الرياح العاصفة الغربية
وفي النصف من ليلة الأحد الحادي عشر منه انقلبت الريح غربية وكشف النوء من المغرب وجاءت الريح عاصفة فأخذت بنا جهة الشمال وأصبحنا يوم الأحد المذكور والهول يزيد والبحر قد هاج هائجه وماج مائجه فرمى بموج كالجبال يصطدم المركب صدمات يتقلب لها على عظمه تقلب الغصن الرطيب وكان كالسور علوا فيرتفع له الموجا رتفاعا يرمى في وسطه بشآبيب كالوابل المنسكب. فلما جن الليل اشتد تلاطمه وصكت الأذان غماغمه واستشرى عصوف الريح فحطت الشرع واقتصر على الدلالين الصغار دون انصاف الصواري ووقع اليأس من الدنيا ووعنا الحياة بسلام وجاءنا الموج من كل مكان وظننا أنا قد احيط بنا فيا لها ليلة يشيب لها سودالذوائب مذكورة في ليالي الشوائب مقدمة في تعاد الحدواث والنوائب! ونحن منها في مثل ليل صول طولا١ فأصبحنا ولم نكد فكان من الاتفاقات الموحشة أن أبصرنا بر اقريطش عن يسارنا وجباله قد قامت أمامنا وكنا قد خلفناه عن يميننا فأسقطتنا الريح عن مجرانا ونحن نظن أنا قد جزناه فسقط في أيدينا وخالفنا المجرى المعهود الميمون وهو أن يكون البر المذكور منا يمينا في استقبال صقلية. فاستسلمنا للقدر وتجرعنا غصص هذا الكدر وقلنا:
سيكون الذي قضى ... سخط العبد أو رضى
وفي أثناء ذلك انبسطت الشمس ولان البحر قليلا وصممنا نروم أخذ مرسى في البر المذكور إلى أن يقضى الله قصاءه وينفذ حكمه ولكل سفر
стр. 387
أوان وسفر البحر إنما هو في ابإنه والمعهود من زمإنه لا أن يعتسف في فصول أشهر الشتاء اعتسافنا له والأمر لله من قبل ومن بعد فالحذر الحذر من ركوب مثل هذا الخطر وان كان المحذور لا يغنى عن المقدور شيئا وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ثم إن الريح ساعدت عند استقبالنا البر بعض مساعدة فانصرفنا عنه وتركناه يمينا وعدنا إلى قريب من المجرى المقصود وجرينا بعض ليلة الثلاثاء الثالث عشر منه وقد تم لنا على ظهر المركب أربعة وثلاثون يوما والشرع مصلبة١ وهو عندهم اعدل جرى لأنه لا يكون إلا بالريح التي تتلقى مؤخر المركب في مجراه، فأصبحنا يوم الثلاثاء المذكور على مثل تلك الحال وساعدت الريح ففرحنا وسررنا وطلعت علينا مراكب قاصدة مقصدنا فاستبشرنا بها وعلمنا أنا على مجرى مقصود ولله الحمد والشكر على كل حال من الأحوال.
ثم انقلبت الريح غربية وهبت عاصفا فالجأتنا اضطرارا بعد أن جرت بنا بعض ليلة الأربعاء ويوم الأربعاء إلى مرسى من مراسى جزائر الرمانية وهو رأس الجزيرة ومنه إلى الأرض الكبيرة مجاز فيه الاثنا
عشر ميلا فأصبحنا يوم الخميس الخامس عشر لشعبان المكرم والثاني والعشرين لنونبر فحمدنا الله على ما من به من السلامة وتوافت بعدنا إلى ذلك المرسى خمسة مراكب منها اثنان كانا قد أقلعا من بر الإسكندرية عن عهد نحو خمسين يوما فأسقطتهما الريح، أقمنا بذلك المرسى أربعة أيام، وجدد الناس به الماء والزاد لأن العمارة كانت منا قريبا فنزل أهل الجيزرة وبايعوا أهل المركب في الخبز واللحم والزيت وما كان عندهم من الأدم. ولم يكن خبزهم برا خالصا إنما كان خليطا بالشعير وكان يضرب للسواد فتهافت الناس عليه على غلائه ولم يكن بالرخيص في سومه وشكروا لله على ما من به عليهم. وفي هذا المرسى كمل لنا على ظهر البحر أربعون يوما والحمد لله
стр. 388
على كل حال ومدة مقمنا بالمرسى لم يفتر عصوف الريح الغربية واعادت اشد ما يكون هبوبا فحمدنا الله تعالى على إن لم تأخذنا ونحن على ظهر البحر جارين والحمد لله على جميل صنعه.
وأقلعنا من المرسى المذكور يوم الإثنين التاسع عشر لشعبان المذكور والسادس والشعرين لنوننبر بريح طيبة موافقة فاستبشرنا بها واستلطعنا جميل صنع الله ولطف قضائه لا رب سواه وتمادى سيرنا إلى يوم الخميس الثاني والعشرين لشعبان والتاسع والعشرين لنونبر، ثم انقلبت الريح غربية وأنشأت سحابه فيها رعد قاصف وزجتها١ ريح عاصف وتقدمها برق خاطف فأرسلت حاصبا من البرد صبته علينا في المركب شآبيب متداركه فارتاعت له النفوس ثم أسرع انقشاعها وانجلى عن الأنفس ارتياعها وبتنا ليلة الجمعة مبيت وحشة وطالعنا اليأس من مكمنه فلما أسفر الصبح وطلع النهار أبصرنا بر صقلية لائحا أمامنا. فيا لها بشرى ومسرة لو لم يعد حسرة في كرة! فأمسينا ليلة السبت وهو أول يوم من دجنبر٢ ونحن على إدراكه في أقل من ثلثها أو منتصفها ولكل أجل كتاب وميقات وكم أمل تعترض دونه الآفات فما كان إلا كلا ولا حتى ضربت في وجوهنا ريح أنكصتنا على الأعقاب وحالت بين الابصار والارتقاب وما زالت تعصف حتى كادت تنسف وتقصف فحطت الشرع عن صواريها واستسلمت النفوس لباريها وتركنا بين السفينة ومجريها، وتتابعت علينا عوأرض ديم حصلنا منها ومن الليل والبحر في ثلاث ظلم وعباب الموج تتوالى صدماته وتطفر الألباب رجفاته فنبذت نفوسنا كل أمنية وتأهبت للقاء المنية.
وقطعنا هذه الليلة البهماء في مصادمة أهوال ومكابدة أوجال ومقاساة أحوال يا لها من أحوال! ثم أصبحنا يوم السبت ليوم عصب أخذ من
стр. 389
هول ليلته بأوفر نصيب والأمواج والرياح تترامى بنا حيث شاءت وقد استسلمنا للقضاء وتمسكنا بأسباب الرجاء. ثم تداركنا صنع الله تعالى مع المساء ففترت الريح ولان متن البحر وأسفر وجه الجو. وأصبحنا يوم الأحد ثاني دجنبر والخامس والعشرين لشعبان وقد بدل لنا من الخوف الأمان وتطلعت الوجوه كأنها انتشرت من الأكفان وساعدت الريح بعض مساعدة. فعدنا نطلب من البر أثرا بعد عين ونرجم الظنون بين متى وأين والله لطيف بعباده وكفيل بمعهود صنعه الجميل ومعتاده لا رب سواه.
стр. 390
شهر رمضان المعظم عرفنا الله البركة والقبول فيه بمنه وكرمه لا رب غيره
استهل هلاله ليلة الجمعة السابع لشهر دجنبر ونحن بإزاء الأرض الكبيرة على متن البحر مترددين وقد من الله علينا بريح شرقية فاترة المهب سرنا بها سيرا رويدا حتى وصلنا هذا الموضع من إزاء الأرض الكبيرة المذكورة وأبصرنا فيها ضياعا وعمارة كثيرة أعلمنا أنها من قلورية١ وهي من بلاد صاحب صقلية لأن بلاده في الأرض الكبيرة تتصل نحو شهرين. وبهذا الموضع نزل كثير من البلغريين فائزين بأنفسهم لمسغبة مست أهل المركب لعدم الزاد ونفاده وحسبك أنا كنا نقتصر على مقدار رطل من الخبز اليابس نتقسمه بين أربعة منا ونبله بيسير من الماء فنتبلغ به وكل من نزل من البلغريين باع فضلة زاده فترفق المسلمون بابتياع ما امكن منه على غلائه وانتهى إلى مقدار خبزة بدرهم من الخالص
فما ظنك بمدة شهرين على ظهر البحر في مسافة ظن الناس أنهم يقطعونها في عشرة أيام أو خمسة عشر يوما الغاية فالحازم من أدخل زاد ثلاثين يوما وسائر الناس لعشرين يوما ولخمسة عشر يوما.
стр. 391
ومن العجب في الاتفاقات في الأسفار البحرية أنا استطلعنا على ظهر البحر أهلة ثلاثة أشهر: هلال رجب وهلال شعبان وهلال رمضان هذا وفي يوم مستهله مع الصباح أبصرنا أمامنا جبل النار وهو جبل البركان المشهور بصقلية فاستبشرنا بذلك والله تعالى يعظم أجورنا على ما كابدناه ويختم لنا بأجمل الصنع وأسناه يوزعنا في كل حال شكر ما أولاه بمنه وكرمه.
ثم حركتنا من ذلك الموضع ريح موافقة فلما كان عشي يوم السبت ثاني الشهر المذكور اشتد هبوبها فزجت المركب تزجيه سريعة فلم يكن إلا كلا ولا حتى أدتنا إلى أول المضيق والليل قد جن وهذا المضيق ينحصر فيه البحر إلى مقدار ستة أميال وأضيق موضع فيه ثلاثة أميال يعترض من بر الأرض الكبيرة إلى بر جزيرة صقلية والبحر بهذا المضيق ينصب انصباب السيل العرم ويغلى غليان المرجل لشدة انحصاره وانضغاطه وشقه صعب على المركب فاستمر مركبنا في سيره والريح الجنوبية تسوقه
سوقا عنيفا وبر الأرض الكبيرة عن يمننا وبر صقلية عن يسارنا.
стр. 392
الإشراف على الغرق
فملا كان مع نصف ليلة الأحد الثالث للشهر المبارك وقد شارفنا مدينة مسينة من الجزيرة المذكورة دهمتنا زعقات البحريين بأن المركب قد أمالته الريح بقوتها إلى أحد البرين وهو ضارب فيه فأمر رئيسهم بحط الشرع للحين فلم ينحط شراع الصاري المعروف بالأردمون وعالجوه فلم يقدروا عليه لشدة ذهاب الريح به فلما أعياهم مزقه الرائس١ بالسكين قطعا قطعا طمعا في توقيفه، وفي أثناء هذه المحاولة سنح المركب٢ بكلكله على البر والتقاه
стр. 393
بسكانية وهما رجلاه اللتان يصرف بهما وقامت الصيحة الهائلة في المركب فجاءت الطامة الكبرى والصدعة التي لم نطق لها جبرا والقارعة الصماء التي لم تدع لنا صبرا والتدم النصارى التداما واستسلم المسلمون لقضاء ربهم استسلاما ولم يجدوا سوى حبل الرجاء استمساكا واعتصاما.
وتعاورت١ الريح والأمواج صفع المركب حتى تكسرت رجله الواحدة فألقى الرائس مرسى من مراسيه طمعا في تمسكه به فلم نغن شيئا فقطع حبله وتركه في البحر، فما تحققنا أنها هي قمنا فشددنا للمو ت حيازيمنا٢ وأمضينا على الصبر الجميل عزائمنا وأقمنا نرتقب الصباح أو الحين المتاح وقد علا الصياح وارتفع الصراخ من أطفال الروم ونسائهم وألقى الجميع عن يد الإذعان وقد حيل بين العير والنزوان٣. ونحن قيام نبصر البر قريبا ونتردد بين أن نلقي بأنفسنا إليه سبحا أو ننتظر لعل الفرج من الله يطلع صبحا فأحضرنا نية الثبات والبحريون قد ضموا العشاري٤ لإخراج المهم من رجالهم ونسائهم وأسبابهم فساروا به إلى البر دفعة واحدة ثم لم يطيقوا رده وقذفته الموج مكسرا على ظهر البر فتمكن حينئذ اليأس من النفوس، وفي أثناء مكابدة هذه الأهوال أسفر الصبح فجاء نصر الله والفتح وحققنا النظر فإذا بمدينة مسينة أمامنا على أقل من نصف الميل وقد حيل بيننا وبينها فعجبنا من قدرة الله في تصريف أقداره وقلنا: رب مجلوب إليه حتفه في عتبة داره.
стр. 394
الزوارق المغيثة
ثم تمكن الشروق فجاءتنا الزواريق مغيثة ووقعت الصحة في المدينة فخرج ملك صقلية غليام بنفسه في جملة من رجاله متطلعا لتلك المحال وبادرنا إلى النزول في الزواريق والأمواج لشدتها لا يمكنها الوصول إلى المركب فكان نزولنا فيها خاتمة الهول العظيم ونجونا إلى البر منجي أبي نصر١ عن قدر وتلف للناس بعض أسباب هم فتسلوا عن الغنيمة بإيابهم.
ومن العجب على ما أخبرنا به أن هذا الملك الرومي المذكور أبصر فقراء من المسلمين يتطلعون من المركب وليس لهم شيء يؤدونه في نزولهم لأن أصحاب الزواريق أغلوا على الناس في تخليصهم فسأل عنهم فأعلم بقصتهم فأمر لهم بمائة رباعي من سكتة ينزلون بها وخلص جميع المسلمين عن سلام وقيل: الحمد لله رب العالمين.
وفرغ النصارى جميع ما كان لهم فيه فأصبح في اليوم الثاني وقد جعلته الأمواج جذاذا ورمت به إلى البر أفلاذا فعاد عبرة للناظرين وآية للمتوسمين. ووقع العجب من سلامتنا منه وجددنا شكر الله على ما من به من لطيف صنعه وجميل قضائه وتخليصه لنا من أن يكون هذا القدر ينفذ علينا في الأرض الكبيرة أو إحدى جزائر الروم المعمورة فكنا لو سلمنا نستعبد للأبد والله يعيننا على اداء شكر هذه المنة والنعمة وما تداركنا به من لحظات الرأفة والرحمة إنه على ذلك قدير وبعوائدالفضل ولخير جدير لا إله سواه.
ومن جملة صنع الله لنا ولطفه بنا في هذه الحادثة كون هذا الملك الرومي حاضرا فيها ولولا ذلك لا نتهب جميع ما في المركب انتهابا،
стр. 395
وربما كان يستعبد جميع من فيه من المسلمين لأن العادة جرت لهم بذلك وكان وصول هذا الملك لهذه البلاد بسبب اسطوله الذي ينشئه رحمة لنا والحمد لله على ما من به علينا من حسن نظره الكفيل بنا لا إله سواه.
стр. 396
ذكر مدينة مسنية من جزيرة صقلية أعادها الله تعالى
هذه المدينة موسم تجار الكفار ومقصد جواري الحبر من جميع الأقطار كثيرة الأرفاق برخاء الأسعار مظلمة الآفاق بالكفر لا يقر فيها لمسلم قرار مشحونة بعبدة الصلبان تغص بقاطنيها وتكاد تضيق ذرعا بساكنيها مملوءة نتنا ورجسا موحشة لا توجد الغريب أنسا، أسواقها نافقة حفيلة وأرزاقها واسعة بإرغاد العيش كفيلة لا تزال بها ليلك ونهارك في أمان وإن كنت غريب الوجه واليد واللسان مستندة إلى جبال قد انتظمت حضيضها وخناديقها والبحر يعترض إمامها في الجهة الجنوبية منها. ومرساها أعجب مراسي البلاد البحرية لأن المراكب الكبار تدنو فيه من البر حتى تكاد تمسه وتنصب منها إلى البر خشبة يتصرف عليها فالحمال يصعد بحمله إليها ولا يحتاج الزواريق في وسقها ولا في تفريغها إلا ما كان مرسيا على البعد منها يسيرا فتراها مصطفة مع البر كاصطفاف الجياد في مرابطها واصطبلاتها وذلك لافراط عمق البحر فيها وهو زقاق معترض بينها وبين الأرض الكبيرة بمقدار ثلاثة أميال ويقابلها منه بلدة تعرف برية وهي عمالة كبيرة. وهذه المدينة: مسينة رأس جزيرة صقلية وهي كثيرة المدن والعمائر والضياع وتسميتها تطول.
وطول هذه الجزيرة: صقلية، سبعة أيام وعرضها مسيرة خمسة أيام وبها جبل البركان المذكور وهو يأتزر بالسحب لإفراط سموه ويعتم بالثلج شتاء وصيفا دائما، وخصب هذه الجزيرة أكثر من أن يوصف وكفى بأنها
стр. 397
ابنة الأندلس في سعة العمارة وكثرة الخصب والرفاهة مشحنة بالأرزق على اختلافها مملوءة بأنواع الفواكه وأصنافها لكنها معمورة بعبدة الصلبان يمشون في ناكبها ويرتعون في أكنافها والمسلمون معهم على أملاكهم وضياعهم قد حسنوا السيرة في استعمالهم واصطناعهم وضربوا عليهم أتاوة في فصلين من العام يؤدؤونها وحالوا بينهم وبين سعة في الأرض كانوا يجدونها والله يصلح أحوالهم ويجعل العقبى الجميلة مآلهم بمنه. وجبالها كله بساتين مثمرة بالتفاح والشاه بلوط والبندق والإجاص وغيرها من الفواكه.
стр. 398
المسلمون في صقلية
وليس في مسينة هذه من المسلمين إلا نفر يسير من ذوي المهن ولذلك ما يستوحش بها المسلم الغريب وأحسن مدنها قاعدة ملكها والمسلمون يعرفونها بالمدينة والنصارى يعرفونها ببلازمة وفيها سكنى الحضريين من المسلمين ولهم فيها المساجد والأسواق المختصة بهم في الأرباض كثير وسائر المسلمين بضياعها وجميع قراها وسائر مدنها كسرقوسة وغيرها لكن المدينة الكبيرة التي هي مسكن ملكها غليام١ أكبرها وأحفلها وبعدها مسينة وبالمدينة إن شاء الله يكون مقامنا ومنها نؤمل سفرنا إلى حيث يقضى الله من بلاد المغرب إن شاء الله.
стр. 399
الملك غليام وحسن سيرته
وشأن ملكهم هذا عجيب في حسن السيرة واستعمال المسلمين واتخاذ الفتيان المجابيب وكلهم أو أكثرهم كاتم إيمانه متمسك بشريعة الإسلام وهو
стр. 400
كثير الثقة بالمسلمين وساكن إليهم في أحواله والمهم من أشغاله حتى إن الناظر في مطبخته١ رجل من المسلمين وله جملة من العبيد السود المسلمين وعليهم قائدمنهم ووزراؤه وحجابه الفتيان وله منهم جملة كبيرة هم أهل دولته والمرتسمون بخاصته٢ وعليهم يلوح رونق مملكته لأنهم متسعون في الملابس الفاخرة والمراكب الفارهة وما منهم إلا من له الحاشية والخول والأتباع.
стр. 401
القصر الأبيض
ولهذا الملك القصرو المشيدة والبساتين الأنيقة ولا سيما بحضرة ملكه المدينة المذكورة وله بمسينة قصر أبيض كالحمامة مطل على ساحل البحر وهو كثير الإتخاذ للفتيان والجواري وليس في ملوك النصارى أترف في الملك ولا أنعم ولا أرفه منه وهو يتشبه في الانغماس في نعيم الملك وترتيب قوانينه ووضع أساليبه وتقسيم مراتب رجاله وتفخيم أبهة الملك واظهار زينته بملوك المسلمين، وملكه عظيم جدا وله الأطباء والمنحمون وهو كثير الاعتناء بهم شديد الحرص عليهم حتى إنه متى ذكر له أن طبيبا أو منجما اجتاز ببلده أمر بامساكه وأدر له أرزاق معيشته حتى يسليه عن وطنه والله يعيذ المسلمين من الفتنة به بمنه وسنه نحو الثلاثين سنة كفى الله المسلمين عاديته وبسطته. ومن عجيب شأن المتحدث به إنه يقرا ويكتب بالعربية وعلامته على ما أعلمنا به أحد خدمته المختصين به. الحمد لله حق حمده. وكانت علامة أبيه: الحمد لله شكرا لأنعمه.
стр. 402
المسلمون في دولة غليام
وأما جواريه وحظاياه في قصره فمسلمات كلهن. ومن أعجب ما حدثنا به خديمه المذكرو وهو يحيى بن فتيان الطراز وهو يطرز بالذهب في طراز الملك أن الإفرنجية من النصرانيات تقع في قصره فتعود مسلمة تعيدها الجواري المذكورات مسلمة وهن على تكتم من ملكهن في ذلك كله ولهن في فعل الخير أمور عجيبة. وأعلمنا أنه كان في هذه الجزيرة زلازل مرجفة ذعر لها هذا المشرك فكان يتطلع ف يقصره فلا يسمع إلا ذاكرا لله ولرسوله من نسائه وفتيانه وربما لحقتهم دهشة عند رؤيته فكان يقول لهم ليذكر كل أحد منكم معبوده ومن يدين به تسكينا لهم.
وأما فتيانه الذين هم عيون دولته وأهل عمالته في ملكه فهم مسلمون ما منهم إلا من يصوم الأشهر تطوعا وتأجرا ويتصدق تقربا إلى الله وتزلفا ويتفكا لأسرى ويربى الأصاغر منهم ويزوجهم ويحسن إليه ويفعل الخير ما استطاع وهذا كله صنع من الله لمسلمي هذه الجزيرة وسر من أسرار اعتناء الله بهم. لقينا منهم بمسينة فتى اسمه عبد المسيح من وجوههم وكبرائهم بعدتقدمة رغبة منه إلينا في ذلك فاحتفل في كرامتنا وبرنا وأخرج إلينا عن سره المكنون بعد مراقبة منه في مجلسه أزال لها كل من كان حوله ممن يتهمه من خدامه محافظة على نفسه فسألنا عن مكة قدسها الله وعن مشاهدها المعظمة وعن مشاهد المدينة المقدسة ومشاهد الشام فأخبرناه وهو يذوب شوقا وتحرقا واستهدى منا بعض ما استصحبناه من الطرف المباركة من مكة والمدينة قدسهما الله ورغب في أن لا نبخل عليه بما أمكن من ذلك. وقال لنا: أنتم مدلون بإظهار الإسلام فائزون بما قصدتم له رابحون إن شاء الله في متجركم ونحن كاتمون إيماننا خائفون على أنفسنا متمسكون بعبادة الله وأداء فرائضه سرا معتقلون في ملكة كافر بالله قد
стр. 403
وضع في أعناقنا ربقة الرق فغايننا التبرك بلقاء امثالكم من الحجاج واستهداء ادعيتهم والاغتباط بما تتلقاه منهم من تحف تلك المشاهد المقدسة لنتخذها عدة للإيمان وذخيرة للأكفان، فتفطرت قلوبنا له إشفاقا ودعونا له بحسن الخاتمة وأتحفاه ببعض ما كان عندنا مما رغب فيه وأبلغ في مجازاتنا ومكافأتنا واستكتمنا سائر إخوإنه من الفتيان.
ولهم في عفل الجميل أخبار مأثورة وفي افتكاك الأسرى صنائع عند الله مشكورة. وجميع خدمتهم على مثل أحوالهم. ومن عجيب شأن هؤلاء الفتيان أنهم يحضرون عند مولاهم فيحين وقت الصلاة فيخرجون أفذاذا من مجلسه فيقضون صلاتهم وربما يكونون بموضع تلحقه عين ملكهم فيسترهم الله فلا يزالون بأعمالهم ونياتهم وبنصائحهم الباطنة للمسلمين في جهاد دائم والله ينفعهم ويجمل خلاصهم بمنه.
ولهذا الملك بمدينة مسينة المذكورة دار صنعة البحر تحتوى من الأساطيل على مالا يحصى عدد مراكبه وله بالمدينة مثل ذلك.
стр. 404
مغادرة صقلية
فكان نزولنا في أحد الفنادق وأقمنا به تسعة أيام فلما كان ليلة الثلاثاء الثاني عشر للشهر المبارك المذكور والثامن عشر لدجنبر ركبنا في زورق متوجهين إلى المدينة المتقدم ذكرها وصرنا قريبا من الساحل بحيث نبصره رأي العين وأرسل الله علينا ريحا شرقية رخاء طيبة زجت الزورق١ أهنأ تزجية وسرنا نسرح اللحظ في عمائر وقرى متصلة وحصون ومعاقل في قن الجبال مشرفة، وأبصرنا عن يميننا في البحر تسع جزائر٢ قد قامت جبالا
стр. 405
مرتفعة: على مقربة من بر الجزيرة اثنتان منها تخرج منهما النار دائما وأبصرنا الدخان صاعدا منهما ويظهر بالليل نارا حمراء ذات السن تصعد في الجو وهو البركان المشهور خبر وأعلمنا أن خروجها من منافس في الجبلين المذكورين يصعد منها نفس ناري١ بقوة شديدة تكون عنه النار وربما قذف فيها الحجر الكبير فتلقي به في الساعة إلى الهواء لقوة ذلك النفس وتمنعه من الاستقرار والانتهاء إلى القعر٢ وهذا من أعجب المسموعات الصحيحة.
وأما الجبل الشامخ٣ الذي بالجزيرة المعروف بجبل النار فشإنه أيضا عجيب وذلك أن نارا تخرج منه في بعض لسنين كالسيل العرم فلا تمر بشيء إلا أحرقته حتى تنتهي إلى البحر فتركب ثبجه على صفحه حتى تغوص فيه فسبحان المبجع في عجائب مخلوقاته إلا إله سواه. إلى أن حللنا عشي يوم الأربعاء بعد يوم الثلاثاء المؤرخ مرسى مدينة شفلودى وبينها وبين مسينة مجرى ونصف مجرى.
стр. 406
ذكر مدينة شفلودي من جزيرة صقلية أعادها الله
هي مدينة ساحلية كثيرة الخصب واسعة المرافق منتظمة أشجار الأعناب وغيرها مرتبة الأسواق تسكنها طائفة منها المسلمين وعليها قنة جبل واسعة مستديرة، فيها قلعة لم ير امنع منها اتخذوها عدة لاسطول يفجوؤهم من جهة البحر من جهة المسلمين نصرهم الله. وكان إقلاعنا منها نصف الليل فجئنا مدينة ثرمة ضحوة يوم الخميس بسير رويد وبين المدينتين خمسة
стр. 407
وعشرون ميلا فانتقلنا فيها من ذلك الزورق إلى زورق ثان اكتريناه لكون البحريين الذين صحبونا فيه من أهلها.
стр. 408
ذكر مدينة ثرمة من الجزيرة المذكورة فتحها الله
هي أحسن وضعا من التي تقدم ذكرها وهي حصينة تركب البحر وتشرف عليه وللمسلمين فيها ربض كبير لهم فيه المساجد ولها قلعة سامية منيعة وفي أسفل البلدة حمة١ قد أغنت أهلها عن اتخاذ حمام وهذه البلدة من الخصب وسعة الرزق على غاية والجزيرة بأسرها من أعجب بلادالله في الخصب وسعة الأرزاق. فاقمنا بها يوم الخميس الرابع عشر للشهر المذكور ونحن قد أرسينا في واد بأسفلها ويطلع فيه المد من البحر ثم ينحسر عنه وبتنا بها ليلة الجمعة ثم انقلب الهواء غربيا فلم نجد للإقلاع سبيلا وبيننا وبين المدينة المقصودة المعروفة عند النصارى ببلارمة خمسة وعشرون ميلا فخشينا طول المقام وحمدنا الله تعالى على ما أنعم به من التسهيل في قطع المسافة في يومين وقد تلبث الزواريق في قطعها على ما أعملنا به العشرين يوما والثلاثين يوما ونيفا على ذلك.
فأصبحنا يوم الجمعة منتصف الشهر المبارك على نية من السير في البر على أقدامنا فنفذنا لطيتنا٢ وتحملنا بعض أسباب نا وخلفنا بعض الأصحاب على الأسباب الباقية في الزورق وسرنا في طريق كأنها السوق عمارة وكثرة صادر ووارد وطوائف النصارى يتلقوننا فيبادرون بالسلام علينا ويؤنسوننا فرأينا من سياستهم ولين مقصدهم مع المسلمين ما يوقع الفتنة في نفوس أهل الجهل عصم الله جميع امة محمد ﷺ من الفتنة بهم بعزته
стр. 409
ومنه، فانتهينا إلى قصر سعد وهو على فرسخ من المدينة وقد أخذ منا الإعياء فملنا إليه وبتنا فيه.
وهذا القصر على ساحل البحر مشيد البناء عتيقه قديم الوضع من عهد ملكة المسلمين للجزيرة لم يزل ولا يزال بفضل الله مسكنا للعابد منهم وحوله قبور كثيرة للمسلمين أهل الزهادة والورع وهو موصوف بالفضل والبركة مقصود من كل مكان وبإزائه عين تعرف بعين المجنونة وله باب وثيق من الحديد وداخله مساكن وعلالي مشرفة وبيوت منتظمة وهو كامل مرافق السكنى، وفي أعلاه مسجد من أحسن مساجد الدنيا بهاء مستطيل ذو حنايا مستطيلة، مفروش بحصر نظيفة لم ير أحسن منها صنعة وقد علق فيه نحو الأربعين قنديلا من أنواع الصفر والزجاج وأمامه شارع واسع مستدير بأعلى القصر وفي أسفل القصر بئر عذبة فبتنا في هذا المسجدا حسن مبيت واطيبه وسمعنا الأذان وكنا قد طال عهدنا بسماعه وأكرمنا القوم الساكنون فيه وله إمام يصلى بهم الفريضة والتراويح في هذا الشهر المبارك
وبمقربة من هذا القصر بنحو الميل إلى جهة المدينة قصر آخر على صفته يعرف بقصر جعفر وداخله سقاية تفور بماء عذب. وأبصرنا للنصارى في هذه الطريق كنائس معدة لمرضى النصارى ولهم في مدنهم مثل ذلك على صفة مارستانات المسلمين وأبصرنا لهم بعكة وبصور مثل ذلك فعجبنا من اعتنائهم بهذا القدر.
فلما صلينا الصبح توجهنا إلى المدينة فجئنا لندخل فمنعنا وحملنا إلى الباب المتصل بقصور الملك الإفرنجي أراح الله المسلمين من ملكته وأدينا إلى المستخلف من قبله ليسألنا على مقصدنا وكذلك فعلهم بكل غريب فسلك بنا رحاب وأبواب وساحات ملوكية وأبصرنا من القصور المشرفة والميادين المنتظمة والبساتين والمراتب١ المتخذة لأهل الخدمة ما راع أبصارنا وأذهل أفكارنا،
стр. 410
وتذكرنا قول الله : ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ١﴾ وأبصرنا فيما أبصرناه مجلسا في ساحة فسيحة قد أحد ق بها بستان وانتظمت جوانبها بلاطات والمجلس قد أخذ استطالة تلك الساحة كلها فعجبنا من طوله وأشراف مناظره فأعلمنا إنه موضع غداء الملك مع أصحابه وتلك البلاطات والمراتب حيث تقعد حكامه وأهل الخدمة والعمالة أمامه. فخرج إلينا ذلك المستخلف يتهادى بين خديمين يحفان به ويرفعان أذياله فأبصرنا شيخا طويل السبلة أبيضها ذا أبهة فسألنا عن مقصدنا وعن بلدنا بكلام عربي لين، فأعلمناه فأظهر الإشفاق علينا وأمر بانصرافنا بعد أن أحفى في السلام والدعاء فعجبنا من شأنه.
وكان أول سؤاله لنا عن خبر القسطنطينية العظمى وما عند نا منه فلم يكن عند نا ما نعمله به وقد نقيد خبرها بعد هذا. وكان من أغرب ما شاهدناه من الأمور الفتانة أن أحد من كان قاعدا عند باب القصر من النصارى قال لنا عند انصرافنا عن القصر المذكور: تحفظوا بما عند كم يا حجاج من العمال الممسكين لئلا يقعو عليكم. وظن أن عند نا تجارة تقتضى التمكيس. فاستجاب له أحد النصارى فقال: ما أعجب أمرك يدخلون حرم الملك ويخافون من شيء ما كنت أود لهم إلا آلافا من الرباعيات انهضوا بسلام لا خوف عليكم. فقضينا عجبا مما شاهدناه وسمعناه.
وخرجنا إلى أحد الفنادق فنزلنا فهي وذلك يوم السبت السادس عشر للشهر المبارك والثاني والعشرين لدجنبر وفي خروجنا من القصر المذكور سلكنا بلاطا متصلا مشينا يه مسافة طويلة وهو مسقف حتى انتهينا إلى كنيسة عظيمة البناء فأعلمنا أن ذلك البلاط ممشى الملك إلى هذه الكنيسة.
стр. 411
ذكر المدينة التي هي حضرة صقلية أعادها الله
هي بهذه الجزائر أم الحضارة والجامعة بين الحسنين غضارة ونضارة فما شئت بها من جمال مخبر ومنظر ومراد عيش يانع اخضر عتيقة انيقة مشرفة مؤنقة تتطلع بمرأى فتان وتتخايل بين ساحات وبسائط كلها بستان فسيحة السكك والشوارع تروق الأبصار بحسن منظرها البارع عجيبة الشان قرطبية البنيان مبانيها كله بمنحوت الحجر المعروف بالكذان١، يشقها نهر معين ويطرد في جنباتها أربع عيون قد زخرفت فيها لملكها دنياه فاتخذها حضرة ملكه الإفرنجي إباده الله تنتظم بلبتها قصوره انتظام العقود في نحور الكواعب ويتقلب من بساتينها وميادينها بين نزهة وملاعب فكم له فيها لا عمرت به من مقاصير ومصانع ومناظر ومطالع وكم له بجهاتها من ديارات قد زخرف بنيانها ورفه بالإقطاعات٢ الواسعة رهباتها وكنائس قد صيغ من الذهب والفضة صلبانها وعسى الله عن قريب أن يصلح لهذه الجزيرة الزمان فيعيدها دار إيمان وينقلها من الخوف للأمان بعزته إنه على ما يشاء قدير.
وللمسلمين بهذه المدينة رسم باق من الإيمان يعمرون أكثر مساجدهم ويقيمون الصلاة بآذان مسموع ولهم أرباض قد انفردوا فيها بسكناهم عن النصارى والأسواق معمورة بهم وهم التجار فيها ولا جمعة لهم بسبب الخطبة لمحظورة عليهم ويصلون الأعياد بخطبة دعاؤهم فيها للعباسي ولهم بها قاض يرتفعون إليه في أحكامهم وجامع يجتمعون للصلاة فيه ويحتلفون في وقيده٣ في هذا الشهر المبارك وأما المساجد فكثيرة لا تحصى وأكثرها محاضر
стр. 412
لمعلمي القرآن وبالجملة فهم غرباء عن إخوانهم المسلمين تحت ذمة الكفار ولا أمن لهم في أموالهم ولا في حريمهم ولا أبنائهم تلاقاهم الله بصنع جميل بمنه.
ومن جملة شبه هذه المدينة بقربطة والشيء قد تشبه بالشيء من إحدى جهاته أن لها مدينة قديمة تعرف بالقصر القديم هي في وسط المدينة الحديثة وعلى هذا المثال موضوع قربطة حرسها الله وبهذا القصر القديم ديار كأنها القصور المشيدة لها مناظر في الجو مظلمة تحار الأبصار في حسنها.
стр. 413
كنيسة الأنطاكي ١
ومن أعجب ما شاهدناه بها من أمور الكفران كنيسة تعرف بكنيسة الأنطاكي أبصرناها يوم الميلاد وهو يوم عيد لهم عظيم وقد احتلفوا لها رجالا ونساء فأبصرنا من بنيانها مرأى يعجز الوصف عنه ويقع القطع بأنه أعجب مصانع الدنيا المزخرفة جدرها الداخلة ذهب كلها وفيها من ألواح الرخام الملون ما لم ير مثله قد رصعت كلها بفصوص الذهب وكللت بأشجار الفصوص الخضر ونظم أعلاها بالشمسيات٢ المذهبات من الزجاج فتخطف الأبصار بساطع شعاعها وتحدث في النفوس فتنة نعوذ بالله منها، وأعملنا أن بانيها الذي تنسب إليه أنفق فيها قناطير من الذهب وكان وزيرا لجد هذا الملك المشرك ولهذه الكنيسة صومعة قد قامت على أعمدة سوار من الرخام ملونة وعلت قبة على أخرى سوار كلها فتعرف بصومعة
стр. 414
السواري وهي من أعجب ما يبصر من النبيان شرفها الله عن قريب الأذان بلطفه وكريم صنعه
وزى النصرانيات في هذه المدينة زي نساء المسلمين فصيحات الالسن ملتحفات متنقبات خرجن في هذا العيد المذكور وقد لبست ثياب الحرير المذهب والتحفن اللحف الرائقة وانتقبن بالنقب الملونة وانتعلن الاخفاف المذهبة وبرزن لكنائسهن أو كنسهن حاملات جميع زنية نساء المسلمين من التحلي والتخضب والتعطر فتذكرنا على جهة الدعاية الأدبية قول الشاعر١:
إن من يدخل الكنيسة يوما
...
يلق فيها جآزرا وظباء
ونعوذ بالله من صوف يدخل مدخل اللغو ويؤدى إلى أباطيل اللهو ونعوذ به من تقييد يؤدى إلى تفنيد إنه سبحانه هو أهل التقوى وأهل المغفرة.
فكان مقامنا بهذه المدينة سبعة أيام ونزلنا بها في أحد فنادقها التي يسكنها المسلمون وخرجنا منها صبيحة يوم الجمعة الثاني والعشرين لهذا الشهر المبارك والثامن والعشرين لشهر دجنبر إلى مدينة أطرابنش بسبب مركبين بها: أحدهما يتوجه إلى الأندلس والثاني إلى سبتة وكنا أقلعنا إلى الإسكندرية فيه وفيهما حجاج وتجار من المسلمين، فسلكنا على قرى متصلة وضياع متجاورة وأبصرنا محارث ومزارع لم نر مثل تربتها طيبا وكرما واتساعا فشبهناها بقنبانية قرطبة أو هذه أطيب وأمتن.
وبتنا في الطريق ليلة واحدة في بلدة تعرف بعلقمة وهي كبيرة متسعة فيها السوق والمساجد وسكانها وسكان هذه الضياع التي في هذه الطريق كلها مسلمون، وقمنا منها سحر يوم السبت الثالث والعشرين لهذا الشهر المبارك والتاسع والعشرين لدجنبر فاجتزنا بمقربة منها على حصن يعرف بحصن الحمة،
стр. 415
وهو بلد كبير فيه حمامات كثيرة وقد فجرها الله ينابيع من الأرض وأسالها عناصر لا يكاد البدن يحتملها لإفراط حرها فأجزنا منها واحدة على الطريق فنزلنا إليها عن الدواب وأرحنا الأبدان بالاستحمام فيها، ووصلنا إلى أطرابنش عصر ذلك اليوم فنزلنا فيها في دار اكتريناها.
стр. 416
ذكر مدينة أطرابنش من جزيرة صقلية أعادها الله
هي مدينة صغيرة الساحة غير كبيرة المساحة مسورة بيضاء كالحمامة مرساها من أحسن بالمراسي وأوفقها للمراكب ولذلك ما يقصد الروم كثيرا إليها ولا سيما المقلعون إلى بر العدوة فإن بينها وبين تونس مسيرة يوم وليلة فالسفر منها إليها لا يتعطل شتاء ولا صيفا إلا ريثما لا تهب الريح الموافقة فمجراها في ذلك مجرى المجاز القريب. وبهذه المدينة السوق والحمام وجميع ما يحتاج إليه من مارفق المدن لكنها في لهوات البحر لاحاطته بها من ثلاث جهات واتصال البر بها من جهة واحدة ضيقة والبحر فاغر فاه لها من سائر الجهات فأهلها يرون أنه لا بد له من الاستيلاء عليها وإن تراخى مدى أيامها ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى.
وهي مرفقة موافقة لرخاء السعر بها لأنها على محرث عظيم وسكانها المسلمون والنصارى ولكلا الفريقين فيها المساجد والكنائس، وبركنها من جهة الشرق مائلا إلى الشمال على مقربة منها جبل عظيم مفرط السمو متسع في أعلاه قنة تنقطع عنه وفيها معقل للروم وبينه وبين الجبل قنطرة ويتصل به في الجبل للروم بلد كبير ويقال: إن حريمه١ من أحسن حريم هذه الجزيرة جعلها الله سببا للمسلمين.
стр. 417
وبهذا الجبل الكروم والمزارع وأعملنا أن به نحو أربعمائة عين متفجرة وهو يعرف بجبل حامد والصعود إليه هين من إحدى جهاته وهم يرون أن منه يكون فتح هذه الجزيرة إن شاء الله ولا سبيل أن يتركوا مسلما يصعد إليه ولذلك ما أعدوا فيه ذلك المعقل الحصين فلو أحسوا بحادثة حصلوا حريمهم فيه وقطعوا القنطرة واعترض بينهم وبين الذي في أعلاه متصل به خندق كبير. وشأن هذا البلد عجيب فمن العجب أن يكون فيه من العيون المتفجرة ما تقدم ذكره وأطرابنش في هذا البسيط ولا ماء لها إلا من بئر على البعد منها وفي ديارها آبار قصيرة الأرشية ماؤها كلها شريب١ لا يساغ.
وألفينا المركبين اللذين يرومان الاقلاع إلى المغرب بها ونحن إن شاء الله نؤمل ركوب أحدهما وهو القاصد إلى بر الأندلس والله بمعهود صنعه الجميل كفيل بمنه. وفي غربي هذه البلدة: أطرابنش المذكور ثلاث جزائر في البحر على نحو فرسخين منها وهي صغار متجاورة إحداها تعرف بمليطمة والأخرى بيابسة والثالثة تعرف بالراهب نسبت إلى راهب يسكنها في بناء أعلاها كأنه الحصن وهي مكمن للعدو والجزيرتان لا عمارة فيهما ولا يعمر الثالثة سوى الراهب المذكور.
стр. 418
شهر شوال عرفنا بمنه وبركته
استهل هلاله ليلة السبت الخامس من يناير بشهادة ثبتت عند حاكم أطرابنش المذكورة بأنه أبصر هلال شهر رمضان ليلة الخميس ويوم الخميس كان صيام أهل مدينة صقلية المتقدم ذكرها فعيد الناس على الكمال بحساب يوم الخميس المذكور، وكان مصلانا في هذا العبد المبارك بأحد مساجد أطرابنش
стр. 419
المذكور مع قوم من أهلها امتنعوا من الخروج إلى المصلى لعذر كان لهم فصلينا صلاة الغرباء جبر١ الله كل غريب إلى وطنه، وخرج أهل البلد إلى مصلاهم مع صاحب أحكامهم وانصرفوا بالطبول والبوقات فعجبنا من ذلك ومن إغضاء النصارى لهم عليه ونحن قد اتفق كراؤنا في المركب المتوجه إن شاء الله إلى بر الأندلس ونظيرنا في الزاد والله المتكفل بالتسير والتسهيل.
ووصل أمر من ملك صقلية بعقلة المراكب بجميع السواحل بجزيرته بسبب الأسطول الذي يعمره ويعده فليس لمركب سبيل للسفر إلى أن يسافر الأسطول المذكور خيب الله سعيه ولا تمم قصده فبادر الروم الجنويون أصحاب المركبين المذكورين إلى الصعود فيهما تحصنا من الوالي ثم امتد سبب الرشوة بينهم وبينه فأقاموا بمركبيهم ينتظرون هواء يقلعون به فأقاموا بمركبيهم ينتظرون هواء يقلعون به
وفي هذا التاريخ المذكور وصلتنا أخبار موحشة من الغرب منها تغلب صاحب ميورقة على بجاية والله لا يحقق ذلك ويجعل العاقبة والهدنة للمسلمين بمنه وكرمه.
والناس بهذه المدينة يرجمون الظنون في مقصد هذا الأسطول الذي حأول هذا الطاغية تعميره وعدد أجفانه٢ فيما يقال ثلاثمائة: بين طرائد ومراكب ويقال: أكثر من ذلك ويستصحب معه نحو مائة سفينة تحمل الطعام والله يقطع به ويجعل الدائرة عليه فمنهم من يزعم أن مقصده الإسكندرية حرسها الله وعصمها ومنها من يقول: إن مقصده ميورقة حرسها الله ومنهم من يزعم أن مقصده إفريقية حماها الله ناكثا لعهده في السلم بسبب الأنباء الموحشة الطارئة من جهة المغرب وهذا أبعد الظنون من الإمكان لأنه مظهر للوفاء بالعد والله يعين عليه ولا يعينه، ومنهم من يرى أن احتفاله إنما هو لقصد القسطنطينية العظمى بسبب ما ورد من قبلها من النبأ العظيم الشأن المهدى للنفوس بشائر تتصمن عجائب من الحدثان وتشهد للحديث المأثور
стр. 420
عن المصطفى ﷺ بصدق البرهان وذلك بأنه ذكر أن صاحبها توفي وترك الملك بعده لزوجه ولها ابن صغير فقام ابن عم له في الملك وقتل الزوج المذكورة وثقف١ الابن المذكور، ثم إن ابنا للناثر المذكور عطفته الرحمة على الابن المعتقل فأطلق سبيله كان أبوه قد أمره بقتله فرمت به الأقدار إلى هذه الجزيرة بعد خطوب جرت عليه فوردها على حالة ابتذال ومهنة استعمال خادما لأحد الرهبان مسدلا على شارته الملوكية سرا من الامتهان ففشي الأمر وذاع السر ولم يغن عنه ذلك الستر. فاستحضر عن أمر الملك الصقلي غليام المذكور قبل واستنطق واستفهم فزعم أنه عبد لذلك الراهب وخديمه، ثم إن طائفة من الروم الجنوبيين المسافرين إلى القسطنطينية أثبتوا صفته وحققوا أنه هو مع مخايل ودلائل ملوكية لاحت منه: منها فيما ذكر لنا أن الملك غليام خرج في يوم زينة له وقد اصطف الناس للسلام عليه وأحضروا الفتى المذكور في جملة الخاصة فصقع٢ الجميع خدمة للملك وتعظيما لطلوعه عليهم إلا ذلك الفتى فإنه لم يزد على الإيماء في السلام فعلم أن الهمة الملوكية منعته من المدخل مدخل السوقة فاعتنى به الملك غليام وأكرم مثواه وأزكى عيون الاحتراس عليه خوفا من اغتيال يلحقه بتدسيس من ابن عمه الثائر عليه.
وكانت له أخت موصوفة بالجمال علق بها ابن العم الثائر على الملك المذكور فلم يمكنه تزويحها بسبب أن الروم لا تنكح في الأقارب فحمله الحب المصمي والهوى المصم المعمي والسعادة التي تفضي بصاحبها إلى العاقبة الحسنى وترمي على أخذها والتوجه بها إلى الأمير مسعود صاحب الدروب وقونية وبلاد العجم المجاورة للقسطنطينية وقد تقدم ذكر غنائه في الإسلام فيما مضى من هذا التقييد وحسبك أن صاحب القسطنطينية لم يزل يؤدي الجزية إليه
стр. 421
ويصالحه على ما يجاوره من البلاد فأسلم مع ابنة عمه على يده، وسيق له صليب ذهب قد احمى عليه في النار فوضعه تحت قدمه وهي عندهم أعظم علامات الترك لدين النصرانية والوفاء بذمة دين الإسلام وتزوج ابنة العم المذكورة وبلغ هواه وأخذ جيوش المسلمين معه إلى القسطنطينية فدخلها بهم وقتل من أهلها نحو الخمسين ألفا من الروم وأعانه الاغريقيون على فعله وهم فرقة من فرق أهل الكتاب وكلامهم بالعربية وبينهم وبين سائر الفرق من جنسهم عداوة كامنة وهم لا يرون أكل لحم الخنزير فشفوا نفسوهم من أعاديهم وقرع الله نبع الكفر بعضه ببعض واستولى المسلمون على القسطنطينة ونقلت أموالها كلها وهو مالا يأخذه الإحصاء إلى الأمير مسعود وجعل من المسلمين فيها ما ينيف على الأربعين ألف فارس واتصلت بلادهم بها وهذا الفتح إذا صح من أكبر شروط الساعة والله أعلم بغيبه.
ألفينا هذا الحديث بهذه الجزيرة مستفيضا على ألسنة المسلمين والنصارى محققين له لا شك عندهم فيه أنبأت به مراكب الروم التي وصلت من القسطنطينة وكان أول سؤال مستخلف الملك بالمدينة لنا يوم أحضرنا لديه عند دخولنا المدينة عما عند نا من خبر القسطنيطينة فلم يكن عند نا علم ولا تعرفنا معنى السؤال عنها إلا بعد ذلك. وتحققوه أيضا من جهة ملكها هذا الصبي وما كان من اتباع الثائر عليه غياه عيونا تروم اغتياله فهو اليوم بسبب ذلك عند صاحب صقلية محترس محافظ عليه لا يكاد يصل لحظ العيون إليه.
وأخبرنا إنه رطيب غصن الصبا محتدم حمرة الشباب صقيل رونق الملك عليه ناظر في علم اللسان العربي وغيره بارع في الادب الملوكي ذو دهاء على فتوة سنه وغمرية شبيبته، فالملك الصقلي على ما يذكر يروم توجيه الأسطول المذكور إلى القسطنطينة انفة لهذا الصبي المذكور وما جرى عليه وكيفما توجه الأمر فيه من هذه المقصاد فالله ينكثه خاسرا على عقبه ويعرفه شؤم مذهبه ويجعل قواصف الرياح خاسفة به إنه على ما يشاء
стр. 422
قدير. وهذا الخبر القسطنطيني حققه الله من أعظم عجائب الدنيا وكوائنها المرتقبة ولله القدرة البالغة في أحكامه وأقداره.
стр. 423
شهر ذي القعدة عرفنا الله يمنه وبركته
استهل هلاله ليلة الإثنين الرابع من شهر فبراير ونحن بمدينة أطرابنش المتقدم ذكرها منتظرين انسلاخ فصل الشتاء واقلاع المركب الجنوي الذي أملنا ركبوه إلى الأندلس إن شاء الله والله سبحانه بيمن مقصدنا وييسر مرامنا بمنه وكرمه.
وفي مدة مقامنا بهذه البلدة تعرفنا ما يؤلم النفوس تعرفه من سوء حال أهل هذه الجزيرة مع عبادالصليب بها دمرهم الله وماهم عليه معهم من الذل والمسكنة والمقام تحت عهدة الذمة وغلظة الملك إلى طوارىء دواعي الفتنة في الدين على من كتب الله عليه الشقاء من أبنائهم ونسائهم. وربما تسبب إلى بعض أشايخهم أسباب نكالية تدعوه إلى فراق دينه فمنها قصة اتفقت في هذه السنين القريبة لبعض فقهاء مدينتهم التي هي حضرة ملكهم الطاغية ويعرف بابن زرعة ضغطته العمال بالمطالبة حتى أظهر فراق دين الإسلام والانغماس في دين النصرانية ومهر في حفظ الانجيل ومطالعة سير الروم وحفظ قوانين شريعتهم فعاد في جملة القسيسين الذين يستفتون في الاحكام النصرانية وربما طرا حكم إسلامي فيستفتى أيضا فيه لما سبق من معرفته بالاحكام الشرعية ويقع الوقوف عند فتياه في كلا الحكمين، وكان له مسجد بإزاء داره اعاده كنيسة نعوذ بالله من عواقب الشقاوة وخواتم الضلالة ومع ذلك فأعلمنا أنه يكتم إيمانه فلعله داخل تحت الاسثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ١﴾ .
стр. 424
ووصل هذه الأيام إلى هذه البلدة زعيم أهل هذه الجزيرة من المسلمين وسيدهم القائد أبو القاسم بن حمود المعرف بابن الحجر وهذا الرجل من أهل بيت بهذه الجزيرة توارثوا السيادة كابرا عن كابر وقرر لدينا مع ذلك أنه من أهل العمل الصالح مريد للخير محب في أهله كثير الصنائع الأخروية من افتكاك الأسارى وبث الصدقات في الغرباء والمنقطعين من الحجاج إلى مآثر جمة ومناقب كريمة فارتجت هذه المدينة لوصوله، وكان في هذه المدة تحت هجران من هذا الطاغية الزمه داره بمطالبة توجهت عليه من أعدائه افتروا عليه فيها أحاديث مزورة نسبوه فيها إلى مخاطبة الموحدين أيدهم الله فكادت تقضى عليه لولا حارس المدة وتوالت عليه مصادرات أغرمته ليفا على الثلاثين ألف دينار مؤمنية ولم يزل يتخلى عن جميع دياره وأملاكه الموروثة عن سلفه حتى بقى دون مال فاتفق في هذه الأيام رضى الطاغية عنه وأمره بالنفوذ لمهم من اشغاله السلطانية فنفذ لها نفوذ الملوك المغلوب على نفسه وماله وصدرت عند وصوله إلى هذه البلدة رغبة في الاجتماع بنا فاجتمعنا به فأظهر لنا من باطن حاله وبواطن أحوال هذه الجزيرة مع أعدائهم ما يبكي العيون دما ويذيب القلوب الما فمن ذلك أنه قال: كنت أود لو أباع أنا وأهل بيتي فلعل البيع كان يتخلصنا مما نحن فيه ويؤدي بنا إلى الحصول في بلادالمسلمين فتأمل حالا يؤدي بهذا الرجل مع جلالة قدره وعظم منصه إلى أن يتمنى مثل هذا التمني مع كونه مثقلا عيالا وبنين وبنات فسألنا له الله حسن التخليص مما هو فيه ولسائر المسلمين من أهل هذ الجزيرة وواجب على كل مسلم الدعاء لهم في كل موقف يقفه بين يدي الله ، وفارقناه باكيا مبكيا واستمال نفوسنا بشرف منزعه وخصوصية شمائله ورزانة حصاته١ وشمول مبرته وتكرمته وحسن خلقه وخليقته وكنا قد أبصرنا له ولأخوته لأهل بيته بالمدينة يدارا كأنها القصور
стр. 425
المشيدة الأنيقة وشأنهم بالجملة كبير لا سيما هذا الرجل منهم وكانت له أيام مقامه هنا أفعال جميلة مع فقراء الحجاج وصعاليكهم أصلحت أحوالهم ويسرت لهم الكراء والزاد والله ينفعه بها ويجازيه الجزاء الأوفى عليها بمنه.
ومن أعظم ما منى به أهل هذه الجزيرة أن الرجل ربما غضب على ابنه أو على زوجه أو تغضب المرأة على ابنتها فنحلق المغضوب عليه أنفة تؤديه إلى التطارح في الكنيسة فيتنصر ويتعمد فلا يجد الأب للابن سبيلا ولا الأم للبنت سبيلا فتخيل حال من منى بمثل هذا في أهله وولده ويقطع عمره متوقعا لوقوع هذه الفتنة فيهم فهم الدهر كله في مدارات الأهل والولد خوف هذه الحال. وأهل النظر في العواقب منهم يخافون أن يتفق على جميعهم ما اتفق على أهل جزيرة أقريطش من المسلمين في المدة السلافة فإنه لم تزل بهم الملكة الطاغية من النصارى والاستدراج الشيء بعدالشيء حال بعد حال حتى اضطروا إلى التنصر عن آخرهم وفر منهم من قضى الله بنجاته وحقت كلمة العذاب على الكافرين١ والله غالب على أمره لا إله سواه.
ومن عظم هذا الرجل الحمودي المذكور في نفوس النصارى أبادهم الله انهم يزعمون إنه لو تنصر لما بقى في الجزيرة مسلم إلا وفعل فعله ابتاعا له واقتداء به تكفل الله بعصمته جميعهم ونجاهم مما هم فيه بفضله وكرمه.
ومن أعجب ما شاهدناه من أحوالهم التي تقطع النفوس إشفاقا وتذيب القلوب رأفة وحنانا أن أحد أعيان هذه البلدة وجه ابنه إلى أحد اصحابنا الحجاج راغبا في أن يقبل منه بنتا بكرا صغيرة السن قد زاهقت٢ الإدراك فإن رضيها تزوجها وإن لم يرضها زوجها ممن رضى لها من أهل بلده ويخرجها مع نفسه راضية بفراق أبيه وإخوتها طمعا في التخلص من هذه الفتنة ورغبة في الحصول في بلاد المسلمين فطاب الأب والإخوة نفسا لذلك لعلهم يجدون السبيل للتخص إلى