← Баляга

Баляга · id 11200

البلاغة 1 - البيان والبديع - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (467 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

من هنا يبدو الفرق بين ما يهيئ للتورية وبين ما يرشحها أو يبينها، فاللفظ الملائم في التورية المرشحة أو المبينة لازمٌ من لوازم المعنى، أو بصيغة أخرى خصوصيةٌ من خصوصياته، فهو لازم خاص، ويشترط فيه -كما أوضحنا- ألا يكون من الألفاظ المشتركة، وهو إما مقو للتورية المرشحة أو مبين للتورية المبينة، ولو لم يذكر هذا الملائم لصحت التورية وظلت موجودةً. أما اللفظ المهيئ فإنه إذا لم يذكر لا تكون التورية أصلًا، ولننظر في قول ابن أبي ربيعة: أيها المنكح الثريا سهيلًا فإننا لو غيرنا أحد اللفظين فقلنا: أيها المنكح هندًا سهيلًا، لم تكن هنالك تورية في لفظ سهيل. هذا، وتكمن بلاغة التورية في ثلاثة أمور؛ أولها: أن المعنى البعيد المراد المورى عنه يبدو من خلف المعنى القريب غير المراد في صورة حسنة لطيفة، كما يبدو وجه المرأة الحسناء من وراء البُرقُع. ثانيها: أن المخاطب يدرك من لفظ التورية في بادئ الأمر معناها القريب بسرعة إدراكه قبل البعيد، ولخفاء القرينة فيها، فإذا ما وقف على المعنى البعيد بعد ذلك، وأدركه بالتأمل، وإطالة النظر، كان له وقعه في النفوس وأثره الحسن. الأمر الثالث: أن التورية تُمكِّن المتكلم من أن يخفي المعاني التي يخشى التصريح بها، فيوري عنها بمعانٍ أخرى تُفهم من لفظ التورية، وبهذا يدفع المحظور مع الصدق، كما رأينا في إجابة أبي بكر ﵁ للسائل عن الرسول ﷺ إذ قال له: "هادٍ يهديني الطريقَ". وكما هو حاصل في إجابة الرسول ﷺ في خروجه لغزوة بدر عندما سأل سائل: مِمَّن أنتم؟ قال له ﷺ : ((من مَاء))، فقد أراد -صلوات الله عليه- أنهم مخلوقون من ماء مَهين، فورَّى عنه بقبيلة من العرب يقال لها: ماء، أو بالعراق؛ لأن ماء اسم من أسمائها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 422

الدرس: ٢٠ السجع .

стр. 423

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس العشرون (السجع) تعريف السجع لغةً واصطلاحًا، والسجع عبر العصور الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد: السجع في اللغة: الكلام المقفَّى، أو موالاة الكلام على روي واحد، وجمعه: أسجاع وأساجيع، وهو مأخوذ من سَجع الحمام، وسجع الحمام هو هديله وترجيعه لصوته. وفي اصطلاح البلاغة: تواطؤ الفاصلتين أو الفواصل على حرف واحد، أو على حرفين متقاربين، أو حروف متقاربة. ويقع في الشعر كما يقع في النثر. فمما تواطأت فيه الفواصل على حرف واحد قول الله تعالى: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ (الطور: ١ - ٤) إلى آخره. وكذا قوله -جل وعلا: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ (العاديات: ١ - ٣). ومن التواطؤ على حروف متقاربة: قول الله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ (ص: ٤ - ٧) فالباء والدال والقاف حروف متقاربة. كذا قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (ق: ١، ٢). فالدال والباء حرفان متقاربان. ومن وقوعه في الشعر قول أبي تمام: تجلَّى به رشدي وأثرتْ به يدي ... وفاضَ به ثَمْدي وأورَى به زِندي وقول المتنبي: فنحن في جذل والروم في وجل ... والبر في شغل والبحر في خجل جذل: هو الفرح، والوجل: هو الخوف، والمعنى: نحن فرحون بالنصر والروم في خوف من غاراته، والبَر مشتغل بجيش الممدوح، والبحر في خجل من غزارة

стр. 424

كرمه. هذا ويرى بعض البلاغيين كالسكاكي والخطيب: أن السجع لا يكون إلا في النثر، وأنه لا يكون إلا بتواطؤ الفاصلتين أو الفواصل على حرف واحد، فليس منه التواطؤ على حروف متقاربة. يقول الخطيب: "السجع تواطؤ الفاصلتين من النثر على حرف واحد، وهذا معنى قول السكاكي: الأسجاع في النثر كالقوافي في الشعر". ولشراح (التلخيص) كلام حول عبارة السكاكي هذه، وفحوى كلامهم: أن التشبيه لا يصح إلا بحمل كلام السكاكي على أنه أراد بالسجع الفاصلةَ الثانيةَ التي واطأت الأولى، ولا يمكن حمل كلامه على أن المراد بالسجع تواطؤ الفاصلتين؛ لأنه لو كان هذا مراده لَمَا صح التشبيه؛ لأن القافية إما كلمة كما يرى الأخفش، وإما الحرف الثاني في البيت إلى أول متحرك بعد ساكن بينهما، وعلى هذا فإن الثانية قد تتحقق بجزء كلمة، وقد تتحقق بكلمة وجزء أخرى. ومهما يكن من أمر، فالأَولى هو ما ذكرناه؛ لأن السجع قد ورد في الشعر كما ورد في النثر؛ ولأن معظم البلاغيين جعلوا منه التواطؤَ على حروف متقاربة. هنا تتردد كلمات: الفقرة، والقرينة، والفاصلة، تتردد هذه الكلمات كثيرًا في باب السجع، فينبغي أن نعرف المراد بكل منها، فذلك أن الفاصلة: هي الكلمة الأخيرة من الفقرة أو القرينة، والفقرة أو القرينة بمعنًى واحد وهي الجملة التي تنتهي بالفاصلة، فمثلًا: قول الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (القمر: ١، ٢) الفاصلة كلمة: ﴿الْقَمَرُ﴾ في الآية الأولى، و ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ في الآية الثانية، والفقرة أو القرينة هي الآية كلها، كل آية فقرة أو قرينة. ونحن لو تتبعنا مراحل هذا المصطلح -مصطلح السجع- لرأينا أن السجع مصطلح بلاغي عُرف منذ العصر الجاهلي قبل أن توضع مصطلحات العلوم،

стр. 425

ومنذ معرفته في ذلك العصر -وحتى الآن- ودلالته لم تتغير ولم تتبدل، وعلى الرغم من أن بعض العلماء قد أطلقوا على هذا الأسلوب في القرآن الكريم اسمَ الفواصل بدلًا من السجع، إلا أن دلالته ظلت باقيةً حتى الآن، وكان للسجع منزلة سنية بين العرب في الجاهلية، فلقد كثر في كلامهم، كان يصدر منهم عن طَبْع سليم، وسليقة قوية، وفِطرة واضحة. من ذلك قول أوس بن حارثةَ موصيًا ابنَه: "يا مالك المنية ولا الدنية، والعتاب قبل العقاب، والتجلد لا التبلد، واعلم أن القبر خيرٌ من الفقر، وشر شارب المُشَتَف، وأقبح طاعم المقتف، وذهاب البصر خير من كثير النظر". ومنه قول قس بن ساعدة الأيادي في سوق عكاظ، وهو مشهور: "أيها الناس، اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر". ومنه أيضًا قول عبد المطلب بن هاشم يهنئ سيفَ بن ذي يزن باسترداد مُلكه من الحبشة: "إن الله تعالى أيها الملك أحلك محلًا رفيعًا صعبًا منيعًا، باذخًا -يعني: عاليًا- شامخًا، وأنبتك منبتًا طابت أرومته، وعزت جرثومته -جرثومة والأرومة هي الأصل- وثبت أصله وبسق فرعه في أكرم معدن وأطيب موطن". وإلى جانب هذا السجع الفطري وُجِدَ نوع آخر من السجع المتكلف، وهو سجع الكهان، كقول سُطيح بن مازن وهو من كهان العرب، في تعبير رؤيا ربيعة بن نصر اللخمي أحد ملوك اليمن: "أحلف بما بين الحَرتين من حنش، ليهبطن أرضَكم الحبش، وليمكنن ما بين أبينَ إلى جرش". وقول شق أنمار من كهان العرب في تعبير تلك الرؤيا: "أحلف بما بين الحرتين من إنسان، لينزلن أرضكم السودان، وليغلبن على كل طَفلة البَنان، وليملكن إلى ما بين أبينَ ونجران".

стр. 426

ومن ذلك أيضًا: قول كاهن الخزاعي في تنفير هاشم بن عبد مناف على أخيه أمية بن عبد شمس: "والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدي بعلم مسافر من منجد أو غائر، لقد سبق هاشم أميةَ في المآثر". وفي العصر الإسلامي نهَى النبي ﷺ عن سجع الكهان، فقد روي أنه ﵊ قَضَى في جنين امرأة ضربتها أخرى، فسقط ميتًا، قضى بِغُرة -أي: عبد أو أمة- على عاقلة الضاربة، فقال رجل منهم: كيف نَدي من لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل، ومثل ذلك دمه يُطل -أي: يهدر- فقال ﷺ : ((إياكم وسجعَ الكهان)) أو ((أسجعًا كسجع الكهان؟)). وسبب نهيه ﵊ عن سجع الكهان يرجع إلى ما فيه من التكلف والتصنع، كما هو وارد في هذا الأثر، وما تضمنه من أحكام تخالف تعاليمَ الإسلام، وما يقصد إليه الكاهن من التزييف، وتزيين الباطل؛ كي يعلو على الحق، ولم يقصد ﷺ النهي عن السجع مطلقًا، بل قصد النهي عن هذا النوع منه وهو سجع الكهان. ودليل ذلك أن أسلوب السجع قد ورد في النظم الكريم على نحو ما رأينا، وكما ورد أيضًا في أقواله ﷺ من ذلك قوله: ((يقول العبد: مالي مالي، وإنما لك من مالِك يا بن آدم ما أكلت فأفنيتَ، أو أعطيت فأمضيتَ، أو لبست فأبليت))، وقوله ﷺ : ((أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)). وفي أقوال أصحابه ﵃ وأرضاهم- ما جاء من قول عبد الله بن عباس في وصف أبي بكر ﵁: "رحم الله أبا بكر، كان والله للقرآن تاليًا، وعن المنكر ناهيًا، وبذَنْبه عارفًا، ومِن الله خائفًا، وعن الشبهات زاجرًا، وبالمعروف آمرًا، وبالليل قائمًا، وبالنهار صائمًا، فاق أصحابه ورعًا وكَفافًا، وسادهم زُهدًا وعفافًا".

стр. 427

وإذا كان سجع الكهان قد اختفى بمجيء الإسلام، فقد ظهر نوع آخر من السجع أغرق منه في الكذب والضلال، وأكثر منه اضطرابًا في النظم وسماجة التركيب، ألا وهو سجع مدعي النبوة، الذين استخفوا قومهم فأطاعوهم، من ذلك قول مسيلمة الكذاب: "يا ضُفدع نقي نِقي، لِمَ تنقين!! لا الماء تُكدِّرين، ولا الشراب تَمنعين". وإذا ما استثنينا هذا النوعَ -وهو سجع مدعي النبوة- نجد أن أسلوب السجع ظل قويًا مطبوعًا، وبخاصة في الوصايا، والحكم، والوعظ، والأجوبة، والنوادر، وغير ذلك من فنون القول، حتى أواسط القرن الرابع الهجري، حيث امتزج العجم بالعرب، ودَبَّ الفساد في اللغة، وعدَل القوم عن الأسلوب الفطري المطبوع، وتحولوا إلى الزخرف والزينة، فكان الإسراف والإفراط، وظهرت الصنعة والتكلف، ليس في السجع فحسب بل في مختلف الفنون البلاغية. آراء في أسلوب السجع، وهل يطلق على ما جاء في القرآن ولو تعرضنا لآراء البلاغيين في أسلوب السجع، لرأينا أنه لا ينبغي أن تفوتنا الإشارة بإيجاز إلى هذه الآراء في أسلوب السجع من حيث الإباحة والحظْر، ومن حيث جواز إطلاقه على ما في القرآن الكريم من فواصل وعدم الجواز. فقد اختلفت آراء العلماء في ذلك: فمنهم مَن عاب أسلوب السجع وعدَّه من الأساليب التي تقوم أكثرَ ما تقوم على الصنعة وعلى التكلف والتعسف، هم يستدلون على وجهة نظرهم بما آل إليه حالُ البيان العربي من تدهور وانحطاط في العصور التي شاع فيها استعمال السجع. ومنهم مَن استحسنه ودافع عنه، محتجًّا: بأنه لو كان مذمومًا لَمَا ورد في النظم الكريم، حيث لا تكاد سورة تخلو منه، بل إن مِن سوره ما جاءت جميعها مسجوعةً، كسورة القمر، وسورة

стр. 428

الرحمن، وغيرهما. ومنهم مَن أجاز إطلاق السجع على ما في القرآن الكريم، ومنهم مَن منعه وأطلق عليه اسم الفواصل. فالأمر بذلك يحتاج إلى مزيد تفصيل. وكدأب العلماء قديمًا وحديثًا انقسموا فريقين، فريق يثبت وجوده في القرآن ويؤيد، وآخر ينفي ويعترض، وكل أدلى بدلوه، واستدل بأدلته. فالمانعون -وعلى رأسهم الباقلاني- يستندون إلى أدلة كثيرة؛ منها: أن الفواصل بلاغة، والأسجاع عيب، وذلك أن الفواصل تابعة للمعاني، وأما الأسجاع فالمعاني تابعة لها، ثم إن السجع يألفه الكهان من العرب، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجةً في نفي الشعر؛ لأن الكهانة تنافي النبوات، كما أنه روي عن النبي ﷺ أنه قال للذين كلموه في شأن الجنين: ((أسجعًا كسجع الكهان))، فرأى ذلك مذمومًا، وأن لو كان في القرآن سجع لأمكن معارضته؛ لأن السجع غير ممتنع عليهم، بل هو في عادتهم. ثم إن تقديم موسى على هارون في موضع وتأخيره عنه في آخر كما جاء في سورة الشعراء وسورة طه، ليس للسجع، بل لفائدة أخرى، وهي إعادة ذكر القصة بألفاظ مختلفة تؤدي معنًى واحدًا. فالمقصد من تقديم بعض الكلمات وتأخيرها إظهار للإعجاز على الطريقين جميعًا، ثم إنه لا يقال: في القرآن أسجاع؛ لعدم الإذن الشرعي، ولا يقال في القرآن أسجاع أيضًا، إنما يقال فواصل، لقول الله تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ (فصلت: ٣). هذه هي بعض أدلة المانعين. أما المجيزون فأدلتهم كما أوردوها؛ هي: أن السجع ليس عيبًا، فمنه ما يأتي طوعًا سهلًا تابعًا للمعاني وبالضد من ذلك، والقرآن لم يأتِ فيه مثال من القسم المعيب؛ لعلوه في الفصاحة. كما أن الرسول ﷺ سمع الشعرَ واستحسنه، وأمر به شعراءَه، فالسجع والمزدوج دون القصيد والرجز، فكيف يحل ما هو أكثر ويحرم

стр. 429

ما هو أصغر؟! ثم إن زوال التحريم بزوال العلة، فالنهي وقع عن السجع؛ لقرب عهد العرب بالجاهلية، حتى إن الرسول ﷺ قيد الإنكار بالتشبيه: ((كسجع الكهان؟)) ولو كان الإنكار لذاته لقال: "أسجعًا" فقط. الأمر الذي يعني أن النهي منصب على سجع الكهان. كما أن إثبات السجع في القرآن صحيح؛ لأنه مما يبين به فضل الكلام، ولأنه من الأجناس التي يقع بها التفاضل في البيان والفصاحة كالتجنيس والالتفات، ثم إنه لا سببَ للفصل بين الفاصلة والسجع، فالفاصلة أو السجع في القرآن تؤدي دورها تمامًا كما تؤديه في غيره من الكلام الفني الجميل. ويقول أحد المثبتين وهو التنوخي: "أما مَن عاب السجع مطلقًا، فمخطئ؛ لأن السجع كثير في كتاب الله وفي كلام النبي ﷺ والفصحاء كقس وسَحبان، وإنما يُعاب السجع إذا احتاج متكلفه إلى تنقيص المعنى أو زيادته، فالذي فاته من المعنى يَقبُح، وترك السجع لا يقبح، فيكون حينئذٍ السجعُ قبيحًا لاستلزام القبح. وبهذا يُجاب عن قول النبي ﷺ : ((أسجعًا كسجع الكهان؟))، فإنه لو عاب السجع مطلقًا لَمَا نطق به، ولا يمكنه أن يعيبه مطلقًا؛ لمجيئه في كتاب الله تعالى كثيرًا. فالمعيب إذًا هو سجع مخصوص، وهو الذي مثَّله بسجع الكهان، وهو الذي ينقص المعنى أو يزيده". انتهى من كلامه. يقول الإمام الشهاب نقلًا عن البقاعي في كتابه (مصاعد النظر): "اختلف السلف في السجع، فقال أبو بكر الباقلاني في كتاب (الإعجاز): ذهب أصحابنا الأشاعرة كلهم إلى نفي السجع عن القرآن، كما ذكره أبو الحسن الأشعري في غير موضع من كتبه، وذهب كثير ممن خالفهم إلى إثباته. والقول الثاني فاسد؛ لِمَا في القرآن من اختلاف أكثر فواصله في الوزن والرَّوي، ولا ينبغي الاغترار بما

стр. 430

ذكره بعض الأماثل كالبيضاوي والتفتازاني من إثبات الفواصل والسجع فيه، وأن مخالفة النظم في مثل هارون وموسى بحسبه. ونقل أبو حيان في قول الله تعالى: ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ (فاطر: ٢١) أنه لا يقال في القرآن: قَدَّم كذا أو أخَّر كذا للسجع؛ لأن الإعجاز ليس في مجرد اللفظ، بل فيه وفي المعنى، ومتى حُوِّل اللفظ لأجل السجع عما كان لا يتم به المعنى بدون سجع، نُقِضَ المعنى وقيل عليه: أنه نسي ما قاله في "الصافات"، من أن التعبير بمارد ومريد للفاصلة، ثم إنه قال: لو كان في القرآن سجع لم يخرج عن أساليب كلامهم، ولم يقع به إعجاز، ولو جاز أن يقال: سجع معجز جاز أن يقال: شعر معجز، والسجع مما تألفه الكهان، وقد أنكر النبي ﷺ على مَن سجع عنده على ما عُرِفَ في كتب الحديث، ولو كان سجعًا كان قبيحًا؛ لتقارب أوزانه، واختلاف طرقه، فيخرج عن نهجه المعروف، ويكون كشعر غير موزون، وما احتجوا به من التقديم والتأخير ليس بشيء، فإنه لذكر القصة بطرق مختلفة. أقول -أي: الشهاب: أطال بلا طائل؛ لتوهمه أن السجع كالشعر، لالتزام تقفيته ينافي جزالةَ المعنى وبلاغته، لاستتباعه للحشو المخل، وأن الإعجاز بمخالفته لأساليب الكلام، فشنَّع على هؤلاء الأعلام وليس بشيء، والعجب منه أنه ذكر كلام الباقلاني مع التصريح فيه بأنه من السلف مَن ذهب إليه، والحق أنه في القرآن من غير التزام له في الأكثر، وكأن مَن نفاه نفَى التزامه أو أكثريته، ومَن أثبته أراد وروده فيه بالجملة، فاحفظه، ولا تلتفت لما سواه، وهذا ينفعك، والذي عليه العلماء أنه تُطلق الفواصلُ عليه دون السجع". انتهى من كلام الشهاب. المرجح إذًا من ذلك والأولى كما قال العلماء أن نقول عما جاء في القرآن على هيئة السجع فواصل؛ تأدبًا مع كلام ربنا ولنا في إمام مدرسة المتأخرين الإمام

стр. 431

السكاكي القدوة، حيث عدل في كتابه (المِفتاح) عن المصطلحات البلاغية التي رسخت في أذهان السابقين، مثل "المغالطة" عند الشيخ عبد القاهر، فإن السكاكي سماها "أسلوب الحكيم"؛ لأنه ورد في الذكر الحكيم، وكذا "تجاهل عارف" سماه السكاكي "سَوْق المعلوم مساقَ غيره"؛ لوجوده في كلام العليم الخبير. والفاصلة أولى من السجع؛ لورودها في القرآن كثيرًا: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ (فصلت: ٣) ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود: ١). والحق أن إيثار التعبير بالفواصل القرآنية فيه خروج من هذا الخلاف الشكلي حول إطلاق السجع على الفاصلة القرآنية، وقد رأيتَ ما يحدثه تلازمُ الفواصل من إثارة الشعور، ودفع الملل، وجذب المخاطبين، وبخاصة في هذه البيئة الشاعرة التي نزل فيها القرآن الكريم. يساعد على هذا أن الفاصلة أعم من السجع، حيث إنها تطلق على أواخر الآي، سواء اتفقت الأحرف أم اختلفت، على سبيل المثال قول الله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (قريش: ١ - ٤) تجد أن لذة التلاوة وحلاوتها كامنة في الكلمات: ﴿قُرَيْشٍ﴾، ﴿وَالصَّيْفِ﴾ و ﴿الْبَيْتِ﴾، و ﴿خَوْفٍ﴾ فإن هذه الكلمات الأربع تنتهي بأحرف مختلفة، ولكنها من فصيلة واحدة وهي حروف الهمس، وكل كلمة قبل آخرها حرف مد ولين، وهذا الحرف يمد حركتين أو أربعًا أو سِتًا ويسمى مدًّا عارضًا للسكون. وهذا التنغيم الصوتي يؤدي إلى جمال الأداء مع جمال اللفظ مع جمال المعنى مع جمال الهدف، كل هذا يؤدي إلى دخول القرآن القلبَ لعوامل شتى، منها الأداء اللفظي مع الفاصلة القرآنية التي تأتي، والمعنى في قرن واحد.

стр. 432

ولذلك تسمع وترى مَن أسلم بسبب سماعه للقرآن الكريم، وخير مثال لذلك ما حدث لعمر بن الخطاب ﵁ لما سمع سورة "طه" أو "الحاقة" في إحدى روايتي إسلامه. من أجل هذا يحاول الكفرة قديمًا وحديثًا صَرْفَ الناس عن مجرد سماع القرآن، أخبر الله عنهم حيث قال -جل وعلا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: ٢٦) ولذا لا يُمل سماعُ القرآن بسبب ما فيه من فواصل وخلافها، حتى قال فيه أفصحُ العربِ ﷺ : ((لا يخلق عن كثرة الرد)). ونحن المسلمين نقرأ القرآن منذ نعومة أظافرنا ولا نمله إن شاء الله ما بقينا، حتى إنك تقف مندهشًا من حفظ الأطفال الصغار جدًّا جزء عم لما فيه من الفواصل البليغة، في حين أنهم لا يستطيعون حفظ قصيدة لامرئ القيس، أو حتى لحسان بن ثابت ﵁ وما هذا إلا أنه بُنِيَ على فواصلَ بليغة حكيمة، كل فاصلة في مكانها، وحُق لنا أن نعتز بهذا الكتاب، وحقًّا صدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩). والسجع كغيره من ألوان البلاغة إنما يُستحسن ويُستجاد إذا صدر عن طبع، وجاء عفوًا، وقاد إليه المعنى، أما إذا تُكلف وتُصنِّع، وصار هو الذي يقود إلى المعنى، فإنه يستقبح ويُعاب، ويرد على قائله. يقول الإمام عبد القاهر: "ولن تجد أيمنَ طائرًا، ولا أحسنَ أولًا وآخرًا، وأهدى إلى الإحسان وأجلبَ إلى الاستحسان، من أن ترسل المعاني على سجيتها، وتدعها تطلب لأنفسها الألفاظ، فإنها إذا تُركتْ وما تريد لم تكتسِ إلا ما يليق بها، ولم تَلْبَسْ من المعارض إلا ما يَزينها، أما أن تضع في نفسك أنك لا بد من أن تجنس أو تَسْجَع بلفظين مخصوصين، فهو الذي أنت منه بعَرَض الاستكراه، وعلى خطر من الخطأ والوقوع في الذم".

стр. 433

شروط حسن السجع، وأنواعه والسؤال إذًا: إذا كان حال السجع هكذا فما هي إذن شروط حسن السجع -بالطبع في غير القرآن؟ الجواب: أن ابن الأثير ذكر شروطًا أربعة ينبغي تحققها؛ حتى يكون السجع حسنًا، فإذا فقد شرط منها لا يكون السجع حسنًا. وتلك الشروط هي؛ أولًا: أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوةً رنانةً، لا غثةً ولا باردةً. الأمر الثاني: أن تكون التراكيب أيضًا صافيةً حسنةً رائقةً خاليةً من الغَثاثة، وذلك أن المفردات قد تكون حسنة ولكنها عند التركيب تفقد هذا الحسنَ، ولذا شُرط في التركيب ما شرط في المفرد. ومعنى الغثاثة والبرودة التي ينبغي أن تخلو منها الألفاظ والتراكيب: أن يهتم المتكلم بالسجع ويهمل الألفاظ والتراكيب، فتأتي متكلفةً، قد بدت فيها الصنعة والتعمق. الشرط الثالث: أن يكون اللفظ فيه تابعًا للمعنى، لا أن يكون المعنى تابعًا للفظ، وإلا كان كظاهر مموه على باطن مشوه. الرابع: أن تكون كل واحدة من الفقرتين المسجوعتين دالةً على معنى غير المعنى الذي دلتْ عليه أختها، فإذا كان المعنى فيهما سواء فذلك هو التطويل بعينه؛ لأن التطويل إنما هو الدلالة على المعنى بألفاظ يمكن الدلالة عليها بدونها. وهذا الشرط الأخير لم يسلم لابن الأثير، فقد فنده بعضهم، ذاكرًا أن السجعة الثانية إذا كانت بمعنى الأولى فهي تؤكد معناها، فالتأكيد عمدة البيان. ثم ذكر أن القرآن الكريم قد ورد فيه ذلك في كثير من مواضعه، نحو قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ (الناس: ١ - ٣) فالرب هنا والمَلك والإله بمعنى واحد، وكل سجعة من هذه السجعات قد أعطت معنى الأخرى. ومثله قوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ (النبأ: ١٤ - ١٦) فإن الجنات هي البساتين، ولا معنى

стр. 434

للبساتين إلا ما كان محتويًا على الحَب والنبات. ومن ذلك قوله ﵎: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ (النبأ: ٢٧، ٢٨) فإن عدم اعتقادهم في الحساب هو تكذيبهم بالآيات. ومثل هذا في القرآن العزيز كثير جدًّا. والرأي في ذلك: أن السجعة الثانية عندما تأتي بمعنى الأُولى فإن كانت مؤكدةً لها أو مبينةً وموضحةً -كما رأينا في الآيات- فذلك محمود؛ لأنه إطناب، والإطناب من البلاغة، أما إذا كان تكرارها لا يزيد الأولى شيئا فذلك مذموم؛ لأنه من التطويل، والتطويل عيب في الكلام. ومن ذلك التطويل المعيب: قول الصبي: الحمد لله الذي لا تدركه العيون بألحاظها، ولا تحده الألسن بألفاظها، ولا تَخلقه العصور بمرورها، ولا تهرمه الدهور بكرورها. فلا فرق هنا بين مرور العصور وكَر الدهور. يقول: ثم الصلاة على النبي الذي لم يرَ للكفر أثرًا إلا طمسه ومحاه، ولا رسمًا إلا أزاله وعفاه. فهنا تجد أنه لا فرق بين محو الأثر وعفاء الرسم. فالسجعة الثانية في كل مكررة، وتكرارها لم يفد الأولى شيئًا، ولم يزد الكلام بهجةً، ولا أضفى عليه رونقًا، ولذا كان من التطويل المعيب. هذا، وللسجع أنواع باعتبار وروده في النثر والشعر، إذ بعض هذه الأنواع يكون في النثر والشعر معًا يشترك فيهما، وبعضها يختص بالشعر فقط. فأنواعه المشتركة بين النثر والشعر ثلاثة: أولها: المطرف: وهو ما اختلفت فيه الفاصلتان أو الفواصل وزنًا واتفقت رويًّا، كما في قول الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ (نوح: ١٣، ١٤) فوزن: ﴿وَقَارًا﴾ يختلف عن وزن: ﴿أَطْوَارًا﴾ والروي واحد، وهو حرف الراء. ومنه شعرًا، قول أبي تمام وقد سبق:

стр. 435

تجلَّى به رشدي وأثرتْ به يدي ... وفاضَ به ثَمْدي وأورَى به زِندي فزندي ويدي مختلفان وزنًا، متفقان رويًا. أما رشدي وثمدي وزندي: فمتفقة في الروي والوزن معًا، والمراد بالوزن هنا الوزن العروضي لا الصرفي. النوع الثاني من المشترك بين النثر والشعر: ما يسمى بالمرصع وهو أن يكون ما في إحدى القرينتين من الألفاظ أو أكثره مثل ما يقابله من الأخرى وزنًا وتقفيةً، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (الانفطار: ١٣، ١٤) فالأبرار في الوزن والتقفية مثل الفجار، ونعيم كذلك مثل جحيم، ومثله قوله : ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ (الغاشية: ٢٥، ٢٦) وقوله : ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ (العاديات: ١ - ٥) ومثله قوله ﷺ : ((اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفا)) ومنه قول الحريري: فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه. ومنه شعرًا قول أبي فِراس الحمداني: وأفعالنا للراغبين كرامةً ... وأموالنا للطالبين نهاب وقول الآخر: فحريق جمرة سيفه للمعتدي ... ورحيق خَمرة سببه للمعتفي النوع الثالث -ما يشترك فيه السجع بين الشعر والنثر: ما يسمى بالمتوازي، وهو ما اتفقت فيه الفاصلتان فقط وزنًا وتقفيةً، كما في قول الله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ (الغاشية: ١٣، ١٤) فإن: ﴿مَرْفُوعَةٌ﴾ و ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ متفقتان وزنًا ورويًّا. ومن ذلك قوله ﷺ : ((اللهم إني أدرأ بك في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم)) فـ ((نحورهم)) و ((شرورهم)) متفقتان وزنًا وقافيةً. ومنه شعرًا قول المتنبي -وقد مر بنا:

стр. 436

فنحن في جذل والروم في وجل ... والبر في شغل والبحر في خجل فالشطر الأول مسجوع سجعًا متوازيًا، والشطر الثاني من السجع المرصع، فإن اتفقت الفاصلتان في الوزن دون القافية سُمي هذا باسم الموازنة، كقوله تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ (الغاشية: ١٥، ١٦) فلفظا: ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ متفقان في الوزن لا في القافية، فالأولى على الفاء والثانية على الثاء، وهما حرفان متقاربان لا متفقان. ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا * فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ (مريم: ٨٣، ٨٤) فـ ﴿أَزًّا﴾ و ﴿عَدًّا﴾ اتفقتا وزنًا واختلفتَا قافيةً. فإن كان ما في إحدى القرينتين من الألفاظ أو أكثر ما فيهما مثل ما يقابله من الأخرى في الوزن دون القافية، خُصَّ باسم المماثلة، وهذا هو النوع الخامس، كقول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الصافات: ١١٧، ١١٨). ومنه شعرًا قول أبي تمام: مها الوحش إلا أن هاتا أوانسٌ ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل وقول البحتري: فأحجم -أي: الأسد الذي بارزه الممدوح: فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا ... وأقدم لما لم يجد عنك مهربًا وكما يقع السجع في كلام شخص واحد فقد يقع في كلام شخصين، كما حُكِي من أنه قيل لرجل: ما أحسن السجع؟ قال: ما راق في السمع، قيل: مثل ماذا؟ قال: مثل هذا، يقصد ما سبق من جواب وسؤال. ومنه: ما روي من أن النبي ﷺ سأل عمن قتل أحد الكفرة، فقالوا له: ابن الأكوع، فقال ﷺ : ((له سلبه أجمع)). وأما أنواعه الخاصة بالشعر فهي؛ أولًا: التشطير؛ وهو أن يُجعل كل شطر من شطري البيت سجعتين، بحيث تختلف سجعتا كل شطر عن سجعتي الشطر الآخر في القافية، كما في قول أبي تمام:

стр. 437

تدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتقب في الله مرتغب النوع الثاني: التصريع؛ وهو جعل كل شطر من شطري البيت فقرةً، فتكون العروض مقفاةً تقفيةَ الضرب. وهذا النوع يحسن في أول أبيات القصيدة، وعند الانتقال من غرض إلى آخر كالانتقال من النسيب إلى المديح. وفيما عَدَا هذين الموضعين يحسن ما قل منه دونما كثر. ومن شواهده قول أبي فِراس: بأطراف المثقفة العوالي ... تفردتا بأوساط المعالي وقول امرئ القيس: ألا عِم صباحًا أيها الطلل البالي ... وهل ينعمن مَن كان في العصر الخالي وقوله في مطلع معلقته: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل وفي أثنائها: أفاطم مهلًا بعد هذا التدلل ... وإن كنتِ قد أزمعت صرمي فأجملي ومنه قول أبي العتاهية: الفقر فيما جاوز الكفافَ ... مَن اتقى الله رجا وخافا النوع الثالث: أن يكون غير مصروع ولا مشطور، كما في قول الخَنساء: حامي الحقيقة محمود الخليقة مه ... ـدي الطريقة نفاع وضرار ونلاحظ في بناء الأسجاع أن فواصل هذه الأسجاع موضوعة على أن تكون ساكنة الأعجاز، موقوفا عليها، إذ الغرض أن يزاوج بينها ولا يتم هذا في كل صورة إلا بالوقف والبناء على السكون. ففي قول قس بن ساعدة الأيادي: "من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت". وقول الآخر: "ما أبعد ما

стр. 438

فات، وما أقرب ما هو آت". لو لم نقف بالسكون لفات الغرض من السجع، إذ التاء من "مات وفات" تصير مفتوحةً، ومن "آت" تصير مكسورة منونة، وذلك حَسْب إجراء حركات الإعراب أو البناء على آخر الفواصل، وهذا الإجراء لا يحقق التزاوج بين الفواصل، فوجب الوقوف عليها وتسكين أعجازها. أما السجع باعتبار طول الفقر وقصرها، فهو يأتي على اختلاف أنواعه، وينقسم من حيث طول فقره وقصرها إلى قسمين: سجع قصير، وسجع طويل. فالقصير: ما كان مؤلفًا من ألفاظ قليلة، إذ يبدأ بكلمتين وينتهي إلى تسع كلمات أو عشْر، كما في الآيات الكريمة: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ (المرسلات: ١، ٢) ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (المدثر: ١ - ٥) من ذلك قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (النجم: ١ - ٣) وقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ (القمر: ١ - ٣). أما الطويل: هو ما كان مؤلفًا من ألفاظ طويلة وتتفاوت درجاته في الطول، إذ يبدأ من إحدى عشرة لفظةً وينتهي إلى عشرين فما فوقها، من ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ (هود: ٩، ١٠) وقوله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (التوبة: ١٢٨، ١٢٩)

стр. 439

من ذلك قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (الأنفال: ٤٣، ٤٤). ويرى البعض: أن السجع من حيث طول فقره وقصرها ثلاثة أقسام: طويل، ووسط، وقصير. فالقصير: يبدأ بكلمتين وينتهي إلى أربع كلمات، والوسط: يبدأ من خمس إلى عشر، والطويل: ما فوق ذلك. ولا فائدةَ ترجَى من وراء هذا الاختلاف، بل ولا حتى من وراء هذه التقسيمات، فالأولى أن يقال: إن السجع يبدأ بكلمتين وينتهي إلى العشرين أو ما قاربها. أما السجع من حيث تساوي فِقره وعدم تساويها، فإننا نلحظ أن السجع تتساوى فقره أحيانًا، كما في قول الله تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ (الواقعة: ٢٨ - ٣٠) وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ (الضحى: ٩، ١٠) وقد تطول الفقرة الثانية طولًا لا يَخرج بها عن حد الاعتدال، كقول الله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى* مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ وقد تتساوى الأولى والثانية وتطول الثالثة، كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ (الحاقة: ٣٠ - ٣٢) وقد تكون الثانية أقصرَ من الأولى قصرًا يسيرًا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ (الفيل: ١، ٢). وهذه الأنواع كلها حسنة قد وردت في أساليب القرآن الكريم -كما رأينا. ويذكر البعض: أن أحسن السجع ما تساوت قرائنه، ثم ما طالت قرينته الثانية، ثم الثالثة، ثم ما قصرت قرينته الثانية قصرًا يسيرًا، ولا وجه لهذا التفضيل،

стр. 440

خاصةً وأن الكل قد ورد في النظم الكريم، فالأولى أن يقال: إن كل نوع منها حسن في موضعه، أما ما يستقبح فهو أن تطول الفقرة الثانية عن الأولى كثيرًا، بحيث يخرج بها هذا الطولُ عن حد الاعتدال؛ لأن هذا يفوت على السامع لذةَ الاستمتاع بالقافية لبُعدها بعدًا كثيرًا، كما يقبح أن تقصر الثانية عن الأولى قصرًا كثيرًا؛ لأن السجع إذا استوفَى أمدَه من الأولى لطولها، ثم جاءت الثانية أقصر منها كثيرًا، كان ذلك كالشيء المبتور، ويبقَى السامع كمَن يريد الانتهاء إلى غاية، فيعثر دونها، ومن ثَم لم يرد شيء من ذلك في أساليب النظم الكريم. بلاغة السجع وننهي كلامنا بالحديث عن بلاغة السجع، ونقول: إن بلاغة السجع ترجع إلى أنه يؤثر في النفوس تأثيرَ السحر، ويلعب بالأفهام لعبَ الريح بالهشيم؛ لِمَا يحدثه من النغمة المؤثرة، والموسيقى القوية التي تطرب لها الأذن، وتَهش لها النفس، فتُقبل على السماع من غير أن يداخلها مَلل، أو يخالطها فتور، فيتمكن المعنى في الأذهان، ويَقر في الأفكار، ويَعز لدى العقول. ولَمَّا قيل للرقاشي: "لِمَ تؤثر السجع على المنثور، وتلزم نفسك القوافي وإقامةَ الوزن؟ قال: إن كلامي لو كنتُ لا آمُل فيه إلا سماع الشاهد لقل خلافي عليه، ولكني أريد الغائب والحاضر، والراهن والغابرَ، فالحفظ إليه أسرع، والآذان لسماعه أنشط، وهو أحق بالتقييد وبقلة التفلت". وهكذا، فالسجع له فائدة كبرى على النثر العربي، فهو يساعد على حفظ الخطاب والحكم والأمثال، ذلك أن انتهاء الجمل بحرف واحد أو حرفين أو أكثر يجعل الأذنَ تَهش له، والقلب يميل إليه.

стр. 441

ومن هنا فقد اشترط البلاغيون لتمام السجع سكون أواخر الفقر، فقال الخطيب: "واعلم أن فواصل الأسجاع موضوعة على أن تكون ساكنةَ الأعجاز، موقوفًا عليها؛ لأن الغرض أن يزاوَج بينها، ولا يتم ذلك في كل صورة إلا بالوقف". من ذلك أول سورة الفجر يقول تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (الفجر: ١ - ١٤) فتسكين أواخر الراء وأواخر الدال كي يظهر السجعُ، ولو حركتَ حرف الراء والدال فات الغرض من السجع. ربما يحذف حرف أو يُزاد حرف لأجل السجع، ويظهر ذلك جليًّا في آيات سورة الفجر السابقة فحذف حرف الياء من الفعل: ﴿يَسْرِ﴾ بدون جزم دال على ذلك، وذلك لتمام الفاصلة، وحذف كذلك حرفَ الياء أيضًا من الاسم: ﴿الْوَادِ﴾ لنفس الغرض، وحذف الياء كثير في القرآن مثل: ﴿هَادٍ﴾ (الرعد: ٣٣) ﴿وَالٍ﴾ (الرعد: ١١) ﴿مَآبٍ﴾ (الرعد: ٢٩) في سورة الرعد، وأصلها: هادي، والي، مآبي، حُذفت هذه الحروف؛ لمراعاة الفاصلة. ومثل ذلك أيضًا: ﴿دِينِ﴾ في سورة الكافرون: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون: ٦) وأصلها: ديني، فحُذفت الياء؛ مراعاةً للفاصلة. وربما غير العرب الكلمةَ عن وضعها الصرفي؛ وذلك طلبًا للسجع والتوازن الإيقاعي بين طرفي الجملة، وذلك مثل قول الرسول ﷺ يرقي سِبطيه:

стр. 442

((أُعيذكما بكلمات الله التامة، من الهَامة والسامة، والعين اللامة))، فاللامة أصلها المُلمة من: ألَمَّ، فعبر بها لموافقتها ما قبلها، ومثله قوله للنساء ﷺ : ((ارجعن مأزورات غير مأجورات))، والأصل: مأزورات من الوزر، لكنه قال ذلك لمكان: ((مأجورات)). وكذلك قوله ﷺ : ((خيرُ المال سِكة مأبورة، أو مُهرة مأمورة))، فالسكة: الطريقة من النخل، ومأبورة أي: ملقحة، ((ومهرة مأمورة)) أي: كثيرة النسل، وكان يجب أن يقال: مؤمَّرة؛ لأنه مِن: آمرها الله، ولكنه أتبعها قوله: ((مأبورة)) كقولهم: إنه ليأتينا بالغدايا والعشايا. كما أن من مزايا السجع في النظم الكريم: شدة ارتباط الفاصلة وتماسكها بما قبلها من الكلام، بحيث تنحدر على الأسجاع انحدارًا، وكأن ما سبقها لم يكن إلا تمهيدا لها، وبحيث لو حذفت لاختل معنى الكلام، ولو سُكِتَ عنها لاستطاع السامع أن يختمه بها؛ انسياقًا مع الطبع والذوق السليم. مثلًا: قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ (النجم: ١٩ - ٢٢) تجد أن كلمة: ﴿ضِيزَى﴾ الواقعة في الفاصلة تتماسك مع المعنى، وتنحدر على الأسجاع، وتنساق مع السياق انسياقًا تامًّا، وهي لفظة غريبة، ولكن غرابتها من أشد الأشياء ملاءمةً لغرابة تلك القِسمة التي أنكرها النظم الكريم. وهذا هو شأن الفواصل في جميع آي الذكر الحكيم. كما تتبدى بلاغة السجع: إذا خرج عفوًا غير مستكره ولا مستجلب، بل يأتي والكلام مطابق لمقتضى الحال، ويتمثل ذلك في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية المطهرة الشريفة، وحِكم وأمثال العرب، وخطب الخلفاء الراشدين، ومَن سار سيرهم. مثلًا قول الله تعالى في سورة القمر، فكل آية آخرها حرف راء -وهناك ست آيات آخرها حرف الراء- هذه الراء بعدها ياء المتكلم، وهي: ﴿عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ (القمر: ١٨)

стр. 443

وحذفت الياء لأغراض، منها: رعاية الفاصلة التي بُنيت على حرف الراء، وحذفها لدلالة ياء المتكلم الموجودة في الكلمة قبلها: ﴿عَذَابِي﴾ عليه. ومنها: قَطْع الكلمة عند حرف الراء للتخويف والترهيب، فهو نذر عظيم لا يقادر قدره، ولا يحاط وصفه، فحذف الياء جاء للتوافق الصوتي مع الآيات السابقة واللاحقة، والقرآن الكريم قِمة في ذلك، إذ هو يحرص على توافق التنغيم الصوتي بقدر حرصه على مراعاة الأحوال والمقتضيات. ولنأخذ مثلًا قول الله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (المزمل: ٨) فالمصدر للفعل: تبتل تبتلًا على وزن "تفعّل" ومع هذا جاء على تبتيلًا بزنة "تفعيل"؛ وذلك مراعاةً للفاصلة، ويدل على أنه ينبغي له تجريد نفسه عما سواه، ومجاهدته، فلذا ذكر التبتيل الدال على فعله بخلاف التبتل، فإنه لا يدل إلا على قَبول الفعل كالانفعال. ومثل ذلك أيضًا ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ (الأحزاب: ١٠) فكلمة: ﴿الظُّنُونَا﴾ زيد في آخرها الألف؛ مراعاةً لحق الفاصلة. ومثله كذلك: ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ (الأحزاب: ٦٦). وكذلك نجد في حديث النبي ﷺ أن هذا المحسن جاء غيرَ متكلف، فانظر مثلًا إلى قوله ﷺ : ((أنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال))، وكذا قوله مخاطبًا الأنصارَ: ((أما والله ما علمتُكم إلا لتقلون عند الطمع، وتكثرون عند الفزع)). هكذا نجد سهولةَ السجع أو الفاصلةَ في القرآن وفي سنة النبي ﷺ . وهكذا تبدو بلاغة هذا السجع في هذه الألوان من النثر. إلى هنا ينتهي لقاؤنا، وإلى لقاء آخر مع لون آخر من ألوان البديع، إلى الملتقى، استودعكم الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 444

الدرس: ٢١ الجناس باعتباره أحد المحسنات اللفظية .

стр. 445

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الحادي والعشرون (الجناس باعتباره أحد المحسنات اللفظية) معنى الجناس في اللغة والاصطلاح، وجهود البلاغيين في إبرازه الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد: فالجناس في لغة العرب: كالمجانسة، مصدر: جانس الشيء الشيء: إذا اتحد معه في الجنس أو شاكله في بعض خواصه، يقال: هذا يجانس هذا أي: يشاكله، وفلان يجانس البهائمَ ولا يجانس الناسَ: إذا لم يكن له تمييز ولا عقل. فالمادة إذًا تدور حول الاتحاد والمشاكلة. والجناس في الحقيقة فن واسع من فنون البديع لم يُعهد في فن منها أن كثرت تعاريجه، واتسعت مسائله، واختلفت صوره كما هو الحال في فن الجناس؛ لذا فإن وَضْع حد لهذا الفن يجمع أطرافه ويلم شتاته، ليس بالأمر السهل الهين، من ثَم كان الكاتبون في البلاغة يفرون من وضع تعريف له، ويكتفون بوضع تصور أو ضابط لنوع من أنواعه، أو فرع من فروعه، الأمر الذي أدى إلى كثرة التعريفات مع ما فيها من تصور وعدم وفاء بأطراف هذا الفن المترامية. وقد أشار الخليل إلى فن الجناس بقوله: "الجنس لكل ضرب من الناس والطير والعَروض والنحو، فمنه ما تكون الكلمة تجانس الأخرى في تأليف حروفها ومعناها وما يشتق منها، مثل قول الشاعر: يوم خلجت على الخليج نفوسهم ... ....................... أو يكون تجانسها في تأليف الحروف دون المعنى، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (النمل: ٤٤) ". وللأصمعي كتاب يُنسب إليه يسمى (كتاب الأجناس) وابن المعتز يعده من الفئوس الأساسية للبديع، ثم ما لبث أن نَمَا الجناس، وتشعبت فروعه، وكثرت أنواعه، وتعددت مصطلحاته، ولعل ذلك يرجع إلى إسراف الشعراء وإكثار الكتاب من هذا اللون، وتفننهم في صنوفه

стр. 446

وأشكاله، وبخاصة في العصور المتأخرة. والذي يعنينا الآن أن نقف على مفهوم الجناس وأثره في المعنى، وأن نعرف أنواعه بعيدًا عن التقسيمات المملة، والتي يتداخل معظمها، ولا يجد الدارس من الوقوف عليها كبيرَ فائدةٍ. الذي يُفهم من كلام القدماء إذًا أن الجناس عندهم: اتحاد طرفيه أو تشابههما في الصورة والتلفظ مع اختلاف المعنى فيهما، ترى هذا المعنى في قول ابن الرومي: للسود في السود آثار تركن بها ... وقعًا من البيض يثني أعين البيض فقد جاءت كلمة "السود" في الشطر الأول مرتين، كما جاءت كلمة "البيض" في الشطر الثاني مرتين كذلك، وكلمة "السود" في الشطر الأول مع تكررها إلا أنها جاءت في المرة الأولى بمعنًى، وفي المرة الثانية بمعنًى آخر، فمعناها في المرة الأولى الليالي، ومعناها في المرة الثانية الشعر الأسود، والمعنى: أن لليالي السوداء بما تجلب من هموم آثارًا واضحة في شَعر المهموم الذي يمضي ليله ساهرًا قلقًا. فأنت تلاحظ: أن في الشطر الأول طرفين هما كلمة "السود" الأولى وهو الطرف الأول، والثانية وهو الطرف الثاني، وقد جاء الطرفان متحدين صورةً ولفظًا، إلا أن معناهما مختلف -كما ترى- وكذلك كلمة "البيض" التي جاءت في الشطر الأول مكررةً مرتين، الأولى بمعنًى، والثانية بمعنى آخر، فقد جاءت في الأولى بمعنى الشعيرات البيضاء، والثانية بمعنى الغانيات الفاتنات صُويحبات البشرة البيضاء، ومعنى هذا الشطر: أن الغانيات البيض صددن عنه؛ ظنًّا منهن أن شعره قد شاب لِكبر في سنه. فأنت تلاحظ: أن في هذا الشطر الذي قبله طرفان؛ الأول: كلمة البيض بمعنى الشعيرات البيضاء، والثاني كلمة البيض بمعنى الغانيات الفاتنات، وقد اتحد الطرفان صورةً ولفظًا واختلفا معنًى كما هو واضح.

стр. 447

وقد عرف ابن الأثير الجناس: بأنه اتفاق اللفظ واختلاف المعنى، ومثَّل له بقوله ﷺ : ((أسلم سالمها الله، وغِفار غفر الله لها، وَعُصية عصت الله))، ففي الحديث ثلاثة جناسات؛ الأول: بين ((أسلم))، وهي قبيلة، و ((سالمها)) دعاء بالسلامة. والثاني: بين غِفار اسم قبيلة: ((وغفر الله لها)) دعاء لها بالغفران. والثالث بين عُصية اسم قبيلة: و ((عصت الله)) إخبار عن عصيانها لله -جل وعلا. فأنت -كما ترى- تجد في كل من هذه الجناسات طرفين تشابهت صورتهما ولفظهما، وكان بينهما نوع من الاتفاق، إلا أنهما في المعنى مختلفان. ومن الجناس ما هو حسن، ومنه ما هو قبيح، شأن كل لون بديعي، فيجيء الجناس حسنًا رائعًا إذا قصد إلى غاية تخدم غرضَ المتكلم، كأن يخدعه عن حقيقة ما أراد وقد أعطاها له، أو يوهمه بأنه يكرر لفظًا دون فائدة، مع أن الفائدة محققة، أو يجعله يظن أنه لم يزده شيئًا مع أنه أحسن الزيادة ووفاها حقها من السماحة والقبول. كما أن الجناس يحسن ويلطف إذا كان موقع اللفظين من العقل موقعًا حميدًا، وكانت المناسبة بينهما واضحةً قريبةً، ولا تعقيدَ فيها ولا التواء. أما إذا لم يكن تحت الجناس فائدة ولم يكن ثَمة غرض يرمي إليه المتكلم، اقتصر الأمر على تكرير الكلمات والحروف دون قصد يخدم غرضه، فإن الجناس يأتي سمجًا مرذودلًا. كما أن الجناس يجيء غَثَّا قبيحًا إذا لم يقع موقعًا حسنًا من الكلام، أو كانت المناسبة بين اللفظين فيها نوع التواء، أو عدم وضوح. يقول الإمام عبد القاهر: "إنك لا تستحسن تجانسَ اللفظتين إلا إذا كان موقع معنييهما من العقل موقعًا حميدًا، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمًى بعيدًا، أتراكَ استضعفتَ تجنيس أبي تمام في قوله: ذهبت بمذهبه السماحة فالْتَوَتْ ... فيه الظنون أَمَذهب أم مُذهب

стр. 448

واستحسنت تجنيس القائل: حتى نَجَا من خوفه وما نجا ... ......................... وقول المحْدث: ناظراه فيما جنى ناظراه ... أو دعاني أمُتْ بما أودعاني لأمر يرجع إلى اللفظ أم لأنك رأيت الفائدة ضعفت عن الأول وقويت في الثاني؟ ورأيتك لم يزدك بـ"مذهب" و"مُذهب" إلا أن أسمعك حروفًا مكررة تروم لها فائدةً فلا تجدها إلا مجهولة منكرة، ورأيت الآخرَ قد أعاد عليك اللفظةَ كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك كأنه لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفَّاها، فبهذه السريرة صار التجنيس -وخصوصًا المستوفَى منه المتفق في الصورة- من حُلي الشعر، ومذكورًا في أقسام البديع". انتهى من كلام الإمام عبد القاهر. ويجب في الجناس أن يكون سهلًا لا كلفة فيه، وإلا كان سمجًا -كما قلنا- قبيحًا، ومن الجناس القبيح لما فيه من التكلف قول عبد الله بن مالك القرطبي: حييتُ إذا حييت حادي عيسهم ... فكان عيسى من حُداة العيسي فحمله تكلف التجنيس على أن يجعل عيسى ﵇ من حداة عيسهم. تقسيم المحسنات البديعية إلى: معنوية، ولفظية والبلاغيون حين قسموا المحسنات البديعية إلى: محسنات معنوية، ومحسنات لفظية، وفرقوا بينهما بأن المحسن المعنوي: ما كان التحسين فيه راجعًا إلى المعنى أولًا وبالذات، واللفظي: ما كان التحسين فيه راجعًا إلى اللفظ أولًا وبالذات، وضعوا ضابطًا يفرقون به بين النوعين، فضابط المعنوي أنك إذا غيرتَ بعض الألفاظ الدالة عليه بمَا يرادفه لا يتخلف التحسين، وضابط اللفظي على عكس ذلك، فلو غيرتَ اللفظ بما يرادفه لذهب التحسين واختفى المحسِن. وبِناءً على هذا

стр. 449

الفرق، فإن الجناس داخل في المحسنات اللفظية، إذ إن التحسين فيه راجع إلى اللفظ أولًا وبالذات، وضابط المحسن اللفظي ينطبق عليه. غير أن جمهور البلاغيين احترسوا لهذا الفرق، وقالوا: إن التحسين في المعنوي وإن كان راجعًا إلى المعنى أولًا وبالذات، إلا أن هناك تحسينًا يرجع إلى اللفظ وإن كان عَرَضيًّا، وكذا المحسن اللفظي، فبالرغم من أن التحسين راجع فيه إلى اللفظ إلا أن المعنى أيضًا يناله بعض التحسين، فالجناس وإن كان محسنًا لفظيًّا إلا أن التحسين فيه يتعدَّى اللفظ والجرس إلى المعنى. وقد نبه إلى ذلك الشيخ عبد القاهر في قوله: "رجوع الاستحسان إلى اللفظ من غير شِرك من المعنى فيه، وكونه من أسبابه ودواعيه، لا يكاد يعدو نمطًا واحدًا، وهو أن تكون اللفظة مما يتعارفه الناس في استعمالاتهم، ويتداولونه في زمانهم، ولا يكون وحشيًّا غريبًا أو عاميًّا سخيفًا، وها هنا أقسام قد يُتوهم في بدء الفكرة وقبل إتمام العبرة، أن الحسن والقبحَ فيها لا يتعدى اللفظ والجرس إلى ما يناجي فيه العقل والنفس، ولها إذا حقق النظر مرجع إلى ذلك، ومتصرف فيما هنالك، منها التجنيس والحشو، أما التجنيس: فإنك لا تستحسن تجانسَ اللفظين إلا إذا كان موقع معنييهما من العقل موقعًا حميدًا ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمًى بعيدًا". ويؤكد الإمام عبد القاهر على أن التحسين في الجناس لم يتم في اللفظ إلا بنصرة المعنى، وأن التحسين في الجناس لو كان في اللفظ فقط لَمَا كان مستحسنًا، وذلك قوله: "تبين لك أن ما يعطي التجنيس من الفضيلة أمرٌ لم يتم لا ينصره المعنى، إذ لو كان باللفظ وحده لما كان فيه مستحسن، ولَمَا وجد فيه إلا معيب مستهجن، ولذلك ذم الاستكثار منه والولوع فيه، وذلك أن المعاني لا تدين في كل موضع لما يجذبها التجنيس إليه، إذ الألفاظ خَدَمُ المعاني والمصرفة في حكمها، وكانت

стр. 450

المعاني هي المالكة سياستها والمستحقة طاعتها، فمَن نصر اللفظ على المعنى كان كمَن أزال الشيءَ عن جهته، وأحاله عن طبيعته، وذلك مظِنة الاستكراه، وفيه فتح أبواب العيب والتعرض للشيء". والحاصل: أن الجناس محسن لفظي وإن كان التحسين فيه شاملًا لكل من اللفظ والمعنى، إلا أن التحسين فيه لما كان راجعًا إلى اللفظ أولًا وبالذات عُدَّ ضمن المحسنات اللفظية. أقسام الجناس هذا، وللجناس أقسام كثيرة ومتفرعة، وصور عديدة ومتنوعة، وأساس هذه الأقسام هو اللفظ، أما المعنى فلا مدخلَ فيها؛ لأنه مختلَف في كل قسم من أقسامه. والأقسام الرئيسة التي ارتضاها البلاغيون للجناس هي التام وغير التام. فالجناس التام: هو ما كان طرفاه متفقين في أربعة أمور: نوع الحروف بأن تكون الكلمتان مكونتين من حروف متحدة، مثل: للسود في السود آثار تركن بها ... وقعًا من البيض يثني أعينَ البيض ب- عدد الحروف بأن تكون الكلمتان مكونتين من حروف متساوية من حيث العدد بعد الاتفاق في الجنس، ولا يعتد بـ"أل" التعريفية؛ لأنها طارئة على الكلمة. جـ- هيئة الحروف بأن تكون الحروف المتجانسة المتساوية في العدد متحدةَ الضبط في الكلمتين: الرفع يقابله رفع، والنصب نصب، وهكذا في كل حروفها، ولا يُعتد بحركة الحرف الأخير؛ لأنه خاضع لعوامل الإعراب. د- ترتيب الحروف: بأن تكون الحروف المتجانسة المتساوية العدد، المتحدة الضبط، متحدة الموضع، الأول يقابله الأول، والثاني والثالث كذلك وهكذا.

стр. 451

وكل هذه الشروط موجودة في بيت ابن الرومي السابق، فهو من الجناس التام. وعلى هذا فكل جناس اتحد طرفاه في الأمور الأربعة فهو جناس تام. وقد قسمه البديعيون إلى أربعة أنواع: النوع الأول: التام المماثل؛ وهو ما اتفق طرفاه في الاسمية أو الفعلية أو الحرفية، بأن يكون اسمين أو فعلين أو حرفين. ومن أمثلة الجناس الاسمي قول بعضهم: زائر السلطان كزائر الليل في الزائر. ومنه قول الأفوه الأودي: وأقطع الهَوْجَل مستأنسًا ... بهوجل عَيْرانة عنتريس فالجناس هنا بين "هوجل" و"هوجل" الأول بمعنى الطريق البعيد، والثانية بمعنى الفرس. ومنه قول المتنبي: لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرتِ أنت وهن منك أواهل فقد خاطَب الشاعر منازلَ أحيائه الدارسة، قائلًا لها: إن في قلبه منزلةً وذكرَى لا تزول، وإن أقفرتْ تلك المنازل من ساكنيها وعفا عليها الدهر، والجناس بين "منازل" و"منازل". الأولى بمعنى مكان السكنى، والثانية بمعنى المكانة والذكرى. ومنه قول الشاعر يرثي صديقًا له اسمه اللواتي: أعيني أين أدمعك اللواتي جريـ ... نـ دمًا غداة قضَى اللواتي فالجناس هنا بين "اللواتي" و"اللواتي" الأولى بمعنى الدموع، والثانية اسم شخص. ومنه قول أبي تمام: إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدعوا ... صدور العوالي في صدور الكتائب "جابت": قطعت واخترقت، و"قسطل الحرب" يعني: غباره، والمعنى: إذا دارت المعارك فإن الأبطال الممدوحين يحطمون أطراف الرماح في صدور الأعداء.

стр. 452

فالجناس هنا بين "صدور العوالي" بمعنى أطراف الرماح، و"صدور الكتائب" بمعنى نحور جنود كتائب الأعداء. ومن الجناس التام المماثل قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ (الروم: ٥٥) فالجناس بين: ﴿السَّاعَةُ﴾ و ﴿سَاعَةٍ﴾ الأولى بمعنى يوم القيامة، والثانية بمعنى اللحظة الأخيرة من الزمن. ومن أمثلة الجناس الفعلي: يا إخوتي منذ بانت النُّجُب ... وجب الفؤاد وكان لا يجب يعني: من الوجيب، وهي الحركة الشديدة: فارقتكم وبقيتُ بعدَكم ... ما هكذا كان الذي يجب فالجناس بين "يجب" و"يجب" الأولى بمعنى يضطرب ويتحرَّى، والثانية بمعنى يلزم. وقال أحد الشعراء يذم مَن يتعاطى قول الشعر وليس هو بشاعر: والمعدمون من الإبداع قد كثروا ... وهم قليلون إن عُدوا وإن حصروا قوم لو أنهم ارتاضوا لَمَا قرضوا ... أو أنهم شعروا بالنقص ما شعروا فالجناس بين "شعروا" و"شعروا" الأولى بمعنى أحسوا، والثانية بمعنى لم يقولوا الشعر. يقول: لو أن هؤلاء علموا بنقصهم لما جرأ واحد منهم على أن يقول شعرًا. فهذا جناس من نوع واحد فِعلي كسابقه. والجناس التام الفعلي أمثلته نادرة وليس في القرآن مثال واحد منه، وإنما جاء فيه الجناس التام الاسمي -كما مر بك- في آية واحدة، وذكر السيوطي في (الإتقان): أن شيخ الإسلام ابن حجر استنبط موضعًا آخرَ منه في القرآن الكريم هو قول الله تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (النور: ٤٣، ٤٤) فـ"الأبصار" الأولى بمعنى البصر، والثانية بمعنى العقول؛ وعلى هذا، فالجناس بينهما تام مماثل.

стр. 453

أما التام المماثل الحرفي فلا يكاد يوجد، وكان من السهل صرف الفكر عنه، وإنما ذكرناه لتكون على بينة منه وجودًا أو عدمًا. وقد مثل مجيزوه بقولهم: قد يجود الكريم وقد يبخل الجواد، وقالوا: الجناس بين "قد" و"قد" الأولى مفيدة للتكثير، والثانية مفيدة للتقليل، فهما مختلفا المعنى مع اتحاد اللفظ، كما مثلوا له بقولهم: ما منهم من قائم، منهم الأولى بيانية والثانية زائدة، وإذا كان هذا منهجهم في التمثيل للجناس الحرفي فأحرَى أن يمثَّل له بقول الشاعر: قهرناكم حتى الكماة فأنتم ... تهابوننا حتى بنين الأصاغر فإن "حتى" و"حتى" مع اتحاد لفظيهما مختلفان في المعنى حيث مدخولهما، فالأولى تفيد التعظيم، والثانية تفيد التحقير. وهذا شاهد مأثور، فهو أولى من المصنوع. النوع الثاني من الجناس التام: المستوفى، وضابط هذا النوع هو أن يكون طرفاه مختلفين: اسم وفعل، أو اسم وحرف، أو فعل وحرف، وهذا النوع أكثر ورودًا من الجناس التام المماثل؛ لتسامحهم في بعض القيود التي اعتبروها في المماثِل، ولذلك كثرت أمثلته في كلام الأدباء، ومنه قول المعري: لو زارنا طيف ذات الخال أحيانًا ... ..................... الخال: هي النكتة أو الندبة التي تكون في خد الحسناء. لو زارنا طيف ذات الخال أحيانا ... ونحن في حُفر الأحداث أحيانا فالجناس بين "أحيانا" و"أحيانا" الأولى اسم وهي جمع حين، والثانية فعل، والمعنى: لو أن المحبوب زارنا ونحن أموات لبعث فينا الروحَ من جديد بزيارته. ومثله: وسميته يحيى ليحيا فلم يكن ... إلى رد أمر الله فيه سبيل

стр. 454

والمعنى: أن الشاعر سمى وليده يحيى؛ تفاؤلًا لكي يعيش، ولكنه أتاه أجله المحتوم، فبادره ولم تجدِ التسمية. والجناس -كما هو واضح- بين "يحيى" و"يحيا" الأولى اسم والثانية فعل. ومثله قول أبي تمام يمدح يحيى بن عبد الله البرمكي: ما مات مِن كَرم الزمان فإنه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله فـ"يحيى" الأولى فعل، والثانية اسم، وهذا يختلف عن سابقه من حيث تقدم الفعل فيه على الاسم. أما السابق فالاسم فيه مقدم على الفعل، ومثله قول أبي الفتح البستي: قيل للقلب ما دهاك أجبني ... قال لي بائع الفران فراني ناظراه فيما جنى ناظراه ... أو دعاني أمُت بما أودعاني في النص ثلاثة مواضع للجناس؛ الأول: بين "الفراني" و"فراني" وهو من الجناس التام المستوفي؛ لأن الأولى اسم، والثانية فعل. والثاني: بين "ناظراه" "وناظراه" وهو من الجناس التام المستوفي؛ لاختلاف طرفيه بين الفعلية والاسمية، وهو محل الشاهد؛ لأن ناظراه الأولى فعل أمر مسند إلى ألف الاثنين، ومعناه: جادلاه وساءلاه، وناظراه الثانية اسم بمعنى عيناه، يعني: أنه سحره بنظراته الآسرة. الثالث: فهو بين "دعاني" و"أودعاني" والمعنى: جادلاه وسائلاه فيما فعلتُ في عيناه، فإن لم تفعلَا فاتركاني أمت بما أودعتُ في عيناه. ومثال مقابلة الاسم بالحرف مع ندرة هذا النوع: ما رُوي عن النبي ﷺ : ((إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجهَ الله تعالى إلا أجرتَ بها، حتى ما تجعل في فِي امرأتك)) "في" الأولى حرف جر، والثانية اسم بمعنى الفَم. ومثاله في مقابلة الفعل بالحرف ما ذكروه من قولهم: علا زيد على جميع أهله، بمعنى: علت منزلته عليهم. ولا يخفَى عليك بعد أن الجناس التام المستوفي إنما هو فيما وقع بين الاسم والفعل أو الفعل والاسم، وعلى هذا نص ابن السبكي ملغيًا من الحساب كل جناس

стр. 455

كان الحرف طرفًا فيه، وقد وقفتَ أنت على حقيقة ذلك، إذ المعول عليه في هذه الفنون هو ما كان طريقه معروفًا عند الأدباء وكثر سَيْرهم فيه، أو قل مع مَلاحته، وكل ما ذكر للجناس الحرفي سوى الحديث المذكور: ((حتى ما تجعل في في امرأتك)) فإنه يحمل بين طياته أسباب رده. ثالث أنواع الجناس التام: ما يسمى بالجناس المركب، وضابطه: أن يكون مكونًا من طرفين أحدهما مركب إما من كلمتين مستقلتين، أو كلمة، أو جزء كلمة، أو جزئي كلمتين، أما الطرف الآخر فيكون مفردًا. ومما هو مشهور في ذلك قول أبي الفتح البستي: إذا ملِك لم يكن ذا هبة ... فدعه فدولتُه ذاهبة فالجناس بين "ذا هبة" و"ذاهبة" والطرف الأول مكون من كلمتين: "ذا" بمعنى صاحب، "وهبة" بمعنى منحة، والطرف الثاني هو كلمة واحدة "ذاهبة" اسم فاعل مؤنث. وهذا النوع منه ما يسمى بالملفوف، وهو ما تركب أحد ركنيه من كلمتين تامتين، كقول الشاعر -وقد سبق: ناظراه فيما جنى ناظراه ... أو دعاني -أي اتركاني- أمت بما أودعاني ومثله قول الشاعر: أسرع وسِرْ طالب العلم ... بكل واد وكل مَهْمَهْ يعني: مكان مقفر. وإن لحى عاذل جَهولٌ ... فقل له: يا عذول مَه مَه فالطرف الثاني "مه مَه" مسكون من كلمتين تامتين كما ترى. ومنه: ما يطلق عليه المرفوف، وهو ما كان طرفُه المركب مكونًا من كلمة وبعض أخرى، ومنه قول الحريري: ولا تلهَ عن تذكار ذنبك وابكه ... بدمع يحاكي الوبلَ حالَ مصابه

стр. 456

ومثِّل لعينيك الحمامَ ووقعه ... وروعة ملقاه ومطعم صابه فالركن الثاني مركب من ميم "مطعم" ومن كلمة "صابه" التي بعده، ولا عبرةَ بهاء ضمير الغائب المضاف إليه في الموضعين؛ لأن الجناس متحقق مع زوالهما، فلا تظن أن الطرف الأول مركب من كلمتين والثاني من كلمتين وبعض أخرى. والمعنى: تذكر ذنوبك وتندَّمْ على فعالها وانتحب؛ خوفًا من عقابها، واجعل الموتَ دائمًا بين ناظريك، وخوِّف نفسك لقاءَه، وطعمه المر. والجناس التام المركب يأتي على غير ما وجه، وهو إما أن يتشابه طرفاه لفظًا ومعنى، ويسمى متشابهًا. ومن أمثلته قول شمس الدين بن عبد الوهاب: طار قلبي يوم ساروا فَرَقًا ... وسواء فاض دمعي أو رقا يعني: سكن. حار في سقمي مَن بعدهم ... كل مَن في الحي داوَى أو رقى يعني: قرأ الرقية. بعدهم لا طل وادي المنحنى ... وكذا بان الحِمى لا أورقا فقد وقع في هذا النص ثلاثة ألفاظ بينها تجانس، وهي: "أو رقا" و"أورقى" وأورقا" الأولى بمعنى أو سكن، والثانية بمعنى أو قرأ رقيةً، والثالثة بمعنى أظهر ورقة. ومعنى النص: طار قلبي يوم تفرق أحبابي وظعنوا ولم يُجْدِ هطول دمعي، فبكائي وعدم بكائي سواء، وقد تحير الناس في سبب أسقامي، فهرعوا إلى علاجي، بعضهم طلب شفائي بإعطائي الأدوية، وآخرون كانوا يرقونني بالتلاوة والأبخرة، وقد أقفر الوادي بعد رحيلهم، ولم يعد له معنى عندي، فهم كانوا كل شيء فيه، كانوا ريَّه وزينته وبهجته، وبعدهم صار أجردَ قاحلًا. ولا يخفَى عليك أن هذا المثال من التام المركب الملفوف المتشابه، فهو تام لتوافر شروط

стр. 457

التمام فيه من حيث عدد الحروف وجنسها وترتيبها وهيئاتها، ومركب لأن أحد طرفي الجناس ليس مفردًا، وملفوف لأن طرفه المركب مكون من كلمتين تامتين، ومتشابه؛ لأنه قد تشابه في اللفظ والخط. ومنه قول الآخر: عضنا الدهر بنابه -يعني: بضرسه- ... ليت ما حل بنا به وإذا اختلف الطرفان خطًّا مع تشابههما لفظًا سمي مفروقًا، فعلى نحو ما يأتي التام المركب متشابهًا أو ملفوفًا، يأتي كذلك مفروقًا. ومن أمثلته قول الشاعر: تعْرِضْنَ لا على الرواة قصيدة ... ما لم تكن بالغتَ في تهذيبها فإذا عرضتَ الشعرَ غير مهذب ... عدوه منك وساوسا تهذي بها فالجناس بين "تهذيبها" و"تهذي بها" وهما متشابهان لفظًا، مختلفان خطًّا كما ترى. ومن صور التام المركب: ما يسمي بالجناس الملفق، وضابطه: أن يكون طرفاه مركبين من كلمتين أو كلمة وبعض كلمة، والفرق بينه وبين الجناس المركب: أن المركب حصل الترتيب فيه في ركن واحد، وهذا التركيب فيه في الركنين معًا، وهو إما موافق، وإما مفارق، فالملفق الموافق: هو ما توافق طرفاه خطًّا، مثل قول الشاعر: وليت الحكم خمسًا بعد خمس ... لعمري والصبا في العنفوان فلم تضع الأعادي قدر شاني "يعني: منزلتي" ... ولا قالوا فلان قد رشاني فالجناس بين "قدر شاني" و"قد رشاني" وكل من الطرفين مركب من كلمتين، الأول: مركب من قدر وشاني بمعنى منزلتي، فهو مركب من اسمين، والثاني: مركب من قد ورشاني بمعنى: دفع لي رشوة، فهو مركب من حرف قد، وفعل رشاني. وهكذا. أما الملفق المفارق: فهو ما اختلف طرفاه خطًّا، كقول الشاعر: خبروها بأنه ما تصدى ... لسلو عنها ولو مات صدى

стр. 458

فالطرف الأول مركب من "ما" وهو حرف نفي، ومن "تصدى" بمعنى تعرض، وهو فعل، والثاني مركب من "مات" وهو فعل، و"صدى" وهو اسم. والمعنى: أعلموها أني باقٍ على حبها ولم أتطلع إلى سواها، ولو مِت من هجرها لي. ومنه كذلك قول البستي: إلى حتفي سَعَى قدمي ... أرى قدمي أراقَ دمي فالجناس في الشطر الثاني من البيت طرفه الأول مركب من فعل واسم، ومثله الثاني. ولعلك تلحظ أن الطرفين فيه قد اتفقَا لفظًا مع اختلافهما خطًّا. وهذا الجناس أجمل من سابقه؛ لاتفاقه في اللفظ، وليس ذلك بشرط فيه، بدليل اشتراك السابق معه في التسمية. وقد ذكرنا أن الجناس التام مشروط فيه أربعة شروط، وهي: تجانس حروف طرفيه حيث الضبط، أو تساويهما في العدد، واتفاقهما في الترتيب، واتفاقهما في المخرج، فإن تخلف شرط من هذه الشروط خرجنا من الجناس التام إلى أنواع أخرى من الجناس غير التام، تختلف أسماؤها باختلاف الشرط المتخلف، فإن تخلف شرط اتفاقها في الضبط سُمي بالجناس المحرف، وإن اختل شرط اتفاقهما في عدد الحروف سمي بالناقص، وإن اختل شرط ترتيبها سمي بالجناس المقلوب، وإن كان الاختلاف في نوع الحروف من حيث تقارب المخارج وتباعدها، سمي بالمضارع أو اللحن. فما هو الجناس المحرف؟ الجناس المحرف: هو كل جناس اختلف فيه الطرفان من حيث ضبط حروفهما حركات وسكنات، وشرط المتخلفون هو الاتفاق في الضبط، وعلى هذا يمكن تصور الجناس المحرف في الاسم: بأنه ما اختلف ضبط الحروف فيه، ومع هذا يبقَى الجناس المحرف محتفظًا بتساوي عدد الحروف، واتفاق ترتيبها وتجانسها في الطرفين. ومن أمثلته قول أبي تمام:

стр. 459

هن الحمام فإن كسرتَ عيافة ... من حائهن فإنهن حِمام فالجناس بين "الحمام" بفتح الحاء و"حِمام" بكسرها، فالاختلاف هنا في هيئة الحركة فتح فكسر. ومثله قول الآخر: كيف لا أبغض الصباحَ وفيه ... بان عني ذوو الوجوه الصباح فالجناس بين "الصباح" بفتح الصاد المشددة، و"الصباح" بكسر الصاد المشددة، الأولى بمعنى وقت الصباح، والثانية بمعنى الوجوه المشرقة المضيئة، التي مفردها صبيح. "وبان عني" يعني: رحل وظعن، والاختلاف هنا في هيئة الحركة كذلك فتح فكسر. ومن الجناس المحرف قول المعري: والحُسن يظهر في شيئين رونقه ... بيت من الشعر أو بيتٍ من الشعر فالجناس بين "الشعر" بمعنى الكلام المنظوم، وبين "الشعر" والمراد به ما على الرأس، والأولى بسكون العين وكسر الشين المشددة، والثانية بفتح العين وفتح الشين المشددة. فالاختلاف هنا بين سكون وحركة وليس بين حركة وحركة، ومثله قولهم: "البدعة شَرك الشِّرك" بفتح الراء في الأولى وسكونها في الثانية، وبفتح الشين في الأولى وكسرها في الثانية، والمعنى مختلف كما تعلم، ومنه قول الشاعر: أم سيحدثني فقلت لصاحبي ... أمحدث أم مُحْدث مَن فيه فالجناس بين "محدِّث" بالتشديد بمعنى متكلم، و"مُحْدث" بتخفيف الدال المكسورة بمعنى أحدث. ومما ذُكِرَ في ذلك قول السكاكي: "الجاهل إما مفرط أو مفرِّط"، فالتشديد والتخفيف من قبيل اختلاف الضبط، ولا يفهم منه الزيادة والنقص في الحروف باعتبار أن الحرف المشدد حرفان والمخفف حرف واحد، فيكون الجناس ناقصًا -كما سيأتي- وليس محرفًا؛ لأن الحرف المشدد في حكم الحرف الواحد.

стр. 460

نخلص من هذا: أن الجناس المحرف منظور فيه إلى ضبط الحروف في الطرفين، فتارةً تختلف حركة حرف في طرف مع حركة حرف مناظر في الطرف الآخر، مثل حمام وحمام، والصباح والصباح، وتارةً يكون الاختلاف ناشئًا عن حركة وسكون، وثالثة يكون الاختلاف بالتشديد والتخفيف، فيكون الحرف المشدد فيكون الحرف مخففًا في طرف، ومشددًا في طرف آخر. ولا تنس أن حركة الأطراف لا اعتبار لها لخضوعها لعوامل الإعراب، فإن كان طرفَا الجناس ثلاثيين فالمعتبر حركة الحرفين الأولين دونما نظر لحركة الحرف الثالث، وهكذا فيما زاد على الثلاثة. والجناس الناقص -كما ألمحنا قبل ذلك- هو ما اجتمعت فيه ثلاثة شروط، هي: تجانس الحروف، واتفاق الضبط، واتفاق الترتيب، وتخلف فيه شرط واحد هو تساوي الحروف في العدد في الطرفين. وعلى هذا فالجناس الناقص: هو ما نقص أحدُ طرفيه عن الآخر في عدد الحروف. ولهذا النوع من الجناس أحوال وأضرب متعددة، ملخصها في الآتي: أن يقع الاختلاف في الطرفين بحرف واحد بأن يكون في أول الطرف الزائد، مثل قول الشاعر: وكم سبقت منه إلي عوارف ... ثنائي من تلك العوارف وارف وكم غُرَر من بِره ولطائف ... بشكري على تلك اللطائف طائف فـ"العوارف" يعني بها: المعروف، و"وارف": الممتد، و"الغرر": الصنائع الجميلة، والمعنى: له علي فضائل سابغة استحقت مني كل شكر وثناء. والجناس بين "عوارف" و"وارف" وبين "لطائف" و"طائف" وقد وقع الحرف الزائد في أول الطرف الذي به الزيادة العين في "عوارف" واللام في "لطائف". وقد يكون الحرف الزائد في وسط الطرف المزيد كقول الشاعر: كفانا إلكيم حدنا وحديدنا ... وكف متى تطلب الوتر تنقم
следующие страницы →