← Баляга

Баляга · id 11200

البلاغة 1 - البيان والبديع - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (467 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

من الكاف، وأنها تستعمل حيث يقوى الشبه؛ حتى يكاد الرائي يشك في أن المشبه هو المشبه به أو غيره. هذا الكلام ذكره السبكي في (عروس الأفراح)، وذكره كذلك القرطاجني في كتابه (منهاج البلغاء)، من هنا ندرك عظمة القرآن، ودقة التعبير حين ينتقي لفظ ويؤثره على لفظ آخر؛ ففي هذا دلالة على أن انتقاء الألفاظ المناسبة الدالة المعبرة، هو الذي يسود دائمًا في كلام الله . هذا وينقسم التشبيه بهذا الاعتبار -أعني: باعتبار ذكر الأداة وحذفها- إلى قسمين، فهناك تشبيه مرسل، وهناك تشبيه مؤكد، فالتشبيه المرسل ما ذُكرت فيه أداة التشبيه نقول مثلًا: أنت كالأسد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (الفيل: ٥)، وقوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ (الحديد: ٢١)، وهناك التشبيه المؤكد، وهو ما حُذفت منه أداة التشبيه كقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (النمل: ٨٨) تقدير الآية أي: تمر مرًا كمر السحاب، جملة التشبيه المبنية على حذف الأداة. سؤال كيف تؤكد؟ الجواب: أنها تؤكد بعدة أمور، أولها أن يقع المشبه به خبرًا لمشبه؛ سواء أكان ذلك المشبه مذكورًا في الكلام، أم محذوفًا فمثلًا قول الشاعر: هم البحور عطاء حين تسألهم ... ......... ................ .. هنا المشبه مذكور، وكذلك قول امرئ القيس: فعيناك غربا جدول في مقاضة ... كمر الخليج في صفيح مصوب

стр. 72

هنا يشبه سيلان الدموع من العينين بسيلان الماء من غربي الجدول غربا يعني: الدلوان، وأداة التشبيه محذوفة، وقد وقع المشبه به خبرًا للمشبه، ثم شبه سرعة جريان الدموع في العينين بسرعة مر الماء في الخليج المنحدر تشبيهًا مرسلًا؛ لأن الأداة مذكورة، كذلك المشبه المقدر ما جاء في قوله تعالى مثلا: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (البقرة: ١٨) وكذلك في قول عمران بن حطان يذكر الحجاج: أسد علي وفي الحروب نعامة ... فطخاء تنفر من صفير الصافر فالمشبه مبتدأ محذوف تقديره: هم صم، وهو أسد، ونعامة، وقد وقع المشبه به خبرًا له، تؤكد كذلك جملة التشبيه المبنية على حذف الأداة بأن يقع المشبه به حالًا صاحبها هو المشبه، كما في قوله تعالى مثلًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (الأحزاب: ٤٥، ٤٦)، ففي الآية الكريمة يشبه النبي ﷺ بالسراج المنير، والمشبه به حال، وصاحب الحال هو الضمير المنصوب العائد على النبي ﷺ في قوله ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ كذلك يؤكد التشبيه المحذوف الأداة بأن يقع المشبه به مضافًا إلى المشبه كقول الشاعر مثل: والريح تعبث بالوصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء فهنا شبه الماء وهو المضاف إليه باللجين، وقد وقع المشبه به هو اللجين مضافًا إلى المشبه وهو الماء، أما ذهب الأصيل فمقصود به أشعة الشمس قبيل الغروب. إذن فهو مشبه والذهب مشبه به، ويكون هذا من إضافة المشبه به إلى المشبه. كذلك من هذا الضرب ما جاء في قول الشاعر يصف تقوس الهلال: كأنما أدهم الإظلام حين نجا ... من أشهب الصبح ألقى نعل حافره

стр. 73

فهنا شبه ظلام الليل فالفرس الأدهم، وفي هذه الصورة العجيبة النادرة الغريبة غير المبتذلة نرى أن الشاعر يشبه هذا الظلام ظلام الليل بالفرس الأدهم، ويشبه كذلك الصبح بالفرس الأشهب، وقد وقع المشبه به مضافًا إلى المشبه في التشبيهين، ثم استعار نعل الحافر للهلال، ونرى في البيت تخييلًا حسنًا بديعًا؛ حيث صور الشاعر لنا معركة بين الليل والصبح، انتصر فيها الصبح وفر الليل منزعجًا من مطاردة الصبح له، واستعان الليل على سرعة الفرار والهرب بإلقاء نعله؛ ليكون ذلك عونًا له على سرعة الفرار والنجاة، وقد أخذ الشاعر من مخلفات المعركة نعل حافر الفرس، فشبه به الهلال وبنى على التشبيه استعارته الغريبة، مثل ذلك أيضًا قول الشريف الرضي يدعو الله أن يرطب قبور أحبابه: أرسى النسيم بواديكم ولا برحت ... حوامل المزن في أجداثكم تضع ولا يزال جنين النبت ترضعه ... على قبوركم العراضة الهمع فهنا يشبه المزن بالحوامل، ويشبه النبت بالجنين، وقد وقع المشبه به وهو الحوامل، والجنين مضافًا إلى المشبه، وهو المزن والنبت، والمعنى ما زال السحاب الممتلئ الماء الشبيه بالحوامل الممتلئة بطونها بالأجنة، يسقط على قبورك، ولا يزال النبات الأخضر المورق الشبيه بالأجنة الصغيرة يرويه على قبوركم السحاب الممطر. أما الوضع والإرضاع فهما إذن ترشيح للتشبيه، كذلك تؤكد جملة التشبيه المبنية على حذف الأداة بأن يقع المشبه والمشبه به مفعولين لفعل من الأفعال التي تنصب مفعولين مثل: علم، ورأى، وحسب، وظن، وخال، ونحوها، فهذه الأفعال تنبئ بالتشبيه، وترشد إليه، وليست أدوات؛ بل الأداة تكون مقدرة كما سبق أن ذكرنا.

стр. 74

من ذلك مثلًا قولنا: علمت محمدًا بحرًا، ورأيته أسدًا، وحسبت الرجل شمسًا، وخلته بدرًا، وظننته كوكبًا؛ فوقع في كل هذه الأمثلة كل من المشبه والمشبه به مفعولين للأفعال المذكورة، وهذه الأفعال قد أنبأت بالتشبيه. أما الأداة فهي مقدرة، والتقدير: علمت محمدًا كالبحر وكالأسد إلى أخر ذلك، من ذلك أيضًا قول البحتري: وإذا الأسنة خالطتها خلتها ... فيها خيال كوكب في الماء فهنا شبه الأسنة إذا خلطتها الدروع بخيال الكواكب تبدو في الماء بجامع الصفاء واللمعان، ولا يخفى أن المشبه والمشبه به قد وقعا مفعولين للفعل خال، الذي أرشد إلى التشبيه، وأن أداة التشبيه هي الكاف المقدرة، والتقدير: خلتها فيها كخيال كواكب في الماء. أغراض التشبيه وننتقل الآن إلى حديث البلاغيين عن الركن الخامس، وهو أغراض التشبيه أي: الأسباب والدواعي التي تحمل الأديب على عقد التشبيه، أو بمعنى آخر الغاية التي يرمي إليها البليغ بتشبيهه، ويقصد إلى تحقيقها، أو الفائدة التي يريد المتكلم أن يوصلها إلى السامع باستخدام الأسلوب التشبيهي. هذه الأغراض منها ما يعود إلى المشبه، ومنها ما يعود إلى المشبه به. نبدأ بالحديث عن الأغراض التي تعود على المشبه: أول هذه الأغراض: ما يسمى ببيان إمكان وجوده، وذلك عندما يكون المشبه من الأمور الغريبة التي يستبعد حصولها، ويدعى استحالتها، كما جاء مثلًا في قول المتنبي: فإن تفق الآنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال

стр. 75

فهنا يدعي المتنبي أن ممدوحه قد تناهى في الصفات الفاضلة إلى حد صار به جنسًا منفردًا بذاته أشرف من جنس الإنسان، وهو في الواقع منهم، وهذه دعوى بعيدة غريبة، تحتاج إلى بيان إمكانها، وإثبات أن لها نظيرًا في الموجودات الثابتة؛ ولذا قال: فإن المسك بعض دم الغزال. وعلى الرغم من أنه من جنس الدماء -أي: المسك- إلا أنه تناهى في الصفات الشريفة إلى حد يُتوهم لأجله أنه نوع آخر غير الدم؛ لتفوقه بشرف رائحته، والتشبيه كما هو ملاحظ في البيت ضمني، المشبه حال الممدوح في تفوقه على أهل زمانه تفوقًا صار به كأنه جنس منفصل عنهم، شبه به حال المسك في تفوقه بشرف رائحته على الدماء حتى صار كأنه جنس آخر، ووجه الشبه خروج بعض أفراد الجنس بفضائله عن جنسه مع ملاحظة الأصل في بقائه داخل الجنس بالانتساب إليه، والغرض من التشبيه -كما علمنا- هو بيان إمكان المشبه بإثبات نظير له، كما هو واضح في البيت، يدخل في هذا الغرض ما جاء في قول البحتري: دانٍ على أيدي العفاة وشاسع ... عن كل ندٍّ في الندى وضريب كالبدر أفرط في العلو وضوءه ... للعصبة السارين جد قريب فهنا يصف الشاعر الممدوح بصفتين متناقضتين في الظاهر، وهما الدنو والعلو، ثم زال هذا التناقض الظاهري بالمشبه به الذي بيَّن أنه لما ادعاه الشاعر نظيرًا في الوجود، كذلك قول ابن الرومي يقول: قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم ... كلا لا عمرو ولكن منه شيبان كم من أب قد علا بابن ذرا شرف ... كما علا برسول الله عدنان فالمشبه أبو الصقر، وقد شرفت به قبيلته، وتلك دعوى غريبة؛ لأن العادة أن يشرف الفرع بالأصل، دائمًا الإنسان يشرف بأبيه وبأجداده، لا العكس، لكن

стр. 76

المشبه به وهو رسول الله ﷺ ، وقد شرفت به عدنان أي: العرب قاطبة، قد أزال هذه الغرابة؛ إذ بين أن لما ضرب به المثل نظيرًا في الوجود. الأمر الثاني من أغراض التشبيه العائدة على المشبه: بيان حال المشبه، معنى إيضاح صفته، وذلك إذا كانت صفة المشبه مجهولة، وحاله غير معلومة للمخاطب؛ فيقصد المتكلم إلى بيان هذه الصفة، وإلى إيضاح تلك الحالة عن طريق شبه به قد وضحت فيه هذه الصفة الغريبة، وذلك بغرض إزالة هذه الغرابة. نأخذ من ذلك مثلًا قول الأعشى حين يقول: كأن مشيتها من بيت جارتها ... مر السحابة لا ريث ولا عجل فهنا شبه مشية المرأة من بيت الجارة حين تزورها حاملة لها ما جادت به نفسها، بمرور السحابة التي تحمل المطر، والغرض من ذلك هو بيان حال المشبه، كذلك مما يدخل في هذا الغرض ما جاء في قول شاعر آخر: كأن سهيلًا والنجوم وراءه ... صفوف صلاة قام فيها إمامها فهنا يشبه هيئة سهيل، وقد تقدم النجوم بهيئة الإمام يتقدم الصفوف في الصلاة، والغرض هو بيان حال المشبه، وإبراز هيئته. ومن ذلك أيضًا تشبيه الشعر بالليل في السواد، والوجه بالبدر في الإشراق، والخد بالورد في الحمرة، فكل هذه التشبيهات أفادت المخاطب، لون الشعر، وإشراق الوجه، وحمرة الخد؛ فاتضح لديه حال المشبه، وبانت عنده صفة هذا المشبه. الأمر الثالث، أو الغرض الثالث الذي يعود على المشبه: بيان مقدار الحال، وذلك إذا كانت صفته معلومة للمخاطب، والمجهول هو المقدار في القوة والضعف أو الزيادة والنقصان، فنرى مثلًا في قولنا سواد هذا الشعر كسواد الليل، وحمرة

стр. 77

هذا الخد كحمرة الورد؛ فالمخاطب يدرك من التشبيه هنا مقدار السواد والحمرة، لا نفس الصفة، ومنه قول الحسن بن وهب: مداد مثل خافية الغراب ... وأقلام كمرهفة الحداد فمرهفة الحداد يعني: الدقيق القاطع من السيوف، فسواد المداد معلوم، والتشبيه أفاد درجة، أو مقدار شدته، ورهافة الأقلام معروفة، والتشبيه أفاد عظم دقتها، من ذلك أيضًا قول شاعر: فأصبحت من ليل الغداة كقابض ... على الماء خانته فروج الأصابع فقد أفاد التشبيه مقدار حاله في علاقته بفتاته، وأنه بلغ أقصى غاية في الحرمان وخيبة الأمل. نأتي إلى الغرض الرابع من أغراض التشبيه العائد على المشبه: تأكيد حال المشبه وتقريرها في نفس السامع، وذلك إذا كان كل من الحال ومقدارها معلومين، وأريد بالتشبيه تأكيد اتصاف المشبه بالصفة، كتشبيه من لا يحصل من سعيه مثلًا على طائل بالراقم على الماء، وبالقابض عليه، وتشبيه الحائر الذي يتخبط في أمره بالتائه في صحراء مظلمة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ (الأعراف: ١٧١). فهنا بيَّن التشبيه في الآية ما لم تجرِ به العادة، وهو رفع جبل الطور فوق رءوس اليهود بما جرت به العادة، وهو الغمامة، أو المظلة، وذلك لتأكيد وتقرير هذا الأمر الحاصل. ففي هذه الأمثلة التي سبق أن ذكرناها نجد أن المقدار والحال معلومين، ولكن المراد هو تأكيد اتصاف المشبه بالصفة. من هذه الأغراض التي يسوقها المتكلم، ويعود الغرض فيها على المشبه: تزيين المشبه وتجميله، وذلك إذا كان المراد مدح المشبه، والترغيب فيه كقول النابغة مثلًا مادحًا: فإنك شمس والنجوم كوكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب

стр. 78

وقول الآخر يصف جارية سوداء: أكسبها الحب أنها صبغت ... صبغة حب القلوب والحدق فهنا أبرز التشبيه في البيتين تزيين المشبه للترغيب فيه؛ إذ المراد بحبة القلب، هي سويداء القلب، وبالحدق ما يكون في العين من أداة للبصر، فهنا أبرز التشبه في البيتين تزيين المشبه للترغيب فيه. كذلك من الأغراض التي تعود في التشبيه على المشبه تشويه المشبه وتقبيحه، وذلك عند إرادة الذم والتنفير منه كقول الشاعر: وإذا أشار محدثًا فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم هنا نجد أن هذه التشبيهات قد أبرزت المشبه في صورة مشوهة قبيحة، قد أشار ابن الرومي إلى الغرضين السابقين التزيين والتقبيح بقوله: تقول هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن تعب قلت ذا قيء الذنابير عند فعند إرادة تزيين الريق وتجميله نصفه بمجاج النحل، وعند إرادة التقبيح والتنفير منه نشبهه بقيء الزنبور، من هذه الأغراض التي تعود على المشبه إثارة الشعور باستحسان المشبه واستطرافه، ذلك بأن يكون المشبه به مما يندر خطوره بالبال؛ لكونه لا وجود له في الواقع، أو للبعد بين المشبه المشبه به في الجنس، فيظهر المشبه عندئذٍ في صورة الشيء العجيب الذي يثير في النفس كوامن الاستحسان والإعجاب.

стр. 79

من ذلك تشبيه فحم فيه جمر متقد ببحر من المسك موجه الذهب، وتشبيه محمر الشقيق بأعلام من ياقوت منشورة على رماح من زبرجد، وتشبيه النجوم في أديم السماء بدرر نثرن على بساط أزرق؛ ففي هذه التشبيهات نجد المشبه به من المركبات الخيالية التي يندر خطورها بالذهن؛ ولذا برز المشبه في صورة عجيبة ممتنعة تثير في النفس كوامن الاستحسان، والإعجاب، والاستطراف. ومن التشبيهات التي جمع فيها الشاعر بين طرفين متباعدين في الجنس، فأثار بهذا الجمع استحسان النفس واستطرافها لمشبه تشبيه الثريا بعنقود العنب المنور، وتشبيه البرق بمصحف القارئ، وتشبيه الفرس بجلمود الصخر، فمجيء المشبه به في هذه التشبيهات من جنس بعيد عن جنس المشبه يجعل حضور المشبه به، وخطوره بالبال نادرًا عند حضور المشبه فيه. الأمر الذي يحتاج من الأديب إلى إطالة النظر ليجمع بين الطرفين المتباعدين، ومن هنا كان استحسان بيت على بيت، وكان استطراف بيت على بيت. هناك أيضًا أغراض للتشبيه يعود الغرض فيها على المشبه به، من ذلك التشبيه المقلوب الذي يُجعل فيه ما هو الأصل في وجه الشبه مشبهًا، وما هو الفرع مشبهًا به، فهو يقوم أساسًا على الفرد والتخييل والادعاء، بجعل ما هو فرع في وجه الشبه أصلًا فيه، وما هو أصل فرعًا؛ قصدًا إلى المبالغة في ثبوت وجه الشبه للفرع الذي صار أصلًا، ولذا فإن الغرض العائد على المشبه به في التشبيه المقلوب هو في الواقع عائد على المشبه؛ لأن المشبه به كان في الأصل مشبهًا قبل أن يُقلب التشبيه، وبالمثال يتضح المقال، ففي قول ابن وهيب في مدح الخليفة المأمون: وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح

стр. 80

نرى أنه جعل ما هو أصل في الضياء -وهو الصباح- مشبهًا، وما هو فرع فيه -وهو وجه الخليفة- مشبهًا به؛ قصدًا إلى المبالغة في إعلاء شأن المأمون، وتأكيد مدحه بإشراق الوجه، نجد ذلك أيضًا في قول البحتري: في طلعة البدر شيء من محاسنها ... وللقضيب نصيب من تثنيها فقد جعل أيضًا ما هو الأصل في وجه الشبه -وهو طلعة البدر والقضيب- مشبهًا، وما هو الفرع فيه -وهو محاسن الفتاة وتثنيها- مشبهًا به؛ بهدف المبالغة في إثبات الوجه لمشبه به وهي الفتاة، ثم ازدادت هذه المبالغة بشيء خارج عن إفادة التشبيه وهو جعل لما في البدر، وما في القضيب شيئًا قليلًا، وندرًا يسيرًا مما يوجد في الفتاة، شيء من محاسنها نصيب من تثنيها. ومنه قول الله : ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥) والأصل أن يقال مثلًا: أن الربا مثل البيع؛ لأن الذي هو محل النزاع هو الربا، لكن هنا جعل الربا مشبهًا به وجعل البيع مشبهًا، فجعل مستحلُّو الربا البيع فرعًا في الإباحة والحل، والربا أصلًا فيهما، وذلك قصدًا إلى المبالغة في إثبات إباحة الربا، واستجابة لأطماع نفوسهم، وشدة حرصهم على جمع المال من أي طريق كان ونعلم تلك الصورة التشبيهية البشعة التي رسمها القرآن للذين يأكلون الربا، وأن الله سبحانه شبههم بأمثال الذين يقومون كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، نجد هذا أيضًا في قول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ (النحل: ١٧) فقد جعلهم الله لتماديهم في عبادة غير الله، وتسميتهم لهذه المعبودات آلهة، بمنزلة من يعتقد أن من لا يخلق أحق بالعبادة ممن يخلق، ولذلك جعل من لا يخلق أصلًا في استحقاق العبادة فشُبه به، فكان الأصل أن يقال: أفمن لا يخلق كمن

стр. 81

يخلق، لكن جعل من يخلق فرعًا مشبهًا عن طريق التشبيه المقلوب؛ مبالغة في تصوير جهلهم، وتماديهم في الشرك، وكان الأصل أن يُنكر عليهم جعلهم غير الخالق شبيهًا بالخالق في استحقاق العبادة. ففي كل هذه الأمثلة نرى أن الغرض من التشبيه عائد على المشبه به، والهدف من ذلك هو المبالغة في اتصاف المشبه به بوجه الشبه، وإيهام أن الوجه في المشبه به أشهر وأقوى منه في المشبه. من هذه الأغراض التي يعود الغرض فيها على المشبه به: بيان شدة الحاجة إلى المشبه به كتشبيه الجائع مثلًا البدر في إشراقه واستدارته بالرغيف؛ لأنه يحلم بهذا الرغيف، وتشبيهه المسك في طيب رائحته بالشواء، وذلك تنبيهًا إلى شدة حاجته للرغيف والشواء، ويُسمى هذا الغرض بإظهار المطلوب، وهو لا يحسن إلا في مقام الطمع في حصول الشيء الذي جُعل مشبهًا به. عندما نقارن في المبالغة بين قولنا مثلًا: لا أدري أوجهه أنور أم الصبح، وغرته أضوأ أم البدر، ونحو ذلك مما يفيد المساواة في الإشراق والإضاءة بين الطرفين؛ حتى أصبح من الصعب التفريق بينهما بالزيادة أو النقصان، وبين قولنا مثلًا: نور الصباح يخفى في ضوء جبينه، ونور الشمس مسروق من نور وجهه، ونحو ذلك مما يفيد أن نور الوجه والجبين تجاوز في الإضاءة والإشراق نور الصباح، وتجاوز كذلك نور الشمس، ونقارن بين هاتين الحالتين وبين المبالغة مثلًا في بيت ابن وهيب: وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح نجد أن المبالغة في البيت قد فاقت المبالغة في الأساليب التي سبقت هذا البيت، وذلك أنه في المثالين الأولين، وهما قولهم: لا أدري أوجهه أنور أم الصبح،

стр. 82

وغرته أضوأ أم البدر، ونحو ذلك، وقفت المبالغة عند حد المساواة بين وجه الممدوح والصبح، وبين غرته والبدر في الإشراق والإضاءة؛ فلم يصلا إلى مرتبة التشبيه في البيت الذي أفاد أصالة وجه الخليفة في الإشراق، وجعل نور الصباح مقيسًا عليه. وفي القولين الأخيرين وهما قولنا مثلًا: نور الصباح يخفى في ضوء جبينه، ونور الشمس مسروق من نور وجهه، ونحو ذلك، جاءت المبالغة على نفس القدر الذي جاءت عليه في البيت مع فارق دقيق، هو أن المبالغة في المثالين مبالغة صريحة مكشوفة ليست مبنية على أصل مسلَّم في عقول الناس؛ لأنها سُبقت بأسلوب الخبر العام المتعرض للصدق والكذب. أما المبالغة في البيت فهي مبالغة مستترة خفية؛ حيث بنيت على أصل ثابت في عقول الناس، وهو أن المشبه به في كل تشبيه أصل في وجه الشبه، والمشبه مقيس عليه، وتجرنا هذه المقارنة والموازنة إلى الحديث عن التشابه، فهل هناك فرق بين التشبيه والتشابه، نعم، ومثاله قول أبي إسحاق الصابي: تشابه دمعي إذ جرى ومدامتي ... فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب فو الله ما أدري أبالخمر أسبلت ... جفوني أم من عبرتي كنت أشرب أراد أن الدمع والمدامة تساويا في الحمرة، أو في الصفاء مساواة جعلته لا يستطيع أن يميز بينهما، ولذا عدل عن التشبيه واستخدم صيغة التشابه، وقد أكد هذه المساواة بالبيت التالي الذي أفاد وقوعه في الحيرة وعدم التمييز بين الدمع المسكوب والخمر المشروب.

стр. 83

ومما يفيد التشابه أيضًا قول صاحب بن عباد في الخمر: رق الزجاج وراقت الخمر ... فتشابه فتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر فهنا ادَّعى المساواة بين الخمر والكأس في الصفاء، فعدل عن التشبيه إلى التشابه، ثم أكَّد هذه المساواة بالبيت الثاني الذي أفاد أنهم أشكلا عليه؛ فلم يستطع أن يميز أحدهما عن الآخر، فالأصل إذن عند إرادة التساوي بين الطرفين استخدام كلمة تشابه، وهذا هو الأفضل والأحسن، لكن يجوز عند إرادة التساوي بين الطرفين في الصفة استخدام صيغة التشبيه كتشبيه غرة الفرس مثلًا بالصبح؛ لقصد المساواة بينهما أيضًا في وجه الشبه، وهو ظهور شيء منير في شيء مظلم، وكتشبيه الصبح بغرة الفرس دون أن نعدُّ ذلك من التشبيه المقلوب الذي يقتضي زيادة المبالغة، وكتشبيهه للشمس أيضًا بالمرآة المجلوة، والمرآة المجلوة بالشمس لمجرد اجتماعهما في الاستدارة والتلألؤ، دون نظر إلى ما بين نور الشمس ونور المرآة من تفاوت، ومنه تشبيه الشمس بالدينار الخارج من السكة في قول ابن المعتز: وكأن الشمس المنيرة دينار ... جلته حدائد الضراب وحدائد الضراب: هي الآلات التي تصكُّ بها العملة، فهنا نجد تشبيه الدينار بالشمس دون نظر إلى ما بينهما من تفاوت في الحجم ومقدار التلألؤ. ومن ذلك أيضًا تشبيه ظهور ضوء الصبح بين ظلام الليل بشيء أبيض على ديباج أسود في قول ابن المعتز: والليل كالحلة السوداء لاح به ... من الصباح طراز غير مرقوم فقد نظر إلى مجرد حصول بياض في سواد أكثر منه، ولم ينظر إلى التفاوت بين مقدار البياض في الصبح ومقداره في العلم الأبيض، وربما سأل سائل إذا كان الطرفان متساويين في وجه الشبه بغض النظر عما بينهما من زيادة أو نقصان،

стр. 84

فما الذي اقتضى جعل غرة الفرس مثلًا مشبهًا، والصبح مشبهًا به، ثم العكس، أو جعل الشمس مشبهًا والمرآة مشبهًا به، ثم قلب التشبيه ما دامت المبالغة بالقلب غير مقصودة. الجواب عن ذلك: أن الذي اقتضى ذلك ليس ملاحظة ما بين الطرفين من زيادة أو نقصان، وإنما ملاحظة أخرى ترجع إلى مقام الكلام، ومدار الحديث، فإذا كان الحديث يدور حول الفرس جعلت غرته مشبهًا، وإذا كان يدور حول الصباح جعل هو المشبه؛ لأن الحديث عنه والغرض من التشبيه متوجه إليه. وكذا القول في الشمس والمرآة، أو الشمس والدينار كان الحديث يدور حول الشمس قدمت وجعلت هي المشبه؛ لأن العناية منصبَّة عليها، والحديث إنما هو عنها، دار الحديث حول الدينار، حول المرآة قُدِّم ما يدور حوله الحديث وجعل مشبهًا؛ لأنه موضع الاهتمام، والغرض من التشبيه متوجه إليه. ونستطيع أن نخلص من كل ما ذكرنا إلى أن الغرض من التشبيه ركن من أركان التشبيه، وأن منه ما يكون الغرض عائدًا على المشبه مثل: إمكان وجوده، أو بيان حال المشبه بمعنى إيضاح صفته، وذلك إذا كانت صفة المشبه مجهولة، وحاله غير معلومة للمخاطب، أو بيان مقدار الحال، وذلك إذا كانت صفته معلومة للمخاطب، والمجهول مقدارها من القوة والضعف، أو الزيادة والنقصان، أو تأكيد حال المشبه وتقريرها في نفس السامع، أو تزيين المشبه وتجميله، أو تشويه المشبه وتقبيحه، أو إثارة الشعور باستحسان المشبه واستطرافه، فكل هذه أغراض تعود على المشبه. وهناك أيضًا أغراض تعود على المشبه به وذلك -كما قلنا- يغلب في التشبيه المقلوب، وهو الذي يجعل فيه ما هو الأصل في وجه الشبه مشبهًا، وما هو الفرع مشبهًا به، والمثال واضح على ذلك قول الشاعر الذي سبق أن ذكرناه: وغدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح

стр. 85

وقلنا: أن الغرض من ذلك هو المبالغة في اتصاف المشبه به بوجه الشبه، وإيهام أن الوجه في المشبه به أشهر وأقوى منه في المشبه، وكذلك يكون الغرض العائد على المشبه به في حال ما إذا كان المراد بيان شدة الحاجة إلى المشبه به، كما قلنا: تشبيه الجائع البدر مثلًا في إشراقه استدارته بالرغيف، رغم أن الأصل أن يُشبه الرغيف بالبدر، لكنه عكس؛ لأن حاجته ماسَّة إلى الرغيف فجعله مشبهًا به. كذلك مما خلصنا إليه: أن هناك فرق بين التشبيه والتشابه، وأن التشابه إنما يُراد به التساوي بين الطرفين في الصفة بخلاف التشبيه الذي يُلحق دائمًا فيه الأدنى بالأعلى. كذلك من الأمور التي ينبغي أن نخلص إليها أيضًا: أن من خلال ما سبق نرى أن التشبيه باعتبار الغرض ينقسم إلى قسمين: فهناك تشبيه حسن مقبول، وتشبيه قبيح مردود، فالحسن المقبول ما كان محققًا للغرض الذي عُقد التشبيه من أجله، وافيًا به بأن يكون وجه الشبه أشهر وأعرف في المشبه به، وذلك في كل غرض من أغراضه، وأتم وأكمل إذا أُريد تأكيد الصفة وتقريرها في المشبه، كتشبيه السفن بالجبال، والرجل الضخم بالفيل، وإذا كان الغرض بيان المقدار فيجب أن يكون الوجه على درجة واحدة في الطرفين، كان الهدف بيان الإمكان؛ وجب أن يكون وجه الشبه مسلمًا به في المشبه به، حاصلًا فيه معترفًا به من المخاطب، وإذا كان الغرض من التشبيه عائدًا على المشبه به؛ فإن صفتي الوضوح والكمال تكونان أكثر في المشبه به على طريق التخييل والادعاء، إلى آخر ما وقفنا عليه من حديثنا عن أغراض التشبيه. أما التشبيه القبيح المردود: فهو ما أخلَّ بالغرض المقصود من التشبيه ولم يفِ به، إما لعدم وجود شبه بين الطرفين، أو لكون الوجه بعيدًا، أو غير واضح في المشبه به،

стр. 86

وإما كذلك لتنافي التشبيه مع الذوق السليم، ومجافاته للطبع القويم، وقد سبق أن ذكرنا أنه قد عيب على الشاعر قوله: غيري جنى وأنا المعاقب فيكم ... فكأنني سبابة المتندم وذكرنا أن وجه الشبه وهو معاقبة البريء وترك الجاني محقق في المشبه دون المشبه به؛ إذ السبابة جزء من المتندم، كأنما يعضُّ عليها عند ندمه تقع العقوبة عليه؛ لأن سبابته جزء منه، وعندئذ لا يكون المعاقب غير الجاني، وذكرنا أن الصلابة في مثل هذا هو ما جاء في قول النابغة يعتذر للنعمان بن المنذر: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وهل يأثمًا ذو إمة وهو طائع لكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذا العرِّي يُكوى غيره وهو راتع إذ قد شبه نفسه وقد أخذه النعمان بذنب لم يفعله، وترك معاقبة الجاني بحال البعير الأجرب إذا أريد شفاؤه، يقوم صاحبه بكيِّ بعير سليم خالٍ من الجرب؛ كي يشفى البعير المصاب الأجرب، وذلك بناء على ما اعتادت عليه العرب في الجاهلية، فمن هذه التشبيهات المعيبة، وغير المقبولة ما قاله آخر: كأن شقائق النعمان فيه ... ثياب قد روينا من الدماء فالتشبيه مصيب، وهو أن يشبه شقائق النعمان بالثياب، والوجه محقق، لكن العيب أتاه من بشاعة ذكر الدماء، وهو بصدد وصف زهر جميل في روض أنيق، فهذا أمر لا يليق، ومن ثَمَّ كان تشبيهًا مردودًا ومعيبًا وغير مقبولة، ولا نريد أن نطيل كثيرًا في هذه التشبيهات المعيبة غير المصيبة، لكن يهمنا أن نذكر ما كان منها حسنًا مصيبًا مقبولًا. ويأتي ضمن هذه التشبيهات الحسنة المحققة للغرض ما يُسمى بالتشبيه الضمني، وهو التشبيه الذي يُفهم من المعنى ويتضمنه سياق الكلام، والفرق بينه وبين التشبيه الصريح، أن التشبيه الصريح يوضع فيه المشبه والمشبه به في صورة من صور التشبيه المعروفة، أما التشبيه الضمني فيُلمح فيه الطرفان من المعنى، ولا تُبنى جملته على إحدى صور التشبيه التي عرفناها، وغالبًا ما يكون المشبه به في التشبيه الضمني برهانًا وتعليلًا للمشبه، مثلًا قول أبي تمام: لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي وقد شبه الشاعر هنا حال الرجل الكريم المحروم من الغنى بقمم الجبال لا يستقر عليها ماء السيل، ولم يأتِ التشبيه صريحًا في صورة من صور التشبيه، بل جاء

стр. 87

ضمنيًّا مفهومًا من معنى الكلام، وقد وقع فيه المشبه به تعليلًا للمشبه. نرى ذلك أيضًا في قول شاعر آخر هو أبو الطيب المتنبي: من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام فقد شبه حال من اعتاد الهوان فسهل عليه تحمله بحال الميت، لا يتألم إذا جُرح، وقد فهم التشبيه من المعنى، فهو إذن تشبيه ضمني، وجاء معبرًا عن معنى دقيق لا بد أن يكون محل اعتبار، من ذلك أيضًا ما جاء في قول المتنبي كذلك: لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء ومنه كذلك قول أبي نواس: إن السحاب لتستحي إذا نظرت ... إلى نداك فقاسته بما فيها ومثل ذلك كثير، وكله يأتي ضمن ما يُسمى بالتشبيه الضمني، وهو التشبيه كما قلنا الذي يفهم من المعنى ويتضمنه سياق الكلام، وهو عادة ما يكون حسنًا مقبولًا. وإلى أن نلتقي وإياكم على خير نستودعكم الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 88

الدرس: ٥ التشبيه (٤) .

стр. 89

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس (التشبيه (٤)) بيان مكانة التشبيه من خلال نماذج من روائع التشبيه الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد: فنختم حديثنا عن هذا الضرب من الكلام، وهو فن التشبيه نختمه بالحديث عن عدة أمور هي من الأهمية بمكان، وتتلخص هذه الأمور، أو تلك العناصر في بيان مكانة التشبيه عند أهل العلم من الأدباء والبلغاء، وكذلك تقديم نماذج من روائع التشبيه تدلل على صدق ما ذهبوا إليه، ثم أخيرًا عن الفرق بين التشبيه والمجاز باعتبارهما من ألوان علم البيان، وتمهيدًا للانتقال بعد ذلك للحديث -بمشيئة الله تعالى- عن المجاز. إن للتشبيه مكانته الخاصة من البلاغة، فهو على نحو ما وضح لنا بمسائل التعبير التصويرية، ودائمًا يستمد قوته من الخيال، كما أن الرسم والتصوير يعتمد على الأصباغ والأحجار التي تؤلف، وتصقل؛ لترمز إلى طبيعة جميلة مثلًا، أو فتنة ساحرة، أو عبقرية نادرة، نجد التشبيه يشاركهما في الإفصاح عن الفكرة، والتعبير عن العاطفة، بما فيه من عنصر الخيال الذي يقابل تلك الأصباغ والأحجار، فإذا قرأنا على سبيل المثال لأحمد شوقي يصف أحد خمائل الجزيرة: وخميلة فوق الجزيرة مسَّها ... ذهب الأصيل حواشيًا ومتونًا كالتبر أفقًا والزبرجد ربوة ... والمسك تربًا واللجين معينًا نجد أنه لا فرق بين لوحة رُسمت عليها الخميلة وقت الأصيل، وبين هذين البيتين اللذين بعثا فيها الحياة والجمال، وعُرضت فيها الخميلة مزهرة ذات دِلٍّ وإعجاب، فاللوحة المرسومة تعرض المنظر دفعة واحدة، تعاون جميع عناصره على التأثير في النفس في لحظة واحدة؛ بينما التعبير التشبيهي في قول شوقي يعرض تلك العناصر متوالية في كل بيت جزءً جزءً، حتى ينتهي المنظر عرضًا وبيانًا.

стр. 90

والتشبيه إلى جانب ما ذكرنا أشبه بوسائل الإيضاح، ونماذج الدروس التي تسبق الشرح؛ فتذلل ما عسى أن يكون من عسر في الفهم، وتثبت معانيها في الذهن، هذا إلى خلابة البيان التي تنبعث منه انبعاث السحر، فتفعل فعلها العجيبة في النفس. يقول ابن وهب في كتابه (البرهان في وجوه البيان): "وأما التشبيه فهو من أشرف كلام العرب، وفيه تكون الفطنة والبراعة عندهم، وكلما كان المشبه منهم في تشبيهه ألطف؛ كان بالشعر أعرف، وكلما كان بالمعنى أسبق؛ كان بالحذق أليق". ويقول أبو هلال العسكري: "والتشبيه يزيد المعنى وضوحًا، ويكسبه تأكيدًا، ولهذا أطبق جميع المتكلمين من العرب والعجم عليه، ولم يستغنِ أحدٌ منهم عنه، وقد جاء عن القدماء وأهل الجاهلية ما يُستدل به على شرفه وموقعه من البلاغة". وقال الزمخشري عند قول الله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ (البقرة: ١٧): "ولضرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خبيئات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق؛ حتى يريك المتخيَّل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد، وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لصورة الجامح الأبي، ولأمر ما أكثر الله في كتابه المبين أمثاله، وفشى ذلك في كلام الرسل والأنبياء والحكماء، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٣) ".

стр. 91

وقد بلغ به عبد القاهر القمة فقال: "إن مما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني، أو برزت هي باختصار في معرضه، ونُقلت من صورها الأصيلة إلى صورته؛ كساها أبهة وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها، وشب من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوب إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفًا، وقصر الطباع على أن تعطيها محبة وشرفًا؛ فإن كان مدحًا كان أبهى، وأفخم، وأنبل في النفوس وأعظم، وأهز للعطف وأسرع للإلف، وإن كان ذمًّا؛ كان مسُّه أوجع، وميسمه ألذع، ووقعه أشد، وحدُّه أحد، وإن كان حجاجًا كان برهانه أنور، وسلطانه أقهر، وبيانه أبهر، وإن كان افتخارًا كان شأوه أمد، وشرفه أجد، ولسانه ألد، وإن كان اعتذارًا كان إلى القبول أقرب، وللقلوب أخلب، وللسخائم أسل، ولغرب الغضب أفل، وإن كان وعظًا كان أشفى للصدر، وأدعى إلى الفكر في التنبيه، والزجر، وأجدر بأن يحلي الغيابة، ويقصر الغاية، ويبرئ العليل، ويشفي الغليل. وهكذا الحكم إذا استقريت فنون القول وضروبه، وتتبعت أبوابه وشعوبه". هذا كلام ذكره الإمام عبد القاهر في (أسرار البلاغة). والبليغ غالبًا ما يُؤثر أسلوب التشبيه لما يحتويه من فوائد تعود على الأسلوب من وضوح الفكرة والمبالغة فيها، والإيجاز للوصول إلى الغرض، فإما يفيد الوضوح والبيان قوله تعالى يصور حال المشركين، وهم خارجون من القبور في انتشار وكثرة ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ (المعارج: ٤٣)، ومما يفيد المبالغة قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ (المرسلات: ٣٢، ٣٣) فشررها ضخم ضخامة القصر، وقيل القصر أعناق النخل، والجمال الصفر أي: السود، وإنما سميت صفرًا؛ لأنه يشوب سوادها شيء من الصفرة، وهي ضخامة غير معهودة ولا متعارفة للشرر.

стр. 92

ومما يفيد المبالغة قوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (الحديد: ٢١) فسعة الجنة لا يدرك العقل مداها، ولا يعرف منتهاها، إما يفيد الإيجاز قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (الأعراف: ٢٩)، ومنه ما رُوي من أن الرشيد لما حج دخل مسجد الرسول ﷺ ، وبعث إلى الإمام مالك بن أنس، فلما قدم بين يديه سلم عليه وسلم عليه بالخلافة، "قال: يا مالك صف لي مكان أبي بكر وعمر من رسول الله ﷺ في الحياة الدنيا، فقال مالك: يا أمير المؤمنين مكانهما منه كمكان قبريهما من قبره، فقال الرشيد: شفيتني يا مالك". هكذا بهذه الكلمات القليلة التي قالها الإمام مالك أفاد معانٍ كبيرة وعظيمة أغنت هذه الكلمات القليلة عن ذكرها، إلى غير ذلك مما جاء على ألسنة أهل الأدب، والعلم، والفضل مما يضيق بذكره المقام. وعندما نتناول غرابة التشبيه والمرجع فيه نحاول هنا أن نستزيد مما له شديد تعلق وصلة بأركان التشبيه التي سبق الإفاضة فيها، إذ لوحظ أن مرجع غرابة التشبيه وحسنه وبعده أحيانًا يعود إلى انتقاء الطرفين، أو أحدهما، وأحيانًا إلى اختيار الأداة على نحو ما رأينا في اختيار كأن في جواب ملكة سبأ، وأحيانًا يكون مرجعه إلى الغرض المسوق له الكلام، أو التشبيه كما سبق أن ذكرنا فيما يعود على المشبه من إمكان وجوده، أو من بيان حاله، وكذلك مما يعود على المشبه به من التشبيه المقلوب لكن غالبًا ما تكون هذه الغرابة في التشبيه مردُّها إلى وجه الشبه، ومرد تفاوت التشبيهات في الأخير بالذات واضحة جلية، وما كان منه على جهة الخصوص مركبًا حسيًّا راجع بالأساس إلى مقدرة الأديب، ونظرته الثاقبة في الهيئات والحركات التي يتكوَّن منها وجه الشبه، وإلى مقدار ما يبذله من جهد فكري في استقصاء صفات الطرفين، واستخلاص ما يُلائم منها لعقد المشابهة، ومراعاة الملائمة التامة بين اللون واللون، والشكل والشكل، والحجم

стр. 93

والحجم، والحركة والحركة؛ فمن يستطيع أن يبرز في وجه الشبه صفات عدة تجمع بين اللون والشكل، والمقدار والحجم، أو يضيف إلى الشكل واللون حركة معينة، أو ينوِّع في الحركة تنويعًا يضفي عليها جمالًا وروعة، من يستطع أن يصنع ذلك من الأدباء؛ يكون تشبيهه أبدع وأحسن، ونظرته أقوى وأثقب من الآخر الذي لا يستطيع فعل ذلك. ومما كان التشبيه فيه هيئة منضم إليها بعض الصفات ما جاء في قول ابن المعتز: والشمس كالمرآة في كفِّ الأشل ... لما بدت طالعة فوق الجبل فقد جمع الشاعر في وجه الشبه بين الحركة السريعة وما ينشأ عنها من تموُّج الضوء واضطرابه، وبين الإشراق والاستدارة، وذلك أنه نظر إلى الشمس عند طلوعها، وإلى المرآة في يد الأشل، فرأى فيهما إشراقًا واستدارة وحركة سريعة متصلة تتراءى لعين الناظر إلى كل منهما، وهذه الحركة قد أحدثت تموجًا في الضوء، واضطرابًا؛ فبينما تراه منبسطًا على سطح كل منهما، ويكاد يفيض من جوانبهما؛ إذا به ينقبض ويتجمع في وسطهما. فالشاعر إذن قد استطاع أن يلائم ملائمة تامة بين ما في الطرفين من لون، وشكل، وحركة مضطربة متموجة، وأن يركب من ذلك وجه الشبه؛ فهو الهيئة الحاصلة من الإشراق والاستدارة والحركة السريعة، وما ينشأ عنها من تموج الضوء واضطرابه، ولو اقتصرنا في بناء وجه الشبه على الإشراق، أو الاستدارة، وقدرنا تجرُّده من هذه الحركة ما بلغ من الدقة والحسن هذا المبلغ، من ذلك قول المهلبي الوزير يصف الشمس أيضًا عند طلوعها: والشمس من مشرقها قد بدت ... مشرقة ليس لها حاجب كأنها بوتقة أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب

стр. 94

فقد جمع الشاعر هنا في وجه الشبه بين اللون والاستدارة والحركة، وما تُحدثه في اللون من تموج واضطراب، فإن البوتقة -وهو وعاء صغير يذيب فيه الصائغ الذهب والفضة- إذا أحميت وذاب فيها الذهب تُشكِّل الذهب بشكلها في الاستدارة، ويتحرك هذا الذهب فيها بجملته تلك الحركة العجيبة، كأنه يهمُّ بأن ينبسط حتى يفيض من جوانبها؛ لما في خواصه من النعومة، ثم يعود فيهبط إلى داخل البوتقة، لما بين أجزائه من شدة التلاحم والاتصال، فهو لا يقع فيه غليان على الصفة التي تكون في الماء ونحوه مما يتخلله الهواء، ولذلك يتجمع لمعان الذهب في مركز دائرته كما تجمع الضوء في مركز المرآة المستديرة في تشبيه ابن المعتز. ولولا مراعاة هذه الحركة في تركيب وجه الشبه، لما بدا التشبيه بهذه الصورة الرائعة، ومن بديع المركب الحسي ما يكون وجه الشبه فيه حركة مجردة من كل وصف، بأن يكون وجه الشبه مكونًا من هيئة الحركات الموجودة في الطرفين، دون ما نظر إلى ما عداها من سائر الصفات، ونذكر من ذلك مثلًا قول أحمد بن سليمان يصف روضة أو حديقة: حفت بسرو كالقيان تلحفت ... خضر الحرير على قوام معتدل فكأنها والريح جاء يميلها ... تبغي التعانق ثم يمنعها الخجل فهنا شبه في البيت الأول شجر السُّرِّ في اعتداله وطول قامته، وخضرة أوراقه بالجواري الحسان، ذوات القوام المعتدل، وقد تلحفَّن بالحرير الأخضر، ووجه الشبه كما هو بيِّن هو الهيئة الحاصلة من وجود أجسام منتصبة معتدلة القامة، تحيط بها أشياء ذات لون أخضر، وفي البيت الثاني شبه حركة شجر السُّرِّ، والريح يميل فروعها بعضها إلى بعض، ثم تردت إلى أصل وضعها بحركة عاشقين

стр. 95

تقدما في خدر، يبغيان المعانقة، ثم يفاجآن بأعين الرقباء، فيرتدان إلى حيث كانا في سرعة الخائفين المنزعجين، وجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من تحرك جسمين حركتين متغايرتين إلى جهتين مختلفتين، تُحدث إحداهما تقارب الجسمين، وتُحدث الأخرى سرعة افتراقهما، وهي هيئة منتزعة من الحركة مجردة عن كل وصف آخر من صفات الطرفين. وقد لاحظ الشاعر أن الحركة الثانية في المشبه أسرع من الحركة الأول؛ لأن حركة الشجرة المعتدلة في حال رجوعها أسرع لا محالة من حركتها في حال خروجها من مكانها بتأثير الريح، فحقق ذلك في المشبه به بقوله "ثم يمنعها الخجل"؛ لأن الحركة المسببة عن الخجل أسرع من الحركة الأخرى. ومما يلاحظ أيضًا أن الشاعر لم يصرح بالمشبه به، فلم يقل كأن شجر السُّرِّ عاشق يبغي التعانق، بل طواه طيًّا في نظم الكلام؛ حتى خيَّل إلينا أن الشجر نفسه هو الذي أراد أن يتعانق، ثم رده الخجل. هذا كله مما زاد التشبيه حسنًا وإبداعًا، وأضفى عليه رونقًا وبهاء، وخد مثلًا قول امرئ القيس يصف جواده: مكر مفر مقبل مدبر معًا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل فقد شبه الجواد في حركته السريعة، ولين قياده وسرعة انحرافه، حيث يُرى في لحظة واحدة يكر ويفر، ويقبل ويدبر، فبينما نرى مؤخرته إذا بنا في نفس الوقت نرى صدره فجانبيه. شبه هذا كله بجلمود الصخر دفع به السيل من أعلى الجبل، فوقع الجلمود تحت تأثير قوتين: قوة الجاذبية الأرضية، وقوة دفع السيل له؛ ولذا فهو يتحرك حركات سريعة متواصلة؛ بحيث نرى جوانبه كلها بنظرة واحدة، وفي آن واحد، ووجه الشبه هو حركة الشيء يتجه إلى جهات متعددة في سرعة فائقة تكاد ترينا جوانبه كلها في وقت واحد، بنظرة واحدة.

стр. 96

ومن بديع هذا المركب الحسي ما كان وجه الشبه فيه هيئة ساكنة؛ خلافًا لسابقيه الهيئة المتحركة بلا أوصاف، والهيئة المتحركة بأوصاف، نرى في هذه الصورة وجه الشبه هيئة ساكنة مأخوذة من هيئة السكون الحاصلة بين الطرفين، أو مكونا من اجتماع الألوان المجردة عن الحركة فيهما، مثلًا قول المتنبي يصف إقعاء كلب الصيد يقول: يقعي جلوس البدوي المصطلي ... بأربع مجدولة لم تجدلِ فقد شبه هيئة الكلب في إقعائه بهيئة البدوي المستدفئ بالنار، فإنه يجلس على إليتيه ورجليه مادًّا يديه إلى المدفئة، ووجه الشبه هو الهيئة المركبة الحاصلة من وقوع الأعضاء المختلفة في مواقعها الخاصة، وهذا الوجه منتزع من عدة أوضاع في الطرفين ساكنة لا حركة فيها. ومن ذلك تصوير الشعراء هيئة المصلوب، ووقوع كل عضو من أعضائه في موقع خاص، يخيم السكون عليها، فامتدت هذه الهيئة وراحت بلا حركة تغير من صورتها، وقد اختلفت الصور التي أبرز الشعراء فيها هذه الهيئة، فمنها قول الأخيطل: كأنه عاشق قد مدَّ صفحته ... يوم الوداع إلى توديع مرتحل أو قائم من نعاس فيه لوثته ... مواصل لتمطيه من الكسل فهنا شبه المصلوب في البيت الأول وهو قائم في الجذع، قد مالت عنقه إلى جانب كتفه، وفي وجهه صفرة الموت، شبهه بعاشق تجمدت حواسه في موقف الوداع، وقد مالت عنقه، وفي وجهه صفرة العشق. ووجه الشبه هو هيئة السكون الحاصلة من القامة المنتصبة، والأذرع الممتدة، والأعناق المائلة، والوجوه المصفرة، وقد طالت هذه الهيئة بلا حركة تغير من أوضاعها.

стр. 97

وفي البيت الثاني شبهه بقائم من نعاس لم ينشط بعدُ من لوثة النوع واسترخاء العضلات، فأخذ يتمطَّى مادًّا ذراعيه إلى جانبيه، وعنقه إلى جهة صدره، قد واصل تمطيه من شدة كسله فاستمرت هذه الهيئة، فوجه الشبه إذن هو هيئة السكون الحاصلة من القامة المنتصبة، والأعناق المائلة، والأذرع الممتدة مدًّا متواصلًا، من ذلك قول ابن الرومي: كأن له في الجو حبلًا يبوعه ... إذا ما انقضى حبل

стр. 98

أتيح له حبل فهنا شبه المصلوب بصورة من يقيس الحبال بذراعيه، فهو يمدها إلى جانبي كتفيه ما دام يبوع -أي: يقيس بالباع. وقد حقق الشاعر في المشبه به هيئة السكون الدائم الذي رآها في المشبه، وذلك بقوله "إذا ما انقضى حبل أتيح له حبل"، فالذي يبوع لا يحرك يديه؛ ليمرر الحبل بينهما، بل الحبل يُتاح ويمر بين يديه، فاليدان في حالة مد دائم بلا حركة، ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من القامة المنتصبة، والأذرع الممتدة مدًّا متواصلًا. وبتأمل هذه التشبيهات نجد اختلافًا دقيقًا بين إبراز كل صورة منها لهيئة المصلوب وأعضائه الساكنة سكونًا متواصلًا؛ فالأخيطل في بيته الأول قد حقق الصفرة التي رآها في وجه المصلوب، وهي صفرة الموت بأن جعله كالعاشق الذي أصفر وجهه من أثر العشق، وحقق أيضًا دوام السكون بأن جعل مد الصفحة في يوم وداع ورحيل، فهو قد سكن وتحجر في مكانه لرحيل عشيقه عنه، ولكن فاته إتمام أعضاء الهيئة؛ فالمصلوب مُدَّت يداه، والعاشق قد مد يدًا واحدة، وفي بيته الثاني حقق هيئة المصلوب في القائم من النعاس بأن جعله متمطيًا مادًّا ذراعيه، ثم حقق دوام السكون لجعله التمطي متواصلًا، وبذكر سبب المواصلة، وهو اللوثة والكسل، ولكن فاته تحقيق صفرة الموت الموجودة في المصلوب. وابن الرومي في تشبيهه قد حقق هيئة المصلوب في هيئة من يبوع الحبال، حقق أيضًا دوام سكون الأعضاء واستقرارها على هيئتها بقوله: "إذا ما انقضى حبل أتيح له حبل"، وذكر كذلك السبب في إطالة مدِّ الذراعين، وهو بوع الحبال الكثيرة، فهي حبال في الجو كثيرة، وكلما انقضى حبل أُتيح له آخر، كما حقق تمام أعضاء الهيئة من مدِّ للذراعين، ومن ميل للعشق. من رائع التشبيهات التي الوجه فيها مركبًا حسيًّا تلك التشبيهات المركبة التي جاء وجه الشبه فيها حسيًّا مكونًا من اختلاط الألوان المجردة من الحركة، كقول ابن المعتز يصف زهر النرجس: كأن عيون النرجس الغض حولنا ... مداهن ضر حشوهن عقيق فقد شبه في هذا البيت زهر النرجس بمداهن ضر حشوهن عقيق، ووجه الشبه هو الهيئة المكونة من بياض قد التفَّ حول سواد أو حمرة، ويدخل في هذا الباب قوله يصف الثريا وسط الظلام: وأرى الثريا في السماء كأنها ... قدم تبدَّت من ثياب حداد هنا شبه الثريا في السماء وسط ظلام الليل بقدم بدت من ثياب أسود، ووجه الشبه هو الهيئة المكونة من بياض ظهر في وسط سواد، ومنه قول غيره: كأن أجرام النجوم لوامعًا ... دُرَرٌ نثرن على بساط أزرق فوجه الشبه في البيت هو الهيئة المكونة من أجرام بيضاء مضيئة صغيرة نثرت على صفحة شيء أزرق صافي الزرقة، فنحن إذن أمام إبداعات للشعراء جاء الوجه في كل تشبيه منها مركبًا حسيًّا، تارة جاء مكونًا من هيئة منضم إليها بعض الصفات، وتارة جاء مكونًا من هيئة مجردة من الصفات، وتارة ثالثة من هيئة ساكنة، وتارة رابعة من هيئة مكونة من اختلاط ألوان مجردة من الحركة، ومما هو شديد الصلة بما سبق من ضرورة تحرِّي عموم أجزاء، وأحوال وجه الشبه في صور التشبيه المركبة بالذات، ما جاء في قول كُثير عندما قال:

стр. 99

لقد أطمعتني بالوصال تبسمًا ... وبعد رجائي أعرضت وتولت كما أبرقت قومًا عطاشًا غمامة ... فلما رأوها أقشعت وتجلت فهو هنا يصور حاله مع حبيبته، وقد بدت له مبتسمة فطمع في وصالها وتمكن رجاء الوصل في نفسه، وعندئذٍ أعرضت عنه وتولت، بحال قوم عطاش لا حت لهم غمامة مطمعة ما برحت حين تمكن في أنفسهم رجاء أمطارها أن أقشعت، وانجلت، فوجه الشبه هنا هو وقوع اليأس في نفسه إثر تمكن الرجاء فيه، وهذا الوجه منتزع من الأمور المجتمعة في البيتين؛ بحيث لا يمكن الاستغناء عن بعضها، وعليه فلا يصح أن يكون المشبه هو حاله مع حبيبته، وقد لاحت له مبتسمة، وطمع في وصالها، أو أن يكون المشبه به حال قوم عطاش شديد الحاجة إلى الماء، لاحت لهم غمامة مطمعة؛ لأننا بهذا الصنيع نكون قد فصلنا أجزاء التشبيه المركب، وعقدنا المشابهة بين جزء في المشبه، ونظيره في المشبه به بوجه شبه مستقل؛ إذ يفوت بهذا الغرض الذي يرمي إليه الشاعر من التركيب. وهذا الكلام نقوله، ونؤكد عليه لأن آيات عديدة في القرآن جاء التشبيه فيها مركبًا، وإن لم يرع هذا الضابط؛ يختلُّ التشبيه في نظم القرآن. وخلاصة القول في هذا أن وجه الشبه المركب من عدة أمور لا يمكن تجريده من بعض هذه الأمور؛ لأنه مبني على اتحاد الأجزاء ومزجها، وتلاحمها. كيف يُكتسب وجه الشبه من الأمور الدقيقة في أطراف التشبيه ؟ وهنا يأتي سؤال كيف يُكتسب وجه الشبه من مثل هذه الأمور الدقيقة في أطراف التشبيه المتعددة الأجزاء، أو المركبة؟ ولا نستغرب أن كنا قد تكلمنا من قبل عن وجه الشبه؛ لأن الكلام فيما سبق كان على سبيل الاختصار، أما هنا فإنما نستعرض ما جاء من غريب التشبيهات؛ لنتعرف على كيف أن هذه التشبيهات تأتي غريبة، وكيف يُجمع بين أجزاء الطرفين المشبه به والمشبه، لكن يبقى السؤال أن وجه الشبه -كما علمنا: هو الصفة الجامعة بين الطرفين، فإذا أراد المتكلم أن يعقد تشبيهًا بين أمرين؛ كان

стр. 100

عليه أن يحضر في ذهنه، ويحدد الصفة التي استرعت انتباهه في المشبه، ثم يغض النظر عما عداها من صفات، ويطلب نظيرًا لهذه الصفة التي استرعت انتباهه في شيء آخر يكون مشبهًا به، ويجب أن تكون هذه الصفة بارزة في المشبه به، ويتحتم على المتكلم أن يغض النظر عما في المشبه به من صفات أخرى غير هذه الصفة، وعما بين الطرفين من تباين أو تباعد. فمثلًا إذا استرعى انتباه المتكلم شجاعة رجل، فطلب لها نظيرًا في الأسد مثلًا؛ وجب عليه أن يصرف نظره عما في الرجل والأسد من صفات أخرى غير الشجاعة، وأن يغض بصره عما بينهما من تباين في الجنس. وإذا لفت نظره هيئة المصلوب، فوجد نظيرًا لها في قائم من نعاس يتمطى؛ أعرض عما بينهما من اختلاف الحياة والموت؛ ولذا كان لزامًا على الناقد أن يقف على وجه نظر الأديب، وأن يتحقق من غرضه، فلا يقول مثلًا: كيف يشبه الرجل الشريف الإنسان بحيوان مفترس، وكيف يشبه السفينة الضخمة بحيوان صغير الحجم، وكيف يشبه المصلوب بقائم يتمطى من نعاس، والحياة ما تزال تدبُّ في جسم المتمطي. كذلك نقول مثل هذا في القرآن الكريم، فلا ينبغي أن نغض الطرف عن جزء في المشبه أو المشبه به، دون أن يراعى في تحقيق وجه الشبه. هذا وقد لاحظ البلاغيون أنه حتى مع حذف وجه الشبه، فإنه يُستعلم على دقة التشبيه وخفائه بما يدل على وجه الشبه، وذلك إما بوصف مشبه به بصفة يُفهم منها هذا الوجه المحذوف، كقول كعب الأشقري مثلًا في وصف بني المهلب للحجاج لما سأله عنهم، فقال: هم كالحلقة المفرغة لا يُدرى أين طرفاها. فقد وصف المشبه به، وهو الحلقة المفرغة بأنها ليست معلومة الأطراف، وهذا الوصف أومأ إلى وجه الشبه، ودلَّ على أنه التناسب الكلي الخالي من التفاوت،

стр. 101

ولا شك أن الانتقال من تناسب أجزاء الحلقة إلى تناسبهم في الشرف، غاية في الدقة؛ لأن العامة يتبادر إلى ذهنهم تناسبهم في الصورة مثلًا، أو في الشكل، ولا يدرك التناسب الكلي إلا الخاصة، ولذا احتاج التشبيه إلى وصف المشبه به بهذا الوصف الذي أومأ إلى وجه الشبه، ودلَّ على أنه التناسب الكلي الخالي من التفاوت، ومن ذلك قول شاعر آخر: وإنا وما تلقى لنا إن هجوتنا ... لكالبحر مهما تلقى في البحر يغرق فوجه الشبه هو عدم ظهور الأثر في كل منهما، يريد أن هجاءه لهم لا يؤثر فيهم لأصالتهم في الشرف، وعراقتهم في المجد، كما لا يؤثر في البحر ما يُلقى فيه من أوساخ وأقذار. وقد أومأت الجملة الحالية وهي "مهما تلقى في البحر يغرق"، والتي وقعت وصفًا للمشبه به البحر، أومأت إلى وجه الشبه، ودلت عليه، ومن ذلك أيضًا قول النابغة: فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب حيث شبه الممدوح والملوك بالشمس والكواكب، وجملة "إذا طلعت لم يبد منهن كوكب" وقعت وصفًا للمشبهين بهما، فأنبأت عن وجه الشبه المحذوف، ودلت عليه، وهو القوة الكبرى التي تستر ما عداها؛ فالشاعر إذن يريد أن عزة الممدوح، وسلطانه، وفضائله تُخفي ما لسائر الملوك من قوة، وعزة، ومكارم، كما تخفي الشمس إذا طلعت أضواء الكواكب؛ ففي كل ما سبق نلحظ أن وجه الشبه المحذوف قد دلَّ عليه صفة المشبه به، التي فُهمت من خلال السياق. قد يكون الدَّالُّ على وجه الشبه المحذوف وصفًا للمشبه والمشبه به معًا، كما جاء مثلًا في قول أبي تمام:

стр. 102

صدفت عنه ولم تصدف مواهبه ... عني وعاوده ظني فلم يخب كالغيث إن جئته وفاك ريقه ... وإن ترحلت عنه لجَّ في الطلب وهنا نرى أنه شبه الممدوح بالغيث، ووجه الشبه هو الإفاضة والإحسان في حال الإقبال، وفي حال الإعراض، وقد أنبأ بهذا الوجه ودلَّ عليه وصف المشبه بأن عطاياه لا تنقطع في حال الغيبة وحال الحضور، ووصف المشبه به كذلك وهو الغيث بأنه يوافيك بمائه الصافي إن طلبته، وإن ترحلت عنه اجتهد في إمدادك به، ولو لم يوصف الطرفان بهذين الوصفين؛ لتبادر إلى ذهن العامة أن المقصود مجرد تشبيه الممدوح بالغيث في كثرة العطاء. هكذا نلحظ دقة وجه الشبه في استحضاره من خلال أجزاء الطرفين، ومن خلال وصف المشبه أو المشبه به، ومن أهم العوامل الموجبة لغرابة التشبيه أن يكون المشبه به نادر الحضور في الذهن؛ لكونه من الأمور الوهمية، كما في تشبيه السنان بأنياب الأغوال في بيت امرئ القيس، أو من المركبات الخيالية كتشبيه محمر الشقيق بأعلام ياقوت نُشرن على رماح من زبرجد، فالأمور الوهمية، والمركبات الخيالية لا تحقق لوجودها، فهي نادرة الحضور في الذهن. وقد يكون المشبه به له وجود محقق إلا أنه لا يتكرر على الحس، ولا يخطر بالبال، إلا بعد تفكير طويل، كتشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل؛ إذ المرآة في يد الأشل من الأمور التي لا يقع عليها البصر إلا نادرًا، فربما قضى الإنسان عمره، ولم يتفق له أن يرى مرآة في يد الأشل، ومن ذلك تشبيه حال الذين حُملوا التوراة ثم لم يحملوها بحال الحمار يحمل كتب العلم في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارً﴾ (الجمعة: ٥)، فصورة الحمار يحمل أسفارًا من الصور التي لا تتكرَّر على الحس، وجه الشبه من المركبات العقلية التي يُتعذَّر استخراجها من الطرفين على غير الخاصة.

стр. 103

وما من شك في أن ندرة حضور المشبه به في الذهن تقتضي خفاء وجه الشبه، وقدرة إدراكه؛ لأن الوجه وصف منتزع من الطرفين، فإذا خفي أحد الطرفين، وندر حضوره بالذهن؛ خفي وجه الشبه وندر إدراكه وتعذره على العامة. أيضًا من العوامل الموجبة لغرابة التشبيه أن يكون المشبه به نادر الحضور في الذهن عند ذكر المشبه البعيد الصلة بينهما، كذا نلحظ أن هناك ما يكون عاملًا موجبًا للغرابة يلحق بوجه الشبه، وما يكون عاملًا موجبًا للغرابة في التشبيه يلحق بالمشبه أو المشبه به، فقلنا أن من ذلك أن يكون المشبه به نادر الحضور في الذهن عند ذكر المشبه؛ لبعد الصلة بينهما، من ذلك قول ابن المعتز يصف زهر البنفسج: ولاذ وردية تزهو بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت فقد شبه زهر البنفسج بأوائل النار في أطراف كبريت، ولا مناسبة بين الطرفين، المشبه زهر نادى يفوح عطرًا، والمشبه به نار يابسة محرقة، فهما جنسان متباعدان، يندر أن يحضر المشبه به في الذهن عند حضور المشبه، وقد جمع الشاعر بينهما على الرغم من هذا التنافر؛ فاكتسب التشبيه غرابة وبعدًا. ومن ذلك تشبيه الشعر بالنار، والبرق بمصحف القاري، وإبرة روق الأغن بقلم أصاب من الدواة مدادًا، فالبون شاسع بين الطرفين في كل هذه التشبيهات كما لا يخفى، ولهذا كانت تشبيهات غريبة بعيدة. من العوامل الموجبة أيضًا لغرابة التشبيه ما يجعله مؤثرًا في النفس أن يكون وجه الشبه كثير التفصيل، ومن ذلك ما مر من تشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل؛ حيث روعي في وجه الشبه الشكل واللون والحركة المضطربة المستمرة، التي ينشأ عنها تموج الضوء، ومعنى التفصيل في وجه الشبه إطالة النظر والتأمل في صفات كل من الطرفين؛ لمعرفة ما تقع به المشاركة بينهما، وما تقع به المخالفة.

стр. 104

ثم تتأمل الصفات المشتركة بين الطرفين هل هي موجودة في كلا الطرفين بدرجة واحدة، أم بينهما تفاوت، وهل هذا التفاوت يفسد الغرض من التشبيه، إن كان يفسده؛ فعلى الأديب أن يجمع، ويفرق، ويثبت، ويحذف من صفات كل طرف حتى يستقيم التشبيه، ويتحقق الغرض الذي يرمي إليه فالمراد بالتفصيل إذن ألا ننظر في صفات الطرفين نظرة إجمالية؛ بل نظرة تفصيلية دقيقة، ويتضح لنا ذلك من خلال هذه الشواهد التي ذكرناها، ومن خلال قول امرئ القيس أيضًا: حملت ردينيًّا كأن سنانه ... سنا لهب لم يتصل بدخان فهنا نراه شبه سنان الرمح بسنا اللهب في الإشراق، ولكنه لاحظ أن السنا يحوي الدخان الذي يؤثر في وجه الشبه؛ فحذف هذا الدخان وانتزعه من السنا بقوله "لم يتصل بدخان"، فزاد السنا بهذا تألقًا وضياء، وتمَّ تحقق الشبه بين الطرفين، ومن ذلك أيضًا قول ابن المعتز يصف طلوع الفجر: كأن وضوء الصبح يستعجل الدجى ... نطير غرابًا ذا قوادم جواني فهنا شبه سواد الليل وقد بدت في جوانبه لمع مضيئة من نور الفجر بغراب أسود في أطرف جناحيه ريشات بيض، تظهر لامعة في سواده، ووجه الشبه هو الهيئة المكونة من اجتماع البياض والسواد، وأن السواد أخذ يتبدد في عجلة أمام البياض الذي انتشر في حواشيه وجوانبه. وقد تخيل الشاعر أن ضوء الصبح يسوق ظلام الليل، ويستعجله ولما لم يجد نظير ذلك في الغراب أضاف إلى صفته أنه كان حبيسًا في يدي قانص ثم أطير، فهو يتابع طيرانه ويجد فيه، وحقق ابن المعتز بهذه الإضافة الشبه كاملًا بين الطرفين، ولو أنه اكتفى بذكر الغراب وبياض قوادمه، ولم يجعله طائرًا، أو جعله طائرًا من تلقاء نفسه لا عن انزعاج؛ لاختلَّ التشبيه، ولما كان لقوله يستعجل الدجى نظير في المشبه به.

стр. 105

هذا وتختلف مرتبة التفصيل في وجه الشبه باختلاف الأمور المرعية، والصفات المعتبرة في الطرفين، فأدنى مراتبه ما رُوعي فيه وصف واحد، كتشبيه البنفسج مثلًا بأوائل النار في أطراف كبريت، بجامع الحمرة الصافية التي لا يشوبها لون آخر، وأعلى من هذا ما روعي فيه أمران كاجتماع البياض والسواد في تشبيه غُرة الفرس وسط وجهه الأسود بإشراق الصبح في جوانب الليل، وما روعي فيه ثلاثة أمور أعلى مما روعي فيه أمران، وهكذا حتى تبلغ الغاية في نحو قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ (يونس: ٢٤). فقد اجتمعت في هذه الآية المباركة عشر جمل في جانب المشبه به، كل جملة منها تفيد وصفًا لا تفيده الأخرى، وهذه الأوصاف قد تضامت والتحمت؛ لأداء وجه الشبه بين الطرفين، وصارت كأنها جملة واحدة؛ بحيث لو حُذف منها شيء؛ لأخلَّ ذلك الحذف بالمغزى من التشبيه، وما يلاحظ في الآية الكريمة أن هذه الجمل المتتابعة قد وقعت صفة لاسم نكرة، هي "ما" وقد ولي أداة التشبيه. ومن هذه المراتب العالية في تحصيل وجه الشبه، وفي وجود تفصيلات في وجه الشبه قول النبي ﷺ ((الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة))، فجملة ((لا تجد فيها راحلة)) وقعت صفة ((لإبل مائة))، والمراد أن الكامل في الناس قليل، فكل مائة لا تجد فيهم واحدًا يوصف بالكمال، وقد يلي أداة التشبيه اسم موصول، فتقع الجملة بعده صلة له كقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (البقرة: ١٧)، أو اسم معرفة غير موصول، فتكون الجملة بعده مستأنفة جوابًا لسؤال مقدر، وهو ما يسمى لدى

стр. 106

البلاغيين بشبه كمال الاتصال، مثل قوله تعالى مثلًا ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ (العنكبوت: ٤١). فجملة ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ وقعت جوابًا لسؤال مسار تقديره ما حالها، وسواء ولي الأداة اسم نكرة أو معرفة موصول، أو غير موصول، فإن وجه الشبه هيئة تركيبية منتزعة من مجموع الجمل الواقعة بعد الاسم، ولا يمكن أن يكون هذا الاسم هو المشبه به؛ لاستحالة استقلاله بالدلالة على المقصود من التشبيه بدون الجمل المذكورة بعده، وإنما احتيج إليه ليكون ركيزة تعتمد عليها تلك الجمل المتتالية التي يتكون منها المشبه به. وإنما تُعدُّ التشبيهات البعيدة الغريبة في الحقيقة من أبلغ التشبيهات، وألطفها، وأكثرها تأثيرًا في النفس؛ لأنها تحتاج -كما قلنا- إلى إعمال الفكر، وإطالة النظر في أحوال الطرفين، والتفتيش في صفاتهما للوقوف على وجه الشبه بينهما، والشيء إذا نيل بعد طلب وتفكير طويل؛ يكون أوقع في النفس، وأشد تأثيرًا، وألصق في الذهن وأثبت. وثمة وسائل أخرى للتصرف في التشبيه القريب حتى يكون تشبيهًا بعيدًا غريبًا، من هذه الوسائل أن يثبت للمشبه به صفة لا يتأتى وصفه بها، ثم ينتزعها منه، ويبني على انتزاعها تصوير المشبه على المشبه به، مثل قول المتنبي: لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء فتشبيه الوجه بالشمس تشبيه قريب مبتذل، لكن المتنبي تصرف فيه بجعله الحياء صفة من صفات الشمس، ثم تبعها منها، وجعل الشمس تفقد حياءها بجرأتها على الظهور أمام الممدوح، وهذا التصرف أكسب التشبيه غرابة، وأزال عنه صفة الابتذال والقرب.

стр. 107

ومن وسائل تحويل التشبيه القريب إلى بعيد أن يضيف البليغ، أو الشاعر إلى التشبيه ما يفيد تساوي الطرفين في وجه الشبه؛ بحيث لا نستطيع أن نُحدِّد أيهما مشبه، وأيهما مشبه به، كقول أبي تمام مثلًا: فردت علينا الشمس والليل راغم ... بشمس لهم من جانب الخدر تطلع فو الله ما أدري أأحلام نائم ... ألمت بنا أم كان في الركب يوشع فهنا استعار لفظ الشمس لحبيبته الحسناء، فهي إذن استعارة مبنية على تشبيه الحسناء بالشمس، وتشبيه الحسان أو وجوههن بالشمس تشبيه قريب، فصيره غريبًا بما أضافه إليه من تساؤلات تسوِّي بين الطرفين؛ مبالغة في إضاءة وجه الحبيبة التي بدت من جانب الخدر، فبددت ظلام الليل، وبدت جوانب الأفق مضيئة ساطعة، وعندئذٍ تعجب وتساءل في حيرة أهذا الذي أرى حلمًا، أم وجه الحبيبة أزاح ظلمة الليل، أم كان يوشع ﵇ في ركب القوم؛ فرد بدعائه الشمس بعد مغيبها هذا التشكك، وتلك التساؤلات سوَّت بين الطرفين، وحولت التشبيه من قريب مبتذل إلى بعيد غريب. من وسائل تحويل التشبيه إلى بعيد التشبيه المشروط أن يقيد المشبه أو المشبه به بقيد يبرز فضل المشبه على المشبه به، وذلك كالتقييد بأسلوب الشرط، أو الاستثناء، أو الاستدراك من ذلك مثلًا قول شاعر: عزماته مثل النجوم ثواقب ... لو لم يكن للثاقبات أفول فهنا شبه عزائم الممدوح بالنجوم التي تثقب الظلام وتبدده، وتشبيه العزائم بالنجوم قريب مبتذل، فصيره الشاعر بهذا الشرط بعيدًا غريبًا؛ إذ جعل العزائم تفوق النجوم وتفضلها؛ لأنها نافذة الأثر على الدوام، والنجوم أثرها مقصور على وقت طلوعها دون وقت أفولها، ومن ذلك قول آخر:

стр. 108

مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك زوابل فهنا شبه النساء ببقر الوحش في جمال العيون، وهو تشبيه قريب مبتذل، وكذلك تشبيههنََّ بالرماح الخطية في اعتدال القامة، لكنه أضاف هذا الشرط الاستثناء فحول التشبيهين إلى تشبيهات غريبة، ومما جاء كذلك بأسلوب الاستدراك: ألا يا رياض الحزن من أبرك الحمى ... نسيمك مسروق ووصفك منتحل حكيت أبا سعد فنشرك نشره ... ولكن له صدق الهوى ولك الملل من ذلك أيضًا قلب التشبيه، كما سبق، وأن ذكرنا في بيت البحتري: في طلعة البدر شيء من محاسنها ... وللقضيب نصيب من تثنيها كذلك من وسائل تحويل التشبيه القريب إلى تشبيه بعيد غريب الجمع بين عدة تشبيهات؛ حتى يخرج التشبيه عن الابتذال، فتُجمع هذه التشبيهات، وكلها تدور في نطاق واحد، كما جاء في قول البحتري مثلا: كأنما يقسم عن لؤلؤ ... منضدد أو برد أو أقاح فقد شبه ثغر المرأة المبتسم باللؤلؤ المنظوم، والبرد، والأقاح، وبهذا الجمع تحول التشبيه إلى الغرابة والبعد، وكذلك قول امرئ القيس: له أيطلى ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقرير تتفلي فشبه خاصرتي جواده بخاصرتي الظبي في الضمور، وشبه ساقيه أيضًا بساقي النعامة في الصلابة والمتانة، وشبه جريه بإرخاء السرحان في السهولة واللين، وشبه عدوه أيضًا في سرعة بتقريب ولد الثعلب، وكلها تشبيهات تدور حول الفرس؛ فصارت بهذا الجمع بعيدة غريبة، وازدادت لطفًا وحسنًا. وجزاكم الله خيرا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 109

الدرس: ٦ المجاز اللغوي .

стр. 110

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس (المجاز اللغوي) تعريف الحقيقة، وبيان أقسامها باعتبار المصطلح الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد: فبعد أن فرغنا من الحديث عن التشبيه نعرض لمعنى وأقسام المجاز اللغوي، والفرق بينه وبين التشبيه محذوف الوجه والأداة المسمى بالتشبيه البليغ، أو محذوفهما مع المشبه، وبينه كذلك وبين المجاز العقلي، وبينه وبين الكناية؛ فالفروق بين هذه الألوان من البيان من الأهمية بمكان، ومن المعلوم أن المجاز هو قسيم الحقيقة؛ ولذا ناسب قبل أن نعرف بالمجاز اللغوي أن نعرف أولًا بالحقيقة اللغوية. فما المراد إذن بالحقيقة اللغوية؟ الحقيقة في اللغة: ما أقر في الاستعمال على أصل وضعه، والمجاز ما كان بضد ذلك، وإنما يقع المجاز ويُعدل إليه عن الحقيقة لمعانٍ ثلاثة: الاتساع، والتوكيد، والتشبيه، فإن عُدم هذه الأوصاف؛ كانت الحقيقة البتة هذا كلام ابن منظور في كتابه (لسان العرب) في معنى كلمة حقيقة، والحقيقة والمجاز إذا أُطلقا انصرفا إلى الحقيقة اللغوية والمجاز اللغوي، ولا يحتاجان إلى تقيدهما باللغويين، إلا في مقام المقارنة بينهما وبين الحقيقة العقلية، والمجاز العقلي، للتفرقة بينهم. أما في اصطلاح البلاغيين فالحقيقة: هي الكلمة المستعملة فيما وُضعت له في الاصطلاح الذي جرى به التخاطب، فلفظ الأسد مثلًا إذا استعمل في الحيوان المفترس كان حقيقة لاستعماله فيما وضع له، ونلاحظ في التعريف أن الكلمة قد قيدت بثلاث قيود: أولها: كونها مستعملة؛ لأن الكلمة المهملة التي وضعها الواضع ولم تستعمل لا تدخل معنا في اللغة، فلا تسمى حقيقة، كما لا تسمى مجازًا.
следующие страницы →