المجلد الأول
تذكره بالأخبار عن اتفاقات الأسفار
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللهم صل على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
تذكره بالأخبار عن اتفاقات الأسفار
ابتدئ بتقييدها يوم الجمعة الموفى ثلاثين لشهر شوال سنة ثمان وسبعين وخسمائة على متن البحر بمقابلة جبل شلير عرفنا الله السلامة بمنه١.
وكان انفصال أحمد بن حسان ومحمد بن جبير من غرناطة٢ حرسها الله للنية الحجازية المباركة قرنها الله بالتسير والتسهيل وتعريف الصنع الجميل أول ساعة من يوم الخميس الثامن لشوال المذكور وبموافقة اليوم الثالث لشهر فبراير الاعجمي. وكان الاجتياز على جيان٣ لقضاء بعض الأسباب ثم كان الخروج منها أول ساعة من يوم الإثنين التاسع عشر لشهر شوال المذكور وبموافقة اليوم الرابع عشر لشهر فبراير المذكور أيضا.
وكانت مرحلتنا الأولى منها إلى حصن لغيداق ثم منه إلى حصن قبرة٤
стр. 2
ثم منه إلى مدينة إستجة ثم منها إلى حصن أشونة١ ثم منه إلى شلبر ثم منه إلى حصن أركش ثم منه إلى قرية تعرف بقرية النشمة من قرى مدينة ابن السليم ثم منها إلى جزيرة طريف وذلك يوم الإثنين السادس والعشرين من الشهر المؤرخ.
فلما كان ظهر يوم الثلاثاء من اليوم الثاني من نزولنا يسر الله علينا في عبور البحر إلى قصر مصمودة٢ تيسيرا عجيبا والحمد لله. ونهضنا منه إلى سبتة غدوة يوم الأربعاء الثامن والعشرين منه وألفينا بها مركبا للروم الجنوبيين مقلعا إلى الإسكندرية بحول الله فسهل الله علينا في الركوب فيه.
وأقلعنا ظهر يوم الخميس التاسع والعشرين منه وبموافقة الرابع والعشرين من فبراير المذكور بحول الله تعالى وعونه لا رب غيره. وكان طريقنا في البحر محاذيا لبر الأندلس. وفارقناه يوم الخميس السادس لذي القعدة بعده عند ما حاذينا دانية. وفي صبيحة يوم الجمعة السابع من الشهر المذكور آنفا قابلنا بر جزيرة يابسة٣ ثم يوم السبت بعده قابلنا بجزيرة ميورقة ثم يوم الأحد بعده قابلنا جزيرة منورقة ومن سيتة إليها نحو ثمانية مجار والمجرى مائة ميل. وفارقنا بر هذه الجزيرة المذكورة وقام معنا بر جزيرة سردانية أول ليلة الثلاثاء الحادي عشر من الشهر المذكور وهو الثامن من مارس دفعة واحدة على نحو ميل أو أقل. وبين الجزيرتين سردانية ومنورقة نحو الأربعمائة ميل فكان قطعا مستغربا في السرعة.
стр. 3
أهوال البحر
وطرأ علينا من مقابلة البر في الليل هول عظيم عصم الله منه بريح أرسلها الله تعالى في الحين من تلقاء البر فأخرجنا عنه والحمد لله على ذلك. وقام علينا نوء هال١ له البحر صبيحة يوم الثلاثاء المذكور فبقينا مترددين بسببه حول بر سردانية إلى يوم الأربعاء بعده فأطلع الله علينا في حال الوحشة وإنغلاق الجهات بالنوء فلا نميز شرقا من غرب مركبا للروم قصدنا إلى أن حاذانا فسئل عن مقصده فأخبر إنه يريد جزيرة صقلية وأنه من قرطاجنة عمل مرسية. وقد كنا استقبلنا طريقه التي جاء منها منه غير علم فأخذ نا عند ذلك في اتباع اثره والله الميسر لا رب سواه فخرج علينا طرف من بر سردانية المذكور فأخذ نا في الرجوع عودا على بدء إلى أن وصلنا طرفا من البر المذكور يعرف بقوسمركة وهو مرسى معروف عندهم فأرسينا به ظهر يوم الأربعاء المذكور والمركب المذكور معنا وبهذا الموضع المذكور اثر لبنيات قديم ذكر لنا إنه كان منزلا لليهود فيما سلف.
ثم أنا أقلعنا منه ظهر يوم الأحد السادس عشر من الشهر المذكور، وفي مدة مقامنا بالمرسى المذكور جددنا فيه الماء والحطب والزاد. وهبط واحد من المسلمين ممن يحفظ اللسان الرومي مع جملة من الروم إلى اقرب المواضع المعمورة منا فأعلمنا إنه رأى جملة من أسرى المسلمين نحو الثمانين بين رجال ونساء يباعون في السوق وكان ذلك عند وصول العدو دمره الله بهم من سواحل البحر ببلاد المسلمين والله يتداركهم برحمته
ووصل إلى المرسى المذكور يوم الجمعة الثالث من يوم ارسينا فيه سلطان الجزيرة المذكورة مع جملة من الخيل فنزل إليه اشياخ المركب من الروم واجتمعوا به وطال
стр. 4
مقامهم عنده ثم انصرفوا وانصرف إلى موضع سكناه وتركنا المركب المذكور في موضع ارسائه بسبب مغيب بعض أصحابه في البلد عند هبوب الريح الموافقة لنا.
في ليلة الثلاثاء الثامن عشر لذي القعدة المذكور والخامس عشر من شهر مارس المذكور أيضا وفي الربع الباقي منها فارقنا بر سردانية المذكورة وهو بر طويل جرينا بحذائه نحو المائتي ميل ومنتهى دور الجزيرة على ما ذكر لنا إلى أزيد من خمسمائة ميل ويسر الله علينا في التخلص من بحرها لأنه أصعب ما في الطريق والخروج منه يتعذر في أكثر الأحيان والحمد لله على ذلك.
وفي ليلة الأربعاء بعدها من أولها عصفت علينا ريح هال١ لها البحر وجاء معها مطر ترسله الرياح بقوة كأنه شآبيب٢ سهام فعظم الخطب واشتد الكرب وجاءنا الموج من كل مكان امثال الجبال السائرة فبقينا على تلك الحال الليل كله ولايأس قد بلغ منا مبلغه وارتجينا مع الصباح فرجة تخفف عنا بعض ما نزل بنا، فجاء النهار وهو يوم الأربعاء التاسع عشر من ذي القعدة بما هو اشد هولا وأعظم كربا وزاد البحر اهتياجا واربدت٣ الآفاق سوادا واستشرت٤ الريح والمطر عصوفا حتى لم يثبت معها شراع فلجيء إلى استعمال الشرع الصغار فأخذ ت الريح أحد ها ومزقته وكسرت الخشبة التي ترتبط الشرع فيها وهي المعروفة عندهم بالقرية فحينئذ تمكن اليأس من النفوس وارتفعت أيدي المسلمين بالدعاء إلى الله وأقمنا على تلك الحال النهار كله فلما جن الليل فترت الحال بعض فتور وسرنا في هذه الحالة كلها بريح الصواري سيرا سريعا.
стр. 5
وفي ذلك اليوم حاذينا بر جزيرة صقلية وبتنا تلك الليلة التي هي ليلة الخميس التالية لليوم المذكور مترددين بين الرجاء واليأس فلما اسفر الصبح نشر الله رحمته واقشعت السحاب وطاب الهواء وأصاءت الشمس وأخذ في السكون البحر فاستبشر الناس وعاد الأنس وذهب اليأس والحمد لله الذي أرانا عظيم قدرته ثم تلافى بجميل رحمته ولطيف رأفته حمدا يكون كفاء١ لمنته ونعمته.
وفي هذا الصباح المذكور ظهر لنا بر صقلية وقد أجزنا أكثره ولم يبق منه إلا الاقل وأجمع من حضر من رؤساء البحر من الروم وممن شاهد الأسفار والاهوال في البحر من المسلمين انهم لم يعاينوا قط مثل هذا الهول فيما سلف من أعمارهم والخبر عن هذه الحالة يصغر في خبرها.
وبين البرين المذكورين بر سرانية وبر صقلية نحو الأربعمائة ميل واستصحبنا من بر صقلية أزيد من مائتي ميل ثم ترددنا بحذائه بسبب سكون الريح. فلما كان عصر يوم الجمعة الحادي والعشرين من الشهر المذكور أقلعنا من الموضع الذي كنا أرسينا فيه وفارقنا البر المذكور أول تلك الليلة وأصبحنا يوم السبت وبيننا وبينه مسافة بعيدة وظهر لنا إذ ذاك الجبل الذي كان فيه البركان٢ وهو جبل عظيم مصعد في جو السماء قد كساه الثلج وأعلمنا إنه يظهر في البحر مع الصحو على أزيد من مسيرة مائة ميل. فأخذ نا ملججين٣ وأقرب ما نؤمله من البر إلينا جزيرة أقريطش٤ وهي من جزائر الروم ونظرها٥ إلى صاحب القسطنطينية وبينهما وبين جزيرة صقلية مسيرة سبعمائة ميل والله كفيل بالتيسير والتسهيل بمنه. وفي طول هذه الجزيرة جزيرة
стр. 6
أقريطش المذكور نحو من ثلثمائة ميل.
وفي ليلة الثلاثاء الخامس والعشرين من الشهر المذكور وهو الثاني والعشرين من شهر مارس حاذينا البر المذكور تقديرا لا عيانا وفي صبيحة اليوم المذكور فارقناه متوجيهن لقصدنا وبين هذه الجزيرة المذكورة وبين الإسكندرية ستمائة ميل أو نحوها.
وفي صبيحة يوم الأربعاء السادس والعشرين منه ظهر لنا البر الكبير المتصل بالاكندرية المعروف ببر الغرب وحاذينا منه موضعا يعرف بجزائر الحمام١ على ما ذكر لنا وبينه وبين الإسكندرية نحو الأربعمائة ميل على ما ذكر لنا فأخذ نا في السير والبر المذكور منا يمينا.
стр. 7
البشرى بالسلامة
وفي صبيحة يوم السبت التاسع والعشرين من الشهر المذكور اطلع الله علينا البشرى بالسلامة بظهور منار الإسكندرية على نحو العشرين ميلا والحمد على ذلك حمدا يقتضى المزيد من فضله وكريم صنعه.
وفي آخر الساعة الخامسة منه كان ارساؤنا بمرسى البلد ونزولنا اثر ذلك والله المستعان فيما بقي بمنه. فكانت اقامتنا على متن البحر ثلاثين يوما ونزلنا في الحادي والثلاثين لأن ركوبنا إياه كان يوم الخميس التاسع والعشرين من شهر شوال ونزولنا عنه في يوم السبت التاسع والعشرين من شهر ذي القعدة وبموافقة السادس والعشرين من مارس والحمد لله على ما من به من التيسير والتهسيل وهو سبحانه المسئول بتتميم النعمة علينا ببلوغ الغرض من المقصود وتعجيل الاياب إلى الوطن على خير وعافية إنه المنعم بذلك لا رب سواه وكان نزولنا بها بفندق يعرف بفندق الصفار بمقربة من الصبانة.
стр. 8
شهر ذي الحجة من السنة المذكورة
أوله يوم الأحد ثاني يو منزولنا بالاسكندرية.
فمن أول ما شاهدنا فيها يوم نزولنا أن طلع امناء إلى المركب من قبل السلطان بها لتقييد جميع ما جلب فيه.
فاستحضر جميع من كان فيه من المسلمين واحدا واحدا وكتبت اسماؤهم وصفاتهم وأسماء بلادهم وسئل كل واحد عما لديه من سلع أو ناض١ ليؤدى زكاة ذلك كله دون أن يبحث عما حال عليه الحول من ذلك أو ما لم يحل وكان أكثرهم متشخصين لاداء الفريضة لم يستصحبوا سوى زاد الطريقهم فلزموا أداء زكاة ذلك دون أن يسأل هل حال عليه حول أم لا. واستنزل أحمد بن حسان منا لسيأل عن أنباء المغرب وسلع المركب فطيف به مرقبا٢ على السلطان أولا ثم على القاضي ثم على أهل الديوان ثم على جماعة من حاشية السلطان. وفي كل يستفهم ثم يقيد قوله. فخلى سبيله، وأمر المسلمون بتنزيل أسباب هم وما فضل من ازودتهم وعلى ساحل البحر أعوان يتوكلون بهم وبحمل جميع ما أنزلوه إلى الديوان فاستدعوا واحدا واحد واحضر ما لكل واحد من الأسباب والديوان قد غص بالزحام. فوقع التفتيش لجميع الأسباب ما دق منها وما جل واختلط بعضها ببعض وأدخلت الايدي إلى اوساطهم بحثا عما عسى أن يكون فيها ثم استلحفوا بعد ذلك هل عندهم غير ما وجدوا لهم أم لا.
وفي أثناء ذلك ذهب كثير من أسباب الناس لاختلاط الأيدي وتكاثر الزحام ثم اطلقوا بعد موقف من الذل والخزي عظيم نسأل الله أن يعظم الاجر بذلك. وهذه لا محالة من الأمور الملبس٣ فيها على السلطان الكبير
стр. 9
المعروف بصلاح الدين ولو علم بذلك على ما يؤثر عنه من العدل وايثار الرفق لازال ذلك وكفى الله المؤمنين تلك الخطة الشاقة واستؤدوا١ الزكاة على أجمل الوجوه وما لقينا ببلاد هذا الرجل ما يلم به قبيح لبعض الذكر سوى هذه الاحدوثة التي هي من نتائج عمال الدواوين.
стр. 10
ذكر بعض أخبار الإسكندرية وآثارها
فأول ذلك حسن وضع البلد وإتساع مبانية حتى أنا ما شاهدنا بلدا اوسع مسالك منه ولا أعلى مبنى ولا أعتق ولا أحفل منه وأسواقه في نهاية من الاحتفال أيضا٢. ومن العجب في وضعه أن بناءه تحت الأرض كبنائها فوقها وأعتق وامتن لأن الماء من النيل يخترق جميع ديارها وأزقتها تحت الأرض فتتصل الآبار بعضها ببعض ويمد بعضها بعضا.
وعاينا فيها أيضا من سوارى الرخام وألواح هـ كثرة وعلوا واتساعا وحسنا ما لا يتخيل بالوهم حتى أنك تلقى في بعض الممرات بها سواري يغص الجو بها صعودا لا يدري ما معناها ولا لما كان أصل وضعها وذكر لنا إنه كان عليها في القديم مبان للفلاسفة خاصة ولأهل الرئاسة في ذلك الزمان والله أعلم ويشبه أن يكون ذلك للرصد.
стр. 11
منار الإسكندرية
ومن أعظم ما شاهدناه من عجائبها المنار الذي قد وضعه الله على يدي من سخر لذلك آية للمتوسمين٣ وهداية للمسافرين لولاه ما اهتدوا
стр. 12
في البحر إلى بر الإسكندرية يظهر على أزيد من سبعين ميلا وبمناه في غاية العتاقة والوثاقة طولا وعرضا يزاحم الجو سموا وارتفاعا يقصر عنه الوصف وينحسر دونه الطرف الخبر عنه يضيق والمشاهدة له تتسع.
ذرعنا أحد جوانبه الأربعة فألفينا فيه نيفا وخمسين باعا ويذكر أن في طوله أزيد من مائة وخمسين قامة.
وأما داخله فمرآي هائل اتساع معارج١ ومداخل وكثرة مساكن حتى إن المتصرف فيها والوالج في مسالكها ربما ضل. وبالجملة لا يحصلها القول والله لا يخليه من دعوة الإسلام ويبقيه.
وفي أعلاه مسجد موصوف بالبركة يتبرك الناس بالصلاة فيه طلعنا إليه يوم الخميس الخامس لذي الحجة المؤرخ وصلينا في المسجد المبارك المذكور. وشاهدنا من شأن مبناه عجبا لا يستوفيه وصف واصف.
стр. 13
منافب الإسكندرية
ومن مناقب هذا البلد ومفاخره العائدة في الحقيقة إلى سلطانة المدارس والمحارس٢ الموضوعة فيه لأهل الطلب والتعبد يفدون من الأقطار النائية فيلقى كل واحد منهم مسكنا يأوى إليه ومدرسا يعلمه الفن الذي يريد تعليمه وإجراء٣ يقوم به في جميع احواله. واتسع اعتناء السلطان بهؤلاء الغرباء الطارئين حتى أمر بتعيين حمامات يستحمون فيها متى احتاجوا إلى ذلك ونصب لهم مارستانا لعلاج من مرض منهم ووكل بهم اطباء يتفقدون أحوالهم وتحت أيديهم خدام يامرونهم بالنظر في مصالحهم التي يشيرون بها من علاج وغذاء. وقد رتب أيضا فيه أقوام برسم الزيارة للمرضى الذين
стр. 14
يتنزهون١ عن الوصول للمارستان المذكور من الغرباء خاصة وينهون إلى الأطباء أحوالهم ليتكلفوا بمعالجتهم.
ومن أشرف هذه المقاصد أيضا أن السلطان عين لأبناء السبيل من المغاربة خبزتين لكل إنسان في كل يوم بالغا ما بلغوا ونصب لتفريق ذلك كل يوم انسانا أمينا من قبله فقد ينتهى في اليوم إلى الفي خبزة أو أزيد بحسب القلة والكثرة هكذا دائما، ولهذا كله أوقاف من قبله حاشى ما عينه من زكاة العين لذلك وأكد على المتولين لذلك متى نقصهم من الوظائف المرسومة شيء أن يرجعوا إلى صلب ماله وأما أهل بلده ففي نهاية من الترفيه وإتساع الأحوال لا يلزمهم وظيف البتة. ولا فائد٢ للسلطان بهذا البلد سوى الأوقاف المحبسة المعينة من قبله بهذه الوجوه وجزية اليهود والنصارى وما يطرأ من زكاة العين خاصة٣ ليس له منها سوى ثلاثة أثمانها والخمسة الاثمان مضافة للوجوه المذكورة.
وهذا السلطان الذي سن هذه السنن المحمودة ورسم هذه الرسوم الكريمة على عدمها في المدة البعيدة وهو صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب وصل الله صلاحه وتوفيقه.
ومن أعجب ما اتفق للغرباء أن بعض من يريد التقرب بالنصائح إلى السلطان ذكر أن أكثر هؤلاء يأخذ ون جزاية الخبز ولا حاجة لهم بها رغبة في المعيشة لأنهم لا يصلون إلا بزاد يقلهم٤ فكاد يؤثر سعى هذا المتنصح
فلما كان في أحد الأيام خرج السلطان المذكور على سبيل التطلع خارج بلده فلتقى منهم جماعة قد لفظتهم الصحراء المتصلة بطرابلس وهم قد ذهبت
стр. 15
رسومهم١ عطشا وجوعا. فسألهم عن وجهتهم واستطلع ما لديهم مفاعلموه انهم قاصدون بيت الله الحرام وأنهم ركبوا البر وكابدوا مشقة صحرائية. فقال: لو وصل هؤلاء وهم قد اعستفوا٢ هذه المجاهل التي اعتسفوها وكابدوا من الشقاء ما كابدوه وبيد كل واحد منهم زنته ذهبا وفضة لوجب أن يشاركوا ولا يقطعوا عن العادة التي اجريناها لهم فالعجب ممن يسعى على مثل هؤلاء ويروم التقرب إلينا بالسعي في قطع ما اوجبناه لله خالصا لوجهه.
ومآثر هذا السلطان ومقاصده في العدل ومقاماته في الذب عن حوزة الدين لا تحصى كثرة.
ومن الغريب أيضا في أحوال هذا البلد تصرف الناس فيه بالليل كتصرفهم بالنهار في جميع أحوالهم وهو أكثر بلاد الله مساجد حتى إن تقدير الناس لها يطفف٣ فمنهم المكثر والمقلل فالمكثر ينتهى في تقديره إلى اثني عشر ألف مسجد والمقلل ما دون ذلك لا ينضبط فمنهم من يقول ثمانية الاف ومنهم من يقول غير ذلك. وبالجملة فهي كثيرة جدا تكون منها الأربعة والخمسة في موضع وربما كانت مركبة٤ وكلها بأئمة مرتبين من قبل السلطان فمنهم من له فوق ذلك ومنهم من له دونه وهذه منقبة كبيرة من مناقب السلطان. إلى غير ذلك مما يطول ذكره من المآثر التي يضيق عنها الحصر.
ثم كان الانفصال عنها على بركة الله تعالى وحسن عونه صبيحة يوم الأحد الثامن لذي الحجة المذكور وهو الثالث لابريل فكانت مرحلتنا منه إلى موضع
стр. 16
يعرف بدمنهور وهو بلد مسور في بسيط من الأرض أفيح١ متصل من الإسكندرية إليه إلى مصر والبسيط كله محرث٢ يعمه النيل بفيضه والقرى فيه يمينا وشمالا لا تحصى كثرة.
ثم في اليوم الثاني وهو يوم الإثنين أجزنا النيل بموضع يعرف بصا في مركب تعدية٣ واتصل سيرنا إلى موضع يعرف ببرمة فكان مبيتنا بها وهي قرية كبيرة فيها السوق وجميع المرافق. ثم بكرنا منها يوم الثلاثاء وهو يوم عيدالنحر من سنة ثمان وسبعين وخمسمائة المؤرخة فشاهدنا الصلاة بموضع يعرف بطندتة٤ وهي من القرى الفسيحة الأهلة فأبصرنا بها مجمعا حفيلا وخطب الخطيب بخطبة بليغة جامعة واتصل سيرنا إلى موضع يعرف بسبك وكان مبيتنا بها.
واجتزنا في ذلك اليوم على موضع حسن يعرف بمليج والعمارة متصلة والقرى منتظمة في طريقنا كلها
ثم بكرنا منها يوم الأربعاء بعده. فمن أحسن بلد مررنا عليه موضع يعرف بقليوب على ستة أميال من القاهرة فيه الأسواق الجميلة ومسجد جامع كبير حفيل البنيان ثم بعده المنبة وهو موضع أيضا حفيل ثم
منها إلى القاهرة وهي مدينة السلطان الحفيلة المتسعة ثم منها إلى مصر المحروسة. وكان دخولنا فيها إثر صلاة العصر من يوم الأربعاء وهو الحادي عشر من ذي الحجة المذكور والسادس من ابريل عرفنا الله فيها الخير والخيرة وتمم علينا صنعه الجميل بالوصول إلى الغرض المأمول ولا اخلانا من التسير والتهسيل بعزته وقرته إنه على ما يشاء قدير.
стр. 17
وفي يوم الأربعاء المذكور أجزنا القسم الثاني من النيل في مركب تعدية أيضا بموضوع يعرف بدجوة وذلك وقت الغداة الصغرى وكان نزولنا في مصر بفندق أبي الثناء في زقاق القناديل بمقربة من جامع عمرو بن العاص رضى الله عنه في حجرة كبيرة على باب الفندق المذكور.
стр. 18
ذكر مصر والقاهرة وبعض آثارها العجيبة
فأول ما بندأ بذكره منها الآثار والمشاهد المباركة التي ببركتها يمسكها الله :
فمن ذلك المشهدالعظيم الشأن الذي بمدينة القاهرة حيث رأس الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ وهو في تابوت فضة مدفون تحت الأرض قد بنى عليه بنيان حفيل يقصر الوصف عنه ولا يحيط الادراك به مجلل بأنواع الديباج محفوف بأمثال العمد الكبار شمعا أبيض ومنه ما هو دون ذلك قد وضع أثكرها في أتوار١ فضة خالصة ومنها مذهبة وعلقت عليه قناديل فضة وحف أعلاه كله بأمثال التفافيح ذهبا في مصنع٢ شبيه الروضة يقيد الأبصار حسنا وجمالا فيه من أنواع الرخام المجزع الغريب الصنعة البديع الترصيع ما لايتخليله المتخيلون ولا يلحق ادنى وصفه الواصفون.
والمدخل إلى هذه الروضة على مسجد على مثالها في التأنق والغرابة حيطانه كلها رخام على الصفة المذكورة وعن يمين الروضة المذكورة وشمالها بيتان من كليهما المدخل إليها وهما أيضا على تلك الصفة بعينها. والأستار البديعة الصنعة من الديباج معلقة على الجميع.
стр. 19
ومن أعجب ما شاهدناه في دخولنا إلى هذا المسجد المبارك حجر موضوع في الجدار الذي يستقبله الداخل شديد السواد والبصيص يصف الأشخاص١ كلها كأنه المرآة الهندية الحديثة الصقل وشاهدنا من استلام الناس للقبر المبارك واحداقهم به وانكبابهم عليه وتمسحهم بالكسوة التي عليه وطوافهم حوله مزدحمين داعين باكين متوسلين إلى الله سبحانه ببركة التربة المقدسة ومتضرعين ما يذيب الاكباد ويصدع الجماد والأمر فيه أعظم ومرأى الحال اهول نفعنا الله ببركة ذلك المشهد الكريم. وانما وقع الالماع بنبذة من صفته مستدلا على ما وراء ذلك إذ لاينغي لعاقل أن يتصدى لوصفه لأنه يقف موقف التقصير والعجز وبالجملة فما أظن في الوجود كله مصنعا أحفل منه ولا مرأى من البناء أعجب ولا أبدع قدس الله العضو الكريم الذي فيه بمنه وكرمه.
وفي ليلة اليوم المذكور بتنا بالجبانة المعروفة بالقرافة وهي أيضا إحدى عجائب الدنيا لم تحتوى عليه من مشاهدا الأنبياء صلوات الله عليهم وأهل البيت رضوان الله عليهم والصحابة والتابعين والعلماء والزهاد والأولياء ذوى الكرامات الشهيرة والأنباء الغريبة. وإنما ذكرنا منها ما أمكنتنا مشاهدته فمنها قبر ابن النبي صالح وقبر روبيل بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليهم أجمعين وقبر آسية أمرأة فرعون رضى الله عنها ومشاهد أهل البيت رضى الله عنهم أجمعين مشاهد أربعة عشر من الرجال وخمس من النساء وعلى كل واحد منها بناء حفيل فهي بأسرها روضات بديعة الاتقان عجيبة البنيان قد وكل بها قومه يسكنون فيها ويحفظونها. ومنظرها منظر عجيب والجرايات متصلة لقوامها في كل شهر.
стр. 20
ذكر مشاهد أهل البيت رضى الله عنهم
مشهد علي بن الحسين بن علي ﵁ ومشهدان لابني جعفر بن محمد الصادق رضى الله عنهم ومشهد القاسم بن محمد بن جعفر الصادق بن محمد بن علي زين العابدين المذكور ﵃، ومشهدان لابنيه الحسن والحسين رضى الله عنهما ومشهد ابنه عبد الله بن القاسم رضى الله عنه ومشهد ابنه يحيى بن القاسم ومشهد علي ابن عبد الله بن القاسم ﵃ ومشهد اخيه عيسى بن عبد الله رضى الله عنهما ومشهد يحيى بن الحسن بن زيد بن الحسن رضى الله عنهم ومشهد محمد بن عبد الله بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين ابن علي ﵃ ومشهد جعفر بن محمد من ذرية علي بن الحسين ﵃ وذكر لنا إنه كان ربيب مالك ﵁.
стр. 21
مشاهد الشريفات العلويات ﵃
مشهد السيدة أم كلثوم ابنة القاسم بن محمد بن جعفر ﵃ ومشهد السيدة زينب ابنة يحيى بن زيد ابن علي بن الحسين ﵃ ومشهد أم كلثوم ابنة محمد بن جعفر الصادق ﵃ ومشهد السيدة أم عبد الله بن القاسم بن محمد رضى الله عنهم.
وهذا ذكر ما حصله العيان من هذه المشاهد العلوية المكرمة وهي أكثر من ذلك وأخبرنا أن في جملتها مشهدا مباركا لمريم ابنة لعلى بن أبي طالب ﵁ وهو مشهور لكنا لم نعاينه. وأسماء أصحاب هذه المشاهد المباركة إنما تلقيناها من التواريخ الثابتة عليها مع تواتر الأخبار بصحة ذلك والله أعلم بها وعلى كل واحد منها بناء حفيل فهي باسرها روضات بديعة الاتقان عجيبة
стр. 22
البنيان قد وكل بها قومة يسكنون فيها ويحفظونها ومنظرها منظر عجيب والجرايات متصلة لقوامها في كل شهر.
стр. 23
ذكر مشاهد بعض أصحاب رسول الله ﷺ
بالقرافة المذكورة ومشاهد التابعين والأئمة والعلماء والزهاد والأولياء
المشتهرين بالكرامات رضى الله عنهم أجمعين
والمقيد١ يبرا من القطع بصحة ذلك وإنما رسم من اسمائهم ما وجده مرسوما في تواريخها وبالجملة فالصحة غالية لا يشك فيها إن شاء الله : مشهد معاذ بن جبل ﵁ مشهد عقبة بن عامر الجهني حامل راية رسول الله ﷺ مشهد صاحب برده ﷺ مشهد أبي الحسن صائغ رسول الله ﷺ مشهد سارية الجبل ﵁ مشهد محمد بن أبي بكر الصديق رضى الله عنهما مشهد اولاده ﵃ مشهد أحمد بن أبي بكر الصديق رضى الله عنه مشهد أسماء ابنة أبي بكر الصديق ﵄ مشهد ابن للزبير بن العوام ﵄ مشهد عبد الله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله ﷺ مشهد ابن حليمة رضيع رسول الله ﷺ .
стр. 24
مشاهدالأئمة العلماء الزهار ﵃ أجمعين
مشهد الإمام الشافعي ﵁ وهو من المشاهد العظيمة احتفالا واتساعا وبنى بازائه مدرسة لم يعمر بهذه البلاد مثلها لا اوسع مساحة ولا أحفل بناء يخيل لمن يتطوف عليها أنها بلد مستقل بذاته بازائها الحمام إلى
стр. 25
غير ذلك من مرافقها والبناء فيها حتى الساعة والنفقة عليها لا تحصى تولى ذلك بنفسه الشيخ الإمام الزاهد العالم المعروف بنجم الدين الخبوشاني وسلطان هذه الجهات صلاح الدين يسمح له بذلك كله ويقول زد احتفالا وتأنقا وعلينا القيام بمؤنة ذلك كله فسبحان الذي جعله صلاح دينه كاسمه.
ولقينا هذا الرجل الخبوشاني المذكور تبركا بدعائه لأنه قد كان ذكر لنا أمره بالأندلس فألفيناه في مسجده بالقاهرة وفي البيت الذي يسكنه داخل المسجد المذكور وهو بيت ضيق الفناء فدعا لنا وانصرفنا ولم نلق من رجال مصر سواه. مشهد المزني صاحب الإمام الشافعي رضى الله عنه مشهد اشهب صاحب مالك ﵁ مشهد عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك ﵄ مشهداصبغ صاحب مالك ﵄ مشهد القاضي عبد الوهاب ﵁ مشهد عبد الله بن عبد الحكم ومحمد بن عبد لله بن عبد الحكم ﵄ مشهدالفقيه الواعظ الزاهد أبي الحسن الدينوري ﵁ مشهد بنان العابد رضي إله عنه مشهد الرجل الصالح العابد الزاهد المعروف بصاحب الابريق وقصته عجيبة في لكرامة مشهد أبي مسلم الخولاني ﵁ مشهدالمراة الصالحة المعروفة بالعيناء ﵂ مشهد الرزذباري ﵁ مشهد محمد ابن مسعود بن محمد بن هارون الرشيد المعروف بالسبتي ﵁ مشهد الرجل الصالح مقبل الحشي ﵁ مشهد ذي النون بن إبراهيم المصري ﵁ مشهدالقاضي الانباري قبر الناطق الذي سمع عند وضعه في لحده يقول اللهم انزلني منزلا مباركا وانت خير المنزلين ﵁ مشهدالعروس ولها اثر من الكرامة في حال جلوتها على زوجها لم يسمع أعجب منه ومشهد الصامت الذي يحكى عنه إنه لم يتكلم أربعين سنة مشهد العصافيري مشهد عبد العزيز بن أحمد بن علي بن الحسن الخوارزمي مشهدالفقيه الواعظ الأفضل الجوهري ومشاهد أصحابه بازائه ﵃ أجمعين مشهد شقران
стр. 26
شيخ ذي النون المصري مشهدالرجل الصالح المعروف بالاقطع المغربي مشهدالمقرئ ورش مشهدالطبري مشهد شيبان الراعي.
والمشاهد الكريمة بها أكثر من أن تضبط بالتقييد أو تتحصل بالإحصاء وإنما ذكرنا هنا ما أمكنتنا مشاهدته ويقبلة القرافة المذكورة بسيط متسع يعرف بموضع قبرو الشهداء وهم الذين استشهدوا مع سارية رضي الله جميعهم والبسيط المذكور مسنم كله للعيان على مثال أسنمة١ القبور دون بناء. ومن العجب أن القرافة المذكورة كلها مساجد مبنية ومشاهد معمورة يأوى إليها الغرباء والعلماء والصلحاء والفقراء والاجراء على كل موضع منها متصل من قبل السلطان في كل شهر والمدارس التي بمصر والقاهرة كذلك وحقق عند نا أن الاجراء على ذلك كله نيف على الفي دينار مصرية في الشهر وهي أربعة آلاف دينار مؤمنية.
وذكر لنا أن لجامع عمرو بن العاص بمصر من الفائد نحو الثلاثين دينارا مصرية في كل يوم تتفرق في مصالحه ومرتبات قومته وسدنته٢ وأئمته والقراء فيه. ومما شاهدناه بالقاهرة أربعة جوامع حفيلة البنيان أنيقة الصنعة لي مساجد عدة.
وفي أحد الجوامع الخطبة اليوم ويأخذ الخطيب فيها مأخذ سني يجمع فيها الدعاء للصحابة ﵃ وللتابعين ومن سواهم ولأمهات المؤمنين زوجات النبي ﷺ ولعميه الكريمين حمزة والعباس ﵄ ويلطف الوعظ ويرقق التذكير حتى تخشع القلوب القاسية وتتفجر العيون الجامدة وياتي للخطبة لابسا السواد على رسم العباسية. وصفة لباسه يردة سوداء عليها طيلسان شرب٣ أسود وهو الذي يسمى بالمغرب الإحرام،
стр. 27
وعمامة سوداء متقلدا سيفا وعند صعوده المبر يضرب بنعل سيفه المبنر في أول ارتقائه ضربة يسمع بها الحاضرين كأنها إيذان بالانصات وفي توسطه أخرى وفي انتهاء صعوده ثالثة ثم يسلم على الحاضرين يمينا وشمالا ويقف بين رايتين سوداوين فيهما تجزيع بياض قد ركزتا في أعلى المنبر.
ودعاؤه في هذا التاريخ للإمام العباسي أبي العباس أحمد الناصر لدين الله ابن الإمام أبي محمد الحسن المستضيء بالله ابن الإمام أبي المظفر يوسف المستنجد بالله ثم لمحيي دولته أبي المفظر يوسف بن أيوب صلاح الدين ثم لاخيه ولي عهده أبي بكر سيف الدين١.
стр. 28
قلعة القاهرة
وشاهدنا أيضا بنان القلعة وهو حصن يتصل بالقاهرة حصين المنعة يريدالسلطان أن يتخذه موضع سكناه ويمد سوره حتى ينتظم بالمدنتين مصر والقاهرة والمسخرون في هذا البنيان والمتولون لجميع امتهاناته ومؤنته العظيمة كنشر الرخام ونحت الصخور العظام وحفر الخندق المحدق بسور الحصن المذكور وهو خندق ينقر بالمعأول نقرا في الصخر عجبا من العجائب الباقية الآثار العلوجا الأسرى من الروم وعددهم لا يحصى كثرة ولا سبيل أن يمتهن في ذلك البنيان أحد سواهم.
وللسلطان أيضا بمواضع أخر بنيان والاعلاج يخدمون فيه ومن يمكن استخدامه من المسلمين في مثل هذه المنفعة العامة مرفه عن ذلك كله ولا وظيفة في شيء من ذلك على أحد.
стр. 29
مستشفى المجانين
ومما شاهدناه أيضا من مفاخر هذا السلطان المارستان الذي بمدينة القاهرة وهو قصر من القصور الرائقة حسنا واتساعا ابرزه لهذه الفضيلة تاجرا واحتسابا١ وعين قيما من أهل المعرفة وضع لديه خزائن العقاقير ومكنه من استعمال الأشربة واقماتها على اخلاتف أنواعها ووضعت في مقاصر ذلك القصر أسرة يتخذها المرضى مضاجع كاملة الكسى وبين يدي ذلك القيم خدمة يتكلفون بتفقد أحوال المرضى بكرة وعشية فيقابلون من الأغذية والاشربة بما يليق بهم.
وبإزاء هذا الموضع موضع مقتطع للنساء المرضى ولهن أيضا من يكلفهن ويتصل بالموضعين المذكورين موضع آخر متسع الفناء فيه مقصاير عليها شبيابيك الحديد اختذت محابس للمجانين.
ولهم أيضا من يتفقد في كل يوم أحوالهم ويقابلها بما يصلح لها والسلطان يتطلع هذه الأحوال كلها بالبحث والسؤال ويؤكد في الاعتناء بها والمثابرة عليها غاية التأكيد. وبمصر مارستان آخر على مثل ذلك الرسم بعينه.
стр. 30
مسجد ابن طولون
وبين مصر والقاهرة المسجد الكبير المنسوب إلى أبي العباس أحمد بن طولون وهو من الجوامع العتيقة الأنيقة الصنعة الواسعة البنيان جعله السلطان مأوى للغرباء من المغاربة يسكنونه ويحلقون فيه٢ وأجرى عليهم الأرزاق في كل شهر. ومن أعجب ما حدثنا به أحد المتخصصين منهم أن السلطان جعل أحكامهم إليهم
стр. 31
ولم يجعل يدا لأحد عليهم فقدموا من أنفسهم حاكما يمتثلون أمره ويتحاكمون في طوارئى أمروهم عنده واستصحبوا الدعة والعافية وتفرغوا لعبادة ربهم ووجدوا من فضل السلطان أفضل معين على الخير الذي هم بسبيله.
стр. 32
مآثر السلطان ومفاخره
وما منها جامع من الجوامع ولا مسجد من المساجد ولا روضة من الروضات المبنية على القبور ولا محرس من المحارس ولا مدرسة من المدارس إلا وفضل السلطان يعم جميع من ياوى إليها ويلزم السكنى فيها تهون عليه في ذلك نفقات بيوت الأموال.
ومن مآثره الكريمة المعربة عن اعتنائه بأمور المسلمين كافة إنه أمر بعمارة محاضر١ ألزمها معلمين لكتاب الله يعلمون أبناء الفقراء والأيتام خاصة وتجرى عليهم الجراية الكافية لهم.
ومن مفاخر هذا السلطان واثاره الباقية المنفعة للمسلمين القناطر التي شرع في بنائها بغربي مصر وعلى مقدار سبعة أميال منها بعد رصيف ابتدئ به من حيز النيل بإزاء مصر كأنه جبل ممدود على الأرض تسير فيه مقدار ستة أميال حتى يتصل بالقنطرة المذكورة وهي نحو الأربعين قوسا من أكبر ما يكون من قسى القناطر والقنطرة متصلة بالصحراء التي يفضى منها إلى الاسكندرية، له في ذك تدبير عجيب من تدابير الملوك الحزمة اعدادا لحادثة تطرا من عدو يدهم جهة ثغر الإسكندرية عند فيض النيل وانغمار الأرض به وامتناع سلوك العساكر بسببه فاعد ذلك مسلكا في كل وقت أن احتيج إلى ذلك والله يدفع عن حوزة المسلمين كل متوقع ومحذور بمنه.
стр. 33
ولأهل مصر في شان هذه القنطرة انذار من الانذارات الحدثانية١ يرون أن حدوثها ياذان باستيلاء الموحدين٢ عليها وعلى الجهات الشرقية والله أعلم بغيبه إلا إله سواه.
стр. 34
معجزة البناء
وبمقربة من هذه القنطرة المحدثة الاهرام القديمة المعجزة البناء الغريبة المنظر المربعة الشكل كأنها القباب المضروبة قد قامت في جو السماء ولا سيما الاثنان منها فانهما يغص الجو بهما سموا في سعة ألواح د منها من أحد اركانه إلى الركن الثاني ثلثمائة خطوة وست وستون خطوة. قد اقيمت من الصخور العظام المنحوتة وركبت تريكبا هائلا بديع الالصاق دون أن يتخللها ما يعين على الصاقها محددة الأطراف في رأي العين وربما امكن الصعود إليها على خطر ومشقة فتلقى اطرافها المحددة كأوسع ما يكون من الرحاب لو رام أهل الأرض نقض بنائها لأعجزهم ذلك.
للناس في أمرها اختلاف: فمنهم من يجعلها قبورا لعاد وبنيه ومنهم من يزعم غير ذلك وبالجملة فلا يعلم شأنها إلا الله عن وجل.
ولآحد الكبيرين منها باب يصمد إليه على نحو القامة من الأرض أو أزيد ويدخل منه إلى بيت كبير سعته نحو خمسين شبرا وطوله نحو ذلك وفي جوف ذلك البيت وخامة طويلة مجوفة شبه التي تسميها العامة البيلة٣ يقال إنها قبر والله أعلم بحقيقة ذلك.
ودون الكبير هرم سعته من الركن ألواح د إلى الكرن الثاني مائة وأربعون خطوة.
стр. 35
ودون هذا الصغير خمسة صغار ثلاثة متصلة والاثنان على مقربة منها متصلان.
وعلى مقربة من هذه الأهرام بمقدار غلوة١ صورة غريبة من حجر قد قامت كالصومعة على صفة آدمي هائل المنظر وجهه إلى الأهرام وظهره إلى القبلة مهبط النيل تعرف بأبي الأهوال.
وبمدينة مصر المسجد الجامع المنسوب لعمرو بن العاص ﵁ وله أيضا بالإسكندرية جامع آخر وهو مصلى الجمعة للمالكيين. وبمدينة مصر آثار من الخرب الذي أحد ثه الإحراق الحادث بها وقت الفتنة عند اتساخ دولة العبيديين٢ وذلك سنة أربع وستين وخمسائة وأ كثرها الآن مستجد والبنيان بها متصل وهي مدينة كبيرة والآثار القديمة حولها وعلى مقربة منها ظاهرة تدل على عظم اختطاطها فيما سلف.
стр. 36
روضة النيل
وعلى شط نيلها مما يلي غربيها، والنيل مهترض بينهما، قرية كبيرة حفيلة البنيان تعرف بالجيزة. لها كل يوم أحد سوق من الأسواق العظيمة يجتمع إليها. ويعترض بينها وبين مصر جزيرة فيها مساكن حسان وعلالي مشرفة وهي مجتمع اللهو والنزهة، وبينها وبين مصر خليج من النيل يذهب بطولها نحو الميل ولها مخرج له. وبهذه الجزيرة مسجد جامع يخطب فيه. ويتصل بهذا الجامع المقياس الذي يعتبر فيه قدر زيادة النيل عند فيضه كل سنة. واستشعار ابتدائه في شهر يونيه، ومعظم انتهائه أغشت٣، وآخره أول شهر أكتوبر. وهذا المقياس عمود رخام أبيض مثمن في موضع ينحصر
стр. 37
فيه الماء عند انسيابه إليه، وهو مفصل على اثنتين وعشرين ذراعا مقسمة على أربعة وعشرين قسما تعرف بالأصابع. فإذا انتهى الفيض عندهم إلى أن يستوفي الماء تسع عشرة ذراعا منغمرة فيه فهي الغاية عندهم في طيب العام. وربما كان الغامر منه كثيرا بعموم الفيض. والمتوسط عندهم ما استوفى سبع عشرة ذراعا، وهو الأحسن عندهم من الزيادة المذكورة. والذي يستحق به السلطان خراجه في بلاد مصر ست عشرة ذراعا فصاعدا، وعليها يعطى البشارة الذي يراعي الزيادة في كل يوم والزيادة في أقسام الذراع المذكورة ويعلم بها مياومة حتى تستوفي الغاية التي يقضي بها وإن قصر عن ست عشرة ذراعا فلا مجبي للسلطان في ذلك العام ولا خراج.
وذكر لنا أن بالجيزة المذكورة قبر كعب الأحبار ﵁ وفي صدر الجيزة المذكورة أحجار رخام قد صورت فيها التماسيح فيقال: إن بسببها لا تظهر التماسيح فيما يلي البلد من النيل مقدار ثلاثة أميال علوا وسفلا والله أعلم بحقيقة ذلك.
стр. 38
عدل صلاح الدين
ومن مفاخر هذا السلطان المزلفة١ من الله تعالى وآثاره التي أبقاها ذكرا جميلا للدين والدنيا: إزالته رسم المكس المضروب وظيفة على الحجاج مدة دولة العبيديين فكان الحجاج يلاقون من الضغط في استيدائها عنتا مجحفا ويسامون فيها خطة خسف باهظة وربما ورد منهم من لا فضل لديه على نفقته أو لا نفقة عنده فيلزم اداء الضريبة المعلومة وكانت سبعة دناينر ونصف دينار من الدنانير المصرية التي هي خمسة عشر دينارا مؤمنية على كل رأس،
стр. 39
ويعجز عن ذلك فيتناول باليم العذاب بعيذاب١ فكانت كاسمها مفتوحة العين.
وربما اخترع له من أنواع العذاب التعليق من الانثيين أو غير ذلك من الأمور الشنيعة نعوذ بالله من سوء قدره وكان نجدة امثال هذا التنكيل وأضعافه لمن لم يؤد مكسه بعيذاب ووصل اسمه غير معلم عليه علامة الأداء. فمحى هذا السلطان هذا الرسم اللعين ودفع عوضا منه ما يقوم مقامه من اطعمة وسواها وعين مجبي موضع معين بأسره لذلك وتكفل بتوصيل جميع ذلك إلى الحجاز لأن الرسم المذكور كان باسم ميرة مكة والمدينة عمرهما الله فعوض من ذلك أجمل عوض وسهل السبيل للحجاج وكانت في حيز الانقطاع وعدم الاستطلاع وكفى الله المؤمنين على يدي هذا السلطان العادل حادثا عظيما وخطبا إليما فترتب الشكر له على كل من يعتقد من الناس أن حج لبيت الحرام إحدى القواعد الخمس من الإسلام حتى يعم جميع الافاق ويوجب الدعاء له في كل صقع من الاصقاع وبقعة من البقاع والله من وراء مجازاة المحسنين وهو جلت قدرته لا يضيع أجر من أحسن عملا. إلى مكوس كانت في البلاد المصرية وسواها ضرائب على كل ما يباع ويشترى مما دق أو جل حتى كان يؤدي على شرب ماء النيل المكس فضلا عما سواه فمحى هذا السلطان هذه البدع اللعينة كلها وبسط العدل ونشر الأمن
ومن عدل هذا السلطان وتأمينه للسبل أن الناس في بلاده لا يخلعون لباس الليل تصرفا فيما يعنيهم ولا يستشعرون لسواده هيبة تثنيهم على مثل ذلك شاهدنا أحوالهم بمصر والإسكندرية حسبما تقدم ذكره.
стр. 40
شهر المحرم سنة تسع وسبعين١ عرفنا الله يمنها وبركتها
استهل هلاله ليلة الثلاثاء وهو اليوم السادس والعشرون من أبريل ونحن بمصر يسر الله عينا مرامنا.
وفي صبيحة يوم الأحد السادس من محرم المذكور كان انفصالنا من مصر وصعودنا في النيل على الصعيد قاصدين إلى قوص عرفنا الل عادته الجميلة من التيسير وحسن المعونة بمنه، ووافق يوم اقلاعنا المذكور أول يوم من مايه٢ بحول الله والقرى في طريقنا متصلة في شطى النيل والبلاد الكبار حسبما ياتي ذكره أن شاء الله. فمنها قريبة تعرف بأسكر٣ في الضفة الشرقية من النيل مباشرة للصاعد فيه ويذكر أن فيها كان مولد النبي موسى الكليم صلى الله على نبينا وعليه ومنها ألقته أمه في اليم وهو النيل حسبما ذكر.
وعاينا أيضا بغربي النيل ميامنا لنا وذلك كله يوم اقلاعنا المذكور وفي الثاني منه المدينة القديمة المنسوبة ليوسف الصديق٤ ﷺ وبها موضع السجن الذي كان فيه وهو الآن ينقض وينقل احجاره إلى القلعة المتبناة الآن على القاهرة وهو حصن حصين المنعة.
وبهذه المدينة المذكورة مخازن الطعام التي اختزنها يوسف ﷺ وهي مجوفة على ما يذكر.
ومنها الموضع المذكور بمنية ابن الخصيب وهو بلد على شط النيل ميامنا للصاعد فيه كبير فيه الأسواق والحمامات وسائر مرافق المدن اجتزنا عليه ليلة