← Баляга

Баляга · id 11200

البلاغة 1 - البيان والبديع - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (467 стр.). Показаны 456–467 · переход к 461.

стр. 456

ومثِّل لعينيك الحمامَ ووقعه ... وروعة ملقاه ومطعم صابه فالركن الثاني مركب من ميم "مطعم" ومن كلمة "صابه" التي بعده، ولا عبرةَ بهاء ضمير الغائب المضاف إليه في الموضعين؛ لأن الجناس متحقق مع زوالهما، فلا تظن أن الطرف الأول مركب من كلمتين والثاني من كلمتين وبعض أخرى. والمعنى: تذكر ذنوبك وتندَّمْ على فعالها وانتحب؛ خوفًا من عقابها، واجعل الموتَ دائمًا بين ناظريك، وخوِّف نفسك لقاءَه، وطعمه المر. والجناس التام المركب يأتي على غير ما وجه، وهو إما أن يتشابه طرفاه لفظًا ومعنى، ويسمى متشابهًا. ومن أمثلته قول شمس الدين بن عبد الوهاب: طار قلبي يوم ساروا فَرَقًا ... وسواء فاض دمعي أو رقا يعني: سكن. حار في سقمي مَن بعدهم ... كل مَن في الحي داوَى أو رقى يعني: قرأ الرقية. بعدهم لا طل وادي المنحنى ... وكذا بان الحِمى لا أورقا فقد وقع في هذا النص ثلاثة ألفاظ بينها تجانس، وهي: "أو رقا" و"أورقى" وأورقا" الأولى بمعنى أو سكن، والثانية بمعنى أو قرأ رقيةً، والثالثة بمعنى أظهر ورقة. ومعنى النص: طار قلبي يوم تفرق أحبابي وظعنوا ولم يُجْدِ هطول دمعي، فبكائي وعدم بكائي سواء، وقد تحير الناس في سبب أسقامي، فهرعوا إلى علاجي، بعضهم طلب شفائي بإعطائي الأدوية، وآخرون كانوا يرقونني بالتلاوة والأبخرة، وقد أقفر الوادي بعد رحيلهم، ولم يعد له معنى عندي، فهم كانوا كل شيء فيه، كانوا ريَّه وزينته وبهجته، وبعدهم صار أجردَ قاحلًا. ولا يخفَى عليك أن هذا المثال من التام المركب الملفوف المتشابه، فهو تام لتوافر شروط

стр. 457

التمام فيه من حيث عدد الحروف وجنسها وترتيبها وهيئاتها، ومركب لأن أحد طرفي الجناس ليس مفردًا، وملفوف لأن طرفه المركب مكون من كلمتين تامتين، ومتشابه؛ لأنه قد تشابه في اللفظ والخط. ومنه قول الآخر: عضنا الدهر بنابه -يعني: بضرسه- ... ليت ما حل بنا به وإذا اختلف الطرفان خطًّا مع تشابههما لفظًا سمي مفروقًا، فعلى نحو ما يأتي التام المركب متشابهًا أو ملفوفًا، يأتي كذلك مفروقًا. ومن أمثلته قول الشاعر: تعْرِضْنَ لا على الرواة قصيدة ... ما لم تكن بالغتَ في تهذيبها فإذا عرضتَ الشعرَ غير مهذب ... عدوه منك وساوسا تهذي بها فالجناس بين "تهذيبها" و"تهذي بها" وهما متشابهان لفظًا، مختلفان خطًّا كما ترى. ومن صور التام المركب: ما يسمي بالجناس الملفق، وضابطه: أن يكون طرفاه مركبين من كلمتين أو كلمة وبعض كلمة، والفرق بينه وبين الجناس المركب: أن المركب حصل الترتيب فيه في ركن واحد، وهذا التركيب فيه في الركنين معًا، وهو إما موافق، وإما مفارق، فالملفق الموافق: هو ما توافق طرفاه خطًّا، مثل قول الشاعر: وليت الحكم خمسًا بعد خمس ... لعمري والصبا في العنفوان فلم تضع الأعادي قدر شاني "يعني: منزلتي" ... ولا قالوا فلان قد رشاني فالجناس بين "قدر شاني" و"قد رشاني" وكل من الطرفين مركب من كلمتين، الأول: مركب من قدر وشاني بمعنى منزلتي، فهو مركب من اسمين، والثاني: مركب من قد ورشاني بمعنى: دفع لي رشوة، فهو مركب من حرف قد، وفعل رشاني. وهكذا. أما الملفق المفارق: فهو ما اختلف طرفاه خطًّا، كقول الشاعر: خبروها بأنه ما تصدى ... لسلو عنها ولو مات صدى

стр. 458

فالطرف الأول مركب من "ما" وهو حرف نفي، ومن "تصدى" بمعنى تعرض، وهو فعل، والثاني مركب من "مات" وهو فعل، و"صدى" وهو اسم. والمعنى: أعلموها أني باقٍ على حبها ولم أتطلع إلى سواها، ولو مِت من هجرها لي. ومنه كذلك قول البستي: إلى حتفي سَعَى قدمي ... أرى قدمي أراقَ دمي فالجناس في الشطر الثاني من البيت طرفه الأول مركب من فعل واسم، ومثله الثاني. ولعلك تلحظ أن الطرفين فيه قد اتفقَا لفظًا مع اختلافهما خطًّا. وهذا الجناس أجمل من سابقه؛ لاتفاقه في اللفظ، وليس ذلك بشرط فيه، بدليل اشتراك السابق معه في التسمية. وقد ذكرنا أن الجناس التام مشروط فيه أربعة شروط، وهي: تجانس حروف طرفيه حيث الضبط، أو تساويهما في العدد، واتفاقهما في الترتيب، واتفاقهما في المخرج، فإن تخلف شرط من هذه الشروط خرجنا من الجناس التام إلى أنواع أخرى من الجناس غير التام، تختلف أسماؤها باختلاف الشرط المتخلف، فإن تخلف شرط اتفاقها في الضبط سُمي بالجناس المحرف، وإن اختل شرط اتفاقهما في عدد الحروف سمي بالناقص، وإن اختل شرط ترتيبها سمي بالجناس المقلوب، وإن كان الاختلاف في نوع الحروف من حيث تقارب المخارج وتباعدها، سمي بالمضارع أو اللحن. فما هو الجناس المحرف؟ الجناس المحرف: هو كل جناس اختلف فيه الطرفان من حيث ضبط حروفهما حركات وسكنات، وشرط المتخلفون هو الاتفاق في الضبط، وعلى هذا يمكن تصور الجناس المحرف في الاسم: بأنه ما اختلف ضبط الحروف فيه، ومع هذا يبقَى الجناس المحرف محتفظًا بتساوي عدد الحروف، واتفاق ترتيبها وتجانسها في الطرفين. ومن أمثلته قول أبي تمام:

стр. 459

هن الحمام فإن كسرتَ عيافة ... من حائهن فإنهن حِمام فالجناس بين "الحمام" بفتح الحاء و"حِمام" بكسرها، فالاختلاف هنا في هيئة الحركة فتح فكسر. ومثله قول الآخر: كيف لا أبغض الصباحَ وفيه ... بان عني ذوو الوجوه الصباح فالجناس بين "الصباح" بفتح الصاد المشددة، و"الصباح" بكسر الصاد المشددة، الأولى بمعنى وقت الصباح، والثانية بمعنى الوجوه المشرقة المضيئة، التي مفردها صبيح. "وبان عني" يعني: رحل وظعن، والاختلاف هنا في هيئة الحركة كذلك فتح فكسر. ومن الجناس المحرف قول المعري: والحُسن يظهر في شيئين رونقه ... بيت من الشعر أو بيتٍ من الشعر فالجناس بين "الشعر" بمعنى الكلام المنظوم، وبين "الشعر" والمراد به ما على الرأس، والأولى بسكون العين وكسر الشين المشددة، والثانية بفتح العين وفتح الشين المشددة. فالاختلاف هنا بين سكون وحركة وليس بين حركة وحركة، ومثله قولهم: "البدعة شَرك الشِّرك" بفتح الراء في الأولى وسكونها في الثانية، وبفتح الشين في الأولى وكسرها في الثانية، والمعنى مختلف كما تعلم، ومنه قول الشاعر: أم سيحدثني فقلت لصاحبي ... أمحدث أم مُحْدث مَن فيه فالجناس بين "محدِّث" بالتشديد بمعنى متكلم، و"مُحْدث" بتخفيف الدال المكسورة بمعنى أحدث. ومما ذُكِرَ في ذلك قول السكاكي: "الجاهل إما مفرط أو مفرِّط"، فالتشديد والتخفيف من قبيل اختلاف الضبط، ولا يفهم منه الزيادة والنقص في الحروف باعتبار أن الحرف المشدد حرفان والمخفف حرف واحد، فيكون الجناس ناقصًا -كما سيأتي- وليس محرفًا؛ لأن الحرف المشدد في حكم الحرف الواحد.

стр. 460

نخلص من هذا: أن الجناس المحرف منظور فيه إلى ضبط الحروف في الطرفين، فتارةً تختلف حركة حرف في طرف مع حركة حرف مناظر في الطرف الآخر، مثل حمام وحمام، والصباح والصباح، وتارةً يكون الاختلاف ناشئًا عن حركة وسكون، وثالثة يكون الاختلاف بالتشديد والتخفيف، فيكون الحرف المشدد فيكون الحرف مخففًا في طرف، ومشددًا في طرف آخر. ولا تنس أن حركة الأطراف لا اعتبار لها لخضوعها لعوامل الإعراب، فإن كان طرفَا الجناس ثلاثيين فالمعتبر حركة الحرفين الأولين دونما نظر لحركة الحرف الثالث، وهكذا فيما زاد على الثلاثة. والجناس الناقص -كما ألمحنا قبل ذلك- هو ما اجتمعت فيه ثلاثة شروط، هي: تجانس الحروف، واتفاق الضبط، واتفاق الترتيب، وتخلف فيه شرط واحد هو تساوي الحروف في العدد في الطرفين. وعلى هذا فالجناس الناقص: هو ما نقص أحدُ طرفيه عن الآخر في عدد الحروف. ولهذا النوع من الجناس أحوال وأضرب متعددة، ملخصها في الآتي: أن يقع الاختلاف في الطرفين بحرف واحد بأن يكون في أول الطرف الزائد، مثل قول الشاعر: وكم سبقت منه إلي عوارف ... ثنائي من تلك العوارف وارف وكم غُرَر من بِره ولطائف ... بشكري على تلك اللطائف طائف فـ"العوارف" يعني بها: المعروف، و"وارف": الممتد، و"الغرر": الصنائع الجميلة، والمعنى: له علي فضائل سابغة استحقت مني كل شكر وثناء. والجناس بين "عوارف" و"وارف" وبين "لطائف" و"طائف" وقد وقع الحرف الزائد في أول الطرف الذي به الزيادة العين في "عوارف" واللام في "لطائف". وقد يكون الحرف الزائد في وسط الطرف المزيد كقول الشاعر: كفانا إلكيم حدنا وحديدنا ... وكف متى تطلب الوتر تنقم

стр. 461

الجناس بين "حدنا" و"حديدنا" وحرف الزيادة هو الياء الواقع بين المِثلين، والمعتبر في الحرفين هنا "حد" و"حديد"، ولا تأثيرَ للضميرين المضافين إليه. وقد تكون الزيادة في آخر الطرف المزيد، كقول كعب بن زهير الشاعر المعروف: ولقد علمت وأنت غير حليمة ... ألا يقربني هوى لهوان فالجناس بين "هوى" و"هوان". ومنه قول البهاء زهير الشاعر المصري: أشكو وأشكر فعله ... فأعجب لشاك منه شاكر طرفي وطرف النجم فيك ... كلاهما ساهٍ وساهر فالجناس المراد هنا "شاك" و"شاكر"، و"ساه" و"ساهر". فالزيادة في هذه الأمثلة في آخر الطرف المزيد. ولكل من هذه الأضرب تسميات من الخير ألا نثقل بها. قد تقع الزيادة في هذه النوع في أكثر من حرف، أما في الأول مثل قولك وأنت تؤم المصلين: ضَعْ بصرك موضع سجودك، فالجناس بين "ضع" و"موضع". وكقول الشاعر: فلي طبْع كسلسال معِين ... زلال من ذرا الأحجار جار فالجناس بين "أحجار" و"جار". أو تقع الزيادة في الوسط، ومنه: بناء المساجد مجد خالد، فالجناس بين "مساجد" و"مجد". وقد تقع الزيادة في الآخر وهو كثير، ومنه قول الشاعر حسان بن ثابت الأنصاري: وكنا إذا يغزوا النبي قَبُولة ... نَصِل جانبيه بالقِنا والقنابل فالجناس بين "القنا" و"القنابل"، والزيادة في الحرف كما ترى. ومثله قول الخنساء: إن البكاء هو الشفاء ... من الجوى بين الجوانح وقد جنست بين "الجوى" و"الجوانح". مثله قول آخر يرثي ميتًا: فيا لك من حَزْم وعزم طواهما ... جديد الردى تحت الصفا والصفائح

стр. 462

جانس بين "الصفا" و"الصفائح". وأما الجناس المقلوب فضابطه: هو أن يختلف طرفاه في ترتيب حروفهما ويبقى محتفظًا بمقومات الجناس الأخرى التي هي اتفاق الحروف في النوع والضبط والعدد، وللجناس المقلوب قسمان هما: جناس قلب الكل، وجناس قلب البعض. فجناس قلب الكل ضابطه: أن تختلف حروفهما في الترتيب، بحيث يقع الحرف أولًا في طرف، وآخر في طرف آخر، وهكذا، وعلى ذلك جاء قول الشاعر: حُسامك منه للأحباب فتح ... ورمحك منه للأعداء حتف فالجناس بين "فتح" و"حتف"، وأنت ترى أن الفاء أول "فتح"، وآخر "حتف"، والحاء أول في "فتح"، وآخر في "فتح"، أما التاء فقد ظل محتفظًا بترتيبه في الطرفين. وقد تلاعب الشعراء بهذا النوع من الجناس، واتخذوه منهجًا للتظرف والاستملاح، وقصدوا إلى ذلك قصدًا، من ذلك ما حكاه الأستاذ علي الجندي في (فن الجناس) مما روي عن الصاحب بن عبَّاد حين زار الشيخ أبا العباس بن الحارث في يوم شديد الحر، وكان الصاحب يتبرد بمروحة من الخيش، فقال الصاحب للشيخ أبي العباس: "ما يقول الشيخ في قلبه". في العبارة تورية في قوله: "في قلبه"، إذ معناه القريب قلبه الذي في صدره، ومعناه البعيد قلب حروف شيخ؛ لأنها عند القلب تصبح خيشًا، فيكون السؤال عن رأي الشيخ في مروحة الخيش. وضابط قلب البعض: أن يكون التقديم والتأخير في بعض الحروف دون البعض الآخر، ومنه قوله ﷺ : ((اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا)) فبعض الحروف وهي العين والراء هي التي قُدمت في طرف، وأخرت في الآخر، وبقية حروف الطرفين ظل محتفظًا بالترتيب فيهما، ومنه قولهم: رحم الله امرأً أمسك ما بين

стр. 463

فَكيه وأطلق ما بين كفيه، فالتقديم والتأخير اعترَى الفاء والكاف وحدهما، ومنه في الشعر قول عبد الله بن رَواحة يمدح الرسولَ ﷺ : تحمله الناقة الأدماء معتجرًا ... بالبَرد كالبدر جلا نوره الظلم والجناس بين "البرد" و"البدر" فالباء في الطرفين أول، والتغيير إنما وقع بين ترتيب الدال والراء. ومنه قول المتنبي: منعمة ممنعة رَداح ... يكلف لفظها الطير الوقوع والجناس بين "منعمة" و"ممنعة". وقد نص البديعيون على نوع ثالث من جناس القلب سموه بالمقلوب المستوي، وضابطه: أن يكون ترتيب الحروف في طرف عكس ما هو في الطرف الآخر، بحيث يمكن قراءة الكلمتين من الشمال إلى اليمين، كما تُقرأ من اليمين إلى الشمال، مثل قولهم: كَبَّر رجاءَ أجر ربك، فإنك لو أردتَ قراءة هذه الجملة من الشمال إلى اليمين، لأمكن لك ذلك، وذكروا له أمثلة أخرى، مثل: سور حَماه بربها محروس، وقولهم: سِرْ فلا كَبَا بك الفرس. ومن الشعر قول القاضي الأرجاني: مودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم فإنك تستطيع أن تقرأ هذا البيت مبتدئا بآخر حرف فيه، بحيث يصير أول كلمة "مودته" المصدَّر بها البيت، وهكذا حتى تحصل على البيت مرة أخرى بلفظه ومعناه دونما أدنى تغيير. ومثله قول الآخر: نال سِر العلا بما قد حواه ... أو حد قام بالعلا رسلان قد عارض شُراح (التلخيص) في عد هذا النوع من تجنيس القلب، وبنوا رفضهم على اعتبار أن تجنيس القلب يجب أن يذكر فيه المجانس له على هيئة من القلب، وأنه لا يُشترط فيه القلب على هذه الصورة، يعني: بحيث يمكن قراءته من

стр. 464

الوجهين دونما اختلاف. والحق مع شراح (التلخيص) بأن الجناس لا بد فيه من ذكر طرفيه على نحو ما تقدم. أما جناس المضارعة: فهو -كما ذكرنا آنفًا- منظور فيه إلى اختلاف نوع الحروف في الطرفين، مع بقاء بقية مقومات الجناس الأخرى التي هي الاتفاق في عدد الحروف، وضبطها، وترتيبها، فجناس المضارعة إذًا: هو أن تجمع بين طرفي جناس لا اختلافَ بينهما إلا في حرف واحد متحد في المخرج، أو متقارب مع نظيره في الطرف الآخر. ومن أمثلته قول الشريف الرضي: لا يذكر الرمل إلا حق مغترب ... له لدى الرمل أوطان وأوطار جانس بين "أوطان" و"أوطار" والراء والنون من مخرج واحد عند بعض اللغويين مع اختلاف يسير في الصفة. ومن أمثلة وقوعه في الوسط: قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ (الأنعام: ٢٦) فالاختلاف بين الهاء والهمزة، وهما من مخرج متحد وهو الحلق. ومثال وقوعه في الآخر: الخيل معقود بنواصيها الخير. الجناس بين "الخيل" و"الخير" واللام والراء متحدَا المخرج مع اختلاف يسير في الصفة كذلك، وكقولك: قرأ فقرَع الأسماع، قد جانستَ بذلك بين "قرأ" و"قرع" والهمزة والعين حلقيتان. هذا واتحاد المخرج أو تقاربه ضروري في تسمية الجناس مضارعًا، فإن تباعد المخرجان قد أخرج هذا اللونَ إلى مسمى آخر أطلقوا عليه اللاحق، وقد مثَّلوا له بقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ (الهمزة: ١) لِبُعد مخرجي اللام والهاء، وقد وقع الاختلاف هنا في الأول. ومثلوا الوقوع في الوسيط بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (العاديات: ٧، ٨) إذ الاختلاف بين الدال والهاء، وهما وسط الحرفين، ومخرجاهما متباعدان.

стр. 465

هذا، وهناك أنواع أخرى للجناس، منها ما أطلقوا عليه جناس التصحيف، وضابطه: أن يتماثل طرفاه خطًّا ويختلفَا نطقًا ونقطًا، ومثلوا له من القرآن بقول الله تعالى حكايةً عن إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (الشعراء: ٧٩، ٨٠) فالجناس بين ﴿وَيَسْقِينِ﴾ و ﴿يَشْفِينِ﴾ والطرفان فيه متماثلان في الخط، فلو أزلتَ النقط التي على حروفهما حدث بينهما تماثل تام، والاختلاف في النقط تابعاه اختلاف في النطق كما ترى. ومن ذلك: قوله ﷺ لعلي بن أبي طالب: ((قَصِّر ثوبك، فإنه أتقى وأنقَى وأبقى)) ومنه دعاؤه ﷺ : ((اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى)). وكذا ما يسمى بالجناس اللفظي أو جناس الاشتقاق، فهذه الصورة وإن اشتبهت بالجناس لفظًا فقد فارقته معنًى؛ لعدم التفاوت في معانيها، مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ (الروم: ٤٣) فأنت تلحظ اتفاقًا بين: ﴿أَقِمْ﴾ و ﴿الْقَيِّمِ﴾ وهذا الاتفاق جعل هذه السورةَ كأنها جناس، ولكن لما كان المعنى واحدًا للكلمتين زال معنى الجناس عنهما. بلاغة الجناس بقي أن نتحدث بإيجاز عن بلاغة الجناس؛ وذلك بعد أن وقفنا على مفهومه وعرفنا أنواعه المتعددة نقول: إن الجناس لا يُقبل ولا يعد حسنًا إلا إذا طلبه المعنى واستدعاه، وجاء عفوَ الخاطر، صادرًا عن طبع لا عن تكلف وتصنع. والجناس شأنه شأن فنون البديع الأخرى لا يُحمد فيه الإسراف، ولا يستحسن فيه الإكثار، ولذلك ذُم الاستكثار منه والولوع به، وذلك أن المعاني لا تدين في كل موضع لِمَا يجذبها التجنيس

стр. 466

إليه، إذ الألفاظ -كما قلنا- خدم للمعاني. ونستطيع أن نقول: إن بلاغة الجناس ترجع إلى الأمور الآتية؛ أولًا: التجاوب الموسيقي الصادر عن تماثل الكلمات تماثلًا كاملًا أو ناقصًا، تطرب له الأذن، وتهتز له أوتار القلوب، فتتجاوب في تعاطف مع أصداء أبنيتها، وهذا يؤكد بجلاء أهمية الجناس في خلق الموسيقى الداخلية في النص الأدبي، وبِناء على ما بين ألفاظه من وشائج التنغيم. الأمر الثاني: ما يحدثه الجناس من مَيْل إلى الإصغاء؛ لِمَا فيه من مناسبة الألفاظ، وما يحدثه كذلك من قَصْدٍ إلى تشوف السامع، وتشوقه إلى معرفة أحد معنيي اللفظ؛ لأن لفظ المشترك إذا حمِل على معنًى ثم جاء والمراد به معنى آخر، كان للنفس تشوف إليه. وقد نبه الإمام عبد القاهر إلى فائدة ثالثة: هي أن في التجنيس خداعًا عن الفائدة مع إعطائه إياها، وإيهام النقص، وقد أحسن الزيادة ووفاها. وهذه الزيادة التي نبه إليها الإمام عبد القاهر لا تظهر ظهورًا قويًّا إلا في التجنيس المستوفى المتفق الصورة منه، كقول أبي تمام يمدح أبا الغريب يحيى بن عبد الله: ما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله وتحقيق هذه الفوائد يجعل لأسلوب الجناس مدخلًا في بلاغة الأساليب، إذ إن هذه الفوائد مما تتعلق بها مقاصد البلغاء والمتكلمين وأهدافهم، ويقصدون إليها قصدًا من وراء الأساليب المختلفة للجناس وصوره. وإذا كان لهذا اللون مدخل في بلاغة الأساليب، فإنه بذلك يُعد في صميم البلاغة وداخل في جوهرها، وليس القصد إليه قصدًا إلى الزنة والزخرفة فحسب، بل إن التزيين به مما يكسب الكلام جمالًا وبَهاءً وحسنًا دون أن يخل ذلك ببلاغته، بل إن كثرة صوره وتعدد أساليبه في القرآن، يعد دليلًا على علو شأنه ورِفعة مكانته بين ألوان الجمال الأدبي. كما أن البحث في أي أسلوب من أساليب الجناس القرآنية، مما يؤكد

стр. 467

مدخل هذا اللون في إعجاز القرآن الكريم. فإذا وقعتَ على سر عظمته في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (التوبة: ١٢٧) أو قوله: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (النور: ٣٧) وغيرهما كثير، لأدركتَ أن هذا اللون لا يقف عند حد التزيين والاهتمام بجانب اللفظ، بل إنه يتعدى ذلك إلى البلاغة نفسها والدخول في صميمها بما له من قوة الأخذ والتأثير، وبما يحقق من أغراض ومقاصد، وبما له من مدخل في الإعجاز القرآني. أضِفْ إلى هذا أن الجناس يُعد من قبيل تداعي الألفاظ، وتداعي المعاني في علم النفس، وله أصله في الدراسات النفسية، فهناك ألفاظ متفقة كل الاتفاق أو بعضه في الجَرْس، وهناك ألفاظ متقاربة أو متشابكة في المعنى، حيث تُذكر الكلمة بأختها في الجرس وأختها في المعنى ... إلى غير ذلك مما أفضنا القول فيه. وآمل أن أكون قد وفقت في تبسيط ضوابطهما وقواعدهما سألًا المولى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجه الكريم، ولا يجعل لأحد فيه شيئًا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وأخيرًا ... أستودعكم الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.