Полный текст (467 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
كقولنا: رأيت بحرًا يتصدق، وأسدًا يخطب، وقمرًا يتكلم؛ فالألفاظ يتصدق، ويخطب، ويتكلم دلَّت على أن المراد بالبحر والأسد والقمر غير معانيها الأصلية، هذه قرائن لفظية.
وقد تكون القرائن غير لفظية كدلالة الحال في قولنا: رأيت بحرًا، والمخاطب يرى رجلًا كريمًا مقبلًا؛ فقد دلت الحال على إرادة الرجل الكريم، ومنعت إرادة المعنى الأصلي للفظ البحر، وكدلالة الاستحالة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ (الحاقة: ١١) حيث استعير الطغيان للزيادة وارتفاع الماء، والقرينة هي استحالة صدور الطغيان بمعناه الأصلي من الماء.
هذا ويقرر البلاغيون أن القرينة في الاستعارة التصريحية شيء له علاقة بالمشبه، وأنها في المكنية شيء له علاقة بالمشبه به، وتأتي القرينة في الاستعارة التصريحية الأصلية على وجوهٍ أهمها:
أن تكون معنًى واحدًا لا تعدد فيه، وهذا هو الأكثر كقولنا مثلًا: رأيت أسدًا يقاتل، وبحرًا ينفق، أو أن تكون أكثر من معنى، وكل واحد كافٍ في الدلالة على الاستعارة، كما في قول الشاعر:
فإن تعافوا العدل والإيمان ... فإن في أيماننا نيرانا
فقد استعيرت النيران للسيوف، والقرينة تعلق الفعل تعافوا بكل من العدل والإيمان، ويكفي في الدلالة على عدم إرادة النيران تعلقه بأحدهما؛ فالاستعارة لا تتوقف على الأمرين مجتمعين، ولكن المعنى الذي يريده الشاعر يتوقف عليهما معًا، ومراده أن يقول: إما أن تدفعوا الجزية وهي عدل، وإما أن تؤمنوا بالله ورسوله، فإن كرهتم العدل والإيمان حاربناكم، فإن في أيدينا سيوفًا تبرق كالنيران، وبعض البلاغيين يمنع تعدُّد القرينة، لماذا؟ لأنه يرى أنها لا تكون إلا معنًى واحدًا، وما عدا ذلك يكون تجريدًا أو ترشيحًا.
стр. 177
من أنواع القرائن أنها أحيانًا تكون مجتمعة من عدَّة معانٍ ملتئمة مرتبطة، لا يصلح واحدًا منها بانفراده أن يكون قرينة، خد مثلًا قول البحتري:
وصاعقة من نصله تنكفي بها ... على أرؤس الأقران خمس سحائب
فقد استعيرت السحائب لأصابع الممدوح بجامع الجود والعطاء في كلٍّ، والقرينة ما ذكره من وجود صاعقة ناشئة من نصل سيفه، تنقلب على رءوس أقرانه، وأن الذي يقلبها عدده خمسة هي أصابع يده، فهذه الأمور مجتمعة هي القرينة، ولا يكفي واحدًا منها ليكون قرينة مستقلة، كما تأتي القرينة في الاستعارة التبعية على وجوه:
أولها: أن يكون إسناد الفعل إلى الفاعل لا يتأتى على الحقيقة، وإنما على المجاز العقلي، أو الإسنادي كقولهم: نطقت الحال بكذا، فالنطق لا يتأتَّى من الحال، وكذا التكليم والإخبار في قولك: كلمتني عيناه، وأخبرتني أسارير وجه؛ إذ لا يتأتيان أي: التكليم والإخبار من العينين والأسارير، فدلَّ ذلك على استعارة النطق، والتكليم، والإخبار للدلالة الواضحة.
من وجوه التبعية ألا يتأتَّى إسناد الفعل إلى نائب الفاعل على الحقيقة كقوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ (البقرة: ٦١)، فالضرب بمعنى نصب الشيء، أو الصك بالطين لا يتأتَّى من الذلة؛ فدل ذلك على استعارة الضرب للإحاطة أو الملازمة.
أيضًا من وجوهها ألا يتأتى تعلق الفعل بمفعوله على الحقيقة كقول ابن المعتز:
جمع الحق لنا في إمام ... قتل البخل وأحيا السماحة
فقتل وأحيا لا يتأتَّى تعلقهما بالبخل أو السماح، وهذا دليل على استعارة القتل للإزالة والإحياء للإذاعة والنشر، استعارة القتل للإزالة، استعارة الإحياء للإذاعة والنشر، وكقول كعب بن زهير:
стр. 178
صبحنا الخزرجية مرهفات ... أباد ذوي أورمتها ذووها
الخزرجية نسبة إلى الخزرج من الأنصار، والمرهفات هي السيوف المرهفة القاطعة، فهنا استعار التصبيح بالتحية للطعن بالسيوف المرهفة بعد تنزيل الطعن منزلة التحية على طريق الاستعارة التهكمية، والقرينة أن الفعل صبح لا يتأتى تعلقه بالمفعول الثاني مرهفات على الحقيقة.
رابع هذه الصور التي تأتي عليها التبعية: ألا يتأتى تعلق الفعل بكلٍّ من مفعوليه على الحقيقة كقول الحريري:
وأقرى المسامع إما نطقت ... بيانًا يقود الحرون الشموس
فهنا استعار القرى للإلقاء على المسامع بيانًا مؤثرًا ساحرًا، والقرينة أن الفعل أقرى لا يتأتَّى تعلقه بالمسامع والبيان على الحقيقة، وهذه الاستعارة توحي بعذب حديثه، وحلاوة منطقه، وفصاحة كلامه، فهو يغذي المسامع كما يقري الطعام.
خامس هذه الصور التي تتأتَّى عليها التبعية: ألا يتأتى تعلق الجار والمجرور بالفعل على الحقيقة كما في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (آل عمران: ٢١) فالجار والمجرور ﴿بِعَذَابٍ﴾ لا يتأتى تعلقه بالفعل بشر على الحقيقة، ودلَّ ذلك على استعارة التبشير للإنذار بعد تنزيل التضاد بينهما منزلة التناسب على سبيل الاستعارة التبعية التهكمية، كما سبق أن ذكرنا.
كذلك من هذه الصور امتناع تعلق الفعل بكل ما تقدم على الحقيقة، كما في قول الشاعر:
تقري الرياح رياض الحزن مزهرة ... إذا سرى النوم في الأجفان إيقاظًا
стр. 179
فهنا استعار الإقراء لفعل الرياح وتأثيرها على الرياض، فتتفتح أزهارها، والقرينة أن الفعل تقري لا يتأتى إسناده إلى الرياح، ولا يتأتى تعلقه بالرياض، ولا بالإيقاظ. وفي هذه الاستعارة إيحاء بحسن الرياح ورقتها وجمال أثرها في الرياض، ففعلها إقراء للرياض وإطعام.
والقرينة في الاستعارة المكنية هي إثبات لازم المشبه به للمشبه، وهو ما يسمى بالاستعارة التخييلية، ففي قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (مريم: ٤) كما قلنا: شبه الشيب بشواظ النار ثم حذف المشبه به ورمز له بلازم من لوازمه، وهو اشتعل، والقرينة هي إثبات اشتعل للشيب وهو المشبه، وهذا الإثبات يُسمى استعارة تخييلية، وفي قولك: نطقت الحال، شُبهت الحال بإنسان، وحذف المشبه به، ورمز له بلازمه وهي كلمة نطق، والقرينة إثبات هذا اللازم للمشبه وهو الحال.
فإلى أن ألتقي وإياكم على خير أستودعكم الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 180
الدرس: ٩ المجاز المرسل .
стр. 181
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع
(المجاز المرسل)
المجاز المرسل وعلاقاته "السببية والمسببية "
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد:
فنتحدث عن المجاز المرسل بعلاقاته المتعددة من غير المشابهة:
والمجاز المرسل كما ذكر البلاغيون هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لعلاقة غير المشابهة بين المعنيين، وإنما سمي مرسلًا؛ لأنه أرسل عن دعوى الاتحاد المعتبرة في الاستعارة، إذ ليست العلاقة بين المعنيين المشابهة حتى يدعى اتحادهما، أو لأنه أرسل أي أطلق عن التقيد بعلاقة واحدة.
وعلاقة المجاز المرسل معناها أن يكون هناك تلازم وترابط يجمع بين المعنيين ويسوغ استعمال أحدهما في موضع الآخر، وهذه العلاقات كثيرة أشهرها ما يلي:
علاقة السببية، وهو أن يكون المعنى الموضوع له اللفظ المذكور سببًا في المعنى المراد فيطلق السبب على المسبب، والمجاز بهذه العلاقة كثير في استعمالات العرب، فمن ذلك قولهم: رعينا الغيث، فالغيث مجاز مرسل علاقته السببية؛ لأن المعنى الحقيقي للغيث سبب في المعنى المراد الذي هو النبات، وقرينة المجاز قولهم: رعينا، إذ الغيث لا يرعى، والسر البلاغي في العدول عن الحقيقة إلى المجاز في مثل هذا التعبير هو إبراز أهمية الغيث وفرحهم به، وأثره في نفوسهم حتى كأنه هو المرعي لا النبات.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: ١٩٤) فالاعتداء الأول ﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾ قد استعمل استعمالًا حقيقيًّا والاعتداء الثاني وهو قوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ استعمل استعمالًا مجازيًا؛ لأن المراد به المجازاة والقصاص، فعبر بالسبب وهو الاعتداء عن المسبب وهو الجزاء والقصاص على سبيل المجاز المرسل، وتكمن بلاغة المجاز هنا بإبراز قوة
стр. 182
السببية بين الاعتداء وجزائه، وأن الجزاء يجب أن يعقب الاعتداء فلا يتخلف عنه ويشعر بذلك هذه الفاء في قوله: ﴿فَاعْتَدُوا﴾ وما تقتضيه هذه الفاء من سرعة المجازاة، ولا يقال: إن هذا يتناقض مع الدعوة إلى العفو والحث على الصفح؛ لأن المقام هنا مقام تحد بين المسلمين والكفرة، فهو يقتضي الشدة والقوة وسرعة الردع، والمقام هناك بيان للمعاملة بين المسلمين بعضهم بعضا، وذلك أدعى للعفو والمصافحة، فلكل مقام مقال.
من ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (الشورى: ٤٠) فالمراد بالسيئة الثانية ﴿سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الجزاء والقصاص الذي يتسبب عن السيئة الأولى، فهو من إطلاق السبب وإرادة المسبب على سبيل المجاز المرسل، والمعنى: وجزاء من فعل سيئة أن يجازى عليها، فأطلق على المجازاة سيئة باعتبار أن السيئة سبب والمجازاة مسببة عنها، فأطلق السبب وأراد المسبب. من ذلك قول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلين
فالجهل معناه في اللغة السفاهة والحمق، وقد أراد عمرو بن كلثوم بالجهل المسند إليه الصادر منه جزاء المعتدين وعقوبتهم على جهلهم وسفاهتهم، فهو مجاز مرسل حيث عبر بالسبب وأراد المسبب.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد: ٣١) فقد عبر عن المعرفة والعلم بالاختبار الذي هو سبب المعرفة على طريق المجاز المرسل؛ لأن علم الله أزلي فهو عليم بكل شيء، ولا يحتاج في علمه إلى ابتلاء، وعليه فيكون المعنى: ونختبركم حتى نظهر حقيقتكم ونكشفها فيصبح علم الله متعلقًا بالمعلوم الواقع، إذن فهو أطلق
стр. 183
الابتلاء وأراد انكشاف حقيقتهم المسببة عن هذا الابتلاء. من ذلك أيضا قول المتنبي:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
فقد أراد أن يعبر عن شهرة أدبه وذيوع شعره، وبلوغه مبلغا جعل من له علم بالأدب ينظر إليه ويعلمه، ومن لم يسمع شعرًا يسمع كلماته ويدركها، وقد عبر الشاعر بالأعمى والأصم، وأراد من لا معرفة له بالأدب ولا علم عنده بجيده، والعلاقة كما هو معلوم بين المعنيين السببية فإن السمع والبصر من أسباب العلم بالأشياء، وعلى العكس فالعمى والصمم من أسباب الجهل بها والقرينة هي قوله: نظر، وأسمعت كلماتي، فإنه يستحيل أن يسمع الأصم أو يبصر الأعمى شيئا.
إذن فهو أطلق السبب في الإدراك، وهو السمع والبصر وأراد المسبب عنهما وهو ذيوع أدبه وشعره. من ذلك أيضا قول آخر:
أكلت دما إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
وهو يدعو على نفسه إن لم يحقق رغبته في الكيد لامرأته بضرة حسناء أن يقتل له قتيل، ويعجز عن الأخذ بثأره فيرضى بأخذ ديته ويأكل من هذه الدية، وقد عبر عن الدية بالدم والدم سبب فيها، وكان هذا طبعا عيبا عند العرب، فهو على أي حال مجاز أطلق فيه السبب وهو الدم على المسبب وهو الدية.
من ذلك أيضا إطلاق اليد على العطاء والنعمة؛ لأن اليد سبب في إيصال النعمة للمحتاجين، كما في قولهم: جلت يده عندي وكثرت أياديه علي وعمت أياديه الورى، يريدون بذلك نعمه وعطاياه، ويشترط في هذا الاستعمال أن يكون في الكلام إشارة إلى صاحب النعمة؛ ليكون كالقرينة، وهذا متمثل في الضمير العائد على الممدوح في الأمثلة المذكورة، ولذا لا يقال: كثرت الأيادي عندي.
стр. 184
ومن إطلاق اليد وإرادة النعمة قول الرسول ﷺ لأزواجه: ((أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدًا)) ذلك أنه ﷺ جعل اليد مجازًا هنا عن العطاء أو الإنعام، ويدل على ذلك أفعل التفضيل إذا كان مشتقًا من الطول بمعنى الفضل، والمعنى عندئذ: أسرعكن لحوقا بي أفضلكن نعمة، والنعمة توصف بالفضل على جهة الحقيقة فلا ترشيح للمجاز عندئذ.
وقد كن -رضوان الله عليهن- يعتقدن حمل اليد على حقيقتها حتى بدا من خلال القرائن حمل اليد على المجاز، وكان على رأس هذه القرائن وفاة زينب ﵂ بعده ﷺ ومباشرة، وهي لم تكن أطول نساء النبي ﷺ يدا من ناحية الذات، فدل هذا على إرادة المجاز لعلاقة السببية، أما حملها على ذلك بدون قرينة فلا.
ومن هنا لا يقال في قول الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (الفتح: ١٠) أن اليد هنا بمعنى القدرة لخلو الكلام من القرينة، والقول بأن اليد في الآية من باب استعمال اليد في النعمة والقدرة هذا كلام يحتاج إلى نظر؛ فإنه على هذا التأويل لا توجد قرينة واحدة دالة على إخراج اليد عن معناها الحقيقي إلى معنى القدرة، والكلام على غير ذلك لا يصح، وهذا مما عمت به البلوى وراج أمره على أهل العلم قديمًا وحديثًا.
وفي رده على ما ذكر يقول ابن القيم فيما يعد الصواب في تأويل الآية: "لما كانوا -أي الصحابة- يبايعون رسول الله ﷺ بأيديهم ويضرب بيده على أيديهم، وكان رسول الله هو السفير بينه تعالى وبينهم؛ كانت مبايعتهم له مبايعة لله ، ولما كان سبحانه فوق سمواته على عرشه وفوق الخلائق كلهم كانت يده فوق أيديهم، كما أنه سبحانه فوقهم فهل يصح هذا لمن ليس له يد حقيقية".
ثم إن الأصل في الكلام -وهذا ما يجب الانتباه إليه- أن يحمل على حقيقته، فلا يخرج به عن الحقيقة إلى المجاز إلا عند تعذر الحمل على الحقيقة، كما أن الأصل
стр. 185
في الكلام كذلك حمله على الظاهر فلا يحمل على خلاف الظاهر إلا بقرينة لغوية أو عقلية أو عرفية أو شرعية أو حالية، وابتناء على ذلك فادعاء المجاز في أي لفظ كان يستلزم إقامة القرينة المانعة، والدليل الصارف له عن الحقيقة، إذ القائل بالحقيقة معه الأصل والظاهر ومخالفه مخالف لهما جميعا.
والملاحظ أن البلاغيين قد فاتهم ذلك حين قرروا أن اليد في حق الله مجاز عن القدرة، وكذا حين حجروا واسعًا وجعلوا اليد موضوعة وفقط للجارحة، وذلك إبان قولهم على المجاز المرسل: هو ما كانت العلاقة غير المشابهة هي اليد الموضوعة للجارحة المخصوصة إذا استعملت في النعمة، لكونها بمنزلة العلة الفاعلة للنعمة؛ لأن النعمة منها تصدر وتصل إلى المقصود بها، وكاليد في القدرة؛ لأن أكثر ما يظهر سلطان القدرة يكون في اليد، وبها تكون الأفعال الدالة على القدرة من البطش والضرب والقطع والأخذ وغير ذلك، كذا بوضع العلة لاستخدام اليد في النعمة والقدرة موضع القرينة، وبالجزم بما يفيد تواضع العرب في لغتهم، وفي اصطلاح التخاطب على قصر استخدام اليد حقيقة على اليد الجارحة دون سواها، وبما يفيد اعتبار ذلك هو الأصل في الاستعمال، وسحب ذلك من ثم على صفة اليد التي هي ثابتة لله بموجب ما جاء في كتابه وسنة رسوله ﷺ .
ذلك أنه من غير الصحيح القول بأن نحو اليد التي تعني الجارحة وضعت في أصل معناها لهذه المعاني الحسية، ولا تطلق على وجه الحقيقة على سواها، وإذا أطلقت على غيرها سواء أكان معلوما أو مجهولا، فإنها قد استعملت في غير معناها، ولا تكون بحال من الأحوال مستعملة في ظواهرها بل تكون مؤولة -هكذا قالوا- بما يعني أن الألفاظ إذا لم تكن مشتركة فلا تستعمل في حقائقها مرتين.
стр. 186
والرد على هذا أن المعروف المنقول بالتواتر -والكلام هنا لابن تيمية ﵀ استعمال هذه الألفاظ فيما عدوه بها من المعاني، ولا يكون قاصرا على معنى واحد، وإنما أوتي البلاغيون من جهة أنهم رأوا اليد تطلق على النعمة والقدرة في بعض المواضع، فظنوا أن كل تركيب وسياق صالح لذلك حتى وإن قامت القرائن على خلافه، فوهموا بذلك وأوهموا، فهب أن هذا يصلح في قوله: لولا يد لك لم أجزك بها، أفيصلح في قوله جلت قدرته: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ (العنكبوت: ٤٨) وفي قول عبد الله بن عمر: "إن الله لم يباشر بيده أو لم يخلق بيده إلا ثلاثا: خلق آدم بيده، وغرس جنة عدن بيده وكتب التوراة بيده".
أو يصح في عقل أو نقل أو فطرة أو ملة أو شريعة أو منطق أن يكون معنى الآية: وما كنت تتلو من كتاب ولا تخطه بنعمتك أو بقدرتك، أو أن يصح أن يقال: أن المراد من الأثر لم يخلق بقدرته أو بنعمته إلا ثلاث، وأي مزية إذن لآدم على إبليس في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (ص: ٧٥) إن حمل معنى اليد في حق الله على القدرة، وأي خصيصة خص الله بها آدم دون سواه بدت من قول موسى ﵇ له وقت المحاجة: ((أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء)). وكذا في قول أهل الموقف له إذا سألوه الشفاعة.
لو كان الأمر كذلك فهذه أربع خصائص لآدم ﵇ تضيع الفائدة منها لو وضعت القدرة التي يدعي المؤولة والمعطلة أن التعبير باليد هنا مجاز عنها موضع اليد، فضلا عن عدم صحة وضعها هناك فإنه سبحانه لو قال: ما منعك أن تسجد لما خلقت بقدرتي أو قال له موسى: أنت أبو البشر الذي خلقك الله
стр. 187
بقدرته، أو قال له أهل الموقف ذلك، لم يحسن ذلك الكلام، ولا ما كان فيه من الفائدة شيء، تعالى الله أن ينسب إليه مثل ذلك. فمثل هذا التخصيص على ما تمليه دقة اللغة ولطافتها إنما خرج مخرج الفضل له ﵇ على غيره، كما أن ذلك أمر اختص به آدم، ولم يشاركه فيه غيره، فلا يجوز حمل الكلام على ما يبطله.
يقول أبو سليمان الخطابي صاحب (معالم السنن) المتوفى سنة ٣٨٨: "ليس معنى اليد عندنا الجارحة إنما هي في حق الله صفة جاء بها التوقيف، فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها وننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتاب والأخبار المأثورة الصحيحة، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة".
هذا الكلام ساقه البيهقي في كتابه (الأسماء والصفات) صفحة ٤٧٩ والكلام في ذلك كثير، وينظر فيه كتابنا في (الرد على السعد التفتازاني في مسألة التجوز في غير صفات المعاني).
ومن المجاز المرسل لعلاقة السببية استعمالهم لفظ الإصبع في الأثر الدقيق من حذق بارع أو رسم جميل أو نقش لطيف، إذ الإصبع سبب في إحداث هذا الأثر البديع الرائع، ومنه قولهم: إن لفلان على هذه اللوحة إصبعًا، وإصبع فلان بادية في هذا الخط، ولهذا الصائغ في صناعة هذا السوار إصبع بارعة، وكقول الشاعر في صفة راعي الإبل:
ضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا
أي ترى له عليها أثر حذق ومهارة، ويشترط لصحة هذا الاستعمال أن يكون للإصبع تأثير في إحداث الأثر الذي يعبر به عنه، ناهيك عن القرينة التي أشرنا إليها، وقلنا أنها شرط في حمل الكلمة على المجاز.
стр. 188
من هذه العلاقات التي هي خاصة بالمجاز المرسل علاقة السببية، وهو أن يذكر المسبب ويراد السبب، بأن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور مسببا عن المعنى المراد فيطلق اسم المسبب على السبب، من ذلك قولهم: أمطرت السماء نباتا أي: ماء، فذكروا المسبب وهي كلمة نباتا، وأرادوا السبب وهو الماء، فهو مجاز مرسل علاقته المسببية.
فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ (غافر: ١٣) والذي ينزل من السماء هو الماء الذي يتسبب عنه الرزق، فذكر المسبب في موضع السبب، وتكمن بلاغة المجاز في الآية الكريمة في قوة السببية بين الماء والرزق، وفي ذلك إيحاء وتنبيه للمؤمن إلى أن الرزق مصدره السماء، فليطمئن وليمض على النهج القويم، فالرزق قد قدره الله وكفله للجميع لكونه منزلًا من السماء ولا حجر على فضل الله. من ذلك قول الشاعر يصف غيثًا:
أقبل في المستن من ربابه ... أسنمة الآبال في سحابه
أراد أن الغيث انصب عليهم من سحابه الأبيض فسقى الأرض، وأنبت النبات فارتوت الإبل، وشبعت وسمنت ونمت أسنمتها، وقد جعل الشاعر أسنمة الإبل في السحاب، والذي في السحاب هو الماء، وهذا من ذكر المسبب في موضع السبب أيضا.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (النساء: ١٠) فالنار لا تؤكل، وإنما المراد يأكلون مالًا حرامًا تتسبب عنه النار التي تكوى بها جنوبهم وظهورهم وجلودهم، فذكر المسبب وهو النار في موضع السبب وهو المال الحرام مال اليتامى، وتكمن بلاغة المجاز في الآية
стр. 189
الكريمة في إبراز هذه السببية، وفي إظهار فظاعة وبشاعة تلك الصورة، صورة من يأكلون أموال اليتامى، فهم يأكلون نارًا تقذف في أفواههم فتندلع في بطونهم فيكون الألم والعذاب.
من ذلك قولهم: كما تدين تدان، أي كما تفعل تجازى، فالمجاز في كلمة تدين حيث عبر عن الفعل بالدين، والدين هو المجازاة والمكافأة وهو مسبب عن الفعل، فهو مجاز مرسل علاقته المسببية إذ أطلق لفظ المسبب وهو المجازاة، وأريد السبب وهو العمل والفعل، أما كلمة تدان فهي على الحقيقة؛ لأن المراد بها المجازاة والمكافأة.
ومن علاقة المسببية التعبير بالفعل عن إرادته، فالإرادة سبب والفعل مسبب عنها، وقد كثر ذلك في القرآن الكريم كما في قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (النحل: ٩٨) والمعنى: إذا هممت أو عزمت أو أردت قراءته فاستعذ بالله، حيث علم من السنة أن الاستعاذة تسبق القراءة، وفي الآية رتبت الاستعاذة بالفاء على القراءة، فكان هذا الترتيب قرينة على أن المراد بالقراءة إرادتها والعزم عليها، فهو إذن مجاز مرسل علاقته المسببية إذ أطلق المسبب وهو الفعل وأريد السبب وهو العزم والإرادة، وفي ذلك إبراز لقوة السببية بين الإرادة والفعل وتنبيه للمؤمن وحث له على أن يقرن بين العزم بالفعل، فلا يكون هنالك مجال للأماني الكاذبة، وأحلام اليقظة والتقاعس وحياة الكسل.
ومنه أيضا قول الله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ (هود: ٤٥) إذ أريد بالنداء هنا إرادته والعزم عليه، فهو من ذكر المسبب في موضع السبب والقرينة أنه رتب بالفاء في قوله: ﴿فَقَالَ﴾ قوله: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ على النداء مع اتحاد زمنهما في الواقع.
стр. 190
ومن ذلك أيضا قوله : ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ (الأعراف: ٤) فقد ذكر الإهلاك وأراد إرادته والعزم عليه حيث لم يأت بعد بقرينة أنه رتب بالفاء وإتيان البأس متقدم على الإهلاك، فدل ذلك على أنه أراد بالفعل وهو الإهلاك إرادته والعزم عليه فهو من إطلاق المسبب وإرادة السبب.
من ذلك قوله جل وعلا: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: ٦) حيث عبر بالإهلاك أيضا في موضع الإرادة، فهو من باب ذكر المسبب وإرادة السبب.
علاقة: الجزئية، الكلية، اعتبار المكان
من هذه العلاقات التي تخص المجاز المرسل علاقة الجزئية، وهو أن يذكر الجزء ويراد الكل، فالقيام المعبر به عن الصلاة في قول الله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (المزمل: ٢) وفي قوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ (التوبة: ١٠٨) وقول الرسول ﷺ : ((من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)) فالمراد بالقيام في هذه النصوص الصلاة وهي ركن من أركانها، وقد سميت الصلاة به من باب تسمية الكل باسم الجزء.
ومثل ذلك أيضا قوله: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (العلق: ١٩) وقوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ (النجم: ٦٢) وقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ (الحجر: ٩٨) قد عبر في كل ذلك عن الصلاة بالسجود، وهو ركن من أركانها، وذلك عن طريق المجاز المرسل الذي علاقته الجزئية. كذلك من هذا الضرب قول معن بن أوس في ابن أخته:
стр. 191
أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي ... فلما قال قافية هجاني
فقد ذكر كلمة القوافي والقافية، وأراد بهما القصائد والقصيدة مجازًا مرسلًا علاقته الجزئية، حيث إن القافية تطلق على آخر البيت، لكن هنا مقصود بها القصيدة أو القصائد وقد ذكر بذلك الجزء وأراد الكل.
هذا ويشترط في الجزء الذي يراد به الكل أن يكون مما جرى العرف على استعماله في الكل، أو يكون لهذا الجزء اتصال وثيق بالمعنى المراد.
وقد ورد أن القرآن يسمي الصلاة قياما سجودًا؛ لأنهما ركنان أساسيان من أركانهما كما يسميها ذكرًا أو ركوعًا في قوله: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (آل عمران: ٤٣) كل هذه أساسيات في الصلاة، ولم نر القرآن يسمي الصلاة مثلا تشهدا أو بسملة أو غير ذلك، وقد عبر عن الإنسان بأجزاء مختلفة في القرآن الكريم، فنرى مثلًا يعبر القرآن بالرقبة وبالعين وبالوجه، وبالكف، وبالقدم، وبالقلب، ولا يصلح جزء من هذه الأجزاء مكان الآخر لاختلاف السياق الذي يقتضي هذا الجزء دون ذاك.
انظر مثلا إلى قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (البلد: ١٢، ١٣) وقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (المجادلة: ٣) فقد عبر هنا عن العبد أو المولى في الآيتين بالرقبة؛ لأنها أهم جزء في الإنسان، ولأن معاني السيادة والعبودية تظهر أوضح ظهور في الأعناق.
وقريب من هذا قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (الشورى: ٣٠) وقولهم: بث الأمير عيونه في المدينة، وعين العدو تجول في البلد، ويريدون بالعين هنا الربيئة أو الجاسوس، فسمى الجاسوس عينا باسم جزئه؛
стр. 192
لأن عينه أبرز عضو فيه يستخدمه في التجسس. ومن هنا ساغ مع ما سبق قول الشاعر:
كم بعثنا الجيش ... جرارا وأرسلنا العيون
ونقول: فلان تتزاحم حوله الأقدام، أو هو خير من تسعى له قدم، في مقام المدح بالسيادة والكرم، قد عبرنا عن طالب العطاء بالأقدام؛ لأن بها يسعون قاصدين الممدوح في قضاء حوائجهم. ويقول الشاعر:
وكنت إذا كف أتتك عديمة ... ترجي نوالا من سحابك بلت
قد عبر بالكف عن الإنسان المعدم؛ لأن السياق سياق عطاء وأخذ، والمعدم يمد يده راجيا عطاء وخيرا يلقى بها؛ ولذا عبر عنه بالكف. ومن ذلك قول امرئ القيس:
أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل
فقد عبر عن نفسه بالقلب؛ لأن السياق سياق حب، وغرام، وغزل، وهيام. وفي ذلك يقول ابن المعتز:
سالت عليه شعاب الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير ... كالدنانير
فقد عبر عن رجال معروفين بالشرف والسيادة والنبل بالوجوه، وذلك على طريق المجاز المرسل الذي علاقته الجزئية، فقد آثر التعبير بالوجه؛ لأن المقام مقام شرف وسيادة ونبل ووجاهة، وهكذا يعبر عن الإنسان بأجزاء مختلفة من أجزاء جسده، وفي كل مرة نرى الجزء الذي عبر به عن الكل، وهو الإنسان له اتصال وثيق ومزيد اختصاص بالسياق وبالمعنى، ولا يصلح جزء من أجزاء الإنسان المذكورة مكان الآخر لاختلاف السياق كما أوضحنا.
من هذه العلاقات علاقة الكلية، وهو أن يعبر عن الجزء بلفظ الكل أي يطلق اسم الكل ويراد جزؤه كقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ (البقرة: ١٩)
стр. 193
وقوله : ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ (نوح: ٧) فقد عبر هنا بالأصابع في الآيتين وأراد الأنامل من باب إطلاق لفظ الكل على الجزء مجازًا مرسلًا علاقته الكلية.
والسر البلاغي في العدول عن الحقيقة إلى المجاز في الآيتين هو رغبة القوم في تعطيل حاسة السمع بأقصى ما يمكن؛ مبالغة فيما يشعرون به من هول الصواعق وفظاعتها في سورة البقرة، ومبالغة في إعراضهم عن الحق في سورة نوح ﵇، والقرينة هي استحالة وضع الإصبع كلها في الأذن عادة. ومن ذلك قول السموأل:
تسيل على حد الظباة نفوسنا ... وليست على غير الظباة تسيل
الظباة جمع ظبة، وهي حد السيف، فهنا يعبر بالنفوس عن الدماء، هو مجاز إذن مرسل علاقته الكلية؛ لأن الدماء جزء من النفوس والقرينة قوله: تسيل؛ لأن السيلان يكون للدماء.
ومنه أيضا قولهم: قطعت السارق يريدون يده، أكلت نبات الأرض، وشربت ماء النيل، وقرأت في البلاغة ما كتب السابقون واللاحقون، والمراد بعض النبات وجزء من الماء، وكثير مما كتبوا، فهو في كل ذلك مجاز مرسل علاقته الكلية، والقرينة استحالة أكل الكل أو شربه واستحالة الإحاطة بكل ما كتب.
من علاقات المجاز المرسل علاقة اعتبار ما كان، وهي أن يعبر عن الشيء باسم ما كان عليه من قبل كما في قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ (النساء: ٢) فاليتيم من مات أبوه ولم يبلغ سن الرشد، وهو لا يسلم إليه بموجب الشرع أمواله لعجزه عن التصرف فيها في هذه السن، وإنما تدفع إليه بعد أن يتجاوز سن اليتم ويصير رشيدًا، فتسميتهم يتامى عندئذ باعتبار ما كان قبل
стр. 194
ذلك، والقرينة هي الأمر بدفع أموالهم إليهم لاستحقاقهم التصرف فيها، وإيثار التعبير عنهم بلفظ اليتامى مع أن اليتم قد زال يفيد أمرين:
الأمر الأول: الإنباء بسرعة إعطائهم أموالهم بمجرد ذهاب اليتم عنهم، فكأن صفة اليتم لا تزال عالقة بهم وقت دفع المال؛ لأنه يدفع إليهم عقب زوالها مباشرة، وهذا واضح في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (النساء: ٦).
الأمر الثاني: التذكير بحال هؤلاء اليتامى، وكيف حرموا من عطف وحنان الأبوة، وأنه لا يليق بالمؤمن أن يطمع في مال هذا شأنه.
ومن هذا النسق من المجاز قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (البقرة: ٢٣٤) فمن المعروف أن الوفاة تنهي الزوجية، فتصبح المرأة بعد قضاء العدة أجنبية يصح لها أن تتزوج بغيره، وإنما عبر بالأزواج باعتبار الوصف الذي كانت عليه قبل الوفاة؛ للإيماء إلى أن ما يقتضيه هذا الوصف من الوفاء الذي يدعوهن إلى الانتظار تلك المدة، حتى لا يظهرن بمظهر من كن يتمنين وفاة أزواجهن والخلاص منهم.
ومن الأمثلة التي يتراءى فيها ذلك النمط من المجاز قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ (نوح: ١٧، ١٨) ففي إضافة الإنبات إلى ضمير المخاطبين قرينة دالة على أن المراد بهذا اللفظ اعتبار ما كان؛ لأن المخاطبين خلقوا من نطف آبائهم، وإنما خوطبوا بهذه الصورة من المجاز تذكيرًا بالأصل حتى يدركوا قدرة الله على البعث، فالذي خلق الإنسان من تراب قادر على بعثه من جديد.
стр. 195
من هذا القبيل قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ (طه: ٧٤) ففي الآخرة لا يكون المرء مجرمًا؛ لأن الوصف بالإجرام يكون قبل الصيرورة إلى موقف الجزاء، وإنما أوثر لفظ المجاز لإيمائه إلى استحقاق العقاب الذي ينزل به.
علاقة: اعتبار ما يكون، الحالية، المحلية، الآلية، المجاورة
من علاقات المجاز المرسل اعتبار ما يكون، وهو تسمية الشيء باسم ما سيكون عليه في المستقبل، ومما يتمثل فيه المجاز على هذا النسق قول الله تعالى يحكي قولة صاحب يوسف ﵇ في السجن: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ (يوسف: ٣٦) والمجاز كائن في لفظ الخمر، وواضح أنه غير مستعمل في معناه الحقيقي بقرينة قوله: ﴿أَعْصِرُ﴾ لأن الخمر لا تعصر فهي بطبيعتها عصير وهو لا يعصر، ومؤدى هذا أن المراد بهذا اللفظ العنب أو ما كان على شاكلته مما يمكن عصره وتخميره، وإنما لم يعبر عن هذا المعنى المراد باللفظ الموضوع له في عرف اللغة وعبر عنه بالمجاز؛ لبيان المقصود من العصر، وهو أن يصير في المآل خمرًا.
ومما يتراءى فيه المجاز على هذه الشاكلة قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (البقرة: ١٧٨) إذ المراد بالقتلى في هذا النسق الأحياء الذين سيصيرون بالعدوان عليهم قتلى، والذي دل على هذا المراد هو ذكر القصاص؛ لأنه لا يقتص لإنسان من أحد قبل أن يقتل، وإنما عبر عنه بالقتلى لإيمائه بسبب القصاص وعلته.
стр. 196
ويتجلى مثل هذه الصورة من المجاز في قول الله تعالى على لسان نوح ﵇ يدعو على قومه، وقد أعنتوه في الدعوة: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ (نوح: ٢٦، ٢٧).
ومن ينظر إلى هذه الدعوة ينعكس على مرآة بصيرته دخيلة قوم نوح، وقد لقى ﵇ من المشقة والعنت منهم ما لاقى، ففاضت بهذا النسق التعبيري الذي يحمل في طياته المجاز الموحي بحالته، فقد بلغ به الضيق حدًا جعله يتصور أن هؤلاء المناهضين للدعوة لا يمكن أن يسمعوا لصوت الحق، وأن أولادهم إن ولدوا لا ينتظر منهم الاستماع إليه وأنهم سيكونون كفارًا، ولشدة يقينه بما سيكونون عليه في المستقبل اعتبرهم كفارًا منذ ولادتهم، ولو عبر عن هذا المعنى بلفظه الحقيقي لقيل: ولم يلدوا إلا من سيكون فاجرا كفارًا، لكن التعبير على نسق الحقيقة يكون مغسولًا؛ لأنه لا يوحي بمراده ولا بما يعتمل في نفسه بمثل هذه القوى، ويقوي هذا الإيحاء إفراغ المجاز في قالب القصر.
ومن هذا قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (الزمر: ٣٠) يريد أن مآله إلى الموت وهم كذلك بقرينة الخطاب؛ لأن من مات لا يخاطب بالفعل، وكذا قوله جل وعلا: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ (الصافات: ١٠١) وفي حق إسحاق ﵇: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ (الذاريات: ٢٨) أي بغلام أو مولود مآله أن يكون كذلك.
من علاقات المجاز المرسل أيضا الحالية، وهو أن يعبر بالشيء ويقصد المكان الذي يحل فيه، أو هي كما يقولون: إطلاق لفظ الحال وإرادة المحل، ومن التعبير الذي يحمل هذا النسق من المجاز قول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (الأعراف: ٣١) ففي هذا التوجيه الإلهي إلى السلوك
стр. 197
القويم المظهر والمخبر يطالعنا لفظ الزينة مرادًا به المحل الذي يوجد فيه؛ لأن الزينة تعني التجمل، والتجمل إنما هو أمر عقلي، ولا بد أن يكون له ما يوفره أو ييسره وهو هنا الثياب الساترة للعورة إذ هي محل الزينة.
والقرينة الدالة على أن المراد بالزينة الثياب الساترة للعورة دون غيرها مما يوفر الزينة، قوله تعالى: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (الأعراف: ٣١) فالمراد بالمسجد الصلاة، وقد تجاوز البيان القرآني الدلالة على هذا المعنى بلفظه الموضوع وهو الثياب؛ للإيماء إلى ما ينبغي أن يكون عليه حال المؤمن من الأناقة وجمال المظهر، ويكشف عن هذا الإيحاء قوله ﷺ لمن ظن أن التجمل بالحسن من الثياب والنعال قرين الكبر عندما قال: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، إن الله جميل يحب الجمال)).
ومن المجاز الذي جاء على هذه الصورة قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٦، ١٠٧) فالمراد بالرحمة هنا الجنة، والجنة -كما لا يخفى- حال هذه الرحمة، والقرينة الدالة على أن لفظ الرحمة أطلق على المحل الذي توجد فيه حرف الجر في، وهو دال بأصل وضعه على الظرفية، والرحمة ليست مكانا يحل فيه من ابيضت وجوههم، وإنما لم يعبر عن الجنة باسمها؛ لأن في لفظ الرحمة إيماء إلى أن دخولهم الجنة إنما هو بفضل الله لا باستحقاقهم له. وشبيه بهذه الصورة قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ (الانفطار: ١٣). كذا قول الشاعر يرثي معن بن زائدة:
ألما على معن وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعا بعد مربع
стр. 198
الغوادي يعني بها السحاب، وهو هنا يدعو لقبره بالسقيا أربعة أيام يتلوها أربعة أخرى كناية عن الكثرة، فالنزول بمعن غير ممكن؛ لأنه ميت وهذا يعني أنه أطلق الحال، وهو معن، وأريد به المحل وهو القبر، وفي ذلك إيحاء بقوة المحبة له وللمكان الذي يقيم فيه، ولولا وجود معن في القبر لما دعا له بالسقيا. من ذلك أيضا قول الشاعر:
قل للجبان إذا تأخر سرجه ... هل أنت من شرك المنية ناجي
يريد إذا تأخر فرسه إذ السرج حال، والفرس محل له.
من هذه العلاقات التي هي للمجاز المرسل المحلية، وهي أن يعبر بالمحل ويراد الحال فيه، أو كما يقولون: إطلاق المحل وإرادة الحال فيه.
ومما يجلي هذه الصورة من المجاز قول الله تعالى على لسان إخوة يوسف ﵇ وقد انطلى عليهم تدبير يوسف: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ * وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (يوسف: ٨١، ٨٢).
وموطن المجاز هنا هو قول الله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وسؤال القرية بمعنى الدور ودروبها أمر غير ممكن إذ كيف يسأل الجماد، وهذا قرينة تدل على أن لفظ القرية مراد به غير معناه الحقيقي، وهو أهلها المقيمون فيها. وإنما عبر بلفظ القرية، ولم يعبر بلفظ الأهل مع أنه هو المراد؛ لأن في المجاز إيماء إلى الاستقصاء في السؤال حتى لو أمكن سؤال المكان لكان ليعقوب أن يسأله؛ ليكون شاهدًا بصدق ما يقوله أولاده، ولو أنه قيل: واسأل أهل القرية لما كان فيه الإيحاء بالاستقصاء وذيوع أمر السرقة، وفيها شهادة بصدقهم، وبراءتهم مما وقر في نفس يعقوب من احتمال تدبيرهم للتخلص منه كما فعلوا بيوسف من قبل.
стр. 199
وانظر إلى مصداق ذلك في قولهم: ﴿يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ (يوسف: ٨١).
ومن المجاز الذي هو على هذا النسق قوله تعالى في تهديد أبي جهل الذي كان يتصدى للنبي ﷺ محاولًا منعه من الصلاة في المسجد الحرام: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ (العلق: ١٥ - ١٨).
وبتأمل هذا النسق التعبيري نجد أن لفظ النادي في هذا السياق لا يراد به مكان اجتماع القوم، وإنما المراد به هم القوم أنفسهم بقرينة أن المكان ليس أهلًا لأن توجه إليه الدعوة، أي أنه مجاز أطلق فيه المحل وأريد الحال فيه، وإنما سلك هذا المسلك المجازي للإيماء إلى الاستقصاء من دعوة من يناصره في مواجهة النبي ﷺ حتى لو أمكن أن يدعو المكان لهذه الغاية فله ذلك، ومهما احتشد معه المحتشدون فلن تكون لهم النصرة؛ لأنهم سيواجهون بقوة لا تنهض لها قوة البشر جميعا، وما يتصورونه ذا أثر في قهر محمد ﷺ ومنعه مما يدعو إليه، ومما جاء على هذه الصورة قول الشاعر:
إن العدو وإن تقادم عهده ... فالحقد باق في الصدور مغيب
فالمراد بالصدور هنا القلوب التي تحل بها تسمية للشيء باسم محله، ومنه قول ابن الرومي يكشف عن خوفه من ركوب السفن: "لا أركب البحر إني" يقصد بالبحر هنا السفن التي تكون في البحر:
لا أركب البحر إني ... أخاف منه المعاطب
طين أنا وهو ماء ... والطين في الماء ذائب
لينظر القارئ أو السامع معنى لفظ بحر، فإنه سيدرك أن المراد به السفن بقرينة أن البحر لا يركب، ومؤدى هذا أنه أطلق المكان أو المحل وأراد به الحال فيه، وفي
стр. 200
لفظ البحر إيماء إلى الرهبة والخوف لما هو معروف عنه من التقلب واضطراب الأمواج، بخلاف لفظ السفينة فإنها لا توحي بشيء من خوف أو فزع.
من هذه العلاقات التي تخص المجاز المرسل علاقة الآلية، وهي أن يطلق اسم الآلة التي يكون بها الشيء، ويراد الشيء نفسه. وبعبارة أوضح: أن يطلق اسم الآلة، ويراد به الأثر الناشئ عنها.
ومن أعذب ما جاء على هذا النسق من مجاز قول الله تعالى يحكي دعاء إبراهيم: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (الشعراء: ٨٣، ٨٤) ففي هذا الجزء من الدعاء نجد إبراهيم ﵇ يدعو بأمور يتصل بعضها بالحياة الدنيا، وهو الحكمة والصلاح، ويتصل بعضها الآخر بما بعد الموت وقبل النشور، وهو أن يكون له لسان صدق فيمن يأتي بعده من الأجيال، ولا معنى لأن يبقى لسانه الناطق بعد موته فيمن يعقبه من الناس، وإنما المراد به الذكر الحسن الذي يتوارثونه ويشيع فيهم، وبذا يكون قد أطلق اللسان وهو الآلة التي يحدث بها الذكر وينشأ عنها، وأريد به الذكر نفسه.
وإنما سلك هذا المسلك لبيان أهمية اللسان في حدوث الذكر الحسن وأهمية تنقية اللسان، فلا يصدر عنه إلا ما هو حسن من القول، ففي عفة القول، وتخلص اللسان من القدح في الأعراض ما يجعله مرغوبا فيه، وفيما يصدر عنه -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
ومن المجاز الذي علاقته الآلية أيضا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (إبراهيم: ٤) فقد أطلق اللسان وأراد الأثر الناشئ عنه وهو اللغة، وسلك هذا المسلك لبيان أهمية اللسان في صدور اللغة عنه. ومثله قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ (الروم: ٢٢) فقد أطلقت الألسنة وأريد بها اللغات.
стр. 201
ومن المجاز الجاري على هذه الطريقة قول قوم إبراهيم كما يحكيه عنهم، وقد أرادوا التنكيل به جزاء تحطيمه لأصنامهم: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ (الأنبياء: ٦١) فقد أطلقت الأعين وأريد بها الأثر الناشئ عنها وهو الرؤية، فهم يريدون: فأتوا به على مرأى ومشهد، أي رؤية ومشاهدة، والقرينة المانعة من إرادة الباصرة حرف الجر "على" فإنه دال على الاستعلاء الحسي، وحين يؤتى بإبراهيم فإنه لن يعلو على أبصارهم، وإنما تتمكن منه رؤيتهم كما يتمكن الراكب على دابته، والتعبير بالمجاز في هذه الصورة يومئ إلى قوة الآلة وشدة أثرها في حدوث الفعل.
من علاقات المجاز المرسل المجاورة، وهو أن يذكر الشيء ويراد به ما يجاوره لشدة الاتصال بينهما، كأنهما متلازمان لا ينفرد أحدهما عن الآخر وجودًا وعدمًا، ومما هو متوارث مشهور مما جاء على هذا النمط من المجاز قول عنترة في منازلته خصمه وصرعه إياه:
ومدجج كره الكماة نزاله ... لا ممعن هربا ولا مستسلم
جادت له كفي بعاجل طعنة ... بمثقف صدق الكعوب مقوم
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
فتركته جذر السباع ينشنه ... يقدمن حسن بنانه والمعصم
وإذا نظرت إلى البيت الثالث وما قبله وما بعده؛ لتبين لك أن قوله: فشككت بالرمح ثيابه، ينطوي على المجاز في لفظ الثياب؛ لأن الشك بالرمح في الثياب لا يعني به مجرد مس الثياب أو شقه، ومؤدى هذا أن لفظ الثياب يراد به جسد خصمه بقرينة البيت السابق: جادت له كفي ... إلى آخره، والبيت اللاحق: فتركته جذر السباع ... إلى آخره.
стр. 202
وقد قصد عنترة من وراء هذا المجاز الإيماء إلى سهولة صرعه وقتله، وإن كان له من القوة ما له. ومنه إطلاق لفظ الراوية على المزادة أي: قربة الماء في قولنا: شربنا من الراوية، أو في قولك مثلا: خلت الراوية من الماء، والراوية اسم للبعير الذي يحمل عليه الماء، فلما كثرت مجاورة المزادة لظهر الراوية أطلق على المزادة اسم الراوية مجازًا مرسلًا علاقته المجاورة.
ومنه قولنا: ركب الفرسان سروجهم، تريد خيولهم فسميت الخيول سروجًا لكثرة مجاورتها لظهور الخيل، وقولنا كذلك: أصابتنا السماء، تريد الغيث المجاور عادة لجهة السماء، وقولنا كذلك: جر الغلام الحفض، تريد البعير الهزيل المخصص لحمل الأمتعة الحقيرة، والحفض: اسم للحقير التافه من متاع البيت، فسمي البعير باسم ما يحمله لعلاقة المجاورة. من ذلك أيضا قول ليلى الأخيلية:
رموها بأثواب خفاف فلا ترى ... لها شبها إلا النعام المنفر
فقد ذكرت ليلى الأثواب وأرادت الرجال الذين ركبوا الإبل فرموها بأنفسهم، وذلك على طريق المجاز المرسل أيضا لعلاقة المجاورة. ومنه قول الآخر:
إن لنا أحمرة عجافا ... يأكلن كل ليلة إكافا
فأطلق لفظ الإكاف: وهي البردعة التي توضع على ظهر الحمار على العلف الذي تأكله هذه الأحمرة للمجاورة؛ لأن العلف يحمل على الإكاف.
فإلى الملتقى أستودعكم. الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 203
الدرس: ١٠ تابع: المجاز المرسل .
стр. 204
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العاشر
(تابع: المجاز المرسل)
بعض علاقات المجاز المرسل التي غف َ ل عنها كثير من البلاغيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد:
فنقول أن هناك علاقات أخرى غفل عنها كثير من البلاغيين، ومن المهم -في هذا اللقاء- أن تناولها بشيء من الاختصار، هذه العلاقات تندرج تحت المجاز المرسل:
وأهم هذه العلاقات التي غفل عنها البلاغيون أو كثير منهم اللزومية، وهي أن يُطلق اسم اللازم ويراد الملزوم كقولنا: نظرت إلى الحرارة، والمراد نظرت إلى النار أو إلى مولد الحرارة، فالحرارة يلزم لها وجود نار أو مولد لها، والنظر يكون إلى النار لا إلى هذا المولد، ففي لفظ الحرارة مجاز مرسل علاقته اللزومية، حيث أطلق اللازم وأريد الملزوم، وقد يطلق الملزوم ويراد اللازم، كقولنا: دخلت الشمس من النافذة، والمراد دخول الضوء والضوء لازم للشمس.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (طه: ٩٢، ٩٣) وقوله : ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (الأعراف: ١٢) وهما من المتشابهات، إذ يقتضي الظاهر أن يقال في غير القرآن: ما منعك أن تتبعني؟ ما منعك أن تسجد إذ أمرتك؟ لكن المتأمل يجد أن المعنى الحقيقي للفظ منع هو الصرف عن فعل الشيء، وعليه فالمعنى المراد في الآيتين هو الدعوةُ إلى تركه، فيكون معنى: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾: أي: ما دعاك إلى ترك ما أمرتك به من الاتباع والسجود، فهو من استعمال اسم الملزوم وهو المنع والصرف عن الفعل وإرادة لازمه، وهو الدعوة إلى تركه، وهذا معنى سليم لا يحوج إلى القول بزيادة لا في الآيتين، وهو رأي الإمام السكاكي.
وفي الآيتين وجوه أخرى من المهم أن نقف عليها لتفسير الآيتين،
стр. 205
أهمها أن لفظ منع على معناه الحقيقي و"لا" صلة زائدة، والمعنى: ما صرفك عن اتباعي وعن السجود؟. المعنى الثاني: أنَّ مَنَعَ ليس مأخوذًا من المنع بمعنى الصرف، بل هو من المنعة والحماية، فيكون المراد: ما حماك مني حين تركت السجود؟ وما حماك حين تركت اتباعي؟ وعندئذ لا مجاز في اللفظ؛ لأن منع بمعنى حمى حقيقة لغوية.
ولا يقال: أن جواب هارون: ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ (طه: ٩٤) وجواب إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (ص: ٧٦) يقضي ببطلان هذا الرأي؛ لأنا نقول: إن الجواب لا يتحتم أن يكون على وفق السؤال، بل كثيرًا ما يجاب المستفهم بغير ما يتطلب استفهامه لسر ولغرض بلاغي يقتضيه المقام، كما في الآيات الكريمة: ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: ٧٥) وقوله: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ (الأعراف: ١٢٧) وكذا قوله: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: ٥٢، ٥٣) إلى غير ذلك من الآيات التي جاء فيها الجواب مخالفًا للسؤال.
والسر البلاغي في العدول عما يتطلبه هذه الأسئلة وأمثالها، يرجع إلى ما عليه النظم الكريم من التسليم بأنه لا كالئ يحرسه ولا حامي يحميه، وكأن المسئول قد فتش ونقب، فلما لم يجد منعة ولا حماية أجاب بما أجاب.
الأمر الثالث: أن تكون الآيتان بتقدير "في" لا بتقدير "من" والمعنى: ما سبب امتناعك في تركك اتباعي وفي تركك السجود، وأيًّا ما كان فهي تخريجات لا تخرج المعنى في الآيتين الكريمتين عن المراد منهما.
стр. 206
من هذه العلاقات غير المشهورة من غير ما سبق التعلق الاشتقاقي، وهو أن يذكر اللفظ ويراد ما اشتق منه من اسم الفاعل أو المفعول كقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ (لقمان: ١١) والتقدير: مخلوق الله، وقوله كذلك: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ (البقرة: ٢٥٥) أي: بمعلومه حيث أطلق المصدر في الآيتين وأريد اسم الفاعل. ومنها العموم والخصوص. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ (آل عمران: ١٧٣) فالمراد بلفظ الناس الأول المثبطون، وبالثاني أبو سفيان ومن معه من المشركين، وكقوله : ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (النساء: ٥٤) فالمراد بالناس النبي ﷺ وأصحابه -رضوان الله عليهم- فهنا ذكر لفظ العموم في الآيتين وأريد به الخصوص.
كل هذه علاقات تندرج تحت المجاز المرسل.
من هذه العلاقات -وهذه العلاقة بالذات على العكس مما سبق- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ (الأحزاب: ١) وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (الطلاق: ١) فهنا ذكر لفظ النبي ﷺ في الآيتين -يعني: الخصوص- وأريد به كل مكلف، فهو من إطلاق لفظ الخاص وإرادة العام. من هذه العلاقات غير المشتهرة علاقة الضدية كقولنا: سرت في مفازة ممتدة، والمراد صحراء مهلكة. وقولنا: انظر أيها الأعمى، في مقام التوبيخ فالمراد بلفظ الأعمى البصير، وكذا إطلاق لفظ السليم على اللديغ أو الجريح، وإطلاق لفظ الملآن على الفارغ. ومنها علاقة الإطلاق والتقييد وهي أن يكون اللفظ مقيدًا فيطلق عن قيده كما في قول رؤبة:
ومقلة وحاجبًا مزججًا ... وفاحمًا ومرسنًا مسرجًا
فالمرسن اسم لمحل الرسن، وهو أنف البعير، أطلق عن قيده وأريد به مطلق أنف، فصح إطلاقه على أنف الإنسان باعتباره أحد أفراد هذا المطلق. ومن ذلك
стр. 207
إطلاق المشفر على شفة الإنسان وهي في الأصل للبعير، وإطلاق الخرطوم على أنفه وهو في الأصل للفيل كما في قوله تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ (القلم: ١٦) حيث أطلق الخرطوم على أنف الوليد بن المغيرة وهو في الأصل للفيل.
فالمجاز على ما أفاده كل من السكاكي وعبد القاهر هنا خالٍ من الفائدة؛ لأنه لا يخرج من استعمال اللفظ في أعم مما وضع له، أو عن استعمال المقيد في مقيد آخر، هذا ما ارتآه كل من السكاكي وعبد القاهر، لكن يمكن أن يصبح مفيدًا لو أفاد معنًى، كأن يفيد الذم مثلًا أو الهجاء، فإنه عند ذلك يصير مفيدًا، ويخرج من دائرة المجاز المرسل إلى دائرة الاستعارة المفيدة، إذ تصبح علاقة المجاز حينئذ المشابهة.
من ذلك قول الفرزدق في الهجاء:
فلو كنت ضِبيًّا عرفت قرابتي ... ولكن زنجي غليظ المشافر
يريد: ولكنك، لكنه حذف الكاف للضرورة الشعرية، "ولكن زنجي غليظ المشافر"، شبه شفتيه بشفتي البعير في الغلظ ثم استعمل لفظ المشبه به في المشبه على طريق الاستعارة، وهو يرمي بذلك إلى ذمه وتقبيح صورته.
إلى غير ذلك مما لا يدخل معنا في باب المجاز المرسل.
بهذا نكون قد وقفنا على هذا الضرب من فنون القول، وعرفنا أن علاقات المجاز المرسل على تنوعها وتعددها هي لغير المشابهة، وأن هذا هو الذي يفرق بينها وبين الاستعارة التي علاقتها المشابهة.
خصائص وأسرار الاستعارة
وحان لنا أن نشير إلى بعض خصائص المجاز اللغوي بنوعيه الاستعارة والمجاز المرسل، وأن نطلع على نماذج توضح توضح قيمة كل منهما وأهميته وأثره الذي يحدثه في نفس المخاطب أو المتلقي:
ونبدأ بذكر بعض خصائص الاستعارة ومزاياها فنقول:
إن من أهم خصائص الاستعارة تجسيد المعاني، وتشخيص المجردات، وخلع الحياة على من لا حياة فيه، فتصبح المعنويات والأمور المجردة شاخصة أمام الأعين، ويصير فاقد الحياة
стр. 208
بالاستعارة حيا متحركا. ولننظر مثلًا إلى قول الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ (التكوير: ١٧، ١٨) فقد استعير التنفس لظهور الصبح وانتشار ضوئه، وثمة فرق بين الظهور وانتشار الضوء وبين التنفس، ذلك أن الاستعارة هنا بثَّتْ في الصبح الحياة وأضفت عليه صفات الكائن الحي، وفيها بالإضافة إلى ذلك إيحاء بثقل الليل وكربه وهمومه، وكأن في ظهور ضوء الصبح إزاحةً لهذه الكربات وإزالةً لتلك الهموم، وكأن الصبح يلتقط أنفاسه بزوال ظلمات الليل.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾ (الملك: ٦، ٧) فقد استعير الشهيق للصوت الفظيع، وقوله : ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ (الأنبياء: ١٨) فقد استعير القذف للإيراد والدمغ للإذهاب، ولا يخفَى ما في الاستعارتين من بث الحياة في جهنم ومن تجسيد الحق والباطل، حتى كأن الحق قذيفة أصابت الباطل فقضت عليه ومحقته.
من ذلك أيضا قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ (هود: ٧٤) فهنا جسَّدَ القرآن الروعَ إنسانًا يذهب والبشرى شخصًا يجيء. وبمثل ذلك يقول تعالى في وصف النار: ﴿إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ (المعارج: ١٤ - ١٨) فجعل النار داعيةً دعو أصحابها إليها والناس عنها في انصراف.
ومثله كذلك قوله في وصف الأرض القاحلة المقفرة: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (الحج: ٥) ويقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ (فصلت: ٣٩) فالأرض مرة تكون هامدة ومرة تكون خاشعة، فتخلع عليها صفات
стр. 209
الحي؛ تشخيصًا لها وتجسيمًا، وعلى القول بأن ما من شيء إلا يسبح بحمده ليس ما يمنع في هاتين الآيتين -وما جاء على شاكلتهما- أن يُحملَا على الحقيقة.
أيضًا يقول المولى فيما يدل على أن مجاز الاستعارة فيه ما فيه من التشخيص -تشخيص المعاني وتجسيدها- قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ (الحجر: ٢٢) فقد خلعت الآية على الرياح صفات الحيوانية التي من صفاتها التلقيح والتوالد.
ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (يونس: ١٠٨) وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ (الأحزاب: ١٩) فالحق والخوف من الأمور المعنوية التي لا يتصور منها إتيان أو مجيء، لكنها شُبهت بمن يكون منه الإتيان والحركة؛ تجسيمًا للمعنويات وتشخيصًا لها. ومعلوم أن جوهر الشعر كله بكل لغة هو التأثير الشديد في النفوس، فالشعر لا يلجأ إلى المنطق ولا إلى الحجة كما في النثر ولا يخاطب العقل بل وجهته الروح والقلب والعاطفة، وليكون الشعر مؤثرًا في النفوس وأعلق بالقلوب وأطرب للأفئدة، فيجعل الشاعر طريقة التصور منهجًا، ويتخذ من التمثيل والتصوير سبيلًا لصوغ شعره.
ويروَى أن بشارًا سمع أبا العتاهية ينشد الخليفة المهدي قصيدته التي يقول فيها:
أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرجر أذيالها
فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها
ولو رامها أحد غيرُه ... لزلزلت الأرض زلزالها
هنا عندما سمع بشار هذه الأبيات وكان أعمى، قال لصاحبه: انظر ويحك هل طار الخليفة عن فرشه، وكأن عجب بشار لما في تصوير أبي العتاهية وإبداعه في التمثيل وبلوغه الغاية في التخييل، مما جعل التأثير في السامع قويًّا وشديدًا.
стр. 210
وانظر مثلًا إلى -مع قول أبي العتاهية- قول سامي البارودي عندما يقول:
إذا استل منهم سيد غرب سيفه ... تفزعت الأفلاك والتفت الدهر
فنجد أن الخِلافة والأفلاك والدهر قد تحولت بالاستعارة إلى كائنات حية؛ تفزع وتتلفت وتمشي في عجب وحياء، وقد صارت للخلافة المنقادة أذيال تجررها.
وتأمل معي قول أبي ذؤيب وقد سبق ذكره:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع
فهنا نجده قد أبرز المنية في صورة محسوسة مشاهدة، إذ جعلها سَبْعًا يفتك وينشب أظفارًا.
ومن خصائص الاستعارة -إلى جانب ما ذكرنا من تجسيد المعنويات- الإيجاز، فإن الاستعارة تعطي المعاني الكثيرة بألفاظ قليلة يسيرة. خذ مثلًا قول ابن المعتز:
أثمرت أغصان راحته ... لجناة الحسن عُنابا
وقد استعيرت الأغصان للأصابع، والعناب للأنامل، والمعنى: أثمرت أصابع يده الشبيهة بالأغصان بنانًا مخضوبةً كالعناب، ولا يخفى عليك ما أحدثته هذه الاستعارة من إيجاز، مع حسن بيان وجمال تصوير.
ومن خصائصها كذلك المبالغة في تأكيد المعنى وتفخيمه؛ لأنها قائمة على تناسي التشبيه، وادعاء أن المشبه صار فردًا من أفراد المشبه به، ولذا كان قولنا: رأيت بدرًا وأضاء محمد الأرض شرقًا وغربًا أبلغ من قولنا: محمد كالبدر، وهو التشبيه الذي بنيت عليه الاستعارة، وذلك أن الاستعارة قد صيرت محمدًا فردًا من أفراد البدور؛ مبالغةً وادَّعاءً.
وتأمل مثلًا إلى ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ (الحاقة: ١١) وقوله : ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ (الحاقة: ٦) فقد استعير
стр. 211
الطغيان لزيادة الماء وارتفاعه، واستعير العتو للشدة، والاستعارة فيهما أبلغ؛ لأنها في الطغيان دلالة على الغلبة والقهر والعتو شدة فيها تمرد. وقد يُتبَع المستعار بملاءمات المستعار منه ويبالغ في ذلك، حتى ينزل منزلة الحقيقة على ما مر بنا في الاستعارة المرشحة.
من خصائص الاستعارة كذلك حسن البيان، وتحريك المشاعر، وتنبيه العقول، وتنشيط الأذهان، ولا يخفى عليك إدراك ذلك فيما مر بك من الشواهد، ففي قول الله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (مريم: ٤) تجد أن التعبير عن ظهور الشيب وانتشاره بالاشتعال قد أبرز الشيب في صورة واضحة بينة تجذب المشاعر، وتنبه العقول إلى أن انتشار الشيب لا يمكن تلافيه ودفعه، كما أن شواظ النار لا يتلافى.
هذا والاستعارة -كما رأينا- مبنية على التشبيه فيشترط لحسنها أن يكون التشبيه حسنًا، وحسن التشبيه -على ما هو قد مر بنا- يحصل بكون وجه الشبه كثير التفصيل، وكون المشبه به نادر الحضور في الذهن عند حضور المشبه وأن يحقق الغرض منه، فكذلك الاستعارة تحسن إذا كان الجامع بين المستعار له والمستعار منه مفصلًا، كما جاء مثلًا في قول امرئ القيس:
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازًا ونال بكلكل
فهنا يصف الليل، وقد استحسنه الآمدي وجعله من أجود الاستعارات؛ لأن امرأ القيس وصف أحوال الليل الطويل، فذكر امتداد وسطه وتثاقل صدره وترادف أعجازه، فلما جعل له وسطًا ممتدًّا، وصدرًا ثقيلًا، وأعجازًا مرادفة لوسطه، استعار له اسم الصلب، وجعله متمطيًا من أجل امتداده واسم الكلكل، وجعله نائيًا لتثاقله واسم العجز من أجل نهوضه، هذا التفصيل شفع لامرئ القيس ما كان قد عابه عليه بعضهم من أن بعض استعاراته مبنية على البعض الآخر.
стр. 212
كذلك يتمثل حسن الاستعارة فيما إذا كان المستعار منه نادر الحضور في الذهن عند حضور المستعار له، كاستعارة الطغيان لارتفاع الماء في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ (الحاقة: ١١) وتحسن كذلك إذا كان الغرض منها محققًا كالاستعارة في قولك مثلًا: أراك تنفخ في رماد وتضرب في حديد بارد، لمن يجهد نفسه في عمل لا فائدة فيه، ومعلوم أن الاستعارة قائمة على تناسي التشبيه كما قلنا وعلى ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به، ولذا فهي تحسن عندما لا يذكر في الكلام سوى المشبه به نحو: رأيت قمرًا يتحدث.
أما إذا ذكر في الكلام ما يشتم منه رائحة التشبيه، بأن يذكر المشبه مثلًا بوجه ينبئ عن الاستعارة لا عن التشبيه؛ فإن ذلك يقلل من حسنها، ومثال ذلك قولك مثلًا: محمد أسد، ورأيت رجلًا مثل الأسد، وهذا رجل أسد، فإن هذا يبطل الاستعارة على أرجح الأقوال، ويعود بالكلام إلى التشبيه.
هذا في الاستعارة التصريحية.
أما في المكنية فمن الواضح أن يصرح فيها بلفظ المشبه، ويسند إليه لازم المشبه به، ومما يقلل من حسن الاستعارة أيضًا غموض وجه الشبه الجامع بين المستعار له والمستعار منه؛ لأن الاستعارة -كما قلنا- مبنية على تناسي التشبيه، فإذا أضيف إلى هذا التناسي غموض وجه الشبه تضاعف الخفاء وصارت الاستعارة ألغازًا وتعمية.
أما التشبيه فيحسن فيه خفاء وجه الشبه -كما مر بنا- لإمكان تقريبه بذكر المشبه أو إزالة الخفاء بذكر الوجه والتصريح به، وعليه فيجوز أن نقول: هذا الرجل كالأسد في نتن الفم مثلًا لزوال الخفاء بذكر وجه الشبه، ولا يجوز أن نقول: رأيت أسدًا ونريد رجلًا أبخر نتن الفم. ونقول: الناس كإبل ماءه لا تجد فيها
стр. 213
راحلة، هذا وارد عن النبي ﷺ ولا نقول: رأيت إبلًا ماءه لا أجد فيها راحلة، وتريد رجالًا كثيرين ليس بينهم إلا رجل واحد متميز بصفة الكمال، وذلك لخفاء وجه الشبه في الاستعارة، وزوال هذا الخفاء بذكر المشبه في التشبيه.
وإذا قوي وجه الشبه ووضح وضوحًا تامًّا بين المشبه والمشبه به كتشبيه العلم مثلًا بالنور في البياض والإشراق، وتشبيه الشبهة والبدعة بالظلام في السواد، فعندئذ تحسن الاستعارة ولا يحسن التشبيه؛ لأنه يصبح كتشبيه الشيء بنفسه، فيحسن أن تقول: امتلأ قلبي نورًا وتريد علمًا ومعرفةً، وتقول: صار فلان في قلبه ظُلمة، وتريد شبهة وشكًّا، ولا يحسن أن تقول: امتلأ قلبي علمًا وإيمانًا كالنور، وصار في قلب فلان شك وشبهة كالظلمة.
ونلاحظ فيما سبق أن ما عابه النقاد واستقبحوه ليست الاستعارة المكنية في حد ذاتها، وإنما هي الاستعارة التخييلية أي: إثبات لازم المشبه به للمشبه، وكأنهم رأوا في هذا الإثبات خروجًا عن المألوف والمعهود الذي اعتاده العرب، فقد اعتادوا جعل الدهر إنسانًا وصفوه بالوفاء والغدر وجعلوا له ساعدًا، وألفوا جعل المنية سبعًا وتخيلوا لها أظفارًا، ولكنهم لم يجعلوا للدهر أُخدعًا، ولم يجعلوا للمعروف كبدًا، ولا للدجى يافوخًا، ولا للعرض كعبًا، ولا للمال رِجلًا. قد أدرك النقاد كل ذلك، فأرادوا ألا يشتط الأدباء في تصوراتهم وتخييلهم، ويتجاوزوا حدود التصورات المألوفة والمعهودة لدى العرب، كما هو حادث في شعر الحداثة على سبيل المثال.
إذن مما تقدم يتضح لنا أن حسن الاستعارة يتوقف على عدة أمور؛ أهمها حسن التشبيه الذي بنيت عليه، وقرب وجه الشبه ووضوحه، وألا يذكر في الكلام ما يشتم منه رائحة التشبيه، فإن فُقِدَ أمر من هذه الأمور قلل فقدانه من حسن
стр. 214
الاستعارة وروعتها، وقد حاول النقاد وضع ضوابط للاستعارة، بحيث يُعد الخروج عن تلك الضوابط عيبًا وقبحًا.
ومن أهم تلك الضوابط:
١ - أن تكون هناك مناسبة في العرف والعادة بين المستعار له والمستعار منه.
٢ - أن يكون هناك وجه جامع بين المستعار له والمستعار منه، وكلما قرب هذا الوجه حسنت الاستعارة، وكلما بعد وغمض قلل ذلك من حسنها، فإن اشتد غموض الوجه وبعد جدًّا عد ذلك عيبًا.
الضابط الثالث: مدى قبول النفس والأذواق للاستعارة أو نفورها منها.
ومعا نقتطف بعضًا من ثمرات هذا اللون وبخاصة في كلام الله؛ لنرى كيف يكون التدبر لما جاء في كلام الله، ومدى تأثير مجاز الاستعارة في النفس.
في كتابه (التصوير البياني) يذكر الدكتور محمد أبو موسى بعض الآيات كشواهد، نذكر من ذلك ما جاء في قول الله تعالى في شأن بني إسرائيل: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الأعراف: ١٦٨) وهنا نرى التعبير عن التفرق بالقطع والقطع إنما يكون للأشياء المتماسكة كالشجر أو الخشب أو الثوب وما شابه ذلك، وإنما يقال في الأقوام: تفرقوا، لكن استعير التقطيع للتفريق وهي استعارة قريبة.
قال عبد القاهر: إن القطع إذا أطلق، فهو لإزالة الاتصال من الأجسام التي تلتزق أجزاؤها، وإذا جاء في تفريق الجماعة وإبعاد بعضهم عن بعض كقوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ كان شبه الاستعارة، وإن كان المعنى في
стр. 215
الموضعين على إزالة الاجتماع ونفيه. فإن قلتَ: قطع عليه كلامه، أو قلت: نقطع الوقت بكذا كان نوعًا آخر، ثم إن هذه الاستعارة التي تشبه الحقيقة أو التي هي شبه الاستعارة -كما يقول عبد القاهر- قد أَثْرَتْ المعنى بما لا تجده في مثل قولنا: وفرقناهم في الأرض أممًا؛ وذلك لأن التقطيع يشير إلى معنى نفسي دقيق؛ هو هذه الوشائج والعلائق التي تقوم بين الجماعة القائمة في مكان واحد والمجتمعة في أرض واحدة، والتي هي أشبه باللحمة في الثوب. وقوله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ﴾ يشير إلى تقطيع هذه الصلات والروابط المتلاحمة والتي تربط الأخ بأخيه والوالد بولده والصاحب بصاحبه، وفي ذلك تصوير لآثار هذا التفريق وفِعله في نفوسهم، وربما لا تجد هذا في كلمة فرقناهم.
وقد جسد القرآن معنى ذهاب روابط النفوس وتواصلها في هذه الكلمة في تصوير حسن، وسياق حافل بمشاعر اللهفة والندم، في قوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (الأنعام: ٩٤) فانظر إلى قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ وكيف كان هذا الاستئناف وهذا القطع في بناء الجملة تهيئة لتجسيد هذا المعنى وتركيزه في كلمة: ﴿تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾.
قال الشريف الرضي: لا فصائل هناك على الحقيقة فتوصف بالتقطع وإنما المراد: لقد زال ما بينكم من شبكة المودة وعلاقة الألفة التي تشبه -لاستحكامها- بالحبال المحصدة والقرائن المؤكدة.
ومثل هذا تجده في قول الله تعالى في شأن سبأ الذين كان لهم في مسكنهم آية: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ (سبأ: ١٥) والذين كانوا يتواصلون ويهنئون في بلدة
следующие страницы →