روضة النيل
وعلى شط نيلها مما يلي غربيها، والنيل مهترض بينهما، قرية كبيرة حفيلة البنيان تعرف بالجيزة. لها كل يوم أحد سوق من الأسواق العظيمة يجتمع إليها. ويعترض بينها وبين مصر جزيرة فيها مساكن حسان وعلالي مشرفة وهي مجتمع اللهو والنزهة، وبينها وبين مصر خليج من النيل يذهب بطولها نحو الميل ولها مخرج له. وبهذه الجزيرة مسجد جامع يخطب فيه. ويتصل بهذا الجامع المقياس الذي يعتبر فيه قدر زيادة النيل عند فيضه كل سنة. واستشعار ابتدائه في شهر يونيه، ومعظم انتهائه أغشت٣، وآخره أول شهر أكتوبر. وهذا المقياس عمود رخام أبيض مثمن في موضع ينحصر
стр. 37
فيه الماء عند انسيابه إليه، وهو مفصل على اثنتين وعشرين ذراعا مقسمة على أربعة وعشرين قسما تعرف بالأصابع. فإذا انتهى الفيض عندهم إلى أن يستوفي الماء تسع عشرة ذراعا منغمرة فيه فهي الغاية عندهم في طيب العام. وربما كان الغامر منه كثيرا بعموم الفيض. والمتوسط عندهم ما استوفى سبع عشرة ذراعا، وهو الأحسن عندهم من الزيادة المذكورة. والذي يستحق به السلطان خراجه في بلاد مصر ست عشرة ذراعا فصاعدا، وعليها يعطى البشارة الذي يراعي الزيادة في كل يوم والزيادة في أقسام الذراع المذكورة ويعلم بها مياومة حتى تستوفي الغاية التي يقضي بها وإن قصر عن ست عشرة ذراعا فلا مجبي للسلطان في ذلك العام ولا خراج.
وذكر لنا أن بالجيزة المذكورة قبر كعب الأحبار ﵁ وفي صدر الجيزة المذكورة أحجار رخام قد صورت فيها التماسيح فيقال: إن بسببها لا تظهر التماسيح فيما يلي البلد من النيل مقدار ثلاثة أميال علوا وسفلا والله أعلم بحقيقة ذلك.
стр. 38
عدل صلاح الدين
ومن مفاخر هذا السلطان المزلفة١ من الله تعالى وآثاره التي أبقاها ذكرا جميلا للدين والدنيا: إزالته رسم المكس المضروب وظيفة على الحجاج مدة دولة العبيديين فكان الحجاج يلاقون من الضغط في استيدائها عنتا مجحفا ويسامون فيها خطة خسف باهظة وربما ورد منهم من لا فضل لديه على نفقته أو لا نفقة عنده فيلزم اداء الضريبة المعلومة وكانت سبعة دناينر ونصف دينار من الدنانير المصرية التي هي خمسة عشر دينارا مؤمنية على كل رأس،
стр. 39
ويعجز عن ذلك فيتناول باليم العذاب بعيذاب١ فكانت كاسمها مفتوحة العين.
وربما اخترع له من أنواع العذاب التعليق من الانثيين أو غير ذلك من الأمور الشنيعة نعوذ بالله من سوء قدره وكان نجدة امثال هذا التنكيل وأضعافه لمن لم يؤد مكسه بعيذاب ووصل اسمه غير معلم عليه علامة الأداء. فمحى هذا السلطان هذا الرسم اللعين ودفع عوضا منه ما يقوم مقامه من اطعمة وسواها وعين مجبي موضع معين بأسره لذلك وتكفل بتوصيل جميع ذلك إلى الحجاز لأن الرسم المذكور كان باسم ميرة مكة والمدينة عمرهما الله فعوض من ذلك أجمل عوض وسهل السبيل للحجاج وكانت في حيز الانقطاع وعدم الاستطلاع وكفى الله المؤمنين على يدي هذا السلطان العادل حادثا عظيما وخطبا إليما فترتب الشكر له على كل من يعتقد من الناس أن حج لبيت الحرام إحدى القواعد الخمس من الإسلام حتى يعم جميع الافاق ويوجب الدعاء له في كل صقع من الاصقاع وبقعة من البقاع والله من وراء مجازاة المحسنين وهو جلت قدرته لا يضيع أجر من أحسن عملا. إلى مكوس كانت في البلاد المصرية وسواها ضرائب على كل ما يباع ويشترى مما دق أو جل حتى كان يؤدي على شرب ماء النيل المكس فضلا عما سواه فمحى هذا السلطان هذه البدع اللعينة كلها وبسط العدل ونشر الأمن
ومن عدل هذا السلطان وتأمينه للسبل أن الناس في بلاده لا يخلعون لباس الليل تصرفا فيما يعنيهم ولا يستشعرون لسواده هيبة تثنيهم على مثل ذلك شاهدنا أحوالهم بمصر والإسكندرية حسبما تقدم ذكره.
стр. 40
شهر المحرم سنة تسع وسبعين١ عرفنا الله يمنها وبركتها
استهل هلاله ليلة الثلاثاء وهو اليوم السادس والعشرون من أبريل ونحن بمصر يسر الله عينا مرامنا.
وفي صبيحة يوم الأحد السادس من محرم المذكور كان انفصالنا من مصر وصعودنا في النيل على الصعيد قاصدين إلى قوص عرفنا الل عادته الجميلة من التيسير وحسن المعونة بمنه، ووافق يوم اقلاعنا المذكور أول يوم من مايه٢ بحول الله والقرى في طريقنا متصلة في شطى النيل والبلاد الكبار حسبما ياتي ذكره أن شاء الله. فمنها قريبة تعرف بأسكر٣ في الضفة الشرقية من النيل مباشرة للصاعد فيه ويذكر أن فيها كان مولد النبي موسى الكليم صلى الله على نبينا وعليه ومنها ألقته أمه في اليم وهو النيل حسبما ذكر.
وعاينا أيضا بغربي النيل ميامنا لنا وذلك كله يوم اقلاعنا المذكور وفي الثاني منه المدينة القديمة المنسوبة ليوسف الصديق٤ ﷺ وبها موضع السجن الذي كان فيه وهو الآن ينقض وينقل احجاره إلى القلعة المتبناة الآن على القاهرة وهو حصن حصين المنعة.
وبهذه المدينة المذكورة مخازن الطعام التي اختزنها يوسف ﷺ وهي مجوفة على ما يذكر.
ومنها الموضع المذكور بمنية ابن الخصيب وهو بلد على شط النيل ميامنا للصاعد فيه كبير فيه الأسواق والحمامات وسائر مرافق المدن اجتزنا عليه ليلة
стр. 41
الأحد الثالث عشر لمحرم المذكور وهو الثامن من يوم إقلاعنا من مصر لأن الريح سكنت عنا فتربصنا في الطريق.
ولو ذهبنا إلى رسم كل موضع يعترضنا في شطى النيل يمينا وشمالا لضاق الكتاب عنه لكن نقصد من ذلك إلى الأكبر الأشهر.
وقابلنا على مقربة من هذا الموضع مياسرا لنا المسجد المبارك المنسوب لإبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه وعلى نبينا وهو مسجد مذكور مشهور معلوم بالبركة مقصود ويقال إن بفنائه أثر الدابة التي كان يركبها الخيل ﷺ .
ومنها موضع يعرف بأنصنا مياسرا لنا وهي قرية فسيحة جميلة بها آثار قديمة وكانت في السالف مدينة عتيقة وكان لها سور عتيق هدمه صلاح الدين وجعل على كل مركب منحدر في النيل وظيفة من حمل صخرة إلى القاهرة فنقل باسره إليها.
وفي صبيحة يوم الإثنين الرابع عشر من محرم المذكور وهو التاسع من اقلاعنا من مصر اجتزنا بالجبل المعروف بجبل المقلة وهو بالشط الشرقي من النيل مياسرا للصاعد فيه وهو نصف الطريق إلى قوص من مصر إليه ثلاثة عشر بريدا ومنه إلى قوص مثلها.
وما يجب ذكره على جهة التعجب أن من حيز مصر في شط النيل الشرقي مياسرا للصاعد فيه حائطا متصلا قديم البنيان منه ما قدتهدم ومنه ما بقى اثره يتمادى على الشط المذكور إلى اسوان آخر صعيد مصر وبين أسوان وبين قوص ثمانية برد والاقوال في أمر هذا الحائط تتشعب وتختلف وبالجملة فشأنه عجيب ولا يعلم سره إلا الله وهو يعرف بحائط العجوز ولها خسر مذكور اظن هذه العجوز هي الساحرة المذكور خبرها في المسالك والممالك التي كانت لها المملكة بها مدة١.
стр. 42
ذكر ما استدرك خبره مما كان غفل
وذلك أنا لما حللنا الإسكندرية في الشهر المؤرخ أولا عاينا مجتمعا من الناس عظيما برزوا لمعاينة أسرى من الروم أدخلوا البلد راكبين على الجمال ووجوهمم إلى أذنابها وحولهم الطبول والأبواق فسألنا عن قصتهم فأخبرنا بأمر تتفطر له الأكباد إشفاقا وجزعا. وذلك أن جملة من نصارى الشام اجتمعوا وأنشأو مراكب في أقرب المواضع التي لهم من بحر القلزم١ ثم حملوا انقاضها على جمال العرب المجاورين لهم بكراء اتفقوا معهم عليه فلما حصلوا بساحل البحر سمروا مراكبهم وأكملوا انشاءها وتأليفها وفدعوها في البحر وركبوها قاطعين بالحجاج وانتهوا إلى بحر النعم٢ فاحرقوا فيه نحو ستة عشر مركبا. وانتهبوا إلى عيذاب فأخذ وا فيه مركبا كان ياتي بالحجاج من جدة وأخذ وا أيضا في البر قافلة كبيرة تأتي من قوص إلى عيذاب وقتلوا الجميع ولم يحيوا أحد اوأخذ وا مركبين كانا مقبلين بتجار من اليمن واحرقوا اطعمة كثيرة على ذلك السالحل كانت معدة لميرة مكة والمدينة اعزهما الله واحدثوا حوادث شنيعة لم يسمع مثلها في الإسلام ولا انتهى رومي إلى ذلك الموضع قط.
ومن اعظمها حادثة تسد المسامع شناعة وبشاعة وذلك أنهم كانوا عازمين على دخول مدينة الرسول ﷺ وأخراجه من الضريح المقدس.
стр. 43
أشاعوا ذلك وأجروا ذكره على ألسنتهم فأخذ هم الله باجترائهم عليه وتعاطيهم ما يحول عناية القدر بينهم وبينه. ولم يكن بينهم وبين المدينة أكثر من مسيرة يوم فدفع الله عاديتهم بمراكب عمرت١ من مصر والإسكندرية دخل فيها الحاجب المعروف بلؤلؤ مع أنجاد من المغاربة البحريين فلحقوا بالعدو وهو قد قارب النجاة بنفسه فأخذ وا عن آخرهم وكانت آية من آيات العنايات الجبارية وأدركوهم عن مدة طويلة كانت بينهم من الزمان نيف على شهر ونصف أو حوله وقتلوا واسروا وفرق من الاسارى على البلاد ليقتلوا بها ووجه منهم إلى مكة والمدينة وكفى الله بجميل صنعه الإسلام والمسلمين أمرا عظيما والحمد لله رب العالمين.
стр. 44
رجع الذكر
رجع الذكر ومن المواضع التي اجتزنا عليها في الصعيد بعد جبل المقلة الذي ذكرنا إنه نصف الطريق من مصر إلى قوص حسبما تقدم ذكره موضع يعرف بمنلفوط بمقربة من الشط الغربي ميمنا للصاعد في النيل فيه الأسواق وسائر ما يحتاج إليه من المرافق في نهاية من الطيب ليس في الصعيد مثلها وقمحها يجلب إلى مصر لطيبه ورزانة حبته قد اشتهر عنهم بذلك فالتجار يصعدون في المراكب لاستجلابه.
ومنها مدينة اسيوط وهي من مدن الصعيد الشهيرة بينها وبين الشط الغربي من النيل مقدار ثلاثة أميال وهي جميلة المنظر حولها بساتين النخل وسورها سور عتيق.
ومنها موضع يعرف بأبي تيج وهو بلد فيه الأسواق وسائر مرافق المدن وهو في الشط الغربي من النيل.
ومنها مدينة اخيم وهي أيضا من مدن الصعيد الشهيرة المذكورة بشرقي
стр. 45
النيل وبشطه قديمة الاختطاط عتيقة الوضع فيها مسجد ذي النون المصري ومسجد داود أحد الصالحين المشتهرين بالخير والزهادة وهما مسجدان موسومان بالبركة دخلنا إليهما متبركين بالصلاة فيهما وذلك يوم السبت التاسع عشر المحرم المذكور.
وبهذه المدينة المذكورة اثار ومصانع من بنيان القبط وكنائس معمورة إلى الآن بالمعاهدين من نصارى القبط. ومن أعجب الهياكل المتحدث بغرائبها في الدنيا هيكل عظيم في شرقي المدينة المذكورة وتحت سورها طوله مائتا ذراع وشعرون ذراعا وسعته مائة وستون ذراعا يعرف عند أهل هذه الجهة بالبربا١ وكذلك يعرف كل هيكل عندهم وكل مصنع قديم. قد قام هذا الهيكل العظيم على أربعين سارية حاشى حيطانه دور كل سارية منها خمسون شبرا وبين كل سارية وسارية ثلاثون شبرا ورؤوسها في نهاية من العظم والاتقان قد نحتت نحتا غريبا فجاءت مركنة٢ بديعة الشكل كأن الخراطين تناولوها وهي كلها مرقشة بأنواع الاصبغة اللازوردية٣ وسواها. والسوارى كلها منقوشة من أسفلها إلى أعلاها وقد انتصب على رأس كل سارية منها إلى راس صاحبتها التي تليها لوح عظيم من الحجر المنحوت من أعظمها ما كلنا فيه ستة وخسمين شبرا طولا وعشرة أشبار عرضا وثمانية أشبار ارتفاعا. وسقف هذا الهيكل كله من ألواح الحجارة المنتظمة ببديع الالصاق فجاءت كأنها فرش واحد وقد انتظمت جميعه التصاوير البديعة والاصبغة الغريبة حتى يخيل للناظر فيها أنها سقف من الخشب المنقوش.
والتصاوير على أنواع في كل بلاط من بلاطاته فمنها ما قد جللته طيور بصور رائقة باسطة اجنحتها توهم الناظر إليها أنها تهم بالطيران ومنها ما
стр. 46
قد جللته تصاوير آدمية رائقة المنظر رائعة الشكل قد اعدت لكل صورة منها هيئة هي عليها كامساك تمثال بيدها أو سلاح أو طائر أو كأس أو إشارة شخص إلى آخر بيده أو غير ذلك مما يطول الوصف له ولا تتأتى العبارة لاستيفائه.
وداخل هذا الهيكل العظيم وخارجه وأعلاه وأسفله تصاوير كلها مختلفات الأشكال والصفة منها تصاوير هائلة المنظر خارجة عن صور الادميين يستشعر الناظر إليها رعبا ويتملأ منها عبرة وتعجبا ومافيه مغرز إشفا١ ولا إبرة إلا وفيه صورة أو نقش أو خط بالمسند٢ لا يفهم قد عم هذا الهيكل العظيم الشأن كله هذا النقش البديع ويتأتى في صم الحجارة من ذلك ما لا يتأتى في الرخو من الخشب فيحسب الناظر استعظاما له أن عمر الزمان لو شغل بترقيشه وترصيعه وتزيينه لضاق عنه فسبحان الموجد للعجائب لا إله سواه.
وعلى أعلى هذا الهيكل سطح مفروش بألواح الحجارة العظيمة على الصفة المذكورة وهو في نهاية الارتفاع فيحار الوهم فيها ويضل العقل في الفكرة في تطليعها ووضعها.
وداخل هذا الهيكل من المجالس والزوايا والمداخل والمخارج والمصاعد والمعارج والمسارب والموالج وما تضل فيه الجماعات من الناس ولا يهتدى بعضهم لبعض إلا بالنداء العالي وعرض حائطه ثمانية عشر شبرا وهو كله من حجارة مرصوصة على الصفة التي ذكرناها.
وبالجملة فشأن هذا الهيكل عظيم ومرآه إحدى عجائب الدنيا التي لا يبلغها الوصف ولا ينتهي إليها الحد وإنما وقع الالماع بنبذة من وصفه دلالة عليه،
стр. 47
والله المحيط بالعلم فيه والخبير بالمعنى الذي وضع له فلا يظن المتصفح لهذا المكتوب أن في الأخبار عنه بعض غلو فإن كل مخبر عنه لو كان قسا بيانا أو سحبانا١ يقف موقف العجز والتقصير والله المحيط بكل شيء علما لا إله سواه.
стр. 48
مواقف خزي ومهانة
وببلاد هذا الصعيد المعترضة في الطريق للحجاج والمسافرين كاخميم وقوص ومنيه ابن الحصيب من التعرض لمراكب المسافرين وتكشفها والبحث عنها وإدخال الايدي إلى اوساط التجار فحصا عما تأبطوه أو احتضنوه من دراهم أو دنانير ما يقبح سماعه وتستشنع الاحدوثة عنه كل ذلك برسم الزكاة دون مراعاة لمحلها أو ما يدرك النصاب منها حسبما ذكرناه في ذكر الإسكندرية من هذا المكتوب. وربما الزموهم الإيمان على ما بأيديهم وهل عندهم غير ذلك ويحضرون كتاب الله العزيز يقع اليمين عليه فيقف الحجاج بين أيدي هؤلاء المتناولين لها مواقف خزى ومهانة تذكرهم أيام المكوس. وهذا أمر يقع القطع على أن صلاح الدين لا يعرفه ولو عرفه لامر بقطعه كما أمر بقطع ما هو أعظم منه ولجاهد المتنأول له فان جهادهم من الواجبات لما يصدر عنهم من التعسف وعسير الأرهاق وسوء المعاملة مع غرباء انقطعوا إلى الله وخرجوا مهاجرين إلى حرمه الامين، ولو شاء الله لكانت هذه الخطة مندوحة في اقتضاء الزكاة على أجمل الوجوه من ذوي البضائع في التجارات مع مراعاة رأس كل حول الذي هو محل الزكاة وبتجنب اعتراض الغرباء المنقطعين ممن تجب الزكاة له لا عليه وكان يحافظ على جانب هذا السلطان العادل الذي قد
стр. 49
شمل البلاد عدله وسار في الافاق ذكره ولا يسعى فيما يسيء الذكر بمن قد حسن الله ذكره ويقبح المقالة في جانب من أجمل الله المقالة عنه.
стр. 50
أشنع ما شاهدناه
ومن اشنع ما شاهدناه من ذلك خروج شرذمة من مردة أعوان الزكاة في أيديهم المسال الطوال ذوات الأنصبة١ فيصعدون إلى المراكب استكشافا لما فيها فلا يتركون عكما ولا غرارة٢ إلا ويتخللو نها بتلك المسال المعلونة مخافة أن يكون في تلك الغرارة أو العكم اللذين لا يحتويان سوى الزاد شيء غيب عليه من بضاعة أو مال وهذا اقبح ما يؤثر في الأحاديث الملعنة وقد نهى الله عن التجسس فكيف عن الكشف لما يرجى بستر الصون دونه من حال لا يريد صاحبها أن يطلع عليها اما استحقارا أو استنفاسا دون بخل بواجب يلزمه والله الأخذ على أيدي هؤلاء الظلمة بيد هذا السلطان العادل وتوفيقه أن شاء الله.
стр. 51
ما اجتزنا من المواضع
ومن المواضع التي اجتزنا عليها بعد اخيم المذكورة موضع يعرف بمنشاة السودان على الشط الغربي من النيل هي قرية معمورة ويقال إنها كانت في القدم مدينة كبيرة وقد قام إمام هذه القرية بينها وبين النيل ورصيف عال من الحجارة كأنه السور يضرب فيه النيل ولا يعلوه عند فيضه ومده
стр. 52
فالقرية بسببه في أمن من آتيه١.
ومنها موضع يعرف بالبلينة وهي قرية حسنة كثيرة النخل بالشط الغربي من الليل بينها وبين قوص أربعة برد.
ومنها موضع يعرف بدشنة بالشط الشرقي من النيل وهي مدينة مصورة فيها جميع مرافق المدن وبينها وبين قوص بريدان.
ومنها موضع بغربي النيل وعلى مقربة من شطه يعرف بدندرة وهي مدينة من مدن الصعيد كثيرة النخل مستحسنة المنظر مشتهرة بطيب الرطب بينها وبين قوص بريد وذكر لنا أن فيها هيكلا عظيما وهو المعروف عند أهل هذه الجهات بالبربا حسبما ذكرنا عند ذكر اخميم وهيكلها يقال إن هيكل دندرة أحفل منه وأعظم.
ومنها مدينة قنا وهي من مدن الصعيد بيضاء انيقة المنظر ذات مبان حفيلة ومن مآثرها المأثروة صون نساء أهلها والتزامهن البيوت فلا تظهر في زقاق من ازقتها أمراة البتة صحت بذلك الأخبار عنهن وكذلك نساء دسنة المذكورة قبيل هذا وهذه المدينة المذكورة في الشط الشرقي من النيل وبينها وبين قوص نحو البريد.
ومنها قفط وهي مدينة بشرقي النيل وعلى مقدار ثلاثة أميال من شطه وهي من المدن المذكورة في الصعيد حسنا ونظافة بنيان واتقان وضع.
ثم كان الصولو إلى قوص يوم الخيمس الرابع والعشرين لمحرم المؤرخ وهو التاسع عشر من مايه فكان مقامنا في النيل ثمانية عشر يوما ودخلنا قوص في التاسع عشر. وهذه المدينة حفيلة الأسواق متسعة المرافق كثيرة الحلق لكثرة الصادر والوارد من الحجاج والتجار إليمنيين والهنديين وتجار أرض الحبشة لأنها مخطر٢ للجميع ومحط للرحال ومجتمع الرفاق وملتقى الحجاج
стр. 53
المغاربة والمصريين والاسكندريين ومن يتصل بهم ومنها يفوزون١ بصحراء عيذاب واليها انقلابهم في صدرهم من الحج وكان نززولنا فيها بفندق بنسب لابن العجمي بالمنية وهي ربض٢ كبير خارج المدينة على باب الفندق المذكور.
стр. 54
شهر صفر عرفنا الله يمنه وبركته
استهل هلالة ليلة الأربعاء وهو الخامس والعشرون من شهر مايه ونحن بقوص لزوم السفر إلى عيذاب يسر الله علينا مرمنا بمنه وكرمه.
وفي يوم الإثنين الثالث عشر منه وهو السادس من يونيو اخرجنا جميع رحالنا من زاد وسواه إلى المبرز وهو موضع بقبلي البلد وعلى مقربة منه فسيح الساحة محدق بالنخيل يجتمع فيه رحال الحاج والتجار وتشد فيه ومنه يستقلون ويرحلون وفيه يوزن ما يحتاج إلى وزنه على الجمالين. فلما كان إثر صلاة العشاء الآخرة رفعنا منه إلى ماء يعرف بالحاجر فبتنا به وأصبحنا يوم الثلاثاء بعده مقميين به بسبب تفقد بعض الجمالين من العرب لبيوتهم وكانت على مقربة منهم وفي ليلة الأربعاء الخامس عشر منه ونحن بالحاجر المذكور خسف القمر خسوفا كليا أول الليل وتمادى إلى هدء٣ منه. ثم أصبحنا يوم الأربعاء المذكور ظاعنين وقلنا٤ بموضع يعرف بقلاع الضياع ثم كان المبيت بموضع يعرف بمحط اللقيطة كل ذلك في صحراء لا عمارة فيها.
ثم عدونا يوم الخميس فنزلنا على ماء ينسب للعبدين ويذكر أنهما
стр. 55
ماتا عطشا قبل أن يرداه فسمى ذلك الموضع بهما وقبراهما به رحمها الله ثم تزودنا منه الماء لثلاثة أيام وفوزنا سحر يوم الجمعة السابع عشر منه وسرنا في الصحراء نبيت منها حيث جن علينا الليل والقوافل العيذابية والقوصية صادرة وواردة والمفازة معمورة أمنا.
فلما كان يوم الإثنين الموفى عشرين منه نزلنا على ماء بموضع يعرف بدناقش وهي بئر معينة١ يرد فيها من الانعام والأنام ما لا يحصيهم إلا الله ، ولا يسافر في هذه الصحراء إلا على الإبل لصبرها على الظماء وأحسن ما يستعمل عليها ذوو الترفيه الشقاديف٢ وهي أشباه المحالم وأحسن أنواعها اليمانية لأنها كالاشاكيز٣ السفرية مجلدة متسعة يوصل منها الاثنان بالحبال الوثيقة وتوضع على البعير ولها أذرع قد حفت بأركانها يكون عليها مظلة فيكون الراكب فيها مع عديله في كن٤ من لفح الهاجرة ويقعد مستريحا في وطائه ومتكئا ويتناول مع عديله ما يحتاج إليه من زاد وسواه ويطالع متى شاء المطالعة في مصحف أو كتاب ومن شاء ممن يستجيز اللعب بالشطرنج أن يلاعب عديله تفكها واجماما للنفس لاعبه وبالجملة فانها مريحة من نصب السفر وأكثر المسافرين يركبون الإبل على أحمالها فيكابدون من مشقة سموم٥ الحر عنتا ومشقة.
وفي هذا الماء وقعت بين بعض جمالى العرب إليمنيين أصحاب طريق عيذاب وضمانها وهم من بلي من أفخاذ قضاعة٦ وبين بعض الأغزاز٧
стр. 56
بسبب التزاحم على الماء مهاوشة كادت تفضي إلى الفتنة عصم الله منها.
والقصد إلى عيذاب من قوص على طريقين: أحدهما تعرف بطريق العبدين وهي هذه التي سلكناها وهو أقصد مسافة والأخرى طريق دون قنا وهي قرية على شاطىء النيل ومجتمع هاتين الطريقين على مقربة من ماء دنقاش المذكور ولهما مجتمع آخر على ماء يعرف بشاغب إمام ماء دنقاش بيوم.
فلما كان عشاء يوم الإثنين المذكور تزودنا الماء ليوم وليلة ورفعنا إلى ماء بموضع يعرف بشاغب فوردناه ضحوة يوم الأربعاء الثاني والعشرين لصفر المذكور وهذا الماء ثماد١ يحفر عليه في الأرض فتسمح به قريبا غير بعيد إلا إنه زعاق٢. ثم رحلنا منه سحر يوم الخميس بعده وتزودنا الماء لثلاثة أيام إلى ماء بموضع يعرف بأمتان وتركنا طريق الماء بموضع يعرف با٣ ... يسارا وليس بينه وبين شاغب غير مسافة يوم والطريق عليه وعر للإبل.
فلما كان ضحوة يوم الأحد السادس والعشرين لصفر المذكور نزلنا بأمتان المذكور وفي هذا اليوم المذكور كان فراغنا من حفظ كتاب الله له الحمد وله الشكر على ما يسر لنا من ذلك وهذا الماء بأمتان المذكور هو في بئر معينة قد خصها الله بالبركة وهو أطيب مياه الطريق وأعذبها، فيلقى فيها من دلاء الوارد مالا يحصى كثرة فتروى القوافل النازلة عليها على كثرتها وتروى من الإبل البعيدة الاظماء ما لو وردت نهار من الأنهار لأنضبته وأنزفته.
ورمنا في هذه الطريق إحصاء القوافل الواردة والصادرة فما تمكن لنا ولا سيما القوافل العيذابية المتحملة لسلع الهند الواصلة إلى اليمن ثم من اليمين إلى عيذاب وأكثر ما شاهدنا من ذلك أحمال الفلفل فلقد خيل إلينا ثكرته أنه يوازى التراب قيمة. ومن عجيب ما شاهدناه بهذه الصحراء أنك
стр. 57
تلتقى بقارعة الطريق أحمال الفلفل والقرفة وسائرها من السلع مطروحة لا حارس لها تترك بهذه السبيل إما لأعباء الإبل الحاملة لها أو غير ذلك من الأعذار وتبقى بموضعها إلى أن ينقلها صاحبها مصونة من الآفات على كثرة المار عليها من أطوار الناس.
ثم كان رفعنا من أمتان المذكور صبيحة يوم الإثنين بعد الأحد المذكور. ونزلنا على ماء بموضع بعرف بمجاج بمقربة من الطريق ظهر يوم الإثنين المذكور ومنه تزودنا الماء لأربعة أيام إلى ماء بموضع يعرف بالعشراء على مسافة يوم من عيذاب. ومن هذه المرحلة المجاجية يسلك الوضح١ وهي رملة ميثاء٢ تتصل بساحل بحر جدة يمشى فيها إلى عيذاب إن شاء الله وهي في أفيح من الأرض مد البصر يمينا وشمالا.
وفي ظهر يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من الشهر المذكور كان رفعنا من مجاج المذكور سالكين على الوضح.
стр. 58
شهر ربيع الأول عرفنا الله بركته
استهل هلاله ليلة الجمعة الرابع والعشرين من شهر يونية ونحن بآخر الوضح على نحو ثلاث مراحل من عيذاب وفي وقت الغداة من يوم الجمعة المذكور كان نزولنا على الماء بموضع يعرف بالعشراء على مرحلتين من عيذاب وبهذا الموضع كثير من شجر العشر وهو شبيه بشرج الأترج٣ لكن لا شوك له. وماء هذا الموضع ليس بخالص العذوبة وهو في بئر غير مطوية٤ وألفينا
стр. 59
الرمل قد انهال عليها وغطى ماءها فرام الجمالون حفرها واستخراج مائها فلم يقدروا على ذلك وبقيت القافلة لا ماء عند ها.
فأسرينا تلك الليلة وهي ليلة السبت الثاني من الشهر المذكور فنلزنا ضحوة على ماء الخبيب وهو بموضع بمرأى العين من عيذاب يستقى منها القوافل وأهل البلد ويعم الجميع وهي بئر كبيرة كأنها الجب١ الكبير.
стр. 60
أحفل مراسي الدنيا
فلما كان عشي يوم السبت دخلنا عيذاب وهي مدينة على ساحل بحر جدة غير مصورة أكثر بيوتها الاخصاص وفيها الآن بناء مستحدث بالجص وهي من أحفل مراسي الدنيا بسبب أن مراكب الهند واليمن تحط فيها وتقلع منها زائدا إلى مراكب الحجاج الصادرة والواردة. وهي في صحراء لا ثبات فيها ولا يؤكل فيها شيء إلا مجلوب لكن أهلها بسبب الحجاج تحت مرفق كثير ولا سيما مع الحاج لأن لهم على كل حمل طعام يجلبونه ضريبة معلومة خفيفة المؤنة بالإضافة إلى الوظائف المكوسية التي كانت قبل اليوم التي ذكرنا رفع صلاح الدين لها، ولهم أيضا من المرافق من الحاج إكراه الجلاب منهم وهي المراكب فيجتمع لهم من ذلك مال كثير في حملهم إلى جدة وردهم وقت انفضاضهم من أداء الفريضة وما من أهلها ذوى إليسار إلا من له الجلبة والجلبتان فهي تعود عليهم برزق واسع فسبحان قاسم الأرزاق على اختلاف أسباب ها لا إله سواه.
وكان نزولنا فيها بدار تنسب لمونح أحد قوادها الحبشيين الذين تأثلوا٢
стр. 61
بها الديار والرباع والجلاب، وفي بحر عيذاب مغاص على اللؤلؤ في جزائر على مقربة منها واوان الغوص عليه في هذا التاريخ المقيدة فيه هذه الأحرف وهو شهر يونية العجمى والشهر الذي يتلوه ويستخرج منه جوهر نفيس له قيمة سنية يذهب الغائصون عليه إلى تلك الجزائر في الزواريق ويقميون فيها الأيام فيعودون بما قسم الله لكل واحد منهم بحسب حظه من الرزق.
والمغاص منها قريب القعر ليس ببعيد ويستخرجونه في أصداف لها أزواج كأنها نوع من الحيتان أشبه شيء بالسلحفاة فإذا شقت ظهرت الشفتان من داخلها كانهما محارتا فضة ثم يشقون عليها فيجدون فيها الحبة من الجوهر قد غطى عليها لحم الصدف فيجتمع لهم من ذلك بحسب الحظوظ والأرزاق. فسبحان مقدرها لا إله سواه لكنهم ببلدة لا رطب فيها ولا يابس قد الفوا بها عيش البهائم فسبحان محبب الاوطان إلى أهلها على أنهم أقرب إلى الوحش منهم إلى الإنس.
стр. 62
آفة الحجاج
والركوب من جدة إليها آفة للحجاج عظيمة إلا الاقل منهم ممن يسلمه الله وذلك أن الرياح تلفيهم على الأكثر في مراس بصحارى تبعد منها مما يلي الجنوب فينزل إليهم البجاة وهم نوع من السودان ساكنون بالجبال فيكرون منهم الجمال ويسلكون بهم غير طريق الماء فربما ذهب أكثرهم عطشا وحصلوا على ما يتخلفه من نفقة أو سواها. وربما كان من الحجاج من يتعسف١ تلك المجهلة٢ على قدميه فيضل ويهلك عطشا. والذي
стр. 63
يسلم منهم يصل إلى عيذاب كأنه منشر من كفن شاهدنا منهم مدة مقامنا اقوأما قد وصلوا على هذه الصفة في مناظرهم المستحيلة١ وهيئاتهم المتغيرة آية للمتوسمين.
وأكثر هلاك الحجاجب هذه المراسي ومنهم من تساعده الريح إلى أن يحط بمرسى عيذاب وهو الأقل.
والجلاب التي يصرفونها في هذا البحر الفرعوني ملفقة٢ الانشاء لا يستعمل فيها مسمار البتة إنما هي مخطية بأمراس من القنبار وهو قش رجوز النارجيل٣ يدرسونه٤ إلى أن يتخبط ويفتلون منه أمراسا يخيطون بها المراكب ويخللونها بدسر٥ من عيدان النخل فإذا فرغوا من إنشاء الجلبة على هذه الصفة سقوها بالسمن أو بدهن الخروع أو بدهن القرش وهو أحسنها وهذا القرش حوت عظيم في البحر يبتلع الغرقى فيه ومقصدهم في دهان الجلبة ليلين عودها ويرطب لكثرة الشعاب المعترضة في هذا البحر. ولذلك لا يصرفون فيه المركب المسماري.
وعود هذا الجلاب مجلوب من الهند واليمن وكذلك القنبار المذكور ومن أعجب أمر هذه الجلاب أن شرعها منسوجة من خوص شجر المقل٦. فمجموعها متناسب في اختلال البنية ووهنها فسبحان مسخرها على تلك الحال والمسلم فيها لا إله سواه.
ولأهل عيذاب في الحجاج أحكام الطواغيت٧. وذلك أنهم يشحنون
стр. 64
بهم الجلاب حتى يجلس بعضهم على بعض وتعود بهم كأنهم أقفاص الدجاج المملوءة يحمل أهلها على ذلك الحرص والرغبة في الكراء حتى يستوفى صاحب الجلبة منهم ثمنها في طريق واحدة ولا يبالي بما يصنع البحر بها بعد ذلك ويقولون علينا بالألواح وعلى الحجاج بالأرواح هذا مثل متعارف بينهم. فأحق بلادالله بحسبة١ يكون السيف درتها٢ هذه البلدة والأولى بمن يمكنه ذلك إلا يراها وان يكون طريقه على الشام إلى العراق ويصل مع أمير الحج البغدادي وإن لم يمكنه ذلك أولا فيمكنه آخرا عند انقضاض الحجاج يتوجه مع أمير الحاج المذكور إلى بغداد ومنها إلى عكة فإن شاء رحل منها إلى الإسكندرية وإن شاء إلى صقلية أو سواهما. ويمكن أن يجد مركبا من الروم يقلع إلى سبتة أو سواها من بلاد المسلمين. وإن طال طريقه بهذا التحليق٣ فيهون لما يلقى بعيذاب ونحوها.
стр. 65
أهل عيذاب
وأهلها الساكنون بها من قبيل السودان الذين يعرفون بالبجاة ولهم سلطان من انفسهم يسكن معهم في الجبال المتصلة بها وربما وصل في بعض الأحيان واجتمع بالوالي الذي فيها من الغز إظهارا للطاعة. ومستنابه٤ مع الوالي في البلد والفوائد كلها له إلا البعض منها.
وهذه الفرقة من السودان المذكورين فرقة أضل من الأنعام سبيلا وأقل
стр. 66
عقولا لا دين لهم سوى كلمة التوحيد التي ينطقون بها إظهارا للإسلام ووراء ذلك من مذاهبهم الفاسدة وسيرهم مالا يرضى ولا يحل ورجالهم وسناؤهم يتصرفون عراة إلا خرقا يسترون بها عوراتهم وأكثرهم لا يستترون وبالجملة فهم أمة لا خلاق لهم ولا جناح على لاعنهم.
стр. 67
أهل بحر فرعون
وفي يوم الإثنين الخامس والعشرين لربيع الأول المذكور وهو الثامن عشر من يولية ركبنا الجلبة للعبور إلى جدة فأقمنا يومنا ذلك بالمرسى لركود الريح ومغيب النواتية، فلما كان صبيحة يوم الثلاثاء بعده أقلعنا على بركة الله وحسن عونه المأمول فكانت مدة المقام بعيذاب حاشى يوم الإثنين المذكور ثلاثة وعشرين يوما محتسبة عند الله لشطف العش وسوء الحال واختلال الصحة لعدم الأغذية الموافقة، وحسبك من بلد كل شيء فيه مجلوب حتى الماء والعطش أشهى إلى النفس منه فاقمنا بين هواء يذيب الاجسام وماء بشعل المعدة عن اشتهاء الطعام فملا ظلم من غنى عن هذه البلدة بقوله:
ماء زعاق وجو كله لهب
فالحلول بها من أعظم المكاره التي حف بها السبيل إلى البيت العتيق زاده الله تشريفا وتكريما وأعظم أجور الحجاج على ما يكابدون ولا سيما في تلك البلدة الملعونة، ومما لهج الناس بذكره قبائحها حتى يزعمون أن سليمان بن داود على نبينا وعليه السلام كان اتخذها سجنا للعافرتة أراح الله الحجاج منها بعمارة السبيل القاصدة إلى بيته الحرام وهي السبيل التي من مصر على عقبة أيلة إلى المدينة المقدسة وهي مسافة قريبة يكون البحر منها يمينا وجبل
стр. 68
الطور المعظم يسارا لكن للافرنج بمقربة منها حصن مندوب١ يمنع الناس من سلوكه والله ينصر دينه ويعز كلمته بمنه.
فتمادى سيرنا في البحر يوم الثلاثاء السادس والعشرين لربيع الأول المذكور ويوم الأربعاء بعده بريح فاترة المهب فلما كان العشاء الآخرة من ليلة الخمس ونحن قد استبشرنا برؤية الطير المحلقة من بن الحجاز لمع برق من جهة البر المذكور وهي جهة الشرق ثم نشأ نوء اظلم له الافق إلى أن كسا الافاق كلها وهبت ريح شديدة صرفت المركب عن طريقه راجعا وراءه وتمادى عصوف الرياح واشتدت حلكة الظلمة وعمت الافاق فلم ندر الجهة المقصودة منها إلى أن ظهر بعض النجوم فاستدل بها بعض الاستدلال وحط القلع إلى أسفل الدقل وهو الصاري.
وأقمنا ليلتنا تلك في هول يؤذن بالياس وأرانا بحر فرعون٢ بعض أهواله الموصوفة إلى أن اتى الله بالفرج مقترنا مع الصباح قيادالريح وأقشع الغيم واصحت السماء ولاح لنا بر الحجار على بعد لا نبصر منه إلا بعض جباله وهي شرقا من جدة زعم ربان المركب وهو الرائس أن بين تلك الجبال التي لاحت لنا وبر جدة يومين والله يسهل لنا كل صعب وييسر لنا كل عسير بعزته وكرمه.
فجرينا يومنا ذلك وهو يم الخميس المذكور بريح رخاء طيبة ثم أرسيا عشية في جزيرة صغيرة في البحر على مقربة من البر المذكور بعدان لقينا شعابا كثيرة يكسر فيها الماء ويضحل٣ علينا فتخللنا اثناءها على حذر وتحفظ وكان الربان بصيرا بصنعته حاذقا فيها فخلصنا الله منها حتى أرسينا بالجزيرة المذكورة ونزلنا إليها وبتنا بها ليلة الجمعة التاسع والعشرين لربيع
стр. 69
الأول المذكور وأصبح الهواء راكدا والريح غير متنفسة إلا من الجهة التي لا توافقنا فأقمنا بها يوم الجمعة المذكورة. فلما كان يوم السبت الموفى ثلاثين تنفست الريح بعض تنفس فأقلعنا بذلك النفس نسير سيرا رويدا وسكن الحبر حتى خيل لناظره إنه صحن زجاج أزرق فأقمنا على تلك الحال نرجو لطف صنع الله .
وهذه الجزيرة تعرف بجزيرة عائقة السفن فعصمنا الله من فأل اسمها المذموم وله الحمد والشكر على ذلك.
стр. 70
شهر ربيع الآخر عرفنا الله بركته
استهل هلاله ليلة السبت ونحن بالجزيرة المذكورة ولم يظهر تلك الليلة للأبصار بسبب النوء لكن ظهر في الليلة الثانية كبيرا مرتفعا فتحققنا إهلاله ليلة السبت المذكور وهو الثالث والعشرون من شهر يوليه وفي عشي يوم الأحد ثانية أرسينا بمرسى يعرف بأبحر وهو على بعض يوم من جدة وهو من أعجب المراسي وضعا وذلك أن خليجا من البحر يدخل إلى البر والبر مطيف به من كلتا حافتيه فترسى الجلاب منه في قاررة مكنة١ هادية.
فلما كان سحر يوم الإثنين بعده أقلعنا منه على بركة الله تعالى بريح فاترة والله الميسر لا رب سواه فلما جن الليل ارسينا على مقربة من جدة وهي بمرأى العين منا. وحالت الريح صبيحة يوم الثلاثاء بعده بيننا وبين دخول مرساها، ودخول هذه المراسي صعب المرام سبب كثرة الشعاب والتفافها. وأبصرنا من صنعة هؤلاء الرؤساء والنواتية في لتصرف بالجلبة اثناءها أمرا ضخما يدخلونها على مضايق ويصرفونها خلالها تصريف الفارس للجواد
стр. 71
الرطب العنان١ السلس القياد ويأتون في ذلك بعجب يضيق الوصف عنه.
وفي ظهر يوم الثلاثاء الرابع من شهر ربيع الآخر المذكور وهو السادس والعشرون من شهر يوليه كان نزولنا بجدة حامدين لله وشاكرين على السلامة والنجاة من هول ما عايناه في تلك الثمانية أيام طول مقامنا على البحر وكانت اهوالا شتى عصمنا الله منها بفضله وكرمه فمنها ما كان يطرا من البحر واختلاف رايحه وكثرة شعابه المعترضة فيه ومنها ما كان يطرأ من ضعف عدة المركب واختلالها واقتصامها٢ المرة بعدالمرة عند رفع الشراع أو حطه أو جذب مرسى من مراسيه وربما سنحت٣ الجلبة بأسفلها على شعب من تلك الشعاب أثناء تحللها فنسمع لها هدا يؤذن باليأس فكنا فيها نموت مرارا ونحيى مرارا والحمد لله على ما من به من العصمة وتكفل به من الوقاية والكفاية حمدا يبلغ رضاه ويستهدى المزيد من نعماه بعزته وقدرته لا إله سواه.
وكان نزولنا فيها بدار القائد على وهو صاحب جدة من قبل أمير مكة المذكور في صرح من تلك الصروح الخصوصية التي يبنونها في أعالي ديارهم ويخرجون منها إلى سطوح يبيتون فيها. وعند احتلالنا جدة المذكورة عاهدنا الله سرورا بما أنعم الله به من السلامة إلا يكون انصرافنا على هذا البحر الملعون إلا إن طرأت ضرورة تحول بيننا وبين سواه من الطرق والله ولى الخيرة في جميع ما يقضيه ويسنيه٤ بعزته.
стр. 72
صفة جدة
وجدة هذه قرية على ساحل البحر المذكور أكثر بيوتها اخصاص وفيها فنادق مبنية بالحجارة والطين وفي أعلاها بيوت من الاخصاص كالغرف ولها سطوح يستراح فيها بالليل من أذى الحر. وبهذه القرية آثار قديمة تدل على أنها كانت مدينة قديمة وأثر سورها المحدق بها باق إلى اليوم وبها موضع فيه قبة مشيدة عتقيقة يذكر إنه كان منزل حواء أم البشر صلى الله عليها عند توجهها إلى مكة فبنى ذلك المبنى عليه تشيهرا لبركته وفضله والله أعلم بذلك.
وفيها مسجد مبارك منسوب إلى عمر بن الخطاب ﵁ ومسجد آخر له ساريتان من خشب الآبنوس ينسب أيضا إليه رضى الله عنه ومنهم من يسنبه إلى هارون الرشيد رحمة الله عليه.
وأكثر سكان هذه البلدة مع ما يليها من الصحراء والجبال أشراف علويون: وحسنيون وحسينيون وجعفريون رضى الله عن سلفهم الكريم وهم من شظف العيش بحال يتصدع له الجماد إشفاقا، ويستخدمون انفسهم في كل مهنة من المهن: من إكراء جمال أن كانت لهم أو مبيع لبن أو ماء إلى غير ذلك من تمر يلتقطونه أو حطب يحتطبونه وربما تنأول ذلك نساؤهم الشريفات بأنفسهن فسبحان المقدر لما يشاء ولا شك انهم أهل بيت ارتضى الله لهم الآخرة ولم يرتض لهم الدنيا جعلنا الله ممن يدين بحب أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
وبخارج هذه البلد مصانع قديمة تدل على قدم اختطاطها ويذكر أنها كانت من مدن الفرس وبها جباب١ منقورة في الحجر الصلد يتصل
стр. 73
بعضها ببعض تفوت الإحصاء كثرة هي داخل البلد وخارجه حتى إنهم يزعمون أن التي خارج البلد ثلثمائة وستون جبا ومثل ذلك داخل البلد وعاينا نحن جملة كثيرة لا يأخذ ها الإحصاء وعجائب الموضوعات كثيرة فسبحان المحيط علما بها.
стр. 74
شيع يستغلون الحجاج
وأكثر أهل هده الجهات الحجازية وسواها فرق وشيع لا دين لهم قد تفرقوا على مذاهب شتى وهم يعتقدون في الحاج ما لايعتقد في أهل الذمة قد صيروهم من أعظم غلاتهم التي يستغلونها: ينتهبونهم انتهابا ويسببون لاستجلاب ما بأيديهم استجلابا. فالحاج معهم لا يزال في غرامة ومؤنة إلى أن ييسر الله رجوعه إلى وطنه. ولولا ما تلافى الله به المسلمين في هذه الجهات بصلاح الدين لكانوا من الظلم في أمر لا ينادي وليده١ ولا يلين شديده. وجعل عوض ذلك مالا وطعاما يأمر بتصويلهما إلى مكثر٢ أمير مكة فمتى ابطأت عنهم تلك الوظيفة المترتبة لهم عاد هذا الأمر إلى ترويع الحاج وإظهار تثقيفهم٣ بسبب المكوس. واتفق لنا من ذلك أن وصلنا جدة فأمسكنا بها خلال ما خوطب مكثر الأمير المذكور. فورد أمره بان يضمن الحاج بعضهم بعضا ويدخلوا إلى حرم الله فإن ورد المال والطعام اللذان برسمه من قبل صلاح الدين وإلا فهو لا يترك ماله قبل الحاج. هذا لفظه كأن حرم الله ميراث بيده محلل له اكتراؤه من الحاج. فسبحان مغير السنن ومبدلها.
стр. 75
والذي جعل له صلاح الدين بدلا من مكس الحاج ألفا دينار اثنان وألفا إردب من القمح وهو نحو الثمانمائة قفيز بالكيل الإشبيلي عند نا حاشى اقطاعات اقطعها بصعيد مصر وبجهة اليمن لهم بهذا الرسم المذكور ولولا مغيب هذا السلطان العادل صلاح الدين بجهة الشام في حروب له هناك مع الإفرنج لما صدر عن هذا الأمير المذكور ما صدر في جهة الحاج. فاحق بلادالله بأن يطهرها السيف ويغسل أرجاسها وأدناسها بالدماء المسفوكة في سبيل الله هذه البلاد الحجازية لما هم عليه من حل عرى الإسلام واستحلال أموال الحاج ودمائهم.
فمن يعتقد من فقهاء أهل الأندلس اسقاط هذه الفريضة عنهم فاعتقاده صحيح لهذا السبب وبما يصنع بالحاج مما لا يرتضيه الله . فراكب هذا السبيل راكب خطر ومعتسف غرر١. والله قد أوجد الرخصة فيه على غير هذه الحال فكيف وبيت الله الآن بأيدي أقوام قد اتخذوه معيشة حرام وجعلوه سببا إلى استلاب الأموال واستحقاقها من غير حل ومصادرة الحجاج عليها وضرب الذلة والمسكنة الدنية عليهم تلافاها الله عن قريب بتطيهر يرفع هذه البدع المجحفة عن المسلمين بسيوف الموحدين٢ أنصار الدين وحزب الله أولي الحق والصدق والذابين عن حرم الله والغائرون٣ على محارمه والجادين في اعلاء كلمته واظهار دعوته ونصر ملته إنه على ما يشاء قدير وهو نعم المولى ونعم النصير.