كذا في الزوائد"١.
القول الخامس: من نفى الرؤية مطلقا
وقال بهذا القول: الدارمي، وابن عطية، وأبو حيان.
قول الإمام الدارمي (٢٨٠ هـ)
قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي - في رده على بشر الريسي -:"ويلك، إن تأويل هذا الحديث٢ على غير ما ذهبت إليه لما أن رسول الله ﷺ قال في حديث أبي ذر: إنه لم ير ربه، وقال رسول الله ﷺ : "لن تروا ربكم حتى تموتوا" وقالت عائشة ﵂: "من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية" وأجمع المسلمون على ذلك مع قول الله ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ يعنون أبصار أهل الدنيا، وإنما هذه الرؤية كانت في المنام، وفي المنام يمكن رؤية الله على كل حال، وفي كل صورة"٣.
قول ابن عطية (٥٤٦ هـ)
ذهب ابن عطية في تفسيره إلى ترجيح مذهب عائشة ﵂ ومن معها في أنه ﷺ لم ير ربَّه، ونسبه إلى الجمهور٤.
قول أبي حيان الأندلسي (٧٥٦ هـ)
كما ذهب أبو حيان إلى ترجيح مذهب عائشة ومن معها٥.
стр. 37
القول السادس: من توقف في المسألة.
قول القاضي عياض (٥٤٤ هـ)
قال القاضي عياض: "ووقف بعض مشايخنا في هذا، وقال: ليس عليه دليل واضح، ولكنه جائز أن يكون.
قال القاضي أبو الفضل: الحق الذي لاامتراء فيه أن رؤيته تعالى في الدنيا جائزة عقلاً، وليس في العقل ما يحيلها"١.
وقال أيضا: "وأما وجوبه لنبينا ﷺ والقول بأنه رآه بعينه، فليس فيه قاطع أيضا، ولا نص، إذ المعول فيه على آية النجم والتنازع فيهما مأثور والاحتمال لهما ممكن ولا أثر قاطع متواتر عن النبي ﷺ بذلك.
وحديث ابن عباس خبر عن اعتقاده لم يسنده إلى النبي ﷺ فيجب العلم باعتقاد مضمنه.
ومثله حديث أبي ذر في تفسير الآية، وحديث معاذ محتمل للتأويل، وهو مضطرب الإسناد والمتن.
وحديث أبي ذر الآخر محتمل مشكل فروي: "نور أنى أراه" وحكى بعض شيوخنا أنه روي: "نَورَاني أراه".
وفي حديثه الآخر: سألته فقال: "رأيت نورا" وليس ممكن الاحتجاج بواحد منها على صحة الرؤية فإن كان الصحيح رأيت نورا فهو قد أخبر أنه لم ير الله، وإنما رأى نورا منعه وحجبه عن رؤية الله.
وإلى هذا يرجع قوله: "نور أنى أراه" أي كيف أراه مع حجاب النور
стр. 38
المغشي للبصر، وهذا مثل ما في الحديث الآخر: "حجابه النور" وفي الحديث الآخر: "لم أره بعيني ولكن رأيته بقلبي مرتين" وتلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ والله قادر على خلق الإدراك الذي في البصر في القلب، أو كيف شاء لا إله غيره.
فإن ورد حديث نص بين في الباب وجب المصير إليه، إذ لا استحالة فيه، ولا مانع قطعي يرده والله الموفق" ١.
قول أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي (٦٥٦هـ)
قال ﵀: "وذهبت طائفة من المشايخ إلى الوقف، وقالوا: ليس عليه قاطع نفيًا ولا إثباتًا، ولكنه جائز عقلاً وهذا هو الصحيح".
وقال في موضع آخر: " ... ثم هل وقعت رؤية الله -تعالى- لمحمد ﷺ ليلة الإسراء أو لم تقع؟ ليس في ذلك دليل قاطع، وغاية ما للمستدل على نفي ذلك أو إثباته التمسك بظواهر متعارضة معرّضة للتأويل، والمسألة ليست من باب العمليات فيكتفى فيها بالظنون، وإنما هي من باب المعتقدات ولا مدخل للظنون فيها"٢.
قول الذهبي (٧٤٨ هـ)
قال ﵀: "والذي دلَّ عليه الدليل عدم الرؤية مع إمكانها، فنقف عن هذه المسألة، فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، فإثبات ذلك أو نفيه صعب، والوقوف سبيل السلامة والله أعلم، ولا نعنف من أثبت الرؤية
стр. 39
لنبينا في الدنيا، ولا من نفاها، بل نقول الله ورسوله أعلم، بل نعنف ونبدع من أنكر الرؤية في الآخرة؛ إذ رؤية الله في الآخرة ثبتت بنصوص متوافرة.. "١.
ولكن ورد في كتابه العرش ما يناقض ذلك حيث صرح بإثبات الرؤية فقال: "وأكثر الصحابة على أنه ﷺ رأى ربه....قلت: لأنه رآه في عالم البقاء حين خرج من عالم الفناء، وارتقى فوق السموات السبع فهذا الحديث أيضًا دال على أنه فوق السموات وفوق جميع المخلوقات، ولولا ذلك لكان معراج النبي ﷺ إلى فوق السماء السابعة إلى السدرة المنتهى، ودنو الجبار منه، وتدليه بلا كيف حتى كان من النبي ﷺ قاب قوسين أو أدنى، وأنه رآه تلك الليلة، وأن جبريل علا به حتى أتى به إلى الله تعالى"٢.
стр. 40
المطلب الرابع: وقفات في مسألة رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج .
بعد استعرض الأقوال الواردة في المسألة يمكن استخلاص الوقفات التالية:
الوقفة الأولى: بالنظر إلى الآيات القرآنية التي استدل بها كل فريق فإنها لا تدل دلالة صريحة على إثبات الرؤية ولاعلى نفيها.
فنفاة الرؤية استدلوا بقوله تعالى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَار﴾ وقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فعائشة ﵂ استدلت بهاتين الآيتين فقالت: "من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله، والله يقول ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ والله يقول ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ". وقد أجاب ابن عباس على الاستدلال بقوله ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ لما سئل عنها بقوله: "ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره".
قال ابن خزيمة: "لم تحك عائشة عن النبي ﷺ أنه خبرها أنه لم ير ربه ، وإنما تلت قوله ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ وقوله ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً....﴾ تدبر الآيتين ووفق لإدراك الصواب علم أنه ليس في واحدة من الآيتين ما يستحق من قال: أن محمدًا رأى ربه الرمي بالفرية على الله كيف بأن يقول "قد أعظم الفرية على الله؟ "".
لأن قوله ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ قد يحتمل معنين على مذهب من يثبت رؤية النبي ﷺ خالقه ، قد يحتمل بأن يكون معنى قوله ﴿لا تُدْرِكُهُ
стр. 41
الأَبْصَارُ﴾ على ما قال ترجمان القرآن لمولاه عكرمة: ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء.
والمعنى الثاني، أي: لا تدركه الأبصار أبصار الناس لأن الأعم والأظهر من لغة العرب أن الأبصار إنما يقع على أبصار جماعة، لا أحسب عربيا يجيء من طريق اللغة يقول لبصر امرئ واحد أبصار، وإنما يقال لبصر امرئ واحد بصر، ولا سمعنا عربيا يقول لعين امرئ واحد بصرين فكيف أبصار.
ولو قلنا: إن الأبصار ترى ربنا في الدنيا لكنا قد قلنا الباطل والبهتان، فأما من قال: إن النبي ﷺ قد رأى ربه دون سائر الخلق فلم يقل: إن الأبصار قد رأت ربها في الدنيا فكيف يكون يا ذوي الحجى من يثبت أن النبي ﷺ قد رأى ربه دون سائر الخلق مثبتا أن الأبصار قد رأت ربها فتفهموا يا ذوي الحجى هذه النكتة تعلموا أن ابن عباس ﵄ وأبو ذر وأنس بن مالك ومن وافقهم لم يعظموا الفرية على الله، ولا خالفوا حرفا من كتاب الله في هذه المسألة.
فأما ذكرها ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ .....﴾ فلم يقل أبو ذر وابن عباس ﵄ وأنس بن مالك ولا واحد منهم ولا أحد ممن يثبت رؤية النبي ﷺ خالقه أن الله كلمه في ذلك الوقت الذي كان يرى ربه فيه، فيلزم أن يقال: قد خالفتم هذه الآية. ومن قال إن النبي ﷺ قد رأى ربه لم يخالف قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ ....﴾ وإنما يكون مخالفا لهذه الآية من يقول رأى النبي ﷺ ربه فكلمه الله في ذلك الوقت"١.
стр. 42
وأما الآيات التي استدل بها على إثبات الرؤية فهي:
قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم ١١-١٤] .
وقوله تعالى ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم ١٨] .
فهذه الآيات كما ذكر أهل العلم لاتدل دلالة صريحة على إثبات رؤية النبي ﷺ لربه وإليك أقوالهم:
قال الإمام ابن خزيمة عن الاستدلال بقوله تعالى ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ : "وليس هذا التأويل الذي تأولوه لهذه الآية بالبيِّن، وفيه نظر؛ لأن الله إنما أخبر في هذه الآية أنه رأى من أيات ربه الكبرى. ولم يُعلم الله في هذه الآية أنه رأى ربه - جل وعلا - وآيات ربنا ليس هو ربنا - جل وعلا - فتفهموا لا تغالطوا في تأويل هذه الآية"١.
قال القاضي عياض: "وأما وجوبه لنبينا ﷺ والقول: إنه رآه بعينه، فليس فيه قاطع أيضًا ولا نص، إذ المعول على آية النجم والتنازع فيهما مأثور والاحتمال لهما ممكن"٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك"٣.
وقال أيضًا: "وقد قال تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء ١] ، ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.
стр. 43
وكذلك قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم ١٢] ، ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم ١٨] ، ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.
وفي الصحيحين عن ابن عباس في قوله ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء ٦٠] ، قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به، وهذه رؤيا الآيات لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدقه قوم وكذبه قوم، ولم يخبرهم أنه رأى ربه بعينه، وليس في شئ من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه"١.
وقال ابن القيم "وأما قول ابن عباس أنه رآه بفؤاده مرتين، فإن كان استناده إلى قوله تعالى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ثم قال ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ والظاهر أنه مستنده، فقد صح عنه ﷺ أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين في صورته التي خلق عليها٢"٣.
وقال أيضًا: "والمقصود أن المخبر عنه بالرؤية في سورة النجم هو جبريل، وأما قول ابن عباس: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين" فالظاهر أن مستنده هذه الآية، وقد تبين أن المرئي فيها جبريل فلا دلالة فيها على ما قاله ابن عباس"٤.
وقال شارح الطحاوية: "وقوله ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم ١١] ، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم ١٣] صح عن النبي ﷺ أن هذا المرئي
стр. 44
جبريل رآه مرتين على صورته التي خلق عليها"١.
وقال ابن كثير: "وهذا الذي قلناه من أن هذا المقترب الداني صار بينه وبين محمد ﷺ إنما هو جبريل ﵇ هو قول أم المؤمنين عائشة، وابن مسعود، وأبي ذر، وأبي هريرة، كما سنورد أحاديثهم قريبًا إن شاء الله.
وروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أنه قال: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين"، فجعل هذه إحداهما. وجاء في حديث شريك بن أبي نمر عن أنس في حديث الإسراء "ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى" ٢، ولهذا تكلم كثير من الناس في متن هذه الرواية، وذكروا أشياء فيها من الغرابة، فإن صح فهو محمول على وقت آخر، وقصة أخرى، لا أنها تفسير لهذه الآية، فإن هذه كانت ورسول الله ﷺ في الأرض لا ليلة الإسراء، ولهذا قال بعده ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ ، فهذه هي ليلة الإسراء، والأولى كانت في الأرض"٣.
الوقفة الثانية: وبالنسبة للسنة ليس هناك دليل صريح قاطع -أيضًا- لأحد الفريقين.
стр. 45
قال ابن خزيمة: "لم تحك عائشة عن النبي ﷺ أنه أخبرها أنه لم ير ربه "١.
قال القاضي عياض: "ولا أثر قاطع متواتر عن النبي ﷺ بذلك"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولم ترو عائشة ﵂ في ذلك عن النبي ﷺ شيئًا، ولا سألته عن ذلك. ولا نُقل في ذلك عن الصديق ﵁، كما يروونه ناس من الجهال: "أن أباها سأل النبي ﷺ فقال: نعم، وقال لعائشة: لا" فهذا الحديث كذب باتفاق العلماء"٣.
قال النووي: "ثم عائشة ﵂ لم تنف الرؤية بحديث عن رسول ﷺ ولو كان معها حديث لذكرته، وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات"٤.
وقال السيوطي: "ولم تعتمد عائشة في نفي الرؤية على حديث رسول الله ﷺ ، وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات"٥.
ومع كون الأدلة من السنة لا تنص على نفي الرؤية مطلقًا إلا أنها تنفي الرؤية البصرية.
قال ابن أبي العز: "لكن لم يرد نص بأنه ﷺ رأى ربَّه بعين رأسه، بل ورد ما يدل على نفي الرؤية، وهو ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي ذر - رضي الله
стр. 46
عنه - قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ فقال: "نور أنى أراه" وفي رواية "رأيت نوراً"، وقد روى مسلم – أيضًا - عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور - وفي رواية - النار، لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" ١، فيكون - والله أعلم - معنى قوله لأبي ذر: "رأيت نوراً" أنه رأى الحجاب، أي: فكيف أراه والنور حجاب بيني وبينه يمنعني من رؤيته، فهذا صريح في نفي الرؤية والله أعلم.
وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك"٢.
الوقفة الثالثة: إن قول ابن عباس لا يمكن أن يقال من قبيل الاجتهاد.
قال ابن خزيمة: "..فقد ثبت عن ابن عباس إثباته أن النبي ﷺ قد رأى ربه وبيقين يعلم كل عالم أن هذا من الجنس الذي لا يدرك بالعقول والأراء والجنان والظنون، ولا يدرك مثل هذا العلم إلا من طريق النبوة إما بكتاب أو بقول نبي مصطفى، ولا أظن أحدا من أهل العلم يتوهم أن ابن عباس قال رأى النبي ﷺ ربه برأي وظن، لا ولا أبو ذر، لا ولا أنس بن مالك، نقول كما قال معمر بن راشد لما ذكر اختلاف عائشة ﵂ وابن عباس ﵄ في هذه المسألة: "ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس"
стр. 47
نقول عائشة الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله عالمة فقيهة كذلك ابن عباس ﵄ ابن عم النبي ﷺ قد دعا له النبي ﷺ له أن يرزق الحكمة والعلم وهذا المعنى من الدعاء وهو المسمى بترجمان القرآن، ومن كان الفاروق ﵁ يسأله عن بعض معاني القرآن فيقبل منه"١.
قال القاضي أبو يعلى: "وما رويناه عن ابن عباس أولى مما روي عن عائشة.... ولا يجوز أن يثبت ابن عباس ذلك إلا عن توقيف؛ إذ لا مجال للقياس في ذلك"٢.
وقال النووي: "وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله ﷺ هذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه"٣.
وقال السيوطي: "وإثبات هذا لا يكون إلا بالسماع"٤.
الوقفة الرابعة: المثبت مقدم على النافي.
مع عدم وجود النص القاطع من الكتاب أو السنة، ومع ثبوت الرواية عن ابن عباس وأن ذلك لا يمكن اعتباره من باب الاجتهاد منه، فإن بعض من رجح قول ابن عباس احتج لقوله: بأن ابن عباس مثبت، وعائشة تنفي، والقاعدة تقول في مثل هذا الحال: قول المثبت مقدم على قول النافي وممن احتج بذلك:
ابن خزيمة حيث قال: "وقال أبو ذر وابن عباس ﵄ قد رأى النبي ﷺ ربه، وقد أعلمت في مواضع في كتبنا
стр. 48
أن النفي لا يوجب علما، والإثبات هو الذي يوجب العلم"١.
وقال القاضي أبو يعلى: "وما رويناه عن ابن عباس أولى مما روي عن عائشة. لأنه مثبت والمثبت مقدم على النافي"٢
وقال البيجوري في شرحه على جوهرة التوحيد: "وقد نفت السيدة عائشة ﵂ وقوعها له ﷺ لكن قدم عليها ابن عباس؛ لأنه مثبت والقاعدة: أن المثبت مقدم على النافي"٣.
قال الصاوي في حاشيته على تفسير الجلالين: " ... واختلف في تلك الرؤية، فقيل رآه بعينه حقيقة، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين منهم ابن عباس، وأنس بن مالك، والحسن، وغيرهم ... وقيل: لم يره بعينه، وهو قول عائشة ﵂، والصحيح الأول، لأن المثبت مقدم على النافي"٤.
الوقفة الخامسة: الجمع مقدم في حال التعارض.
في حال وجود الخلاف فإن الجمع أولى من الترجيح في حال التعارض إذا كان ممكنًا، وهذا ما دعى بعض العلماء إلى حمل نفي عائشة على الرؤية البصرية، وإثبات ابن عباس على الرؤية القلبية، وبهذا يزول التعارض بين القولين. وممن أخذ بهذا الجمع شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وابن أبي العز، وابن كثير، وابن حجر، والسفاريني، والشنقيطي وغيرهم، وقد تقدم ذكر أقوالهم.
стр. 49
الوقفة السادسة: المقصود بالرؤية القلبية.
وضح القائلون بالرؤية القلبية المقصود بذلك، ومن أقوالهم في معنى الرؤية القلبية:
ما قاله القرطبي - صاحب التفسير - في تفسير قوله تعالى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ : "أي: لم يكذب قلب محمد ﷺ ليلة المعراج، وذلك أن - الله تعالى - جعل بصره في فؤاده حتى رأى - ربه تعالى - وجعل الله تلك رؤية"١.
وقال أبو العباس القرطبي ﵀ في المفهم: "وقول ابن عباس: أنه ﵇ رآه بفؤاده مرتين. الفؤاد القلب ولا يريد بالرؤية – هنا - العلم، فإنه ﵊ كان عالماً بالله على الدوام، وإنما أراد أن الرؤية التي تخلق في العين خلقت للنبي ﷺ في القلب، وهذا على ما يقوله أئمتنا: إن الرؤية لا يشترط لها محل مخصوص عقلاً، بل يجوز أن يخلق في أي محل كان، وإنما العادة جارية بخلقها في العين"٢.
وقال أبو المظفر السمعاني في تفسيره: "وقد ثبت عن ابن عباس أنه قال: رأى محمد ربه بفؤاده، فإن قال قائل: المؤمنون يرونه بفؤادهم، وليس ذلك إلا العلم به فما معنى تخصيص النبي ﷺ .
والجواب أنهم قالوا: إن الله - تعالى - خلق رؤية لفؤاده فرأى بفؤاده مثل ما يرى الإنسان بعينه"٣.
وقال ابن حجر ﵀: "ثم المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب، لا مجرد
стр. 50
حصول العلم؛ لأنه ﷺ كان عالما بالله على الدوام، بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خلقت في قلبه، كما يخلق الرؤية بالعين لغيره والرؤية لا يشترط لها شيء مخصوص عقلا ولو جرت العادة خلقها في العين"١.
стр. 51
المبحث الثاني: رؤية النبي ﷺ لربه في المنام
المطلب الأول: الأحاديث الواردة في المسألة
...
المطلب الأول: الأحاديث الواردة في المسألة.
الاعتماد في هذه المسألة على بعض الأحاديث من بينها:
١- الحديث الأول.
عن معاذ بن جبل ﵁ قال: "احتبس عنا رسول الله ﷺ ذات غداة في صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى قرن الشمس، فخرج رسول الله ﷺ سريعا فثوّب١ بالصلاة، وصلى وتجوّز٢ في صلاته فلما سلم قال: "كما أنتم على مصافكم، ثم أقبل إلينا فقال: إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت٣ فإذا أنا بربي في أحسن صورة. فقال: يا محمد أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ ٤. قلت: لا أدري رب. قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري ر. قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب. فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله في صدري، وتجلى لي كل شيء وعرفت. فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت: في الكفارات والدرجات. قال وما الكفارات؟ قلت نقل الأقدام إلى الجمعات، والجلوس في المساجد
стр. 52
بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء على الكريهات.
قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام. قال: سل. قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك. وقال رسول الله ﷺ : إنها حق فادرسوها وتعلموها".
هذا الحديث جاء عن جمع من الصحابة ﵃ من عدة طرق إليك تفصيلها:
الأول: عن عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل ﵁ مرفوعا..
أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/٢٤٣. والترمذي في السنن ٥/٣٦٨ كتاب التفسير باب ومن سورة (ص) رقم ٣٢٣٥ وقال: "هذا حديث حسن صحيح سألت محمد بن إسماعيل - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح".وابن خزيمة في التوحيد ٢/٥٤٠ رقم ٣٢٠ وقال عن هذه الرواية: أنها "أشبه بالصواب". والحاكم في المستدرك ١/٥٢١. والطبراني في المعجم الكبير ٢٠/١٠٩. والدارقطني في الرؤية ص ١٦٧ رقم ٢٥٣ وص ١٧٠ رقم ٢٥٩. وأورد هذا الحديث بمختلف طرقه في كتابه العلل (٦/٥٤-٥٧ رقم ٩٧٣) وتكلم عليها بكلام طويل ثم حكم عليها في نهاية كلامه بقوله: "ليس فيها صحيح، وكلها مضطربة". والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات ١/١٢٥. وابن عدي في الكامل ٦/٢٣٤٤
стр. 53
والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص ٥٥-٥٦ رقم ٧٤-٧٥.
وحديث معاذ هذا صححه الإمام أحمد كما في الكامل لابن عدي ٦/٢٣٤٤ وتهذيب التهذيب٦/٢٠٥.
الثاني: عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي مرفوعا.
أخرجه الدارمي في السنن ٢/١٢٦ كتاب الرؤية باب في رؤية النبي ﷺ الرب تعالى في النوم. وابن خزيمة في التوحيد ٢/٥٣٤ رقم ٣١٨. وابن أبي عاصم في السنة ١/١٦٩ رقم ٣٨٨ وفي ١/٢٠٤ رقم ٤٦٧-٤٦٨ وقال الألباني: "حديث صحيح". والآجري في الشريعة ٣/١٥٤٩-١٥٥١ رقم ١٠٤١. والحاكم في المستدرك ١/٥٢٠ وصححه ووافقه الذهبي. واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/٥١٤ رقم ٩٠١-٩٠٢ مختصرا. والدراقطني في الرؤية ص ١٧٠ رقم ٢٦٠. والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص ٥٧ رقم ٧٧ وص ٥٨ رقم ٨٠-٨١. والبغوي في تفسيره ٧/١٠١ وفي شرح السنة ٤/٣٥-٣٦ رقم ٩٢٤. وابن الجوزي في العلل المتناهية ١/١٧. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/١٧٦-١٧٧ وقال رجاله ثقات.
وانظر الكلام حول أسانيد هذا الطريق في الميزان ٢/٥٧١ والإصابة ٢/٤٠٥ وتهذيب التهذيب ٦/٢٠٤.
الثالث: عبد الرحمن بن عائش عن رجل من أصحاب النبي ﷺ مرفوعا.
أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/٣٧٨.وعبد الله بن أحمد في السنة ٢/٤٨٩ رقم ١١٢١. وابن خزيمة في التوحيد ٢/٥٣٧.
стр. 54
الرابع: عن ابن عباس ﵄ مرفوعا.
أخرجه الترمذي في السنن ٥/٣٦٦ كتاب التفسير باب من سورة (ص) رقم ٣٢٣٤ وقال: "حسن غريب من هذا الوجه". وابن خزيمة في التوحيد ٢/٥٣٨ رقم ٣١٩. وابن أبي عاصم في السنة ١/٢٠٤ رقم ٤٦٩ وقال الألباني: "حديث صحيح". والآجري في الشريعة ٣/١٥٤٧-١٥٤٩رقم ١٠٣٩-١٠٤٠. والدارقطني في الرؤية ص ١٧٥-١٧٦ رقم ٢٦٨-٢٦٩. كلهم من طريق أيوب عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عباس مرفوعا مطولا.
وجاء من طريق أيوب عن أبي قلابة، عن ابن عباس مرفوعا دون ذكر خالد بن اللجلاج.
أخرجه أحمد في المسند ١/٣٦٨ وقال الشيخ أحمد شاكر - في تعليقه على المسند - ٥/١٦٢: "إسناده صحيح". والترمذي في السنن ٥/٣٦٦ كتاب التفسير باب من سورة (ص) رقم ٣٢٣٣. وابن خزيمة في التوحيد ٢/٥٤٠ رقم ٣٢٠. والدراقطني في الرؤية ص ١٧٦ رقم ٢٧١-٢٧٣. وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص ٥٦ رقم ٧٦. وابن الجوزي في العلل المتناهية ١/٢١.
وقال الترمذي بعد الحديث: "وقد ذكروا بين أبي قلابة وبين ابن عباس في هذا الحديث رجلا، وقد رواه قتادة عن أبي قلابة، عن خالد بن اللجلاج، عن ابن عباس".
الخامس: عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ .
أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ٢/٥٤٣. وابن أبي عاصم في السنة ١/٢٠٤
стр. 55
رقم ٤٧٠ وقال الألباني: "حديث صحيح بما تقدم له من الشواهد". والدارقطني في الرؤية ص ١٨١ رقم ٢٨٤-٢٨٧. والبزار كما في كشف الأستار ٣/١٣-١٤ رقم ٢١٢٨. والبغوي في شرح السنة ٤/٣٨-٣٩ رقم ٩٢٥. وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص ٦٠ رقم ٨٣. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/١٧٧-١٧٨ وقال: "رواه البزار من طريق أبي يحيى عن أبي أسماء الرحبي، وأبو يحيى لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات" وكذا قال الألباني في تخريج السنة ١/٢٠٥: "أنه لا يعرف أبا يحي". وعرفه ابن خزيمة كما في التوحيد ٢/٥٤٣ فقال: "هو عندي سليمان أو سليم ابن عامر". وجزم بذلك البغوي في شرح السنة ٤/٣٩ فقال: "هو سليم بن عامر الخبارائي تابعي سمع أبا أمامة". وهو ثقة. انظر التقريب ص ٤٠٤.
وفيه أبو يزيد الشامي لا يعرف بجرح ولا تعديل "التوحيد ٢/٥٤٤ وشرح السنة ٤/٣٩" وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٩/٤٥٩ ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.
السادس: عن أبي أمامة ﵁ مرفوعا.
أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ١/١٧٠ رقم ٣٧٩ وفي ١/٢٠٣ رقم ٤٦٦ وقال الألباني: "حديث صحيح". والطبراني في الكبير ٨/٣٤٩ رقم ٨١١٧. والدارقطني في الرؤية ص ١٧٨-١٨٠ رقم ٢٧٧-٢٨٠. وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص ٥٨ رقم ٧٨. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٥/٥٩٧ ونسبه إلى ابن مردويه. وقال الهيثمي في المجمع ٧/١٧٩: "رواه الطبراني، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو حسن
стр. 56
الحديث على ضعفه، وبقية رجاله ثقات". قال الحافظ في التقريب ص ٨١٧-٨١٨ عن ليث: "صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فترك".
السابع: عن جابر بن سمرة ﵁ مرفوعا.
أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ١/٢٠٣ رقم ٤٦٥ وقال الألباني: "إسناده حسن". وأورده السيوطي في الدر المنثور ٥/٥٩٧ ونسبه إلى الطبراني في السنة وابن مردويه.
الثامن: عن ابن عمر ﵁ مرفوعا.
أخرجه الدارقطني في الرؤية ص ١٨٠ رقم ٢٨٣. والبزار كما في كشف الأستار ٣/١٤-١٥ رقم ٢١٢٩. وقال الهيثمي في المجمع ٧/١٧٨: "رواه البزار وفيه سعيد بن سنان وهو ضعيف، وقد وثقه بعضهم، ولم يلتفت إليه في ذلك".
وانظر ترجمته في تهذيب الكمال ١٠/٤٩٥ وقال عنه الحافظ في التقريب ص ٣٨١: "متروك".
التاسع: عن أبي رافع ﵁ مرفوعا.
أخرجه الطبراني في الكبير ١/٣١٧ رقم ٩٣٨. وقال الهيثمي في المجمع ١/٢٣٧: "رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبد الله بن إبراهيم بن الحسين عن أبيه لم أر من ترجمهما". وأورده المتقي الهندي في كنز العمال ١/٢٢٧ رقم ١١٥١.
العاشر: عن أبي هريرة مرفوعا.
أخرجه الدارقطني في الرؤية ص ١٨٢ رقم ٢٨٨. والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص ٥٩ رقم ٨٢. واللالكائي في شرح أصول
стр. 57
الاعتقاد٣/٥٢٠ رقم ٩١٩. وابن الجوزي في العلل المتناهية ١/٢٠. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٥/٥٩٧ ونسبه إلى الطبراني في السنة وابن مردويه.
وفيه عبد الله بن أبي حميد قال عنه الحافظ في التقريب ص ٦٣٧: "متروك الحديث".
الحادي عشر: عن أنس بن مالك ﵁ مرفوعا.
أخرجه الدارقطني في الرؤية ص ١٧٨ رقم ٢٧٦ وص ١٨٩ رقم ٣١٥. وابن حبان في المجروحين ٣/١٣٥. وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص ٥٨ رقم ٧٩. وابن الجوزي في العلل المتناهية ١/٢٠.والسيوطي في الدر المنثور ٥/٥٩٧ ونسبه إلى الطبراني في السنة والشيرازي في الألقاب. وابن حجر في الإصابة ٢/٤٠٦ ونسبه إلى الطبراني في السنة.
وفيه يوسف بن عطية قال عنه الحافظ في التقريب ص ١٠٩٤: "متروك".
الثاني عشر: عن عمران بن حصين ﵁ مرفوعا.
أخرجه الدارقطني في الرؤية ص ١٨٠ رقم.
الثالث عشر: عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ مرفوعا.
أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ٨/١٥١-١٥٢. وبإسناده ابن الجوزي في العلل المتناهية ١/١٦ من طريقين. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٥/٥٩٨ ونسبه إلى الطبراني في السنة والخطيب.
وقد ورد في بعض ألفاظ حديث أبي عبيدة زيادة قوله ﷺ : "لما كانت ليلة أسري بي ... إلخ" كما أوردها السيوطي في الدر إلا أن هذه الزيادة لم ترد في رواية الخطيب للحديث وعنه ابن الجوزي.
وقد جزم الإمام ابن القيم بأنها خطأ فقال ﵀: "وهو حديث لا
стр. 58
يصح عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعا: "لما كانت ليلة أسري بي رأيت ربي في أحسن صورة فقال: فيما يختصم الملأ الأعلى؟ " وذكر الحديث ثم قال: "وهذا غلط قطعا فإنما القصة كانت بالمدينة، كما قال معاذ بن جبل: "احتبس عنا رسول الله ﷺ في صلاة الصبح حتى كدنا نترآى عين الشمس، ثم خرج وصلى بنا ثم قال: "رأيت ربي البارحة في أحسن صورة فقال: يا محمد: فيما يختصم الملأ الأعلى؟ " وذكر الحديث فهذا كان بالمدينة والإسراء بمكة".التبيان في أقسام القرآن ص٢٦٠-٢٦١.
الرابع عشر: عن عدي بن حاتم ﵁ مرفوعا.
أورده السيوطي في الدر المنثور ٥/٥٩٨ ونسبه إلى ابن مردويه. وفي اللفظ الذي أورده السيوطي الزيادة نفسها التي في حديث أبي عبيدة وقد سبق الكلام عليها والله أعلم.
وللحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ رسالة في شرح هذا الحديث تحت عنوان (اختيار الأولى شرح حديث اختصام الملأ الأعلى) طبعت بتحقيق حسين الجمل في مؤسسة الكتب الثقافية بيروت لبنان ط١-١٤٠٧هـ.
وهناك اختلاف في بعض ألفاظ الحديث، وذلك في مختلف الروايات التي جاءت من طرق أخرى عن أربعة عشر صحابيا، كما هو مبين في تخريج الحديث، إلا أني لم أتعرض لاختلاف ألفاظه؛ لأن جميع من رووه اتفقوا على الجملة الأولى وهي قوله ﷺ "رأيت ربي في أحسن صورة" وهي موطن الشاهد في هذه المسألة.
وقد وردت أحاديث أخرى فيها إثبات الرؤية المنامية، لكن في تصحيحها وتضعيفها نزاع كبير بين أهل العلم وهي:
стр. 59
٢- الحديث الثاني:
عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " رأيت ربي ".
أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد في المسند ١/٢٨٥،٢٩٠. وعبد الله بن أحمد في السنة ٢/٤٨٤ رقم ١١١٧، وفي٢/٥٠٣ رقم١١٦٧. وابن أبي عاصم في السنة ١/١٨٨ رقم ٤٣٣، وفي ١/١٩١-١٩٢ رقم ٤٤٠. والآجري في الشريعة ٣/١٥٤٢ رقم ١٠٣٣. واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد ٣/٥١٢-٥١٣ رقم ٨٩٧. والذهبي في السير ١٠/١١٣-١١٤. وأورده الهيثمي في المجمع /٧٨ وقال: "رجاله رجال الصحيح". وقال ابن كثير في تفسيره ٧/٤٢٥: "إسناده على شرط الصحيح لكنه مختصر من حديث الرؤية". وقال الألباني في تخريج السنة ١/١٨٨: "حديث صحيح مختصر من حديث الرؤية". وقال: "أخرجه – أيضا - الضياء في المختارة ٦٦/٧٩/١" ثم قال: "وروى الضياء في المختارة عن أبي زرعة الرازي: "حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس في الرؤية صحيح ولا ينكره إلا معتزلي".
وجاء من طرق أخرى بلفظ آخر أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ٢/٣٦٣-٣٦٤ رقم ٩٣٨، والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات ١/١٣٣-١٣٦، ١٤٣، والخطيب في تاريخ بغداد ١١/٢١٤، وابن عدي في الكامل ٢/٦٧٧، وأبو بكر بن أبي داود والطبراني في السنة كما في اللالئ المصنوعة ١/٢٩، وابن الجوزي في العلل المتناهية ١/٢٢-٢٣، وأورده المتقي الهندي في كنز العمال ١/٢٢٨ رقم ١١٥٢.
стр. 60
كلهم من طرق عن حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا لكن بلفظ: "رأيت ربي جعدا أمرد عليه حلة خضراء" أو نحو ذلك.
قال ابن الجوزي في العلل المتناهية ١/٢٣: "هذا الحديث لا يثبت وطرقه كلها على حماد بن سلمة قال ابن عدي: قد قيل: أن ابن أبي العوجاء كان ربيب حماد فكان يدس في كتبه هذه الأحاديث".
وقد ذكر هذه الحكاية ابن عدي في الكامل لكن من طريق محمد بن شجاع الثلجي وابن الثلجي هذا له ترجمة مظلمة انظرها في ميزان الاعتدال ٣/٥٧٧-٥٧٩، وابن عدي نفسه قال في الكامل: "إنه كان يضع الحديث في التشبيه وينسبها إلى أصحاب الحديث يثلبهم بذلك". وانظر التنكيل ١/٢٤٣-٢٤٤.
وقال الذهبي في السير ١٠/١١٣-١١٤: "وهو خبر منكر نسأل الله السلامة في الدين، فلا هو على شرط البخاري، ولا مسلم ورواته، وإن كانوا غير متهمين فما هم بمعصومين من الخطأ والنسيان فأول الخبر قال "رأيت ربي" وما قيده بالنوم وبعض من يقول: إن النبي ﷺ رأى ربه ليلة المعراج يحتج بظاهر الحديث".
ونقل السيوطي في اللالئ المصنوعة ١/٣١ عن ابن أبي داود قوله بعد الحديث: "فهذا من أنكر ما أتى به حماد بن سلمة، وهذه الرؤية رؤية منام إن صحت".
فإن كان الحمل في هذا الحديث على حماد بن سلمة فقد قال ابن عدي في الكامل: "إن الأحاديث التي رويت عن حماد بن سلمة في الرؤية قد رواها
стр. 61
غير حماد بن سلمة".
وقد رد الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في التنكيل ١/٢٤٤ على الكوثري الذي زعم أن حماد بن سلمة روى أحاديث طامات من بينها هذا فقال: "والجواب: أن لهذا الحديث طرقا معروفة في بعضها ما يشعر بأنها رؤيا منام، وفي بعضها ما يصرح بذلك، فإن كان كذلك اندفع الاستنكار، وإلا فلأهل العلم في تلك الأحاديث كلام معروف".
وقد أطال القاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات في الكلام على طرق
الحديث وذكر من صححه من أهل العلم وبخاصة كلام الإمام أحمد بما ملخصه أن الحديث صحيح والله أعلم انظر: إبطال التأويلات ١/١٣٩-١٤٥.
٣- الحديث الثالث:
عن عمارة بن عامر، عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب ﵄ قالت: "سمعت رسول الله ﷺ يذكر أنه رأى ربه في المنام في صورة شاب موفر في خضر على فراش من ذهب، في رجليه نعلان من ذهب".
أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ١/٢٠٥ رقم ٤٧١. والطبراني في المعجم الكبير ٢٥/١٤٣ رقم ٣٤٦. والبيهقي في الأسماء والصفات ٢/٣٦٧-٣٦٩ رقم ٩٤٢. والدارقطني في الرؤية ص ١٩٠ رقم ٣١٦. والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات ١/١٤١. والخطيب في تاريخ بغداد ١٣/٣١١. وابن الجوزي في العلل المتناهية ١/١٥ وفي الموضوعات ١/١٨١ من طريق الخطيب. والهيثمي في مجمع الزوائد ٧/١٧٩. والسيوطي في اللالئ المصنوعة ١/٣٠. وابن عراق في تنزيه الشريعة ١/١٤٥. والشوكاني في الفوائد المجموعة ص ٤٤٧-٤٤٨. والمتقي الهندي في كنز العمال ١/٢٢٨ رقم ١١٥٣
стр. 62
وقال ابن حبان في الثقات ٥/٢٤٥: "عمارة بن عامر عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: "رأيت ربي" حديثا منكرا لم يسمع عمارة من أم الطفيل وإنما ذكرته لكي لا يغتر الناظر فيه، فيحتج به من حديث أهل مصر".
وقال البخاري في التاريخ الكبير ٦/٣١١١: "لا يعرف سماع عمارة من أم الطفيل" وقال في التاريخ الأوسط ١/٤٣٥ "ولايعرف عمارة ولا سماعه من أم الطفيل".
وقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع وقال: "أما نعيم فقد وثقه قوم، وقال ابن عدي: كان يضع الحديث، وكان يحيى بن معين يهجنه في رواية حديث أم الطفيل، وكان يقول ما كان ينبغي به أن يحدث بمثل هذا الحديث" وانظر: تاريخ بغداد ١٣/٣١١.
ثم قال: "وأما مروان فقال أبو عبد الرحمن النسائي: ومن مروان حتى يصدق على الله . قال مهنا: سألت أحمد عن هذا الحديث، فحوّل وجهه عني، وقال: هذا حديث منكر، هذا رجل مجهول: يعني مروان" اهـ. انظر إبطال التأويلات ١/١٤٠.ثم قال: "ولا يعرف – أيضا - عمارة".
وتبعه في ذلك الشوكاني كما في الفوائد المجموعة ص ٤٤٧، ٤٤٨ وقال: "موضوع، وفي إسناده وضاع وكذاب ومجهول".
لكن تعقبه المحقق الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي ﵀ بقوله: "يريد بالأول نعيم بن حماد بناء على قول ابن الجوزي، قال ابن عدي: يضع الحديث. وهذا وهم قبيح من ابن الجوزي، وإنما حكى ابن عدي، عن
стр. 63
الدولابي، عن بعضهم لا يدرى من هو ورده ابن عدي، وحمل على الدولابي". راجع ترجمة نعيم في تهذيب التهذيب ومقدمة الفتح.
ويريد بالكذاب مروان بن عثمان بناء على ما روى عن النسائي أنه قال: ومن مروان بن عثمان حتى يصدق على الله، وهذا لا يعطي أنه كذاب، وعدم التصديق لا يستلزم التكذيب، فإنه يحتمل التوقف، ويحتمل قوله على أنه أخطأ.
ويدل على هذا أن النسائي أخرج لمروان هذا في سننه.
ويريد بالمجهول عمارة بن عامر بن حزم، ويقال: عمارة بن عمير، وذكره البخاري في الضعفاء، وذكره ابن حبان في الثقات، وذكر هذا الحديث وقال: منكر لم يسمعه عمارة من أم الطفيل، وله شواهد ذكرها في اللآلئ، وحاصله رؤيا المنام تجيء - غالبا - على وجه التمثيل المفتقر إلى التأويل، والله أعلم.
وقال الألباني في تخريج السنة ١/٢٠٥ رقم ٤٧١: "حديث صحيح بما قبله وإسناده ضعيف مظلم".
стр. 64
المطلب الثاني: القول في رؤية النبي ﷺ لربه في المنام .
أثبت العلماء رؤية النبي ﷺ المنامية لربه ، واعتمدوا في ذلك على الأحاديث الواردة بهذا الشأن، والتي تقدم ذكرها في المطلب الأول، وهذه الرؤيا ليست محل خلاف، وقد وقعت بالمدينة النبوية، وهناك فرق بينها وبين الرؤية التي وقعت ليلة الإسراء بمكة، والتي دار الخلاف عليها حسب ما تقدم ذكره في المبحث الأول، وهذه الرؤيا التي وقعت في المنام داخلة في عموم أن رؤيا الأنبياء وحي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد صح عنه أنه قال: "رأيت ربي ﵎" ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربه ﵎ تلك الليلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وقال: نعم رآه حقا، فإن رؤيا الأنبياء حق ولابد"١.
وقال أيضًا: "وكذلك الحديث الذي رواه أهل العلم أنه قال: "رأيت ربي في صورة كذا وكذا"، يروى من طريق ابن عباس، ومن طريق أم الطفيل، وغيرهما وفيه "أنه وضع يده بين كتفيَّ حتى وجدت برد أنامله على صدري"، هذا الحديث لم يكن ليلة المعراج، فإن هذا الحديث كان بالمدينة. وفي الحديث: أن النبي نام عن صلاة الصبح، ثم خرج إليهم، وقال: "رأيت كذا وكذا" وهو من رواية من لم يصل خلفه إلا بالمدينة كأم الطفيل وغيرها،
стр. 65
والمعراج إنما كان من مكة باتفاق أهل العلم، وبنص القرآن والسنة المتواترة، كما قال الله تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء ١] .
فعلم أن هذا الحديث كان رؤيا منام بالمدينة، كما جاء مفسرًا في كثير من طرقه أنه كان رؤيا منام، مع أن رؤيا الأنبياء وحي، لم يكن رؤيا يقظة ليلة المعراج"١.
стр. 66
المطلب الثالث: أقوال أهل العلم في الرؤية المنامية عمومًا
ذكر غير واحد من أهل العلم أن رؤية الله في المنام جائزة، وهذه الرؤية شأنها شأن سائر الرؤى المنامية تعبر، فإن النائم لا يرى الله حقيقة، فرؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير، وتأويل؛ لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق، وإليك بعض أقوال العلماء في هذه المسألة.
قال الإمام الدارمي: "وفي المنام يمكن رؤية الله على كل حال، وفي كل صورة"١.
قال الإمام البغوي: "رؤية الله في المنام جائزة، قال معاذ عن النبي ﷺ : "إني نعست فرأيت ربي" وتكون رؤيته - جلّت قدرته - ظهور العدل، والفرج، والخصب، والخير لأهل ذلك الموضع، فإن رآه فوعد له جنة أو مغفرة، أو نجاة من النار، فقوله حق ووعده صدق. وإن رآه ينظر إليه، فهو رحمته، وإن رآه معرضا عنه فهو تحذير من الذنوب، لقوله ﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران ٧٧] وإن أعطاه شيئا من متاع الدنيا فأخذه فهو بلاء ومحن، وأسقام تصيب بدنه، يعظم بها أجره، لا يزال يضطرب فيها حتى يؤديه إلى الرحمة، وحسن العاقبة"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحا لم ير إلا صورة حسنة،
стр. 67
وإذا كان في إيمانه، نقص رأى ما يشبه إيمانه ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة ولها تعبير وتأويل، لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق"١.
وقال ﵀ في بيان تلبيس الجهمية: "فالإنسان قد يرى ربه في المنام ويخاطبه. فهذا حق في الرؤيا، ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه مثل ما رأى في المنام، فإن سائر ما يرى في المنام لا يجب أن يكون مماثلاً، ولكن لابد أن تكون الصورة التي رآه فيها مناسبة، ومشابهة لاعتقاده في ربه، فإن كان إيمانه واعتقاده مطابقا أتي من الصور وسمع من الكلام ما يناسب ذلك، وإلا كان بالعكس.
قال بعض المشايخ: "إذا رأى العبد ربه في صورة كانت تلك الصورة حجاباً بينه وبين الله. وما زال الصالحون وغيرهم يرون ربهم في المنام ويخاطبهم، وما أظن عاقلاً ينكر ذلك، فإن وجود هذا مما لا يمكن دفعه، إذ الرؤيا تقع للإنسان بغير اختياره، وهذه مسألة معروفة، وقد ذكرها العلماء من أصحابنا وغيرهم في أصول الدين.
وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله، والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام، ولكن لعلهم قالوا: لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام، فيكونون قد جعلوا هذا من أضغاث الأحلام، ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام، فهذا مما يقوله المتجهمة، وهو باطل، مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم، وليس في رؤية الله في المنام نقص ولا عيب يتعلق به ، وإنما ذلك بحسب حال الرائي،
стр. 68
وصحة إيمانه وفساده، واستقامة حاله وانحرافه، وقول من يقول: ما خطر بالبال أو دار في الخيال فالله بخلافه ونحو ذلك [بياض بمقدار أربع كلمات] إذا حمل على مثل هذا كان محملاً صحيحًا، فلا نعتقد ما يتخيله الإنسان في منامه أويقظته من الصور أن الله في نفسه مثل ذلك، بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان، ويتخيلها على حقيقتها، بل هي على خلاف مايتخيله ويتصوره في منامه ويقظته، وإن كان ما رآه مناسبًا ومشابهًا لها، فالله -تعالى- أجل وأعظم"١.
стр. 69
المبحث الثالث: رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا عيانا
المطلب الأول: قول أهل السنة في مسألة رؤية النبي ﷺ لربه عيانا في الدنيا
...
المطلب الأول: قول أهل السنة في مسألة رؤية النبي ﷺ لربه عيانًا في الدنيا.
ينبغي - هنا - التفريق، وعدم الخلط بين مسألتين، المسألة الأولى: رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج، وهذه هي التي حصل الكلام فيها بين أهل السنة، وقد تقدم بسط ذلك في المبحث الأول؛ والمسألة الثانية: رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا عيانًا وهذه لم يختلف فيها قول أهل السنة، فهم مجمعون على أن النبي ﷺ لم ير ربه في الدنيا عياناً، وأن ما ذكر من أحاديث في هذه المسألة فهو في عداد الموضوعات التي لا يصح نسبتها إلى النبي ﷺ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد اتفق المسلمون على أن النبي ﷺ لم ير ربه بعينه في الأرض، وأن الله ينزل له إلى الأرض، وليس عن النبي ﷺ قط حديث فيه أن الله نزل له إلى الأرض، بل الأحاديث الصحيحة: "أن الله يدنو عشية عرفة" ١
стр. 70
وفي رواية "إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفرله؟ " ١"٢.
стр. 71
المطلب الثاني: الأحاديث الموضوعة في المسألة .
علم في المطلب السابق أنه لم يصح حديث في مسألة رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا عياناً، وقد ذكر العلماء أن ما يروى في هذا الشأن فهو كذب على النبي ﷺ ، وليس له أصل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكل حديث فيه "أن محمدًا ﷺ رأى ربه بعينه في الأرض"، فهو كذب باتفاق المسلمين وعلمائهم، هذا شيء لم يقله أحد من علماء المسلمين ولا رواه أحد منهم.
وقال أيضًا: "وبالجملة أن كل حديث فيه أن النبي ﷺ رأى ربه بعينيه في الأرض، وفيه أنه نزل له إلى الأرض، وفيه أن رياض الجنة خطوات الحق، وفيه أنه وطئ على صخرة بيت المقدس، كل هذا كذب باطل باتفاق علماء المسلمين، من أهل الحديث وغيرهم"١.
ومن الأحاديث الموضوعة في هذا الشأن ما يلي:
١- الحديث الأول.
عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ مرفوعا: "رأيت ربي على جمل أحمر عليه إزاران وهو يقول: قد سمحت قد غفرت إلا المظالم، فإذا كان ليلة المزدلفة، ثم يصعد إلى السماء، وينصرف الناس إلى منى".
أورده ابن الجوزي في الموضوعات (١/١٨٠) وقال عنه: "هذا حديث لا يشك أحد في أنه موضوع، محال".
стр. 72
والسيوطي في اللآلي المصنوعة ١/٢٧.
وابن عراق في تنزيه الشريعة ١/١٣٩ رقم ١٧ وقال: "أخرجه الأهوازي في الصفات من حديث أسماء فقبح الله واضعه".
٢- الحديث الثاني.
عن أبي رزين العقيلي ﵁ مرفوعا: "رأيت ربي بمنى يوم النفر، على جمل أورق عليه جبة صوف أمام الناس".
أورده الذهبي في ميزان الاعتدال ١/٥١٣ وفي السير ١٨/١٦-١٧.
والقاضي الفتني في تذكرة الموضوعات ص ١٢-١٣.
والقاري في المصنوع في معرفة الحديث الموضوع ص ١٠٢.
واتفقوا على أنه موضوع باطل، وأن المتهم به هو أبوعلي الأهوازي، كما قال ابن عساكر.
стр. 73
المبحث الرابع: رؤية البشر لربهم في الحياة الدنيا .
لعل من المناسب بعد ذكر ما يتعلق بمسألة رؤية النبي ﷺ لربه، وما يتصل بها من مسائل، الإشارة إلى مسألة رؤية البشر لربهم في الحياة الدنيا، وذلك لما بين المسألتين من ترابط من جهة وجود نوع علاقة بين المسألتين، باعتبار أن من زعم جواز حصول الرؤية للبشر استند في زعمه على ما ذكر من أحاديث مكذوبة في وقوع الرؤية للنبي ﷺ في الحياة الدنيا، ومعلوم أن بضاعة المتصوفة الذين جوزوا حصول ذلك لأوليائهم هي الأحاديث المكذوبة من مثل ما تقدم ذكره في المطلب الثاني من المبحث الثالث، وعلى هذا الاعتبار بنى أولئك المتصوفة مزاعمهم، بأن ذلك يجوز حصوله لمن وصل إلى مرحلة معينة في الولاية التي قد يعتبرها البعض منهم فوق منزلة النبوة، وبهذه النظرة ما المانع أن يحصل مثل ذلك لغير النبي ﷺ .
وأما من قال بامتناع رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا عياناً، فلا شك أنه يقول بامتناعها على غيره من باب أولى، فإذا كانت الرؤية لم تحصل للنبي ﷺ -مع ما له من مكانة وشرف ومنزلة عظيمة عند الله - فكيف تحصل لمن هو دونه في المنزلة والمكانة، على أن مستند من نفى رؤية البشر لله في الدنيا هو نص السنة، كما سيأتي ذكره.
ومسألة رؤية البشر لله عمومًا يتنازعها ثلاث طوائف:
стр. 74
الطائفة الأولى: من نفى الرؤية بإطلاق فلم يثبتها في الدنيا، ولا في الآخرة على حد سواء، بل نفى حتى الرؤيا المنامية.
وهؤلاء هم الجهمية والمعتزلة المعطلة الذين ليس عندهم فوق العرش إلا العدم المحض.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله، والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام، ولكن لعلهم قالوا: لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام فيكونون قد جعلوا هذا من أضغاث الأحلام، ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام، فهذا مما يقوله المتجهمة، وهو باطل مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم"١.
وقال أيضًا: "وإنما يكذب بها أو يحرفها - أي: أحاديث الرؤية في الآخرة - الجهمية، ومن تبعهم من المعتزلة والرافضة ونحوهم، من الذين يكذبون بصفات الله تعالى، وبرؤيته وغير ذلك، وهم المعطلة شرار الخلق والخليقة.
ودين الله وسط بين تكذيب هؤلاء بما أخبر به رسول الله ﷺ في الآخرة، وبين تصديق الغالية، بأنه يرى بالعيون في الدنيا، وكلاهما باطل"٢.
стр. 75
الطائفة الثانية: من يثبت الرؤية بإطلاق فيزعم أن الله يرى في الدنيا عياناً، كما يرى في الآخرة عياناً. وهذا يقول به بعض المتصوفة من الاتحادية والحلولية.
فأما الاتحادية أهل وحدة الوجود فهم الذين لا يميزون الخالق بصفات تميزه عن المخلوق، ويقولون بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق. فعلى سبيل المثال هم يقولون بأن الله هو المتكلم بكل ما يوجد من الكلام، وفي ذلك يقول ابن عربي:
ألا كل قول في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه
يعم به أسماع كل مكون ... فمنه إليه بدؤه وختامه١
فيزعمون أنه هو المتكلم على لسان كل قائل. ولا فرق عندهم بين قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٤] ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٢٨] وبين القول الذي يسمعه موسى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه ١٤] ، بل يقولون: إنه الناطق في كل شيء، فلا يتكلم إلا هو، ولا يسمع إلا هو، حتى قول مسيلمة الكذاب، والدجال، وفرعون، يصرحون بأن أقوالهم هي قوله"٢.
وهذا قول أصحاب وحدة الوجود كابن عربي، وابن سبعين، وابن الفارض، والعفيف التلمساني.
وأصل مذهبهم: أن كل واحد من وجود الحق، وثبوت الخلق يساوى الآخر، ويفتقر إليه، وفي هذا يقول ابن عربي:
فيعبدني وأعبده ... ويحمدني وأحمده٣