الرطب العنان١ السلس القياد ويأتون في ذلك بعجب يضيق الوصف عنه.
وفي ظهر يوم الثلاثاء الرابع من شهر ربيع الآخر المذكور وهو السادس والعشرون من شهر يوليه كان نزولنا بجدة حامدين لله وشاكرين على السلامة والنجاة من هول ما عايناه في تلك الثمانية أيام طول مقامنا على البحر وكانت اهوالا شتى عصمنا الله منها بفضله وكرمه فمنها ما كان يطرا من البحر واختلاف رايحه وكثرة شعابه المعترضة فيه ومنها ما كان يطرأ من ضعف عدة المركب واختلالها واقتصامها٢ المرة بعدالمرة عند رفع الشراع أو حطه أو جذب مرسى من مراسيه وربما سنحت٣ الجلبة بأسفلها على شعب من تلك الشعاب أثناء تحللها فنسمع لها هدا يؤذن باليأس فكنا فيها نموت مرارا ونحيى مرارا والحمد لله على ما من به من العصمة وتكفل به من الوقاية والكفاية حمدا يبلغ رضاه ويستهدى المزيد من نعماه بعزته وقدرته لا إله سواه.
وكان نزولنا فيها بدار القائد على وهو صاحب جدة من قبل أمير مكة المذكور في صرح من تلك الصروح الخصوصية التي يبنونها في أعالي ديارهم ويخرجون منها إلى سطوح يبيتون فيها. وعند احتلالنا جدة المذكورة عاهدنا الله سرورا بما أنعم الله به من السلامة إلا يكون انصرافنا على هذا البحر الملعون إلا إن طرأت ضرورة تحول بيننا وبين سواه من الطرق والله ولى الخيرة في جميع ما يقضيه ويسنيه٤ بعزته.
стр. 72
صفة جدة
وجدة هذه قرية على ساحل البحر المذكور أكثر بيوتها اخصاص وفيها فنادق مبنية بالحجارة والطين وفي أعلاها بيوت من الاخصاص كالغرف ولها سطوح يستراح فيها بالليل من أذى الحر. وبهذه القرية آثار قديمة تدل على أنها كانت مدينة قديمة وأثر سورها المحدق بها باق إلى اليوم وبها موضع فيه قبة مشيدة عتقيقة يذكر إنه كان منزل حواء أم البشر صلى الله عليها عند توجهها إلى مكة فبنى ذلك المبنى عليه تشيهرا لبركته وفضله والله أعلم بذلك.
وفيها مسجد مبارك منسوب إلى عمر بن الخطاب ﵁ ومسجد آخر له ساريتان من خشب الآبنوس ينسب أيضا إليه رضى الله عنه ومنهم من يسنبه إلى هارون الرشيد رحمة الله عليه.
وأكثر سكان هذه البلدة مع ما يليها من الصحراء والجبال أشراف علويون: وحسنيون وحسينيون وجعفريون رضى الله عن سلفهم الكريم وهم من شظف العيش بحال يتصدع له الجماد إشفاقا، ويستخدمون انفسهم في كل مهنة من المهن: من إكراء جمال أن كانت لهم أو مبيع لبن أو ماء إلى غير ذلك من تمر يلتقطونه أو حطب يحتطبونه وربما تنأول ذلك نساؤهم الشريفات بأنفسهن فسبحان المقدر لما يشاء ولا شك انهم أهل بيت ارتضى الله لهم الآخرة ولم يرتض لهم الدنيا جعلنا الله ممن يدين بحب أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
وبخارج هذه البلد مصانع قديمة تدل على قدم اختطاطها ويذكر أنها كانت من مدن الفرس وبها جباب١ منقورة في الحجر الصلد يتصل
стр. 73
بعضها ببعض تفوت الإحصاء كثرة هي داخل البلد وخارجه حتى إنهم يزعمون أن التي خارج البلد ثلثمائة وستون جبا ومثل ذلك داخل البلد وعاينا نحن جملة كثيرة لا يأخذ ها الإحصاء وعجائب الموضوعات كثيرة فسبحان المحيط علما بها.
стр. 74
شيع يستغلون الحجاج
وأكثر أهل هده الجهات الحجازية وسواها فرق وشيع لا دين لهم قد تفرقوا على مذاهب شتى وهم يعتقدون في الحاج ما لايعتقد في أهل الذمة قد صيروهم من أعظم غلاتهم التي يستغلونها: ينتهبونهم انتهابا ويسببون لاستجلاب ما بأيديهم استجلابا. فالحاج معهم لا يزال في غرامة ومؤنة إلى أن ييسر الله رجوعه إلى وطنه. ولولا ما تلافى الله به المسلمين في هذه الجهات بصلاح الدين لكانوا من الظلم في أمر لا ينادي وليده١ ولا يلين شديده. وجعل عوض ذلك مالا وطعاما يأمر بتصويلهما إلى مكثر٢ أمير مكة فمتى ابطأت عنهم تلك الوظيفة المترتبة لهم عاد هذا الأمر إلى ترويع الحاج وإظهار تثقيفهم٣ بسبب المكوس. واتفق لنا من ذلك أن وصلنا جدة فأمسكنا بها خلال ما خوطب مكثر الأمير المذكور. فورد أمره بان يضمن الحاج بعضهم بعضا ويدخلوا إلى حرم الله فإن ورد المال والطعام اللذان برسمه من قبل صلاح الدين وإلا فهو لا يترك ماله قبل الحاج. هذا لفظه كأن حرم الله ميراث بيده محلل له اكتراؤه من الحاج. فسبحان مغير السنن ومبدلها.
стр. 75
والذي جعل له صلاح الدين بدلا من مكس الحاج ألفا دينار اثنان وألفا إردب من القمح وهو نحو الثمانمائة قفيز بالكيل الإشبيلي عند نا حاشى اقطاعات اقطعها بصعيد مصر وبجهة اليمن لهم بهذا الرسم المذكور ولولا مغيب هذا السلطان العادل صلاح الدين بجهة الشام في حروب له هناك مع الإفرنج لما صدر عن هذا الأمير المذكور ما صدر في جهة الحاج. فاحق بلادالله بأن يطهرها السيف ويغسل أرجاسها وأدناسها بالدماء المسفوكة في سبيل الله هذه البلاد الحجازية لما هم عليه من حل عرى الإسلام واستحلال أموال الحاج ودمائهم.
فمن يعتقد من فقهاء أهل الأندلس اسقاط هذه الفريضة عنهم فاعتقاده صحيح لهذا السبب وبما يصنع بالحاج مما لا يرتضيه الله . فراكب هذا السبيل راكب خطر ومعتسف غرر١. والله قد أوجد الرخصة فيه على غير هذه الحال فكيف وبيت الله الآن بأيدي أقوام قد اتخذوه معيشة حرام وجعلوه سببا إلى استلاب الأموال واستحقاقها من غير حل ومصادرة الحجاج عليها وضرب الذلة والمسكنة الدنية عليهم تلافاها الله عن قريب بتطيهر يرفع هذه البدع المجحفة عن المسلمين بسيوف الموحدين٢ أنصار الدين وحزب الله أولي الحق والصدق والذابين عن حرم الله والغائرون٣ على محارمه والجادين في اعلاء كلمته واظهار دعوته ونصر ملته إنه على ما يشاء قدير وهو نعم المولى ونعم النصير.
стр. 76
لا إسلام إلا في الغرب
وليتحقق المتحقق ويعتقد الصحيح الاعتقاد إنه لا إسلام إلا ببلاد المغرب لأنهم على جادة واضحة لابنيات٤ لها. وما سوى ذلك مما بهذه
стр. 77
الجهات المشرقية فأهواء وبدع وفرق ضالة وشيع إلا من عصم الله من أهلها كما إنه لاعدل ولا حق ولا دين على وجهها إلا عند الموحدين اعزهم الله فهم آخر أئمة العدل في الزمان. وفي كل م سواهم من الملوك في هذا الأوان فعلى غير الطريقة يعشرون١ تجار المسلمين كأنهم أهل ذمة لديهم ويستجلبون أموالهم كل حيلة وسبب ويكربون طرائق من الظلم لم يسمع بمثلها اللهم إلا هذا السلطان العادل صلاح الدين الذي قد ذكرنا سيرته ومناقبه لو كان له أعوان على الحق..... مما أريد والله يتلافى المسلمين بجميل نظره ولطيف صنعه.
стр. 78
الدعوة المؤمنية الموحدية
ومن عجيب ما شاهدناه في أمر الدعوة المؤمنية الموحدية وانتشار كلمتها بهذه البلاد واستشعار أهلها لملكتها أن أكثر اهللها منهم بل الكل منهم يرمزون بذل رمزا خفيا حتى يؤدى ذلك بهم إلى التصريح وينسبون ذلك لآثار حدثا نية وقعت بأيدي بعضهم انذرت باشياء من الكوائن فعاينوها صحيحة.
فمن بعض الآثار المؤذنة بذلك عندهم أن بين جامع ابن طولون والقاهرة برجين مقتربين عتقى البناء على أحدهما تمثال ناظر إلى المشرق فكانوا يرون أن أحدهما إذا سقط أنذر بغلبة أهل الجهة التي كان ناظرا إليها على ديار مصر وسواها. وكان من الاتفاق العجيب أن وقع التمثال الناظر إلى المشرق فتلا وقوعه استيلاء الغز٢ على الددولة العبيدية وتملكهم ديار مصر وسائر البلاد. وهم الآن متوقعون سقوط التمثال
стр. 79
الغربي وحدثان ما يؤملونه من ملكة اهله لهم أن شاء الله.
ولم يبق إلا الكائنة السعيدة من تملك الموحدين لهذه البلاد فهم يستطلعون بها صبحا جليا ويقطعون بصحتها ويرتقونها ارتقاب الساعة التي لا يمترون في إنجاز وعدها. شاهدنا في ذلك بالإسكندرية ومصر وسواهما مشافهه وسماعا أمرا غريبا يدل على أن ذلك الأمر العزيز أمر الله الحق دعوته الصدق ونمى إلينا أن بعض فقهاء هذه البلاد المذكورة وزعمائها قد حسر خطبا أعدها للقيام بها بين يدي سيدنا أمير المؤمنين أعلى الله أمره وهو يترقب ذلك اليوم ارتقاب يوم السعادة وينتظره انتظار الفرج بالصبر الذي هو عبادة والله يبسطها من كلمة ويعليها من دعوة إنه على ما يشاء قدير.
стр. 80
من جدة إلى الحرم الشريف
وفي عشي يوم الثلاثاء الحادي عشر من الشهر المذكور وهو الثاني من شهر أغشت كان انفصالنا من جدة بعد أن ضمن الحجاج بعضهم بعضا وثبتت أسماؤهم في زمام١ عند قائد جدة علي بن موفق حسبما نفذ إليه أمر ذلك من سلطانه صاحب مكة مكثر بن عيسى المذكور وهذا الرجل مكثر من ذرية الحسن بن علي رضوان الله عليهما لكنه ممن يعمل غير صالح فليس من أهل سلفه الكريم رضى الله عنهم.
وأسرينا تلك الليلة إلى أن وصلنا القرين مع طلوع الشمس وهذا الموضع هو منزل الحاج ومحط رحالهم ومنه بحرمون وبه يريحون اليوم الذي يصبحونه فإذا كان في عشية رفعوا وأسروا ليلتهم وصبحوا الحرم الشريف زاده الله تشريفا وتعظيما. والصادرون من الحج ينزلون به أيضا ويسرون منه إلى
стр. 81
جدة وبهذا الموضع المذكور بئر معينة عذبة والحاج بسبها لا يحتاجون إلى تزوج الماء غير ليلة اسرائهم إليه. فأقمنا بياض يوم الأربعاء المذكور مريحين بالقرين فلما حان العشى رحنا منه محرمين بعمرة فأسرينا ليلتنا تلك فكان روصولنا مع الفجر إلى قريب الحزم فنزلنا مرتقبين لانتشار الضوء.
ودخلنا مكة حرسها الله في الساعة الأولى من يوم الخميس الثالث عشر لربيع المذكور وهو الرابع من شهر أغشت على باب العمرة وكان إسراؤنا تلك الليلة المذكورة والقمر قد ألقى على السيطه شعاعه والليل قد كف عنا قناعه الأصوات تصك الأذان بالتلبية من كل مكان الألسنة تصج بالدعاء وتبتهل إلى الله بالرعباء فتارة تشتد بالتلبية وآونة تتضرع بالأدعية فيالها ليلة كانت في الحسن بيضة العقر١، فهي عروس ليالي العمر وبكر بنيات الدهر. إلى أن وصلنا في الساعة المذكورة من اليوم المذكور حرم الله العظيم ومبوأ٢ الخليل إبراهيم فألفينا الكعبة البيت الحرام عروسا مجلوة مزفوفة إلى جنة الرضوان محفوفة بوفود الرحمن فطفنا طواف القدوم ثم صلينا بالمقام الكريم وتعلقنا بأستار الكعبة عند المتلزم وهو بين الحجر الأسود والباب وهو موضع استجابة الدعوة ودخلنا قبة زمزم وشربنا من مائها وهو لما شرب له كما قال ﷺ ثم سعينا بين الصفا والمروة ثم حلقنا وأحللنا فالحمد لله لذي كرمنا بالوفادة عليه وجعلنا ممن انتهت الدعوة الإبراهيمية٣ إليه وهو حسنا ونعم الوكيل.
وكان نزولنا فيها بدار تعرف بالنسبة إلى الحلال قريبا من الحرم ومن باب السدة أحد أبوابه في حجرة كثيرة المرافق المسكنية مشرفة على الحرم وعلى الكعبة المقدسة.
стр. 82
شهر جمادي الأولى عرفنا الله بركته
استهل هلاله ليلة الإثنين الثاني والعشرين لاغشت وقد كمل لنا بمكة شرفها الله تعالى ثمانية شعر يوما فهلال هذا الشهر أسعد هلال اجتلته أبصارنا فيما سلف من أعمارنا طلع علينا وقد تبوأنا مقعد الجدار الكريم وحرم الله العظيم والقبة التي فيها مقام إبراهيم مبعث الرسول ومهبط الروح الأمين جبريل بالوحي والتنزيل فأوزعنا١ الله شكر هذه المنة وعرفنا قدر ما خصنا به من نعمة وختم لنا بالقبول وأجرانا على كريم عوائده من الصنع الجميل ولطيف التيسير والتسهيل بعزته وقدرته لا إله سواه.
стр. 83
ذكر المسجد الحرام والبيت العتيق كرمه الله وشرفه
البيت المكرم له أربعة أركان وهو قريب من التربيع وأخبرني زعيم الشيبيين الذين إليهم سدانة البيت وهو محمد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن من ذرية عثمان بن طلحة بن شيبة بن طلحة بن عبد الدار صاحب رسول الله ﷺ وصاحب حجابة البيت أن ارتفاعه في الهواء من الصفح٢ الذي يقابل باب الصفا وهو من الحجر الأسود إلى الركن اليماني تسع وشعرون ذراعا وسائر الجوانب ثمان وعشرون بسبب انصباب السطح إلى الميزاب. فأول اركانه الركن الذي فيه الحجر الأسود ومنه ابتداء الطواف ويتقهقر الطائف عنه ليمر جميع بدنه به والبيت المكرم عن يساره وأول مايلقى بعده الركن العراقي وهو ناظر إلى الجهة الشمال ثم الركن الشامي وهو ناظر إلى جهة الغرب ثم الركن اليماني وهو ناظر
стр. 84
إلى جهة الجنوب ثم يعود إلى الركن الأسود وهو ناظر إلى جهة الشرق وعند ذلك يتم شوطا واحدا.
وباب البيت الكريم في الصفح الذي بين الركن العراقي وركن الحجر الأسود وهو قريب من الحجر بعشرة أشبار مخففة وذلك الموضع الذي بينهما من صفح البيت يسمى المتلزم وهو موضع استجابة الدعاء والباب الكريم مرتفع عن الأرض بأحد عشر شبرا ونصف وهو من فضة مذهبة بديع الصنعة رائق الصفة يستوقف الأبصار حسنا وخشوعا للمهابة التي كساها الله بيته وعضادتاه كذلك والعتبة العليا كذلك أيضا وعلى رأسها لوح ذهب خالص إبريز في سعته مقدار شبرين وللباب نقارتا فضة كبيرتان يتعلق عليهما قفل الباب وهو ناظر للشرق وسعته ثمانية أشبار وطوله ثلاثة عش شبرا وغلظ الحائط الذي ينوى عليه الباب خمسة أشبار.
وداخل البيت الكريم مفروش بالرخام المجزع وحيطانه كلها رخام مجزع قد قام على ثلاثة أعمدة من الساج١ مفرطة الطول وبين كل عمود وعمود أربع خطا وهي على طول البيت متوسطة فيه فأحد الأعمدة وهو أولها يقابل نصف الصفح الذي يحف به الركنان إليمانيان وبينه وبين الصفح مقدار ثلاث خطا والعمود الثالث وهو آخرها يقابل الصفح الذي يحف به الركنان العراقي والشامي.
ودائر البيت كله من نصفه الأعلى مطلي بالفضة المذهبة الثخينة يخيل للناظر إليها أنها صفيحة ذهب لغظها وهي تحف بالجوانب الأربعة وتمسك مقدار نصف الجدار الأعلى.
وسقف البيت مجلل بكساء من الحرير الملون. وظاهر الكعبة كلها من الأربعة جوانب مكسو بستور من الحرير الأخضر وسداها قطن وفي أعلاها
стр. 85
رسم بالحرير الأحمر فيه مكتوب ﴿إِنَّ أول بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ الآية١ واسم الإمام الناصر لدين الله في سعته قدر ثلاث أذرع يطيف بها كلها قد شكل في هذه الستور من الصنعة الغربية التي دمصره أشكال محاريب رائقة ورسوم مقروءة مرسومة بذكر الله تعالى وبالدعاء للناصر العباسي المذكور الأمر باقامتها وكل ذلك لا يخالف لونها وعدد الستور من الجوانب الأربعة أربعة وثلاثون سترا وفي الصفحين الكبيرين منها ثمانية عشر وفي الصفحين الصغيرين ستة عشر وله خمسة مضاوئ٢ وعليها زجاج عراقي بديع النقش أحد ها في وسط السقف ومع كل ركن مضوى وألواح د منها لايظهر لأنه تحت القبو المذكور بعد وبين الأعمدة أكواس من الفضة عددها ثلاث عشرة وإحداها من ذهب.
وأول ما يلقى الداخل على الباب عن يساره الركن الذي خارجه الحجر الأسود وفيه صندوقان فيهما مصاحف وقد علاهما في الركن بويبان من فضة كأنهما طاقان ملصقان بزاوية الركن وبينهما وبين الأرض أزيد من قامة وفي الركن الذي يليه وهو اليماني كذلك لكنهما انقلعا وبقي العود الذي كانا ملصقين عليه وفي الركن الشامي كذلك وهما باقيان وفي جهة الركن العراقي كذلك وعن يمينه الركن العراقي وفيه باب يسمى بباب الرحمة يصعد منه إلى سطح البيت المكرم وقد قام له قبو فهو متصل بأعلى سطح البيت داخله الأدراج.
وفي أوله البيت المحتوى على المقام الكريم فتجد للبيت العتيق بسب هذا القبو خمسة أركان وفي سعة صفحية قامتان وهو محتو على الركن العراقي بنصفين من كل صفح وثلثا قناة هذا القبو مكسوان سرق الحرير الملون كأنه قد لف فيه ثم وضع.
стр. 86
وهذا المقام الكريم الذي داخل هذا القبو هو مقام إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وهو حجر مغشى بالفضة وراتفاعه مقدار ثلاثة أشبار وسعته مقدار شبرين وأعلاه اوسع من اسفله فكانه وله التنزيه والمثل الأعلى كانون فخار كبير اوسطه يضيق عن اسفله وعن أعلاه عايناه وتبركنا بلمسه وتقبيله وصب لنا في أثر القدمين المباركتين ماء زمزم فشربناه نقعنا الله به وأثرهما بين وأثر الاصابع المكرمة المباركة فسبحان من ألأنه لواطئه حتى اثرت فيه ولا تأثير القدم في الرمل الوثير سبحان جاعله من الآيات البينات. ولمعاينته ومعاينة البيت الكريم هول يشعر النفوس من الذهول ويطيش الأفئدة والعقول فلا تبصر إلا لحظات خاشعة وعبرات هامعة ومدامع باكية وألسنة إلى الله ضارعة داعية.
وبين الباب الكريم والركن العراقي حوض طوله اثنا عشر شبرا وعرضه خمسة أشبار ونصف وارتفاعه نحو شبر متصل من قابلة عضادة الباب التي تلي الركن المذكور أخذا إلى جته وهو علامة موضع المقام مدة إبراهيم ﵇ إلى أن صرفه النبي ﷺ إلى الموضع الذي هو الآن مصلى وبقى الحوض المذكور مصبا لماء البيت إذا غسل وهو موضع مبارك يقال: إنه روضة من رياض الجنة والناس يزدحمون للصلاة فيه وأسفله مفروش برملة بيضاء وثيرة.
وموضع المقام الكريم هو الذي يصلى خلفه يقابل ما بين الباب الكريم والركن العراقي وهو إلى الباب أميل بكثير وعليه قبة خشب في مقدار القامة أو أزيد مركنة١ محددة بديعة النقش سعتها من ركنها ألواح د إلى الثاني أربعة أشبار وقد نصبت على الموضع الذي كان فيه المقام وحوله تكفيف٢ من حجارة نصت على حرف كالحوض المستطيل في ارتفاعه نحو شبر وطوله
стр. 87
خمس خطا وعرضه ثلاث خطا وأدخل المقام إلى الموضع الذي وصفناه في البيت الكريم احتياطا عليه بينه وبين صفح البيت الذي يقابله سبع عشرة خطوة والخطوة كلها فيها ثلاثة أشبار.
ولموضع المقام أيضا قبة مصنوعة من حديد موضوعة إلى جانب قبة زمزم فإذا كان في أشهر الحج وكثر الناس ووصل العراقيون والخراسانيون رفعت قبة الخشب ووضعت قبة الحديد لتكون أحمل للازدحام.
ومن الركن الذي فيه الحجر الأسود إلى الركن العراقي أربعة وخمسون شبرا مخففة ومن الحجرالأسود إلى الأرض ستة أشبار فالطويل يتطأمن١ إليه والقصير يتطأول إليه ومن الركن العراقي إلى الركن الشامي ثمانية وأربعون شبرا مخففة وذلك داخل الحجر وأما من خارج فمنه إليه أربعون خطوة وهي مائة وعشرون شبرا مخففة ومن خارجة يكون الطواف ومن الركن الشامي إلى الركن اليماني ما من الركن الأسود إلى العراقي لأنه الصفح الذي يقابله ومن اليماني إلى الأسود ما من العراقي إلى الشامي داخل الحجر لأنه الصفح الذي يقابله.
وموضع الطواف مفروش بحجارة مبسوطة كأنها الرخام حسنا منها سود وسمر وبيض قد ألصق بعضها إلى بعض واتسعت عن البيت بقمدار تسع خطا إلا في الجهة التي تقابل المقام فإنها امتدت إليها حتى احاطت به وسائر الحرم مع البلاطات كلها مفروش برمل أبيض وطواف النساء في آخر الحجارة المفروشة، وبين الركن العراقي وبين أول جدار الحجر مدخل إلى الحجر سعته أربع خطا وهي ست أذرع محققة كلناها باليد وهذا الموضع الذي لم يحجر٢ عليه هو الذي تركت قريش من البيت وهو ست أذرع حسبما وردت به الآثار الصحاح ويقابله عند الركن الشامي مدخل آخر على مثال تلك السعة
ويبن جدار البيت الذي تحت الميزاب والذي يقابله من جدار الحجر على خط
стр. 88
استواء يشق وسط الصحن المذكور أربعون شبرا وسعته من المدخل إلى المدخل ست عشرة خطوة وهو ثمانية وأربعون شبرا وهو يعني دور الجدار رخام كله مجزع بديع الإلصاق ... وهناك قضبان صفر مذهبة وضع منها في صفحة أشكال شطر نجية متادخلة بعضها على بعض وصفات محاريب فإذا ضربت الشمس فيها لاح لها بضيص ولالاء يخيل للناظر إليها أنها ذهب يرتمى بالأبصار شعاعه.
وفي ارتفاع جدار هذا الحجر الرخامي خمسة أشبار ونصف وسعته أربعة أشبار ونصف. وداخل الحجر بلاط واسع ينعطف عليه الحجر كأنه ثلثا دائرة وهو مفروش بالرخام المجزع المقطع في دور الكف إلى دور الدينار إلى ما فوق ذلك ثم الصق بانتظام بديع وتأليف معجز الصنعة غريب الاتقان رائق الترصيع والتجزيع رائع التركيب والرصف يبصر الناظر فيه من التعاريج والتقاطيع والخواتم والأشكال الشطرنجية وسواها على اخلاتف أنواعها صوافتها ما يقيد بصره حسنا فكأنه يجيله في أزهار مفورشة مختلفات الألوان إلى محاريب قد انعطف عليها الرخام انعطاف القسى وداخلها هذه الأشكال المصوفة والصنائع المذكورة وبإزائها رخامتان متصلتان بجدار الحجر المقابل للميزاب أحد ث لصانع فيهما من التوريق الرقيق والتشجير والتقضيب١ ما لا يحدثه الصنع اليدين٢ في الكاغد٣ قطعا بالجلمين٤ فمرآهما عجيب أمر بصنعتهما على هذه الصفة إمام المشرق أبو العباس أحد الناصر بن المستضيء بالله أبي محمدالحسن ابن المستنجد بالله ابى المظفر يوسف العباسي ﵁.
стр. 89
ويقابل الميزاب في وسط الحجر فوي نصف جداره الرخامي رخامة قد نقشت أبدع نقش وحفت بها طرة منقوشة نقشا مكحلا عجيبا فيه مكتوب مما أمر بعمله عبد الله وخليفته أبو العباس أحمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين وذلك في سنة ست وسبعين وخمسمائة. والميزاب في أعلى الصفح الذي يلي الحجرا المذكور وهو من صفر١ مذهب قد خرج إلى الحجر بمقدار أربع أذرع وسعته مقدار شبر وهذا الموضع تحت الميزاب هو أيضا مظنة استجابة٢ الدعوة بفضل الله تعالى وكذلك الركن اليماني ويسمى المستجار وما يليه وهذا الصفح المتصل به من جهة الركن الشامي.
وتحت المزياب في صحن الحجر بمقربة من جدار البيت الكريم قبر إسماعيل ﷺ وعلامته رخامة خضراء مستطيلة قليلا شكل محراب تتصل بها رخامة خضراء مستديرة وكلتاهما غريبة المنظر فيهما نكت٣ تنفتح عن لونها إلى الصفرة قليلا كأنها تجزيع وهي أشبه الأشياء بالنكت التي تبقى في البيدق٤ من حل الذهب فيه وإلى جانبه مما يلي الركن العراقي قبر أمه هاجر رضى الله عنهما وعلامته رخامة خضراء سعتها مقدار شبر ونصف يتبرك الناس بالصلاة في هذين الموضعين من الحجر وحق لهم ذلك لأنهما من البيت العتيق وقد انطبقا على جسدين مقدسين مكرمين نورهما الله ونفع ببركتهما كل من صلى عليهما وبين القبرين المقدسين سبعة أشبار.
وقبة بئر زمزم تقابل الركن الأسود ومنها إليه أربع وعشرون خطوة والمقام المذكور الذي يصلى خلفه عن يمين القبة ومن ركنها إليه عشر خطا وداخلها مفروش بالرخام الأبيض الناصع البياض وتنور٥ البئر المباركة
стр. 90
في وسطها مائل عن الوسط إلى جهة الجدار الذي يقابل البيت المكرم وعمقها إحدى عشرة قامة حسبما ذرعناه وعمق الماء سبع قامات على ما يذكر وباب القبة ناظر إلى الشرق وبابا قبة العباس وقبة إليهودية ناظران إلى الشمال.
والركن من الصفح الناظر إلى البيت العتيق من القبة المنسوبة إلى إليهودية يتصل بالركن الأيسر من الصفح الاخير الناظر إلى الشرق من القبة العباسية فبينهما هذا القد١ من الانحراف. وتلى قبة بئر زمزم من ورائها قبة الشراب وهي المنسوبة للعباس رضى الله عنه وتلى هذه القبة العباسية على انحراف عنها قبة تنسب لليهودية وهاتان القبتان مخزنان لأوقاف البيت الكريم من مصاحف وكتب وأتوار شمع وغير ذلك والقبة العباسية لم تخل من نسبتها الشرابية لأنها كانت سقاية الحاج وهي حتى الآن يبرد فيه ماء زمزم.
ويخرج مع الليل لسقي الحاج في قلال يسمونها الدوراق كل دورق منها ذو مقبض واحد. وتنور بئر زمزم من رخام قد الصق بعضه ببعض الصاقا لاتحيله الأيام وأفرغ في اثنائه الرصاص وكذلك داخل التنور وحفت به من أعمدة الرصاص الملصقة إليه ابلاغا في قوة لزه ورصه اثنان وثلاثون عمودا قد خرجت لها رؤوس قابضة على حافة البئر دائرة بالتنور كله ودوره أربعون شبرا وارتفاعه أربعة أشبار ونصف وغلظه شبر ونصف. وقد استدارت بداخل القبة سقاية سعتها شبر وعمقها نحو شبرين، وارتفاعها عن الأرض خمسة أشبار تملأ ماء للوضوء وحولها مسطبة دائرة يرتفع الناس إليها ويتوضأون عليها.
والحجر الأسود المبارك ملصق في الركن الناظر إلى جهة المشرق ولا ندري قدر ما دخل في الركن وقيل إنه داخل في الجدار بمقدار ذراعين وسعته ثلثا شبر وطوله شبر وعقد وفيه أربع قطع ملصقة ويقال: إن
стр. 91
القرمطي١ لعنه الله كان الذي كسره وقد شدت جوانبه بصفيحة فضة يلوح بصيص بياضها على بصيص سواد الحجر ورونقه الصقيل فيبصر الرائي من ذلك منظرا عجيبا هو قيد الأبصار.
وللحجر عند تقبيله لدونة ورطوبة يتنعم بها الفم حتى يود اللائم إلا يقلع فمه عنه وذلك خاصة من خواص العناية الإلهية وكفى أن النبي ﷺ قال: "وإنه يمين الله في أرضه". نفعنا الله باستلامه ومصفاحته وأوفد عليه كل شيق إليه بمنه.
وفي القطعة الصحيحية من الحجر مما يلي جانبه الذي يلي يمين المستلم له إذا وقف مستقبله نقطة بيضاء صغيرة مشرقة تلوح كأنها خال في تلك الصفحة المباركة وفي هذه الشامة البيضاء أثر: إن النظر إليها يجلو البصر. فيجب على المقبل أن يقصد بتقبيله موضع الشامة المذكورة ما استطاع.
والمسجد الحرام يطيف به ثلاثة بلاطات على ثلاث سوار من الرخام منتظمة كأنها بلاط واحد ذرعها في الطول أربعمائة ذراع وفي العرض ثلثمائة ذراع فيكون تكسيره محققا ثمانية وأربعين مرجعا٢ وما بين البلاطات فضاء كبير وكان عهد رسول الله ﷺ صغيرا وقبة زمزم خارجة عنه، وفي مقابلة الركن الشامي رأس سارية ثابتة في الأرض منها كان حد الحرم أولا وبين رأس السارية وبين الركن الشامي المذكور اثنتان وعشرون خطوة والكعبة في وسطه على استواء من الجوانب الأربعة ما بين الشرق والجنوب والشمال والغرب وعدد سواريه الرخامية التي عددتها بنفسي أربعمائة سارية وإحدى وسبعون سارية حاشى الجصية التي منها في دار الندوة وهي التي زيدت في الحرم وهي داخلة في البلاط الأخذ من الغرب إلى الشمال ويقابلها المقام مع الركن العرقي وفضاؤها متسع يدخل من
стр. 92
البلاط إليه. ويتصل بجدار هذا البلاط كله مصاطب تحت قسى حنايا يجلس فيها النساخون المقرئون وبعض أهل صنعة الخياطة.
والحرم محدق بحلقات المدرسين وأهل العلم وفي جدار البلاط الذي يقابله أيضا مصاطب تت حنايا على تلك الصفة وهو البلاط الأخذ من الجوب إلى الشرق وسائر البلاطات تحت جداراتها مصاطب دون حنايا عليها والبنيان فيها الآن على أكمل ما يكون وعند باب إبراهيم مدخل آخر من البلاط الأخذ من الغرب إلى الجنوب فيه أيضا سوا جصية ووجدت بخط أبي جعفر بن علي الفنكي القرطبي الفقيه المحدث أن عدد سواريه أربعمائة وثمانون لأني لم أحسب التي خارج باب الصفا.
وللمهدي محمد بن أبي جعفر المنصور العباسي في توسعة المسجد الحرام والتأنق في بنائه آثار كريمة وجدت في الجهة التي من الغرب إلى الشمال مكتوبا في أعلى جدار البلاط: أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين أصلحه الله بتوسعه المسجد الحرام لحاج بيت الله وعماره في سنة سبع وستين ومائة١.
وللحرم سبع صوامع: أربع في الأربعة جوانب وواحدة في دار الندوة وأخرى على باب الصفا وهي أصغرها وهي علم لباب الصفا وليس يصعداليها لضيقها وعلى باب إبراهيم صومعة قد ذركت عند باب إبراهيم فيما بعد.
وباب الصفا يقابل الركن الأسود في البلاط الذي من الجنوب إلى الشرق وفي وسط البلاط المقابل للباب ساريتان مقابلتان الركن المذكور فيهما منقوش: أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين أصلحه الله باقامة هاتين الأسطوانتين علما لطريق رسو الله ﷺ إلى الصفا ليتأسى٢ به حاج بيت الله وعماره على يدي يقطين بن موسى وإبراهيم بن صالح في سنة سبع
стр. 93
وستين ومائة.
وفي باب الكعبة المقدسة نقش بالذهب رائق الخط طويل الحروف غليظها يرتمى الأبصار برونقه وحسنه مكتوب فيه مما أمر بعمله عبد الله وخليفته الإمام أبو عبد الله محمد المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين ﷺ الأئمة آبائه الطاهرين وخلد ميراث النبوة لديه وجلعها كلمة باقية في عقبه إلى يوم الدين في سنة خمسين وخمسمائة١ في صفحتي البابين على هذا النص المذكور.
ويكتنف البابين الكريمين عضادة غليظة من الفضة المذهبة البديعة النقش تصعد إلى العتبة المباركة وتشف٢ عليها وتسدير بجانبي البابين ويعترض أيضا بين البابين عند إغلاقهما شبه العضادة الكبيرة من الفضة المذهبة هي بطول البابين متصلة بالواحد منهما الذي عن يسار الداخل إلى البيت.
وكسوة الكعبة المقدسة من الحرير الأخضر حسبما ذكرناه وهي أربع وثلاثون شقة في الصفح الذي بين الركن اليماني والشامي منها تسع وفي الصفح الذي يقابله بين الركن الأسود والعراقي تسع أيضا وفي الصفح بين العراقي والشامي ثمان وفي الصفح بين اليماني والأسود ثمان أيضا قد صولت كلها فجاءت كأنها ستر واحد يعم الأربعة جوانب. وقد أحاط بها من اسفلها تكفيف مبنى بالجص في ارتفاعه أزيد من شبر وفي سعته شبران أو أزيد قيللا في داخله خشب غير ظاهر وقد سمرت فيه أوتاد حديد في رؤوسها حلقات حديد ظاهرة قد ادخل فيه مرس من القنب غليظ مفتول. واستدار بالجوانب الأربعة بعد أن وضع في أذيال الستور شبه حجز٣ السراويلات وأدخل فيها ذلك المرس وخيط عليه بخيوط من القطن المفتلوة الوثيقة.
стр. 94
ومجتمع الستور في الأركان الأربعة مخيط إلى أزيد من قامة ثم منها إلى أعلاها تتصل بعرى من حديد تدخل بعضها في بعض. واستدار أيضا بأعلاها على جوانب السطح تكفيف ثان وقعت فيه أعالي الستور في حلقات حديد على تلك الصفة المذكورة فجاءت الكسوة المباركة مخطية الأعلى والأسفل وثيقة الإزرار لا تخلع إلا من عام إلى عام عند تجديدها فسبحان من خلد لها الشرف إلى يوم القيامة لا إله سواه.
وباب الكعبة الكريم يفتح كل يوم اثنين ويوم جمعة إلا في رجب فانه يفتح في كل يوم وفتحه أول بزوغ الشمس، يقبل سدنة البيت الشيبيون فيبادر منهم من ينقل كرسيا كبيرا شبه المنبر الواسع له تسعة أدراج مستطيلة قد وضعت له قوائم من الخشب متطأمنه مع الأرض لها أربع بكرات كبار مصفحة بالحديد لمباشرتها الأرض يجرى الكرسي عليها حتى يصل إلى البيت الكريم فيقع درجة الأعلى متصلا بالعتبة المباركة من الباب. فيصعد زعم الشيبيين إليه وهو كهل جميل الهيئة والشارة١ وبيده مفتاح القف المبارك ومعه من السدنة من يمسك في يده سترا أسود يفتخ٢ يديه به إمام الباب خلال ما يفتحه الزعيم الشيبي المذكور فإذا فتح القفل قبل العتبة ثم دخل البيت وحده وسد الباب خلفه وأقام قدر ما يركع ركعتين ثم يدخل الشيبيون ويسدون الباب أيضا ويركعون ثم يفتح الباب ويبادر الناس بالدخول
وفي أثناء محاولة فتح الباب الكريم يقف الناس مستقبلين إياه بأبصار خاشعة وأيد مبسوطة إلى الله ضارعة وإذا انفتح الباب كبر الناس وعلا ضجيجيهم ونادوا بألسنة مستهلة: اللهم افتح لنا أبواب رحمتك ومغفرتك يا أرحم الراحمين ثم دخلوا بسلام آمنين.
وفي الصفح المقابل للداخل فيه الذي هو من الركن اليماني إلى الركن الشامي،
стр. 95
خمس رخامات منتصبات طولا كأنها أبواب تنتهي إلى مقدار خمسة أشبار من الأرض وكل واحدة منها نحو القامة الثلاث منها حمر والاثنتان خصرواوان في كل واحدة منها تجزيع بياض لم ير أحسن منظرا منه كأنه فيها تنقيط فتتصل بالركن اليماني منها الحمراء ثم تليها بخمسة أشبار الخضراء والموضع الذي يقابلها متقهقرا عنها بثلاثة اذرع هو مصلى النبي ﷺ فيزدحم الناس على الصلاة فيه تبركا به. ووضعهن على هذا الترتيب وبين كل واحدة وأخرى القدر المذكور ويتصل بينهما رخام أبيض صافي اللون ناصع البياض قد أحد ث الله في اصل خلقته اشكالا غريبة مائلة إلى الزرقة مشجرة مغصنة وفي التي تليها مثل ذلك بعينه من الأشكال كأنها مقسومة فلو انطبقتا لعاد كل شكل يصافح شكله فكل واحدة شقة الأخرى لا محالة عند ما نشرت انشقت على تلك الأشكال فوضعت كل واحدة بإزاء أختها. والفاصل منها بين كل خضراء وحمراء رخامتان سعتهما خمسة أشبار لاعدادا الأشبار المذكورة والأشكال فيها تختلف هيئاتها وكل أخت منها بازاء اختها وقد شدت جوانب هذه الرخامات بتكايف غلظها قد اصبعين من الرخام المجزع من الأخضر والأحمر المنقطين والأبيض ذي الخيلان١ كأنها أنابيب مخروطة بحار الوهم فيها. فاعترضت في هذا الصفح المذكور من فرج الرخام الأبيض ست فرج.
وفي الصفح الذي عن يسار الداخل وهو من الركن الأسود إلى اليماني أربع رخامات اثنتان خضراوان واثنتان حمراوان وبينهما خمس فرج من الرخام الأبيض وكل ذلك على الصفة المذكورة.
ومن الصفح الذي عن يمين الداخل وهو من الركن الأسود إلى العراقي ثلاث اثنتان حمراوان وإحدى خضراء ويتصل بها ثلاث فرج من الرخام الأبيض وهذا الصفح هو المتصل بالركن الذي فيه باب الرحمة وسعته
стр. 96
ثلاثة أشبار وطوله سبعة وعضادته التي عن يمينك إذا استقبلته رخامة خضراء في سعة ثلثي شبر.
وفي الصفح الذي من الشامي إلى العراقي ثلاث اثنتان حمراوان واحدة خضراء ويتصل بها ثلاث فرج من الرخام الأبيض على الصفة المذكورة.
ويكلل هذا الرخام المذكور طرتان واحدة على الأخرى سعة كل واحدة منهما قدر شبرين ذهب مرسوم في اللازورد قد خط فيه خط بديع وتتصل الطرتان بالذهب المنقوش على نصف الجدار الأعلى والجهة التي عن يمين الداخل لها طرة واحدة وفي هاتين الطرتين بعض مواضع دارسة.
وفي كل ركن من الأركان الأربعة مما يلي الأرض رخامتان خضراوان صغيرتان تكتنفان الركن وتكتنف أيضا كل بابين من الفضة اللذين في كل ركن كأنهما طاقان عضادتان من الرخام الأخضر صغيرتان على قدر نقبيهما. وفي أول كل صفح من الصفحات المذكورة رخامة حمراء وفي آخره مثلها والخضراء بينهما على الترتيب المذكور إلا الصفح الذي عن يسار الداخل فأول رخامة تجدها متصلة بالركن الأسود رخامة خضراء ثم حمراء إلى كمال الترتيب الموصوف.
وبازاء المقام الكريم منبر الخطيب وهو أيضا على بكرات أربع شبه التي ذكرناها فإذا كان يوم الجمعة وقرب وقت الصلاة ضم إلى صفح الكعبة الذي يقابل المقام وهو بين الركن الأسود والعراقي فيسند المنبر إليه ثم يقبل الخطيب داخلا على باب النبي ﷺ وهو يقابل المقام في البلاد الأخذ من الشرق إلى الشمال لا بسا ثوب سواد مرسوما بذهب ومتعمما بعمامة سوداء مرسومة أيضا وعليه طيلسان شرب رقيق كل ذلك من كساء الخليفة التي يرسلها إلى خطباء بلاده يرفل فيها وعليه السكينة والوقار يتهاديى رويدا بين رايتين سوداوين يمسكهما رجلان من قومة المؤذنين وبين يديه ساعيا أحد القومة وفي يده عود مخروط احمر قد ربط في رأسه مرس
стр. 97
من الاديم المفتول رقيق طويل في طرفه عذبة صغيرة ينفضها بيده في الهواء نفضا فتأتى بصوت عال يسمع من داخل الحرم وخارجه كأنه إيذان بوصول الخطيب لا يزال في نفضها إلى أن يقرب من المنبر ويسمونها الفرقمة فإذا قرب من المنبر عرج إلى الحجر الأسود فقبله ودعا عنده ثم سعى إلى المنبر والمؤذن الزمزمي رئيس المؤذنين بالحرم الشريف ساعيا امامه لابسا ثياب السواد أيضا وعلى عاتقه السيف يمسكه بيده دون تقلد له فعند صعوده في أول درجة قلده المؤذن المذكور السيف ثم ضرب بنعلة سيفه فيها ضربة أسمع بها الحاضرين ثم في الثانية ثم في الثالثة فإذا انتهى إلى الدرجة العليا ضرب ضربة رابعة ووقف داعيا مستقبل الكعبة بدعاء خفي ثم انفتل عن يمينه وشماله وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فيرد الناس ﵇ ثم يقعد ويبادر المؤذنون بين يديه في المنبر بالأذان على لسان واحد فإذا فرغوا قام للخطبة فذكر ووعظ وخشع فأبلغ ثم جلس الجلسة الخطيبية وضرب بالسيف ضربة خامسة ثم قام للخطبة الثانية فأكثر بالصلاة على محمد ﷺ وعلى إله ورضى عن أصحابه واختص الأربعة الخلفاء بالتسمية رضى الله عن جميعهم ودعا لعمى النبي ﷺ حمزة والعباس وللحسن والحسين ووالى الترضي عن جميعهم ثم دعا لأمهات المؤنين زوجات النبي ﷺ ورضى عن فاطمة الزهراء وعن خديدة الكبرى بهذا اللفظ ثم دعا للخليفة العباسي أبي العباس أحمد الناصر ثم لأمير مكة مكثر بن عيسى بن فليتة بن قاسم بن محمد بن جعفر بن أبي هاشم الحسني ثم لصلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب ولولى عهده اخيه أبي بكر بن أيوب وعند ذكر صلاح الدين بالدعاء تخفق الألسنة بالتأمين عليه من كل مكان.
وإذا احب الله يوما عبده
...
القى عليه محبة للناس
وحق ذلك عليهم لما يبذله من جميل الاعتناء بهم وحسن النظر لهم ولما رفعه من وظائف المكوس عنهم.
стр. 98
وفي هذا التاريخ أعلمنا بأن كتابه وصل إلى الأمير مكثر وأهم فصوله التوصية بالحاج والتأكيد في مبرتهم وتأنيقهم ورفع أيدي الاعتداء عنهم والإيعاز في ذلك إلى الخدام والأتباع والأوزاع١ وقال إنه إنما نحن وأنت متقلبون في بركة الحاج فتأمل هذا المنزع الشريف والمقصد الكريم. وإحسان الله يتضاعف إلى من أحسن إلى عباده واعتناؤه الكريم موصول لمن جعل همته الاعتناء بهم والله كفيل بجزاء المحسنين إنه ولى ذلك لا رب سواه.
وفي أثناء الخطبة تركز الرايتان السوداوان في أول درجة من المنبر ويمسكهما رجلان من المؤذنين وفي جانبي باب المنبر حلقتان تلقى الرايتان فيهما مركوزتين فإذا فرغ من الصلاة خرج والرايتان عن يمينه وشماله والفرقعة أمامه على الصفة التي دخل عليها كأن ذلك أيضا إيذان بانصراف الخطيب والفراغ من الصلاة ثم اعيد المنبر إلى موضعه بإزاء المقام.
وليلة أهل هلال الشهر المذكور وهو جمادي الأولى بكر أمير مكة مكثر المذكور في صبيحتها إلى الحرم الكريم مع طلوع الشمس وقواده يحفون به والقراء يقرأون أمامه فدخل على باب النبي ﷺ ورجاله السودان الذين يعرفونهم بالحرابة يطوفون أمامه وبأيديهم الحراب. وهو في هيئة اختصار٢ عليه السكينة والوقار وسمت سلفه الكريم رضى الله عنهم لابسا ثوب بياض متقلدا سيفا مختصرا متعمما بكرزية٣ صوف بيضاء رقيقة، فلما انتهى بإزاء المقام الكريم وقف وبسط له وطاء كتان فصلى ركعتين ثم تقدم إلى الحجر الأسود فقبله وشرع في الطواف وقد علا في قبة زمزم صبي هو أخو المؤذن الزمزمي هو أول المؤذنين أذانا به
стр. 99
يقتدون وله يتبعون وقد لبس أفخر ثيابه وتعمم، فعند ما يكمل الأمير شوطا واحدا وبقرب من الحجر يندفع الصبي في أعلى القبة رافعا صوته بالدعاء ويستفتحه بصبح الله مولانا الأمير بسعادة دائمة ونعمة شاملة ويصل ذلك بتهنئة الشهر بكلام مسجوع مطبوع حفيف الدعاء والثناء ثم يختم ذلك بثلاثة أبيات أو أربعة من الشعر في مدحه ومدح سلفه الكريم وذكر سابقة النبوة رضى الله عنها ثم يسكت
فإذا أظل من الركن اليماني يريد الحجر اندفع بدعاء آخر على ذلك الأسلوب ووصله بأبيات من الشعر غير الاببيات الآخر في ذلك المعنى بعينه كانها منتزعة من قصائد مدح بها هكذا في السبعة الأشواط إلى أن يفرغ منها والقراء في أثناء طوافه أمامه فينتظم من هذه الحال والأبهة وحسن صوت ذلك الداعي على صغره لأنه ابن إحدى عشرة سنة أو نحوها وحسن الكلام الذي يورده نثرا ونظما وأصواب القراء وعلوها بكتاب الله مجموع يحرك النفوس ويشجيها ويستوكف العيون ويبكيها تذكرا لأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. فإذا فرغ من الطواف ركع عند المتلزم ركعتين ثم جاء وركع خلف المقام أيضا ثم ولى منصرفا وحلبته١ تحف به ولا يظهر في الحرم إلا لمستهل هلال آخر هكذا دائما.
والبيت العتيق مبنى بالحجارة الكبار الصم السمر قد رص بعضها على بعض والصقت بالعقد الوثيق الصاقا لا تحيله الأيام ولا تقصمه الأزمان ومن العجيب أن قطعة انصدعت من الركن اليماني فسمرت بمسامير فضة وأعيدت كأحسن ما كانت عليه والمسامير فيها ظاهرة.
ومن آيات البيت العتيق إنه قائم وسط الحرم كالبرج المشيد وله التنزيه الأعلى. وحمام الحرم لا تحصى كثرة وهي من الأمن بحيث يضرب بها المثل ولا سبيل أن تنزل بسطحه الأعلى حمامة ولا تحل فيه بوجه ولا على حال.
стр. 100
فترى الحمام تتجلل على الحرم كله فإذا قربت من البيت عرجت عنه يمينا أو شمالا والطيور سواها كذلك وقرأت في أخبار مكة إنه لا ينزل عليه طائر إلا عند مرض يصيبه فإما أن يموت لحينه أو يبرأ فسبحان من اورثه التشريف والتكريم.
ومن آياته أن بابه الكريم يفتح في الأيام المعلومة المذكورة والحرم قد غص بالخلق فيدخله الجميع ولا يضيق عنهم بقدرة الله ولا يبقى فيه موضع إلا ويصلى فيه كل أحد ويتلاقى الناس عند الخروج منه فيسأل بعضهم بعضا هل دخل البيت ذلك اليوم فكل يقول دخلت وصليت في موضع كذا وموضع كذا حيث صلى الجميع ولله الآيات البينات والبراهين المعجزات .
ومن عجائب اعتناء الله ﵎ به إنه لا يخلو من الطائفين ساعة من النهار ولا وقتا من الليل فلا تجد من يخبر إنه رآه دون طائف به فسبحان من كرمه وعظمه وخلد له التشريف إلى يوم القيامة.
في أعلى بلاطات الحرم سطح يطيف بها كلها من الجوانب الأربعة وهو مشرف كله بشرفات مبسوطة مركنة في كل جانب من الشرفة ثلاثة أركان كأنها أيضا شرفات أخر صغار والركن الأسفل منها متصل بالركن الذي يليه من الشرفة الأخرى وتحت كل صلة منها ثقب مستدير في دور الشبر منفوذ يخترقه الهواء يضرب فيه شعاع الشمس أو القمر فيلوح كأنها أقمار مستديرة يتصل ذلك بالجوانب الأربعة كلها كأن الشرفات المذكورة بنيت شقة واحدة ثم أحد ثت فيها هذه التقاطيع والتراكين فجاءت عجيبة المنظر والشكل.
وفي النصف من كل جانب من الجوانب الأربعة المذكورة شقة من الجص معترضة بين الشرفات مخرمة فرجية طولها نحو الثلاثين شبرا تقديرا يقابل كل شقة منها صفحا١ من صفحات الكعبة المقدسة قد علت على الشرفات كالتاج.
стр. 101
وللصوامع أيضا أشكال بديعة وذلك أنها ارتفعت بمقدار النصف مركنة من الأربعة جوانب بحجارة رائقة النقش عجيبة الوضع قد أحاط بها شباك من الخشب الغريب الصنعة وارتفع عن الشباك عمود في الهواء كأنه مخروط مختم١ كله بالأجر تختيما يتداخل بعضه على بعض بصنعة تستميل الأبصار حسنا وفي أعلى ذلك العمود الفحل٢ وقد استدار به أيضا شباك آخر من الخشب على تلك الصنعة بعينها وهي متميزة الأشكال كلها لا يشبه بعضها بعضا لكنها على هذا المثال المذكور من كون نصفها الأول مركنا ونصفها الأعلى عمود إلا ركن له.
وفي النصف الأعلى من قبة زمزم والقبة العباسية التي تسمى السقاية والقبة التي تليها منحرفة عنها يسيرا المنسوبة لليهودية صنعة من قرنصة٣ الخشب عجيبة قد تأنق الصانع فيها وأحدق بأعلاها شباك مشرجب٤ من الخشب رائق الحلل والتأريج٥ وداخل شباك قبة زمزم سطح وقد قام في وسطه شبه فحل الصومعة وفي ذلك السطح يؤذن المؤذن الزمزمي وقد انخرط من ذلك الفحل عمود من الجص واستقر في رأسه صحفة حديد تتخذ مشعلا في شهر رمضان المعظم.
وفي الصفح الناظر إلى البيت العتيق من القبة سلاسل فيها قناديل من زجاج معلقة توقد كل ليلة وفي الصفح الذي عن يمينه كذلك وهو الناظر إلى الشمال وفي كل جانب منها ثلاثة شراجيب مقومة كأنها أبواب قد قامت على سوار من الزجاج صغار لم ير أبدع منها صنعة منها ما هو مفتول فتل
стр. 102
السوار ولا سيما الجانب الذي يقابل الحجر الأسود من قبة زمزم فإن سواريه في نهاية من اتقان الصنعة قد أدير بكل سارية منها رءوس ثلاثة أو أربعة وتحت ما بين كل رأس ورأس واحدثت فيه صنائع من النقش عجيبة المنظر وربما فتل بعضها على الصفة السوارية.
وهذا الجانب الذي يقابل الحجر الأسود من القبة المذكورة تتصل به مصطبة من الرخام دائرة بالقبة يجلس الناس فيها معتبرين بشرف ذلك الموضع لأنه أشرف مواضع الدنيا المذكورة بشرف مواضع الآخرة لأن الحجر الأسود امامك والباب الكريم مع البيت قبالتك والمقام عن يمينك وباب الصفا عن يسارك وبئر زمزم وراء ظهرك وناهيك بهذا!
وينطبق على كل شرجب من تلك الشراجيب أعمدة حديد قدتركب بعضها على بعض كأنها شراجيب أخر. وأحد أركان شباك الخشب المحدق بالقبة العباسية يتصل بأحد أركانه شباك قبة اليهودية حتى يتماسا. فمن يكون في أعلى سطح هذه ينفتل إلى سطح الأخرى من الركنين المذكورين وداخل هذه القباب صنعة من القرنصة الجصية رائقة الحسن.
وللحرم أربعة ائمة سنية وأمام خامس لفرقة تسمى الزيدية١ وأشراف أهل هذه البلدة على مذهبهم وهم يزيدون في الأذان: حي على خير العمل" إثر قول المؤذن حي على الفلاح وهم روافض سبابون والله من وراء حسابهم وجزائهم ولا يجمعون٢مع الناس إنما يصلون ظهرا أربعا ويصلون المغرب بعد فرغ الأئمة من صلاتها.
فأول الأئمة السنية الشافعي ﵀ وإنما قدمنا ذكره لأنه المقدم من الإمام العباسي وهو أول من يصلى وصلاته خلف مقام إبراهيم ﷺ وعلى نبينا الكريم، إلا صلاة المغرب فإن الأربعة الأئمة يصلونها
стр. 103
في وقت واحد مجتمعين لضيق وقتها: يبدأ مؤذن الشافعي بالإقامة ثم يقيم مؤذنوا سائر الأئمة وربما دخل في هذه الصلاة على المصلين سهو وغفلة لاجتماع التكبير فيها من كل جهة فربما ركع المالكي بركوع الشافعي أو الحنفي أو سلم أحد هم بغير سلام إمامه. فترى كل أذن مصيخة لصوت إمامها أو صوت مؤذنه مخافة السهو ومع هذا فيحدث السهو على كثير من الناس. ثم المالكي ﵀ وهو يصلى قبالة الركن اليماني وله محراب حجر يشبه محاريب الطرق الموضوعة فيها. ثم الحنفي ﵀ وصلاته قبالة الميزاب تحت حطيم مصنوع له وهو أعظم الأئمة أبهة وأفخرهم آلة من الشمع وسواها بسبب أن الدولة الأعجمية كلها على مذهبه فالاحتفال له كثير وصلاته آخرا. ثم الحنبلي ﵀ وصلاته مع صلاة المالكي في حين واحد وموضع صلاته يقابل ما بين الحجر الأسود والركن اليماني. ويصلى الظهر والعصر قريبا من الحنفي في البلاط الأخذ من الغرب إلى الشمال والحنفي يصليهما في البلاط الأخذ من الغرب إلى الجنوب قبالة محرابه ولا حطيم له. وللشافعي بإزاء المقام حطيم حفيل.
وصفة الحطيم خشبتان موصول بينهما بأذرع شبه السلم تقابلهما خشبتان على تلك الصفة قد عقدت هذه الخشب على رجلين من الجص غير بائنة الارتفاع واعترض في أعلى الخشب خشبة مسمرة فيها قد نزلت منها خطاطيف حديد فيها قناديل معلقة من الزجاج وربما وصل بالخشبة المعترضة العليا شباك مشرجب بطول الخشبة.
وللحنفي بين الرجلين الجصيتين المنعقدتين على الخشب محراب يصلى فيه وللحنبلي حطيم معطل هو قريب من حطيم الحنفي وهو منسوب لرامشت أحد الأعاجم ذوى الثراء وكانت له في الحرم آثار كريمة من النفقات ﵀ ويقابل الحجر حطيم معطل أيضا ينسب للوزير المقدم بهذا اللفظ المجهول.
стр. 104
ويطيف بهذه المواضع كلها دائر البيت العتيق وعلى بعد منه يسيرا مشاعيل توقد في صحاف حديد فوق خشب مركوزة فيتقد الحرم الشريف كله نورا ويوضع الشمع بين أيدي الأئمة في محاريبهم والمالكي أقلهم شمعا وأضعفهم حالا لأن مذهبه في هذه البلاد غريب والجمهور على مذهب الشافعي وعليه علماء البلاد وفقهاؤها إلا الإسكندرية وأكثر أهلها مالكيون وبها الفقيه ابن عوف وهو شيخ كبير من أهل العلم بقية الأئمة المالكية.
وفي إثر كل صلاة مغرب يقف المؤذن الزمزمي في سطح قبة زمزم ولها مطلع على أدراج من عود في الجهة التي تقابل باب الصفا رافعا صوته بالدعاء للإمام العباسي أحمد الناصر لدين الله ثم للأمير مكثر ثم لصلاح الدين أمير الشام وجهات مصر كلها واليمن ذي المآثر الشهيرة والمناقب الشريفة فإذا انتهى إلى ذكره بالدعاء ارتفعت أصوات الطائفين بالتأمين بألسنة تمدها القلوب الخالصة والنياب الصادقة وتخفق الألسنة بذلك خففا يذيب القلوب خشوعا لما وهب الله لهذا السلطان العادل من الثناء الجميل وألقى عليه من محبة الناس وعاد الله شهدائه في أرضه ثم يصل ذلك بدعاء لأمراء اليمن من جهة صلاح الدين ثم لسائر المسلمين والحجاج والمسافرين وينزل هكذا دأبه دائما أبدا.
وفي القبة العباسية المذكورة خزانة تحتوي على تابوت مبسوط متسع وفيه مصحف أحد الخلفاء الأربعة١ أصحاب رسول الله ﷺ وبخط زيد بن ثابت رضى الله عنه منتسخ سنة ثماني عشرة من وفاة رسول الله ﷺ وينقص منه ورقات كثيرة وهو بين دفتي عود مجلد يمغاليق من صفر كبير الورقات واسعها عايناه وتركنا بتقبيله ومسح الخدود فيه نفع الله بالنية في ذلك.
وأعلمنا صاحب القبة المتولى لعرضه علينا: أن أهل مكة متى أصابهم قحط أو نالتهم شدة في أسعارهم أخرجوا المصحف المذكور وفتحوا باب البيت الكريم
стр. 105
ووضعوه في العتبة المباركة مع المقام الكريم مقام الخليل إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وسلم واجتمع الناس كاشفين رءوسهم داعين متضرعين وبالمصحف الكريم والمقام العظيم إلى الله متوسلين فلا ينفصلون عن مقامهم ذلك إلا ورحمة الله عن وجل قد تداركتهم والله لطيف بعباده لا إله سواه.
وبإزاء الحرم الشريف ديار كثيرة لها أبوباب يخرج منها إليه. وناهيك بهذا الجوار الكريم كدار زبيدة ودار القاضي ودار تعرف بالعجلة وسواها من الديار وحول الحرم أيضا ديار كثيرة تطيف به ذات مناظر وسطوح يخرج منها إلى سطح الحرم فيبيت أهلها فيه ويبردون ماءهم في أعالي شرفاته فهم من النظر إلى البيت العتيق دائما في عبادة متصلة الله يهنهم ما خصهم به من مجاورة بيته الحرام بمنه وكرمه.
وألفيت بخط الفقيه الزاهد الورع أبي جعفر الفتكي القرطبي: أن ذرع المسجد الحرام في الطول والعرض ما أثبته أولا وطول مسجد رسول الله ﷺ ثلاثمائة ذراع وعرضه مائتان وعدد سواريه ثلاثمائة ومباراته ثلاث فيكون تكسيره أربعة وعشرين مرجعا١ من المراجع المغربية وهي خمسون ذراعا في مثلها، وطول مسجد بيت المقدس أعاده الله للإسلام سبعمائه وثمانون ذراعا وعرضه أربعمائة وخمسون ذراعا وسواريه أربعمائة وأربع عشرة سارية وقناديله خمسمائة وأبوابه خمسون بابا فيكون تكسيره من المراجع المذكورة مائة مرجع وأربعين مرجعا وخمسى مرجع.
стр. 106
ذكر أبواب الحرم الشريف قدسه الله
للحرم تسعة عشر بابا أكثرها مفتح على أبواب كثيرة حسبما يأتي ذكره إن شاء الله.
باب الصفا: يفتح على خمسة أبواب وكان يسمى قديما بباب بنى مخزوم.
باب الخلقيين: ويسمى باب جياد الأصغر مفتح على بابين وهو محدث.
باب العباس، ﵁ وهو يفتح على ثلاثة أبواب.
باب علي، رضى الله عنه: مفتح على ثلاثة أبواب.
باب النبي، ﷺ : يفتح على بابين.
باب صغير أيضا بإزاء باب بني شيبة المذكور: لا اسم له.
باب بني شيبة: وهو يفتح على ثلاثة أبواب وهو باب بنى عبد شمس، ومنه كان دخول الخلفاء.
باب دار الندوة: ثلاثة١ البابان من دار الندوة منتظمان، والثالث في الركن الغربي من الدار.
فيكون عدد أبواب الحرم بهذا الباب المنفرد عشرين بابا.
باب صغير بإزاء باب بنى شيبة شبه خوخة الأبواب٢: لا اسم له وقيل: إنه يسمى باب الرباط لأنه يدخل منه لرباط الصوفية.
باب صغير لدار العجلة: محدث.
باب السدة: واحد.
باب العمرة: واحد.
стр. 107
باب حزورة: على بابين.
باب إبراهيم، ﷺ : واحد.
باب ينسب لحزورة أيضا: على بابين.
باب جياد الأكبر: على بابين.
باب جياد الأكبر أيضا: على بابين.
باب ينسب لجياد أيضا: على بابين. ومنهم من ينسب الباين من هذه الأبواب الأربعة الجيادية إلى الدقاقين والروايات فيها تختلف لكنا اجتهدا في إثبات الأقرب من أسمائها إلى الصحة والله المتسعان لا رب سواه.
وباب إبراهيم ﷺ هو في زاوية كبيرة متسعة فيها دار المكناس الفقيه الذي كان إمام المالكية في الحرم ﵀ وفيها أيضا غرفة هي خزانة للكتب المحبسة على المالكية في الحرم. والزاوية المذكورة متصلة بالبلاط الأخذ من الغرب إلى الجنوب وخارجة عنه. وبإزاء الباب المذكور عن يمين الداخل عليه صومعة على غير أشكال الصوامع المذكورة فيها تخاريم في الجص مستطيلة الشكل كأنها محاريب قد حفت قرنصة غريبة الصنعة وعلى الباب قبة عظيمة بائنة العلو يقترب من الصومعة ارتفاعها قد ضمن داخلها غرائب من الصنعة الجصية والتخاريم القرنصية يعجز عنها الوصف وظاهرها أيضا تقاطيع في الجص كأنها أرجل مدورة قدتركبت دائرة على دائرة وفحل الصومعة١ المذكورة على ارجل من الجص مفتح ما بين كل رجل ورجل وخارج باب إبراهيم بئر تنسب إليه ﵇.
وإنما بدئ بباب الصفا لأنه أكبر الأبواب وهو الذي يخرج عليه إلى السعي وكل وافد إلى مكة شرفها الله يدخلها بعمرة فيستحب له الدخول على باب بني شيبة ثم يطوف سبعا ويخرج على باب الصفا ويجعل طريقه بين
стр. 108
الاسطوانتين اللتين أمر المهدي ﵀ بإقامتهما علما لطريق رسول الله ﷺ إلى الصفا حسبما تقدم ذكره وبين الركن اليماني وبينهما ست وأربعون خطوة ومنهما إلى باب الصفا ثلاثون خطوة ومن باب الصفا إلى الصفا ست وسبعون خطوة. وللصفا أربعة عشر درجا وهو على ثلاثة أقواس مشرقة والدرجة العليا متسعة كأنها مصطبة وقد أحد قت به الديار وفي سعته سبع عشرة خطوة.
وبين الصفا والميل الأخضر ما يأتي ذكره. والميل سارية خضراء وهي خضرة صباغية وهي التي إلى ركن الصومعة التي على الركن الشرقي من الحرم على قارعة المسيل إلى المروة وعن يسار الساعي إليها. ومنها يرمل١ في السعي إلى الميلين الاخضرين وهما أيضا ساريتان خضراوان على الصفة المذكورة ألواح دى منهما بإزاء باب علي في جدار الحرم وعن يسار الخارج من الباب والميل الآخر يقابله في جدار دار تتصل بدار الأمير مكثر وعلى كل واحدة منهما لوح قد وضع على رأس السارية كالتاج الفيت فيه منقوشا برسم مذهب ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ... الآية٢ وبعدها أمر بعمارة هذا الميل عبد الله وخليفته أبو محمد المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين أعز الله نصره في سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة٣. وبين الصفا والميل الأول ثلاث وتسعون خطوة ومن الميل إلى الميلين خمس وسبعون خطوة وهي مسافة الرمل جائيا وذاهبا من الميل إلى الميلين ثم من الميلين إلى الميل ومن الميلين إلى المروة ثلثمائة وخمس وعشرون خطوة فجميع خطا الساعي من الصفا إلى المروة أربعمائة خطوة وثلاث وتسعون خطوة.
وأدراج المروة خمسة وهي بقوس واحد كبير وسعتها سعة الصفا سبع
стр. 109
عشرة خطوة.
وما بين الصفا والمروة مسيل هو اليوم سوق حفيله بجيمع الفواكه وغيرها من الحبوب وسائر المبيعات الطعامية والساعون لا يكادون يخلصون من كثرة الزحام وحوانيت الباعة يمينا وشمالا وما للبلدة سوق منتظمة سواها إلا البزازين والعطارين فهم عند باب بني شيبة تحت السوق المذكورة وبمقربة تكادتتصل بها.
وعلى الحرم الشريف جبل أبي قبيس وهو في الجهة الشرقية يقابل ركن الحجر الأسود وفي أعلاه رباط مبارك فيه مسجد وعليه سطح مشرف على البلدة الطيبة ومنه يظهر حسنها وحسن الحرم واتساعه وجمال الكعبة المقدسة القائمة وسطه. وقرأت في أخبار مكة لأبي الوليد الأزرقي إنه أول جبل خلقه الله وفيه استودع الحجر زمن الطوفان وكانت قريش تسميه الأمين لأنه أرى الحجر إلى إبراهيم ﷺ وفيه قبر آدم صلوات الله عليه وهو أحد أخشبي مكة١ والاخشب الثاني الجبل المتصل بقعيقعان في الجهة الغربية. صعدنا إلى جبل أبي قبيس المذكور وصلينا في المسجد المبارك وفيه موضع موقف النبي ﷺ عند انشقاق القمر له بقدرة الله وناهيك بهذه الفضيلة والبركة والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء حتى الجمادات من مخلوقاته لا إله سواه.
وفي أعلاه آثار بناء جص مشيد كان اتخذه معقلا أمير البلد عيسى أبو مكثر المذكور فهدمه عليه أمير الحج العراقي لمخالفة صدرت عنه فغادره خرابا.
وألفيت منقوشا على سارية خارج باب الصفا تقابل السارية ألواح دى من اللتين أقيمتا علما لطريق النبي ﷺ إلى الصفا داخل الحرم المتقدمتي الذكر: أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين أصلحه الله
стр. 110
تعالى بتوسعه المسجدالحرام مما يلي باب الصفا لتكون الكعبة في وسط المسجد في سنة سبع وستين ومائة فدل ذلك المكتوب على أن الكعبة المقدسة في وسط المسجد وكان يظن بها الانحراف إلى جهة باب الصفا فاختبرنا جوانبها المباركة بالكيل فوجدنا الأمر صحيحا حسبما تضمه رسم السارية.
وتحت ذلك النقش في أسفل السارية منقوش أيضا: أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين أصلحه الله بتوسعة الباب الأوسط الذي بين هاتين الأسطوانتين وهو طريق رسول الله ﷺ إلى الصفا.
وفي أعلى السارية التي تليها منقوش أيضا: أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤنين أصلحه الله بصرف الوادي إلى مجراه على عهد أبيه إبراهيم ﷺ وتوسعته بالرحاب التي حول المسجدالحرام لحاج بيت الله وعماره وتحتها أيضا منقوش ما تحت الأول من ذكر توسعة الباب الأوسط، والوادي المذكور هو الوادي المنسوب لإبراهيم ﷺ ومجراه على باب الصفا المذكور وكان السيل قد خالف مجراه فكان يأتي على المسيل بين الصفا والمروة ويدخل الحرم فكان مدة مده بالامطار يطاف حول الكعبة سبحا فأمر المهدي ﵀ برفع موضع في أعلى البلد يسمى رأس الردم فمتى جاء السيل عرج عن ذلك الردم إلى مجراه واستمر على باب إبراهيم إلى الموضع الذي يسمى المسفلة ويخرج عن البلد ولا يجرى الماء فيه إلا عند نزول ديم المطر الكثير وهو الوادي الذي عنى ﷺ بقوله حيث حكى الله ﵎ عنه: " ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ "١ فسبحان من أبقى له الآيات البينات.