← Общие книги

Общие книги · id 11209

رد الطعون الواردة في الموسوعة العبرية عن الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم

موسى البسيط

Полный текст (117 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مؤمنيه (مؤيديه) فيقول في صفحة ٢٠ رقم -١-: "غيّر محمد القبلة من القدس إلى مكة كما في (سورة ٢ آية ١٤٢) وهذا أثار معارضة من المؤمنين به". وهو زعم لا أساس له من الصحة. فمن ذا الذي عارض التوجه نحو الكعبة من المؤمنين برسالة الإسلام؟! إنّ الرواية التاريخية الصحيحة لا تحفظ لنا معارضاً واحداً للتوجه نحو الكعبة إلا يهود، فعن البراء بن عازب قال: "أول ما قدم رسول الله ﷺ نزل على أجداده – أو أخواله – من الأنصار وأنّه صلى قِِبَل بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت، وأنّه صلى أول صلاة صلاها، صلاة العصر، وصلى معه قومه، فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال: "أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قِبَل الكعبة فداروا كما هم قِِبَل البيت"، وكانت اليهود قد أعجبهم إذْ كان يُصلي قِبَل بيت المقدس، فلما ولّى وجهه قِبَل البيت أنكروا ذلك فنزلت الآية ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ [البقرة:١٤٢]- السفهاء أي اليهود - (١) . لقد جاء فرض الصلاة مجملاً في القرآن الكريم، ولا نجد فيه التفصيل المعروف للصلاة بأركانها وشروطها وسجودها وركوعها وقراءتها، وكل ذلك فصلته سنّة المصطفى ﷺ الذي قال لصحابته: "صلوا كما رأيتموني

стр. 37

أصلي" (١) وقال: "خذوا عني مناسككم" (٢) . إنّ قِصَر نظر المستشرقين وعدم إيمانهم بأن أخبار الرسول ﷺ وحي من الله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] دعا كاتب الموسوعة في (ص٤٦ الفقرة الثانية من المذكرة) إلى القول بأن: "أحكام الصلاة في القرآن بعيدة عن شكلها النهائي في الإسلام".

стр. 38

الزكاة: ويقول في صفحة (٢٦) فقرة -٢-: (من المذكرة) . "كلمة زكاة أصلها من الآرامية "زكوتا" (....) وفي القرآن "زكاة" وبمرور الزمن أصبحت الزكاة ضريبة ثابتة ومحددة" (١) . الزكاة عبادة مالية هامة هي الفريضة الثانية في الإسلام قرنها الله تعالى مع الصلاة في عشرات المواضع، وذكرها تارة بلفظ "الزكاة"، وطوراً بلفظ "الصدقة" وأحياناً بلفظ "الإنفاق". وعرفت الزكاة في الرسالات السماوية السابقة، وذكرها الله في وصاياه للأنبياء والرسل، يقول الله تعالى عن إبراهيم وإسح?ق ويعقوب: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣] . وفي مواثيق الله لبني إسرائيل يقول: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٨٣] .

стр. 39

وقال أيضاً: ﴿وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [المائدة:١٢] ، والزكاة ليست تبرعاً يتفضل به غنيٌ على فقير، أو يحسن به واجد على معدوم، بل هي جزء هام من نظام الإسلام الاقتصادي. والحكومة في الإسلام هي التي تجبي الزكاة، وقد أكد الإسلام ذلك فجعل ضمن مصارفها سهماً لجباتها العاملين عليها، وإنّما وكّل الدولة بالجباية لضمان الجباية الدقيقة والتوزيع العادل وحفاظاً على الكرامة الإنسانية.

стр. 40

هل الزكاة ضريبة كما زعم كاتب الموسوعة ؟ هناك فرق بين الزكاة والضريبة، فالضريبة فريضة إلزامية يلتزم المموّل بأدائها إلى الدولة تبعاً لمقدرته على الدفع بغض النظر عن المنافع التي تعود عليه من وراء الخدمات التي تؤديها السلطة الحاكمة، وتستخدم حصيلتها في تغطية النفقات العامة من ناحية، وتحقيق بعض الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها من الأغراض التي تنشد الدولة تحقيقها من ناحية أخرى (١) . لقد اختار الشرع لفظ "الزكاة" ليميّزها عن الضريبة، فالزكاة تدل في اللغة على الطهارة والنماء والبركة، و"الضريبة" لفظة مشتقة من ضَرَبَ عليه الغرامة أو الخراج أو الجزية، أي ألزمه بها، وكلفه تحمّل عبئها؛ من هنا ينظر الناس إلى الضريبة على أنّها مغرَم.

стр. 41

إنّ كلمة الزكاة تحمل دلالة التطهير والتنمية والبركة فلابد للمال من تطهير وإنّ كَنْزه أو الاستمتاع به من غير إخراج حق الله منه يجعله خبيثاً بَخِساً. وليست الطهارة للمال فحسب، فنفس الغني تطهر وتزكى، ونفس الفقير تصفو من كل حقد وضغينة. إن الزكاة عبادة فرضت على المسلم شكراً لله وتقرباً إليه، أما الضريبة فهي إلزام محض خال من العبادة والقُربة، إنّ الزكاة حق مقدّر بتقدير الشارع، هو الذي حدد أنصبتها ومقاديرها بخلاف الضريبة، فهي تخضع في كل أنظمتها لاجتهاد السلطة الحاكمة. والزكاة لها صفة الثبات والدوام ما دام في الأرض إسلام، أما الضريبة فليس لها هذه الصفة (١) . ويقدح كاتب الموسوعة في تطبيق تشريع الزكاة زاعماً في صفحة ٢٧ فقرة -١- (من المذكرة) "إن جباية ضريبة الزكاة واستعمالها لم يكن دائماً حسب الشريعة الإسلامية، مما أثار بين الحين والآخر غضب الفقهاء على الحكام الذين أضافوا لذلك فرض ضرائب جائرة مختلفة (مكوس) على رعيتهم، رغم عدم ذكر هذه الضرائب في القرآن، والفكرة القائلة بأن الفقير ينقذ الغني من نار جهنم ما زكّى وتصدق موجودة باليهودية". الرد: إن قوله إنّ جباية ضريبة الزكاة بالواقع واستعمالها فعلياً لم يكن دائماً

стр. 42

حسب قوانين الشريعة مما أثار بين حين وآخر غضب الفقهاء على الحكام، يشتمل على أمرين: أولاً: سوء التطبيق لتشريع الزكاة دوماً، وهذه دعوى عريضة استغرق كاتب الموسوعة فيها كل عصور الإسلام منذ عهد المصطفى ﷺ ، وهو مخالف لواقع العصر النبوي وعصر الخلافة الراشدة، خلافة عمر بن عبد العزيز، بل وكل عصر من العصور التي وجد الإسلام فيه تطبيقاً. وكان يمكن صاحب الموسوعة أن يشير إلى سوء التطبيق في بعض العصور وعندها يقال: إنّ سوء التطبيق للنظام لا يقدح في صلاحيته. ثانيا: "فرض بعض الحكام ضرائب أخرى غير الزكاة" وهذا في الحقيقة من تجاوزات الحكام، وإن ذهب العلماء إلى جواز فرض ضريبة لها شرعيتها بشروط هي: ١- الحاجة الحقيقية إلى المال، ولا مورد آخر غير هذه الضريبة. ٢- توزيع أعباء الضرائب بالعدل. ٣- أن تُنفق في مصالح الأمة لا في الشهوات. ٤- موافقة أهل الشورى والرأي في الأمة. وفي حالة اختلال شرط من هذه الشروط فلا يُلتزم بضريبة. وقد روى لنا التاريخ الإسلامي مواقف رائعة لعلمائنا، وقفوا فيها مع مصلحة الشعوب ضد شر السلاطين وأتباعهم (١) .

стр. 43

الصوم: يقول كاتب الموسوعة في صفحة (٢٧) الفقرة الأخيرة (من المذكرة) : "أول صوم في الإسلام كان صوم عاشوراء من المساء إلى المساء في العاشر من محرم، ويقابله في اليهودية صومُ الغفران في العاشر من تشرين، ولكن بعد ابتعاد محمد ﵇ عن اليهود حلّ صوم شهر رمضان مكان صوم يوم عاشوراء. وصوم رمضان متأثر باليهودية، ويقابله صوم شهر أيلول والأيام الرهيبة (....) ، وربما متأثر بالمسيحية أو بغيرها. وفي صفحة (٢٨ مذكرة) الفقرة الثانية يقول أيضاً: "سرعان ما فقد شهرُ رمضان روح التوبة والمغفرة التي أراد محمد ﵇ غرسها فيه. إن الكثيرين يعتكفون كثيراً في المساجد في الثلث الأخير من شهر رمضان، وعوّض الصائمون أنفسهم عن الصوم بإحياء ليالي السهر والفرح بأماكن التسلية والترفيه، ولا يُسْمع صوتُ الفقهاء ورجال الدين". ونقول: الصوم عبادة مشتركة بين الديانات قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] . ولكن صيام الإسلام تميّز عن كل صيام، فقد اختار الله لهذا الصيام شهراً مباركاً، هو الشهر الذي نزل فيه القرآن جملة واحدة، حمله الروح الأمين إلى قلب محمد ﷺ ؛ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى

стр. 44

لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، إنّ الهدف الذي من أجله فرض الصوم قديماً وحديثاً هو ما أخبرنا به الله تعالى بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] . ففي الصوم تقوية للروح وهو جانب من تكوين الإنسان لابد من العناية به، وفي الصوم صحّة البدن، فالمعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء، وأكثر ما يصيب الأبدان من الأمراض سببه التخمة وتخليط الطعام، ورسول الله ﷺ يقول: "ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم أُكُلاتٍ يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه وثلث لنفسه" (١) . وفي الصوم تربية للإرادة، وتربية على الصبر فالصوم نصف الصبر ويُعرِّف المرء بمقدار نعم الله عليه، ويذكّر الإنسان بحرمان المحرومين، وللصوم آثاره في حياة المسلم؛ إذ فيه يلتزم المؤمن أخلاق الصوم وآدابه في كل حركة وسكنة في العبادة والمعاملة والتصرف والسلوك. أمّا انحراف فئة من الناس وارتكابهم المعاصي والآثام في ليالي رمضان وأيام العيد التي تعقب الصوم فذلك ليس بحجة، وليس من الإسلام في شيء، بل إنّ الإسلام يحث على أن يفْرح المسلم في أيام العيد في حدود طاعة الله والتزام أوامره واجتناب نواهيه.

стр. 45

الحج: وفي صفحة ٢٩ (من المذكرة) الفقرة الأخيرة يقول كاتب الموسوعة العبرية: "الحج لمكة في الجاهلية نَقَله محمد ﷺ للإسلام، ورغم صياغة مضمون جديد لعادة الحج الجاهلية، إلا أنّ مناسك الحج الجاهلية لم تتغير تقريباً في الإسلام، فبقيت هذه العبادة موروثاً وثنياً غريباً في الإسلام، وكل فترة تُسمع أصوات متنكِرة لهذه العبادة - خاصة لمس الحجر الأسود أو تقبيله - مثل استهجان عمر بن الخطاب لهذه العادة بقوله: (لولا أنّي رأيت رسول الله قبلك ما قبلتك) ". وفي صفحة (٣٠) الفقرة الثالثة (من المذكرة) يقول: "هناك من حاول إيجاد تفسير تأويلي للحج إلى الكعبة، وكان ثمّة من عارض تنفيذ ركن الحج معارضة واضحة مع تطبيقه باقي الأركان". ونقول: إنّ البيت العتيق الذي يحج المسلمون إليه هو أول بيت أقيم في الأرض لعبادة الله، وبانيه هو الخليل إبراهيم وولده إسماعيل ﵉، وهما الرسولان الكريمان اللذان جعل الله من ذريتهما هذه الأمة المسلمة: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة البقرة: ١٢٧-١٢٨] . إن دعوة إبراهيم هي دعوة التوحيد، وإبراهيم أبو الملة الحنيفية، وإننا نحن أمة الإسلام تربطنا بإبراهيم رابطة العقيدة: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن

стр. 46

كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٧-٦٨] . ولما كان البيت الحرام بمكة بهذه المنزلة وقد شهد الله بأنه بيت الله أقيم في الأرض ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٦] فقد فرض تعالى القصد إليه وتعظيمه فقال: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] ، وأهم أعمال الحج بعد الإحرام إنّما هي الطواف بالكعبة والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة في نهار التاسع من ذي الحجة. وكان كثير من هذه الأعمال في حج الجاهلية توارثوها عن ملة إبراهيم ﵇، ولكنهم خلطوا حقاً بباطل، فحرفوا الحج عن وجهته وملؤوا بيت الله الحرام بالأوثان والأصنام واتخذوها آلهة تقربّهم إلى الله، ومارسوا أنواع العبادة لها ... فلما جاء الإسلام نظف ونقى الحج الذي هو من شعائر الإسلام التي دعا إليها إبراهيم ﵇، وأمره الله تعالى بأن يؤذن في الناس بالحج: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] . نظفه من ضلالات الجاهلية وأدرانها، إذن الحج ليس موروثاً وثنياً وإنما هو موروث توحيدي حنيفي يعود إلى ملّة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين، إنّه لا ضير على الإسلام أن يُبْقِي الصالح من تقاليد العرب وشرائعهم التي ورثوها من إبراهيم، وهو بذلك يقرر وحدة الدين وامتداد نسبه في أعماق التاريخ السحيق. ويحلو للكاتب أن يغمز الإسلام في عبادة الحج بأنها بقية من وثنية العرب.

стр. 47

إنّ هذه الأقوال من كاتب الموسوعة مجانبة للصواب بعيدة عن العلمية، والمسلم الذي يطوف بالكعبة أو يستلم الحجر يعتقد اعتقاداً جازماً، أنها جميعاً أحجار لا تضر ولا تنفع وأننا نطوف ونقبّل الحجر؛ إتباعاً للرسول ﷺ الذي جاء حرباً على الوثنية. وعبادةُ الحج بكل مناسكها تدعو إلى التوحيد. إن العبادات في الإسلام ذات مقصد عظيم هو الامتثال لله وطاعته فيما أمر، الحجُّ من أكثر العبادات الإسلامية اشتمالاً على الأمور التعبدية التي لا تُعْرف حكمتُها التفصيلية على وجه التأكيد، إنّ الآية الكريمة تعلّل هذه العبادة بقولها: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨] . وعبارة "منافع لهم" مختصرة موجزة تحتها تفصيل يمكننا جعله في نقاط: أولاً: أنّ للحج آثاراً في النفس والضمير فيعود المسلم أصفى قلباً وأطهر مسلكاً وأقوى عزيمة على الخير.. وكلما كان حجه مبروراً خالصاً لله كان أثره في حياته يقيناً لا ريب فيه، بل إنّ هذه الشحنة الروحية العاصفة.. تعيده كأنما هو مولود جديد.. (١) . ثانياً: أنّ الحج فيه توسيعٌ لأفق المسلم الثقافي، كما أن فيه درْبة له على تحمّل المشاق وتربية المسلم على احتمال الشدائد والصبر على المكاره ومواجهة المصاعب. ثالثاً: في الحج جانب مادي هو تبادل المنافع التجارية على نطاق واسع بين المسلمين.

стр. 48

رابعاً: يتجلّى في الحج معنى المساواة في أجلى صوره، لا فرق بين غني وفقير أو حاكم ومحكوم، ولا بين أبيض وأسود. خامساً: الحج مؤتمر عالمي يتيح للمسلم أن يجتمع بالمسلم مهما كانت جنسيته أو قوميته، وقد عرف علماء الإسلام قيمة هذا المؤتمر فاتخذوا منه مناسبة لتبادل الآراء والمعارف والأفكار. إنّ التاريخ البشري لم يحفظ معارضاً واحداً يعارض تنفيذ ركن الحج معارضة واضحة، فهل لكاتب الموسوعة أن يَنْبِس ولو بواحد؟ وصنيع عمر ﵁ حين قبّل الحجر اقتداء برسول الله ﷺ ؛ إنّما يُجسّد قمة الولاء والإتباع للحق، ممثلاً بإتباع محمد ﷺ وما جاء به من وحي رباني. إنّ ركن الزكاة وجد معارضة في تنفيذه عند مرتدة العرب، على عكس فرض الحج الذي يُجمِع عليه حتى الجاهليون الذين ورثوه من إبراهيم ﵇.

стр. 49

اختلاؤه ﷺ في الغار فهم مغلوط ... اختلاؤه ﷺ في الغار: وفي (المجلد٢٢) الصفحة (١٠١٠) الفقرة الأولى من الموسوعة يقول: "بعد زواجه ﵇ من خديجة وعلى مدار ١٥ سنة تصارع محمد مع رؤساء قبيلته على مكانته بينهم، وكان اختلاؤه بالغار بهدف التفكير بالمشاكل الاجتماعية في مدينة مكة". ونقول: إن اختلاء رسول الله ﷺ في الغار امتداد لأمر في الجاهلية يقال له التحنث، أي التبرّر والخروج من الإثم (١) ، ففي سيرة ابن هشام أن رسول الله ﷺ كان يجاور ذلك الشهر من كل سنة يُطعِم من جاءه من المساكين، فإذا قضى رسول الله ﷺ جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعاً، ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر شهر رمضان خرج إلى حِراء كما كان يخرج بجواره ... فذكر قصة نزول الوحي (٢) . "وكان اختياره ﷺ لهذه العزلة طرفاً من تدبير الله له، وليكون انقطاعه عن شواغل الأرض وضجة الحياة، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة، نقطة تحول لاستعداده لما ينتظره من الأمر العظيم، فيستعد لحمل الأمانة الكبرى ... " (٣) . وقبْلَ محمد ﷺ كان اختلاء موسى ﵇ بربه بخروجه في الصحراء فناداه ربه ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] .

стр. 50

فهم مغلوط: ذكر كاتب الموسوعة من (المجلد٢٢) الصفحة (١٠١١) الفقرة الثانية: "في البداية ومحمد ﷺ ضعيفٌ، نظرَ بتسامح للأماكن المقدسة التي خُصّصت للأصنام في الجاهلية، كما اعتبر هذه الأصنام وسطاء وبمثابة ملائكة". ثم قال في نفس الفقرة الثالثة: "وعندما تقوّى وبفضل مَنْ آمن به، تجرّأ على آلهة العرب كاللات والعزى ... واعتبرها أسماء لم يعطها الله سلطاناً". وكأن الكاتب يشير إلى ما نُقِل في قصة الغرانيق، وهذه القصة لم يخرجها أحد من أصحاب الصحاح ولا السنن ولا هي في مسند أحمد. وما رواه البخاري في صحيحه بشأن هذه القصة فهو على النحو التالي: "عن ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ قرأ سورة "النجم" فسجد رسول الله ﷺ وسجد مَنْ خلْفه إلا رجلاً رأيته أخذ كفاً من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قُتل كافراً" (١) . أما سجود رسول الله ﷺ وصحابته فإتباعاً لأمر الله، وأمّا سجود المشركين فَلِما سمعوه من أسرار البلاغة والفصاحة وعيون الكلم لجوامع الأنواع من الوعيد والإنكار والتهديد والإنذار، وقد كان العربي يسمع القرآن فيخرّ له ساجداً (٢) .

стр. 51

وهذه القصة "قصة الغرانيق" أخرجها ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر من طرق عن شعبة عن أبي بشير عن سعيد بن جبير قال: قرأ النبي ﷺ بمكة "والنجم" فلما بلغ قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم:١٩-٢٠] ألقى الشيطان على لسانه "تلك الغرانيق العُلا، وإن شفاعتهن لتُرتجى "فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجدوا فنزلت ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢] (١) . القصة باطلة نقلاً وعقلاً. والقصة من حيث الثبوت وردت بأسانيد كلها ضعيفة أو منقطعة، سوى طريق سعيد بن جبير الذي أخرجه البزار وابن مردويه، وقد طعن في القصة الأئمة النقّاد والعارفون بطرق الحديث وعلله: سئل محمد بن إسحق بن خزيمة عن القصة فقال: إنها من وضع الزنادقة، وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل (٢) . وقال القاضي عياض: "إن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم، ومن حكيت عنه هذه المقالة من المفسرين والنابغين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها

стр. 52

إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم ضعيفة واهية" (١) . وأنكر القصة أبو بكر بن العربي وطعن فيها من جهة النقل (٢) وأنكرها الماتريدي فقال: "الصواب أن قوله "تلك الغرانيق العلا" من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة". وطعن ابن كثير في ثبوت القصة قائلاً: "قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق ... ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح" (٣) . وقد أعلَّ العلماء هذه القصة بالاضطراب، والاضطراب هو الاختلاف في الروايات من غير إمكان للجمع أو الترجيح بينها مما يقدح بصحة القصة إذا اعتراها، والاضطراب في هذه القصة فاحش، فمتى حصل من رسول الله ﷺ السجود؟ وكيف؟ هنا الاضطراب. فمن قائل: إنه ﷺ كان خارج الصلاة، ومن قائلٍ: إنه كان في الصلاة، ومن قائلٍ: إنه حدّث نفسه فيها، ومن قائل: إن الشيطان قالها على لسان النبي ﷺ أو قالها وهو ناعس، أو أن الشيطان انتهز سكتة من سكتات النبي ﷺ في القراءة فقرأها حاكياً صوت النبي ﷺ (٤) ، فلا جمع ولا ترجيح بين هذه الأوجه كلها. إنّ علماء النقد وأئمة العلل حكموا على القصة من حيث النقل بالسقوط؛ إذ طرق القصة مراسيل لم يسند منها شيء، وأكثر علماء الحديث على عدم الاحتجاج بالمرسل.

стр. 53

لقد كانت عناية نقاد المسلمين بالإسناد شديدة حتى بنوا على صحة الإسناد المتن، إلا أنهم تغاضوا في بعض الأحيان عن الإسناد حين تتلقى الأمة حديثاً بالقبول فتجتمع على صحته. قال ابن عبد البر في "الاستذكار" فيما حكي عن الترمذي أنّ البخاري صحح حديث البحر (هو الطهور ماؤه) قال: "وأهل الحديث لا يصححون مثل إسناده، لكن الحديث عندي صحيح؛ لأن العلماء تلقوه بالقبول". وقال في "التمهيد": روى جابر عن النبي ﷺ "أربعة وعشرون قيراطاً" قال: وفي قول جماعة العلماء وإجماع الناس على معناه غني عن الإسناد فيه. وقال أبو إسحاق الإسفرائيني: تُعرف صحةُ الحديث إذا اشتهر عند أئمة الحديث بغير نكير منهم (١) . وهذه الرواية على فرض توفر الإسناد فيها بل وتوفر الصحة في أسانيدها، فإن الإجماع على مصادمتها للعقيدة يبطلها ويشكك فيها. إنّ حجة ابن حجر والسيوطي في إثبات الرواية أنّ كثرة الطرق لهذه القصة تدل على أنّ لها أصلاً (٢) ، لكنهما أوّلاها بما يتفق مع عصمة النبي ﷺ ؛ إذ الإجماع حاصل على أنه لا يجوز أن يجري على لسان النبي ﷺ الكذب لا عمداً ولا سهواً. والتأويل الذي ارتضاه الحافظ ابن حجر هو: "أن النبي ﷺ كان يرتل القرآن ترتيلاً، فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات ونطق بتلك

стр. 54

الكلمات؛ محاكياً نَغْمته فسمعها من دنا فظنّه قوله، وأشاعها بين الناس" قال ابن حجر: "وهو الذي ارتضاه عياض وأبو بكر بن العربي واستحسناه" (١) . وهذا التأويل هو على فرض التسليم بالصحة، ولا تصح روايات القصة (٢) ، ثم إنه تأويل غير سائغ لما يلي: إنّ تسليط الشيطان على الرسول ﷺ لا يجوز، وليس للشيطان سلطان على العباد الصالحين، فكيف يكون له سلطان على الرسول ﷺ ، واستمع إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤٢] وقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩] وقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢-٨٣] . ١- وإذا سمع الصحابة هذا الأمر الذي حكي على لسان رسول الله ﷺ ، فلماذ لم يبادر الصحابة إلى تنبيه رسول الله ﷺ عليه؟ إنّ هذه القصة تصادم القرآن الكريم حيث قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٤] فلولا أن ثبّت الله محمداً لكاد أن يركن إلى المشركين، لكن لم تقع الفتنة بأصنامهم والله عصَمَه وثبَّته. ٢- لقد كان رسول الله ﷺ حرباً على الأصنام والأوثان وعابديها، ففي القرآن مواضع كثيرة تشهد لذلك (٣) .

стр. 55

٣- لم يكن رسول الله ﷺ يميل أو يتنازل أو يخطب وُدّ الكفار أو يساوم، إن محمداً ﷺ وصحابته لم يسجدوا يوماً لصنم، ولم يتفاوضوا للتنازل عن عقيدتهم، بل كانت المفاصلة بينهم وبين الجاهليين والوثنيين مفاصلة كاملة تجلّت في أمر الله تعالى لنبيه بقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:١-٣] . ولو وُجد شيء من اللين والتفاوض ... بين رسول الله ﷺ والوثنيين يومئذ لما أخرج من وطنه، ولا لاحقته قريش في دار هجرته، ولأمْكَنَ إيجاد صيغة تعايشٍ سِلْمي لا يسود فيها الإسلام ولا تقوم له في الكون دولة. إنّ الإسلام دين عزة وارتفاع، دين لا يرضى بالدنية والتبعية بل هو دين السيادة، يَحْكُم ولا يُحكم.

стр. 56

إجلاء اليهود عن المدينة: يزعم كاتب الموسوعة في (المجلد ٢٢) الصفحة (١٠١٣) الفقرة الأخيرة أنّ: "سبب إجلاء اليهود من المدينة ومحاربتهم بقسوة كان شجاراً بين مسلمين ويهود بسوق المدينة، وهو ذاته سبب محاربة اليهود بقسوة". "ولأن وجودهم يذكّر محمداً بفشله في إقناعهم بدعوته" (ص١٠١٤) . ويزعم: "أنّ المسلمين أخذوا كل أملاك اليهود بعد إجلائهم بما فيها مجوهراتهم" (ج٢٢ ص١٠١٣) وفي صفحة (١٠١٤) يزعم أنّ بني قريظة بقوا حياديين عند محاصرة المدينة. ولكن صاحب الموسوعة أشار (ص١٠١٢) إلى شمول دستور المدينة لليهود أيضاً طلباً؛ لتأييدهم ومحاولة لاسترضائهم ... ". ونقول: لم يكن سببُ إجلاء اليهود من المدينة شجاراً بينهم وبين المسلمين في سوقها، إنّ حادث الشجار له خلفيته التي بيّنها علماء السنة والسيرة ونقلوها لنا نقلاً صحيحاً جلياً، وأنا أورد الحادثة وليتأملها المتأملون، ومن ثم لهم أن يحكموا بإنصاف ونزاهة: حين انتصر رسول الله ﷺ ببدر حرك هذا الانتصار حفيظة اليهود وصاروا يرجفون (*) في المدينة، فرأى رسول الله ﷺ أن يعظهم بالحسنى،

стр. 57

ويدعوهم إلى الدخول في الإسلام، وقابلهم في سوقهم وقال لهم: "يا معشر اليهود: احذروا من الله مثل ما أنزل بقريش من النقمة، وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهْد الله إليكم" فقالوا له: "يا محمد لا يغرنّك أنّك لقيت قوماً لا علم لهم بالحروب فأصبت منهم فرصة، أما والله لئن حاربناك لتعلمنّ أنا نحن الناس" (١) فأنزل الله تعالى قوله: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٢-١٣] ، لكن بني قينقاع تمادوا في إيذائهم، فكانت الحادثة التي سببّت إجلاءهم. وتتلخص الحادثة في أنّ امرأة من العرب قدِمَت بجَلَب لها فباعته بسوق بني قينقاع، ثم جلست إلى صائغ منهم، فجعلوا يريدونها عن كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى عمل مشين، فقد عقد طرف ثوبها إلى ظهرها وهي لا تشعر، فلما قامت انكشفت سوءتها فضحكوا منها، فصاحت واستغاثت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ اليهودي فقتله، فتجمّع اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل الإسلام المسلمين، فغضب المسلمون ووقع الشر بينهم وبين اليهود (٢) .

стр. 58

وإزاء ذلك رأى رسول الله ﷺ أن بني قينقاع نقضوا العهد بهذه الفعلة النكرة، فأخبرهم بنقض العهد الذي كان بينه وبينهم؛ تأدباً بأدب القرآن الذي يأمر بذلك فيقول: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء﴾ [الأنفال:٥٨] ، ثم حاصرهم رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة حتى نزلوا على حكم الله ورسوله، فاستشار الرسول كبارَ أصحابه وانتهى الأمر بإجلائهم (١) . ولا يُعتقد أنّ سبب إجلاء بني قينقاع يعود إلى رفضهم قبول الإسلام، ففي هذه المرحلة كان يُقبل التعايش السلمي معهم، ولم يكن الرسول ليشترط على أحد من اليهود أن يدخل الإسلام مقابل بقائه في المدينة، بل إنّ نصوص المعاهدة تؤكد إعطاء اليهود حريتهم الدينية في المدينة المنورة.

стр. 59

هدف الجهاد: وزعم كاتب الموسوعة في (المجلد ٢٢) الصفحة (١٠١٤- ١٠١٥) : "أن غزوات المسلمين كانت لأطماع مادية". وفي الصفحة الثالثة عشرة الفقرة الأخيرة حتى الصفحة الرابعة عشرة الفقرة الأولى زعم: "أن محمداً ﷺ عقد صلح الحديبية مع قريش وهذا لم يرق للمسلمين الذين أرادوا القتال فعوضهم محمد بحرب تعطي ثماراً (غنائم وقتْل) وهي حربه ضد خيبر، وكان سبب الحرب ضد خيبر تعطش المسلمين للقتل وسفك الدماء". ونقول: إن الغاية التي من أجلها شرع الجهاد إنما هي نشر كلمة الله وإعلاء رسالة الإسلام في الأرض، وإخراج الناس من عبادة غير الله إلى عبادة الله وحده، ولم تكن دوافع الجهاد عند رسول الله ﷺ يوماً دوافع مادية يهدف من خلالها إلى الاستيلاء على الأموال والأرزاق والغنائم، بل الهدف أسمى من ذلك. وقد أراد رسول الله ﷺ بعد أن عقد صلح الحديبية مع قريش وأمّنهم، وأمِنَ منطقة الجنوب، أراد بسط سيطرته على ناحية الشمال من الجزيرة، وكان في هذه المنطقة يهود خيبر. ولم يكد رسول الله ﷺ يرجع من الحديبية ويستريح بالمدينة شهراً حتى أمر بالتجهيز للخروج إلى خيبر، واشترط أن لا يغزو معه إلا من شهد الحديبية كما أمره الله تعالى، وذلك ليضمن صدق النوايا، حتى إن بعض الأعراب الذين تخلفوا عن الحديبية أرادوا أن يخرجوا معه فقال لهم: "لا

стр. 60

تخرجوا معي إلا رغبة في الجهاد، أمّا الغنيمة فلا أعطيكم منها شيئاً" وقد أراد الرسول بذلك أن يبين لهم أن لا حاجة له بالذين لا همّ لهم إلا الغنيمة (١) . ومما يدل على أن المغانم والأموال لم تكن هدف المسلمين من حربهم واستيلائهم على خيبر، ولم يكن التعطش للقتل وسفك الدماء بغيتهم، أن رسول الله ﷺ أوصى علياً ﵁ أن يدعو يهود خيبر إلى الإسلام وما يجب عليهم من حق الله، وقال له: "فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم" (٢) إنها فرحة لا تعدِلُها فرحة أن يهتدي يهود أو يهتدي أحد منهم إلى الإسلام، إذن كان همُّ رسول الله ﷺ في فتحه خيبر نشر العقيدة وإزاحة العقبات من طريقها. ولما سأله علي ﵁: "يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟ قال: "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" (٣) . هذا على مستوى القيادة، أما على مستوى الأفراد والأتباع والجند فتأمل هذه الحادثة: "صح أن أعرابياً شهد فتح خيبر أراد النبي ﷺ أثناء المعركة أن يقسم له قسماً وكان غائباً، فلما حضر أعطوه ما قسم له، فجاء به إلى النبي ﷺ فقال: ما على هذا تبعتك، ولكن اتبعتك على أن أُرمى هاهنا وأشار إلى حلقه

стр. 61

بسهم، فأدخل الجنة. قال رسول الله ﷺ : إن تصدُق الله يصدقك، قال فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به يُحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فكفنه النبي ﷺ بجُبّة وصلى عليه ودعا له فكان من قوله: "اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك فقتل شهيداً وأنا عليه شهيد" (١) . إنّ هذه الرواية وهي صحيحة تعد شاهداً قوياً على ما بلغته نفس هذا الجندي الأعرابي الذي ألِفَ حياة الغزو والسلب والنهب في الجاهلية، إنّه لا يَقْبَل ثمناً إلا الجنة، وإذا كان هذا دافع الإيمان في نفس هذا الفرد فكيف يبلغ الإيمان إذن في نفوس الصفوة المختارة من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ أيقال: إنهم فتحوا ديار اليهود طمعاً في أرض أو مال؟ أيُتهمون بأن التعصب الديني دفعهم لطرد اليهود، وهم الذين دعوهم للإسلام قبل القتال، وقبلوا أن يعطوهم الأمان بعد الحصار، وأبقوهم في خيبر بعد الاستسلام، فمكثوا فيها حتى خلافة عمر ﵁، ثم بدت منهم العداوة وغدروا بالمسلمين فقتلوا منهم رجلاً وفدعوا (٢) يدي عبد الله بن عمر وهو نائم في سهمه في خيبر، فأجلاهم عمر من خيبر، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالاً وإبلاً وعروضاً من أقتاب وحبال" (٣) . وقد ورد في رواية صحيحة أن النبي ﷺ قاتل أهل خيبر فغلب على النخل والأرض وألجأهم إلى قصرهم فصالحوه على أن لرسول الله ﷺ الصفراء

стр. 62

والبيضاء والحَلْقة، ولهم ما حملت ركابهم على أن لا يكتموا ولا يعيبوا شيئاً فإن فعلوه فلا ذمة لهم ولا عهد" (١) . ونلخص ما سبق بما يلي: *لم يكن إجلاء يهود بني قينقاع من المدينة بسبب شجار عابر، وإنما بعبارة مختصرة: لنقضهم العهد. * ولم يكن دافع رسول الله ﷺ وصحابته في غزوهم خيبر دافعاً مادياً أو تعطشاً للقتال، وإنما لنشر دعوة الإسلام وفي سبيل الله. * لا يرى الإسلام مانعاً من قبول اليهود مواطنين في الدولة المسلمة، ولولا نقض العهد المتكرر منهم في المدينة لأمكن التعايش بسلام ووئام، وليس الدافع وراء إخراجهم أيضاً فشل رسول الله ﷺ في دعوته إياهم وأن وجودهم يذكره بذلك، كلا، فلأهل الكتاب نظرة خاصة مميزة تتلخص في الإحسان إليهم والعدل فيهم، فلهم ما لنا وعليهم ما علينا (٢) .

стр. 63

التميز في الشخصية: "وفي (المجلد ٢٢) الصفحة (١٠١٢) يقول كاتب الموسوعة: "إن محمداً "﵇" تقرب من اليهود بصوم عاشوراء وتحديد القدس قبلة للمسلمين بهدف نيل دعْم اليهود واعترافهم به نبياً، وهذا من شأنه أن يزيد من اعتناق الناس للإسلام". وفي ج٢٢ (ص١٠١٢) قال: "وعندما رفضوا دعوته غيّر القبلة". وقال: "كان اليهود مشمولين بالاتفاق الذي كان بين محمد وأهل المدينة بالفعل، ولكي يحصل محمد على تأييد لمكانته كنبيّ ألبس أقواله لباساً بسبب رغبته أن يعطي لأقواله الاستمرارية مع أقوال الأنبياء الذين سبقوه! لذا جعل محمد القدس قبلة الصلاة كما أنه طبّق الصوم اليهودي وحدّد ساعات بعد الظهر من يوم الجمعة كيوم الصلاة الأسبوعية الجماعية". ونقول: إن ديانة الإسلام منذ اللحظة الأولى من استقرارها في المدينة حرصت على تميز المسلم في تصوره وسلوكه وأسلوب حياته، حتى إن هذا التميز صِيغَ صياغة قانونية، فمذ وصل رسول الله ﷺ المدينة عقد معاهدة بين المهاجرين والأنصار واليهود وهي معاهدة واضحة (١) ففي البند الأول منها: "أنهم - أي المؤمنين المهاجرين والأنصار أهل يثرب - أمة واحدة من دون الناس" تربط أفرادها رابطة العقيدة وليس الدم، فولاؤهم لا للقبيلة، ولا بد من تميز هؤلاء

стр. 64

على غيرهم، ويتضح هذا التميّز بالاتجاه نحو الكعبة بعد أن اتجهت الجماعة المسلمة ستة عشر شهراً إلى بيت المقدس. ومضى النبي ﷺ يميّز أصحابه وأتباعه عن سواهم في أمور كثيرة، ويوضح لهم أنه يقصد بذلك مخالفة أهل الكتاب "اليهود" ومما أمر رسول الله صحابته بالمخالفة فيه: أن اليهود لا يصلّون بالخف، فأذن النبي لأصحابه أن يصلوا بالخف (١) . واليهود لا يصبغون الشيب، فأمر النبي ﷺ المسلمين أن يغيروا الشَّيب بالحناء والكتم (٢) . واليهود يصومون عاشوراء، والنبي ﷺ يصومه لكنه اعتزم آخر حياته أن يصوم يوماً قبله مخالفة لهم (٣) . ووضع رسول الله ﷺ مبدأ عاماً في التعامل مع اليهود تصوراً وسلوكاً وأسلوب حياة، هذا المبدأ هو (لا تشبهوا باليهود) (٤) . إنّ التميّز بصفات وتصورات وسمات لا يقف حائلاً أمام التعامل الإنساني والتبادل المعرفي؟ فالإسلام وعاء انصهرت فيه كثير من الثقافات، وأمكنه

стр. 65

احتواء أتباع من العالم كله بمختلف منابتهم ومشاربهم، والإسلام لا يمنع أحداً من اعتناقه إذا ما قبل به ديناً. إنّ للمسلم ثقافته التي يحرص عليها ولا يتنازل عنها، ولم يكن رسول الله ﷺ يتوجه إلى بيت المقدس ليخطب ودّ يهود أو يصوم عاشوراء تقرباً لدينهم، كلا وإنما هي أوامر يتلقاها المصطفى ﷺ بالوحي من ربه ولقد كانت الموافقة في بدايات التشريع، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء (١) . وكان هذا متقدماً ثم نُسخ بعد ذلك، وشرع له مخالفة أهل الكتاب، وثبت أن رسول الله ﷺ سدل شعره موافقة لهم (٢) ، ثم فرق شعره بعد. قال ابن تيمية: "وهذا كما أن الله شرع في أول الأمر استقبال بيت المقدس موافقة لأهل الكتاب، ثم أنه نسخ ذلك وأمر باستقبال الكعبة، وأخبر عن اليهود وغيرهم أنهم سيقولون: ﴿مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ [البقرة:١٤٢] وأنهم لا يرضون عن رسول الله ﷺ حتى يتّبع قبلتهم" (٣) . أمّا صيامه ﷺ عاشوراء: فقد ثبت أنه كان يصومه قبل الحديث مع اليهود بشأنه، بل إن قريشاً كانت تصومه، ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: "كانت قريش تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية وكان رسول الله يصومه، فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصومه، فلما فرض صوم شهر

стр. 66

رمضان قال: من شاء صامه ومن شاء تركه" (١) وحين قال رسول الله ﷺ : "فنحن أحق بموسى منكم" (٢) قالها تأكيداً لصومه وبياناً أنّ الذي تفعلونه من موافقة موسى نحن أيضاً نفعله، فنكون أولى بموسى منكم" (٣) .

стр. 67

النبوة والأنبياء: وفي المجلد (٤) الصفحة (٩٥٥) الفقرة ٣: زعم كاتب الموسوعة "أن الأنبياء يتنافسون على المنصب والتأييد كأي إنسان يسعى للمناصب في المجتمع". ونقول: إن المتأمل في كتابات المستشرقين والمستعرض لمزاعم كاتب الموسوعة العبرية يلمح انتقاصاً من قدْر الأنبياء والمرسلين واتهاماً لهم في عصمتهم وأمانتهم. إننا نعتقد اعتقاداً جازماً راسخاً بعصمة الأنبياء، وقد اتفقت الأمة الإسلامية وأجمعت على أن الرسل جميعاً معصومون في تحمّل الرسالة فلا ينسون شيئاً مما أوحاه الله إليهم إلاّ شيئاً قد نُسخ. ﴿سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى، إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦-٧] وهم معصومون في التبليغ فلا يكتمون، والكتمان خيانة، وهم مبرَّؤون منها: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧] . كما يتصف الأنبياء بالكمال البشري، ويترفعون عن السفاسف وما يجرح في العدالة ... ، ولا يتصور منهم أن يتنافسوا بينهم على المنصب والتأييد كما يزعم كاتب الموسوعة (١) إنهم رسل الله المؤيدون منه، وأجمعت الأمة الإسلامية على تفضيل الأنبياء على غيرهم من الصديقين والشهداء والصالحين قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ

стр. 68

مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:٨٣] . وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ، وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤-٨٦] . وثبت أنّ الله تعالى فضّل بعض النبيين على بعض ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء:٥٥] . وأفضل الرسل والأنبياء خمسة هم: محمد ﷺ ، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وتفاضلهم إنما يكون بأن يعطى أحدهم أمراً لا يُعطاه غيره، أو برفع درجته، أو باجتهاده في العبادة والدعوة. هذا ما نعتقده وننطلق منه حين نتعامل مع الأنبياء وميراثهم، ولا يمكن أن يقع من الأنبياء معاصٍ أو ذنوب كما هو الاعتقاد السائد في الكتب التي عند اليهود والنصارى. إنّ كاتب الموسوعة العبرية في تعامله مع الأنبياء ينطلق من اعتقاده أنْ ليس للأنبياء عصمة، وينسب إليهم النقص والقبائح. ولننظر على سبيل المثال المواضيع التالية من المصادر اليهودية القديمة: (سفر التكوين إصحاح "١٩" عدد "٣٠" والإصحاح "٣١" عدد "١٧" والإصحاح "٣٥" عدد"٣٢"، وسفر صموئيل إصحاح "١١" عدد "١"

стр. 69

وسفر الملوك الأول إصحاح"١١" عدد "٥") . والنصارى لا يقلّون عن اليهود احتقاراً للأنبياء وتنقيصاً من قدْرهم، وانظر في مصادرهم (إنجيل متى الإصحاح الأول عدد"١٠"، وإنجيل يوحنا إصحاح "٢" عدد "٤" وإصحاح "١٠" عدد "٨") . إنّ القرآن الكريم لم يتضمن ذكراً لجميع الرسل والأنبياء الذين أرسلهم الله تعالى بوحيه ورسالاته، والقرآن يصرّح لنا بذلك فيقول: ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨] ويقول: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٤] وفي ذلك رد على كاتب الموسوعة (ص٣٧ ملاحظة رقم-١- من المذكرة) حيث قال: "أغلب أنبيائنا الكبار مثل (يشعياهو، ويرمياهو، ويحزقائيل) غير مذكورين في القرآن، وثلثا الأنبياء المذكورين في القرآن مأخوذون من الكتاب المقدس (التناخ) ".

стр. 70

مكانة محمد ﷺ تكثيره الطعام ... مكانة محمد ﷺ : يزعم صاحب الموسوعة المجلد ٢٢ الصفحة (١٠١٥) الفقرة الأولى: "أن محمداً "﵇" كرر قوله إنه إنسان ككل الناس، ولكن الشعور بأفضليته وسموه عن الباقين برزت بأوامر متكررة في القرآن. وهذا الشعور لم يكن يحتاج لأوامر قرآنية لكي يؤكَّد بين الناس فأصبحت شخصية محمد "﵇" أسطورية كباقي الأنبياء، فسيرة ابن إسح?ق وابن هشام مليئة بقصص عجيبة عنه منذ البشارة بولادته مروراً بالقصة العجيبة حول سفره الليلي للأقصى والمذكورة في القرآن. ولم تكن المسافة بعيدة بين المعجزات التي حدثت معه وتلك التي أحدثها محمد "﵇" بنفسه رغم رفضه الشديد لفكرة قدرته على إحداث المعجزات. وقد ضخّم الناس صورة نبيهم محمد ﵇ حتى أوصلوه لدرجة قديس بمفهومها النصراني". ونقول: إنّ النبوة والرسالة ليس بمقدور أحد أن يدّعيها من غير برهان واضح أو دليل ساطع، وهذه الأدلة والبراهين يؤيد الله بها أنبياءه، وهي ما يسمى في المصطلح الإسلامي "دلائل النبوة"، وكان الأنبياء يقولون لأقوامهم: نحن مرسلون من عند الله، وعليكم أن تصدقونا فيما نخبركم به، وتطيعونا فيما نأمركم بفعله، وتجتنبوا ما ننهاكم عنه، وهذا نوح ﵇ يقول: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٠٦-١٠٨] ، وهكذا

стр. 71

الأنبياء جميعاً هود وصالح ولوط وشعيب، لقد أيّد الله تعالى أنبياءه كلهم بالأدلة بحيث يقيمون الحجة، فلا يبقى لأحد عذر في الجحود وعدم التصديق ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد:٢٥] . ومن أعظم الدلائل الدالة على نبوة الرسل: ما يُجريه الله على أيديهم من أمور خارقة للسنن الكونية المعتادة والقانون الطبيعي الراتب والتي لا قُدرة للبشر على الإتيان بمثلها، كتحويل العصا إلى أفعى تتحرك وتسعى، ونزع خاصّية الاحتراق من النار، بحيث تكون هذه الظواهر أدلة لا تقبل النقض، ويسمى ذلك في عرف علماء العقيدة بالمعجزة وهي: "أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة". ومما يظهر على يد النبي ما يقصد به التحدي، ومنه ما لا يقصد به التحدي، ومن الأخيرة؛ نبع الماء من بين أصابع النبي ﷺ وتسبيح الحصا في كفه ... ومن الأولى أن يطلق على ذلك كله سواء تحدي به أو لم يتحد لفظ "الآية"، كما ورد في القرآن الكريم (١) . والمعجزات وإظهار الخوارق "والآيات" على أيدي الأنبياء بعامة ليست قصصاً من نسج خيال الأتباع لخلق شخصية أسطورية تُغري باتبّاعها والاستسلام لها، كما يصور ذلك كاتب الموسوعة. ونحن المسلمين حين نرد وندافع عن الأنبياء إنما ننطلق من واقع أنّ ما جاؤوا به هو من الله، لا نسمح لأحد بالمساس به أو التطاول عليه، وما مِن

стр. 72

نبي إلا وأيّده الله بآية، فصالح ﵇ طلب منه قومه آية أن يُخرج لهم من الصخر ناقة لها أوصافها ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:٥٩] . وإبراهيم ﵇ أشعل الكفار ناراً فرموه بها ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٦٩-٧٠] وجرت على يد إبراهيم آيات منها؛ إحياء الموتى (١) . وجرت على يد موسى كثير من الدلائل والآيات وعلى رأسها العصا التي تحولت إلى حية عظيمة، وابتلاعها حبال السحرة وعصيهم (٢) ، ومنها: ضرب موسى البحر بعصاه وانفلاقه (٣) ، وضربه الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً.. (٤) . وعلى يد عيسى وضّح القرآن آيات جرت منها: أنه كان يصنع من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيها فتصبح طيراً بإذن الله وقدرته، ويمسح الأكمه فيبرأ بإذن الله وكذا الأبرص، ويحيى الموتى بإذن الله (٥) , وطلب من الله أن ينزل عليه مائدة من السماء فأنزلها الله تعالى (٦) . ومحمد ﷺ أيده الله بمعجزات باهرات؛ وآيات واضحات كإخوانه الأنبياء، وقد عدّ العلماء المعجزات والدلائل التي ظهرت على يد الرسول ﷺ

стр. 73

فبلغت الألف، وتضمنتها كتب خاصة يطلق عليها "الدلائل" أو "دلائل النبوة" مثل "دلائل النبوة" للبيهقي. و"دلائل النبوة" للأصفهاني. إننا لا نزعم أن جميع الروايات التي ساقتها هذه الدلائل روايات صحيحة، بل منها الصحيح ومنها دون ذلك. وقد دخلت مجال السيرة النبوية والمغازي بعض الإسرائيليات والأساطير والرواياتِ الضعيفة والمكذوبة، فمثل ذلك لا يعتمده العلماء الراسخون وهم متنبهون حَذِرون من كل ما يوضع في هذا المجال وفي غيره ولا يُعد مشكلة في نظرنا. إنّ أعظم آية أعطيها الرسول ﷺ هي القرآن، تحدى الله بهذا الكتاب فصحاء العرب أن يأتوا بشيء من مثله فعجزوا (١) . لقد جاء القرآن ليكون نمطاً جديداً من المعجزات، وليس معجزة حسية، ولو شاء الله تعالى أن ينزل على نبيه آية حسّية لأنزل ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء:٤] ولكنه تعالى أرادها "القرآن" الذي هو منهج حياة كامل ومعجز في كل جوانبه. لقد ناسب أن تكون معجزة الإسلام معجزة مفتوحة للبعيد والقريب، لكل أمة، ولكل جيل، والخوارق القاهرة لا تلوي إلا أعناق من يشاهدونها ثم تبقى بعد ذلك قصة تُروى لا واقعاً يشهد ويُمارس، فأما القرآن فها هو بعدَ أكثر من أربعة عشر قرناً، كتابٌ مفتوح ومنهج مرسوم يستمد منه أهل الزمان ما يقوّم حياتَهم، ويلبي حاجاتهم كاملة، ويقودهم بعدها إلى عالم

стр. 74

أفضل وأفُق أعلى.. ويبقى رصيدُه لا ينفد بل يتجدد (١) . ثم ما عدا القرآن من الآيات المؤيدات التي تأيَّد بها نبيُّنا محمد ﷺ وجرت على يديه طرق إثباتها ليس خيالات الناس كما يرى كاتب الموسوعة، إن إثبات هذه الأمور إنما هو بالخبر الصادق الذي يخضع لقواعد النقد وقوانين الجرح والتعديل، وهي قوانين علمية يسير بها الباحثون المسلمون وفق المنهج العلمي الذي سلم به غير المسلمين أيضاً (٢) . ومن معجزات الرسول ﷺ التي حصلت بل وثبتت بالقرآن: انشقاق القمر ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ [القمر:١-٢] . والأحاديث التي أثبتت هذه المعجزة متواترة، وقد شوهد انشقاقه كما يقول ابن كثير في بقاع من الأرض (٣) . ولا أريد أن أطيل بذكر جميع الآيات التي جرت على يد رسولنا محمد ﷺ ، ولكن أذكر بعضاً منها وأشير إلى الرواية التي ذَكَرَتْها: تكثيره الطعام: طعام القلة يكفي العشرات، ففي الحديث الصحيح قوله ﷺ لأم سليم: "هلمي يا أم سليم، ما عندك"، فأتت بذلك الخبز فأمر به رسول الله ﷺ ففتّ وعصرتْ عليه أم سليم عكة لها فأَدَمَتْه، ثم قال رسول الله ﷺ فيه ما شاء الله

стр. 75

أن يقول، ثم قال: "ائذن لعشرة"، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم قال: "ائذن لعشرة"، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا ثم قال: "ائذن لعشرة ... " والقوم سبعون أو ثمانون رجلاً (١) .
следующие страницы →