية المطابقة هذا أمر يختص به علم المعاني، ووضوح الدلالة هذا أمر يختص به علم البيان، ولا بد من اجتماعهما في ألوان ومحسنات البديع. علم المعاني يعني بالأساس بجانب المطابقة، يعني: مطابقة الكلام لمقتضى الحال، ويُعرف لدى عبد القاهر بالنظم، ولدى متأخري البلاغيين بالاعتبار المناسب، أو خصائص التراكيب، أو المعاني الثانوية، كل هذه مترادفات لمطابقة الكلام لمقتضى الحال، المعاني الثانوية تكمن وراء المعاني الوضعية للجملة العربية، هذا ما يتعلق به علم المعاني. أما علم البيان: فهو يُعنى باستقصاء الطرق التي ترد عليها هذه التراكيب من تشبيه، واستعارة، وتعريض، وكناية. إذن فمهمة البلاغة البحث عن المعاني الثانوية في الجمل الوضعية، أو اللغوية، وعن معنى المعنى في الجمل الفنية أقصد مشتملة على ألوان البيان من مجاز، وكناية، فخذ مثلًا قول الله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ (طه: ١٧) تجد أن الله حينما سأل موسى ﵇ عما بيمينه وكانت عصا ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ (طه: ١٨).

стр. 9

أتناول الآن معنى كلمة المعاني الثانوية، أو الاعتبار المناسب، أو كلمة النظم، أو الخصائص التراكيب معناها عن طريق هذه الآية، فأي واحد يأتي ويقول: هذا سؤال من الله، وهذا جواب من موسى ﵇: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ (طه: ١٧، ١٨)، لكن البلاغي لا ينظر إلى مجرد هذه الكلمات وحسب، فما يقتضيه الكلام أن الجواب لا بد أن يكون على قدر السؤال، فعندما يسأل ربنا -جل وعلا- موسى ﵇ ويقول له: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ الأصل أن يقول: عصا، هكذا دون حتى ما ذكر للمسند إليه؛ لأنه مفاد من خلال السؤال، لكن موسى ﵇ يقول: هي، فيذكر المسند إليه هو المبتدأ، ﴿هِيَ عَصَايَ﴾، لا يكتفي بكلمة عصا، بل يضيفها إلى نفسه، ثم يقول بعد ذلك ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ رب العزة سبحانه لم يطلب منه هذا كله، ولم يقل له: ماذا تفعل بهذه العصا، لكنه يقول ذلك من باب التلذذ بحضرة الله ؛ لأنه يكلم من؟ يكلم رب العزة ، ولذلك كان من أشياء التي يعاقب الله بها هؤلاء الذين يستحقون العقاب يقول: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ (آل عمران: ٧٧) فجعل ذلك عقابًا لمن يستحق هذا العقاب. إذن فالكلام مع الله فيه استشعار للذة، وهذا ما كان لموسى ﵇ ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ (طه: ١٨)، وكأنه كان ينتظر من الله أن يقول له: وما تلك المآرب الأخرى، هذه المعاني ما كان لها أن تفهم بحال من الأحوال إلا بتعاطي علوم البلاغة، وهذه المعاني هي التي تُسمى المعاني الثانوية يعني: التي تضاف للمعاني اللغوية، أو الوضعية التي تواضع عليها العرب، كذلك عندما تقول مثلًا: ما أنا قلت هذا، هنا إثبات، أي واحد ممكن أن يقول: هو نفي للقول عن نفسه، لكن البلاغي لا ينظر إلى مجرد هذا، وإنما يجد أن هنا تقديم

стр. 10

المسند إليه المنفي على الخبر الفعلي، وهذا يفيد الاختصاص، وعليه فهذه الجملة تفيد ثلاثة أمور: الأمر الأول: إثبات للقول أن قولا قد قيل. الأمر الثاني: هو أنه نفاه عن نفسه على جهة الاختصاص. الأمر الثالث: أنه خص به غيره. ولذلك لا يصح بلاغة أن نضيف على هذه الكلمة أو هذه العبارة، "ولا قاله أحد غيري"؛ لأنه بذلك يكون قد نقض نفسه، ما أنا قلت هذا. يعني: معنى ذلك أن غيره قد قاله، فعندما يقول: ولا قاله غيري إذن، يكون بذلك قد ناقض نفسه. هذه معاني ثانوية ما كان لها أن تُفهم إلا بتعلم علوم المعاني، وأسرار ذكر المسند إليه، وأسرار تقديمه إلى آخر ذلك. وأنت إذا نظرت إلى قولهم: "هو كثير رماد القدر": وعرفت منه أنهم أرادوا أنه كثير القرى والضيافة، لم تعرف ذلك من اللفظ، ولكنك عرفته بأن رجعت إلى نفسك فقلت: إنه كلام قد جاء عنهم في المدح، ولا معنى للمدح بكثرة الرماد إلا أنهم أرادوا أن يدلوا بكثرة الرماد على أنه تُنصب له القدور الكثيرة، ويُطبخ فيها للقرى والضيفان، وذلك لأنه إذا كثر الطبخ كثر إحراق الحطب، وإذا كثر إحراق الحطب تحتها؛ كثر الرماد لا محالة. وهكذا السبيل في كل ما كان كناية، وإذا قد عرفت في الكناية، فالاستعارة في هذه القضية. هذا بالنص كلام عبد القاهر، وأنا أردت أن أسوقه؛ لأبين أن كلام عبد القاهر عندما يذكر في (دلائل الإعجاز) أو (أسرار البلاغة)، إنما كلام تستشعر منه عظمة العبارة وعظمة القائل، وهكذا تكون البلاغة، فأنت تقرأ في كلام عبد القاهر تستمتع، وتستشعر معاني البلاغة بحق. كذلك كل ما فيه على الجملة مجاز، أو إتساع، أو عدول باللفظ عن الظاهر هو داخل في هذا الباب، ويسمى هذا معنى المعنى، وفيه -كما يقول عبد القاهر-

стр. 11

"المعنى ومعنى المعنى" علم المعاني يعتني بالمعاني الثانوية، علم البيان يعتني بمعاني المعاني، أو المعنى ومعنى المعنى، يقول: "وتعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ، والذي تصل إليه بغير واسطة، وبمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يُفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر كالذي فسرته لك"، يقول: "كثير رماد القدر" أي واحد يفهم أن الرماد عنده كثير، لكن ليس هذا هو مراد القائل، وإنما مراده أن يعبر عن كرم الضيافة، وعن كرم الممدوح، وأنه كثير القرى، وكثير الضيافة؛ لذلك يأتي بهذه اللوازم؛ ليصل إلى هذه النتيجة في النهاية، هذا هو معنى المعنى، فمعنى المعنى إذن كما يقول الإمام عبد القاهر: "أن تعقل من اللفظ معنى ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر كالذي فسرته لك، فالمعاني الثواني الذي يومأ إليها بتلك المعاني، هي التي تكسى تلك المعارض، وتزين بذلك الوشي والحلي، وهذا هو معنى المعنى". ما هو أثر علم البيان في النفس؟ يقول شيخ البلاغة الإمام عبد القاهر: "إنك إذا قلت: "هو كثير رماد القدر" كان له موقع وحظ من القبول لا يكون إذا قلت: هو كثير القرى والضيافة، وكذا إذا قلت: "هو طويل النجاد" كان له تأثير في النفس لا يكون إذا قلت: "هو طويل القامة"، وأنت تستشعر هذه المعاني وأنت تميز بين هذه التعبيرات، كثير رماد القدر، يختلف تمامًا عن قولك كثير القرى والضيافة، فرق بين السماء والأرض، طويل النجاد تختلف عن كلمة طويل القامة. إذا قلت أيضًا: رأيت أسدًا، كان له مزية لا تكون إذا قلت: رأيت رجلًا يشبه الأسد ويساويه في الشجاعة، وحسبك أنك اختصرت كل هذا في كلمتين: رأيت أسدًا، وكذلك إذا قلت: أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى، كان له موقع لا يكون إذا قلت: أراك تتردد في الذي دعوتك إليه كمن يقول: أخرج أو لا أخرج، فيقدم رجلًا ويؤخر أخرى، أنت لك أن تستشعر أيهما أبلغ في الدلالة، أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى، أم أنك تقول: أراك تتردد في الذي دعوتك إليه كمن يقول أخرج ولا أخرج فيقدم رجلا ويؤخر أخرى، هذه هي معنى المعنى، كذلك إذا قلت: ألقى حبله على غاربه، كان له مأخذ في القلب لا يكون إذا قلت: هو كالبعير الذي يُلقى حبله على غاربه، الغارب هو الكاهل من ذي الخف هو الجمل، وهو ما بين السنام والعنق،

стр. 12

يقول: هو كالبعير الذي يلقى حبله على غاربه حتى يرعى كيف يشاء، ويذهب حيث يريد كل هذه العبارة تُختصر في كلمة ألقى حبله على غاربه. وأخذ هذا المعنى وقاله لمن كان حاله هكذا، "فلا تُجهل المزية فيه، أو لا يجهل المزية في هذه الكلمات أو العبارات المختصرة" هذا كلام عبد القاهر "إلا عديم الحس ميت النفس، وإلا من لا يكلم؛ لأنه من مبادئ المعرفة التي من عدمها لم يكن للكلام معه معنى، وهكذا السبيل في كل كناية والاستعارة من هذه القضية" انتهى من كلام عبد القاهر. هذا الكلام نخلص منه في النهاية إلى أن كل ما تعلق على جهة الحقيقة بالاعتبار المناسب، وكان مرجع البلاغة فيه مراعاة المعاني الثانوية، والاحتراز عن الخطأ في تعدية المعنى المراد؛ اختص بعلم المعاني، وكل ما كان على جهة الاتساع، أو بعبارة عبد القاهر "فيه على الجملة مجاز وعدول باللفظ عن الظاهر، وهو ما أطلقوا عليه معنى المعنى؛ اندرج تحت علم البيان"، هذا هو الفرق بين هذا وذاك، أو بين العلمين، وكل ما كانت المزية فيه راجعة لتحسين الكلام بالأساس، وتزيينه بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة جاء بالطبع مؤخرًا ودخل تحت علم البديع، هذا هو الفرق بين المعاني والبيان والبديع. كذلك نخلص من كل ما سبق إلى أن ذلك لا يعني انفصال هذه العلوم بعضها عن بعض، إذ ما من ضرب من هذه الضروب إلا وهو إذا وقع على الصواب، وعلى ما ينبغي أوجب الفضل والمزية، كما أن ثمة عاملًا مشتركًا يجمع بين علم المعاني المعني بالأساليب، وعلم البيان هو المعني بطرق إيرادها، يتمثَّل هذا العامل المشترك إلى جانب حسن الدلالة وإحداث المزية التي بها يتفاضل كلام على

стр. 13

كلام، يتمثل في أن كلًّا يبحث بطريق غير الآخر عما وراء دلالات الألفاظ الوضعية، وفيما يتصل بخصائص القول التي تعود على المعاني. فقضية البلاغة وموضوعها في تصور عبد القاهر، بل وفي تصور عامة البلاغيين هو حسن الدلالة، أو المزية التي يتفاضل بها الكلام، وأن النظم مناط هذه المزية، وعامل مشترك بين النحو والبلاغة، وأن مقتضى الحال يتسع ليشمل ما لا نهاية له من معاني النحو المتآخية فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يُصاغ لها الكلام، أو المرتبطة بالمعاني الثانوية، أو بخصوصيات الكلم وما يتخلله من الأحوال الداعية إليها، وأنه لذلك جعله عبد القاهر محور كتابيه (دلائل الإعجاز) و (أسرار البلاغة) اللذين خليا تماما من الحديث عن الدلالة الوضعية؛ لخلوها من المزية، وإن كانت صحتها قيدًا في البلاغة، وتمييز الكلام الفصيح من غيره. على أن دائرة هذا النظم تتسع أكثر لتشمل إلى جانب ما اختص بعلم المعاني -أعني: المعاني الثانوية: وهو اللفظ الملتبس بتآخي معاني النحو- تشمل كذلك ألوان البيان؛ لدلالة اللفظ فيه على معنى معناه، وألوان البديع؛ لكونها لا تتم إلا بنصرة المعنى، فلا ينبغي أن نعزل قضية النظم، ونقول: إنها أمر خاص بعلم المعاني، كما يفعل، أو كما يحدث من كثير من البلاغيين يظن أن قضية النظم إنما هي خاصة بعلم المعاني، ولا تمتُّ بصلة إلى علم البيان أو البديع، العكس صحيح النظم لا بد أن تتسع دائرته؛ لتشمل كل هذه الجوانب، الأمر الذي يؤكد أن هناك عوامل مشتركة تجمع بين هذه العلوم جعلت علماء البلاغة يجمعون فيما بينها، ويدرجونها تحت علوم البلاغة، أو تحت مسمى البلاغة. هذا لا يعني أن هناك فروق دقيقة -كما ذكرنا- تميز بين هذه العلوم الثلاثة.

стр. 14

علم البيان بقي أن نتكلم عن علم البيان الذي هو موضوع حديثنا، فنعرج على تعريفه، ونتكلم عن مرجع تفاوت دلالته اللفظية وأدواته: البيان كما هو معلوم نعمة امتن الله بها على عباده حيث قال جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن: ١ - ٤) فهو بهذا التعليم تميز عن كثير من الخلق، وصار ناطقًا مبينًا يستطيع أن يعبِّر عما يجول بخاطره من المعاني، وأن يوصلها إلى غيره من البشر، ويتلقاها الغير عنه؛ فيتم التفاهم، وتتحقق السعادة بين البشر. والبيان في اللغة يعني: الظهور، والوضوح، والإفصاح، يقال: بان الشيء بيانًا أي: اتضح، وأبنته أوضحته، واستبان الشيء أي: ظهر، وبان الصبح لذي عينين أي: ظهر ووضح، والبيان الفصاحة والإفصاح مع ذكاء، والبيِّن من الرجال السمح اللسان، الفصيح الظريف، العالي الكلام، في حديث النبي ﷺ ((إن من البيان لسحرًا، وإن من الشعر لحكم)) قال ابن عباس: "البيان إظهار المقصود بأبلغ لفظ، وهو من الفهم وذكاء القلب مع اللسن، وأصله الكشف والظهور"، هذا الكلام ذكره صاحب (لسان العرب) في مادة بين. البيان عند الجاحظ: "اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، حتى يُفضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله"، وهو لدى الرماني "الإحضار لما يظهر به تمييز الشيء من غيره في الإدراك"، أرى عبد القاهر أنه من مقتضيات النظم، فهو به يكون وعنه يحدث، ومحصلة كل ذلك أن البيان بمعناه اللغوي، أو المعنى العام، أو الأدبي يعني: التعبير عما يدور في الذهن، وتحسن به النفس بأسلوب فني رائع، أو هو المميزات التي يتفاضل بها الأدباء والشعراء، ويظهر بها فضل كلام على كلام.

стр. 15

وهو بهذا المعنى يشمل علوم البلاغة الثلاثة المعاني والبيان والبديع، ويرادف الفصاحة والبلاغة والبراعة التي أدرجها جميعًا عبد القاهر تحت مسمى، أو باب واحد. هذا كله كلام في معنى البيان لكن بمعناه الواسع، أو بمعناه اللغوي. البلاغيون لهم اصطلاح في تعريف البيان، فما هو تعريف البيان في اصطلاح البلاغيين قالوا: "إنه العلم الذي به يُعرف إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه" وهو بهذا يتميز عن علم المعاني الذي يُعرف به أحول اللفظ العربي، التي بها يطابق مقتضى الحال، كما يتميز عن علم البديع الذي يبحث في وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة، ووضوح الدلالة، وقبل أن نتناول تعريف علم البيان بالشرح يروق لنا أن نسوق هذه الأمثلة؛ ليتكشف لنا علم البيان والمجال الذي يختص به دون سواه، أذكر بعض أبيات في معنًى واحد ينطبق عليها التعريف، أتت بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه، على هذا المعنى الواحد يقول الشاعر الحماسي: هم البحور عطاء حين تسألهم ... وفي اللقاء إذا تلقى بهم بُهُم شاعر آخر هو بديع الزمان الهمذاني يقول: يكاد يحكيك صوب الغيث منسكبًا ... لو كان طلق المحيَّا يمطر الذهب يقول أبو نواس: إن السحاب لتستحيي إذا نظرت ... إلى نداك فقاسته بما فيها وتقول الخنساء: وكنت إذا كفٌّ أتتك عديمة ... ترجِّي نوالًا من سحابك بلتي

стр. 16

يقول شاعر آخر هو الفرزدق: أبي أحمد الغيثين صعصعة الذي ... متى تُخلف الجوزاء والدلو يمطر يقول البحتري: وصاعقة من نصله تنكفي بها ... على أرأس الأقران خمسً سحائب يقول آخر: يزكون نار القرى في كل شاهقة ... يًلقى بها المندل الهندي محطوما يقول آخر: وما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل تقول أيضًا الخنساء في بيت ترثي فيها أخاها صخر: طويل النجاد رفيع العماد ... كثير الرماد إذا ما شتى ويقول أبو نواس: فما جازه جود ولا حلَّ دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير أنت واجد الأبيات العشرة جميعها في معنى واحد هو الكرم، هذا هو معنى واحد جمع بين هذه العشرة أبيات، لكنك تلحظ في كل بيت له ما يميزه عن سواه، فالبيت الأول جاء على هيئة تشبيه حُذف أداته: هم البحور عطاء حين تسألهم ... ............................... حذفت الأداة، وهذا يسمى بالتشبيه المؤكد. يقول: هم البحور عطاء حين تسألهم ... وفي اللقاء إذا تلقى بهم بُهُم فهنا البيت جاء على صورة التشبيه،

стр. 17

البيت الثاني فيه تشبيه بعيد يقول فيه الشاعر: يكاد يحكيك صوب الغيث منسكبًا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهب هذا التشبيه البعيد إنما كان هكذا غريبًا وبعيدًا؛ لأنه أتى بأسلوب شرط ميز فيه كرم الممدوح عن الغيث، يقول: يكاد يحكيك يعني: يشبهك. يكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... .................................. جعل كرمه أو عطاؤه هو المشبه، وصوب الغيث هو المشبه به يعني: تشبيه مقلوب لذلك كانت فيه مبالغة، وكان فيه شرط ................................ ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهب فهذا البُعد جاء من أسلوب الشرط الذي احتواه هذا البيت، كما جاء كذلك من التشبيه المقلوب، حينما جعل المشبه مشبهًا به والمشبه به مشبه، نجد البيت الثالث يقول فيه الشاعر: إن السحاب لتستحيي إذا نظرت ... إلى نداك فقاسته بما فيها هذا تشبيه ضمني، حيث فُهم التشبيه من خلال فحوى الكلام، فيه يشبه الشاعر الممدوح بالسحاب، ولُمح فيه الطرفان من المعنى وبما تضمنه السياق، ودون ما تصريح في المشبه أو المشبه به. البيت الرابع الذي يقول فيه الشاعر: وكنت إذا كفٌّ أتتك عديمةً ... ترجِّي نوالًا من سحابك بُلَّتي فيه مجاز مرسل، هذا علاقته الجزئية حيث عبر بالكفِّ "وكنت إذا كف أتتك"، وأراد بهذا الكف الإنسان المعدم، فما أن مُدَّت إلى الممدوح إلا ونادت بالعطاء. البيت التالي هو يقول فيه الفرزدق: أبي أحمد الغيثين صعصعة الذي ... متى تخلف الجوزاء والدلو يمطر

стр. 18

هذا البيت فيه استعارة مرشحة حيث ذكر ما يلائم المستعار منه، وهو قوله "يمطر"، وفي البيت نجد أنه بالغ في المدح أبيه صعصعة، فجعله أحمد الغيثين يعني: أفضل من الغيث الذي ينزل من السماء، وأكثر منه كرمًا، وندى، وعطاء، هذه مبالغة تُحمد للشاعر، والشعراء كما نعرف ﴿فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ (الشعراء: ٢٢٥). البيت الثالثة يقول فيه البحتري: وصاعقة من نصله تنكفي بها ... على أرأس الأقران خمس سحائب فتجد فيها استعارة تصريحية؛ لأنه شبه أصابع الممدوح بالسحاب، وحذف المشبه، وصرح بلفظ المشبه به، لكن هذه الاستعارة تميزت بأن قرائنها قد تعددت والتأمت؛ بحيث لا تصلح إلا هكذا مجتمعة، ذلك أنه استعار السحائب لأصابع الممدوح بجامع الجود والعطاء، ثم جعل القرينة ما ذكره من وجود صاعقة ناشئة من نصل سيفه تنقلب على رءوس أقرانه من الأعداء، ثم جعل الذي يقلبها عدده خمسة هي عدد أصابع يده. البيت السابع الذي يقول فيه الشاعر: يزكون نار القرى في كل شاهقة ... يلقى بها المندل الهندي محطوما نجد أن فيه كناية قريبة عن الكرم؛ لأن إذكاء النيران في الأماكن العالية لإرشاد الضيوف، علامة كرم، العلاقة هنا علاقة تلازم؛ حيث عُرف هذا عن العرب، والمندل الهندي عود طيب الرائحة يُستجلب من الهند، والمحطوم يعني: المكسور. البيت التالي وهو البيت الثامن: وما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل

стр. 19

تجد أنه أيضًا كناية عن صفة، لكنها كناية بعيدة؛ لأنه انتقل من جبن الكلب إلى الكرم، بوسائط فجبن الكلب من النباح يستلزم استمرار تأديبه، وهذا يستلزم دوام مشاهدته، وهذا يستلزم أن صاحبه أضحى مقصد الداني والقاصي، هذا كله دالٌّ على جوده وكرمه، مهزول الفصيل الفصيل هو ولد الناقة، وهزاله بحرمانه من لبنها؛ لنحرها للضيوف أو إطعامهم لبنها، إيثار الضيوف بها على الفصيل. قريب من ذلك بيت الخنساء التي تقول فيه: طويل النجاد رفيع العماد ... كثير الرماد هذا محل الشاهد. .................................. ... كثير الرماد إذا ما شتى فكثرة الرماد هذه كناية عن الكرم والجود؛ لأن كثرة الرماد، إنما تأتي من كثرة إحراق الحطب، وهذا يستلزم كثرة ما يُطبخ، وهذا يستلزم كرم الممدوح، ومدى الجود الذي يفيض به على الناس في إيثار الخنساء لكلمة "إذا ما شتى" دلالة على المبالغة في الكرم؛ لأنه وقت تشتد فيه حاجة المحتاجين. نجد في البيت الأخير يقول الشاعر: فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير هذه كناية عن نسبة حيث كنى عن نسبة الجود إلى الممدوح بإثباته للمكان الذي يوجد به، ويحل فيه، فلا يتجاوزه، ولا يحل دونه. أقرأ مرة أخرى الأبيات العشرة في معنى الكرم؛ لنعرف معنى إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة: الأبيات العشرة: هم البحور عطاء حين تسألهم ... وفي اللقاء إذا تلقى بهم بهم يكاد يحكيك صوب الغيث منسكبًا ... لو كان طلق المحيَّا يمطر الذهب إن السحاب لتستحيي إذا نظرت ... إلى نداك فقاسته بما فيها وكنت إذا كف أتتك عديمة ... ترجي نوالًا من سحابك بلتي ... سحابك بلتي أبي أحمد الغيثين صعصعة الذي ... متى تخلف الجوزاء والدلو يمطر وصاعقة من نصله تنكفي بها ... على أرأس الأقران خمس سحائب يزكون نار القرى في كل شاهقة ... يلقى بها المندل الهندي محطوما وما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل طويل النجاد رفيع العماد ... كثير الرماد إذا ما شتى فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير هكذا نجد المعنى الواحد وهو الكرم يتعدد، ويأتي في صور مختلفة، أو في طرق مختلفة مع وضوح الدلالة على معنى الكرم، ولعله قد وضح أمامنا الآن من خلال التمثيل معنى الكرم مقصود التعريف هو الميدان الذي يجول فيه هذا العلم؛ لأن الكثير من الحداثيين يقولون: أن العلم البلاغة قاصر؛ لأنه يقتصر على المعنى الواحد في علم البيان، وهم فاتهم أن هذا إنما هو علم مكمل لعلم المعاني؛

стр. 20

فالمعاني يشمل كل ضروب القول شعرًا ونثرًا، وقرآنًا وسنة، خصائص التراكيب في كل كلام العرب، وفي كل ما وصل إلينا من كلام بليغ. لكن علم البيان تكلم عن الوجوه والطرق التي يتأتَّى بها هذا الكلام البليغ، فهذا له مجال، وهذا له مجال، وكل منهما يُكمل الآخر، ونزيد هنا فنقول: أن كلمة علم، نريد أن نعرج إلى تعريف علم البيان، يقولون: علم يُعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه، فكلمة علم تعني مجموعة القواعد، والضوابط، والقوانين التي يُعرف بها إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة، كضوابط الاستعارة، والمجاز، وقوانين الكناية، والتعريض، والذي لا يقلُّ عن ذلك أهمية هو الملكة التي تتربَّى لدى الدارس؛ لتذوق هذه الضوابط، وتطبيقها على النصوص. ومرادهم بالمعنى الواحد المعنى الذي يعبر عن المتكلم بكلام تام مطابق لمقتضى الحال، على ما مر بنا من أمثلة حول معنى الكرم، قولهم بطرق مختلفة مع وضوح الدلالة عليه يعني: متعددة ومتفاوتة في درجة الوضوح، بأن يكون بعضها واضح، وبعضها أوضح، وبعضها أشد وضوحًا، ألا ومرادهم بكلمة مع، أو في وضوح الدلالة عليه. المقصود من كلمة الدلالة في علم البيان: الدلالة اللفظية، لماذا؟ لأننا عندنا عدة دلالات، فهناك ما يسمى بدلالة العقد، وهي دلالة الحساب التي تكون بأصابع اليد، وهناك دلالة الإشارة، وتكون باليد، أو بالرأس، أو العين، أو الحاجب، هناك دلالة الخط التي هي دلالة الكتابة، هناك دلالة الحال التي، كدلالة الحمرة على الخجل، الذي يعنينا هو الدلالة اللفظية. والبلاغيون اعتمدوا هذه الدلالة اللفظية، وأسموها بالدلالة العقلية، وهذه تشمل دلالة التضمين ودلالة الالتزام، هذه مصطلحات ذكرها السكاكي،

стр. 21

وأدخلها في علم البيان، معنى دلالة التضمين يعني: دلالة اللفظ على جزء مسماه، كدلالة لفظ الدار على السقف، هذه تدخل معنا؛ لأن التعبير بالكل وإرادة الجزء هذا من المجاز المرسل. دلالة التزام: دلالة اللفظ على معنى خارج عن مسماه، كدلالة لفظ الأسد على الشجاع، هذا يدخل معنا في التشبيه وفي الكناية. إذن فالدلالة المقصودة هنا هي الدلالة اللفظية التي تشمل دلالة التضمين، ودلالة الالتزام، أما غيرها من أنواع الدلالات لا يدخل معنا بحال من الأحوال، ولا يجوز أن يكون وضوح الدلالة بمنأى عن مراعاة مقتضى الحال، بل يجب على البيان أن يُراعي بالإضافة إلى وضوح الدلالة على المعنى الذي يريده، أو الذي يريد أداءه مطابقته لمقتضى الحال، فيجمع بذلك بين وظيفتي علم البيان والمعاني، فلا بد أن يُراعي ذلك. هناك درجات للتفاوت في وضوح الدلالة، هذه الدرجات لا بد من ضبطها، أو تكون عن طريق ثلاث أمور: الأمر الأول: اختلاف طرق التعبير عن المعنى الواحد، فيمكن لك أن تقول مثلًا: زيد شجاع هذه حقيقة، تقول: زيد كالأسد شجاعة، هذا تشبيه اجتمعت فيه كل أركان التشبيه، تقول: زيد كالأسد، فتحذف وجه الشبه، أو كأنه الأسد، ويسمى هذا بالتشبيه المجمل، أو تقول: زيد أسد في الشجاعة، تحذف أداة التشبيه وهو التشبيه المؤكد، أو زيد أسد يُسمى تشبيه بليغ؛ لأنك حذفت الوجه والأداة، كل هذه طرق مختلفة في أداء المعنى الواحد،

стр. 22

ممكن تقول مثلًا: رأيت أسدًا يخطب الناس، هذه استعارة تصريحية يعني: رأيت رجلًا كالأسد، أو تقول في الاستعارة المكنية: انبرى لي فارس يزأر، وأنت تريد انبرى رجل فارس شبيه بالأسد، فحذفت المشبه به، ورمزت له بكلمة يزأر. كذلك التفاوت يظهر في قرب المعنى المجازي أو الكنائي من المعنى الحقيقي وبعده عنه، فالقريب مثلًا تقول: زيد يطير في حاجتك، تستعير الطيران للعدل هذا قريب، البعيد مثلًا تقول: جبان الكلب مهزول الفصيل، كما سبق وأن ذكرت. يدخل في درجات التفاوت درجة وضوح القرينة الدالة على المعنى المراد، قد تكون القرينة واضحة؛ بحيث يدركها السامع لأول وهلة، كما تقول مثلًا: رأيت أسدًا يخطب على المنبر، فمثل هذا يكون فيه المعنى غاية في الوضوح، وقد يكون ذلك بعيدًا. نسأل أن يوفقنا لما فيه خير للدنيا والآخرة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 23

الدرس: ٢ التشبيه (١) .

стр. 24

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني (التشبيه (١)) تعريف التشبيه الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد: فسبق وأن تحدثنا عن مكانة البلاغة بين العلوم النافعة، ثم عرجنا بعد ذلك على تعريف البيان، ثم ذكرنا أنواع دلالته، وأنها دلالة لفظية: وهي من نوع دلالة التضمن أو الالتزام، وليست المطابقة. التشبيه: تعريفه، وأركانه، وأقسامه باعتبار طرفيه. التشبيه: يعني الدلالة على مشاركة أمر لآخر في معنى بإحدى أدوات التشبيه، أو بوجه يُنبئ عنه كقولك مثلًا: محمد كالأسد شجاعة. فالأمر الأول: في هذا المثال محمد وهو المشبه. والأمر الثاني: الأسد وهو المشبه به، وأداة التشبيه هنا الكاف كالأسد، والمعنى المرتبط بالأمرين المشبه والمشبه به هو الشجاعة، ويُعرف بوجه الشبه. وقولنا بإحدى أدوات التشبيه يُخرج الاستعارة بنوعيها؛ لكونها مبنية على تناسي التشبيه، كما يُخرج أيضًا نحو قولنا: جاءني محمد وعلي، وجاور زيد عمرًا، وغير ذلك من الصيغ الدالة على المشاركة، لكن بطرق أخرى من غير طريق أدوات التشبيه. قولنا "أو بوجه ينبئ عنه": يُدخل ما كان من التشبيه غير صريح، كقولك في بعض صيغ التجريد: لئن سألت فلانًا لتسألن به البحر، أو تقول: لقيت من زيد أسدًا، فالتجريد هو أن يُنتزع من أمر ذي صفة أمر آخر مثله في تلك الصفة؛ مبالغة في كمالها فيه، ويدخل أيضًا التشبيهات الضمنية كقول المتنبي: لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء يريد أن الحياء انعدم من شمس النهار عندما سطع نورها، وتجرأت أن تعارض وتلاقي وجه ممدوحه، هذه طبعًا مبالغة يريد الشاعر من خلالها أن يبين أن نور ممدوحه يفوق شمس النهار، وقد تكون هذه الأشياء الأربع للتشبيه: وهي

стр. 25

المشبه، والمشبه به، وأداة التشبيه، ووجه الشبه بيِّنة ظاهرة، مصرحًا بها، أو ببعضها كما مر في قولنا: محمد كالأسد شجاعة، وكما في قول الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِي الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ (الرحمن: ٢٤)، وقد تكون خفية مستترة يُنبئ بها الأسلوب، وتُفهم من خلال سياق الكلام، كما مر بنا في التشبيهات غير الصريحة كقولنا مثلًا: لقيت من زيد أسدًا، ولئن سألت فلانًا لتسألن به البحر، إلى غير ذلك من التشبيهات الضمنية، أو التي يدخل فيها معنى التجريد. وهنا يأتي سؤال ما نوع الدلالة في التشبيه، وما موقع التشبيه إن كانت دلالته دلالة مطابقة من المباحث البيانية؟ وما قد مر بنا أن الدلالة المعتمدة لدى البيانيين هي الدلالة اللفظية، وتشمل هذه الدلالة دلالة الالتزام ودلالة التضمين. والملاحظ في دلالة التشبيه أنها ليست دلالة التزام ولا تضمين، وإنما هي دلالة مطابقة؛ لأن كلًّا من المشبه والمشبه به، والأداة ووجه الشبه مستعمل في معناه الوضعي، ودال على تمام معناه. ومن المعلوم كما سبق أن ذكرنا أن المعاني المعبر عنها بألفاظ وضعية دالة على تمام معناها تكون واضحة الدلالة، وعلم البيان إنما يبحث في الدلالات التي تختلف في درجات الوضوح، وهي الدلالات غير الوضعية. من هذا اختلف البيانيون في موقع التشبيه من علم البيان، هل يُعدُّ من مباحثه الرئيسة، أم أنه مبحث تمهيدي لمباحث الاستعارة، وافترقوا على رأيين: رأي يرى أن التشبيه مبحث تمهيدي لدراسة الاستعارة، وليس مبحثًا رئيسًا لما ذكرنا من أن دلالة التشبيه دلالة مطابقة، يُعبَّر عن معانيها بألفاظ حسب

стр. 26

أوضاع اللغة، وليس فيها معانٍ وراء ذلك، كما ذكرنا في علم المعاني، وعلم البيان، وأنها تبحث عن المعاني الثانوية، أو معنى المعنى في علم البيان؛ بينما يرى فريق آخر أن التشبيه من مباحث علم البيان الرئيسة، ومن مقاصده الأساسي، وحجتهم في ذلك أن التشبيه ليس على درجة واحدة من الوضوح، بل تتفاوت درجاته، وتتعدد أقسامه، وتختلف مراتبه؛ فهناك التشبيه الواضح، وهناك التشبيه الضمني، وهناك التشبيه البليغ محذوف الوجه والأداة، وهناك المؤكد محذوف الأداة، والمرسل الذي ذُكرت فيه الأداة، وهناك التشبيه المفصل الذي ذكر فيه الوجه، وهناك المجمل، كما أن هناك تشبيه الحسي، والعقلي، وهناك المفرد والمركب، إلى غير ذلك. وهذا التفاوت والاختلاف ظهورًا وخفاء، ووضوحًا ودقة يجعله من المباحث الرئيسة لعلم البيان، وهذا الرأي هو الأولى بالقبول؛ فلا أحد من علماء البيان يختلف في أن للتشبيه اعتباراته الدقيقة، ولطائفه العجيبة، ومحاسنه العديدة، وهذا ما جعله موضع اهتمامهم، ولما لا وباب الاستعارة مبني أساسًا عليه، ومن ثَمَّ فهو أساس في علم البيان لا يمكن الاستغناء عنه بحال من الأحوال. أركان التشبيه نتكلم عن أركان التشبيه، وما يتحتم ذكره منها: أركان التشبيه خمسة: أولها: المشبه: وهو -كما قلنا- الأمر الذي يُراد إلحاقه بغيره. ثانيها: المشبه به: وهو الأمر الذي يُراد إلحاق غيره به، ويُسمى كل من المشبه والمشبه به طرفا التشبيه.

стр. 27

ثالثها: هو وجه الشبه، وهو المعنى الجامع الذي يشترك فيه الطرفان، ويكون في المشبه به أعرف وأشهر منه في المشبه، وغالبًا ما يكون في المشبه به أقوى وأكمل أيضًا من المشبه، ونقول غالبًا؛ لأننا سنرى أن الأمر يكون على عكس ذلك في بعض الأحيان. الأمر الرابع: أداة التشبيه، وهي اللفظ الذي يربط بين الطرفين، ويدل على التشبيه. الأمر الخامس: الغرض من التشبيه، وهو الهدف أو الفائدة التي من أجلها يسوق المتكلم التشبيه والغاية التي ينشدها من ورائه، وهو الذي لا ذكر له في الكلام، فالمعتبر ذكره في الكلام إذن من هذه الأركان هي الأربعة الأولى؛ لأن الغرض هذا أمر يُضمره المتكلم في نفسه، ولا يظهر في طيات كلامه. وهنا سؤال ما الذي يتحتم ذكره من هذه الأركان الأربع، وما الذي يجوز حذفه؟ الأركان الأربعة الأولى قد تذكر جميعها في جملة التشبيه، كما سبق أن ذكرنا في قولنا مثلًا: محمد كالبحر عطاء، وعمرو كالأسد شجاعة، فهنا المشبه، والمشبه به، وجه الشبه، وأداة التشبيه، وقد تُحذف الأداة كما نقول مثلًا: محمد بحر في العطاء، وذلك إذا كان المقام يقتضي المبالغة في المشابهة، وقد يحذف الوجه، فنقول مثلًا: أنت أسد، محمد بحر، ويعرف هذا بالتشبيه البليغ. وقد يلحق المشبه بالوجه والأداة فيحذف معهما، ويبقى المشبه به فقط في سياق الكلام، من ذلك مثلًا ما جاء في قول الله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ١٧١) تقدير الكلام هم كالصم، هم كالعمي، هم كالبكم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ففي هذه الآية تمَّ حذف الأداة ووجه الشبه، وكما ذكرنا حُذف أيضًا المشبه، وحذف المشبه هنا في الآية لا يُخرج الكلام عن دائرة التشبيه؛ لأن القاعدة المشهورة تقول: أن المقدر كالمذكور

стр. 28

خلافًا لما في نحو قولنا مثلًا: في الاستعارة رأيت أسدًا، وحدثته، وشاهدت بحرًا في المسجد، لماذا، ما الفرق بين هذا وذاك؟ لأن المرجع في هاتين الأخيرتين مبنيتان على تناسي التشبيه، وبولغ في طيه هو المشبه، وبولغ كذلك في تجاهله، ولذلك نقول: إن هاتان من قبيل الاستعارة، رأيت أسدًا وحدثته، وشاهدت بحرًا في المسجد مثل هذا لا يُعد تشبيهًا، وإنما يعد استعارة. أما المشبه به فهذا هو الذي يتحتم ذكره، ولا يتأتى حذفه بحال من الأحوال؛ لأن في حذفه تفويتًا للغرض المقصود من التشبيه. نتكلم عن أقسام التشبيه باعتبار طرفيه، فمباحث الطرفين هما المشبه والمشبه به، نظر البلاغيون إلى هذين الركنين فوجدوا أن لهذين الركنين صفات، وأحوال، وعلى أساس هذه الصفات والأحوال نوعوا التشبيه وقسموه، فالطرف قد يكون حسيًّا، وقد يكون عقليًّا، وقد يكون مفردًا، وقد يكون مقيدًا، وقد يكون أمرًا واحدًا، وقد يكون متعددًا. هذه كله يحتاج إلى تفصيل حتى نعرف مباحث الطرفين، ونذكر هذه الأقسام والأنواع، ونضعها دائمًا في أذهننا، ونحن نطبق هذا على الأمثلة التي تعترضنا. نبدأ أولًا بأقسام التشبيه باعتبار الحسية والعقلية: أولًا معنى حسية الطرف وعقليته: حسية الطرف: أن يكون مدركًا هو أو مادته التي يتركب منها بإحدى الحواس الخمسة الظاهرة، وهي البصر، والسمع، والشم، والذوق، واللمس. وعقلية الطرف: ألا يكون هو ولا مادته مدركًا بالحواس بأن يكون من المعاني التي يُدركها المرء بعقله مثل: العلم، والحياء، والذكاء، والمروءة، ومثل

стр. 29

الكرامة، والإباء، والنجدة، أو أن يكون من المعاني التي يحسها بوجدانه مثل الجوع، والعطش، والشبع، والفرح، والحزن، والطمأنينة، والخوف. فلا مدخل للحواس الخمس في إدراك هذه الأمور على الإطلاق، وإنما مجال إدراكها هو العقل أو الشعور الوجداني، والحس الباطني، يلحق بالعقل الأمور الوهمية التي لا وجود لها ولا لمادتها في الخارج، ولكنها استقرت في وهم الإنسان؛ نتيجة أسطورة مثلًا، كما في قول امرئ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال فهو يشبه بأنياب الأغوال، وفرق بين الطرف العقلي والطرف الوهمي، فالعقلي له وجود وثبوت وتحقق في الذهن، ولكن لا مدخل للحواس في إدراكه. أما الوهمي فلا ثبوت، ولا تحقق له عقلًا ولا حسًّا؛ لعدم وجوده أصلًا، كما أن هناك فرقًا بين الطرف الوهمي والطرف الخيالي، الذي هو ملحق بالطرف الحسي؛ فالخيالي هيئته التركيبية لا وجود لها، ولكن أجزاء هذه الهيئة ومادتها موجودة ومدركة بالحواس. أما الوهمي فلا وجود له ولا لأجزائه البتة حتى تُدرك أو تُشاهد، وسنذكر من الأمثال ما تتضح به هذه الأقسام جميعًا. فعندنا مثلًا التشبيه يتنوع باعتبار حسية طرفيه أو عقليته إلى عدة أقسام، فهناك: تشبيه محسوس بمحسوس، وهناك عقلي بعقلي، هناك عقلي بحسي، وهناك حسي بعقلي، هذا هو ما تقتضيه القسمة العقلية. سنذكر بعض الأمثلة حتى تتضح هذه الصور، وهذه الأقسام، وليست هذه الأٌقسام -هذا أمر لا بد من التنبيه عليه- مقصودة لذاتها، ولكن فقط للتعليم ولتمرين الإنسان والعقل على كيفية التعرف على هذه الأقسام، وهذه الأنواع، لكن الأصل في البلاغة هو التذوق كما نعلم هذا جيدًا،

стр. 30

فعندنا مثلًا قول الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ (الصافات: ٤٨، ٤٩)، قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ (الواقعة: ٢٢، ٢٣)، قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ (الرحمن: ٥٨)، فالمشبه في كل هذه الآيات هو نساء أهل الجنة، والمشبه به هو بيض النعام، واللؤلؤ المكنون، والياقوت، والمرجان، وكما نرى كلها من المبصرات فهي مدركة بحاسة البصر؛ إذن فهي حسية. ونتأمل الدقة في هذه الآيات لنرى مدى إبراز جمال الحور، والإبداع في تصوير حسنهن، فهن حور وقاصرات الطرف، وعين يعني: مبالغة في الحسن، وحور أي: شديدات سواد العيون وبياضها، وقاصرات الطرف يعني: حابساتها على أزواجهن، وعِين يعني: ضخام الأعين حسان، وكل هذه الألفاظ كما ترى تبرز معاني الجمال، والحسن في هذه النساء التي يتلذذ بها أهل الجنة، نسأل الله أن يجعلنا منهم. من ذلك أيضًا من المسموعات: ما نقوله مثلًا، أو كما يقول ذو الرمة: كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أنقاض الفراريج هذا تشبيه بالصوت، فهو يشبه الصوت المنبعث من احتكاك الرحل بعضه ببعض نتيجة شدة السير واضطراب الرحال، بصوت الفراريج، وهي صغار الدجاج؛ فوجه الشبه هو الاشتراك في هذه النغمة الخاصة، وطرفا التشبيه من المسموعات. من تشبيه الحسي أيضًا بالحسي تشبيه بعض الفاكهة مثلًا بالعسل في الحلاوة، وتشبيه ريق الحبيب بالخمر في الطعم الجميل المذاق، ومنه قول امرئ القيس: كَأَنَّ المُدامَ وَصَوبَ الغُمامِ ... وَريحُ الخُزامى وَنَشرُ القُطُر يُعِلُّ بِهِ بَردُ أَنيابِها ... إِذا غرّد الطائِرُ المُستَحِر

стр. 31

وضمن المشمومات نشبه مثلًا النكهة بالعنبر الملموسات يقول الشاعر: لها بشر مثل الحرير ومنطق ... ......... فهنا يشبه البشرة بالحرير، هذا أمر يدرك باللمس، وكثيرًا ما يلجأ الأديب إلى تأليف واختراع صور خيالية؛ مبديًا براعته الفنية، ومظهرًا المشبه في صورة رائعة، وهذا الطرف الذي يخترعه الأديب ويتخيله يُسمى حسيًّا غير حقيقي، أو يسمى خياليًّا؛ لأن مادته أو أجزاء صورته مدركة بالحس، وإن كان بهيئته التركيبية لا وجود له، من ذلك مثلا قول الصنوبري يصف شقائق النعمان يقول: وكأن محمرَّ الشقيـ ... قِ إذا تصوَّبَ أو تَصَعَّدْ أعلامُ ياقوتٍ نشر ... ن على رماحٍ من زبرجد فالمشبه هو شقائق النعمان، والمشبه به الأعلام المركبة من ياقوت منشور على رماح من زبرجد. هذا طبعًا لا وجود له في الواقع، لكن المادة التي تتكون منها هذه الصورة موجودة كالزبرجد، والرماح، والياقوت، والأعلام، كل هذه الأشياء موجودة في الطبيعة، لكن هذه الصورة مركبة إنما هي تخضع للخيال. فهذه صورة صنعها خيال الشاعر ولا وجود لها في الواقع، ولا تدرك بالحواس الظاهرة، ولكن المواد والأجزاء التي صُنعت منها هذه الأمور ورُكبت منها هي التي تُدرك بالحس، وهي التي تقع تحت دائرة الواقع. النوع الثاني من أقسام التشبيه باعتبار الحسية والعقلية، هو تشبيه المعقول بالمعقول: كتشبيه الجهل مثلًا بالموت، والعلم بالحياة، وتشبيه العشق بالموت، كما يقول الشاعر: العشق كالموت يأتي لا مرد له ... ما فيه للعاشق المسكين تدبير فوجه الشبه بين العشق والموت عدم القدرة على دفعه ورده، نسأل الله العافية، أو يدخل في هذا تشبيه السفر بالعذاب، كما في الحديث ((السفر قطعة من العذاب))، وكذلك تشبيه الضلال عن الحق بالعمى، وتشبيه الاهتداء إلى الحق

стр. 32

بالإبصار، كثير من الآيات جاءت تتحدث عن مثل هذا من ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ (فصلت: ١٧)، ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: ٥٠)، ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ (هود: ٢٤)، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ (الرعد: ١٦)، ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ (الرعد: ١٩)، وقوله كذلك: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ (فاطر: ١٩)، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ (النمل: ٨١)، فكل هذه التشبيهات إنما هي أمور عقلية، وقُصد منها المبالغة، ولم يقصد بها العمل حقيقي؛ فإنما هو أشبه ما يكون بالعمى الذي هو عمى البصيرة. النوع الثالث من التشبيه: هو تشبيه المعقول بالمحسوس: كتشبيه أخلاق الكرام مثلًا بالأرض الواسعة الممتدة، وبالعطر، الرائحة الطيبة، وتشبيه المنية مثلًا بالسبع؛ فالمشبه وهو أخلاق الكرام، أو المنية من المعقولات، والمشبه به وهو الأرض الواسعة والعطر والسبع كل هذه من الأمور المحسوسة، من ذلك أيضًا تشبيه الرأي بالليل كما جاء في قول الشاعر: الرأي كالليل مسودٌّ جوانبه ... والليل لا ينجلي إلا بإصباح وتشبيه الغيظ بالنار، كما جاء في قول المتنبي: وغيظ على الأيام كالنار في الحشا ... ولكنه غيظ الأسير في القيد وتشبيه الصبر على مضض الحسود بالنار إلى غير ذلك، فتشبيه المعقول بالمحسوس ورد كثيرًا في كلام البشر، كما جاء كثيرًا في أساليب القرآن، ومن ذلك تصوير أعمال الكفار برماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وبسراب بقيعة يحسبه الظمآن

стр. 33

ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، وتمثيل اعتقادات المنافقين واضطراباتهم وتخبطهم بالذي استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم، إلى غير ذلك مما يعمد إليه القرآن كثيرًا، والسنة؛ حتى يقرب المعنى إلى الأذهان. الضرب الرابع من ضروب التشبيه باعتبار الحسية والعقلية، تشبيه المحسوس بالمعقول: وهذا القسم على خلاف الأصل؛ لأن الأصل في التشبيه أن يلحق بشيء يحسه الإنسان، ويكون أقوى في وجه الشبه، لكن أن يشبه محسوس بمعقول فهذا جاء على خلاف الأصل؛ لأن المشبه -كما قلنا- شأنه أن يكون أظهر وأوضح من المشبه، فأولى به أن يكون حسيًّا، ولا يكون عقليًّا إلا بعد أن ينزل منزلة المحسوس، ويدعى أنه فاق المحسوس في الوضوح والظهور، كما جاء في قولنا مثلًا، أو في تشبيه الأرض الواسعة بخلق الكريم، كما في قول الشاعر: وأرض كأخلاق الكرام قطعتها ... وقد كحَّل الليل السماك فأبصر فشبه الأرض في السعة والرحابة بأخلاق الكرام، وكان الأصل أن يعكس، فإن يشبه أخلاق الكرام بالأرض، لكنه أراد أن يبالغ، وأن يبين أن الصفة صفة وجه الشبه موجودة في المشبه به أكثر من المشبه، ومن ذلك أيضًا قول الشاعر: ولقد ذكرتك والظلام كأنه ... يوم النوى وفؤاد من لم يعشق فكل هذا هو من قبيل تشبيه المحسوس بالمعقول، من ذلك كذلك تشبيه النجوم بين الدجى بالسنن بين الابتداع كما جاء في قول الشاعر: وكأن النجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهن ابتداع فيأتي تفصيل هذا إن شاء الله في الكلام عن وجه الشبه المتخيل، وعلى نحو ما ذكرنا أن المركبات الخيالية تدخل في التشبيهات الحسية، فنقول، ونكرر: إن المركبات الوهمية تدخل في دائرة التشبيهات العقلية، فقول الشاعر وامرئ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال

стр. 34

هنا شبه السنان بأنياب الأغوال، فالمشبه به في البيت وهو أنياب الأغوال من المعاني الوهمية، التي لا دخل للحس في إدراكها، لكن الشاعر استغلها لتهويل شأن الأسنة التي يحملها، ويدافع بها عن نفسه، وإبرازها كذلك في صورة مرعبة مفزعة، البلاغيون ذكروا أو أدرجوا تحت هذا اللون قول الله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ (الصافات: ٦٥)، فرءوس الشياطين من المعاني الوهمية، وقد أبرزت قبح هذا الطلع وفظاعته، لكن في الحقيقة هذا كلام لا يليق بحال من الأحوال. فما جاء في القرآن الكريم لا يجوز لنا أن نسميه بحال من الأحوال أمور وهمية؛ فالآية الكريمة ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ (الصافات: ٦٥) اعتمدوا البيانيون فيها على بيان حالتها، وعلى ما تتخيله النفوس للشيطان من رأس قبيحة جدًّا، وبالغة في النفرة والكراهية، والشجرة كما نعلم شجرة غريبة لم توجد على أساس القانون الطبيعي؛ لوجود الشجر من تربة فيها حياة وماء، وإنما هي شجرة تخرج في أصل الجحيم، وهي شجرة شاذة وغريبة، فنسبتها هذه الرءوس الغريبة رءوس الشياطين طبعًا، هذا كلام يقوله البيانيون، لكن مؤدَّاه في النهاية إنكار مثل هذا في يوم القيامة؛ لأن هذا غيب. وما ذكره القرآن الكريم عن جهنم، وما فيها من زقوم، وما فيها من طعام لأهل الجحيم شبهه بأن طلعها، طلع شجرة الزقوم كأنه رءوس الشياطين، كل هذا غيب لا نستطيع إدراكه بحال من الأحوال، ولو أن جعلنا المشبه به وهو رءوس الشياطين من الأمور المتوهمة التي لا حقيقة لها في الواقع؛ إذن فهذا يستلزم أن نجعل النار كذلك، فإذا كان رب العزة قد أخبر عن أن النار هكذا

стр. 35

حالها، وأن زقومها طلعه كأنه رءوس الشياطين. إذن فالأمر كما ذكر القرآن وكما جاء في كتاب الله ، طبعًا الزمخشري يربط بين هذه التشبيهات وبين تشبيهات مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (البقرة: ٢٧٥)، فيربط بين هذا وبين الذي استهوته الشياطين في الأرض حيران إلى غير ذلك، ولا يرى بأسًا من أن تكون صورة المشبه به في الأمرين منتزعًا من معتقدات العرب من غير نظر إلى أن ذلك واقع، أو غير واقع، لكن أهل السنة يرون أن هذا مرفوض، ويقررون أن هذه الصورة مستمدة من الواقع، وأن القرآن في بناء تراكيبه وصوره لم يعول على خرافة من خرافات العرب؛ لأن في ميدان الحقائق الصادقة ما يفي بالأغراض، بل ويزيد المعنى عمقًا وتأثيرًا؛ فالشياطين تستهوي، وتخبط، وتمس إلى غير ذلك مما تشير إليه الآيات، والمهم عندنا أنهم يقولون: إن المراد بهذا التصوير، هو تصوير المرابي الذي يتخبطه الشيطان من المس حين يقوم يوم القيامة أنه يتخبط في قيامه؛ لأن الربا يربو في بطونهم حتى يتلفها، وفي هذا إهانة لهم، وتشهير بهم. وهذا يعني: أن التشبيه لا يصف أحوالًا نفسية، وإنما يصف مشهدًا بمشهد، فهذا كله يدلنا على أن ما جاء في قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ (الصافات: ٦٥) يقاس على مثل هذا، وأن فيه تصوير لعذاب أهل النار، ومن أنهم يأكلون الزقوم الذي طلع شجرها، كما وصف ربنا في كتابه العزيز، هذا كلام يسوقه الدكتور محمد أبو موسى في كتابه (تصوير البيان) وأنا أرى ترجيح ما يراه، أو ما عليه أهل السنة والجماعة؛ حتى لا نخالف ما جاء في كلام الله .

стр. 36

أقسام التشبيه باعتبار الحسية والعقلية نذكر بعد هذا التطواف حول أقسام التشبيه باعتبار الحسية والعقلية، نذكر أقسام التشبيه باعتبار إفراد الطرفين، وتقييدهما، وتركيبهما، ينقسم التشبيه باعتبار إفراد الطرفين وتقييدهما وتركيبهما إلى سبعة أقسام: فهناك تشبيه مفرد بمفرد، هناك مقيد بمقيد، هناك مفرد بمقيد، هناك مقيد بمفرد، وهناك مركب بمركب، وهناك مفرد بمركب، ومركب بمفرد. معنى إفراد الطرف: أن يكون شيئًا واحدًا متميزًا بذاته، وليس مقيدًا بقيد يؤثر في صورة التشبيه، وليس على هيئة مركبة من عدة أمور مثل: أن نشبه بالقمر، أو نشبه بالبحر، أو نشبه بالنجوم، إلى غير ذلك. معنى تقييد: أن يرتبط الطرف، ويقيد بوصف، أو بإضافة، أو بحال، أو بجار ومجرور؛ تقييدًا لا يبلغ حد التركيب، شريطة أن يكون لهذا القيد أثر في تحقيق وجه الشبه مثل قولنا مثلًا: الراقم على الماء، والمرآة في كف أشل، إلى غير ذلك. معنى أن يكون الطرف مركبًا يعني: أن يكون هيئة مؤلفة من أمرين، أو من عدة أمور، قد امتزجت امتزاجًا يجعلها في حكم الشيء الواحد. كما سنذكر ذلك في هذه الأمثلة التالي ذكرها، فنتناول: أولًا معنى أن يتشبه طرف مفرد بطرف مفرد آخر، نذكر مثلًا من الأمثلة ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ (النبأ: ١٠)، فهنا يشبه الله الليل باللباس بجامع الستر في كل فكل من الليل، واللباس يستر الناس منه قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (البقرة: ١٨٧)، فشبه المرأة أيضًا باللباس للرجل، والرجل باللباس للمرأة، فالطرفان مفردان مجردان، وجه الشبه فيما

стр. 37

إما أن يكون حسيًّا يدل على الإحاطة والاشتمال، وإما أن يكون أمرًا عقليًّا مراد به أن يستر كل الآخر؛ بحيث يصونه من الوقوع في فضيحة الفاحشة كاللباس الساتر للعورة، مما جاء في تشبيه المفرد بالمفرد قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة: ٧٤). فهو تشبيه قلوب أهل الكفر وهم من اليهود بالحجارة بجامع القسوة والصلابة، وأنه لا ينفذ إليها شيء من الخير، والحق -والعياذ بالله- من هذا أيضًا تشبيه الوجه بالبدر، تشبيه الشعر بالليل، تشبيه الرجل بالأسد، وتشبيه الخد بالورد، إلى غير ذلك مما نلحظ فيه أن المشبه والمشبه به مفردان كل منهما غير مقيد. الضرب الثاني من ضروب أقسام التشبيه باعتبار إفراد الطرفين، وتقييدهما، وتركيبهما المقيد بالمقيد كما نقول مثلًا: التعليم في الصغر كالنقش في الحجر، فالمشبه هنا هو التعليم مقيدًا بكونه في الصغر، وليس مطلق التعليم، والمشبه به النقش مقيدًا بكونه في الحجر، وليس مطلق النقش؛ فلا بد من مراعاة هذا القيد، وإلا فسد التشبيه وجه الشبه هو الثبات ودوام الأثر، فطرفا التشبيه مفردان مقيدان. من ذلك أيضًا تشبيهنا من لا يحصل من سعيه على شيء بالقابض على الماء، فالوجه هو التسوية بين الفعل وعدمه في عدم الفائدة، وخيبة ما سعى صاحبه، وهذا لا يتحقق إلا بمراعاة القيدين إلى غير ذلك فيما جاء مثلًا في قول ابن الرومي: إني وتزييني بمدحي معشر ... كمعلق درًا على خنزير فالمشبه هو المتكلم مقيدًا باتصافه بتزيينه بمدحه معشرًا، والمشبه به من يعلق درًا مقيدًا بكون تعليقه على خنزير؛ فلا بد أن يتحقق هذان القيدان حتى يتمَّ وجه

стр. 38

الشبه الذي هو أن كلًّا منهما وضع موضع الزينة في موضع لا يظهر له فيه أثر، هذا هو الضرب الثاني من ضروب التشبيه باعتبار الإفراد، والتقييد، والتركيب. من ضمن هذه الأنواع تشبيه المفرد بالمقيد مثل قول الله تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ (القمر: ٧)، فالمشبه هو الخلائق في هذا اليوم العصيب يوم القيامة، والمشبه به هو الجراد مقيدًا بكونه منتشر، وجه الشبه الكثرة، والتدافع، وجولان بعضهم في بعض، هذا موجود في المشبه، وموجود في المشبه به. مثاله كذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (القارعة: ٥، ٦) فالمشبه هنا المفرد وهو الناس، والمشبه به الفراش مقيدًا بكونه مبثوثًا، فانظر كيف أن تعلم البلاغة يجعلنا نفهم ما جاء في القرآن الكريم، يعني: لو أن واحدًا جاء مثلًا، وقال: كأنهم جراد منتشر، وأن الله شبههم بالجراد فقط، وانتهى الأمر على هذا، أو قال: بأن الناس يكون يوم القيامة كالفراش دون أن يذكر كلمة المبثوث، أو يراعي هذا القيد نقول: إن هذا التشبيه ناقص، فلا بد من وجود هذه القيود، ولا بد من مراعاتها. ولا بد أولًا من فهم البلاغة التي تجعلنا نفهم كلام الله على هذا النحو، فالمشبه به الفراش كما قلنا في آية القارعة، مقيدًا بكونه مبثوثًا، وجه الشبه في الآية الأولى هي آية سورة القمر- ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ وجه الشبه هو ضعف وزوال التماسك، وفي الآية القارعة زوال القوة، وتفرق الأجزاء، ولا يخفى علينا أثر هذا القيد كما قلنا، ونقول مرارًا وتكرارًا ومدى دقة التعبير القرآني بإيثار هذه الألفاظ التي أبرزت، وجلت حال الناس يوم القيامة فالفراش كما نعلم مثال للخفة والحماقة والتهافت حتى أنه جاء في كلام العرب، وفي أمثالهم "أطيش من فراشة" أينما كان مبثوثًا؛ فقد تم ضعفه واكتمل زوال تماسكه، والعهن كذلك هو الصوف المصبوغ ألوانًا شتَّى، فإذا ما كان من منفوشًا؛ فقد تفرقت أجزاؤه، وزال كل ما به من قوة وتماسك، ثم إيثار لفظ العهن دون الصوف يعمُّ كل الجبال التي هي جُدَد بيض، وحمر مختلف ألوانها،

стр. 39

وغرابيب سود، هكذا أبان القيد عن كل هذه المعاني، وبغير مراعاة هذه القيود يفسد التشبيه، ومن ثَمَّ يبطل تفسير القرآن بغير، أو على غير وجهه. الصورة الرابعة من صور أقسام التشبيه باعتبار الإفراد والتقييد والتركيب هو تشبيه المقيد بالمفرد: عكس الصورة الماضية كما نقول مثلًا: العين الزرقاء كالسنان، المشبه هي العين مقيدة بكونها زرقاء، والمشبه به السنان، نقول مثلًا: الأمل بل عمل كالسراب، فالمشبه هو الأمل مقيدًا بكونه بدون عمل، والمشبه به هو السراب في جامع بينهما، وعدم الوصول إلى شيء، إلى غير ذلك من أمثلة عديدة جاءت في كلام العرب. الصورة الخامسة من صور أقسام التشبيه باعتبار الإفراد، والتقييد، والتركيب للطرفين تشبيه المركب بالمركب: كما جاء مثلًا في قول بشار يصف معركة: كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كوكبه فشبه هنا الهيئة المركبة من الغبار المثار والسيوف المتحركة حركات سريعة مضطربة، وإلى جهات مختلفة، هذا كله هو صورة المشبه هيئة مكونة من كل هذا، شبه هذا كله بالهيئة المكونة من الظلام والكواكب تتهاوى وسطه، وقد تداخلت واستطارت أشكالها، ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من سقوط أجرام مشرقة مستطيلة متناسبة المقدار في جوانب شيء مظلم. هذا أمر متحقق في المشبه والمشبه به في بيت بشار. مثاله أيضًا قول البحتري عندما يصف فرسًا يقول: ترى أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق في الغيم الجهام فالأحجال هي البياض في رجل الفرس، والغيم الجهام هو الغيم الذي لا ماء فيه، فهنا شبه الهيئة الحاصلة من ارتفاع البياض في قوائم الفرس وانتشاره،

стр. 40

ومخالطته السواد شبه ذلك بالهيئة الحاصلة من انتشار شعاع البرق في وسط الغيم، فالطرفان مركبان، ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من اختلاط البياض بالسواد. سؤال هل يتأتَّى تحويل التشبيه المركب إلى متعدد، أو بعبارة أخرى هل يمكن للمركب أن تفكك وتفصل أجزاؤه عن بعضها البعض؟ إذا نظرنا إلى التشبيهات المركبة وجدنا أن بعضها لا يمكن فعل ذلك معه، لا يمكن فصل أجزائه، وأن بعضها الآخر يمكن فمثلًا عندما يقول الشاعر، وهو ابن المعتز: غدا أي: الليل. غدا والصبح تحت الليل بادي ... كطرف أشهب ملقي الجلالة غدا: وهو الليل، طرف أشهب يعني: الفرس الأبيض، ملقي الجلال: غطاء يوضع على الفرس، ويبدو أنه كان يتخذ من قماش أسود. فهنا يشبه ظهور الفجر وإضاءته في بقايا الليل المدبر بفرس أشهب، مال عنه غطاؤه الأسود، فبدا بياض الفرس في سواد الغطاء، ووجه الشبه اجتماع سواد قليل في بياض كثير، فطرفا التشبيه مركبان، ولو حاولنا فصل الأجزاء في الطرفين، فلربما استقام تشبيه مثلًا الصبح بالفرس الأبيض، وتشبيه أيضًا الليل بالجلال، لكن هذا لا يستقيم لغثاثته، وفقدان ثمرته. هناك ضرب من التشبيه يمكن فك أجزائه كما جاء مثلًا في البيت الذي ذكرناه بيت بشار: كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كوكبه فلو فضضنا أجزاء هذه الصورة فشبهنا النقع مثلًا بالليل، وشبهنا السيوف بالكواكب؛ لصحت هذه التشبيهات من حيث تحقق وجه الشبه بين الأجزاء، ولكن يضيع جمال التشبيه الذي أحدثه التركيب، ويضيع غرض الشاعر الذي رمى إليه، وقصده بهذه الصورة المركبة. إذن فليس كل تشبيه مركب بمركب
следующие страницы →