← Баляга

Баляга · id 11200

البلاغة 1 - البيان والبديع - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (467 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أقسام التشبيه باعتبار الحسية والعقلية نذكر بعد هذا التطواف حول أقسام التشبيه باعتبار الحسية والعقلية، نذكر أقسام التشبيه باعتبار إفراد الطرفين، وتقييدهما، وتركيبهما، ينقسم التشبيه باعتبار إفراد الطرفين وتقييدهما وتركيبهما إلى سبعة أقسام: فهناك تشبيه مفرد بمفرد، هناك مقيد بمقيد، هناك مفرد بمقيد، هناك مقيد بمفرد، وهناك مركب بمركب، وهناك مفرد بمركب، ومركب بمفرد. معنى إفراد الطرف: أن يكون شيئًا واحدًا متميزًا بذاته، وليس مقيدًا بقيد يؤثر في صورة التشبيه، وليس على هيئة مركبة من عدة أمور مثل: أن نشبه بالقمر، أو نشبه بالبحر، أو نشبه بالنجوم، إلى غير ذلك. معنى تقييد: أن يرتبط الطرف، ويقيد بوصف، أو بإضافة، أو بحال، أو بجار ومجرور؛ تقييدًا لا يبلغ حد التركيب، شريطة أن يكون لهذا القيد أثر في تحقيق وجه الشبه مثل قولنا مثلًا: الراقم على الماء، والمرآة في كف أشل، إلى غير ذلك. معنى أن يكون الطرف مركبًا يعني: أن يكون هيئة مؤلفة من أمرين، أو من عدة أمور، قد امتزجت امتزاجًا يجعلها في حكم الشيء الواحد. كما سنذكر ذلك في هذه الأمثلة التالي ذكرها، فنتناول: أولًا معنى أن يتشبه طرف مفرد بطرف مفرد آخر، نذكر مثلًا من الأمثلة ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ (النبأ: ١٠)، فهنا يشبه الله الليل باللباس بجامع الستر في كل فكل من الليل، واللباس يستر الناس منه قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (البقرة: ١٨٧)، فشبه المرأة أيضًا باللباس للرجل، والرجل باللباس للمرأة، فالطرفان مفردان مجردان، وجه الشبه فيما

стр. 37

إما أن يكون حسيًّا يدل على الإحاطة والاشتمال، وإما أن يكون أمرًا عقليًّا مراد به أن يستر كل الآخر؛ بحيث يصونه من الوقوع في فضيحة الفاحشة كاللباس الساتر للعورة، مما جاء في تشبيه المفرد بالمفرد قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة: ٧٤). فهو تشبيه قلوب أهل الكفر وهم من اليهود بالحجارة بجامع القسوة والصلابة، وأنه لا ينفذ إليها شيء من الخير، والحق -والعياذ بالله- من هذا أيضًا تشبيه الوجه بالبدر، تشبيه الشعر بالليل، تشبيه الرجل بالأسد، وتشبيه الخد بالورد، إلى غير ذلك مما نلحظ فيه أن المشبه والمشبه به مفردان كل منهما غير مقيد. الضرب الثاني من ضروب أقسام التشبيه باعتبار إفراد الطرفين، وتقييدهما، وتركيبهما المقيد بالمقيد كما نقول مثلًا: التعليم في الصغر كالنقش في الحجر، فالمشبه هنا هو التعليم مقيدًا بكونه في الصغر، وليس مطلق التعليم، والمشبه به النقش مقيدًا بكونه في الحجر، وليس مطلق النقش؛ فلا بد من مراعاة هذا القيد، وإلا فسد التشبيه وجه الشبه هو الثبات ودوام الأثر، فطرفا التشبيه مفردان مقيدان. من ذلك أيضًا تشبيهنا من لا يحصل من سعيه على شيء بالقابض على الماء، فالوجه هو التسوية بين الفعل وعدمه في عدم الفائدة، وخيبة ما سعى صاحبه، وهذا لا يتحقق إلا بمراعاة القيدين إلى غير ذلك فيما جاء مثلًا في قول ابن الرومي: إني وتزييني بمدحي معشر ... كمعلق درًا على خنزير فالمشبه هو المتكلم مقيدًا باتصافه بتزيينه بمدحه معشرًا، والمشبه به من يعلق درًا مقيدًا بكون تعليقه على خنزير؛ فلا بد أن يتحقق هذان القيدان حتى يتمَّ وجه

стр. 38

الشبه الذي هو أن كلًّا منهما وضع موضع الزينة في موضع لا يظهر له فيه أثر، هذا هو الضرب الثاني من ضروب التشبيه باعتبار الإفراد، والتقييد، والتركيب. من ضمن هذه الأنواع تشبيه المفرد بالمقيد مثل قول الله تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ (القمر: ٧)، فالمشبه هو الخلائق في هذا اليوم العصيب يوم القيامة، والمشبه به هو الجراد مقيدًا بكونه منتشر، وجه الشبه الكثرة، والتدافع، وجولان بعضهم في بعض، هذا موجود في المشبه، وموجود في المشبه به. مثاله كذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (القارعة: ٥، ٦) فالمشبه هنا المفرد وهو الناس، والمشبه به الفراش مقيدًا بكونه مبثوثًا، فانظر كيف أن تعلم البلاغة يجعلنا نفهم ما جاء في القرآن الكريم، يعني: لو أن واحدًا جاء مثلًا، وقال: كأنهم جراد منتشر، وأن الله شبههم بالجراد فقط، وانتهى الأمر على هذا، أو قال: بأن الناس يكون يوم القيامة كالفراش دون أن يذكر كلمة المبثوث، أو يراعي هذا القيد نقول: إن هذا التشبيه ناقص، فلا بد من وجود هذه القيود، ولا بد من مراعاتها. ولا بد أولًا من فهم البلاغة التي تجعلنا نفهم كلام الله على هذا النحو، فالمشبه به الفراش كما قلنا في آية القارعة، مقيدًا بكونه مبثوثًا، وجه الشبه في الآية الأولى هي آية سورة القمر- ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ وجه الشبه هو ضعف وزوال التماسك، وفي الآية القارعة زوال القوة، وتفرق الأجزاء، ولا يخفى علينا أثر هذا القيد كما قلنا، ونقول مرارًا وتكرارًا ومدى دقة التعبير القرآني بإيثار هذه الألفاظ التي أبرزت، وجلت حال الناس يوم القيامة فالفراش كما نعلم مثال للخفة والحماقة والتهافت حتى أنه جاء في كلام العرب، وفي أمثالهم "أطيش من فراشة" أينما كان مبثوثًا؛ فقد تم ضعفه واكتمل زوال تماسكه، والعهن كذلك هو الصوف المصبوغ ألوانًا شتَّى، فإذا ما كان من منفوشًا؛ فقد تفرقت أجزاؤه، وزال كل ما به من قوة وتماسك، ثم إيثار لفظ العهن دون الصوف يعمُّ كل الجبال التي هي جُدَد بيض، وحمر مختلف ألوانها،

стр. 39

وغرابيب سود، هكذا أبان القيد عن كل هذه المعاني، وبغير مراعاة هذه القيود يفسد التشبيه، ومن ثَمَّ يبطل تفسير القرآن بغير، أو على غير وجهه. الصورة الرابعة من صور أقسام التشبيه باعتبار الإفراد والتقييد والتركيب هو تشبيه المقيد بالمفرد: عكس الصورة الماضية كما نقول مثلًا: العين الزرقاء كالسنان، المشبه هي العين مقيدة بكونها زرقاء، والمشبه به السنان، نقول مثلًا: الأمل بل عمل كالسراب، فالمشبه هو الأمل مقيدًا بكونه بدون عمل، والمشبه به هو السراب في جامع بينهما، وعدم الوصول إلى شيء، إلى غير ذلك من أمثلة عديدة جاءت في كلام العرب. الصورة الخامسة من صور أقسام التشبيه باعتبار الإفراد، والتقييد، والتركيب للطرفين تشبيه المركب بالمركب: كما جاء مثلًا في قول بشار يصف معركة: كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كوكبه فشبه هنا الهيئة المركبة من الغبار المثار والسيوف المتحركة حركات سريعة مضطربة، وإلى جهات مختلفة، هذا كله هو صورة المشبه هيئة مكونة من كل هذا، شبه هذا كله بالهيئة المكونة من الظلام والكواكب تتهاوى وسطه، وقد تداخلت واستطارت أشكالها، ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من سقوط أجرام مشرقة مستطيلة متناسبة المقدار في جوانب شيء مظلم. هذا أمر متحقق في المشبه والمشبه به في بيت بشار. مثاله أيضًا قول البحتري عندما يصف فرسًا يقول: ترى أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق في الغيم الجهام فالأحجال هي البياض في رجل الفرس، والغيم الجهام هو الغيم الذي لا ماء فيه، فهنا شبه الهيئة الحاصلة من ارتفاع البياض في قوائم الفرس وانتشاره،

стр. 40

ومخالطته السواد شبه ذلك بالهيئة الحاصلة من انتشار شعاع البرق في وسط الغيم، فالطرفان مركبان، ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من اختلاط البياض بالسواد. سؤال هل يتأتَّى تحويل التشبيه المركب إلى متعدد، أو بعبارة أخرى هل يمكن للمركب أن تفكك وتفصل أجزاؤه عن بعضها البعض؟ إذا نظرنا إلى التشبيهات المركبة وجدنا أن بعضها لا يمكن فعل ذلك معه، لا يمكن فصل أجزائه، وأن بعضها الآخر يمكن فمثلًا عندما يقول الشاعر، وهو ابن المعتز: غدا أي: الليل. غدا والصبح تحت الليل بادي ... كطرف أشهب ملقي الجلالة غدا: وهو الليل، طرف أشهب يعني: الفرس الأبيض، ملقي الجلال: غطاء يوضع على الفرس، ويبدو أنه كان يتخذ من قماش أسود. فهنا يشبه ظهور الفجر وإضاءته في بقايا الليل المدبر بفرس أشهب، مال عنه غطاؤه الأسود، فبدا بياض الفرس في سواد الغطاء، ووجه الشبه اجتماع سواد قليل في بياض كثير، فطرفا التشبيه مركبان، ولو حاولنا فصل الأجزاء في الطرفين، فلربما استقام تشبيه مثلًا الصبح بالفرس الأبيض، وتشبيه أيضًا الليل بالجلال، لكن هذا لا يستقيم لغثاثته، وفقدان ثمرته. هناك ضرب من التشبيه يمكن فك أجزائه كما جاء مثلًا في البيت الذي ذكرناه بيت بشار: كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كوكبه فلو فضضنا أجزاء هذه الصورة فشبهنا النقع مثلًا بالليل، وشبهنا السيوف بالكواكب؛ لصحت هذه التشبيهات من حيث تحقق وجه الشبه بين الأجزاء، ولكن يضيع جمال التشبيه الذي أحدثه التركيب، ويضيع غرض الشاعر الذي رمى إليه، وقصده بهذه الصورة المركبة. إذن فليس كل تشبيه مركب بمركب

стр. 41

يصلح فك أجزائه، حتى وإن صح، فإن ذلك يضيع جمال التشبيه الذي أحدثه الشاعر، وأحدثه هذا التركيب الذي صاغه في هذا الشعر الذي صاغه هو، وقاله بنفسه. هناك ضرب سادس من ضمن أقسام التشبيه باعتبار الإفراد والتقييد والتركيب، وهو تشبيه المفرد بالمركب، ولننظر مثلًا إلى قول ابن المعتز حينما يقول: انظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر فهنا شبه الهلال، وقد امتلأ قوسه المضيء بظلام الليل، شبهه بزورق من فضة قد أثقل بحمولة من عنبر، فالمشبه مفرد، المشبه به مركب، وجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من وجود جسم مضيء متقوس يملأ فراغ تقوسه أشياء سوداء قاتمة، من ذلك أيضًا قول الخنساء تصف صخرًا أخاها: أغر أبلج تأتمُّ الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار فالمشبه هو صخر مفرد، والمشبه به مركب، وهو الهيئة الحاصلة من الجبل، والنار المشتعلة في قمته. القسم الأخير: وهو السابع تشبيه المركب بالمفرد، وهذا يكون قليلًا، نذكر من ذلك قول أبي تمام: يا صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور تريا نهارًا مشمسًا قد شابه شابه يعني: خالطه تريا نهارًا مشمسا قد شابه ... زهر الربا -الربا هي الأرض المرتفعة- فكأنما هو مقمر

стр. 42

فهنا يشبه الهيئة الحاصلة من الشمس الساطعة على الروابي المزهرة المخضرة، وقد اختلطت الأشعة المشرقة بالخضرة القاتمة؛ فانكسرت بهذا الاختلاط حدة الضوء حتى صار يضرب إلى السواد، كل هذا صورة المشبه، لو أنك حذفت جزء منه؛ اختلَّ التشبيه يشبه، كل هذه الصورة أو الهيئة بليل مقمر، فالمشبه به مفرد مقيد، والمشبه كما ذكرنا مركب. بعد أن ذكرنا أقسام التشبيه باعتبار الحسية والعقلية، وأقسام التشبيه باعتبار الإفراد والتقييد والتركيب، بقي أن نذكر أقسام التشبيه باعتبار وحدة الطرفين أو تعددهما. معنى وحدة الطرف أن يكون أمرًا واحدًا مثل مثلًا: محمد كالأسد، فمحمد مفرد، أو أمر واحد، وليس متعدد الأسد كذلك، فهو شبه شيئًا واحدًا بشيء آخر واحد، معنى أن يكون الطرف متعدد أن يكون أمرين، أو عدة أمور، لكن لا يمزج بينها، بل يظل كل أمر منها على حدة، وإلا لصار طرفًا مركبًا؛ فالمتعدد هناك فرق بينه وبين المركب المتعدد أجزاء عبارة عن أمرين، أو عدة أمور، لا يمزج بينها. هذا هو الفرق بينه وبين المركب، وبالمثال يتضح المقال فعندنا مثلًا صور التشبيه باعتبار وحدة الطرفين، وتعددهما، كما تقتضيها القسمة العقلية، عندنا تشبيه واحد بواحد، وعندنا تشبيه واحد بمتعدد، وتشبيه متعدد بواحد، وتشبيه متعدد بمتعدد، نذكر لكل بعض الأمثلة حتى تتضح صورة كل في الأذهان. الأول: أن يكون المشبه واحدًا والمشبه به كذلك، فقول الله تعالى مثلًا ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (الفيل: ٥) المشبه هنا أصحاب الفيل المشبه به العصف المأكول كلاهما واحد، فلا تعدد في أي منهما. تعال مثلًا عندما يصف الله هلاك قوم ثمود ثم قوم صالح يقول: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ (القمر: ٣١) فشبه القوم بالهشيم، وكلاهما واحد لا تعدد فيه، لكن انظر إلى دقة التعبير في كلا الموضعين تجد مثلًا استخدام الألفاظ

стр. 43

والإيحاءات في كل يختلف عن الآخر تمامًا؛ لقد عبر مثلًا عن هلاك ثمود بأنهم صاروا كالهشيم، وهو شجر اليابس، وهذا يكفي في إفادة هلاكهم، لكنه يضيف إلى المشبه به هذا القيد كلمة ﴿الْمُحْتَظِرِ﴾ أي: الذي يعمل الحظيرة لمواشيه من يابس الشجر، فما سقط منها داسته فهو الهشيم؛ ولذا أفاد هذا القيد حقارتهم وازدراءهم، فهم كالهشيم الذي تطؤه الدواب، وتبول عليه، وتروث؛ بينما نجد الهلاك مثلًا مع أصحاب الفيل، فقد جعلوا كالعصف، وورق الزرع، وهذا كافٍ في إفادة الهلاك. لكنه قيَّد العصف هنا بهذا الوصف كلمة ﴿مَأْكُولٌ﴾ أي: أكلته الدواب، وراثت عليه، وبالت، فهم قد صاروا إلى حال أخرى في أجسادهم، بخلاف الصورة الأولى التي تصور هلاك ثمود، فثمود قد تهشم، وبقيت أوصاف أجسامهم. أما هؤلاء فقد أصبحوا أثرًا بعد عين، فنجد أن القرآن أبرز هلاك أصحاب الفيل في صورة أشد وأفظع من هلاك ثمود، ويرجع ذلك إلى الحال الذي اقتضى هلاك كلٍّ، فثمود عقروا الناقة وأعرضوا عن آيات ربهم، لكن أصحاب الفيل قصدوا الكعبة، وأرادوا هدم البيت، واقتلاع أسسه، وأرادوا إزالة أول بيت وضع للناس؛ لذا كان هلاكهم أشد. ثاني هذه الأقسام التي تدخل في أقسام التشبيه باعتبار وحدة الطرفين، أو التعدد: ما جاء من قبيل تشبيه الواحد بالمتعدد، فمثلًا عندما يقول الشاعر، وهو عمران بن حطان يذم الحجاج بالجبن يقول: أسد عليَّ وفي الحروف نعامة ... فرخاء تنفر من صفير الصافر فشبه مخاطبه بالأسد، ثم بالنعامة، فالمشبه واحد، لكن المشبه به متعدد، من ذلك أيضًا قول امرئ القيس:

стр. 44

كَأَنَّ المُدامَ وَصَوبَ الغُمامِ ... وَريحُ الخُزامى وَنَشرُ القُطُر يُعِلُّ بِهِ بَردُ أَنيابِها ... إِذا غَرَّد الطائِرُ المُستَحِر وقد سبق أن ذكرناه فهنا نجد أن المشبه شيء واحد لكن المشبه به متعدد، لكنه هنا قلب التشبيه، وأراد أن يصف برد أنيابها بكل هذه الأشياء التي ذكر في بيته. الصورة الثالثة من صور أقسام التشبيه باعتبار الوحدة والتعدد: أن يشبه شيئان، أو أكثر بشيء واحد يعني: متعدد بواحد يُسمى تشبيه التسوية، كما جاء مثلًا في قول الشاعر: آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجونا نجوم فالمشبه كما نرى متعدد الآراء، والوجوه والسيوف كل هذا شبهه بشيء واحد وهو النجوم إلى غير ذلك مما جاء على شاكلة هذا المثال. هناك كذلك تشبيه المتعدد بالمتعدد، وهذا النوع من التشبيه يأتي على غير ما صورة، فهناك ما تشبيه يقرن كل مشبه بمشبه به، ويسمى بالتشبيه المفروق، مثلًا عندما يقول شاعر: النشر مسك والوجوه دنانير ... وأطراف الأكوف عنم فهنا تعددت التشبيهات في البيت، وقُرن كل مشبه بالمشبه به يقول آخر: فالأرض ياقوتة والجو لؤلؤة ... والنبت فيروزج والماء بلور هذا أيضًا مما تعدَّدت به المشبه والمشبه به، وقرن كل مشبه بمشبه به. هناك صورة أخرى هي خامسة تأتي فيها المشبه في جانب مجتمع في طرف، والمشبه به مجتمع في طرف آخر، ويسمى بالمقرون مثاله مثلًا قول امرئ القيس:

стр. 45

كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي فالمشبه في البيت متعدد، وهو قلوب الطير الرطبة، وقلوبها اليابسة، والمشبه به كذلك وهو العناب المقابل للقلوب الرطبة، والحشف البالي -أي: الرطب البالية- المقابل للقلوب اليابسة، لكن اجتمع في كل المشبهات في طرف، والمشبهات بها في طرف آخر. إذن نخلص من كل هذا إلى أن التشبيه في طرفيه يأتي على غير ما صورة، فهناك أقسام التشبيه باعتبار الحسية والعقلية، فيأتي المشبه والمشبه به مثلًا حسي بحسي، وعقلي بعقلي، وعقلي بحسي، وحسي بعقلي، وقلنا أن التشبيه الخيالي يدخل في الحسي، والتشبيه الوهمي يدخل في التشبيه العقلي، هناك كذلك أقسام التشبيه باعتبار الطرفين على المفرد، والتقييد، والتركيب، فهناك مثلًا مفرد بمفرد، ومقيد بمقيد، ومفرد بمقيد، ومقيد بمفرد، ومركب بمركب، ومفرد بمركب، ومركب، بمفرد. وهناك كذلك أقسام التشبيه باعتبار الوحدة، والتعدد إلى أقسام، فهناك واحد بواحد، واحد بمتعدد، متعدد بواحد، ومتعدد بمتعدد. ونقول ونكرر: أن هذه الأقسام ليست مقصودة لذاتها، وإنما فقط للتعليم وللتدريب على أي مثال يأتي أمامنا حتى نستطيع أن ندرك أن هذا التشبيه من أي قبيل من هذه الأنواع، لكن العبرة في كل ذلك بالتذوق، فلا بلاغة بغير تذوق. والله نسأل أن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعلنا ننتفع بما علمنا، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 46

الدرس: ٣ التشبيه (٢) .

стр. 47

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث (التشبيه (٢)) تعريف وجه الشبه الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد: التشبيه باعتبار وجه الشبه الذي يمثل الركن الثالث من أركان التشبيه الأربعة المتلفظ بها، وذلك بعد أن تحدثنا فيما سبق عن الركنين الأولين المشبه والمشبه به، والأحوال والصور التي يأتي عليها كل منهما، ووجه الشبه هو المعنى الذي يشترك فيه طرفا تشبيه تحقيقًا أو تخييلًا. تحقيقًا يعني: على جهة التحقيق، وتخييلًا أي: على جهة التخييل، نضرب بعض الأمثلة لما جاء على جهة التحقيق، كأن شبه مثلًا الشعر بالليل، ويشبه الرجل الشجاع بالأسد، ويشبه مثلًا الخد بالورد، إلى غير ذلك، وإنما يقع الفرق من جهة الزيادة والنقصان، والقوة والضعف، فغالبًا ما يكون وجه الشبه في المشبه به أبرز وأعرف، وأقوى منه في المشبه، وقد يتساويا في اتصافهما به، وقد يكون الوجه أقوى وأكمل في المشبه، وأبرز وأشهر في المشبه به، وهنا تروى قصة طريفة ملخصها أن أبا تمام راح يمدح أحمد بن المعتصم فقال في حقه: إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنث في ذكاء إياس فالمقام هنا يقتضي أن يكون اتصاف الأمير أحمد بوجه الشبه أقوى وأتم من اتصاف هؤلاء المذكورين به، ولذا لما أخذ على أبي تمام أن الأمير أكبر من أن يشبه في ذلك بهؤلاء أنشد مرتجلًا: لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلًا شرودا في الندى والباس فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلًا من المشكاة والنبراس فشبه حاله في هذا بحال الآية الكريمة التي قال الله فيها: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ (النور: ٣٥)، فالله شبه الأقل بنوره من المشكاة والنبراس، والأصل أن يكون نور الله أقوى من كل هذا.

стр. 48

إذن فهذا كان حسن تخلص من أبي تمام في الخروج من هذا المأزق، أو هذا المأخذ الذي أُخذ عليه أيًّا ما كان؛ فالمشهور والمعروف أن يكون المشبه به في تحقيق وجه الشبه أقوى من المشبه، وأعرف وأظهر، هذا هو المعروف والمتداول، والغالب في صور التشبيه. أما وجه الشبه التخييلي: فهو الذي يكون وجوده في أحد الطرفين على جهة الحقيقة، وفي الآخر على جهة التخييل والتأويل، قول القاضي التنوخي: وكأن النجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهن ابتداع هذه صورة رائعة في التشبيه، فقد شبه انتشار النجوم في السماء، وقد تخللتها قطع من سواد الليل، بالسنن الواضحة، وقد اندست بينها البدع، ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من وجود أشياء مشرقة مضيئة في جوانب شيء مظلم، وهو كما هو واضح مركب حسي، هذا الوجه موجود على جهة التحقيق في المشبه، ولا يوجد في المشبه به إلا على طريق التخييل؛ لأن السنن والبدع من المعقولات التي لا تتصف بصفة المحسوسات، فالتخييل الذي نقصده أن نتأمل أجزاء الصورة في الطرفين، ثم نصل إمكان الجمع بينهما في الوجه المذكور، وذلك بأن نقول: إن السنة تشبه بالنجم بجامع الاهتداء بكل منهما، والبدعة تشبه بالليل بجامع الإضلال؛ بذا تكون جزءا الصورة قد تماثلًا، وتآخيا عند النفس، ثم إن البدعة والكفر وكل ما هو جهل قد اشتهر وصفه بالظلام والسواد، وكذلك السنة والإيمان، وكل ما هو علم قد اشتهر وصفه بالإشراق والبياض. قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (البقرة: ٢٥٧)، قوله ﵊ ((أتيتكم بالحنيفية البيضاء)) ويقال: شاهدت سواد الكفر في جبين فلان، ونور الإيمان يشرق في وجه فلان، فلما اشتهر ذلك تواهمت النفس، وتخيلت أن في البدع ما

стр. 49

هو في الليل من ظلام وسواد، وأن في السنة ما في النجم من إشراق وبياض، وصح لديها أن تشبه سنن وقد اندست بينها البدع بالنجوم يتخللها الظلام بجامع الهيئة الحاصلة من وجود أشياء مشرقة مضيئة في جوانب شيء مظلم أسود، من التشبيه التخييلي، أيضًا قول الشاعر: ولقد ذكرتك والظلام كأنه ... يوم النوى وفؤاد من لم يعشق فقد شبه الظلام بيوم النوى، وبفؤاد من لم يعشق بجانب السواد في كل، فالوجه موجود في المشبه على طريق التحقيق، وموجود في المشبهين بهما على طريق التخييل هي كلمة النوى يوم النوى، وفؤاد من لم يعشق، وذلك بناء على ما ذع واشتهر من قولهم أسود النهار في عينيه، أظلمت الدنيا أمامه، وقلبه أسود كالليل، ولذا صح التشبيه، واستقام على طريق التخييل، وجعل ما ليس بمتلون متلونًا، فما أكَّد الشاعر هذا التخييل بجعل السواد في كليهما أشد وأقوى منه في ظلام الليل بقلب التشبيه، وجعل الظلام الذي هو سواده محسوس محقق مشبهًا، ويوم النوى وفؤاد من لم يعشق اللذين سوادهما متخيل جعلهما مشبهين بهما. من ذلك أيضًا قول الشاعر: وأرض كأخلاق الكرام قطعتها ... ........................... هنا شبه الأرض بأخلاق الكرام بجامع السعة والانبساط، فوجه الشبه موجود في المشبه على طريق التحقيق هو السعة موجود في الأرض على سبيل التحقيق، وموجود في المشبه به هي أخلاق الكرام على طريق التخييل؛ بناء على ما اشتهر من وصفهم الخلق الكريم بالسعة في قولهم: فلان رحب الأخلاق، واسع الصدر، فسيح الحلم، ثم بالغ الشاعر في تخيله فقلب التشبيه مدعيًا أن أخلاق الكرام أحق بوصف السعة والانبساط من الأرض، فهذا التشبيه مقلوب، لكن الصورة فيه متخيلة في جانب المشبه به، وهي أخلاق الكرام.

стр. 50

بهذا يتضح أن وجه الشبه لا بد أن يكون مشتركًا بين الطرفين، موجودًا وملاحظًا في كل منهما، إما عن طريق التحقيق، وإما عن طريق التخييل والتأول، فإذا لم يكن موجودًا وملاحظًا في كل من الطرفين؛ كان التشبيه فاسدًا ومعيبًا، فإذا جعلنا وجه الشبه في قولنا: النحو في الكلام كالملح في الطعام، أن كثرة الاستعمال مفسدة، وقلتها مصلحة؛ فسد التشبيه، لأن الوجه لا يكون بذلك محققًا للمعنى، ولا يتأتَّى تحقيقه في المشبه؛ إذن النحو لا يحتمل القلة والكثرة، فالمراد رعاية قواعده واستعمال أحكامه من رفع الفاعل، ونصب المفعول، وجر المجرور إلى غير ذلك، فإذا تحققت هذه الأحكام صلح الكلام، وإلا فسد. أما استعمال الملح في الطعام فكثيره مفسد، وقليله مصلح؛ لذا كان الوجه الجامع بين الطرفين هو الاستعمال مصلح، والإهمال مفسد، بغض النظر عن القلة والكثرة؛ إذن فلا بد لوجه الشبه أن يكون محققًا للغرض بين الطرفين، مثلًا قول الشاعر: غيري جنى وأنا المعاقب فيكم ... فكأنني سبابة المتندم أعابوا هذا البيت لماذا؟ قالوا: لأن وجه الشبه وهو معاقبة البريء بترك الجاني متحقق في المشبه دون المشبه به؛ لأن سبابة المتندم عندما يعضُّ عليه عند ندمه تقع العقوبة عليها؛ لذا فهي جزء، أو عندئذٍ لا يكون المعاقب غير الجاني، فالصواب في ذلك هو ما جاء في قول آخر: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وهل يأثمًا ذو إمة وهو طائع لكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذا العرِّي يُكوى غيره وهو راتع فوجه الشبه هو معاقبة البريء، وترك الجاني موجود في كل من المشبه والمشبه به على وجه التحقيق؛ لذا كان تعبير النابغة جيدًا، وهو البيتين الأخيرين، وتشبيهه صوابًا محققًا، وكان تعبير ابن شرف القيرواني الذي سبقه ردئيًا، وتشبيهه من ثم كان معيبًا فاسد.

стр. 51

أحوال وجه الشبه نتناول الآن أحوال وجه الشبه: لوجه الشبه أقسام باعتبار الحسية والعقلية أيضًا، الإفراد والتركيب والتعدد، وأخرى باعتبار ذكره وحذفه، وثالثة باعتبار ظهوره وخفائه. فوجه الشبه باعتبار الحسية والعقلية، والإفراد والتركيب والتعدد له صور يأتي عليها، هذه الصورة تنحصر في سبع صور، فهو قد يأتي مفردًا حسيًّا، قد يأتي مفردًا عقليًّا، يأتي مركبًا حسيًّا، قد يأتي مركبًا عقليًّا، وقد يأتي متعددًا حسيًّا، وقد يأتي متعددًا عقليًّا، وقد يأتي متعددًا مختلفًا بعضه حسي وبعضه عقلي، وهذه ما تقتضيه القسمة العقلية. هذه الأقسام ليست؟ وإنما هي فقط للتدريب ولتعليم كيف نُلحق الصورة عندما يأتي وجه الشبه بأي من هذه الأقسام، أو الأنواع، ما كان وجه الشبه فيه حسيًّا كمثل النعومة في تشبيه الجسم بالحرير، وكالإشراق في تشبيه الوجه بالبدر، وكالرائحة في تشبيه الرائحة الطيبة بالمسك، إلى غير ذلك. العقلية تأتي مثلًا كالشجاعة في تشبيه الرجل بالأسد، هنا وجه الشبه عقلي، والكرم مثلًا في تشبيه رجل بحاتم، والذكاء في تشبيه الذكي بإياس، والحلم في تشبيه الرجل الحليم بأحنف، كان يُضرب به المثل في ذلك، ونأخذ مزيدًا من الأمثلة التي فيها وجه الشبه يكون مفردًا حسيًّا: مثلًا في قول الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِي الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ (الرحمن: ٢٤)، فهنا شبه السفن الجارية في البحر بالجبال، ووجه الشبه الضخامة في كل، فوجه الشبه هنا واحد حسي، وكذا طرفا

стр. 52

التشبيه حسيان مفردان، الذي يعنينا هنا هو وجه الشبه، حسي مفرد، من ذلك مثلًا التشبيه الخد بالورد، الوجه الشبه الحمرة، واحد مفرد، وحسي كذلك تشبيه الوجه بالبدر، وجه الشبه الإشراق مفرد حسي، كذلك مثلًا عندما نشبه البشرة بالحرير. إذن فوجه الشبه هو لين الملمس مفرد حسي، كذلك مثلًا عندما نشبه طيب الرائحة في تشبيه النكهة بالعنبر، وجه الشبه وهو طيب الرائحة، أيضًا مفرد حسي. هنا سؤال ممن ينتزع وجه الشبه الواحد الحسي، وجه الشبه الواحد الحسي، ينتزع من طرفين مفردين كما في الأمثلة التي سبق أن ذكرناها، وهذا هو الغالب أن يكون هذان الطرفان حسيين، كما في الأمثلة التي ذكرناها، ولا ينتزع من طرف عقلي إلا بتأويل وتخييل، كما في البيت الذي ذكرناه. وأرض كأخلاق الكرام قطعتها ... وقد كحل الليل السماك فأبصر فالمشبه في البيت مفرد حسي وهو الأرض، والمشبه به مفرد عقلي وهو أخلاق الكرام، وقد جمع الشاعر بينهما في وجه شبه حسي، وهو السعة أو الامتداد والانبساط، لكن هذا الوجه موجود في المشبه الحسي على جهة التحقيق، وموجود في المشبه به العقلي على جهة التخييل والتأويل، هذا هو القسم الأول من التقسيمة العقلية في أقسام وجه الشبه، أن يأتي وجه الشبه مفردًا حسيًّا. قد يأتي وجه الشبه مفردًا عقليًّا، مثلًا عندما نقول: أصحاب النبي كالنجوم، نقول ذلك؛ لأن الحديث الذي ورد ((أصحابي كالنجوم)) فيه كلام عندما نقول: أصحاب النبي كالنجوم بأيهم اقتضينا، اقتفينا، أو اهتدينا. هنا انتزع وجه الشبه، وهو مطلق الاهتداء من طرفين مفردين حسيين، وهما الصحابة والنجوم، ومن ذلك انتزاع أيضًا الشجاعة من الرجل الشجاع، والأسد في قولنا هذا الرجل كالأسد، فالوجه في المثالين وهما الاهتداء والشجاعة واحد وعقلي، كما ينتزع وجه الشبه من المفرد العقلي من طرفين مفردين عقليين.

стр. 53

مثلًا نقول: العلم كالحياة، فوجه الشبه وهو جهة الإدراك مفرد عقلي، وقد انتزع من طرفين مفردين عقليين، ممكن أيضًا وجه الشبه المفرد العقلي ينتزع من طرفين مختلفين كانتزاع الاغتيال مثلًا من المنية والسبع، عند تشبيه هنا المنية بالأسد، فالمشبه وهو المنية عقلي والمشبه به وهو الأسد حسي، وقد انتزع منهما وجه الشبه المفرد العقلي، وهو الاغتيال أيًّا ما كان، فكل هذه صور تدخل في وجه الشبه المفرد العقلي. يأتي القسم الثالث: وهو وجه الشبه المركب الحسي، لأننا قلنا: إن وجه الشبه له سبع صور، ذكرنا المفرد الحسي، والمفرد العقلي، نتكلم عن المركب الحسي، فمثلًا عندما يقول الشاعر: وكأن النجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهن ابتداع نجد أن وجه الشبه -وقد ذكرنا ذلك من قبل- هو الهيئة الحاصلة من وجود أشياء مشرقة مضيئة في جوانب شيء مظلم، فهنا قد انتزع الوجه المركب الحسي من طرفين مركبين، ومثلًا قول الشاعر: وسقط كعين الديك عاورت صاحبي ... أباها وهيئنا لموقعها وقرا فالسقط: هو النار الساقطة من الزند، وهي تنزل منه، ووسطها أسود، والعرب كانوا يضعون العودين أحدهما أسفل وأعلاهما أعلى، ويسمى الأعلى ذكر، والأسفل الأنثى، فيقرض فيها كلاهما قرضًا، ويجر فيها عود يُسمى أبًا، فإذا طال الزمن ولم تخرج النار تناوبوه حتى تخرج هذه النار على هيئة سقط كعين الديك، فالشاعر أخذ هذه اللقطة وجعل منها هذا البيت، فنجد في هذا البيت أن وجه الشبه وهو الهيئة المؤتلفة من اجتماع الحمرة، والشكل الكروي، وصغر الحجم مركب حسي، وقد انتزع من طرفين مفردين هما السقط، وهو ذاك الشرر

стр. 54

المنبعث من الزند، وعين الديك، ولا تنافي بين إفراد الطرفين وبين تركيب وجه الشبه؛ لأن هذا أمر يرجع إلى شاعر في طريقة صوغه للبيت الذي يريده. من الممكن أن يكون المركب الحسي منتزع من طرفين مقيدين، كما جاء في قول الشاعر: وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود مُلَّاحية حين نور ملاحية هذا هو العنب الأبيض في حبه طول. كلمة نوَّر يعني: تفتح نوره وأدرك نضجه، والكاف كما نرى في كاف التشبيه في كلمة كعنقود، فوجه الشبه وهو الهيئة الحاصلة من تجمع أجسام بيض مستديرة صغيرة الحجم في مرأى العين، وإن كانت كبيرة في الواقع مجتمعة على كيفية مخصوصة، وهي أنها ليست تامة الالتصاق، ولا تامة الافتراق، هذا الوجه المتمثل في هذه الصورة التي ذكرناها، مركب حسي قد انتزع من طرفين مفردين مقيدين، هما نجم الثريا مقيدًا بكونه قد لاح في الصباح، وعنقود العنب مقيدًا بكونه عنقود ملاحية في حال إخراج النور، والتقيد لا ينافي الإفراد، كما سبق أن ذكرنا قد يكون وجه الشبه المركب الحسي منتزع من طرفين مركبين، كما في البيت الذي ذكرناه بيت بشار كأن ترى النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهوى كواكبه فوجه الشبه: وهو الهيئة الحاصلة من تهاوي أجرام مشرقة مستطيلة متناسبة المقدار، متحركة في جوانب شيء مظلم، هذه الهيئة تمثل لوجه الشبه مركب حسي انتزع من طرفين مركبين حسيين، كذلك من الممكن أن ينتزع المركب الحسي من طرفين مختلفين، كما جاء في قول شاعر: وكأن أجرام النجوم لوامعًا ... درر نثرن على بساط أزرق فوجه الشبه وهو الهيئة الحاصلة من تفرق أجسام متلألأة صغيرة المقدار، مستديرة الشكل على سطح جسم أزرق اللون، صافي الزرقة، هذه الصورة التي تمثل وجه

стр. 55

الشبه مركب حسي، وقد انتزع من طرفين مركبين حسيين يعني: كسابقه، كذلك قد يأتي وجه الشبه المركب الحسي من طرفين مختلفين مثلًا قول الشاعر: وكأن محمر الشقيق إذا تصعد أو تصوب ... أعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد شبه محمر الشقيق هو نوع من أنواع الزهور أتى بها النعمان في حديقته، وكان في خارج البلاد، واستقدمه حتى يزرع في مملكته محمر الشقيق، هذا هو المشبه، شبهه بأعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد، هذه هي صورة المشبه به. نجد أن وجه الشبه -وهو الهيئة الحاصلة من اجتماع أشياء حمراء متحركة منصوبة على قائم أخضر، وهي موجودة طبعًا في كل من المشبه والمشبه به، نجدها مركب حسي، لكن هذه الصورة هي المركب الحسي والهيئة الحاصلة- انتزعت من طرفين مختلفين، المشبه مفرد وهو محمر الشقيق، والمشبه به من المركبات الخيالية، وهي الهيئة المكونة من أعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد. إذن نخلص من كل هذا إلى أن وجه الشبه المركب الحسي يأتي على صور متعددة، فقد ينتزع من طرفين مركبين، وقد ينتزع من طرفين مفردين، وقد ينتزع من طرفين مقيدين، وقد ينتزع من طرفين مركبين، وقد ينتزع من طرفين مختلفين. نأتي إلى القسم الرابع من أقسام وجه الشبه: وهو المركب العقلي، وهو أن يكون وجه الشبه مركبًا عقليًّا مثل قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (الجمعة: ٥)، فهنا شبهت الآية حال اليهود الذين حملوا التوراة، وحفظوها في صدورهم، ثم لم يعملوا بما

стр. 56

فيها، ولم يفهموا حقيقة مرماها، شبه هؤلاء بحال الحمار يحمل كتب العلم النافعة، ويتعب في حملها، وهو جاهل بحقيقة ما فيها، وجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من حرمان الانتفاع بأبلغ نافع، مع تحمل التعب في استصحابه، حبذا لو نحفظ مثل هذه الصيغ في المشبه والمشبه به ووجه الشبه؛ لأن لو قلنا مثلًا: أن الآية شبهت اليهود بالحمار نقول: إن هذا تشبيه خاطئ، لو قلنا: إن وجه الشبه مثلًا هو البلادة، هذا تشبيه خاطئ، أو حرمان الانتفاع هذا تشبيه خاطئ؛ إذن فلا بد من مراعاة كل جزء جاء في سورة المشبه، أو في صورة المشبه به، حتى ننتزع من كليهما وجه الشبه الذي يُمثل المعنى المشترك بين المشبه والمشبه به، وهو -كما قلنا في الآية- الهيئة الحاصلة من حرمان الانتفاع بأبلغ نافع، مع تحمل التعب في استصحابه. وهو كما نرى مركب عقلي انتزع من عدة أمور، روعيت في الطرفين؛ حيث روعي حمل أشياء، وهذه الأشياء يُنتفع بها أكمل نفع، والحامل لها يتحمل التعب والمشقة في استصحابها، ولا يجني من وراء تعبه فائدة، كل هذه أمور رُوعيت في تحقيق وجه الشبه من وجه الشبه المركب العقلي. قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ (النور: ٣٩) فهنا نجد الآية شبهت حال الكفرة في جمعهم بين الكفر وأعمال البر التي يعملونها في الدنيا، ويحسبونها نافعة ومقبولة عند الله، ثم يرونها خاسرة محبطة يوم القيامة؛ لأنها لم تقترن بالإيمان الذي هو شرط قبولها، ولهذا صورة المشبه لو أي جزء من هذه الأجزاء سقط؛ إذن فقد اختلَّت صورة التشبيه، شبه هذه الصورة بماذا؟ بحال الظمآن يرى السراب من بعيد، فيحسبه ماء، فيروي ظمأه، فإذا بلغه لم يجده شيئًا، كل هذه صورة المشبه به. أي جزء؛ اختلَّ أو سقط. إذن لا يمثل حقيقة التشبيه في الآية الكريمة،

стр. 57

ووجه الشبه بين هاتين الصورتين هو الهيئة العقلية الحاصلة من المنظر المطمع، مع المخبر الميئس يعني: الإنسان يطمع في شيء، فإذا جاءه يئس منه، ولم يجد معه شيئًا من مثل ذلك في وجه الشبه المركب العقلي ما جاء في قول ابن المعتز: اصبر على مضض الحسود فإن صبرك قاتله ... فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله فهنا شبه حال الحاسد يهمله المحسود بالإعراض عنه حتى يموت كمدًا وغيظًا، شبه هذا بحال النار التي تمد بالحطب الذي يديم بقاءها، فتأكل بعضها بعضًا حتى تصير رمادًا، كل هذه صورة المشبه به، وجه الشبه بين هاتين الصورتين هو الهيئة العقلية الحاصلة من سرعة الفناء؛ لعدم الإمداد بما يسبب البقاء والحياة، هذه صورة أيضًا جاء وجه الشبه فيها مركبًا عقليًّا، من ذلك قول أبي تمام: وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يُعرف طيب عَرف العود فهنا شبه الفضيلة يتعرض لها الحاسد ليسترها ويغض من قيمتها، ويؤذي صاحبها، فيكون ذلك سببًا في ظهورها وشيوع أمرها، كل هذه صورة المشبه، شبه هذه الصورة أو الهيئة بحال العود مع النار، فإنها تظهر طيب رائحته، وتسبب انتشارها، فيعم النفع بها، وجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من ظهور فضل الشيء باتصاله بآخر شديد الضرر له، هذه صورة لوجه الشبه المركب العقلي. الصورة الخامسة: أن يكون وجه الشبه متعدد حسي كتشبيه نهر دجلة بنهر النيل في طوله، واتساعه، وعذوبة مائه إلى آخره، وكتشبيه فاكهة بفاكهة أخرى في اللون والطعم والرائحة، فهنا نجد أن وجه الشبه متعدد

стр. 58

تعددًا حسيًّا، هناك وجه الشبه يمكن أن يأتي ويكون متعدد عقلي، كتشبيه الأنصار بالمهاجرين في قوة إيمانهم بالله، وفي محبتهم للرسول ﷺ ، وفي التفاني في نصرة الحق إلى غير ذلك، فهنا نجد أن وجه الشبه قد تعدد تعددًا عقليًّا. إن كل هذه الأمور لا تدرك بالحواس المحبة والإيمان والتفاني كل هذه أمور عقلية، لا تدرك بأي من الحواس. الصورة الأخيرة في وجه الشبه: أن يكون متعددًا مختلفًا أن نشبه الرجل بالشمس في إشراق الوجه، وفي نباهة الشأن فإشراق الوجه هذا أمر حسي يرى، لكن نباهة الشأن هذا أمر عقلي لا يذكر، ولا يرى بأي من الحواس الخمسة. لكن هنا يأتي سؤال التشبيه التمثيلي من أي هذه الأنواع؟ أولًا: يجب أن نعرف أن التشبيه التمثيلي، وهو متعلق بوجه الشبه قد اختلف في أمره على آراء متعددة، فعندنا رأي للإمام عبد القاهر، عندنا رأي للإمام السكاكي، وعندنا رأي للخطيب القزويني، وعندنا رأي أخير للزمخشري. فالإمام عبد القاهر يرى أن التشبيه التمثيلي ما لا يكون الوجه فيه أمرًا بينًا بنفسه؛ بل يحتاج في تحصيله إلى ضرب من التأول والصرف عن الظاهر؛ لأن المشبه لم يشارك المشبه به في صفته الحقيقية، يتحقق ذلك فيما إذا كان وجه الشبه عقليًّا غير حقيقي. كأن وجه الشبه العقلي غير الحقيقي، هذا هو الذي يمثل التمثيل، أو التشبيه التمثيلي عند الإمام عبد القاهر، فإذا كان وجه الشبه عقليًّا غير حقيقي أي: غير متقرر في ذات الموصوف يكون تشبيهًا تمثيليًّا، مثال ذلك مثلًا قولنا: هذه حجة كالشمس في الظهور، قد شبهت الحجة في قوة بيانها بالشمس من جهة ظهورها، هذه ظاهرة، وهذه ظاهرة، لكن هذا التشبيه لا يتم إلا بتأول، وذلك بأن نقول حقيقة ظهور الشمس أو غيرها من الأجسام ألا يكون دونها حجاب، ونحو مما يحول بين العين وبين رؤيتها، والشبهة التي تزال بالحجة والبرهان هي نظير الحجاب فيما يدرك بالعقول؛ لأنها تمنع القلب رؤية ما هي شبهة فيه، فإذا ارتفعت الشبهة قيل: هذا ظاهر كالشمس، فقد احتجنا في تحصيل الشبه بين الحجة وبين الشمس، وهو إزالة الحجاب في كل إلى مثل هذا التأويل، والصرف عن الظاهر مثاله أيضًا عند الإمام عبد القاهر. قولنا: "كلام ألفاظه كالماء في السلاسة، وكالنسيم في الرقة، وكالعسل في الحلاوة": فالمراد أن اللفظ لا يستغلق، ولا يشتبه معناه، ولا يصعب الوقوف عليه، فليس بغريب، ولا وحشي، وليس في حروفه تكرير وتنافر يكد اللسان، فصار لذلك كالماء الذي يسوغ في الحلق، والنسيم الذي يسري في البدن، ويهدي إلى القلب روحًا ونشاطًا، وكالعسل أيضًا الذي يلذ طعمه، وتهش النفس له، ويميل الطبع إليه؛ فوجه الشبه إذن هو الاستحسان، وميل النفس الذي هو لازم من لوازم الحلاوة؛ إذن فنستطيع أن نقول: إن الإمام عبد القاهر سمى هذا اللون الذي يكون وجه الشبه فيه عقليًّا غير حقيقي غير مقرر في ذات الموصوف أسماه بالتشبيه التمثيلي. إذن خرج من ذلك كل ما كان عدا هذا. فالتشبيه مثلًا ما كان وجه الشبه فيه بينًا لا يحتاج إلى تأويل، عند هذا لا يدخل في التشبيه التمثيلي عند الإمام عبد القاهر التشبيه مثلًا من جهة اللون، أو من جهة الهيئة، أو كمثل التشبيه بأن يجمع فيما يجمع بين شيئين فيما يدخل تحت الحواس، كل هذا يدخل في التشبيه الحسي، ومن ثَمَّ لا يدخل في التشبيه العقلي. إذن باختصار فالتشبيه التمثيلي عند الإمام عبد القاهر هو ما كان وجه الشبه فيه عقليًّا غير حقيقي، يخرج من هذا كل ما كان حسيًّا، وكل ما كان عقليًّا، لكن يتعلق بالغرائز، والطباع، والأخلاق. فكل هذه تدخل في التشبيه غير التمثيلي.

стр. 59

إذن فالتشبيه التمثيلي عند الإمام عبد القاهر هو ما كان عقليًّا غير حقيقي كهذين المثالين الذي مثل بهما، وهو قوله هذه حجة كالشمس في

стр. 60

الظهور، وقوله كذلك كلام ألفاظه كالعسل في الحلاوة، هذا هو رأي الإمام عبد القاهر من أمثلة التشبيه التمثيلي عند الإمام عبد القاهر ما جاء في قول ابن المعتز: اصبر على مضض الحسود ... فإن صبرك قاتله فالنار تأكل بعضها ... إن لم تجد ما تأكله إذ المراد -كما قلنا- تشبيه حال الحاسد يهمله المحسود بالإعراض عنه حتى يموت كمدًا بحال النار، لا تمد بالحطب فيأكل بعضها بعضًا حتى تصير رمادًا، وجه الشبه هنا هيئة عقلية حاصلة من سرعة الفناء؛ لعدم الإمداد بما يسبب البقاء والحياة، وهذه صورة عقلية غير حقيقية. إذن فهي داخلة عند الإمام عبد القاهر في التشبيه التمثيلي. الرأي الثاني في التشبيه التمثيلي هو رأي السكاكي: أن التشبيه التمثيلي هو ما كان وجه الشبه فيه مركبًا عقليًّا كقول الله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (البقرة: ١٧) فنجد أن وجه الشبه في الآية الكريمة -وهو تعاطي الأسباب المقربة لتحقيق الآمال حين ظهرت- دلائل النجاح، فانقلب الأمر، وجاء على عكس ما كانت تطمع إليه هذه الآمال، فوجه الشبه هنا هيئة عقلية انتزعت من أمور متعددة. إذن فهذا هو رأي السكاكي: يرى أن هذه الهيئة العقلية هي التي تُمثِّل التشبيه التمثيلي، أيضًا ممكن أن يأتي مثل هذا عند السكاكي قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (الجمعة: ٥) نجد أن وجه الشبه، وهو حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل التعب في استصحابه، هذه هيئة مركبة عقلية. إذن فهو داخل مع رأي السكاكي في أن هذا من التشبيه التمثيلي. الخطيب يرى أن التشبيه التمثيلي هو ما كان الوجه فيه مركبًا؛ سواء كان حسيًّا أو عقليًّا، هذا أعم من رأي السكاكي، فمقدار التفرقة عندهم بين التشبيه والتمثيل طبعًا، مع الخطيب جمهور البلاغيين. مدار التفرقة عندهم بين التشبيه

стр. 61

والتمثيل هو تركيب الوجه وإفراده، بغض النظر عن كونهما حسيًّا أو عقليًّا، فإذا كان وجه الشبه هيئة منتزعة من شيئين، أو عدة أشياء؛ كان التشبيه تمثيلًا، سواء كانت هذه الهيئة حسية أم عقلية، طبعًا يخرج من هذا كل ما كان وجه الشبه فيه مفردًا بنوعيه الحسي والعقلي. الرأي الأخير وهو رأي الزمخشري، الرأي الرابع: لا يرى هناك فرقًا بين التشبيه والتمثيل، فكل تشبيه عنده تمثيل، وكل تمثيل عنده تشبيه. خلاصة هذه الآراء في التفرقة بين التشبيه والتمثيل، والتي هي مبنية على إفراد وجه الشبه، أو تركيبه، وحسيته، أو عقليته: هو أنه إذا كان وجه الشبه مركبًا عقليًّا غير حقيقي، كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ (الجمعة: ٥)، والآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ (النور: ٣٩)، وقول الشاعر: اصبر على مضض الحسود ... ............................ كل هذا يعد تشبيهًا تمثيليًّا بإجماع الآراء؛ لأن وجه الشبه فيه مركبًا عقليًّا غير حقيقي، كذلك وجه الشبه لو كان مركبًا حسيًّا مثل قول بشار: كأن مثار النقع ... ........................... كأن أجرام النجوم ... ........................... وسقط كعين الديك ... ........................... إلى غير ذلك كان التشبيه تمثيليًّا عند الخطيب، وعند جمهور البلاغيين؛ لأن الوجه مركب حسي، إذا كان الوجه مركبًا عقليًّا غير حقيقي؛ كان تشبيهًا تمثيليًّا عند الإمام عبد القاهر، إذا كان مفردًا حسيًّا أو عقليًّا حقيقيًّا لكونه من الأخلاق والغرائز، فهذا بالإجماع عند جميع البلاغيين هو من قبيل التشبيه لا التمثيل. إذن نخلص من كل هذا إلى أن مدار الحكم على الصورة بأنها من قبيل التمثيل، أو من قبيل التشبيه التمثيلي متوقف على وجه الشبه، فإن كان وجه الشبه مركبًا

стр. 62

عقليًّا غير حقيقي، فهو تمثيل بالإجماع، وإن كان وجه الشبه مركبًا حسيًّا غير حقيقي؛ فهو تمثيل عند الخطيب، وجمهور البلاغيين -وإن كان وجه الشبه مركبًا عقليًّا غير حقيقي- فهو تمثيل عند السكاكي، وإن كان وجه الشبه مفردًا عقليًّا غير حقيقي فهو تمثيل عند الإمام عبد القاهر، وإن كان وجه الشبه حسيًّا غير حقيقي مفردًا طبعًا فهو تشبيه عند كل البلاغيين. فالزمخشري لا يفرق بين هذا وذاك، تلك هي أقسام وجه الشبه باعتبار الحسية والعقلية، والإفراد والتركيب والتعدد، وكما قلنا: فإن هذه هي صوره، ممكن أن يكون وجه الشبه مفردًا حسيًّا، مفردًا عقليًّا، مركبًا حسيًّا، مركبًا عقليًّا، متعددًا حسيًّا، متعددًا عقليًّا، متعددًا مختلفًا بعضه حسي وبعضه عقلي، وقلنا: إن صورة التشبيه التمثيلي هي على النحو الذي ذكرناه، وعلى اختلاف البلاغيين في الحكم على ما كان تشبيهًا تمثيليًّا أم غير ذلك. وجه الشبه باعتبار ذكره وحذفه، وباعتبار ظهوره وخفائه التعرف على وجه الشبه باعتبار ذكره وباعتبار حذفه، فهو بهذا الاعتبار ينقسم إلى قسمين: عندنا هناك التشبيه المجمل، وهو ما حُذف منه وجه الشبه، كأن نقول: هذا الرجل كالأسد، ونقول: العلماء كالنجوم، ونقول: وجه كالبدر، ونقول: شعر كالليل، وخد كالورد، ونقول: رجل كالأسد، وقد يكون دقيقًا خفيًّا يحتاج في إدراكه إلى فكر وتأمل، وعندئذٍ يجب أن يذكر في العبارة ما يومئ إلى وجه شبه المحذوف، ويدل عليه، لكن طالما حذف وجه الشبه، فيسمى هذا التشبيه بالتشبيه المجمل.

стр. 63

أما إذا ذكر وجه الشبه؛ فإنه يسمى بالتشبيه المفصل، وتعريفه هو ما ذكر فيه وجه الشبه، كقولنا مثلًا: وجهه كالبدر حسنًا، وخده كالورد حمرة، وشعره كالليل سوادًا، وطبعًا منه قول ابن الرومي: يا شبيه البدر في الحسن وفي بعد المنال ... جُُد فقد تنفجر الصخرة بالماء الزلال ومنه أيضًا قول أبي بكر الخالدي: يا شبيه البدر حسنًا وضياء ومنالًا ... وشبيه الغصن لينًا وقوامًا واعتدالًا أنت مثل الورد لونًا ونسيمًا وبلالًا ... زارنا حتى إذا ما سرَّنا بالقرب زال هكذا تذكر وجوه الشبه في هذه الأبيات جميعًا على هذا النحو، فمعنى ذلك: أن هذا من قبيل التشبيه المفصل، لو كان المذكور وصفًا يستلزم وجه الشبه كقولنا مثلًا كلام كالعسل في الحلاوة، فليست الحلاوة هي وجه الشبه الحقيقي، ولكن الوجه الحقيقي هو ميل النفس وشعورها باللذة، وهو لازم من لوازم الوجه المذكورة، وهو الحلاوة؛ فاستغني بذكر الملزوم عن اللازم مجازًا. كذلك قولهم حجة كالشمس في الظهور، فالوجه الحقيقي هو إزالة المطلق حجاب، فيشمل حجاب الليل الذي يمنع إدراك المبصرات، وحجاب الشبهة التي تمنع إدراك المعقولات، وهذا الوجه من لوازم الوجه المذكور، وهو الظهور فاستغني به عنه تسامحًا، أو مجازًا، فطالما ذكر الوجه أو ما يستلزم هذا الوجه، فهو من قبيل التشبيه المفصل الذي ذكر فيه وجه الشبه.

стр. 64

الجزء الثالث ما يتعلق بوجه الشبه باعتبار ظهوره وخفائه، فوجه الشبه بهذا الاعتبار نوعان: هناك قريب مبتذل: وهو ما كان ينتقل فيه الذهن، أو ما انتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به، دون حاجة إلى إعمال فكر وتدقيق نظر. وهناك تشبيه بعيد غريب، وهو ما لا ينتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به، إلا بعد فكر وإطالة نظر، وذلك لخفاء وجه الشبه في بادئ الأمر، ودقته، ولنضرب مثلًا أو مثالين لكل منهما: التشبيه القريب مثلًا: وهو ما ينتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به، دون حاجة إلى إعمال فكر وتدقيق نظر، كأن يشبه مثلًا الوجه الحسن بالبدر، والرجل الشجاع بالأسد، ونشبه الرجل الكريم بالغيث، هذه وأمثالها الذهن لا يجد عناء في إدراك وجه الشبه، ولا يعني وصف هذه التشبيهات بالقرب والابتذال، إنها رديئة مستنكرة، لكن المراد أنها قريبة التناول، سهلة المآخذ، يستوي فيها الخاصة والعامة، ويمكن لأي واحد أن يقول تشبيهًا مثل هذا، لكن التشبيه البعيد الغريب، وهو ما لا ينتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به إلا بعد فكر وإطالة نظر، وذلك لخفاء وجه الشبه في بادئ الأمر ودقته، هذا هو الذي محل اعتبار لدى البلاغيين. ونذكر مثلًا قول الشاعر: وكأن البرق مصحف قارن ... فانطباقًا مرة وانفتاحًا فنجد أن ابن المعتز هنا يشبه البرق بالمصحف الذي يكون في يد القارئ، وأن وجه الشبه هنا هو هيئة توالي حركتين في اتجاهين مختلفين، ينشأ عن إحداهما ظهور وانفتاح، وعن الأخرى خفاء وانطباق، لا ينتقل الذهن في إدراكه والوقوف عليهم من المشبه إلى المشبه به، إلا بإطالة النظر، وإعمال الفكر لدقته وخفائه، فهي حركة خاصة تحتاج من الأديب، أو القارئ إلى أن يغض النظر عما عداها مما في البرق من إشراق. وما في المصحف من لون حين يفتحه القارئ، إذن فهذه نجد أن وجه الشبه فيه بعيد غريب لا ينتقل الذهن إلا بعد إعمال فكر، وإعمال نظر. بذلك نستطيع أن نذكر خلاصة ما سبق أن ذكرناه: وهو أن وجه الشبه والمعنى الذي يشترك فيه طرفا التشبيه حقيقة أو خيالًا، وله -كما قلنا- أقسام باعتبار الحسية والعقلية، والإفراد والتركيب والتعدد، بلغت هذه الأنواع إلى سبعة؛ لأنه إما أن يكون وجه الشبه مفرد حسي، أو عقلي، إما أن يكون مركب حسي أو عقلي، متعدد حسي أو عقلي، أو متعدد مختلف، أو مختلط بعضه حسي وبعضه عقلي. ثم بعد ذلك انتقلنا إلى وجه الشبه باعتبار ذكره وحذفه، فقلنا: إذا ذكر وجه الشبه كان مفصلًا، وإذا حذف كان مجملًا، ثم ذكرنا في آخر الكلام أنواع وجه الشبه باعتبار الظهور والخفاء، وقلنا: إنه قد يأتي قريبًا مبتذلًا، وهو ما ينتقل فيه الذهن إلى من المشبه إلى المشبه به، دون حاجة إلى فكر وإعمال نظر، وبعيد قريب غريب، وهو ما ينتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به بعد فكر وإطالة نظر.

стр. 65

ونختم حديثنا بثمرتين مهمتين من ثمار هذا الدرس، وهو أن وجه الشبه لا بد أن يكون مشتركًا بين الطرفين، وموجودًا، وملاحظًا في كل منهما، إما على طريق التحقيق، وإما على طريق التخييل والتأول، لكن لا بد أن يتناول كل جزء في المشبه أو المشبه به، هذا أمر في غاية الأهمية، ولا بد أن يحقق هدف القائل أو البليغ؛ سواء كان هذا الكلام البليغ في كلام الله ، أو في سنة النبي ﷺ ، أو في كلام البلغاء، هذه هي الثمرة الأولى من ثمار هذا الدرس. أما الثمرة الثانية: فهو أننا لا بد أن نعرف أن هناك مقارنة وفرق بين التشبيه المركب والتشبيه المتعدد، كما أن هناك فرق كذلك بين وجه الشبه المركب، ووجه الشبه المتعدد فوجه الشبه المركب، لا بد أن ينتزع من عدة أمور معتبرة في كل من الطرفين؛ بحيث إذا ترك بعضها لا يتم وجه الشبه، بل يضيع الغرض الذي يقصده المتكلم من التشبيه؛ لأنه يهدف إلى مزج هذه الأمور وخلطها، واستخلاص هيئة تركيبية منهما يعني: من المشبه والمشبه به. أما الوجه المتعدد: فإن الأمور المعتبرة في الطرفين لا تمزج، بل يظل كل أمر منها مستقل؛ بحيث يمكن الاستغناء عن بعضها دون أن يفسد التشبيه، فقولنا مثلًا: المهاجرون كالأنصار في قوة الإيمان، ومحبة النبي ﷺ ، والتفاني في نصرة الحق يمكن الاستغناء عن بعض هذه الصفات عن صفة أو صفتين بخلاف التشبيه إذا كان مركبًا، وكذلك وجه الشبه إذا كان هيئة، فإن هذا لا يمكن تغافل أي: من هذه الأجزاء، هذا هو الفرق بين التشبيه ووجه الشبه، وجه الشبه، أو المشبه، أو المشبه به، مركب، أو وجه الشبه، أو المشبه، أو المشبه به المتعدد، فالمتعدد يمكن فك أجزائه واختصارها، وحذف شيء منها. أما المركب فلا يمكن بحال من الأحوال حدوث شيء من هذا على الإطلاق. ونسأل الله التوفيق والسداد، هذا والله تعالى أعلى وأعلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 66

الدرس: ٤ التشبيه (٣) .

стр. 67

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع (التشبيه (٣)) أدوات التشبيه الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد: فسيكون حديثنا -اليوم بمشيئة الله تعالى- عن أدوات التشبيه والغرض منه، أما عن أدوات التشبيه فهي ألفاظ تدل على المماثلة والاشتراك بين أمرين، وهي قد تكون حروفًا، وقد تكون أسماء، وقد تكون أفعالًا؛ فالحروف تتمثل في الكاف، وكأن. أما الكاف فهي الأصل لبساطتها، وتفيد المشابهة في جميع استعمالاتها، والأصل فيها أن يليها المشبه به كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِي الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ (الرحمن: ٢٤) وقول الشاعر: أنت كالشمس في الضياء وإن ... جاوزت كيوانا في علو المكان وكيوانا: هو اسم لكوكب زحل، فنجد أن لفظ الأعلام في الآية الكريمة، ولفظ الشمس في البيت، قد ولي الكاف، وهما مشبهان بهما، فإن وليها غير المشبه به؛ كان مقدرًا بعدها، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ (البقرة: ١٩)، فالمشبه به في الآية محذوف تقديره: أو كمثل ذوي صيب؛ لأن الأصل أن يكون التشابه بين المعطوفات فيه تماثل، فهنا عطف، أو عطف ﴿كَصَيِّبٍ﴾ على قوله ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ﴾، فإن وليها غير المشبه به كان مقدرًا بعدها كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ (البقرة: ١٩)، فنجد أن المشبه به في الآية محذوف تقديره: أو كمثل ذوي صيب بدليل قوله في الآية ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ (البقرة: ١٩).

стр. 68

فالكلام عن أهل النفاق، وقوله في الآية التي قبلها ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ (البقرة: ١٧)، فلا بد إذن أن يأتي الكاف في ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ ما يماثل المشبه في الآيات السابقة واللاحقة؛ لذا كان التقدير: أو كذوي صيب، فالآيات مسوقة لبيان حال المنافقين فيما يكابدونه من حيرة وشدة بسبب ظهور نفاقهم، بعد أن توهموا أنهم قد أمنوا على حياتهم بإظهار الإسلام. وقد مُثِّلوا أولًا بحال من هو في أشد الحاجة إلى النار فاستوقدها ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (البقرة: ١٧)، ثم مُثلوا ثانيًا بحال قوم أصابهم مطر شديد فيه ظلمات ورعد وبرق، وصواعق مهلكة تهدد حياتهم بالموت، وكانوا يتوقعون فيه النفع والرخاء. ونظير ذلك في دخول الكاف على مشبه به مقدر ما جاء في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ (الصف: ١٤) إذا لا شبه بين كون المسلمين أنصارًا لله، وبين قول عيسى، وإنما الشبه بين كونهم أنصار للنبي محمد ﷺ ، وكون الحواريين أنصارًا لعيسى؛ إذن فوجب أن يكون التقدير: كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصارًا لعيسى ابن مريم حين قال لهم: من أنصاري إلى الله. وقد يلي الكاف مفرد لا يتأتى التشبه به، وذلك إذا كان المشبه به مركبًا، ويكون هذا المفرد له اتصال وثيق بالمشبه به المركب، تعال مثلًا إلى قول الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ (الكهف: ٤٥)، فليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء، بل المراد تشبيه حالها في ندرتها وبهجتها، وما يعقبها من الهلاك والفناء، بالهيئة الحاصلة من كون النبات بعد نزول الماء شديد النضارة والاخضرار، ثم بعد ذلك

стр. 69

تراه قد يبس فتطيره الرياح، كأن لم يكن، ووجه الشبه -كما هو معلوم- التلف والهلاك عقب الإعجاب، والاستحسان؛ فالكاف هنا لم تدخل على مشبه به وهو النبات، وإنما دخلت على لفظ الماء باعتباره عنصرًا مهمًّا في تكوين النبات، وأوراقه وفروعه وثماره. إذن فلا بد من مراعاة مدخول الكاف حتى تستقيم العبارة أو الآية، وبذلك نعرف مدى أهمية فهم سياق الآية في تقديرها مع أدوات التشبيه، أما كأن فإنها تفيد المشابهة غالبًا، وذلك إذا كان خبرها جامدًا، ويليها المشبه نحو قوله تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ (القمر: ٧)، وكذلك في مثل قولنا كأن النجوم مصابيح، فهنا نشبه النجوم بمصابيح، وكما جاء في الآية، فقد شبه أهل الكفر بأنهم جراد منتشر. فإذا كان الخبر مشتقًّا فالأرجح أنها لا تفيد المشابهة، وإنما تفيد الظن بوقوع الخبر الذي بعدها نحو قولنا مثلًا: كأن زيدًا قائم، كأن السماء ممطرة، فالمعنى: أننا نظن قيام زيد، ونظن إمطار السماء؛ لأن قائمًا صادق على زيد، وممطرة صادقة على السماء، ولا معنى لتشبيه الشيء بنفسه. وتأتي الأداة أحيانًا اسمًا من أمثال مثل شبه مماثل محاكٍ مشابه مضاهٍ، ونحوها مما يؤدي معنى المشابهة، فإذا كان الاسم جامدًا وليه المشبه به نحو: هذا الرجل مثل الأسد، وشبه البدر، وإن كان مشتقًّا وليه المشبه نحو: أنت مماثل الأسد، ومحاكٍ البدر، ومشابه عمرو، ومضاهٍ حاتمًا؛ فقد ولي الاسم في هذه الأمثلة الضمير العائد على المشبه، ويأتي كذلك أداة التشبيه فعلًا مثل: شابه وحاكى، ويشابه، ويضاهي، ونحوها من الأفعال المتعدية الدالة على معنى المشابهة، فإذا كانت الأفعال لازمة كتشابه وتماثل؛ فإنها لا تدل على التشبيه، كما سنذكر ذلك

стр. 70

تفصيلًا فيما بعد؛ لأن التشبيه يقتضي إلحاق الأدنى في وجه الشبه بالأعلى حقيقة أو ادعاء، وهذه الأفعال اللازمة إنما تدل على وجود التشابه بين الشيئين المقتضي مساواة كل واحد منهما للآخر في وجه الشبه. وقولنا مثلا تشابه عمرو وبكر في الوفاء المعنى: أنهما تساويا فيه، وليس أحدهما أعلى منزلة من الآخر، والأمر ليس كذلك إذا قلنا مثلًا: عمرو يشبه بكرًا؛ لأنه يفيد أن بكرًا أعلى مرتبة في وجه الشبه من عمرو، ولذا شبه به، وقد يذكر فعل ينبئ عن التشبيه نحو: علم وتيقن، وذلك إن قرب وجه الشبه وحقق، ونحو حسب، وخال، وظن إن بعد وجه الشبه عن التحقيق وخفي عن الإدراك فيقال مثلًا: علمت محمدًا بحرًا، وتيقنت أنه حاتم، وحسبت عمرو أسدًا، وخلته حاتمًا، وظننته إياسًا، وإنما قلنا: إن هذه الأفعال تنبئ عن التشبيه؛ لأن التشبيه في الواقع مستفاد من الأداة المقدرة كما في نحو: محمد بحر، وعمرو أسد. هذا، وتختلف أدوات التشبيه في الدلالة على التشبيه، فما كان من التشبيه صادقًا قلت في وصفه كأنه، أو هو ككذا، ويشبه، أو يماثل، أو شبه كذا، أو علمته بحرًا، رأيته غيثًا، وتيقنت أنه حاتم، ونحو ذلك من الأفعال التي تنبئ بالتشبيه وتدل على اليقين، وما قارب الصدق قلت فيه تراه، أو تخاله، أو تحسبه، أو يكاد، ونحوها من الأفعال التي ترشد إلى التشبيه وتدل على الظن والرجحان، أو المقاربة. هنا يأتي سؤال هل لإيثار بلقيس ملكة سبأ حرف التشبيه كأن الوارد في قول الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ (النمل: ٤٢) حين سأله سليمان ﵇ عندما عما إذا كان ذلك عرشها أم لا من دلالة، هل لذلك من دلالة؟ نعم، لقد ذكر ابن السبكي أن الإمام فخر الدين الرازي في نهاية (الإيجاز)، كذلك حازم القرطاجني في كتابه (منهاج البلغاء) أوضح أن كأن أبلغ

стр. 71

من الكاف، وأنها تستعمل حيث يقوى الشبه؛ حتى يكاد الرائي يشك في أن المشبه هو المشبه به أو غيره. هذا الكلام ذكره السبكي في (عروس الأفراح)، وذكره كذلك القرطاجني في كتابه (منهاج البلغاء)، من هنا ندرك عظمة القرآن، ودقة التعبير حين ينتقي لفظ ويؤثره على لفظ آخر؛ ففي هذا دلالة على أن انتقاء الألفاظ المناسبة الدالة المعبرة، هو الذي يسود دائمًا في كلام الله . هذا وينقسم التشبيه بهذا الاعتبار -أعني: باعتبار ذكر الأداة وحذفها- إلى قسمين، فهناك تشبيه مرسل، وهناك تشبيه مؤكد، فالتشبيه المرسل ما ذُكرت فيه أداة التشبيه نقول مثلًا: أنت كالأسد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (الفيل: ٥)، وقوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ (الحديد: ٢١)، وهناك التشبيه المؤكد، وهو ما حُذفت منه أداة التشبيه كقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (النمل: ٨٨) تقدير الآية أي: تمر مرًا كمر السحاب، جملة التشبيه المبنية على حذف الأداة. سؤال كيف تؤكد؟ الجواب: أنها تؤكد بعدة أمور، أولها أن يقع المشبه به خبرًا لمشبه؛ سواء أكان ذلك المشبه مذكورًا في الكلام، أم محذوفًا فمثلًا قول الشاعر: هم البحور عطاء حين تسألهم ... ......... ................ .. هنا المشبه مذكور، وكذلك قول امرئ القيس: فعيناك غربا جدول في مقاضة ... كمر الخليج في صفيح مصوب

стр. 72

هنا يشبه سيلان الدموع من العينين بسيلان الماء من غربي الجدول غربا يعني: الدلوان، وأداة التشبيه محذوفة، وقد وقع المشبه به خبرًا للمشبه، ثم شبه سرعة جريان الدموع في العينين بسرعة مر الماء في الخليج المنحدر تشبيهًا مرسلًا؛ لأن الأداة مذكورة، كذلك المشبه المقدر ما جاء في قوله تعالى مثلا: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (البقرة: ١٨) وكذلك في قول عمران بن حطان يذكر الحجاج: أسد علي وفي الحروب نعامة ... فطخاء تنفر من صفير الصافر فالمشبه مبتدأ محذوف تقديره: هم صم، وهو أسد، ونعامة، وقد وقع المشبه به خبرًا له، تؤكد كذلك جملة التشبيه المبنية على حذف الأداة بأن يقع المشبه به حالًا صاحبها هو المشبه، كما في قوله تعالى مثلًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (الأحزاب: ٤٥، ٤٦)، ففي الآية الكريمة يشبه النبي ﷺ بالسراج المنير، والمشبه به حال، وصاحب الحال هو الضمير المنصوب العائد على النبي ﷺ في قوله ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ كذلك يؤكد التشبيه المحذوف الأداة بأن يقع المشبه به مضافًا إلى المشبه كقول الشاعر مثل: والريح تعبث بالوصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء فهنا شبه الماء وهو المضاف إليه باللجين، وقد وقع المشبه به هو اللجين مضافًا إلى المشبه وهو الماء، أما ذهب الأصيل فمقصود به أشعة الشمس قبيل الغروب. إذن فهو مشبه والذهب مشبه به، ويكون هذا من إضافة المشبه به إلى المشبه. كذلك من هذا الضرب ما جاء في قول الشاعر يصف تقوس الهلال: كأنما أدهم الإظلام حين نجا ... من أشهب الصبح ألقى نعل حافره

стр. 73

فهنا شبه ظلام الليل فالفرس الأدهم، وفي هذه الصورة العجيبة النادرة الغريبة غير المبتذلة نرى أن الشاعر يشبه هذا الظلام ظلام الليل بالفرس الأدهم، ويشبه كذلك الصبح بالفرس الأشهب، وقد وقع المشبه به مضافًا إلى المشبه في التشبيهين، ثم استعار نعل الحافر للهلال، ونرى في البيت تخييلًا حسنًا بديعًا؛ حيث صور الشاعر لنا معركة بين الليل والصبح، انتصر فيها الصبح وفر الليل منزعجًا من مطاردة الصبح له، واستعان الليل على سرعة الفرار والهرب بإلقاء نعله؛ ليكون ذلك عونًا له على سرعة الفرار والنجاة، وقد أخذ الشاعر من مخلفات المعركة نعل حافر الفرس، فشبه به الهلال وبنى على التشبيه استعارته الغريبة، مثل ذلك أيضًا قول الشريف الرضي يدعو الله أن يرطب قبور أحبابه: أرسى النسيم بواديكم ولا برحت ... حوامل المزن في أجداثكم تضع ولا يزال جنين النبت ترضعه ... على قبوركم العراضة الهمع فهنا يشبه المزن بالحوامل، ويشبه النبت بالجنين، وقد وقع المشبه به وهو الحوامل، والجنين مضافًا إلى المشبه، وهو المزن والنبت، والمعنى ما زال السحاب الممتلئ الماء الشبيه بالحوامل الممتلئة بطونها بالأجنة، يسقط على قبورك، ولا يزال النبات الأخضر المورق الشبيه بالأجنة الصغيرة يرويه على قبوركم السحاب الممطر. أما الوضع والإرضاع فهما إذن ترشيح للتشبيه، كذلك تؤكد جملة التشبيه المبنية على حذف الأداة بأن يقع المشبه والمشبه به مفعولين لفعل من الأفعال التي تنصب مفعولين مثل: علم، ورأى، وحسب، وظن، وخال، ونحوها، فهذه الأفعال تنبئ بالتشبيه، وترشد إليه، وليست أدوات؛ بل الأداة تكون مقدرة كما سبق أن ذكرنا.

стр. 74

من ذلك مثلًا قولنا: علمت محمدًا بحرًا، ورأيته أسدًا، وحسبت الرجل شمسًا، وخلته بدرًا، وظننته كوكبًا؛ فوقع في كل هذه الأمثلة كل من المشبه والمشبه به مفعولين للأفعال المذكورة، وهذه الأفعال قد أنبأت بالتشبيه. أما الأداة فهي مقدرة، والتقدير: علمت محمدًا كالبحر وكالأسد إلى أخر ذلك، من ذلك أيضًا قول البحتري: وإذا الأسنة خالطتها خلتها ... فيها خيال كوكب في الماء فهنا شبه الأسنة إذا خلطتها الدروع بخيال الكواكب تبدو في الماء بجامع الصفاء واللمعان، ولا يخفى أن المشبه والمشبه به قد وقعا مفعولين للفعل خال، الذي أرشد إلى التشبيه، وأن أداة التشبيه هي الكاف المقدرة، والتقدير: خلتها فيها كخيال كواكب في الماء. أغراض التشبيه وننتقل الآن إلى حديث البلاغيين عن الركن الخامس، وهو أغراض التشبيه أي: الأسباب والدواعي التي تحمل الأديب على عقد التشبيه، أو بمعنى آخر الغاية التي يرمي إليها البليغ بتشبيهه، ويقصد إلى تحقيقها، أو الفائدة التي يريد المتكلم أن يوصلها إلى السامع باستخدام الأسلوب التشبيهي. هذه الأغراض منها ما يعود إلى المشبه، ومنها ما يعود إلى المشبه به. نبدأ بالحديث عن الأغراض التي تعود على المشبه: أول هذه الأغراض: ما يسمى ببيان إمكان وجوده، وذلك عندما يكون المشبه من الأمور الغريبة التي يستبعد حصولها، ويدعى استحالتها، كما جاء مثلًا في قول المتنبي: فإن تفق الآنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال

стр. 75

فهنا يدعي المتنبي أن ممدوحه قد تناهى في الصفات الفاضلة إلى حد صار به جنسًا منفردًا بذاته أشرف من جنس الإنسان، وهو في الواقع منهم، وهذه دعوى بعيدة غريبة، تحتاج إلى بيان إمكانها، وإثبات أن لها نظيرًا في الموجودات الثابتة؛ ولذا قال: فإن المسك بعض دم الغزال. وعلى الرغم من أنه من جنس الدماء -أي: المسك- إلا أنه تناهى في الصفات الشريفة إلى حد يُتوهم لأجله أنه نوع آخر غير الدم؛ لتفوقه بشرف رائحته، والتشبيه كما هو ملاحظ في البيت ضمني، المشبه حال الممدوح في تفوقه على أهل زمانه تفوقًا صار به كأنه جنس منفصل عنهم، شبه به حال المسك في تفوقه بشرف رائحته على الدماء حتى صار كأنه جنس آخر، ووجه الشبه خروج بعض أفراد الجنس بفضائله عن جنسه مع ملاحظة الأصل في بقائه داخل الجنس بالانتساب إليه، والغرض من التشبيه -كما علمنا- هو بيان إمكان المشبه بإثبات نظير له، كما هو واضح في البيت، يدخل في هذا الغرض ما جاء في قول البحتري: دانٍ على أيدي العفاة وشاسع ... عن كل ندٍّ في الندى وضريب كالبدر أفرط في العلو وضوءه ... للعصبة السارين جد قريب فهنا يصف الشاعر الممدوح بصفتين متناقضتين في الظاهر، وهما الدنو والعلو، ثم زال هذا التناقض الظاهري بالمشبه به الذي بيَّن أنه لما ادعاه الشاعر نظيرًا في الوجود، كذلك قول ابن الرومي يقول: قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم ... كلا لا عمرو ولكن منه شيبان كم من أب قد علا بابن ذرا شرف ... كما علا برسول الله عدنان فالمشبه أبو الصقر، وقد شرفت به قبيلته، وتلك دعوى غريبة؛ لأن العادة أن يشرف الفرع بالأصل، دائمًا الإنسان يشرف بأبيه وبأجداده، لا العكس، لكن
следующие страницы →