← Баляга

Баляга · id 11200

البلاغة 1 - البيان والبديع - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (467 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

في بيت أبي ذؤيب: شبهت المنية بالسبع، ثم تنوسي التشبيه، وادُّعي أن المنية فرد من أفراد السبع، وأن السبع صار نوعين متعارف عليه، وهو الحيوان المفترس، وغير متعارف عليه، وهو الموت الذي ادُّعيت له السبعية، ثم استعير اسم المشبه -وهو الموت- الذي ادعيت له السبعية؛ فصح بهذا أنه قد أطلق اسم المشبه -وهو المنية- وأريد به المشبه به وهو السبع. فهي من قبيل المجاز اللغوي، كما عند الجمهور. ويرى أن الاستعارة التخييلية ما كان معناها صورة وهمية، لا تحقق لها حسًّا ولا عقلًا كالأظفار في البيت، فإنه لما شبه المنية بالسبع في الاغتيال، أخذ الوهم في تصويرها بصورته؛ فاخترع لها صورة الأظفار، ثم أطلق عليها لفظ أظفار السبع، فالمشبه الصورة الخيالية للأظفار، والمشبه به عند السكاكي الصورة الحقيقية لها، والمستعار اللفظ الموضوع للصورة الحقيقية، والقرينة إضافتها إلى المكنية، ولا تلازم عنده بين المكنية والتخييلية، وقد توجدان معًا كما في البيت، وقد توجد التخييلية من غير المكنية كقولهم: أظفار المنية التي كالسبع نشبت بفلان؛ ففي أظفار استعارة تخييلية وُجدت مع تشبيه صريح. ونلاحظ أن هذه الاختلافات في تحديد مفهوم الاستعارتين ترجع إلى توجيه كل منهما، وكلها -كما رأينا- توجيهات محتملة قائمة على التصور والتخيل، ونذكر الآن أمثلة متنوعة من شواهد الاستعارتين المكنية والتخييلية التي هي قرينة المكنية يقول لبيد: وغداة ريح قد كشفت وكرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها فهنا غداة مجرورة على تقدير رب غداة، وكلمة كرة -كما سبق أن ذكرنا- تعني: البرد والشمال: هي الريح الباردة، فقد جعل للشمال يدًا، وللكرة زمامًا، بأن

стр. 142

شبه الشمال في تصريفها برودة الجو التي هي الكرة، والتحكم في طبيعتها، شبه ذلك بالإنسان الذي يتصرف في الأمور، وشبه الكرة -وهي البرودة- بالبعير بجامع الانقياد للغير، ثم تُنُوسي التشبيه، وادُّعي أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، ثم أثبت لازم المشبه به -وهو اليد والزمام الخاصان بالإنسان أثبتهما للمشبه، ولا يخفى ما في ذلك من المبالغة في تصرف الريح تصرف الإنسان القادر، وانقياد الكرة لها انقياد البعير المذلل، ومن الاستعارة بالكناية قول آخر: وإذا العناية لاحظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن أمان فقد أثبت للعناية عيونًا بأن شببها بالإنسان، ثم تناسى التشبيه، وادعى أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، ثم أثبت لازم المشبه به للمشبه؛ قصدًا إلى المبالغة، ونرى ذلك أيضًا استعارة المكنية في قول الحجاج: "إني أرى رءوسًا قد أينعت وحان قطافها". أثبت للرءوس قطافًا وإيناعًا أي: نضجًا، وهما من خصوصيات الثمار والأزهار، وبذا يكون قد شبه الخارجين عليه بالثمار ثم حذف المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه، وهو أينعت، وحان قطافها، وإثبات ذلك للمشبه تخييل، واستعارة تخييلية، وهي إذن قرينة المكنية. من المكنية قول المتنبي: ولما قلت الإبل امتطينا ... إلى ابن أبي سليمان الخطوب قلَّت أي: عزت، امتطينا أي: ركبنا فجعل الخطوب تمتطى، والذي يمتطى هو الحيوان المعروف، فهو هنا شبه الخطوب بالإبل، ثم حذف المشبه به، ودلَّ على حذفه بذكر خاصة من خواصه، وهو قوله امتطينا، على سبيل المكنية، كذلك نجد من الاستعارات المكنية قول أبي تمام: لما انتضيتك للخطوب كُفيتها ... والسيف لا يكفيك حتى يمتضى

стр. 143

كلمة انتضيت من انتضى السيف أي: جرده من غمده، فقد جعل ممدوحه سيفًا ينتضى، ويلجأ إليه عند الشدة، وعند النوازل، ثم طوى المشبه به ورمز له بلازمه، وهو الانتضاء، ومنه قول الآخر: عضَّنا الدهر بنابه ... ليس ما حلَّ بنا به فكلمة بنابه الأولى إنما هو ناب الحيوان، أما الباء في الكلمتين الأخيرتين فهما باء الجر، فجعل للدار هنا نابًا يعضُّ به، والدهر لا ناب له، وإنما الناب للحيوان المعروف، من ذلك أيضًا قوله: إذا ما الدهر جر على ... أناس كلاكله أناخ بآخرين كلمة كلاكله أي: الصدر، أناخ يعني: برك، فهنا شبه الدهر والمراد به نوازله، وأحداثه بالبعير، ثم حذف المشبه به بعد تَنَاسي التشبيه، وجعل المشبه فردًا من أفراده، رامزًا له بلوازمه، وهي الكلاكل والجر والإناخة، وأثبت هذه اللوازم للمشبه، وهو الدهر. من ذلك أيضًا قول السري الرفاء يقول: وقد كتبت أيدي الربيع صحائفًا ... كأن سطور السري حسنًا سطورها سُرِّي: هو شجر عالٍ ملتف الأغصان، فهنا جعل للربيع أيادٍ يكتب بها صحائف ذات سطور جميلة، وتلك من خصائص الإنسان الذي يكتب ويسطر، لكنه هو شبه الربيع بالكاتب؛ لأثر كل منهما في جمال ما يصدر عنه، ولم يذكر لفظ المشبه به؛ بل ذكر بعض لوازمه وهو الكتابة، والأيدي، والصحائف، والسطور التي لا يظهر عمل الكاتب إلا بها. من الاستعارات المكنية قول آخر: ولئن نطقت بشكر برك مفصحًا ... فلسان حالي بالشكاية أنطق وقد جعل للحال لسانًا ينطق بالشكوى تشبيهًا لها بالإنسان الناطق، ومنه كذلك قول زهير بن أبي سلمى: صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعري أفراس الصبا ورواحله

стр. 144

فكلمة صحا أي: أفاق من السكر، ومستعار هنا للسلو وزوال العشق، وأقصر أي: امتنع عن قدرة وعرِّي أي: عطل، والرواحل هي الشديدة من الإبل التي تقوى على الأحمال والأسفار، فهنا إن جُعل الصبا مأخوذًا من الصبوة، وهي الفساد، والجهل، والانهماك في اللذات، فيكون قد شبه الصبا بجهة من الجهات التي يُسافر إليها كالحج، والتجارة، انتهت حاجته منها فعاد إلى داره، ورفع عن الأفراس سروجها، وعن الإبل رحالها، ثم تنوسي التشبيه، وادعي دخول المشبه في أفراد المشبه به، الذي طوي، ورمز له بلوازمه، وهي الأفراس والرواحل التي عُريت، ثم أسندت تلك اللوازم إلى المشبه وهو الصبا على سبيل التخييل. أما إذا جعل الصبا مأخوذًا من الصباء، وهو الشباب وصغر السن، فيجوز جعله استعارة مكنية أيضًا على معنى أن الشباب قد ولى وانقضى، فيكون قد شبهه بجهة لا يُذهب إليها، ثم ترى المشبه به وأسند لازمه، وهي الرواحل والأفراس إلى المشبه وهو الصبا. ومن شواهد الاستعارة المكنية في نظم القرآن الكريم قول الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (الإسراء: ٢٤)، فهنا شبه الذل بطائر، ثم حُذف ورُمز له بلازمه، وهو الجناح، وأثبت هذا اللازم للمشبه؛ لعلك تستشعر ما وراء الاستعارة في الآية الكريمة من حثٍّ للمؤمن على الخضوع لوالديه، وأن يكون في خضوعه وبرِّه كالطائر الذي يرفرف بجناحيه حنوًّا وحنانًا. ومن شواهدها قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ (البقرة: ٢٧) يقول الزمخشري في بيان الاستعارة في الآية الكريمة: "فإن قلت: من أين ساغ استعمال النقض في إبطال العهد، قلت: من حيث تسميتهم العهد بالحبل

стр. 145

على سبيل الاستعارة، لما فيه من إثبات الوصلة بين المتعاهدين، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها، أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار، ثم يرمزوا إليه بذكر شيء من روادفه، فينبهوا بتلك الرمزة على مكانه. من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ (الأعراف: ١٥٤) فيمكن حمله على المكنية أيضًا بأن يشبه الغضب بكائن حي يحث موسى ﵇ ويحركه، قد حُذف المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو السكوت، وأثبت هذا اللازم للغضب على سبيل الاستعارة التخييلية. وهنا لا بد من التنبيه على أمر مهم، وهو أن لازم المشبه به الذي يثبت للمشبه ينبغي أن يكون له اختصاص قوي بوجه الشبه في المشبه به؛ حتى تتحقق المبالغة المطلوبة، وهذا اللازم على نوعين: أولاهما: ما يتحقق به كمال وجه الشبه في المشبه به كقولنا مثلًا: ظهر وجه الحق، فالمشبه به المطوي هو الإنسان المشرق الوجه، وقد أثبت لازمه وهو الوجه إلى المشبه وهو الحق، وهذا اللازم يتحقق به كمال الإشراق في المشبه به؛ لأن الوجه هو مظهر الإشراق والوضوح في الإنسان، ومن ذلك أيضًا قول الهزلي: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع لأن الأظفار، وهي لازم المشبه به الذي أثبت للمشبه هي التي يكمن بها الاغتيال في السبع؛ لأن فتكه بها أقوى من فتكه بالأنياب. الثاني: ما يتحقق به قوام وجه الشبه، ووجوده في المشبه به كقولنا مثلًا: مشت بنا أقدام الزمن إلى المصير المحتوم، فقد طوى المشبه به وهو الإنسان، وأثبت لازمه وهو الأقدام إلى المشبه وهو الزمن، وهذا اللازم لا يتحقَّق وجود وجه الشبه وهو الانتقال، والذهاب إلى الغاية في المشبه به المحذوف وهو الإنسان، إلا بذكره ووجوده.

стр. 146

الاستعارة التصريحية وبعد هذه الإفاضة في الحديث عن الاستعارة المكنية يأتي الدور على الاستعارة التصريحية، وإنما بدأت بالمكنية؛ لأنها الأقوى في تأكيد المعنى، لما بها من إثبات لازم المشبه به للمشبه على سبيل التخييل، ولأن ثمة اتجاها قد تبناه السكاكي يرى ردَّ الاستعارة التصريحية التبعية إلى المكنية، وهو وإن اعترض عليه الخطيب وردَّه إلا أن ذلك على أي حال استلزم الحديث عن المكنية أولًا؛ إذ لا يمكن تصور التبعية على هذا الرأي إلا بالتعرف على المكنية أولًا. ولعلك وقبل أن نفيض في الحديث عن الاستعارة التصريحية تكون قد عرفت كيف تجري الاستعارة، وأزيدك هنا فأقول: إن طريقة الغوص وراء إيحاءات الاستعارة، وهذا على الرغم من أهميته يُدرك بملاحظة السياق الذي تأتي الاستعارة ترجمة له، وبمراعاة اختيار اللفظ وحسن توظيفه في السياق، لكن إدراك هذا أمر موكول لصفاء القريحة، والدربة في تذوق الأساليب، وهذا يتوقف على إدراك البنية الطبيعية للاستعارة، فتحليل الاستعارة يجعلنا نحاول استدعاء المعنى المتخيل باللفظ المستعار، وباستدعاء المعنى نكون قد ظفرنا بالطرفين اللذين تقع فيهما المشابهة. فإذا ظفرنا بهما أدركنا صنيع الخيال في صهر الطرفين، وإدخال أولاهما في ثانيهما، ثم استعمال ذلك الثاني مرادًا به الأول، هذا إذا كان المستعار من الثوابت التي لا يلحق بها تغيير الاشتقاق، وهو ما يُعبَّر عنه بقولهم اسم جنس جامد، فإن كان مما يلحق به تغيير الاشتقاق كالأفعال، والأسماء المشتقة جرت الاستعارة أولًا في المصدر، ثم تبع ذلك اشتقاق الفعل أو الاسم المشتق من المصدر.

стр. 147

من النوع الأول قول شوقي يرثي سعد زغلول: شيعوا الشمس ومالوا بضحاها ... وانحنى الشرق عليها فبكاها جلل الصبح سوادًا يومها ... فكأن الأرض لم تخلع دجاها فماذا يقصد شوقي بالشمس المشيعة هنا؟ إن من ينظر إلى قرينة الرثاء يُدرك أن الشمس مرادًا بها هنا سعد زغلول، زعيم مصر في عهده، وبهذا يكون المتلقي قد استدعى الطرف الأول وهو المشبه الذي هو سعد زغلول، وصار في يديه الطرفان: الطرف المستدعى وهو المشبه، والطرف المصرح به وهو المشبه به، وهنا يُدرك كيف صهر خيال أمير الشعراء الطرفين فيتراءى له الخيال وهو يتناسى التشبيه. ويدخل سعد في أفراد الشمس، ويجعل الشمس مرادًا بها ذلك المرثي، وموجز التحليل على هذا النسق نقول فيه: أولًا: شبه الشاعر سعدا بالشمس بجامع قوة النفع، وشدة الحاجة في كل منهما. ثانيًا: تنوسي التشبيه وادعي أن سعدًا من أفراد الشمس. ثالثًا: استعيرت الشمس على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية، والمستعار كما لا يخفى اسم جنس جامد، ومن هذا النوع الثاني قول حافظ إبراهيم يحيي شباب مصر: أهلا بنابتة البلاد ومرحبًا ... جددتم العهد الذي قد أخلق لا تيأسوا أن تستردوا مجدكم ... فلرب مغلوب هوى ثم ارتقى فماذا يقصد بنابتة البلاد، لا بد أنه يقصد الناشئة من أبناء مصر بقرينة التأهيل والترحيب، فبهذه القرينة استدعينا المعنى الذي يرمي إليه حافظ، وهذا المعنى هو الطرف الأول، وهو المشبه. والطرف الثاني هو المصرح به في النص وهو نابتة البلاد المشبه به، وقد صهر الشاعر الطرف الأول والثاني؛ حيث تناسى التشبيه،

стр. 148

وادَّعى أن النشء داخل في جنس المشبه به وهو النبت، ثم استعار النبت للنشء، ثم اشتق منه نابتة بمعنى ناشئة على سبيل الاستعارة التبعية، والقرينة هي الضمير المستكن في ناشئة العائد على المخاطبين بالتأهيل والترحيب، ونوجز التحليل على هذا النحو التالي: أولًا: نقول: أنه شبه النشء بالنبت بجامع الأمل المرتقب في كل منهما. ثانيًا: تنوسي التشبيه وادعي أن النشء من أفراد النبت، ثم استعير النبت للنشء، ثم اشتق من النبت بمعنى النشء نابتة بمعنى ناشئة على سبيل الاستعارة التبعية، والقرينة ما عرفنا، ولا يخفى أن الاستعارة قد جرت أولًا في المصدر، ثم في اسم الفاعل تبعًا؛ ولذلك تُسمى تصريحية تبعية، هذا إذا كانت الاستعارة تصريحية، فإذا كانت مكنية كان الاستدعاء للطرف الثاني عن طريق خاصته الموحية به، وذلك مثلًا مثل قول ابن الرومي في بعض روائعه يقول: حيتك عنا شمال طاف طائفها ... بجنة نفحت روحًا وريحانا هبت سحيرًا فناجى الغصن سرابها ... وتداعى الطير إعلانًا ففي هذه الصورة الفاتنة نرى ريح الرياح رسولًا ينهض بإبلاغ التحية إلى من يصطفيه، وبهذه الرؤية تم استدعاء الطرف الثاني وهو الرسول، وقد أعاننا على هذا الاستدعاء خصيصة التحية التي يتمنى الشاعر أن تنهض بها ريح الشمال. وهنا يطلعنا خيال الشاعر على صنعته، وهو يصهر الطرفين بتناسي تشبيه الشمال بالرسول، وادعائه أنها من أفراده، ولا يقف عند هذا الحد، وإنما يسعى إلى إخفاء تلك الصنعة؛ فيحذف الطرف الثاني بعد استعارته للطرف الأول، لكنه إخفاء يتودَّد به إلى المتلقي، ويشوقه إلى التعرف على ما أخفاه، فيضع أمام عينيه أمارة دالة عليه، وهو خصيصة من خصائص المستعار المحذوف، ثم لا يدفع به

стр. 149

إلى حافة اليأس منه، وإذا بدت لك إجاز التحليل فإننا نسارع إلى تلبية تلك الرغبة فنقول: أولًا: شبهت الشمال بالرسول بجامع إيصال المراد في الطرفين. ثانيًا: تنوسي التشبيه، وادعي أن الشمال من أفراد الرسول، ثم حُذف المستعار وهو الرسول، ورمز إليه بشيء من خصائصه، وهو إبلاغ التحية للشمال، قرينة هذه الاستعارة كما عرفنا، وكما هي عند أرباب البيان استعارة تخييلية، هذه هي الطريقة التي نتعرف بها على طبيعة الاستعارة، ونقف منها على عبقرية الشاعر وهو يصهر طرفيها ويصوغ منها تلك الحلية الساحرة المبهرة. والقاعدة في كل هذا وفي إجراء أية استعارة مكنية كانت أم تصريحية أن تضع في ذهنك أن المستعار منه هو المشبه به، وأن المستعار له هو المشبه، ولنسترسل إذن في الحديث عن الاستعارة التصريحية؛ لنتمم بها الأقسام الرئيسة للمجاز اللغوي لعلاقة المشابهة، ولندرب أنفسنا على كيفية إجراء الاستعارة أكثر فأكثر، وعلى كيفية التعامل مع هذا الضرب من فنون القول. الاستعارة التصريحية، كما ذكر البلاغيون: ما صرح فيه بلفظ المشبه به أي: بلفظ المستعار منه كقولك مثلًا: رأيت أسدًا يخطب الناس، فالمعنى المراد -كما ترى- هو الرجل الشجاع، وهو المشبه، وهو إن حذف إلا أن له تحقق ووجود ليس متخيلًا ولا متوهمًا، ولذا تسمى التصريحية بأنواعها تحقيقية، وفيها يصرح عادة بلفظ المشبه به، كما عندنا هنا في لفظ الأسد في المثال الذي ذكرنا، ومن ثم فقد أطلق عليها استعارة تصريحية. والاستعارة التصريحية تنقسم باعتبار اللفظ المستعار إلى أصلية وتبعية:

стр. 150

فالأصلية: ما كان اللفظ المستعار فيها اسم جنس يدل على واحد غير معين من جنسه، سواء كان اسم عين، أو اسم معنى، أو اسم علم، فاسم عين مثلًا كالأسد، والثعلب، والبحر، والغيث، والسهل. واسم المعنى: وهي المصادر، كالقتل، والنوم، واليقظة، ويدخل في الاستعارة الأصلية أسماء الأعلام التي اشتهرت بصفة معينة؛ لأنها صارت لشهرتها بالصفة كاسم الجنس بالتأويل، وذلك نحو حاتم الذي اشتهر بالكرم؛ فصح استعارته لكل رجل كريم، لأن شهرته بالكرم جعلته كالموضوع لمطلق ذات متصفة بالكرم، فصار بهذه الشهرة اسم جنس تأويلًا، وعندئذٍ يجوز استعارته كما تستعار أسماء الأجناس. فنقول في استعارة اسم العين: ضمت الأم زهرتها إلى صدرها، تريد طفلتها، فتشبه طفلتها بالزهرة، وتقول: أسود المعركة أي: الشجعان، وبحور العلم أي: العلماء، وثعالبة الاستعمار أي: الماكرين، فتشبه الشجعان بالأسود، والعلماء بالبحور، والأعداء بالثعالب؛ فالمستعار في كل هذه الأمثلة اسم عين، وتقول في استعارة اسم المعنى، وهو المصدر: آلمني قتل فلان أباه، وذبحه أخاه، تريد الأذى والإذلال، وليس معنى القتل على الحقيقة، ولا الذبح؛ فتشبه الأذى والإذلال بالقتل، والذبح؛ لبشاعة الجرم في كلٍّ. ويقال في إجراء هذه الاستعارة: شبه الأذى والإذلال بالقتل والذبح بجامع الإيلام الشديد في كلٍّ، ثم ادعي أن الأذى والإذلال داخلان في جنس القتل والذبح، وفردان من أفرادهما، ثم استعير القتل والذبح للأذى والإذلال. وتقول أيضًا: سباحة الفكر التنقل في شتى العلوم بالسباحة في جنبات اليم، وتشبيه سرد الدرع بالخياطة، والتنبه لأداء الواجب باليقظة، ومن ذلك قوله

стр. 151

- ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (الأنفال: ٤٩)، ويقال في كل ما سبق في إجراء الاستعارة ما قيل في سابقتها، ولكن لماذا سميت هذه الاستعارة بالاستعارة الأصلية؟ الجواب: أنها أكثر وجودًا في الكلام من التبعية، ولأن التبعية مبنية عليها، وتابعة لها، فهي لها أصل، كما هو واضح ومعروف، ومن ذلك بالإضافة لما سبق قول الشاعر: فتًى كلما فاضت عيون قبيلة ... دمًا ضحكت عنه الأحاديث والذكر استعار الدم، وهو اسم جنس للدموع التي تفيض من العيون، وتُفيد هذه الاستعارة فداحة الخطب وشدة ما حلَّ بالقبيلة، فقد فاضت عيونها دماء لا دموعًا من هول الموقف، وهذا بالتالي ينبئ بعظم الممدوح الذي يبدد تلك الأحوال ويغيرها بكرمه وشجاعته إلى أمن وسرور. من ذلك أيضًا قول كثير عزة: رمتني بسهم ريشه الكحل لم يضر ... ظواهر جلد وهو للقلب جارح حيث شبه النظرة الثاقبة التي رمته بها فتاته بالسهم النافذ، وهو اسم جنس بجامع قوة التأثير في كلٍّ، ثم حذف المشبه، وادعي أنه فرد من أفراد المشبه به، فاستعير له لفظه على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية. النوع الثاني من الاستعارة التصريحية: الاستعارة التبعية، وهي ما كان اللفظ المستعار فيها فعلًا أو اسمًا مشتقًّا أو حرفًا، فمن استعارة الفعل قولنا مثلًا: نطقت الحال بكذا، وطار فلان إلى المعركة، ونام عقل فلان، فالمراد دلت الحال، وأسرع فلان، وغفل عقله، وتوقف عن الفهم، فاللفظ المستعار هنا فعل، وتقرير الاستعارة فيه أن يقال: شبهت الدلالة الواضحة

стр. 152

بالنطق في إيضاح المعنى، ثم استعير النطق للدلالة الواضحة، فصار النطق بالاستعارة معناه الدلالة الواضحة، ثم اشتق من النطق نطق بمعنى دلَّ على سبيل الاستعارة التبعية. وكذا القول في طار ونام. ومن استعارة المشتقات قولنا: فلان عقله نائم، وفلان فكره يقظان، فالمراد فلان عقله غافل، وفلان فكره منتبه، وتقول أيضًا: عظيم فعالك ناطق بكل حالك، وهذا مقتول فلان، والمراد عظيم فعالك دالٌّ بحاله، وهذا مأذى فلان. ومنه قوله جل وعلا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (الأنبياء: ٣٥) والمراد كل نفس تحس بشدة الموت عند الاحتضار، كما يحس الذائق للشراب المر ما فيه من مرارة. ويقال في إجراء الاستعارة في هذه المشتقات شُبهت الغفلة بالنوم بجامع عدم الإدراك في كلٍّ، ثم استعير النوم للغفلة فصار النوم بالاستعارة معناه الغفلة، ثم اشتق من النوم نائم بمعنى غافل، وكذا القول في يقظان، وفي ناطق ومقتول، وفي قوله تعالى: ﴿ذَائِقَةُ﴾. ومن استعارة الحروف قولنا: فلان في نعمة، والمراد أنه متمتع بالنعمة تمتعًا تامًّا، كأنه في داخلها، وإنما كانت الاستعارة في الأفعال والمشتقات والحروف تبعية؛ لأن الاستعارة قائمة على التشبيه، والتشبيه يقتضي أن يكون المشبه والمشبه به موصوفين بوجه الشبه؛ لأن الوجه وصف جامع بين الطرفين، إلا الحقائق الثابتة في الخارج كالجسم واللون والأسد، أو في العقل كالعلم والجود والذكاء، كما ذكرنا في الاستعارة الأصلية، فيقال مثلًا: جسم صغير وعلم واسع. أما الأفعال والمشتقات فلا ثبوت لها لا خارجًا ولا عقلًا؛ إذ هي متجددة متغيرة لدخول الزمن المتغير في مفهوم الأفعال ولزومه للمشتقات؛ ولذا لا تصلح أن تكون موصوفًا، وبالتالي لا تصلح للتشبيه، ويتحتم أن يجري التشبيه أولًا في

стр. 153

المعاني الثابتة القابلة للوصفية، وهي المصادر، ثم يستعار المصدر المشبه به للمصدر المشبه، ويشتق منه الفعل أو اسم الفاعل، أو اسم المفعول بعد أن يحمل المعنى الجديد لمصدره الذي انتقل إليه بالاستعارة، فيكون الفعل أو المشتق حينئذٍ تابعًا لمصدره في حمل المعنى الجديد، كما رأينا في إجراء الاستعارات السابقة. تلك هي خطوات إجراء الاستعارة التبعية، وقد أعدتها عليك؛ لتتعرف كيف تجري الاستعارة في الأفعال، أو في الأسماء الأصلية، وكما كانت الاستعارة في الأفعال والمشتقات تبعية؛ لأن جريان الاستعارة في الأفعال والمشتقات تابع لجريانها في مصادرها؛ إذ الأفعال والمشتقات لا تنفك معانيها عن معاني أصولها، وهي المصادر، وإذا تغير معنى الأصل بالاستعارة تغير تبعًا لذلك معنى الفرع المشتق منه. وقد اعتبر البلاغيون التشبيه والاستعارة في المصدر قبل اعتبارهما في الفعل والمشتقات؛ لأن المصدر هو المعنى القائم بالذات، فهو الجدير بأن يعتبر فيه التشبيه والاستعارة قبلان. أما الحروف فقد عُدَّت الاستعارة فيها تبعية؛ لأن الحرف لا يدل على معنى مستقل، بل يدل على معنى في غيره، ولذا لا يصلح للتشبيه ولا الاستعارة؛ بل يقع التشبيه والاستعارة في متعلق معناه أولًا؛ لأنه هو الذي يستقل بالدلالة، ومتعلق معنى الحرف عند الخطيب هو مدخوله، وعند الجمهور هو المعنى العام الذي نفسر به الحرف. ويتضح ذلك في قولنا: فلان في نعمة. فالخطيب يشبه مدخول الحرف وهو النعمة بظرف تحل فيه الأشياء بجامع مطلق ارتباط وتعلق في كلٍّ، ويدل على التشبيه بلفظ في الذي هو لازم من لوازم المشبه به وهو الظرف.

стр. 154

والجمهور يشبه الارتباط الحاصل بين النعمة وصاحبها بالظرفية التي هي ارتباط حاصل بين الظرف والمظروف، ثم يسري التشبيه من هذا العام إلى أفراده؛ فيستعار اللفظ فيه من مفرد من أفراد المشبه به لفرد من أفراد المشبه على سبيل الاستعارة التبعية في الحروف يعني: مثلًا قوله ﷺ ((خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه، كلما سمع هيعة طار إليها))، ترى أن الحديث شبه العدو بالطيران بجامع قطع المسافة بسرعة في كلٍّ، ثم استعير الطيران للعدو، فصار العدو بالاستعارة معناه الطيران، ثم اشتق من الطيران طار بمعنى عدا على سبيل الاستعارة التبعية، والهيعة كما هو معروف هي الصيحة المفزعة، وأصلها من هاع يهيع إذا جبن، والمراد: أنه رجل مستعد للجهاد كلما سمع صيحة مستغيث من المسلمين أسرع إليه ليقاتل معه. ومثل الحديث في استعارة الطيران للعدو قول امرأة ترثي قتيلًا فارسًا تقول: لو يشا طار به ذو ميعة ... لاحق الآطال نهد ذو خصل كلمة ميعة يعني: نشاط لاحق الآطال أي: ضامر الخاصرة، نهد أي: القوي، ذو خصل جمع خصلة، وهو الشعر المجتمع، أرادت عدا بهذا الفرس مسرعًا، ومنه قول الآخر: فَطِرتُ بِمَنصَلى في يَعمُلاتٍ ... دَوامي الأَيدِ يَخبِطنَ السَريحا أراد أنه قام بسيفه مسرعًا إلى نوقه، فعقرها؛ لأن كلمة الصريحا: السير الذي يُشد على أرجل الناقة، والمنصلي هو السيف، واليعملات هي النوق المطبوعة على العمل، فهو أراد أنه قام بسيفه مسرعًا إلى نوقه فعقرها، وسالت الدماء على أيديها وأخذت تضرب بأقدامها القيود المقيدة بها من شدة الجراح؛ فالاستعارة في البيتين تبعية كما هي في الحديث، من ذلك أيضًا قول البحتري من الاستعارة التبعية في مادة الفعل قول البحتري:

стр. 155

يتراكمون على الأسنة في الوغى ... كالفجر فاض على نجوم الغيهب يريد أنهم بواسل يندفعون بشدة وصبر إلى مواطن الموت كما ينبسط الفجر دفعة، فينشر ضوءه على الكون، وقد استعار الفيض لانبساط الفجر؛ إذ شبه انبساط الفجر وسرعة انتشار ضوئه بفيضان الماء، ثم استعاره له، واشتق منه فاض بمعنى انبسط وانتشر بسرعة. ومن الاستعارة التبعية أيضًا في مادة الفعل قول أبي الطيب يمدح أبا فراس الحمداني: نثرتهم فوق الأحيدب نثرة ... كما نثرت فوق العروس الدراهم أراد أن ممدوحه هزم أعداءه شر هزيمة، فشتت شملهم وفرقهم، فانتشروا في غير نظام كما تنثر الدراهم فوق العروس، فقد شبه تفرق أجسامهم وتساقطها بتفرق الأجسام الصغيرة ونثرها، بجامع التفرق والتساقط على غير نظام في كلٍّ، ثم استعير النثر من المشبه به للمشبه، واشتق منه نثر بمعنى: فرق على سبيل الاستعارة التبعية في الفعل. من ذلك أيضًا قول شاعر آخر: لم تَلقَ قوماً هُمُ شَرِّ لاخوتهم ... ................ ويريد إخوتهم هنا أعداءهم على سبيل التهكم. لم تَلقَ قوماً هُمُ شَرِّ لاخوتهم ... منا عَشيةً يجري بالدَّمِ الوادي نَقربهُمُ لهذمياتٍ نَقُدُّ بها ... ما كان خاطَ عليهم كُلَّ زَرَادِ والزراد: هو صانع الزرد، وهو الدرع، فهو هنا يصف قومه بالشجاعة، وأنهم أشد خطرًا على الأعداء عند احتدام المعركة، واشتداد القتال، ويريد بذلك أنهم يطعمونهم سيوفًا تشق دروعهم، وتفري ضلوعهم، وقد استعار؛ لذلك القرى للضرب بالسيف بجامع الترحيب والإكرام في كلٍّ، واشتق منه نقري بمعنى: نضرب على سبيل الاستعارة

стр. 156

التبعية التهكمية، ثم استعار الخياطة للزرد أي: الدرع من الحديد بجامع ضم الأطراف في كلٍّ، واشتق منها الفعل خاطى بمعنى سرد على سبيل الاستعارة التبعية في الفعل. ومن ذلك وهي كسابقتها تبعية تهكمية قول الله : ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الانشقاق: ٢٤) فمعلوم أن البشارة إنما تكون بأمر طيب، أو بأمر فيه سرور، لكنه هنا نزَّل الإنذار منزلة التبشير؛ لقصد التهكم والسخرية، فشبه الإنذار بالتبشير بجامع إدخال السرور في كلٍّ، ثم استعير التبشير للإنذار، واشتق منه الفعل بشَّر بمعنى أنذر على سبيل الاستعارة التبعية التهكمية. ومن التبعية في الفعل قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ (الأعراف: ١٦٨) فقد شبَّه التفريق بالتقطيع بجامع إزالة الاتصال في كلٍّ، ثم استعير التقطيع للتفريق، واشتق منه الفعل قطع بمعنى فرَّق. ومنه قوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: ١٨) فالمراد بل نورد الحق على الباطل فيُذهبه ويمحوه، فإذا هو ذاهب؛ فقد استعير القذف للإيراد والدمغ للمحو والإزالة، والزهاق للذهاب، ثم اشتق منها نقذف، ويدمغ، وزاهق على سبيل الاستعارة التبعية. ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (هود: ٨٧) فالمراد السفيه الغوي، كما هو سياق الآية؛ حيث شبه السفه والغي بالحلم، والرشد، ثم استعير الحلم والرشد للسفه والغي، واشتق منهما حليم ورشيد بمعنى سفيه وغوي على سبيل الاستعارة التبعية التهكمية. فإلى أن ألتقي وإياكم على خير أستودعكم الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 157

الدرس: ٨ تابع: الاستعارة .

стр. 158

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن (تابع: الاستعارة) الاستعارة الوفاقية، والاستعارة العنادية إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: قلنا قبل ذلك أن في الاستعارة التبعية يتحتم أن يجري التشبيه أولًا في المعاني الثابتة القابلة للوصفية، وهي المصادر، ثم يستعار المصدر المشبه به للمصدر المشبه، ويشتق منه الفعل أو اسم الفاعل أو اسم المفعول، بعد أن يحمَّل المعنى الجديد لمصدره الذي انتقل إليه بالاستعارة؛ فيكون الفعل أو المشتق حينئذٍ تابعًا لمصدره في حمل المعنى الجديد، كما رأينا فيما مضى. وكما تقع الاستعارة التبعية في مادة الأفعال، وهي حروفها الدالة على الحدث على نحو ما رأينا، فقد تقع في صيغتها وهي هيئاتها الدالة على الزمان كصيغتي الماضي والمضارع، من ذلك قول الله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (النحل: ١) فأمر الله لم يأتِ بعد، بدليل قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فكان الأصل أن يقال: يأتي أمر الله، ولكن عبر بالماضي مجازًا؛ ليفيد أن هذا الأمر محقق الوقوع؛ فقد شبه الإتيان في المستقبل بالإتيان في الماضي بجامع تحقق الوقوع في كلٍّ، ثم استعير الإتيان في الماضي للإتيان في المستقبل، واشتقَّ منه أتى بمعنى يأتي على سبيل الاستعارة التبعية في صيغة الفعل. ومن الاستعارة التبعية في الحروف قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (القصص: ٨) فاللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ لام العلة، وهي موضوعة لترتب ما بعدها على ما قبلها، وقد استعملت هنا في غير ما وضعت له؛ لأن ما بعدها ليس مترتبًا على ما قبلها، فهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوًّا وحزنًا، بل التقطوه ليكون لهم قرة عين يفرحون به؛ ففي لام التعليل في الآية الكريمة استعارة تبعية يقال في إجرائها على رأي الخطيب: "بها العداوة والحزن

стр. 159

بالفرح والسرور بجامع ترتب كلٍّ منهما على الالتقاط، ودُلَّ على التشبيه بذكر لازم المشبه به وهو اللام للمشبه". وعلى رأي الجمهور نقول: شبه مطلق ترتب علة واقعية انتهى إليها الالتقاط بمطلق ترتب علة رجائية غائية، فسرى التشبيه من هذين الكليين إلى جزئياتهما، ثم استعيرت اللام الموضوعة لجزئي من جزئيات المشبه به وهو التقاط موسى ليكون قرة عين، لجزئي من جزئيات المشبه وهو التقاطه ليصير عدوًّا وحزنًا. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (طه: ٧١)، فلفظ ﴿فِي﴾ مستعمل في غير ما وضع له في هذه الآية؛ لأن جذوع النخل لا تصلح للظرفية الحقيقية، لكن لما كانت هذه الجذوع متمكنة منهم؛ لأن مراد فرعون شدة التعذيب وإحكام الصلب؛ شبهت الجذوع بالظرف الحقيقي في هذا التمكن، واستعمل فيها لفظ "في" على سبيل الاستعارة التبعية، ويقال في إجرائها على رأي الخطيب: "شبهت الجذوع بالظرف بجامع التمكن، ثم استعير لفظ في، وهو جزئية من جزئيات المشبه به، واستعمل في المشبه"، وعلى رأي الجمهور: شبه مطلق الارتباط بين السحرة المؤمنين وبين الجذوع بمطلق الارتباط بين الظرف والمظروف، بجامع التمكن فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات، ثم استعير لفظ "في" من جزئيات المشبه لجزئي من جزئيات المشبه. إذن فالأمر عند الجمهور يسري في العموميات والترتب؛ بينما هو عند الخطيب يسري بين الظرف والمظروف. ومن التبعية لكنها هذه المرة في النداء مناداة القريب بلفظ البعيد "يا" لغرض بلاغي، كغفلة المنادي مثلًا، وعدم تنبهه فنقول: يا فلان، لمن هو قريب منا

стр. 160

كذلك ينادى الرب وبالطبع قريب كما أخبر في محكم آياته ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (البقرة: ١٨٦) ينادى بلفظ البعيد يا، فيقال: يا رب وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، وذلك لغرض بلاغي هو إحساسنا بالذنوب وشعورنا بالبعد عن مواطن الزلفى؛ فقد شبه نداء القريب بنداء البعيد فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات، واستعير "يا" من جزئيات المشبه به لجزئي من جزئيات المشبه على سبيل الاستعارة التبعية في الحروف، وكذا مناداة البعيد بلفظ القريب. وكان يمكن أن نقتصر على هذه التقسيمات، لكن ثمة اعتبارات وتفريعات أخرى للاستعارة لاحظها البلاغيون، ولا حرج أن نعرض لشيء منها حتى نكون على ذكر بها. لقد ذكروا أن الاستعارة بصفة عامة باعتبار إمكان اجتماع الطرفين في شيء واحد، وعدم اجتماعهما تنقسم إلى قسمين: استعارة وفاقية، واستعارة عِنَدِي. فالوفاقية: هي التي يمكن اجتماع طرفيها أي: المستعار له أعني: المشبه، كما قلنا، والمستعار منه أي: المشبه به في شيء واحد، لما بينهما من التوافق، خد مثلًا قول الله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (المائدة: ٥٢) فقد استعير المرض للنفاق، قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ (فصلت: ١٧) فاستعير العمى للكفر، مثله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (الأنعام: ١٢٢) حيث استعيرت الحياة للهداية، وبين المستعار منه والمستعار له توافق؛ لأنه يمكن اجتماعهما في شيء واحد؛ فالمرض والنفاق يجتمعان في قلب إنسان، والعمى والكفر يمكن اجتماعهما في شخص كافر، والحياة والهداية يجتمعان في المؤمن، والجامع بين المرض والنفاق أن كلًّا منهما يفسد ما يصاحبه، فالمرض يفسد الأبدان، والنفاق يفسد العقائد، والجمع بين العمى والكفر أن كلًّا منهما يوقع

стр. 161

صاحبه في المهالك والمخاطر؛ فالجامع بين الحياة والهداية ما يترتب على كل من الفائدة والنفي. ونذكر من الاستعارة الوفاقية ما جاء في قول الشاعر: ولقد سموت بهمتي وسما بها ... طلب المكارم بالفعال الأفضل لأنال مكرمة الحياة وربما ... عثر الزمان بذي الدهاء الأحول فقد استعار الحياة لبقاء الذكر الطيب والأثر الحسن، وهما متوافقان. أما الاستعارة العنادية: فهي ما لا يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد لتنافيهما، وهذا لا يقدح في جمال هذه الاستعارة كما سنبين، ومن العنادية التي لا يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد؛ لتنافيهما قول الله، ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (الأنعام: ١٢٢) فقد استعير الموت للضلال بجامع ما يترتب على كل من عدم الانتفاع، ولا يمكن اجتماع الموت والضلال في شيء واحد. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (النمل: ٨٠) فقد استعير الموتى للكفرة الأحياء؛ لعدم انتفاعهم بصفة الحياة، فلم يعتدّ بها فيهم، ولا يمكن اجتماع الموتى والأحياء في شيء واحد. ومن العنادية قول المتنبي: فلم أر بدرًا ضاحكًا قبل وجهها ... ولم تر قبلي ميتًا يتكلم قد استعار الميت لمن أسقمه الحب وأضناه العشق، ولا يمكن اجتماع المحب المتيم والميت في شيء واحد، فهما لأجل ذلك سميت بالاستعارة العنادية. ونلاحظ في الأمثلة السابقة أن الاستعارة قد بُنيت على ترك الاعتداد بوجود الصفة في المشبه؛ لفقدان ثمرتها، إذ إن الغرض من الاستعارة إلحاق الناقص بالكامل في وجه الشبه، وهو متحقق على أكمل وجه في الأمثلة السابقة.

стр. 162

هذا وقد تُبنى الاستعارة على تنزيل التضاد الحاصل بين الطرفين منزلة التناسب؛ لقصد التمليح، أو التهكم، وتسمى عندئذٍ بالاستعارة العنادية التمليحية، أو العنادية التهكمية. كما سبق أن أشرنا إلى قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الانشقاق: ٢٤) حيث استعير التبشير للإنذار، بعد تنزيل التضاد الحاصل بينهما منزلة التناسب لقصد السخرية والتهكم، والجامع بين التبشير والإنذار إحداث المسرة بكلٍّ، وإن كانت المسرة في البشارة محققة فهي في الإنذار متخيلة. ونظير ذلك قوله : ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ (الصافات: ٢٣) قد استعيرت الهداية للجر بعنف وقهر بجامع ما يترتب على كلٍّ من الخير، وإن كان تنزيليًّا في المستعار له. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (الدخان: ٤٩) أي: الذليل المهان أن السياق يدل على ذلك، فقد استعيرت العزة والكرامة للذلة والمهانة، استعارة عنادية تهكمية. من ذلك قوله تعالى أيضًا في حق شعيب حين قال له قومه ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (هود: ٨٧) أي: السفيه الغوي، وفيها ما في سابقتها، إلى غير ذلك مما مر بنا من الشواهد. من العنادية التمليحية قولنا للبخيل في مقام المزاح والمداعبة: من يجهل أن جودك عم الورى، من يجهل أن جودك عم الورى: فقد استعير الجود للبخل بجامع الإفاضة بالخير في كلٍّ، وذلك بتنزيل التضاد الحاصل بينهما منزلة التناسب، فالإفاضة موجودة في المستعار منه على وجه التحقيق، وموجودة في المستعار له تنزيلًا، من ذلك قول أبي تمام: أنبئت عتبة يعوي كي أشاتمه ... الله أكبر أنَّى استأسد الأسد

стр. 163

ما كنت أحسب أن الدهر يمهلني ... حتى أرى أحدًا يهجوه لا أحد فقد استعار الأسد للجبان استعارة عنادية تمليحية؛ إذ الجامع وهو الشجاعة موجودة في الأسد حقيقة وفي الجبان تنزيلًا. من ذلك أيضًا قول الآخر: سليمان ميمون النقيبة حازم ... ولكنه وقفٌ عليه الهزائم فقد استعار الهزائم للانتصارات استعارة عنادية تمليحية؛ إذ مراد الشاعر أن سليمان لا يحزم أمرًا، ولا يحرز نصرًا، ولا يتحقق على يديه أدنى خير. الاستعارة المطلقة، والمجردة، والمرشحة كما أن الاستعارة تنقسم -وهذه من ضمن التقسيمات التفريعية- إلى مطلقة، ومجردة، ومرشحة، وذلك باعتبار ذكر الملائم لأحد الطرفين وعدم ذكره. أما الاستعارة المطلقة: فهي التي لم تُقترن بما يلائم المستعار له أو المستعار منه، أو اقترنت بما يلائمهما معًا كقولنا: طلع البدر من جانب الخدر، تريد المرأة الحسناء؛ فقد استعير البدر لها، ولم يذكر في الجملة ملائم، لا للمستعار له ولا للمستعار منه. وأما قولنا من جانب الخدر فهي قرينة للاستعارة، ولا يعد ملائمًا للمستعار له. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ (الحاقة: ١١) فقد استعير الطغيان للزيادة بجامع مجاوزة الحد في كلٍّ وفقط، ولا يوجد في الآية ملائم لأحدهم، ونقول مثلًا: رأيت بحرًا يتكلم نستعير البحر للعالم، ولا ملائم لأحدهما في الجملة. أما كلمة يتكلم فقرينة للاستعارة، وليس ملائمًا، ومما اقترنت فيه الاستعارة بملائم لكل منهما قول كثير عزة:

стр. 164

رمتني بسهم ريشه الكحل لم يضر ... ظواهر جلدي وهو للقلب جارح فقد استعير السهم للنظرة الثاقبة بجامع قوة التأثير، وذُكر في البيت ملائم للمستعار منه وهو المشبه به، وهي كلمة ريشة، وملائم للمستعار له الذي هو المشبه وهو كلمة الكحل، ومن ذلك قول زهير وقد سبق: لدى أسد شاك السلاح مقذف ... له لبد أظافره لم تقلم استعير الأسد للبطل الشجاع، وذكر ملائم للبطل وهو حمل السلاح، وملائم للأسد، وهو اللبد والأظافر. أما كلمة مقذف فإذا أريد به أنه يُقذف به في الحروب لخبرته وتجاربه؛ كان من ملائمات البطل، وإذا أريد به أنه ضخم الجثة مليء باللحم، وهو من ملائمات الأسد. ومن ذلك قولنا: "رأيت غيثًا غزيرًا يعطي باليمين وباليسار" فغزيرًا يلائم الغيث الذي هو المستعار منه، ويعطي باليمين وباليسار يلائم الرجل الجواد المستعار له. أما الاستعارة المجردة: عكس المرشحة، المجردة هي التي اقترنت بما يلائم المستعار له وهو المشبه، وذلك بعد استيفاء القرينة، كما في قول البحتري مثل: يؤدون التحية من بعيد ... إلى قمر من الإيوان باد فالإيوان الذي هو القصر كلمة بادٍ أي: ظاهر، فهنا استعير القمر للإنسان الجميل، ثم وُصف بما يلائم المستعار له وهو قوله من الإيوان باد أي: مطلّ، بمعنى أنه شبه الإنسان الجميل بالقمر، وذكر ما يلائم المشبه وهو الإنسان، وذلك بقوله "من الإيوان"، إذ القمر لا يتأتى له أن ينظر من القصر، أو من الإيوان. وقد استوفت الاستعارة قرينتها قبل هذا الوصف بقوله "يؤدون التحية من بعيد"، من ذلك قول الآخر:

стр. 165

وعد البدر بالزيارة ليلًا ... فإذا ما وفى قضيت نذوري فهنا استعار البدر للمحبوبة والقرينة قوله "وعد"، ثم ذكر ما يلائم المستعار له من الزيارة والوفاء بها على سبيل التجريد، فهي استعارة مجردة، من ذلك قولنا: هذا عالم يُستضاء برأيه في مواجهة المشكلات وحلها، وهنا استعار المصباح المضيء للرأي الصائب، ثم حُذف المستعار منه وهو المصباح، ورمز له بلازمه، وهي كلمة يستضاء على سبيل الاستعارة المكنية. وقد ذكر في العبارة ما يلائم المستعار له، وهو كلمة الرأي، وذلك بقوله في مواجهة المشكلات وحلها بمعنى: أنه شبه الرأي الصائب بالمصباح المضيء، ثم حذف المشبه به وهو المصباح، وذكر ما يلائم هذا المشبه المذكور، وهو قوله في مواجهة المشكلات. ونظير ذلك قول القائل: "رحم الله امرأ ألجم نفسه بإبعادها عن شهواتها" حيث استعير الجواد للنفس استعارة مكنية، والقرينة إضاف الإلجام للنفس، ثم ذُكر ملائم للمستعار له وهو إبعادها عن شهواتها، بمعنى: أنه شبه النفس الأبية بالفرس المدبوح الجماح، ثم حذف المشبه به على سبيل المكنية، وذكر ما يلائم المشبه المذكور، وهو المستعار له، وذلك بقوله إبعادها عن شهواتها، من ذلك قول كثير: غمر الرداء إذ تبسم ضاحكًا ... غلقت لضحكته رقاب المال فهنا استعار الرداء للمعروف بجامع أن كلًّا منهما يصون صاحبه والقرينة ما ذكره من المال، وتبسم الممدوح عند الجود به، وقد ذُكر في البيت ملائم للمستعار له، وهو إضافة غمر بمعنى كثير إلى الرداء، فيكون بذلك قد شبه الممدوح في معروفه وجوده بالرداء بجامع الصون، ثم حذف المشبه على سبيل التصريحية، وذكر ما يلائمه وهو إضافة غمر بمعنى كثير إلى الرداء؛ لأن الكثرة تلائم المعروف.

стр. 166

من ذلك قول الله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ (النحل: ١١٢) فهنا استعير اللباس للأحداث والمصائب التي حلَّت بأهل القرية، أو لما علا وجوههم وأجسادهم من صفرة وهزال، وقد ذُكر في الآية الإذاقة بمعنى الإصابة، وهي من ملائمات المستعار له؛ فالإذاقة بمعنى الإصابة تلائم الأحداث والمصائب، وما علا الوجوه من صفرة، ولا تلائم اللباس. من هذه الاستعارات التي هي باعتبار الملائم هي الاستعارة المرشحة، وهي التي قرنت بما يلائم المستعار منه، وهو المشبه بعد استيفاء القرينة، كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (البقرة: ١٦)، فهنا استعير الشراء للاختيار والاستبدال، ثم ذُكر الربح والتجارة وهما من ملاءمات المستعار منه، وذلك مما يقوي الاستعارة ويحقق المبالغة في التصفير والتخييل، ودعوى دخول المستعار له في جنس المستعار منه، وكأن الكلام على الحقيقة، ولذلك سميت بالاستعارة المرشحة؛ إذ الترشيح معناه في اللغة التقوية، ومنها قول المتنبي: رميتهم ببحر من حديد ... له في البر خلفهم عباب فهنا استعير البحر والمستعار منه أو المشبه به للجيش القوي، الذي هو المشبه، والقرينة قوله "من حديد"، ثم ذكر ما يلائم المستعار منه وهو العباب والبر، فخُيِّل للسامع أن المراد هو البحر حقيقة، بمعنى: أنه شبه الجيش القوي بالبحر، ثم حذف المشبه به على سبيل التصريحية، وذكر ما يلائم المشبه به أي: المستعار منه، وذلك بقوله العباب والبر، ومن ذلك قول الشاعر: إذا ما الدهر جر على أناس ... كلاكله أناخ بآخرين وهن استعار الجمل للدهر استعارة مكنية، وتم استيفاء قرينتها بإضافة لازم المستعار منه الذي هو الجر والكلاكل إلى المستعار له، وهو الدهر، ثم ذكر جملة أناخ بآخرين، وهي من ملائمات المستعار منه، ومن ذلك قول الآخر:

стр. 167

ينازعني رداء عبد عمرو ... رويدك يا أخا عمرو بن بكر لي الشطر الذي ملكت يميني ... ودونك فاعتجر منه بشطري أعتجر من الاعتجار وهو الاعتمام، ويقصد فاعتجر منه بشطري أي: بصدر السيف، فهنا استعار الرداء للسيف بجامع أن كلًّا منهما يصون صاحبه، وتم استيفاء القرينة بقوله: "لي الشطر الذي ملكت يميني"؛ لأن ما يكون باليمين هو السيف الذي يحارب به لا الرداء، ثم ذكر الاعتجار وهو ما يلائم المستعار منه، وهو الرداء، ولطالما أدركت معي أن الاستعارة مبنيَّة على تناسي التشبيه وادِّعاء دخول المشبه في جنس المشبه به؛ فقد وضح لك أن الترشيح أبلغ من التجريد ومن الإطلاق؛ لأن التناسي فيه أقوى وأتم، ودعوى الاتحاد فيه أظهر وأوضح، صار المشبه نفس المشبه به، وصرنا نصفه بأوصافه، ونتبعه بملائماته، فعندما يقول أبو تمام: ويصعد حتى يظن الجهول ... بأن له حاجة في السماء نراه قد أمعن في تناسي المشبه، إذ جعل الصعود المعنوي والارتقاء إلى مراتب المجد صعودًا حسيًّا، وبالغ في ذلك بذكر ما يُلائم المشبه به؛ فجعل الجاهل الذي لا يعرف همم الممدوح يظن أن له حاجة في السماء، فهو يصعد لينال تلك الحاجة، وعليه قول بشار: أتتني الشمس زائرة ... ولم تك تبرح الفلك حيث استعيرت الشمس للمحبوبة، ثم أمعن في تناسي التشبيه، وادَّعى أنها غادرت مكانها في السماء، وأقبلت إليه زائرة، ولم تكن قبل ذلك تبرح الفلك، فبنى الكلام على أنها شمس حقيقية، ولهذا صحَّ التعجب في قول المتنبي: كبرت حول ديارهم لما بدت ... منها الشموس وليس فيها المشرق

стр. 168

يقصد بذلك فتاته، وقول آخر: لما رآني مقبلًا هز نفسه ... إلي حسام كلُّ صفح له حد ولم أر قبلي من مشى البدر نحوه ... ولا رجل قامت تعانقه الأسد فقد استعار الشموس والبدر والأسد لممدوحه، ثم بنى كلامه على تناسي التشبيه، وأمعن في التناسي، فجعل الممدوح بدرًا وشموسًا، وأسدًا على الحقيقة، ولهذا ساغ التعجب، وساغ التعجب أيضًا في قول ابن العميد: قامت تظللني ومن عجب ... شمس تظللني من الشمس والنهي عنه في قول ابن طباطبا: لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زرّ أزراره على القمر فلولا بناء الكلام على المبالغة والإمعان في تناسي التشبيه، وادعاء أنها شمس وقمر على الحقيقة؛ لما ساغ التعجب في الأول، ولا ساغ النهي في الثاني. الاستعارة العامية والخاصية هذا ومن تقسيمات الاستعارة الفرعية تقسيمها إلى عامية مبتذلة، وخاصية غريبة. استعارة العامية المبتذلة: هي ما قرب فيها الجامع واتضح بحيث يدركه العامة، كاستعارة الأسد للرجل الشجاع، والبحر للكريم الجواد، والبدر للحسناء، ولوضوح الجامع وقربه في الاستعارة المبتذلة لا يهتم بها البلغاء، ولا تستحسن إلا في مقام الإرشاد والوعظ، وتقرير المسائل العلمية والمخاطبة العامة. أما الاستعارة الخاصية الغريبة: فهي ما بعد فيها الجامع، ودق واحتاج في إدراكه والوقوف عليه إلى كثرة تفكير وإطالة نظر، ودقة ملاحظة، ودائمًا ما ترجع غرابة الاستعارة إلى أحد العوامل الآتية:

стр. 169

أولًا: كون الجامع مثلًا بين المستعار له والمستعار منه أمرًا عقليًّا، كإزالة الحجاب في استعارة النور للحجة الواضحة، والرأي الصائب في نحو قولنا: هذا عالم يستضاء برأيه، وتنير حجته. ثانيًا: أن يشتمل الجامع على شيء من التفصيل والتركيب. ثالثًا: أن يكون المشبه به نادر الحضور في الذهن عند حضور المشبه، كما في قول طفيل الغنوي: وجعلت كوريا في ناجية ... يقتات شحم سنامها الرحل حيث استعار الاقتيات، وهو تناول الطعام بالفم لإذهاب الرحل شحم السنام، وذلك لكثرة احتكاكه به، والجامع بينهما إزالة الأثر إزالة تدريجية مع طول الوقت، وهذا محقق في الاقتيات، وفي إذهاب الرحل شحم السنام، ومرجع الغرابة إلى التفصيل في الجامع؛ حيث لم ينظر إلى مجرد الإزالة، بل إلى حصولها بالتدريج شيئًا فشيئًا، وهذا مما يحسن الاستعارة في البيت. ومما يحسنها كذلك أن الشحم نفسه مما يقتات، فالسامع يتخيَّل أن الاقتيات حقيقة، فإذا ما انتهى إلى آخر البيت الرحل وضح له المجاز، وبرز له الشيء من حيث لم يتوقعه، من ذلك قول ابن المعتز: حتى إذا ما عرف الصيد الدار ... وأذن الصبح لنا بالإبصار فقد استعار الإذن للتمكن من الرؤية بعد العجز عنها، ومرجع الغرابة إلى ما في الجامع وهو القدرة على فعل الشيء بعد زوال المانع من فعله، من تفصيل لا يُدرك إلا بعد إدراك أن الليل كان مانعًا من الرؤية، بالإضافة إلى أن هذا الجامع أمرًا عقليًّا، والعقليات المركبة دقيقة الإدراك بالنسبة إلى المحسوسات. ومن الاستعارات الغريبة لما بها من تفصيل أيضًا قول الآخر يصف رقة النسيم:

стр. 170

بعرض تنوفة للريح فيها ... نسيم لا يروَّع في التراب فهنا استعار الترويع بمعنى الإفزاع والإخافة؛ لإثارة الريح التراب بجامع الحركة الهوجاء في كلٍّ، ومرجع الغرابة في البيت إلى كون المستعار له بعيد الحضور في الذهن عند ذكر المستعار منه، فصار الجمع بينهما غريبًا دقيقًا، من ذلك قول ابن المعتز: يناجيني الإخلاف من تحت مطله ... فتختصم الآمال واليأس في صدري فهنا الإخلاف بمعنى عدم الوفاء بالوعد، ومطله أي: التأخير في إجابة المطلوب، كما بالحديث ((مطل الغني ظلم)) فهنا في البيت استعار المناجاة للخطور في الذهن بجامع خفاء الدلالة في كل، وهو جامع عقلي لذا كانت الاستعارة غريبة، ثم استعار الاختصام لحضور الأمل في صدره مرة، ثم اليأس مرة أخرى، كأنهما يتنازعان بجانب مطلق التدافع بين شيئين متعارضين، ولنا أن نجعل الاستعارتين في البيت من قبيل الاستعارة بالكناية؛ لتشبيه الإخلاف مثلًا بإنسان يتحدث من خلف ستار، والأمل واليأس بمتخاصمين يتنازعان مكانًا للإقامة فيه، وهذا أجمل وأكثر إبرازًا للخيال الذي يريده الشاعر، من ذلك أيضًا قول الآخر يصف فرس: عودته فيما أزور حبائبي ... إهماله وكذاك كل مخاطر وإذا احتبى قربوصوه بعنانه ... علك الشكيمة إلى انصراف الزائر العنان: هو السير الذي يُوضع في فم الفرس، وهو ما يسمى باللجام، وكلمة قربوصوه يعني: السرج الذي يوضع على الفرس، علك الشكيمة، الشكيمة: هي الحديدة المعترضة في فم الفرس، فهنا استعار الاحتباء وهو ضم الرجل ركبتيه وجمعه ظهره وساقيه بثوب؛ لضم اللجام مقدم السرج إلى فم الفرس، والجامع هو الهيئة المركبة من انضمام شيئين بواسطة شيء آخر.

стр. 171

وترجع غرابة الاستعارة هنا إلى ما في هذا الجامع من التفصيل، فضلًا عن كون المشبه به نادر الحضور في الذهن عند حضور المشبه؛ لتباعد الهيئتين، هيئة الفرس، وهيئة الإنسان الجالس محتبيًا، فهل يمكن للبليغ أن يحول الاستعارة المبتذلة إلى استعارة غريبة؟ نعم، يمكن ذلك، وذلك بأن يتصرف في الاستعارة المبتذلة تصرفًا يحولها من الابتذال إلى الغرابة؛ بأن يتضمن الكلام الذي وردت فيه مجازًا آخر، أو تتعدد الاستعارات، أو يتعلق بها أمر يزيد من المبالغة التي أفادتها، أو يتوخى في بناء الجمل، ونظم الكلام ما يؤدي إلى دقة التصوير، وإبراز الخيال، انظر مثلًا إلى قول كثير: ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح وشدت إلى دهم المهارى رحالنا ... فلم ينظر الغادي الذي هو رائح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح تجد أنه قد استعار السيلان للسير اللين السهل في قوله "وسالت"، وهي استعارة مبتذلة قريبة المأخذ، ولكنه أزال ابتذالها بالجمع بينها وبين المجاز العقلي في إسناد السيلان إلى الأباطح؛ ليفيد امتلاءها بالركبان؛ حتى كأنها هي التي تسير، ثم بإدخال حرف الجر الباء على الأعناق؛ ليدل على شدة السير وسرعته، فإن مظهر السرعة في الإبل هي حركة أعناقها، وبهذا تحوَّلت الاستعارة من عامية مبتذلة إلى خاصية غريبة، ونحو ذلك قول ابن المعتز: سالت عليه شعاب الحي حين دعا ... أن صاره بوجوه كالدنانير حيث استعار السيلان لسرعة سير القوم إلى الممدوح حين دعاهم، وهي استعارة مبتذلة أزال الشاعر ابتذالها بالمجاز، وهو إسناد السيلان إلى الشعاب؛ ليدل على

стр. 172

امتلائهم بها، وكذلك بتعليق الجار والمجرور، وهي كلمة "عليه" بالفعل "سال"؛ ليدل على شدة طاعتهم له، فسيرهم كان عليه ومن أجله. وكذلك أزالها بتشبيه وجوههم بالدنانير في الإشراق والبهجة؛ ليدل على حبهم له ورغبتهم في نصرته، وإجابته، وبهذا تحولت الاستعارة في البيت من الابتذال إلى الغرابة، من ذلك قول آخر: فَرَعاءُ إِن نَهَضَت لِحاجَتِها ... عَجِلَ القَضيبُ وَأَبطَأَ الدِعصُ القضيب: هو الغصن، والدعص هو كثيب الرمل المجتمع، فهنا استعار القضيب للقامة، والدعص للردف، وهما استعارتان مبتذلتان لكن الشاعر أزال ابتذالهما بوصف القضيب بالعجلة، والدعص بالإبطاء؛ إذ أكد الوصفان رشاقة القامة عظم الردف، وكذلك بإسناد عجل إلى القضيب، وأبطأ إلى الدعص؛ حيث أديا إلى المبالغة في رشاقة قامتها، وضخامة عجزها، وكذلك بالطباق بين عجل وأبطأ؛ فقد أبرز هذا الطباق حسن القامة والردف، إذ الضد يُظهر حسنه الضد، ثم أخيرًا أزاله بتعدد الاستعارة. ومن الاستعارة البعيدة قول امرئ القيس: فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف إعجازًا وناء بكلكل فهنا استعار الصلب لوسط الليل، وجعله يتمطى؛ ليزداد طوله، واستعار الصدر لأوله، وجعله ثقيلًا يُقعده عن الحركة، واستعار الأعجاز لآخره، وجعلها تترادف وتتوالى؛ ليدل على طول الليل وامتداده، فكل استعارة من هذه الاستعارات الثلاث إذا انفردت صارت عامية مبتذلة، لكن اجتماعها حقق غرض الشاعر وهو إبراز طول ليله، ورسم صورة متكاملة بين ليله وبين الفرس. ولذا صارت الاستعارات في البيت غريبة بعيدة.

стр. 173

الاستعارة باعتبار حسية وعقلية طرفي المستعار منه والمستعار له ثم إن الاستعارة باعتبار حسية وعقلية طرفي المستعار منه والمستعار له تأتي على أربعة أنحاء. أولها: استعارة محسوس لمحسوس بوجه شبه محسوس، قول الله تعالى مثلًا: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ (طه: ٨٨) حيث استعير لفظ العجل من الحيوان المخصوص للصنم الذي صنعه السامري من الذهب، بجامع الشكل والصوت في كلٍّ، والمستعار له والمستعار منه، ووجه الشبه كلها من المحسوسات. من ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿تَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ (الكهف: ٩٩) قد استعير الموج وهو حركة ماء البحر واضطرابه لحركة الخلائق المجتمعة يوم البعث، بجامع ما في كلٍّ من اضطراب وحركة مشاهدة. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (مريم: ٤) حيث استعير شواظ النار للشيب بجامع البياض والإنارة، ثم حُذف المستعار منه أي: المشبه به ورُمز له بلازم من لوازمه، وهو الاشتعال على طريق الاستعارة المكنية. وبذا يكون قد شبه الشيب بشواظ النار بجامع البياض والإنارة في كلٍّ، ثم حذف المشبه به على سبيل الاستعارة المكنية. ويمكن أن يكون وجه الشبه في استعارة المحسوس بالمحسوس عقليًّا، كما في الآية السابقة، إذا جعلت الاستعارة تبعية في لفظ ﴿اشْتَعَلَ﴾، ونقول فيها: استعير الاشتعال انتشار الشيب في الشعر بجامع سرعة الانتشار مع تعذر التلافي، الطرفان حسيان والجامع عقلي.

стр. 174

ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ (يس: ٣٧) فقد استعير السلخ وهو إزالة جلد الحيوان بعد ذبحه؛ ليظهر اللحم بإزالة ضوء النهار، حتى يظهر الليل ويحل الظلام، بجامع مطلق ترتُّب أمر على أمر، فالطرفان حسيان، والجامع بينهما عقلي. من ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ (الذاريات: ٤١) حيث استعيرت المرأة العقيم التي لا تلد للريح التي لا تُمطر، بجامع عدم ظهور الأثر في كلٍّ، ثم حذف المستعار منه ورمز له بلازم من لوازمه وهو العقل، على سبيل الاستعارة المكنية؛ فالطرفان حسيان والجامع عقلي. ويجوز اعتبار الاستعارة تبعية بتشبيه ما في الريح من عدم تلقيح السحاب كي يمطر بالحالة التي في المرأة المانعة من الإنجاب، وهي العقم، ثم استعير العقم للحالة التي في الريح واشتق منه عقيم بمعنى لا ينتج أثرًا، وعندئذٍ يكون كلٌّ من الطرفين والجامع عقلي. ثم إن هناك استعارة محسوس لمعقول، ولا يكون الجامع فيها إلا عقليًّا كقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الحجر: ٩٤) فالآية خطاب للنبي ﷺ بأن يبلغ الأمانة، ويوضح أمر الدين وضوحًا تامًّا لا يعود معه إلى خفاء، كما لا يلتئم الزجاج بعد كسر، فهنا استعير الصدع الحسي، وهو كسر الزجاج للتبليغ الذي لا ينمحي أثره وهو عقلي بجامع قوة التأثير في كلٍّ، ثم اشتق منه اصدع بمعنى: بلغ تبليغًا يبقى أثره. ومن ذلك أيضًا قوله : ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ (آل عمران: ١١٢) فالآية تتحدث عن اليهود، والضرب في اللغة يستعمل للإلصاق وللإحاطة يقال: ضرب الطين على الحائط أي: ألصقه بها، وضرب الخيمة على من فيها أي:

стр. 175

أقامها لتحيط بهم، وعلى ذلك فقد استعير الضرب في الآية من إحاطة القبة أو الخيمة، أو من لصوق الطين بالحائط ولزومه له؛ لإحاطة الذلة بهم، أو للصوقها ولزومها لهم، واشتق من الضرب ضرب بمعنى أحاط أو لزم؛ فالمستعار له في الآية عقلي، والمستعار منه حسي. من ذلك أيضًا قوله : ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ (البقرة: ٢١٤) فهنا استعيرت الزلزلة، وهي التحريك بشدة وعنف؛ لشدة ما أصابهم من الألم والمشاق، من ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ (آل عمران: ١٨٧) استعير النبذ وهو الإلقاء والقذف باليد للتناسي والإهمال. الضرب الثالث من ضروب الاستعارة بهذا الاعتبار الحسي والعقلي: استعارة معقول لمعقول، ولا يكون الجامع إلا عقليًّا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ (يس: ٥٢) حيث استعير الرقاد للموت بجامع عدم ظهور الأفعال التي يعتدُّ بها في كلٍّ، والرقاد والموت وعدم الظهور إنما هي من المعاني العقلية. الضرب الرابع: استعارة معقول لمحسوس، ولا يكون الجامع فيها إلا عقليًّا قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ (الحاقة: ١١) حيث استعير الطغيان وهو التعالي والتكبر؛ لزيادة الماء وارتفاعه، بجامع تجاوز الحد في كلٍّ، واشتق منه الفعل طغى بمعنى زاد وارتفع، على سبيل الاستعارة التبعية، المستعار منه الطغيان أمر عقلي، والمستعار له الزيادة والارتفاع أمر حسي، والجامع كما ترى من الأمور العقلية. من المهم ونحن نعرض لشتى ألوان الاستعارة أن نُنبِّه إلى أن كلَّ مجاز لا بد له من وجود قرينة تمنع إرادة المعنى الأصلي الذي وُضع له اللفظ، فالقرينة هي ما ينصبه المتكلم دليلًا على أنه أراد باللفظ غير معناه الوضعي، وهي إما لفظية

стр. 176

كقولنا: رأيت بحرًا يتصدق، وأسدًا يخطب، وقمرًا يتكلم؛ فالألفاظ يتصدق، ويخطب، ويتكلم دلَّت على أن المراد بالبحر والأسد والقمر غير معانيها الأصلية، هذه قرائن لفظية. وقد تكون القرائن غير لفظية كدلالة الحال في قولنا: رأيت بحرًا، والمخاطب يرى رجلًا كريمًا مقبلًا؛ فقد دلت الحال على إرادة الرجل الكريم، ومنعت إرادة المعنى الأصلي للفظ البحر، وكدلالة الاستحالة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ (الحاقة: ١١) حيث استعير الطغيان للزيادة وارتفاع الماء، والقرينة هي استحالة صدور الطغيان بمعناه الأصلي من الماء. هذا ويقرر البلاغيون أن القرينة في الاستعارة التصريحية شيء له علاقة بالمشبه، وأنها في المكنية شيء له علاقة بالمشبه به، وتأتي القرينة في الاستعارة التصريحية الأصلية على وجوهٍ أهمها: أن تكون معنًى واحدًا لا تعدد فيه، وهذا هو الأكثر كقولنا مثلًا: رأيت أسدًا يقاتل، وبحرًا ينفق، أو أن تكون أكثر من معنى، وكل واحد كافٍ في الدلالة على الاستعارة، كما في قول الشاعر: فإن تعافوا العدل والإيمان ... فإن في أيماننا نيرانا فقد استعيرت النيران للسيوف، والقرينة تعلق الفعل تعافوا بكل من العدل والإيمان، ويكفي في الدلالة على عدم إرادة النيران تعلقه بأحدهما؛ فالاستعارة لا تتوقف على الأمرين مجتمعين، ولكن المعنى الذي يريده الشاعر يتوقف عليهما معًا، ومراده أن يقول: إما أن تدفعوا الجزية وهي عدل، وإما أن تؤمنوا بالله ورسوله، فإن كرهتم العدل والإيمان حاربناكم، فإن في أيدينا سيوفًا تبرق كالنيران، وبعض البلاغيين يمنع تعدُّد القرينة، لماذا؟ لأنه يرى أنها لا تكون إلا معنًى واحدًا، وما عدا ذلك يكون تجريدًا أو ترشيحًا.

стр. 177

من أنواع القرائن أنها أحيانًا تكون مجتمعة من عدَّة معانٍ ملتئمة مرتبطة، لا يصلح واحدًا منها بانفراده أن يكون قرينة، خد مثلًا قول البحتري: وصاعقة من نصله تنكفي بها ... على أرؤس الأقران خمس سحائب فقد استعيرت السحائب لأصابع الممدوح بجامع الجود والعطاء في كلٍّ، والقرينة ما ذكره من وجود صاعقة ناشئة من نصل سيفه، تنقلب على رءوس أقرانه، وأن الذي يقلبها عدده خمسة هي أصابع يده، فهذه الأمور مجتمعة هي القرينة، ولا يكفي واحدًا منها ليكون قرينة مستقلة، كما تأتي القرينة في الاستعارة التبعية على وجوه: أولها: أن يكون إسناد الفعل إلى الفاعل لا يتأتى على الحقيقة، وإنما على المجاز العقلي، أو الإسنادي كقولهم: نطقت الحال بكذا، فالنطق لا يتأتَّى من الحال، وكذا التكليم والإخبار في قولك: كلمتني عيناه، وأخبرتني أسارير وجه؛ إذ لا يتأتيان أي: التكليم والإخبار من العينين والأسارير، فدلَّ ذلك على استعارة النطق، والتكليم، والإخبار للدلالة الواضحة. من وجوه التبعية ألا يتأتَّى إسناد الفعل إلى نائب الفاعل على الحقيقة كقوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ (البقرة: ٦١)، فالضرب بمعنى نصب الشيء، أو الصك بالطين لا يتأتَّى من الذلة؛ فدل ذلك على استعارة الضرب للإحاطة أو الملازمة. أيضًا من وجوهها ألا يتأتى تعلق الفعل بمفعوله على الحقيقة كقول ابن المعتز: جمع الحق لنا في إمام ... قتل البخل وأحيا السماحة فقتل وأحيا لا يتأتَّى تعلقهما بالبخل أو السماح، وهذا دليل على استعارة القتل للإزالة والإحياء للإذاعة والنشر، استعارة القتل للإزالة، استعارة الإحياء للإذاعة والنشر، وكقول كعب بن زهير:

стр. 178

صبحنا الخزرجية مرهفات ... أباد ذوي أورمتها ذووها الخزرجية نسبة إلى الخزرج من الأنصار، والمرهفات هي السيوف المرهفة القاطعة، فهنا استعار التصبيح بالتحية للطعن بالسيوف المرهفة بعد تنزيل الطعن منزلة التحية على طريق الاستعارة التهكمية، والقرينة أن الفعل صبح لا يتأتى تعلقه بالمفعول الثاني مرهفات على الحقيقة. رابع هذه الصور التي تأتي عليها التبعية: ألا يتأتى تعلق الفعل بكلٍّ من مفعوليه على الحقيقة كقول الحريري: وأقرى المسامع إما نطقت ... بيانًا يقود الحرون الشموس فهنا استعار القرى للإلقاء على المسامع بيانًا مؤثرًا ساحرًا، والقرينة أن الفعل أقرى لا يتأتَّى تعلقه بالمسامع والبيان على الحقيقة، وهذه الاستعارة توحي بعذب حديثه، وحلاوة منطقه، وفصاحة كلامه، فهو يغذي المسامع كما يقري الطعام. خامس هذه الصور التي تتأتَّى عليها التبعية: ألا يتأتى تعلق الجار والمجرور بالفعل على الحقيقة كما في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (آل عمران: ٢١) فالجار والمجرور ﴿بِعَذَابٍ﴾ لا يتأتى تعلقه بالفعل بشر على الحقيقة، ودلَّ ذلك على استعارة التبشير للإنذار بعد تنزيل التضاد بينهما منزلة التناسب على سبيل الاستعارة التبعية التهكمية، كما سبق أن ذكرنا. كذلك من هذه الصور امتناع تعلق الفعل بكل ما تقدم على الحقيقة، كما في قول الشاعر: تقري الرياح رياض الحزن مزهرة ... إذا سرى النوم في الأجفان إيقاظًا

стр. 179

فهنا استعار الإقراء لفعل الرياح وتأثيرها على الرياض، فتتفتح أزهارها، والقرينة أن الفعل تقري لا يتأتى إسناده إلى الرياح، ولا يتأتى تعلقه بالرياض، ولا بالإيقاظ. وفي هذه الاستعارة إيحاء بحسن الرياح ورقتها وجمال أثرها في الرياض، ففعلها إقراء للرياض وإطعام. والقرينة في الاستعارة المكنية هي إثبات لازم المشبه به للمشبه، وهو ما يسمى بالاستعارة التخييلية، ففي قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (مريم: ٤) كما قلنا: شبه الشيب بشواظ النار ثم حذف المشبه به ورمز له بلازم من لوازمه، وهو اشتعل، والقرينة هي إثبات اشتعل للشيب وهو المشبه، وهذا الإثبات يُسمى استعارة تخييلية، وفي قولك: نطقت الحال، شُبهت الحال بإنسان، وحذف المشبه به، ورمز له بلازمه وهي كلمة نطق، والقرينة إثبات هذا اللازم للمشبه وهو الحال. فإلى أن ألتقي وإياكم على خير أستودعكم الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 180

الدرس: ٩ المجاز المرسل .
следующие страницы →