في انتظامها للعين كأن دور كل واحد منها شبر أو شبران الغاية لعظم سموها. والقبة الرصاص محتوية على هذه القبة المذكورة وقد شدت أيضا بأضلاع عظيمة من الخشب الضخام موثقة الأوساط بنطق الحديد وعددها ثمان وأربعون ضلعا بين كل ضلع وضلع أربعة أشبار قد انعطفت انعطافا عجيبا، واجتمعت أطرافها في مركز دائرة من الخشب أعلاها ودور هذه القبة الرصاصية ثمانون خطوة وهي مائتا شبر وستون شبرا والحال فيها أعظم من أن يبلغ وصفها وإنما هذا الذي ذكرناه نبذة يستدل بها على ما وراءها.
وتحت الغارب المستطيل المسمى النسر الذي تحت هاتين القبتين مدخل عظيم هو سقف للمقصورة بينه وبينها سماء جص مزينة وقد انتظم فيه من الخشب مالا يحصى عدده وانعقد بعضها ببعض وتقوس بعضها على بعض وتركبت تركيبا هائلا منظره وقد ادخلت في الجدار كله دعائم للقبتين المذكورتين
وفي ذلك الجدار حجارة كل واحد منها يزن قناطير مقنطرة لا تنقلها الفيلة فضلا عن غيرها فالعجب كل العجب من تطليعها إلى ذلك الموضع المفرط السمو وكيف تمكنت القدرة البشرية لذلك فسبحان من الهم عباده إلى هذه الصنائع العجيبة ومعينهم على التأني لما ليس موجودا في طبائعم البشرية ومظهر آياته على أيدي من يشاء من خلقه لا إله سواه!
والقبتان على قاعدة مستديرة من الحجارة العظيمة قد قامت فوقها ارجل قصار ضخام من الحجارة الصم الكبار وقد فتح بين كل رجل ورجل شمسية واستدارت الشمسيات باستدارتها والقبتان في رأى العين واحدة وكنينا عنها باثنتين لكون الواحدة في جوف الأخرى والظاهر منها قبة الرصاص.
ومن جملة عجائب ما عايناه في هاتين القبتين إن لم نجد فيهما عنكبوتا ناسجا على بعدالعهد من التفقد لهما من أحد والتعاهد لتنظيف مساحتهما والعنكبوت في امثالهما موجود كثير وقد كان حقق عند نا أن الجامع المكرم لا تنسج فيه العنكبوت ولا يدخله الطير المعروف بالخطاف وقد تقدم ذكرنا لذلك في
стр. 352
هذا التقييد. فانصرفنا منحدرين وقد قضينا عجبا عجابا من هذا المنظر العظيم شأنه المعجز وضعه المترفع عن الإدراك وصفه ويقال: إنه ما على ظهر المعمور أعجب منظرا ولا أبعد سموا ولا أغرب بنيانا من هذه القبة إلا ما يحكى عن قبة بيت المقدس فإنها يذكر أنها أبعد في الارتفاع والسمو من هذه. وجمله الأمر أن منظرها والوقوف على هيئة وضعها وعظيم الاستقدار فيها عند معاينها بالصعود إليها والولوج داخلها من أغرب ما يحدث به من عجائب الدنيا والقدرة لله ألواح د القهار لا إله سواه.
стр. 353
رتبهم في جنائزهم
ولأهل دمشق وغيرها من هذه البلاد في جنائزهم رتبة١ عجيبة وذلك أنهم يمشون إمام الجنازة بقراء يقرءون القرآن بأصوات شجية وتلاحين مبكية تكاد تنخلع لها النفوس شجوا وحنانا يرفعون أصواتهم بها فتتلقى الآذان بأدمع الأجفان وجنائزهم يصلى عليها في الجامع قبالة المقصورة فلا بد لكل جنازة من الجامع فإذا انتهوا إلى بابه قطعوا القراءة ودخلوا إلى موضع الصلاة عليها إلا إن يكون الميت من أئمة الجامع أو من سدنته فإن الحالة المميزة له في ذلك أن يدخلوه بالقراءة إلى موضع الصلاة عليه. وربما اجتمعوا للعزاء بالبلاط الغربي من الصحن بإزاء باب البريد فيصلون افرادا أفرادا ويجلسون وأمامهم ربعات من القرآن يقرءونها ونقباء الجنائز يرفعون اصواتهم بالنداء لكل واصل للعزاء من محتشمي البلدة وأعيانهم ويحلونهم بخططهم٢ الهائلة التي قد وضعوها لكل واحد منهم بالإضافة إلى الدين فتسمع ما شئت من صدر الدين أو شمسه أو بدره أو نجمه أو زينه أو بهائه أو جماله أو مجده أو
стр. 354
فخره أو شرفه أو معينه أو محييه أو زكيه أو نجيبه إلى مالا غاية له من هذه الألفاظ الموضوعة وتتبعها ولا سيما في الفقهاء بما شئت أيضا من سيد العلماء وجمال الأئمة وحجة الإسلام وفخر الشريعة وشرف الملة ومفتى الفريقين إلى ما لا نهاية له من هذه الألفاظ المحالية. فيصعد كل واحد منهم إلى الشريعة ساحبا أذياله من الكبر ثانيا عطفه وقذاله١ فإذا استكملوا وفرغوا من القراءة وانتهى المجلس بهم منتهاه قام وعاظهم واحدا واحدا بسحب رتبهم في المعرفة فوعظ وذكر ونبه على خدع الدنيا وحذر واشند في المعنى ما حضر من الأشعار ثم ختم بتعزية صاحب المصاب والدعاء له وللمتوفى ثم قعد وتلاه آخر على مثل طريقته إلى أن يفرغوا ويتفرقوا فربما كان مجلسا نفاعا لمن يحضره من الذكرى.
ومخاطبة أهل هذه الجهات قاطبة بعضهم لبعض بالتمويل والتسويد٢ وبامتثال الخدمة وتعظيم الحضرة وإذا لقى أحد منهم آخر مسلما يقول جاء المملوك أو الخادم برسم الخدمة كناية عن السلام فيتعاطون المحال تعاطيا والحد عندهم عنقاء مغرب٣ وصفة سلامهم إيماء للركوع أو السجود فترى الأعناق تتلاعب بين رفع وخفض وبسط وقبض وربما طالت بهم الحالة في ذلك فواحد ينحط وآخر يقوم وعمائمهم تهوى بينهم هويا. وهذه الحالة من الانعكاف الركوعي في السلام كنا عهدناه لقينات النساء وعند استعراض رقيق الإماء فيا عجبا لهؤلاء الرجال كيف تحلوا بسمات ربا الحجال قد ابتذلوا انفسهم فيما تأنف النفوس الأبية منه استعملوا تكفير الذمي المنهي في الشرع عنه لهم في هذا الشأن طرائق عجيبة في الباطل فيا للعجب منهم إذا تعاملوا بهذه المعاملة وانتهوا إلى هذه الغاية في الألفاظ بينهم
стр. 355
فبماذا يخاطبون سلاطينهم ويعاملونهم؟ لقدت تساوت الأذناب عندهم والرؤوس ولم يميز لديهم الرئيس والمرؤوس فسبحان خالق الخلق أطوارا لا شريك له ولا معبود سواه.
ومن عجيب حال الصغير عندهم والكبير بجميع هذه الجهات كلها انهم يشمون وأيديهم إلى خلف قابضين بألواح دى على الأخرى ويركعون للسلام على تلك الحالة الشبهة بأحوال العناة١ مهانة واستكانة كأنهم قد سيموا تعنيفا وأوثقوا تكتيفا وهم يعتقدون تلك الهيئة تمييزا لهم في ذوي الخصوصية وتشريفا ويزعمون انهم يجدون بها نشاطا في الأعضاء وراحة من الاعياء والمحتشم منهم من يسحب ذيله على الأرض شبرا أو يضع خلفه اليد الواحدة على الأخرى قد اتخذوا هذه المشية بينهم سننا وكل منهم قد زين له سوء عمله فرآه حسنا، استغفر الله منهم فإن لهم من آداب المصافحة عوائد تجدد لهم الإيمان وتستوهب لهم من الله الغفران لما بشر به الحديث المأثور عن رسول الله ﷺ في المصافحة فهم يستعملونها إثر الصلوات ولا سيما إثر صلاة الصبح وصلاة العصر.
وإذا سلم الإمام وفرغ من الدعاء أقبلوا عليه بالمصافحة أقبل بعضهم على بعض يصافح المرء عن يمينه وعن يساره فيتفرقون عن مجلس مغفرة بفضل الله ، وقد تقدم الذكر فيم سلف من هذه التقييد انهم يتسعملونها عند رؤية الأهلة ويدعو بعضهم لبعض بتعرف بركة ذلك الشهر ويمنه واستصحاب السعادة والخير فيه وفيما يعود عليه من امثاله وتلك أيضا طريقة حسنة ينفعهم الله بها لما فيها من تعاطي الدعوات وتجديد المودات ومصافحة المؤمنين بعضهم بعضا رحمة من الله تعالى ونعمة.
стр. 356
حسن سيرة السلطان
وقد تقدم الذكر أيضا في غير موضع من هذا الكتاب عن حسن سيرة السلطان بهذه الجهات: صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب وما له من المآثر المأثورة في الدنيا والدين ومثابرته على جهاد أعداء الله لأنه ليس إمام هذه البلدة بلدة للإسلام والشام أكثره بيدالإفرنج فسبب الله هذا السلطان رحمة للمسلمين بهذه الجهات فهو لا يأوى لراحة ولا يخلد إلى دعة ولا يزال سرجه مجلسه أنا بهذه البلدة نازلون منذ شهرين اثنين وحللناها وقد خرج لمنازلة حصن الكرك وقد تقدم الذكر أيضا له وهو عليه محاصر له حتى الآن والله تعالى يعينه على فتحه. وسمعنا أحد فقهاء هذه البلدة وزعمائها المسلمين بسدة١ هذا السلطان والحاضرين مجلسه يذكر عنه في حضرة محفل علماء البلد وفقهائه ثلاث مناقب في ثلاث كلمات حكاها عنه رأينا إثباتها هنا: إحداها أن الحلم من سجاياه فقال وقد صفح عن جزيرة أحد الجناة عليه: أما أنا فلأن أخطيء في العفو أحب إلي من أن أصيب في العقوبة وهذا في الحلم منزع أحنفي٢. وقال أيضا وقد تنوشدت بحضرته الأشعار وجرى ذكر من سلف من أكارم الملوك وأجوادهم: والله لو وهب الدنيا للقاصد الآمل لما كنت أستكثرها له ولو استفرغت له جميع ما في خزانتي لما كان عوضا مما أراقه من حر ماء وجهه في استمناحه إياي وهذا في الكرم مذهب رشيدي أو جعفري٣.
وحضره أحد مماليكه المتميزين لديه بالحظوة والأثرة مستعديا على جمال
стр. 357
ذكر أنه باعه جملا معيبا أو صرف عليه١ جملا بعيب لم يكن فيه فقال السلطان له: ما عسى أن أصنع لك وللمسلمين قاض يحكم بينهم والحق الشرعي مبسوط للحاصة والعامة وأوامره ونواهيه ممتثلة وإنما أنا عبد الشرع وشحنته والشحنة عندهم صاحب الشرطة فالحق يقضى لك أو عليك وهذا في العقد مقصد عمري٢. وهذه كلمات كفى بها لهذا السلطان فخرا والله يمتع ببقائه السلام والمسلمين بمنه.
стр. 358
شهر جمادي الآخرة عرفنا الله بركته
استهل هلاله ليلة الأحد التاسع من شهر شتنبر٣ العجمي ونحن بدمشق حرسها الله على قدم الرحلة٤ إلى عكة فتحها الله والتماس ركوب البحر مع تجار النصارى وفي مراكبهم المعدة لسفر الخريف المعروف عندهم بالصليبية عرفنا الله في ذلك معهودخيرته وتكفلنا بكلاءته وعصمته بعزته وقدرته إنه سبحانه الحنان المنان ولى الطول والاحسان لا رب غيره، وكان انفصالنا منها عشي يوم الخميس الخامس من الشهر المذكور وهو الثالث عشر من شهر شتنبر المذكور في قافلة كبيرة من التجار المسافرين بالسلع إلى عكة.
стр. 359
من أعجب الأحاديث
ومن أعجب ما يحدث به في الدنيا أن قوافل المسلمين تخرج إلى بلاد الإفرنج وسببهم يدخل إلى بلاد المسلمين، شاهدنا من ذلك عند خروجنا
стр. 360
أمرا عجيبا وذلك أن صلاح الدين عند منازلته حصن الكرك المتقدم الذكر في هذا التاريخ قصد إليه الإفرنج في جميعهم وقد تأبوا من كل أوب وراموا أن يسبقوه إلى موضع الماء ويقطعوا عنه الميرة من بلاد المسلمين فصمداليهم وأقلع عن الحصن بجملته وسبقهم إلى موضع الماء فحادوا عن طريقه وسلكوا طريقا وعرا ذهب فيه أكثر دوابهم وتوجهوا إلى حصن الكرك المذكور وقد سد عليهم بنيات الطرق القاصدة إلى بلادهم ولم يبق لهم إلا طريق عن الحصن يأخذ على الصحراء ويبعد مداه عليهم بتحليق١ يعترض فيه. فاهتبل٢ صلاح الدين في بلادهم الغرة وانتهز الفرصة وقصد قصدها عن الطريق القاصدة فدهم مدينة نابلوس وهجمها بعسكره فاستولى عليها وسبى كل من فيها وأخذ إليها حصونا وضياعا وامتلأت أيدي المسلمين سبيا لا يحصى عدده من الإفرنج ومن فرقة من اليهود تعرف بالسمرة منسوبة إلى السامري وانبسط فيهم القتل الذريع وحصل المسلمون منها على غنائم يضيق الحصر عنها إلى ما اكتفت٣ من الامتعة والذخائر والأسباب والأثاث إلى النعم والكراع٤ إلى غير ذلك. وكان من فعل هذا السلطان الموفق أن اطلق أيدي المسلمين على جميع ما اجتازته وسلم لهم ذلك فحتازت كل يد ما حوت وامتلأت غنى ويسارا وعفى الجيش على رسوم تلك الجهات التي مر عليها من بلاد الفرنج وآبوا غانمين فائزين بالسلامة والغنيمة والإياب وتخلصوا من أسرى المسلمين عددا كثيرا وكانت غزوة لم يسمع يمثلها في البلاد.
وخرجنا نحن من دمشق وأوائل المسلمين قد طرقوا بالغنائم كل بما احتواه وحصلت يده عليه وكان مبلغ السبي الافا لم تتحقق احصاءها ولحق السلطان
стр. 361
بدمشق يوم السبت بعدنا الأقرب ليوم انفصالنا وأعملنا إنه يجم عسكره قليلا ويعود إلى الحصن المذكور فالله يعينه ويفتح عليه بعزته وقدرته. وخرجنا نحن إلى بلاد الفرنج وسبيهم يدخل بلاد المسلمين وناهيك من هذا الاعتدال في السياسة فكان مبيتنا ليلة الجمعة بدارية وهي قرية من دمشق على مقدار فرسخ ونصف ثم رحلنا منها سحر يوم الجمعة بعده إلى قربة تعرف ببيت جن هي بين جبال، ثم رحلنا منها صبيحة يوم السبت إلى مدينة بانياس واعترضنا في نصف الطريق شجرة بلوط عظيمة الجرم متسعة التدويح١ أعلمنا أنها تعرف بشجرة الميزان فسألنا عن ذلك فقيل لنا هي حد بين الأمن والخوف في هذه الطريق لحرامية٢ الإفرنج وهم الحواسة٣ والقطاع من أخذوه وراءها إلى جهة بلاد المسلمين ولو بباع أو شبر أسر ومن أخذ دونها إلى جهة بلاد الإفرنج بقدر ذلك أطلق سبيله لهم في ذلك عهد يوفون به وهومن أظرف الاتباطات الإفرنج ية وأرغبها.
стр. 362
ذكر مدينة بانياس حماها الله تعالى
هذه المدينة ثغر بلاد المسلمين وهي صغيرة ولها قلعة يستدير بها تحت السور نهر ويفضى إلى أحد أبواب المدينة وله مصب تحت إرجاء وكانت بيد الإفرنج فاسترجعها نور الدين ﵀. ولها محرث واسع في بطحاء متصلة يشرف عليها حصن للافرنج يسمى هونين بينه وبين بانياس مقدار ثلاثة فراسخ وعمالة تلك البطحاء بين الإفرنج وبين المسلمين لهم في ذلك حد يعرف بحد المقاسمة فهم يتشاطرون الغلة على استواء ومواشيهم مختلطة ولا
стр. 363
حيف يجرى بينهم فيها. فرحلنا عنها عشي يوم السبت المذكور إلى قرية تعرف بالمسية بمقربة من حصن الإفرنج المذكور فكان مبيتنا بها ثم رحلنا منها يوم الأحد سحرا واجتزنا في طريقنا بين هونين وتبنين بواد ملتف الشجر وأكثر شجرة الرند بعيدالعمق كأنه الخندق السحيق المهوي تلتقى حافتاه ويتعلق بالسماء أعلاه يعرف بالاسطيل لو ولجته العساكر لغابت فيه لا منجي ولا مجال لسالكه عن يد الطالب فيه المهبط إليه والمطلع عنه عقبتان كؤودان، فعجبنا من أمر ذلك المكان فاجزناه ومشينا عنه يسيرا وانتهينا إلى حصن كبير من حصون الإفرنج يعرف بتبنين وهو موضع تعكيس القوافل وصاحبته خنزيرة تعرف بالملكة هي أم الملك الخنزير صاحب عكة دمرها الله، فكان مبيتنا أسفل ذلك الصحن ومكس الناس تمكيسا غير مستقصى والضريبة فيه دينار وقيراط من الدنانير الصورية على الراس ولا اعتراض على التجار فيه لأنهم يقصدون موضع الملك الملعون وهو محل التعشير والضريبة فيه قيراط من الدينار والدينار أربعة وعشرون قيراطا.
وأكثر المعترضين في هذا المكس المغاربة ولا اعتراض على غيرهم من جميع بلادالمسلمين وذلك لمقدمة منهم احفظت الإفرنج عليهم سببها أن طائفة من أنجادهم عزت مع نور الدين ﵀ أحد الحصون فكان لهم في أخذه عنى ظهر واشتهر فجازاهم الإفرنج بهذه الضريبة المكسية ألزموها رؤوسهم فكل مغربي يزن على رأسه الدينار المذكور في اختلافه على بلادهم. وقا الإفرنج: إن هؤلاء المغاربة كانوا يختلفون على بلادنا ونسالمهم ولا نرزأهم شيئا فلما تعرضوا لحربنا وتالبوا مع إخوانهم المسلمين علينا وجب أن نضع هذه الضريبة عليهم فللمغاربة في أداء هذا المكس سبب من الذكر الجميل في نكايتهم العدو يسهله عليهم ويخفف عنته عنهم.
ورحلنا من تبنين دمرها الله سحر يوم الإثنين وطريقنا كله على ضياع متصلة وعمائر منتظمة سكانها كلها مسلمون وهم مع الإفرنج على
стр. 364
حالة ترفيه نعوذ بالله من الفتنة وذلك أنهم يؤدون لهم نصف الغلة عند أوان ضمها وجزية على كل رأس دينار وخمسة قراريط ولا يعترضونهم في غير ذلك ولهم على ثمر الشجر ضريبة خفيفة يؤدونها أيضا ومساكنهم بأيديهم وجميع أحوالهم متروكة لهم. وكل ما بأيدي الإفرنج من المدن بساحل الشام على هذه السبيل رساتيقهم كلها للمسلمين وهي القرى والضياع وقد أشربت الفتنة قلوب أكثرهم لما يبصرون عليه إخوانهم من أهل رساتيق المسلمين وعمالهم لأنهم على ضد أحوالهم من الترفيه والرفق وهذه من الفجائع الطارئة على المسلمين: أن يشتكى الصنف الإسلامي جور صنفه المالك له ويحمد سية ضده وعدوه المالك له من الإفرنج ويأنس معدله فإلى الله المشتكى من هذه الحال وحسبنا تعزية وتسلية ما جاء في الكتاب العزيز: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ١﴾ .
فنزلنا يوم الإثنين المذكور بضيعة من ضياع عكة على مقدار فرسخ ورئيسها الناظر فيها من المسلمين مقدم من جهة الإفرنج على من فيها من عمارها من المسلمين فأضاف جميع أهل القافلة ضيافة حفيلة واحضرهم صغيرا وكبيرا في غرفة متسعة بمنزلة وأنالهم ألوانا من الطعام قدمها لهم فعمهم بتكرمته. وكنا فيمن حضر هذه الدعوة.
وبتنا تلك الليلة وصبحنا يوم الثلاثاء العاشر من الشهر المذكور وهو الثامن عشر لشتنبر مدينة عكة دمرها الله وحملنا إلى الديوان وهو خان معد لنزول القافلة وأمام بابه مصاطب مفروشة فيها كتاب الديوان من النصارى بمحابر الآبنوس المذهبة الحلى وهم يكتبون بالعربية ويتكلمون بها ورئيسهم صاحب الديوان والضامن له يعرف بلاصاحب لقب وقع عليه لمكإنه من الخطة وهم يعرفون به كل محتشم متعين عندهم من عير الجند وكل ما يجبى
стр. 365
عندهم راجع إلى الضمان وضمان هذا الديوان بمال عظيم. فأنزل التجار رحالهم به ونزلوا في أعلاه وطلب رحل من لا سلعة له لئلا يحتوى على سلعة مخبوءة فيه واطلق سبيله فنزل حيث شاء وكل ذلك برفق وتؤدة دون تعنيف ولا حمل فنزلنا بها في بيت اكتريناه من نصرانية بإزاء البحر وسالنا الله تعالى حسن الخلاص وتيسير السلامة.
стр. 366
ذكر مدينة عكة دمرها الله وأعادها
هي قاعدة مدن الإفرنج بالشام ومحط الجواري المنشآت في البحر كالأعلام١ مرقأ كل سفينة والمشبهة في عظمها بالقسطنطينة مجتمع السفن والرفاق ومتلقى تجار المسلمين والنصارى من جميع الافاق سككها وشوراعها تغص بالزحام وتضيق فيها مواطئ الأقدام تستعر كفرا وطغيانا وتفور خنازير وصلبانا زفرة قذرة مملوءة كلها رجسا وعذرة. انتزعها الإفرنج من أيدي المسلمين في العشر الأول من المائة السادسة فبكى لها الإسلام ملء جفوته كانت أحد شجونه فعادت مساجدها كنائس وصوامعها مضارب للنواقس وطهر الله من مسجدها الجامع بقعة بقيت بأيدي المسلمين مسجدا صغيرا يجتمع الغرباء منهم فيه لاقامة فريضة الصلاة وعند محرابه قبر صالح النبي ﷺ وعلى جميع الأنبياء فحرس الله هذه البقعة من رجس الكفرة ببركة هذا القبر المقدس.
وفي شرقي البلدة العين المعروفة بعين البقر وهي التي أخرج الله منها البقر لادم ﷺ والمهبط لهذه العين على ادراج وطية وعليها مسجد بقي محرابه على حاله ووضع الإفرنج في شرقيه محرابا لهم فالمسلم
стр. 367
والكافر يجتمعان فهي يستقبل هذا مصلاه وهذا مصلاه وهو بأيدي النصارى معظم محفوظ وأبقى الله فيه موضع الصلاة للمسلمين.
فكان مقامنا بها يومين ثم توجهنا إلى صور يوم الخميس الثاني عشر لجمادي المذكورة والموفى عشرين لشتبر المذكور على البر واجتزنا في طريقنا على حصن كبير يعرف بالزاب وهي مظلة على قرى وعمائر متصلة وعلى قرية مسورة تعرف باسكندرونة وذلك لمطالعة مركب بها اعملنا إنه يتوجه إلى بجاية طمعا في الركوب فيه فحللناها عشي يوم الخميس المذكور لأن المسافة بين المدينتين نحو الثلاثين ميلا فنزلنا بها في خان معد لنزول المسلمين.
стр. 368
ذكر مدينة صور دمرها الله تعالى
مدينة يضرب بها المثل في الحصانة لا تلقى لطالبها بيد طاعة ولا استكانة قد اعدها الإفرنج مفزعا لحادثة زمانهم وجعلوها مثابة لامانهم هي انظف من عكة سككا وشوارع وأهلها الين في الكفر طبائع واجرى إلى بر غرباء المسلمين شمائل ومنازع فخلائقهم أسجح١ ومنازلهم أوسع وأفسح وأحوال المسلمين بها أهون وأسكن وعكة أكبر وأطغى وأكفر.
وأما حصانتها وضعتها فاعجب ما يحدث به وذلك أنها راجعة إلى بابين أحدهما في البر والآخر في البحر وهو يحيط بها إلا من جهة وإحدى فالذي في البر يفضى إليه بعد ولوج ثلاثة أبواب أو أربعة كلها في ستائر٢ مشيدة محيطة بالباب، وأما الذي في البحر فهو مدخل بين برجين مشيدين إلى ميناء ليس في البلاد البحرية أعجب وضعا منها يحيط بها سور المدينة من ثلاثة جوانب ويحدق بها من الجانب الآخر جدار معقود بالجص فالسفن تدخل تحت السور
стр. 369
وترسو فيها وتعترض بين البرجين المذكورين سلسلة عظيمة تمنع عند اعتراضها الداخل والخارج فلا مجال للمراكب إلا عند إزالتها وعلى ذلك الباب حراس وأمناء لا يدخل الداخل ولا يخرج الخارج إلا على أعينهم، فشأن هذه الميناء شأن عجيب في حسن الوضع ولعكة مثلها في الوضع والصفة لكنها لا تحمل السفن الكبار حمل تلك وإنما ترسى خارجها والمراكب الصغار تدخل إليها فالصورية أكمل وأجمل وأحفل.
فكان مقامنا بها أحد عشر يوما دخلناها يوم الخميس وخرجنا منها يوم الأحد الثاني والعشرين لجمادي المذكورة وهو آخر يوم من شتنبر وذلك أن المركب الذي كنا املنا الركوب فيه استصغرناه فلم نر الركوب فيه.
стр. 370
عرس إفرنجي في صور
ومن مشاهد زخارف الدنيا المحدث بها زفاف عروس شاهدناه بصور في أحد الأيام عند مينائها وقد احتفل لذلك جميع النصارى رجالا ونساء واصطفوا سماطين عند باب العروس المهداة والبوقات تضرب والمزامير وجميع الآلات اللهوية حتى خرجت تتهادى بين رجلين يمسكانها من يمين وشمال كأنهما من ذوي أرحامها، وهي في أبهى زي وأفخر لباس تسحب أذيال الحرير المذهب سحبا عل الهيئة المعهودة من لباسهم وعلى رأسها عصابة ذهب قد حفت بشبكة ذهب منسوجة وعلى لبتها مثل ذلك منتظم وهي رافلة في حليها وحللها تمشى فترا في فتر مشي الحمامة أو سير الغمامة نعوذ بالله من فتنة المناظر وأمامها جلة رجالها من النصارى في أفخر ملابسهم البهية تسحب أذيالها خلفهم ووراءها أكفاؤها ونظراؤها من النصرانيات يتهادين في أنفس الملابس ويرفلن في أرفل الحلى والآلات اللهوية قد تقدمتهم، والمسلمون وسائر النصارى من النظار قد عادوا في طريقهم سماطين
стр. 371
يتطلعون فيهم ولا ينكرون عليهم ذلك فساروا بها حتى أدخلوها دار بعلها وأقاموا يومهم ذلك في وليمة فأدانا الاتفاق إلى رؤية هذا المنظر الزخرفي المستعاذ بالله من الفتنة فيه.
стр. 372
مسلمو عكة
ثم عدنا إلى عكة في البحر وحللناها صبيحة يوم الإثنين الثالث والعشرين من جمادي المذكورة وأول يوم من شهر أكتوبر ١ واكترينا في مركب كير نروم الاقلاع إلى مسينة من بلاد جزيرة صقلية والله تعالى كفيل بالتيسير والتسهيل بعزته وقدرته. وكانت راحتنا مدة مقامنا بصور بمسجد بقى بأيدي المسلمين. ولهم فيها مساجد أخر فأعلمنا به أحد أشياخ أهل صور من المسلمين أنها أخذت منهم سنة ثمان عشرة وخمسمائة وأخذت عكة قبلها باثنتي عشرة سنة بعد محاصرة طويلة وبعد استيلاء المسغبة٢ عليهم ذكر لنا أنهم انتهوا منها لحال نعوذ بالله منها وأنهم حملتهم الأنفة على أن هموا بركوب خطة عصمهم الله منها, وذلك أنهم عزموا على أن يجمعوا أهاليهم وأبناءهم في المسجد الجامع ويحملوا السيف عليهم غيرة من تملك النصارى لهم ثم يخرجوا إلى عدوهم بعزمة نافذة ويصدموهم صدمة صادقة حتى يموتوا على دم واحد ويقضي الله قضاءه فمنعهم من ذلك فقهاؤهم والمتورعون منهم وأجمعوا على دفع البلد والخروج منه بسلام فكان ذلك وتفرقوا في بلاد المسلمين. ومنهم من استهواه حب الوطن فدعاه إلى الرجوع والسكنى بينهم بعد أمان كتب لهم في ذلك بشروط اشترطوها والله غالب على أمره سبحانه جلت قدرته ونفذت في البرية مشيئته، وليست له عند الله معذرة في حلول بلدة من بلاد الكفر إلا مجتازا وهو يجد ندوحة في بلاد المسلمين لمشقات وأهوال يعانيها في
стр. 373
بلادهم منها الذلة والمسكنة الذمية ومنها سماع ما يفجع الأفئدة من ذكر من قدس الله ذكره وأعلى خطره لا سيما من أراذلهم وأسافلهم ومنها عدم الطهارة والتصرف بين الخنازير وجميع المحرمات إلى غير ذلك مما لا ينحصر ذكره ولا تعداده، فالحذر الحذر من دخول بلادهم والله تعالى المسئول حسن الإقالة والمغفرة من هذه الخطيئة التي زلت فيها القدم ولم تتداركها إلا بعد موافقة الندم فهو سبحانه ولى ذلك لا رب غيره.
стр. 374
أسرى المسلمين
ومن الفجائع التي يعاينها من حل بلادهم أسرى المسلمين يرسفون في القيود ويصرفون في الخدمة الشاقة تصريف العبيد والأسيرات المسلمات كذلك في أسوقهن خلاخيل الحديد فتنفطر لهم الأفئدة ولا يغني الإشفاق عنهم شيئا.
ومن جميل صنع الله تعالى لأسرى المغاربة بهذه البلاد الشامية الإفرنجية أن كل من يخرج من ماله وصية من المسلمين بهذه الجهات الشامية وسواها إنما يعينها في افتكاك المغاربة خاصة لبعدهم عن بلادهم وانهم لا مخلص لهم سوى ذلك بعد الله فهم الغرباء المنقطعون عن بلادهم فملوك أهل هذه الجهات من المسلمين والخواتين من النساء وأهل اليسار والثراء إنما ينفقون أموالهم في هذه السبيل. وقد كان نور الدين ﵀ نذر في مرضة أصابته تفريق اثني عشر ألف دينار في فداء أسرى من المغاربة فلما استبل من مرضه أرسل في فدائهم فسيق فيهم نفر ليسوا من المغاربة وكانوا من حماة من جملة عمالته فأمر بصرفهم وإخراج عوض منهم من المغاربة وقال: هؤلاء يفتكهم أهلوهم وجيرانهم والمغاربة غرباء لا أهل لهم فانظر إلى لطيف صنع الله تعالى لهذا الصنف المغربي.
стр. 375
وقيض الله لهم بدمشق رجلين من مياسر التجار وكبرائهم وأغنيائهم المنغمسين في الثراء أحدهما يعرف بنصر بن قوام، والثاني بأبي الدر ياقوت مولى العطافي وتجارتهما كلها بهذا الساحل الإفرنجي ولا ذكر فيه لسواهما ولهما الأمناء من المقارضين فالقوافل صادرة وواردة ببضائعهما وشأنها في الغنى كبير وقدرهما عند أمراء المسلمين والإفرنجيين خطير وقد نصبهما الله لافتكاك الأسرى المغربيين بأموالهما وأموال ذوي الوصايا لأنهما المقصودان بها لما قد اشتهر من امانتهما وثقتهما وبذلهما أموالهما في هذه السبيل فلا يكاد مغربي يخلص من الأسر إلا على أيديهما فهما طول الدهر بهذه السبيل بنفقان أموالهما ويبذلان اجتهادها في تخليص عباد الله المسلمين من أيدي أعداء الله الكافرين والله تعالى لايضيع أجر المحسنين.
стр. 376
سوء الاتفاق
من سوء الاتفاقات المستعاذ بالله من شرها أنه صحبنا في طريقنا إلى عكة من دمشق رجل مغربي من بونة عمل بجاية كان أسيرا فتخلص على يدي أبي الدر المذكور وبقى في جملة صبيإنه فوصل في قافلته إلى عكة وكان قد صحب النصارى وتخلق بكثير من أخلاقهم فما زال الشيطان يستهويه ويغريه إلى أن نبذ دين الإسلام فكفر وتنصر مدة مقامنا بصور. فانصرفنا إلى عكة وأعلمنا بخبره وهو بها قد بطس١ ورجس وقد عقد الزنار واستعجل النار وحقت عليه كلمة العذاب وتأهب لسوء الحساب وسحيق المآب، نسال الله أن يثبتنا بالقول الثابت في الدنيا والآخرة ولا يعدل بنا عن الملة الحنيفية وأن يتوفانا مسلمين بفضله ورحمته.
стр. 377
وهذا الخنزير صاحب عكة المسمى عندهم بالملك محجوب لا يظهر قد ابتلاه الله بالجذام فعجل له سوء الانتقام قد شغلته بلواه في صباه عن نعيم دنياه فهو فيها يشقى ولعذاب الآخرة أشد وأبقى وحاجبه وصاحب الحال عوضه خاله القومس١ وهو صاحب المجبى وإليه ترتفع الأموال، والمشرف على الجميع بالمكانة والوجاهة وكبر الشان في الإفرنج ية اللعينة القومس اللعين صاحب طرابلس وطبرية وهو ذو قدر ومنزلة عند الإفرنج وهو المؤهل للملك والمرشح له وهو موصوف بالدهاء والمكر وكان اسيرا عند نور الدين نحو اثنتي عشرة سنة أو أزيد ثم تخلص بمال عظيم بذله في نفسه مدة صلاح الدين وعند أول ولايته وهو معترف لصلاحا لدين بالعبودية والعتق.
وعلى بادية طبرية اختلاف القوافل من دمشق لسهولة طريقها ويقصد بقوافل البغال على تبنين لوعورتها وقصد طريقها وبحيرة طبرية مشهورة وهي ماء عذب وسمعتها نحو ثلاثة فراسخ أو أربعة وطولها نحو ستة فراسخ والاقوال فيها تختلف وهذا القول أقربها إلى الصحة لأنا لم نعاينها وعرضها أيضا مختلف سعة وضيقا. وفيها قبور كثيرة من قبور الأنبياء صلوات الله عليهم كشعيب وسليمان ويهودا وروبيل وابنة شعيب زوج الكليم موسى وغيرهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وجبل الطور منها قريب.
وبين عكة وبيت المقدس ثلاثة أيام وبين دمشق وبينه مقدار ثمانية أيام وهو بين المغرب والقبلة من عكة إلى جهة الإسكندرية والله يعيده إلى أيدي المسلمين ويطهره من أيدي المشركين بعزته وقدرته.
стр. 378
عكة وصور
وهاتان المدينتان عكة وصور لا بساتين حولهما وإنما هما في بسيط من الأرض أفيح متصل بسيف البحر والفواكه تجلب اليهما من بساتينهما التي بالقرب منهما ولهما، عمالة متسعة والجبال التي تقرب منهما معمورة بالضياع ومنها تجبى الثمرات اليهما وهما من غر البلاد. ولعكة في الشرق منها مع آخر البلد واد يسيل ماء ولها من شاطئه مما يتصل بالبحر بسيط رمل لم ير أجمل منه منظرا ولا ميدان للخيل يشبهه وإليه ركوب صاحب البلد كل بكرة وعشية وبه يجتمع العسكر دمره الله. ولصور عند بابها البري عين معينة ينحدر إليها على أدراج والآبار والجباب بها كثيرة لاتخلو دار منها والله تعالى يعيد إليها وإلى أخواتها كلمة الإسلام بمنه وكرمه.
стр. 379
في المركب الشراعي
وفي يوم السبت الثامن والعشرين لجمادي المذكورة والسادس لأكتوبر صعدنا إلى المركب وهو سفينة من السفن الكبار بمنة الله تعالى على المسلمين بالماء والزاد وحاز المسلمون مواضعهم بانفراد عن الإفرنج وصعده من النصارى المعروفين بالبلغريين١ وهم حجاج بيت المقدس عالم لا يحصى ينتهي إلى أزيد من ألفي إنسان أراح الله من صحبتهم بعاجل السلامة ومأمول التسهيل والصنع الجميل بمنه وكرمه لا معبود سواه ونحن به منتظرون موافقة الريح وكمال الوسق بمشيئة الله .
стр. 380
شهر رجب الفرد عرفنا الله بركته ويمنه
استهل هلاله ليلة الثلاثاء بموافقة التاسع لشهر أكتوبر ونحن على ظهر المركب بمرسى عكة منتظرون كمال وسقه والاقلاع بسم الله تعالى وبركته وجميل صنعه وكريم مشيئته وتمادى مقامنا فيه مدة اثني عشر يوما لعدم استقامة الريح.
وفي مهب الريح بهذه الجهات سر عجيب وذلك أن الريح الشرقية لا تهب فيها إلا في فصلى الربيع والخريف والسفر لا يكون إلا فيهما والتجار لا ينزلون إلى عكة البضائع إلا في هذين الفصلين والسفر في الفصل الربيعي من نصف ابريل وفيه تتحرك الريح الشرقية وتطول مدتها إلى آخر شهر ماية وأكثر وأقل بحسب ما يقضى الله تعالى به. والسفر في الفصل الخريفي من نصف أكتوبر وفيه تتحرك الريح الشرقية ومدتها اقصر من المدة الربيعية وإنما هي عندهم خلسة من الزمان قد تكون خمسة عشر يوما وأكثر وأقل وما سوى ذلك من الزمان فالرياح فيه تختلف والريح الغربية أكثرها دوأما فالمسافرون إلى المغرب والى صقلية والى بلادالروم ينتظرون هذه الريح الشرقية في هذين الفصلين انتظار وعد صادق فسبحان المبدع في حكمته المعجز في قدرته لا إله سواه.
وكنا طول هذه المدة التي اقمنا فيها على ظهر المركب نبيت في البر وتتفقدالمركب في الأحيان فلما كان سحر يوم الخميس العاشر لرجب المذكور والثامن عشر لأكتوبر أقلع المركب وكنا على عادتنا في البر بائتين ولم يحسن النهار للروم بأهبة السفر فضيعنا الحزم ونسينا المثل المضروب في اعداد الماء والزاد والا يفارق الإنسان رحله فأصبحنا والمركب لا عين له ولا أثر، فاكترينا للحين زورقا كبيرا له أربعة مجاذيف وأقلعنا نتبعه وكانت مخاطرة عصم الله منها فأدركنا المركب مع العشى فحمدنا الله على ما من به،
стр. 381
وكان أول ذلك اليوم يوم شدتنا في هذا السفر الطويل وآخره والحمد لله يوم فرجنا ولله الحمد والشكر على كل حال.
واتصل جرينا والريح الموافقة تأخذ وتدع نحو خمسة أيام ثم هبت علينا الريح الغربية من مكمنها دافعة في وجه المركب فأخذ رئيسه ومدبره الرومي الجنوي وكان بصيرا بصنعته حاذقا في شغل الرياسة البحرية يراوغها تارة يمينا وتارة شمالا طمعا إلا يرجع على عقبه والبحر في أثناء ذلك رهو١ ساكن
فلما كان نصف الليل أو قريب منه ليلة السبت التاسع عشر لرجب المذكور والسابع والعشرين لأكتوبر تردت علينا الريح الغربية فقصفت قرية٢ الصاري المعروف بالأردمون وألقت نصفها في البحر مع ما اتصل بها من الشراع وعصم الله من وقوعها من المركب لأنها كانت تشبه الصواري عظما وضخامة، فتبادر البحريون إليها وحط شراع الصاري الكبير وعطل المركب من جريه وصيح بالبحريين الملازمين للعشاري٣ المرتبط بالمركب فقصدوا إلى نصف الخشبة الواقعة في البحر وخرجوها مع الشراع المرتبط بها وحصلنا في أمر لا يعلمه إلا الله تعالى وشرعوا في رفع الشراع الكبير وأقاموا في الأردمون شراعا يعرف بالدلون٤، وبتنا بليلة شهباء إلى أن وضح الصباح وقد من الله بالسلامة.
وشرع البحريون في إصلاح قرية أخرى من خشبة كانت معدة عندهم والريح الغربية على أول لجاجها ونحن بين اليأس والرجاء تتردد مغلبين حسن الثقة بجميل صنع الله تعالى وحفى لطفه ومعهود فضله سبحانه هو أهل ذلك جلت قدرته وتناهت عظمته لا إله سواه.
стр. 382
وفي يوم الأربعاء الثالث والعشرين منه تحركت الريح الشرقية نسيما فاترا عليلا فاستبشرت النفوس بها رجاء في نمائها وقوتها فكانت نفسا خافتا ثم بعد ذلك غشى البحر ضببا رقيق سكنت له أمواجه فعاد كأنه صرح ممرد من قوارير١ ولم يبق للجهات الأربع نفس يتنسم فبقينا لاعبين على صحفة ماء تخاله العين سبيكة لجين كأنا نجول بين مساءين وهذا الهواء الذي يسميه البحريون الغليني٢.
وفي ليلة الخميس الرابع والعشرين لرجب المذكور وهو أول يوم من نونبر٣ العجمي كان للنصارى عيد مذكور عندهم احتلفوا له في إسراج الشمع وكاد لا يخلو أحد منهم صغيرا أو كبيرا ذكرا أو أنثى من شمعة في يده وتقدم فسيسوهم للصلاة في المركب بهم ثم قاموا واحدا واحدا لوعظمهم وتذكيرهم بشرائع دينهم والمركب يزهر كله أعلاه وأسفله سرجا متقدة، وتمادينا على تلك الحالة أكثر تلك الليلة ثم أصبحنا بمثل ذلك الهواء الساكن واتصل بنا ذلك إلى ليلة الأحد السابع والعشرين منه فتحركت ريح شمالية فعاد المركب بها لجريته واستبشرت النفوس والحمد لله.
стр. 383
شهر شعبان المكرم عرفنا الله خيره وبركته
غم هلاله علينا فأكملنا عدة أيام رجب فهو على الكمال من ليلة الخميس بموافقة الثامن من نونبر وقد تم لنا على ظهر البحر من يوم إقلاعنا من عكة اثنان وعشرين يوما حتى عدمنا الأنس واستشعرنا القنط واليأس وصنع الله مأمول ولطفه الخفي بنا كفيل بمنه وكرمه. وقل الزاد بأيدي الناس لكن هم من هذا المركب بمنة الله في مدينة جامعة
стр. 384
للمرافق فكل ما يحتاج شراؤه يوجد من خبز وماء ومن جميع الفواكه والأدم كالرمان والسفرجل والبطيخ السندي والكمثرى والشاه بلوط والجوز والحمص والباقلاء نيا ومطبوخا والبصل والثوم والتين والجبن والحوت وغير ذلك مما يطول ذكره عاينا جميع ذلك يباع وفي خلال هذه الأيام كله لم يظهر لنا بر والله يأتي بالفرج القريب.
ومات فيه رجلان من المسلمين رحمهما الله فقذفا في البحر ومن البلغريين اثنان أيضا ومات منهم بعد ذلك خلق وسقط منهم واحد في البحر حيا فاحتملته الموج أسرع من خطفه البارق وورث هؤلاء الاموات من المسلمين والنصارى البلغريين رئيس المركب لأنها سنة عندهم في كل من يموت في البحر ولا سبيل لوارث الميت إلى ميراثه فطال عجبنا من ذلك.
وفي سحر يو م الثلاثاء السادس من الشهر المؤرخ والثالث عشر من نونتبر ظهرت لنا جبال في البحر وقدا شتدت الريح الغربية وتوالى إعصارها وكانت تتقلب بالقبول والدبور فالجأتنا إلى أحد تلك الجبال فأرسينا عنده وسألنا عن الموضع فأعلمنا إنه من جزائر الرمانية وهذه الجزائر نيف على الثلاثمائة وخمسين جزيرة وهي إلى عمل صاحب القسطنطينية والروم يحذرون أهلها كحذر المسمين لأنهم لا صلح بينهم، فأقمنا بذلك المرسى يوم الثلاثاء المذكور وصدر يوم الأربعاء بعده ونزل من تلك الجزيرة قوم بايعوا أهل المركب بعض ساعة من النهار في الخبز واللحم بعد أمان أخذوه.
ثم أقعلنا يوم الأربعاء المذكور وقد تم لنا على ظهر المركب ثمانية وعشرون يوما، وظهر لنا يوم الخميس بعده بر جزيرة أقريطش وهذه الجزيرة أيضا لعمل صاحب القسطنطينية وطولها نيف على الثلثمائة ميل وقد تقدم ذكرها في سفرنا البحري إلى الإسكندرية فبقينا نجرى بطولها وهي منا على اليمين والبحر في أثناء ذلك كله مائل والريح لا توافق ونحن ننتظر الفرج من الله بصبر جميل ونرتقب منه ﷻ معهود التسير والتسهيل بمنه ولطفه.
стр. 385
ثورة الريح الشمالية
وفي يوم السبت العاشر لشبعان المذكور والسابع عشر لنونبر انقطع عنا بر الجزيرة المذكورة ونحن نجري بريح شمالية موافقة فذئرت١ وعصفت فطار لها المركب بجناحي شراعه والبحر بها قد جن واشترى لجاجه وقذفت بالزبد امواجه فتخال غواربه المتموجة جبالا مثلجة ومع تلك استشعرت النفوس الأنس وغلب رجاؤها اليأس، وقد كنا مدة الستة وعشرين يوما المذكورة التي لم يظهر لنا فيها بر برجم الظنون ونغازل المنون حذرا من نفاد الزاد والماء والحصول بين المهلكين الجوع والظماء فمن قائل يقول: إنا قد ملنا في جرينا إلى بر الغرب وهو بر إفريقية وآخر يزعم: أنا قد ملنا إلى بر الأرض الكبيرة بر القسطنيطينة وما يليها ومنهم من يقول: إلى اللاذقية جهة الشام ومنهم من يقول: إلى دمياط بر الإسكندرية. وكنا نحذر أن تلجئنا الريح إلى أحد جزائر الرمانية الخالية فنشتو فيها أو تضطرنا الحال إلى المعمور منها وليس في هذه الوجوه المتوقعة كلها وجه فيه حظ لمختار حتى أتى الله بالفرج وأذهب الباس والياس ومكن في النفوس الإيناس بعد مكابدة الأمرين ومقاساة البرحين فلله در القائل:
البحر مر المذاق صعب
...
لا جعلت حاجتي إليه
اليس ماء ونحن طين
...
فما عسى صبرنا عليه
ونحن الآن بفضل الله تعالى نتطلع البشري بظهور بر صقلية إن شاء الله.
стр. 386
الرياح العاصفة الغربية
وفي النصف من ليلة الأحد الحادي عشر منه انقلبت الريح غربية وكشف النوء من المغرب وجاءت الريح عاصفة فأخذت بنا جهة الشمال وأصبحنا يوم الأحد المذكور والهول يزيد والبحر قد هاج هائجه وماج مائجه فرمى بموج كالجبال يصطدم المركب صدمات يتقلب لها على عظمه تقلب الغصن الرطيب وكان كالسور علوا فيرتفع له الموجا رتفاعا يرمى في وسطه بشآبيب كالوابل المنسكب. فلما جن الليل اشتد تلاطمه وصكت الأذان غماغمه واستشرى عصوف الريح فحطت الشرع واقتصر على الدلالين الصغار دون انصاف الصواري ووقع اليأس من الدنيا ووعنا الحياة بسلام وجاءنا الموج من كل مكان وظننا أنا قد احيط بنا فيا لها ليلة يشيب لها سودالذوائب مذكورة في ليالي الشوائب مقدمة في تعاد الحدواث والنوائب! ونحن منها في مثل ليل صول طولا١ فأصبحنا ولم نكد فكان من الاتفاقات الموحشة أن أبصرنا بر اقريطش عن يسارنا وجباله قد قامت أمامنا وكنا قد خلفناه عن يميننا فأسقطتنا الريح عن مجرانا ونحن نظن أنا قد جزناه فسقط في أيدينا وخالفنا المجرى المعهود الميمون وهو أن يكون البر المذكور منا يمينا في استقبال صقلية. فاستسلمنا للقدر وتجرعنا غصص هذا الكدر وقلنا:
سيكون الذي قضى ... سخط العبد أو رضى
وفي أثناء ذلك انبسطت الشمس ولان البحر قليلا وصممنا نروم أخذ مرسى في البر المذكور إلى أن يقضى الله قصاءه وينفذ حكمه ولكل سفر
стр. 387
أوان وسفر البحر إنما هو في ابإنه والمعهود من زمإنه لا أن يعتسف في فصول أشهر الشتاء اعتسافنا له والأمر لله من قبل ومن بعد فالحذر الحذر من ركوب مثل هذا الخطر وان كان المحذور لا يغنى عن المقدور شيئا وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ثم إن الريح ساعدت عند استقبالنا البر بعض مساعدة فانصرفنا عنه وتركناه يمينا وعدنا إلى قريب من المجرى المقصود وجرينا بعض ليلة الثلاثاء الثالث عشر منه وقد تم لنا على ظهر المركب أربعة وثلاثون يوما والشرع مصلبة١ وهو عندهم اعدل جرى لأنه لا يكون إلا بالريح التي تتلقى مؤخر المركب في مجراه، فأصبحنا يوم الثلاثاء المذكور على مثل تلك الحال وساعدت الريح ففرحنا وسررنا وطلعت علينا مراكب قاصدة مقصدنا فاستبشرنا بها وعلمنا أنا على مجرى مقصود ولله الحمد والشكر على كل حال من الأحوال.
ثم انقلبت الريح غربية وهبت عاصفا فالجأتنا اضطرارا بعد أن جرت بنا بعض ليلة الأربعاء ويوم الأربعاء إلى مرسى من مراسى جزائر الرمانية وهو رأس الجزيرة ومنه إلى الأرض الكبيرة مجاز فيه الاثنا
عشر ميلا فأصبحنا يوم الخميس الخامس عشر لشعبان المكرم والثاني والعشرين لنونبر فحمدنا الله على ما من به من السلامة وتوافت بعدنا إلى ذلك المرسى خمسة مراكب منها اثنان كانا قد أقلعا من بر الإسكندرية عن عهد نحو خمسين يوما فأسقطتهما الريح، أقمنا بذلك المرسى أربعة أيام، وجدد الناس به الماء والزاد لأن العمارة كانت منا قريبا فنزل أهل الجيزرة وبايعوا أهل المركب في الخبز واللحم والزيت وما كان عندهم من الأدم. ولم يكن خبزهم برا خالصا إنما كان خليطا بالشعير وكان يضرب للسواد فتهافت الناس عليه على غلائه ولم يكن بالرخيص في سومه وشكروا لله على ما من به عليهم. وفي هذا المرسى كمل لنا على ظهر البحر أربعون يوما والحمد لله
стр. 388
على كل حال ومدة مقمنا بالمرسى لم يفتر عصوف الريح الغربية واعادت اشد ما يكون هبوبا فحمدنا الله تعالى على إن لم تأخذنا ونحن على ظهر البحر جارين والحمد لله على جميل صنعه.
وأقلعنا من المرسى المذكور يوم الإثنين التاسع عشر لشعبان المذكور والسادس والشعرين لنوننبر بريح طيبة موافقة فاستبشرنا بها واستلطعنا جميل صنع الله ولطف قضائه لا رب سواه وتمادى سيرنا إلى يوم الخميس الثاني والعشرين لشعبان والتاسع والعشرين لنونبر، ثم انقلبت الريح غربية وأنشأت سحابه فيها رعد قاصف وزجتها١ ريح عاصف وتقدمها برق خاطف فأرسلت حاصبا من البرد صبته علينا في المركب شآبيب متداركه فارتاعت له النفوس ثم أسرع انقشاعها وانجلى عن الأنفس ارتياعها وبتنا ليلة الجمعة مبيت وحشة وطالعنا اليأس من مكمنه فلما أسفر الصبح وطلع النهار أبصرنا بر صقلية لائحا أمامنا. فيا لها بشرى ومسرة لو لم يعد حسرة في كرة! فأمسينا ليلة السبت وهو أول يوم من دجنبر٢ ونحن على إدراكه في أقل من ثلثها أو منتصفها ولكل أجل كتاب وميقات وكم أمل تعترض دونه الآفات فما كان إلا كلا ولا حتى ضربت في وجوهنا ريح أنكصتنا على الأعقاب وحالت بين الابصار والارتقاب وما زالت تعصف حتى كادت تنسف وتقصف فحطت الشرع عن صواريها واستسلمت النفوس لباريها وتركنا بين السفينة ومجريها، وتتابعت علينا عوأرض ديم حصلنا منها ومن الليل والبحر في ثلاث ظلم وعباب الموج تتوالى صدماته وتطفر الألباب رجفاته فنبذت نفوسنا كل أمنية وتأهبت للقاء المنية.
وقطعنا هذه الليلة البهماء في مصادمة أهوال ومكابدة أوجال ومقاساة أحوال يا لها من أحوال! ثم أصبحنا يوم السبت ليوم عصب أخذ من
стр. 389
هول ليلته بأوفر نصيب والأمواج والرياح تترامى بنا حيث شاءت وقد استسلمنا للقضاء وتمسكنا بأسباب الرجاء. ثم تداركنا صنع الله تعالى مع المساء ففترت الريح ولان متن البحر وأسفر وجه الجو. وأصبحنا يوم الأحد ثاني دجنبر والخامس والعشرين لشعبان وقد بدل لنا من الخوف الأمان وتطلعت الوجوه كأنها انتشرت من الأكفان وساعدت الريح بعض مساعدة. فعدنا نطلب من البر أثرا بعد عين ونرجم الظنون بين متى وأين والله لطيف بعباده وكفيل بمعهود صنعه الجميل ومعتاده لا رب سواه.
стр. 390
شهر رمضان المعظم عرفنا الله البركة والقبول فيه بمنه وكرمه لا رب غيره
استهل هلاله ليلة الجمعة السابع لشهر دجنبر ونحن بإزاء الأرض الكبيرة على متن البحر مترددين وقد من الله علينا بريح شرقية فاترة المهب سرنا بها سيرا رويدا حتى وصلنا هذا الموضع من إزاء الأرض الكبيرة المذكورة وأبصرنا فيها ضياعا وعمارة كثيرة أعلمنا أنها من قلورية١ وهي من بلاد صاحب صقلية لأن بلاده في الأرض الكبيرة تتصل نحو شهرين. وبهذا الموضع نزل كثير من البلغريين فائزين بأنفسهم لمسغبة مست أهل المركب لعدم الزاد ونفاده وحسبك أنا كنا نقتصر على مقدار رطل من الخبز اليابس نتقسمه بين أربعة منا ونبله بيسير من الماء فنتبلغ به وكل من نزل من البلغريين باع فضلة زاده فترفق المسلمون بابتياع ما امكن منه على غلائه وانتهى إلى مقدار خبزة بدرهم من الخالص
فما ظنك بمدة شهرين على ظهر البحر في مسافة ظن الناس أنهم يقطعونها في عشرة أيام أو خمسة عشر يوما الغاية فالحازم من أدخل زاد ثلاثين يوما وسائر الناس لعشرين يوما ولخمسة عشر يوما.