الأنبياء جميعاً هود وصالح ولوط وشعيب، لقد أيّد الله تعالى أنبياءه كلهم بالأدلة بحيث يقيمون الحجة، فلا يبقى لأحد عذر في الجحود وعدم التصديق ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد:٢٥] .
ومن أعظم الدلائل الدالة على نبوة الرسل: ما يُجريه الله على أيديهم من أمور خارقة للسنن الكونية المعتادة والقانون الطبيعي الراتب والتي لا قُدرة للبشر على الإتيان بمثلها، كتحويل العصا إلى أفعى تتحرك وتسعى، ونزع خاصّية الاحتراق من النار، بحيث تكون هذه الظواهر أدلة لا تقبل النقض، ويسمى ذلك في عرف علماء العقيدة بالمعجزة وهي: "أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة".
ومما يظهر على يد النبي ما يقصد به التحدي، ومنه ما لا يقصد به التحدي، ومن الأخيرة؛ نبع الماء من بين أصابع النبي ﷺ وتسبيح الحصا في كفه ...
ومن الأولى أن يطلق على ذلك كله سواء تحدي به أو لم يتحد لفظ "الآية"، كما ورد في القرآن الكريم (١) .
والمعجزات وإظهار الخوارق "والآيات" على أيدي الأنبياء بعامة ليست قصصاً من نسج خيال الأتباع لخلق شخصية أسطورية تُغري باتبّاعها والاستسلام لها، كما يصور ذلك كاتب الموسوعة.
ونحن المسلمين حين نرد وندافع عن الأنبياء إنما ننطلق من واقع أنّ ما جاؤوا به هو من الله، لا نسمح لأحد بالمساس به أو التطاول عليه، وما مِن
стр. 72
نبي إلا وأيّده الله بآية، فصالح ﵇ طلب منه قومه آية أن يُخرج لهم من الصخر ناقة لها أوصافها ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:٥٩] . وإبراهيم ﵇ أشعل الكفار ناراً فرموه بها ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٦٩-٧٠] وجرت على يد إبراهيم آيات منها؛ إحياء الموتى (١) .
وجرت على يد موسى كثير من الدلائل والآيات وعلى رأسها العصا التي تحولت إلى حية عظيمة، وابتلاعها حبال السحرة وعصيهم (٢) ، ومنها: ضرب موسى البحر بعصاه وانفلاقه (٣) ، وضربه الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً.. (٤) .
وعلى يد عيسى وضّح القرآن آيات جرت منها: أنه كان يصنع من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيها فتصبح طيراً بإذن الله وقدرته، ويمسح الأكمه فيبرأ بإذن الله وكذا الأبرص، ويحيى الموتى بإذن الله (٥) , وطلب من الله أن ينزل عليه مائدة من السماء فأنزلها الله تعالى (٦) .
ومحمد ﷺ أيده الله بمعجزات باهرات؛ وآيات واضحات كإخوانه الأنبياء، وقد عدّ العلماء المعجزات والدلائل التي ظهرت على يد الرسول ﷺ
стр. 73
فبلغت الألف، وتضمنتها كتب خاصة يطلق عليها "الدلائل" أو "دلائل النبوة" مثل "دلائل النبوة" للبيهقي. و"دلائل النبوة" للأصفهاني.
إننا لا نزعم أن جميع الروايات التي ساقتها هذه الدلائل روايات صحيحة، بل منها الصحيح ومنها دون ذلك.
وقد دخلت مجال السيرة النبوية والمغازي بعض الإسرائيليات والأساطير والرواياتِ الضعيفة والمكذوبة، فمثل ذلك لا يعتمده العلماء الراسخون وهم متنبهون حَذِرون من كل ما يوضع في هذا المجال وفي غيره ولا يُعد مشكلة في نظرنا.
إنّ أعظم آية أعطيها الرسول ﷺ هي القرآن، تحدى الله بهذا الكتاب فصحاء العرب أن يأتوا بشيء من مثله فعجزوا (١) .
لقد جاء القرآن ليكون نمطاً جديداً من المعجزات، وليس معجزة حسية، ولو شاء الله تعالى أن ينزل على نبيه آية حسّية لأنزل ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء:٤] ولكنه تعالى أرادها "القرآن" الذي هو منهج حياة كامل ومعجز في كل جوانبه.
لقد ناسب أن تكون معجزة الإسلام معجزة مفتوحة للبعيد والقريب، لكل أمة، ولكل جيل، والخوارق القاهرة لا تلوي إلا أعناق من يشاهدونها ثم تبقى بعد ذلك قصة تُروى لا واقعاً يشهد ويُمارس، فأما القرآن فها هو بعدَ أكثر من أربعة عشر قرناً، كتابٌ مفتوح ومنهج مرسوم يستمد منه أهل الزمان ما يقوّم حياتَهم، ويلبي حاجاتهم كاملة، ويقودهم بعدها إلى عالم
стр. 74
أفضل وأفُق أعلى.. ويبقى رصيدُه لا ينفد بل يتجدد (١) .
ثم ما عدا القرآن من الآيات المؤيدات التي تأيَّد بها نبيُّنا محمد ﷺ وجرت على يديه طرق إثباتها ليس خيالات الناس كما يرى كاتب الموسوعة، إن إثبات هذه الأمور إنما هو بالخبر الصادق الذي يخضع لقواعد النقد وقوانين الجرح والتعديل، وهي قوانين علمية يسير بها الباحثون المسلمون وفق المنهج العلمي الذي سلم به غير المسلمين أيضاً (٢) .
ومن معجزات الرسول ﷺ التي حصلت بل وثبتت بالقرآن: انشقاق القمر ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ [القمر:١-٢] .
والأحاديث التي أثبتت هذه المعجزة متواترة، وقد شوهد انشقاقه كما يقول ابن كثير في بقاع من الأرض (٣) .
ولا أريد أن أطيل بذكر جميع الآيات التي جرت على يد رسولنا محمد ﷺ ، ولكن أذكر بعضاً منها وأشير إلى الرواية التي ذَكَرَتْها:
تكثيره الطعام:
طعام القلة يكفي العشرات، ففي الحديث الصحيح قوله ﷺ لأم سليم: "هلمي يا أم سليم، ما عندك"، فأتت بذلك الخبز فأمر به رسول الله ﷺ ففتّ وعصرتْ عليه أم سليم عكة لها فأَدَمَتْه، ثم قال رسول الله ﷺ فيه ما شاء الله
стр. 75
أن يقول، ثم قال: "ائذن لعشرة"، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم قال: "ائذن لعشرة"، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا ثم قال: "ائذن لعشرة ... " والقوم سبعون أو ثمانون رجلاً (١) .
стр. 76
تكثير الماء ونبعه من بين أصابعه:
هذه الآية تكررت وهذا ابن مسعود يقول: كنا مع النبي ﷺ في سفر فقل الماء فقال: اطلبوا فضلة من ماء فجاؤوا بإناء فيه قليل من الماء فأدخل يده في الإناء ثم قال: حي على الطهور المبارك والبركة من الله.. ولقد رأيت الماء ينبع من بين أصابعه ﷺ ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يأكل (٢) .
стр. 77
حنين الجذع:
كان رسول الله ﷺ يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحنّ الجذع، فأتاه فمسح عليه (٣) .
стр. 78
تسليم الحجر على النبي ﷺ :
عن جابر بن مرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعرف حجراً بمكة كان يُسلم عليّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن" (٤) .
ومن المعجزات الخارقة: الإسراء والمعراج، إسراء الله بنبيّه من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، ثم عروجه إلى السموات العلى، وهي ثابتة بالقرآن،
стр. 79
لا يملك أحد إنكارها، وفي عروجه ﷺ رأى آيات عظمى، ورأى جبريل على هيئته التي خلقه الله عليها قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الإسراء:١] .
هذه المعجزات جميعاً وهذه الآيات ليست هي بالعجيبة إذا أيقنا أن الله تعالى هو الذي أجراها على يد رسولنا محمد ﷺ ، والله على كل شيء قدير.
стр. 80
شهادات على عظمة محمد ﷺ
القرآن
...
شهادات على عظمة محمد ﷺ :
إنّ مكانة رسول الله ﷺ لا يحددها الناس والأتباع، وإنما يقررها الله تعالى في آيات كثيرة ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح:٨-٩] .
ومعنى توقيره ﷺ : تعظيمه، وإجلاله، والإكبار من شأنه، والرفع من قدره حتى لا يدانيه أحد من الناس.
وأمر الله بطاعة رسوله محمد ﷺ فقال: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء:٨٠] وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور:٥٤] .
وأمر بمتابعته في الاعتقاد والقول والعمل، واشترط لحصول محبة الله أن يُتّبع الرسول فقال سبحانه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] .
إنّ قَدْر محمد ﷺ مرتبط بقَدْر رسالته التي حَمَلها وهي رسالة الإنسانية، ولسنا نحن المسلمين فقط نعظّم محمداً ﷺ ونوقره ونشهد له بالفضل، بل إن كتّاباً ومفكرين عالميين درسوا الإسلام وانتهوا بدراستهم إلى هذه النتيجة وشهدوا ضد من تحامل على الإسلام، وها أنا أسوق لك شهادة بعضهم:
يقول (برناردشو) بعد أن درس الإسلام: "إني لأعتقد بأنه لو تولى رجل مثل محمد حُكم العالم الحديث، لنجح في حلّ مشكلاته بطريقة تجلب إلى العالم السلام والسعادة والطمأنينة التي هو في أشد الحاجة إليها".
стр. 81
"لقد أفاد الإسلامُ التمدّن أكثر من النصرانية، ونَشَر راية المساواة والأخوة. وهذه الأدلة نذكرها نقلاً عن تقارير الموظفين الإنجليز، وعما كتبه أغلبُ السيّاح من النتائج الحسنة التي نتجت من الدين الإسلامي، وظهرت آياتها منه، فإنه عندما تدين به أمة من الأمم السودانية تختفي بينها - في الحال- عبادة الأوثان، وإتباع الشيطان، والإشراك بالعزيز الرحمن، وتحرّم أكل لحم الإنسان، وقتل الرجال ووأد الأطفال، وتُضْرب عن الكهانة، ويأخذ أهلُها بأسباب الإصلاح وحب الطهارة واجتناب الخبائث والرجس والسعي نحو إحراز المعالي وشرف النفس. ويصبح عندهم قِرى الضيف من الواجبات الدينية، وشرب الخمر من الأمور البغيضة، ولعب الميسر والأزلام محرماً. والرقص القبيح، ومخالطة النساء – اختلاط دون تمييز – بغيضاً. ويحسبون عفة المرأة من الفضائل، ويتمسكون بحسن الشمائل.
أما الغلو في الحرية وراء الشهوات، فلا تجيزه الشريعة الإسلامية. والدين الإسلامي هو الدين الذي يقمع النفس عن الهوى، ويحرم إراقة الدماء، والقسوة في معاملة الحيوان والأرقاء، ويوصي بالإنسانية، ويحض على الخيرات والأخوة. ويقول بالاعتدال في تعدد الزوجات، وكبح جماح الشهوات" (١) .
أما الفيلسوف الروسي المنصف تولستوي فعندما رأى تحامل أهل الأديان الأخرى على الدين الإسلامي هزّته الغيرة على الحق، فوضع كتاباً عن نبي الإسلام، قال فيه: "وُلد نبي الإسلام في بلاد العرب من أبوين فقيرين. وكان- في حداثة سِنّه - واعياً يميل إلى العُزلة والانفراد في البراري والصحاري،
стр. 82
ومتأملاً في الله خالق الكون.
لقد عبد العرب المعاصرون له أرباباً كثيرة، بالغوا في التقرب إليها واسترضائها، وأقاموا لها العبادات، وقدموا لها الضحايا المختلفة.
وكان - كلما تقدم به العمر - ازداد اعتقاداً بفساد تلك الأرباب، وأن هناك إلهاً واحداً حقيقياً لجميع الناس والشعوب.
وقد ازداد إيمان محمد بهذه الفكرة، فقام يدعو أمته وأهله إلى فكرته، معلناً: أن الله اصطفاه لهدايتهم، وعهد إليه إنارة بصائرهم، وهدم ديانتهم وعباداتهم الباطلة، وراح يعلن عن عقيدته وديانته.
وخلاصة هذه الديانة التي نادي بها الرسول: هو أن الله إله واحد - لا إله إلاّ هو - ولذلك لا يجوز عبادة غيره وأن الله عادل ورحيم بعباده، وأن مصيره النهائي، متوقف عليه وحده، فمن آمن به فإن الله يأجره في الآخرة أجراً حسناً. وإذا ما خالف شريعة الله، وسار على هواه فإنه يعاقب في الآخرة عقاباً أليماً، وإن الله تعالى يأمر الناس بمحبة بعضهم بعضاً.
ومحبة الله تكون بالصلاة، ومحبة الناس تكون بمشاركتهم في السراء والضراء. وإن الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ينبغي عليهم أن يبذلوا وسعهم لإبعاد كل ما من شأنه إثارة الشهوات النفسية، والابتعاد عن الملذات الدنيوية، وإنه يتحتم عليهم ألا يخدموا الجسد ويعبدوه، بل عليهم أن يخدموا الروح ويهذبوها. ومحمد لم يقل عن نفسه إنه نبي الله الوحيد، بل اعتقد أيضاً بنبوة موسى وعيسى، وقال: "إن اليهود والنصارى لا يُكْرَهون على ترك دينهم".
стр. 83
وفي سني دعوته الأولى، احتمل كثيراً من اضطهادات أصحاب الديانات القديمة، شأن كل نبي قبله نادى أمته إلى الحق، ولكن هذه الاضطهادات لم تثنه عن عزمه، بل ثابر على دعوة أمته.
وقد امتاز المؤمنون كثيراً عن العرب (*) : بتواضعهم وزهدهم في الدنيا، وحب العمل والقناعة، وبذلوا جهدهم في مساعدة إخوانهم في الدين عند حلول المصائب بهم. ولم يمض على جماعة المؤمنين زمن طويل، حتى أصبح الناس المحيطون بهم يحترمونهم احتراماً عظيماً، ويعظمون قدرهم، وراح عدد المؤمنين يتزايد يوماً بعد يوم ... !!
ومن فضائل الدين الإسلامي: أنه أوصى بالمسيحيين واليهود ورجال دينهم. فقد أمر بحسن معاملته، وقد بلغ من حسن معاملته لهم أنه سمح لأتباعه بالتزوج من أهل الديانات الأخرى، ولا يخفى على أصحاب البصائر العالية، ما في هذا من التسامح العظيم " ثم ختم كلامه قائلاً: "لا ريب أن هذا النبي، من كبار الرجال المصلحين؛ الذين خدموا الهيئة الاجتماعية خدمة جلية، ويكفي فخراً أنه هدى أمته برمتها إلى نور الحق، وجعلها تجنح للسلام، وتكف عن سفك الدماء وتقديم الضحايا. ويكفيه فخراً أنه فتح لها طريق الرقي والتقدم، وهذا عمل عظيم لا يفوز به إلا شخص أوتي قوة وحكمة وعلماً، ورجل مثله جدير بالإجلال والاحترام" (١) .
стр. 84
أما عن معجزة نبينا الخالدة فإن الدكتور: "موريس بوكاي" يستعرض عظمة القرآن ويستدل على أن محمداً ﷺ نبي مرسل بسؤاله: كيف امتلك هذا القدر من المعارف العلمية الهائلة في القرن السابع من العصر المسيحي في وقت تفشي الجهل وعَمُومِِِهِ؟؟!
هذا القدر من المعارف العلمية التي سبقت بأكثر من أربعة عشر قرناً الثقافة العلمية المعاصرة، استمع إليه وهو يقول: "لقد أثارت هذه الجوانب العلمية التي يختص بها القرآن دهشتي العميقة في البداية، فلم أكن أعتقد قط بإمكان اكتشاف عدد كبير إلى هذا الحد من الدعاوى الخاصة بموضوعات شديدة التنوع، ومطابقة المعارف العلمية الحديثة، وذلك في نص كُتِبَ منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً، في البداية لم يكن لي أي إيمان بالإسلام، وقد طرقت دراسة هذه النصوص بروح متحررة من كل حكم سابق وبموضوعية تامة، وإذا كان هناك تأثير ما قد مورس فهو بالتأكيد تأثير التعاليم التي تلقيتها في شبابي، حيث لم تكن الغالبية تتحدث عن المسلمين وإنما عن المحمديين لتأكيد الإشارة إلى أن المعني به دينٌ أسسه رجل، وبالتالي فهو دين عديم القيمة تماماً إزاء الله، وككثيرين كان يمكن أن أظل محتفظاً بتلك الأفكار حين ألتقي خارج المتخصصين، بمحدثين مستنيرين في هذه النقاط أعترف إذن بأنني كنت جاهلاً قبل أن تُعطَى لي عن الإسلام صورة تختلف عن تلك التي تلقيناها في الغرب ... "
"وعندما استطعت قياس المسافة التي تفصل واقع الإسلام عن الصورة التي اختلقناها عنه في بلادنا الغربية، شعرت بالحاجة الملحة لتعلم اللغة العربية التي لم أكن أعرفها، ذلك حتى أكون قادراً على التقدم في دراسة هذا الدين الذي
стр. 85
يجهله كثيرون. كان هدفي الأول هو قراءة القرآن ودراسة نصه جملة جملة مستعيناً بمختلف التعليقات اللازمة للدراسة النقدية: وتناولت القرآن منتبهاً بشكل خاص للوصف الذي يعطيه عن حشد كبير من الظاهرات الطبيعية".
لقد أذهلتني دقة بعض التفاصيل الخاصة بهذه الظاهرات، وهي تفاصيل لا يمكن أن تدرك إلاّ في النص الأصلي، أذهلني مطابقتها للمفاهيم التي نملكها اليوم عن تفشي هذه الظاهرات والتي لم يكن ممكناً لأي إنسان في عصر محمد ﷺ أن يكوّن عنها أدنى فكرة ... ".
"إن أول ما يثير الدهشة في روح مَنْ يواجه مثل هذا النص لأول مرة هو ثراء الموضوعات المعالَجة، فهناك الخَلْق وعلم الفلك وعرض لبعض الموضوعات الخاصة بالأرض، وعالم الحيوان وعالم النبات، والتناسل الإنساني، وعلى حين نكتشف في التوراة أخطاء علمية ضخمة لا نكشف في القرآن أي خطأ. وقد دفعني ذلك لأن أتساءل: لو كان كاتب القرآن إنساناً، كيف استطاع في القرن السابع من العصر المسيحي أن يكتب ما اتضح أنه يتفق اليوم مع المعارف العلمية الحديثة؟ إذ ليس هناك أي مجال للشك، فنص القرآن الذي نملك اليوم هو فعلاً نفس النص الأول، ما التعليل؟ إذ ليس هناك سبب خاص يدعو للاعتقاد بأن أحد سكان شبة الجزيرة العربية في العصر الذي كانت تخضع فيه فرنسا للملك داجويير استطاع أن يملك ثقافة علمية تسبق بحوالي عشرة قرون ثقافتنا العلمية فيما يخص بعض الموضوعات".
"ومن الثابت فعلاً أن في فترة تنزيل القرآن، أي تلك التي تمتد على عشرين عاماً تقريباً قبل وبعد عام الهجرة (٦٢٢م) كانت المعارف في مرحلة
стр. 86
ركود منذ عدة قرون، كما أن عصر الحضارة الإسلامية مع الازدهار العلمي الذي واكبها كان لاحقاً لنهاية تنزيل القرآن.
إن الجهل وحده بهذه المعطيات الدينية والدنيوية هو الذي يسمح بتقديم الاقتراح الغريب الذي سمعت بعضهم يصوغه أحياناً والذي يقول: "إنه إذا كان في القرآن دعاوى ذات صفة علمية مثيرة للدهشة فسبب ذلك هو تقدم العلماء العرب على عصورهم وأن محمداً ﷺ بالتالي قد استلهم دراساتهم.
إن من يعرف ولو يسيرا تاريخ الإسلام ويعرف أيضاً أن عصر الازدهار الثقافي والعلمي في العالم العربي في القرون الوسطى لاحقٌ لمحمد ﷺ لن يسمح لنفسه بإقامة مثل هذه الدعاوى الوهمية فلا محل لأفكار من هذا النوع وخاصة أن معظم الأمور العلمية الموحى بها أو المصاغة بشكل بين تماماً في القرآن لم تتلق التأييد في العصر الحديث".
من هنا ندرك كيف أنَّ مفسري القرآن (بما في ذلك عصر الحضارة الإسلامية العظيم) قد أخطؤوا حتماً وطوال قرون في تفسير بعض الآيات التي لم يكن باستطاعتهم أن يفطنوا إلى معناها الدقيق. إن ترجمة هذه الآيات وتفسيرها بشكل صحيح لم يكن ممكناً إلا بعد ذلك العصر بكثير، أي في عصر قريب منا؛ ذلك يتضمن أن المعارف اللغوية المتبحرة لا تكفي وحدها لفهم هذه الآيات القرآنية، بل يجب بالإضافة إليها، امتلاك معارف علمية شديدة التنوع. إن دراسة كهذه دراسة إنسيكلوبيدية (*) تقع على عاتق تخصصات عدة، وسندرك – كلما تقدمنا – في عرض المسائل المثارة تنوع المعارف العلمية اللازمة لفهم معنى بعض آيات القرآن، ومع ذلك فليس
стр. 87
القرآن كتاباً يهدف إلى عرض بعض القوانين التي تتحكم في الكون، إن له هدفاً دينياً جوهرياً" (١) .
هذه شهادة لعالم من علماء الغرب توصل إليها بعد دراسة علمية بعيدة عن الهوى.
وقد وصف المستشرق الفرنسي كلود إتيان سافاري – رسول الله ﷺ في مقدمة ترجمته للقرآن العظيم (٢) فقال: "أسس محمد ديانة عالمية تقوم على عقيدة بسيطة لا تتضمن إلا ما يقره العقل من إيمان بالإله الواحد الذي يكافئ على الفضيلة ويعاقب على الرذيلة، فالغربي المتنور وإن لم يعترف بنبوته لا يستطيع أن يعتبره من أعظم الرجال الذين ظهروا في التاريخ".
وينفي المستشرق الإنجليزي توماس كارلايل – دعوى التزوير عن الإسلام ورسول الإسلام فيقول في كتابه " الأبطال وعبادة الأبطال" (٣) :
"لقد أصبح من أكبر العار على كل فرد متمدن في هذا العصر أن يصغي إلى القول بأن دين الإسلام كذب، وأن محمداً خداع مزور، إن الرسالة التي أداها ذلك الرجل ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرناً لمئات الملايين من الناس أمثالنا، خلقهم الله الذي خلقنا".
ثم يتابع ويقول: "فلو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا الرواج، ويصادفان منهم ذلك التصديق والقبول، فما الناس إذاً إلا بُلْه ومجانين، ما الحياة إلا سخف وكبت كان الأولى ألا تخلق".
стр. 88
ويسترسل كاتب الموسوعة العبرية في التعجب من توقير رسول الله ﷺ ، ويتهم المسلمين فيقول في الأول ص (١٠١٦) ، من المجلد (٢٢) :
"فنسبوا له مثلاً قدرته على الشفاعة وتغيير إرادة الله رغم تعارض هذا الأمر مع مفهوم" إرادة الله " التي لا مبدل لها، ومع حقيقة كون محمد بشراً كباقي البشر كما صرح هو نفسه.
وجعلوا له عيداً خاصاً به يعرف بعيد مولده، وهذه بدعة غير موثوقة وغير مدعومة بفرائض أو أوامر.
الشيعة بالغوا في ذلك فنسبوا لعلي صفات الأنبياء وراثياً عن محمد "﵇" وتطور ذلك فرأوا الخلفاء كأئمة ليس فقط بفضل القانون بالدولة، بل أيضاً بفضل صفاتهم الطبيعية، وراثياً عن محمد "﵇".
وعند الصوفيين وصل محمد "﵇" درجة كونه شخصية يجب الاختلاء بها تماماً كما يختلي الصوفيون مع الله.
....ولقد حُدّدت للنبي بركة خاصة به هي "﵊ من الله".
ونقول:
الشفاعة خصيصة ثابتة للرسول ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] أي اتبع هذا الذي أمرتك به لنقيمك يوم القيامة مقاماً محموداً يحمدك فيه الخلائق كلهم وخالقهم ﵎ (١) .
стр. 89
وفي الصحيحين عن رسول الله: "إن الناس يصيرون يوم القيامة جثياً - أي جماعة – كل أمة تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى محمد ﷺ فذلك يوم يبعثه الله مقاماً محموداً، وفيه قوله ﷺ : "إن الشمس تدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم فيقول: لست بصاحب ذلك المقام، ثم بموسى فيقول كذلك، ثم بمحمد ﷺ فيشفع بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذ يبعثه الله مقاماً محموداً يحمده أهل الجمع كلهم" (١) .
والأحاديث الواردة في شفاعته للخلائق بعامة ولأمته على وجه الخصوص كثيرة جداً، ساقها ابن كثير في تفسيره. (٢)
وهذه الشفاعة لا تعني أن محمداً ﷺ له القدرة على تغيير إرادة الله تعالى، كلا وحاشا فهو مقام أعطيه النبي ﷺ ، منحه إياه ربه وخالقه صاحب الإرادة النافذة لا مبدِّل لكلماته، يعلم ما كان وما سيكون، ولا يملك محمد ﷺ أن يبدّل شيئاً مما كتب في اللوح المحفوظ، فالله تعالى علم أنه سيُخرج هؤلاء العصاة من النار بشفاعة محمد ﷺ ، وعلم أنه سيخفف عن الناس في الموقف بشفاعة محمد ﷺ وأراد ذلك.
أما المبالغة في تعظيم رسول الله ﷺ فمما نهى عنه الرسول ﷺ حتى لا يعبد من دون الله، أو يشرك معه في العبادة فقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله" (٣) .
стр. 90
وعقائد الشيعة من تعظيمهم لعلي ﵁ وقدحهم في ما سواه من الصحابة، وما وصلوا إليه من القول بعصمة الأئمة وتفضيلهم، فهو مما يخالف عقائد أهل السنة والجماعة جملة وتفصيلاً. وليس لهم فيه نقل صحيح أو برهان صريح (وانظر للمزيد منهاج السنة النبوية للإمام ابن تيمية) فقد استفاض في الرد عليهم ودحض أدلتهم وبيَّن زيفها.
أما مغالاة الصوفية وغيرهم في رسول الله ﷺ فإننا نحتكم فيها إلى الكتاب والسنة الصحيحة، فما وجدنا عليه من تصرفاتهم وتصوراتهم دليلاً أخذنا به، وما لم نجد عليه دليلاً حكمنا بابتداعه ورمينا به عرض الحائط؛ فإن المطلوب في صحة العبادة أن لا يعبد إلا الله تعالى، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، والخير كل الخير في الإتباع، والشر إنما هو في الابتداع، وكل بدعة واختراع في دين الله الذي جاء به محمد ﷺ إنما هي الضلالة وكل ضلالة في النار.
ولقد أثنى الله على رسوله ﷺ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] فهذه منزلة رفيعة جعلها الله تعالى لمحمد ﷺ .
وفيما يتعلق بالمولد النبوي الذي عدَّه كاتب الموسوعة بدعة لا تدعمها أدلة، فيا للعجب! كيف يتخذ الكاتب من تصرفات الناس وابتداعهم في الدين حجّة على الإسلام؟ فأين المنهج العلمي الرصين في البحث؟؟
стр. 91
القرآن
ص٣٣ ملاحظة -٢- (من المذكرة) يقول:
"هناك من فسّر المقصود بجملة ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] المكتوبة على المصحف بأن المقصود؛ "المسلمون" أما غير المطهرين فهم غير المسلمين".
ونقول:
لقد اقتصر كاتب الموسوعة في معنى هذه الآية على بيان أن المقصود بـ"المطهرون" المسلمون، والحق أن علماء التفسير فسّروا الآية تفسيرات عديدة تبعاً لاختلافهم في تفسير "الكتاب" و "المطهرون"، فالكتاب في الآية على أحد أقوالهم هو: كتاب في السماء أو هو اللوح المحفوظ، وذهب مجاهد وقتادة إلى أنه المصحف الذي في أيدينا. (١)
ومعنى "المطهرون": وذهب أنس وسعيد بن جبير إلى أنهم المطهرون من الذنوب، وهم الملائكة. وذهب أبو العالية وابن زيد إلى أنهم الذين طُهّروا من الذنوب كالرسل من الملائكة والرسل من بني آدم، فجبريل النازل به مطهر، والرسل الذين يجيئهم بذلك مطهرون. وهذا نحو قول مالك حيث قال: "أحسن ما سمعت في قوله: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أنها بمنزلة الآية التي في سورة "عَبَسَ وَتَوَلَّى": ﴿فَمَن شَاء ذَكَرَهُ، فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ، مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:١٢-١٦] يريد أن المطهرين هم
стр. 92
الملائكة الذين وصُفوا بالطهارة، في سورة عبس، وقيل المراد "بالكتاب" المصحف الذي بين أيدينا، وهو الأظهر.
وقد روى مالك وغيره أن في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله ﷺ : ونسخته "ألا يمس القرآن إلا طاهر" (١) ، وقال ابن عمر: قال النبي ﷺ "لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر" (٢) .
وقالت أخت عمر لعمر عند إسلامها وقد دخل عليها ودعا بالصحيفة وقرأت: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ من الأحداث والأنجاس.
وقد اختلف العلماء في مسّ المصحف على غير وضوء، فالجمهور على المنع من مسه لحديث عمرو بن حزم، وذهب أبو حنيفة في قولٍ عنه إلى أنه يمسه المحدِث، واحتج بكتاب الرسول ﷺ إلى قيصر. (٣)
أما الرأي الذي أشار إليه كاتب الموسوعة من أن المقصود بغير المطهرين المشركون، فهذا ما ذهب إليه ابن عباس الذي كان يَنْهى أنْ يُمكّن أحدٌ من اليهود والنصارى من قراءة القرآن (٤) .
إن تركيز كاتب الموسوعة على هذه العبارة ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ، المكتوبة على القرآن فيه من السطحية وضيق الأفق ما فيه، فضلاً عن إظهار الإسلام على أنه دين لا يراد له الانتشار والعالمية، وأنه لا يرحب باطلاع الآخرين على مصادره.
стр. 93
كلا! فليس الإسلام أسراراً يُتَكَتّم عليها، وثقافة لطائفةٍ من الطوائف، أو فئةٍ من الفئات، إنه دين الإنسانية جمعاء، دين عالمي فطري يتسم بالسهولة واليسر والوضوح (١) .
ص ٣٤ فقرة – ١– (المذكرة) يقول:
"ربما كانت كلمة" فرقان "الآرامية" خلاص، إنقاذ"، هي ذاتها المقصودة بكلمة "فرقان" العربية المذكورة في القرآن وربما كان المقصود بها هو "التوارة".
ونقول:
ورد لفظ الفرقان في القرآن الكريم ست مرات؛ اثنتين منها في تسمية الكتاب المنزل على موسى ﵇ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء:٤٨] .
وذُكِرت لفظة الفرقان في ثلاثة مواضع جاءت في وصف القرآن الكريم، وأن فيه التفريق بين الحق والباطل، قال تعالى: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥] وقال ﴿وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ، مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٣-٤] وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١] .
стр. 94
وذُكِرت مرة واحدة في وصف يوم "بدر": ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال:٤١] .
والفرقان هو القرآن، وكل ما فُرّق به بين الحق والباطل فهو فرقان، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء:٤٨] (١) .
وفي حديث فاتحة الكتاب: "ما أُنزل في التوارة ولا الإنجيل ولا الزبور ولا الفرقان مثلها" (٢) .
والفرقان من أسماء القرآن أي أنه فارق بين الحق والباطل والحلال والحرام.
ومن معاني الفرقان في اللغة: الحجة، والنصر، وفي التنزيل: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] .
وهو يوم بدر؛ لأن الله أظهر دينه وَفَرّق فيه بين الحق والباطل، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة:٥٣] . والفرقان هو الكتاب بعينه وهو التوارة، إلا أنه أعيد ذكره باسمٍ غير الأول تأكيداً وعَنَى به أنه يفرق بين الحق والباطل (٣) .
стр. 95
وسمى الله تعالى الكتاب المنزل على محمد ﷺ فرقاناً وسمّى الكتاب المنزل على موسى ﵇ فرقاناً، والمعنى أنه تعالى فرّق بكل واحد منها بين الحق والباطل (١) .
إن كاتب الموسوعة العبرية لا يزال يُردِّد أقوال المستشرقين فيما يتعلق بنظرتهم إلى القرآن الكريم حين يردد مزاعم بروكلمان:
ص ٤١ الفقرة -١- (من المذكرة) :
"العلم الغربي (الاستشراق) يرى بالقرآن ثمرة نتاج وشخصية محمد" وفي الصفحة (٤٣ الفقرة ٢ من المذكرة) يَستمر في نقل مزاعم بروكلمان: "كُتِبت السورة بضمير المتكلم، المتكلمُ هو إما الله أو محمد بلسان الله".
ومن مزاعم بروكلمان أيضاً قوله:
وتنصَبّ أقوال بروكلمان على نسبةِ القرآن إلى محمد (انظر الشعوب الإسلامية ص ١) .
وللرد عليهم نقول:
كان رسول الله ﷺ أمياً لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وقد تحدى الله المشركين بذلك فقال: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] ، وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ
стр. 96
الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] .
وكان محمد ﷺ قد أخبر قومه برسالة الإسلام بعد ما خَبَروه وعرفوه، وتجلت لهم أخلاقهُ وكان ذلك بعد سن الأربعين.
وتحداهم ببلاغة القرآن وإعجازه: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] .
وقال: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣-٢٤] .
ومما يدل على أن القرآن ليس من عند محمد ﷺ : عتابُ الله لنبيه فقد كان الله تعالى يعاتبه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] ، وتأمل عتاب الله له في قصة زيد بن حارثة وزينب بنت جحش: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:٣٧] ، وفي قصة ابن أم مكتوم يقول الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَن جَاءهُ الْأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا
стр. 97
عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: ١-١٠] .
وقال تعالى في قصة صلاته على المنافق عبد الله بن أبي بن سلول: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] .
ولو كان القرآن من عنده هل تراه وهو بَشَرٌ يعاتِب نَفسَه بمثل ذلك؟!
وفي قصة أسرى بدر استمع إلى قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] .
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٤٤-٤٧] .
وتفيد هذه الآيات، أن محمداً صادق فيما أبلغهم، وأنه لو تقوَّل بعضَ الأقاويل التي لم يوح بها إليه لأخذه الله فقتله على هذا النحو الذي وَصَفتْه الآيات، ولما كان هذا لم يقع فهو لا بد صادق.
وتأمل الحركة التصويرية للآيات؛ الأخذ باليمين، وقطع الوتين، حركة عنيفة هائلة مروّعة حية في الوقت ذاته، ووراءها الإيمان بقدرة الله العظيمة، وعجزُ المخلوق البشري أمامها وضعفُ البشر أجمعين (١) .
ثم إن هذا القرآن جُمع جمعاً متواتراً، كتبه الصحابة بأمر رسول الله ﷺ بالسطور وحفظوه ووعوه بالصدور ولا يشك في قطعية ثبوته أحدٌ.
стр. 98
الوحدة الموضوعية في القرآن:
يقول في (ص ٤٣ الفقرة -١- من المذكرة)
"غالباً ما تكون السورة لبعض الموضوعات التي ليس بينهما علاقة مباشرة.
هناك سُور كثيرة مكونةٌ من قِطع تمّ جمعها بعضها إلى بعض – كما يبدو- في فترات مختلفة.
ونقول:
إن هذه الدعوى أن السورة في القرآن تشتمل على مجموعة من الموضوعات لا رابط بينهما، فالوحدة الموضوعية بين موضوعات السورة الواحدة منعدمة.
وهذه الدعوى تصدر في الحقيقة عمن لا يتأمل القرآن ولا يتدبر آياته، إذ لو تدبره لوجده مترابط المعاني متحد الموضوع، وتأمل معي ظاهرة تبدو لنا في القرآن المكي والمدني وهي: وجود آيات مدنية في سورة مكية، وآيات مكية في سورة مدنية، أي أن هناك آيات أنزلت في المدينة ولكنها ألحقت بسور مكية وآيات أنزلت في مكة ولكنها ألحقت بسور مدنية.
ففي سورة القصص - وهي مكية - آية نزلت بالجحفة في أثناء الهجرة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] وآية في سورة محمد - وهي مدنية - نزلت في الطريق أثناء الهجرة، وهي قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] وآية في سورة البقرة نزلت بمنى
стр. 99
في حجة الوداع، وهي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] .
والذي يُلفت النظر أن مكان نزول الآية لم يكن هو الذي حدد موضوعها في المصحف، الآية الأخيرة من سورة المزمل المكية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل:٢٠] ، تنزلت في المدينة ثم أُلحقت بسورةٍ مكيةٍ قبل ذلك بعشر سنوات أو أكثر.
إن هذا الانتخاب والتداخل إنما يدل على شيء واحد ألا وهو الوحدةُ الموضوعية لكثير من سور القرآن.
وقد تكلم على الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم أئمةٌ يُعتد بكلامهم، منهم الإمام الشاطبي حيث قال: "إن بعض سور القرآن الكريم لكل سورة منها موضوعٌ واحد والبعض الآخر له أكثر من موضوع" (١)
وصنف الإمام المفسر برهان الدين البقاعي (ت:٨٨٥هـ) كتاباً وَسَمه بـ (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) أثبت فيه أن القرآن وحدةٌ مترابطة، وأن هذه الوحدة تسري بين سُوره وآياته؛ وقال في المقدمة:
"إن اسم كل سورة مُتَرجِم عن مقصودها؛ لأن اسم كل شيء يُظهر المناسبةَ بينه وبين مسماه، عنوانُه الدالُّ إجمالاً على تفصيل ما فيه ... فأذكر المقصود من كل سورة، وأربط بينه وبين اسمها وأفسر كل بسملة بما يوافق مقصود السورة" (٢) .
стр. 100
ولو تتبعنا العلماء المعاصرين لوجدناهم قد انتهوا إلى إثبات الوحدة الموضوعية في كل سورة من سور القرآن.
يقول محمد عبد الله دراز وهو يتعرض لإعجاز القرآن:" وإن هذه المعاني تتسق في السورة كما تتسق الحجرات في البنيان ... بل إنها لتلتحم فيها كما تلتحم الأعضاء في جسم الإنسان، فبين كل قطعة وجارتها رباط موضعي من أنفسها، كما يلتقي العظمان عند المفصل ... ومن وراء ذلك كله يسري في جملة السورة اتجاه معين، وتؤدي بمجموعها غَرضاً خاصاً " (١) .
ولو تأملنا صنيع سيد قطب في تفسيره في ظلال القرآن لوقفنا بأنفسنا على الترابط والتلاحم بين أجزاء السورة الواحدة، يقول عن سورة البقرة:
"هذه السورة تضم عدة موضوعات، ولكن المحور الذي يجمعها كلها محور واحد " (٢) ويقول عن سورة آل عمران:" ألا إنّ لكل سورة من سور القرآن شخصيتها الخاصة وملامحها المميزة ومحورها الذي تشد إليه موضوعاتها جميعاً" (٣) .
إن ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ ، وقد انعقد إجماع العلماء على ذلك، وقد كان رسول الله ﷺ يأمر كَتَبَة الوحي بكتابة الآية في موضعها ويقول لهم: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، أو ضعوا آية كذا في موضع كذا (٤) .
стр. 101
عن عثمان بن أبي العاص قال: "كنت جالساً عند رسول الله ﷺ إذ شخص ببصره ثم صوبه، ثم قال: "أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية في هذا الموضع من هذه السورة ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى﴾ (١) .
إن جمع القرآن أي كتابته عن النبي ﷺ بدأ في اللحظة الأولى لتنزّل الوحي على محمد ﷺ ثم إن أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما اتفقا على تكليف زيد بن ثابت بجمع القرآن وتتبعه من العسب واللِّخاف، وصدور الرجال. وقد راعى زيد بن ثابت الدقة والتثبت في الكتابة والجمع فكان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة (٢) .
стр. 102
القرآن منهج الله لهداية العباد نزل منجّماً ومكانة القصص في القرآن:
يقول في ص ٣٨ الفقرة الثانية (من المذكرة) :
"السُور القرآنية المدنية تعكس التغيير الذي حَصل لمحمّد بعد الهجرة إلى المدينة حيث أصبح قائداً سياسياً وعسكرياً بعد أن كان مطارداً.."
ويقول في ص ٣٨ الفقرة الأخيرة (مذكرة) :
"بعد الحروب الأولى تطوّرت أحكام الجهاد والغنائم وغيرها في السور المدنية ونرى بذلك كيف تطوّرت الديانة الإسلامية لتصبح عربية مستقلة.
كما نسمع في السور المدنية صدى الأحداث التي جرت في حياة النبي الخاصة ونجد قصصاً قديمة وخاصة قصص التوراة والحكايات الدينية المعروفة وغير المعروفة، كقصص شاؤول وداود لحث المسلمين على القتال.
وفي هذه القصص الكثير من عدم الدقة النابع - ليس فقط من دمجها مع الحكايات الدينية المتأخرة، وإنما أيضاً نابع من عدم فهم، أو عدم معرفة، مما أثار سخرية يهود المدينة".
ونقول:
إن عدم الإيمان بأن القرآن وحي من لدن الله تعالى أنزله على محمد ﷺ ، يدفعُ مؤلف الموسوعة إلى التعامل مع القرآن على أنه انعكاسات للأوضاع والظروف المتجددة، لقد أوحى الله بهذا الكتاب إلى نبيه محمد ﷺ ليهدي الإنسانية إلى المحجة البيضاء، فالقرآن كلام الله المنزل على محمد ﷺ ، المتعبد بتلاوته.
стр. 103
وللقرآن تنزلان؛ الأول: نزوله جملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزة من السماء الدنيا، عن ابن عباس قال:" أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا ليلة القدر" (١) .
والثاني: نزولهُ من السماء إلى الأرض مفرقاً في ثلاث وعشرين سنة، قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾ [الإسراء: ١٠٦] .
ودعوى "التطور" المنسوبة للآيات بقوله: "تطورت أحكام الجهاد والغنائم وغيرها في السور المدنية" دعوى مخالفة لكيفية تنزل القرآن الكريم من الله تعالى، وهي تُغْفل جانباً هاماً من الجوانب ألا وهو "أسباب النزول" يعني: تنزل القرآن وفق الأحداث، وقد اعتنى الباحثون في علوم القرآن بمعرفة"أسباب النزول" ولمسوا شدة الحاجة إليه، وفي ضوئه يمكن تحقيق إصابة التفسير للآية الكريمة، وكشف الغموض الذي يكتنف بعض الآيات.
ولا شك أن من القرآن ما هو مكي ومنه ما هو مدني، وقد عُني العلماء بتحقيق المكي والمدني عناية فائقة، فتتبعوا القرآن آية آية وسورة سورة، فصنفوا الآيات المكية والمدنية بل توصلوا إلى حصر الآيات المكية في السور المدنية، والآيات المدينة من السورة المكية ... (٢)
ومن أهم خصائص القرآن الذي تنزل في الفترة المدنية أنه يُعنى ببيان العبادات والمعاملات والحدود ونظام الأسرة والعلاقات الدولية في السلم
стр. 104
والحرب وقواعد الحُكْم ومسائل التشريع، ويخاطب أهل الكتاب من اليهود والنصارى ويدعوهم إلى الإسلام ويبيّن تحريفهم الكتب السماوية وتجنّيهم على الحق.
ونجد القصص الكثير في القرآن المدني والمكي، ومن أغراض القصة الإشارة إلى وحدة الأديان السماوية، وبيان أن الدين كله من عند الله، وأن المؤمنين كلهم أمة واحدة، والله الواحد هو ربُّ الجميع: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢] .
وبيان مدى الترابط الوثيق بين الشرائع والأديان جميعاً: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣] .
وبيان أنّ النصرَ للرسل والهلاك للمكذبين، وفي ذلك تقوية للأنبياء والمرسلين ولأتباعهم بأنّ العاقبة لهم.
إننا لا نجد فيما قصّه الله علينا معنىً غامضاً أو مبهماً، بل كثيراً ما نجده يكرر لنا القصة ليرشدنا إلى مواطن العظة والعبرة في حياة كل رسول؛ لنقتدي بهم في سيرتهم وأخلاقهم الطاهرة ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يوسف:١١١] .
ولقد كان للتكرار حكمتُه البالغة وإشارته الدقيقة المفهومة الدالة على إعجاز القرآن.
стр. 105
ولعل دافع هذا الاتهام - عدم الفهم وعدم المعرفة - في موضوع قصص القرآن هو أن القرآن أكثر من الحديث عن "بني إسرائيل" وأفاض في ذكر حوادثهم ووقائعهم وفضائحهم ليأخذ الإنسان العبرة من حياة هذه الأمة التي قابلت النعمة بالجحود والإحسان بالعصيان، وما كان منهم بعد الجميل الذي قدّمه الله إليهم من نجاتهم من عدوّهم، وهلاك فرعون إلا أنْ عبدوا العجل وتنكروا لدعوة نبيهم وقتلوا الأنبياء واعتدوا في السبت وكانت نهايتهم أن مسخهم الله قردة وخنازير وغضب عليهم ولعنهم وضرب عليهم الذلة والمسكنة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة:٦١] .
ونقلت لنا الآيات أخباراً عن بني إسرائيل وكيف أنهم تطاولوا على ذات الله واتهموه بأنواع من الاتهمات الشنيعة، ورموه بالعجز والظلم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ [المائدة: ٦٤] .
إن القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] .
стр. 106
النسخ:
وفي (ص٤٤ الفقرة الأولى من المذكرة) يقول:
"لا يوجد اتفاق تام بين الباحثين الغربيين ولا بين المسلمين أنفسهم بالنسبة للسؤال التالي: لأي فترة تتبع الآيات القرآنية المختلفة بعضها عن بعض بفحواها وأسلوبها؟
ومن أجل تسوية الصعوبة النابعة من التناقض بين الآيات المختلفة، طوّر المسلمون نظرية "النسخ" حيث تلغي الآيات المدنيةُ المتأخرة فعالية الآيات المكية القديمة"
ونقول:
إنه لابد من توضيح معنى النسخ قبل دحض هذه الفرية.
إن نظرية النسخ التي يزعم كاتب الموسوعة أن المسلمين طوروها تعني: رفع الحكم الشرعي بخطاب شرعي، والناسخ هو الله تعالى، والمنسوخ هو الحكم المرتفع، ويُشترط في النسخ ثلاثة شروط هي (١) :
١- أن يكون الحكم المنسوخ شرعياً.
٢- أن يكون الدليل على ارتفاع الحكم خطاباً شرعياً متراخياً عن الخطاب المنسوخ حكمه.
٣- ألا يكون الخطاب المرفوع حكمه مقيداً بوقت معين.
ودليل النسخ قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦] .
(١) مناع القطان، مباحث في علوم القرآن ٢٣٢.
стр. 107
ولمعرفة الناسخ والمنسوخ طرقٌ لا بد منها:
أولها - النقلُ الصريح عن النبي ﷺ .
وثانيها - إجماع الأمة على أن هذا ناسخ وهذا منسوخ.
وثالثها - معرفة المتقدم من المتأخر في التاريخ. ولا يعتمد في النسخ على الاجتهاد، أو قول المفسرين، أو التعارض بين الأدلة ظاهراً، أو تأخر إسلام أحد الراويين.
ومن الناحية العقلية فإن النسخ جائز عقلاً فالله تعالى له أن يأمر بالشيء في وقت وينسخه في وقت آخر وهو أعلم بمصالح العباد.
وموقف اليهود من النسخ أنهّم ينكرونه ويزعمون أن القول بالنسخ يقتضي القول بالعبث على الله، بمعنى أن يكون لحكمةٍ ظهرت ولم تكن ظاهرة من قبل وهذا يستلزم سبق الجهل!
والحق أن كلاً من حكمة الناسخ وحكمة المنسوخ معلومة لله تعالى من قبل، فلم يتجدد علمُه بها، وهو سبحانه ينقل العباد من حكم إلى حكم لحكمة.
واليهود أنفسهم يعتروفون بأن شريعة موسى ناسخة لما قبلها، وجاء النسخ في نصوص التوراة، كتحريم كثير من الحيوان على بني إسرائيل بعد حله، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] .
فليس النسخ نظرية ابتكرها المسلمون لحل إشكال التعارض والتضارب بين الآيات، بل مشروعية النسخ كما تقدم ثابتة بالقرآن والسنة والعقل.
стр. 108
السنة:
وتحت مادة "السنة" صفحة ٩٦٧-٩٦٨ المجلد الرابع يزعم الكاتب أنه يمكن تشبيه السنّة من جهة طابعها "بالمدراش التشريعي" في الديانة اليهودية "والأغاداة" أي قصص حكماء اليهود - بل يرى أن السنة أكثر شبهاً بهذين الأمرين من المشناة والغماراة.
ويقول"السنة مكونة من وحدات صغيرة: وهي الحديث، والإسناد، والمتن.
إن الاختلاف بين علماء الحديث أدى إلى التشكيك بصحة أحاديث كثيرة.
وبالفعل فإن الحديث كان بمثابة شكل أدبي لاستحداث تشريعات جديدة.
إننا نلمس تأثيرات يهودية "مسيحية" وأخرى على "الحديث" بأماكن كثيرة، ونجد التأثير بأخذ أقوال حكماء اليهود وعيسى ونسبتها إلى محمد، ومن هنا تطور فرع خاص هو قصص الأنبياء.
قصص الأنبياء تشمل؛ حياتهم، وهي مكونة من مواد مأخوذة من التوراة، المدراش، والإسلام.
إن شكل الحديث أيضاً يدل على تأثير يهودي بارز".
ورداً على ذلك نقول:
لابد أن نُعَرِّف بالمدراش والأغاداة قبل توضيح حقيقة السنة ومفهومها لدينا.
стр. 109
إن "المدراش" مقطوعة أدبية تشتمل على نص من التوراة مع تعليقات لحكماء اليهود، وتشتمل المدراش على الإسناد أحياناً، وإنما المقصود منها العبرة والعظة.
"والأغاداة" تشتمل على جانب قصصي أكثر، وبسبب هذه الميزة لا نجدها تتمتع بدقة المعلومات، لكن المقصود منها إنما هو العبرة والعظة.
وكلا هذين الأمرين - المدراش والأغاداة - يبحث في الأشياء غير المفهومة في نص التوراة، ويعطي أجوبة حسب اجتهادات حكماء اليهود، كالبحث في تحديد ماهية الشجرة التي أكل منها آدم ﵇....
ونتسائل أي شَبَهٍ يُعْقد بين السنة النبوية الشريفة وبين هذين الشكلين من أشكال التراث الديني عند اليهود؟!
إن السنة مصطلح له دلالات عديدة بحسب اختلاف مناهج العلماء، فقد استعملت بمعنى تعاليم الشريعة الإسلامية، وما كان عليه عمل النبي ﷺ وأصحابه، أما إذا كان العمل مخالفاً فيقال عنه "بدعة".
والسنة عند المحدثين هي أقوال الرسول ﷺ وأفعاله وتقريراته وصفاته الخَلْقية والخُلُقية، وسيره ومغازيه وبعض أخباره قبل البعثة.
وما يهم المحدثين هو رصْد كل ما يصدر عن رسول الله ﷺ ويتصف به.
أما الأصوليون فعنايتهم متجهةٌ إلى ما يصدر عن النبي ﷺ غير القرآن - من الأقوال والأفعال والتقريرات، وتعريفهم للسنة مبني على عنايتهم بالدليل.
والفقهاء يعدون السنة ما سوى الافتراض والوجوب بمعنى النافلة, أو المندوب.
стр. 110
أما الحديث – لغةً – فهو: ضد القديم، وفي الاصطلاح: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قولٍ أو فعل أو تقرير أو صفة خُلقية أو خَلقية، وعليه فالحديث مرادف للسنة.
والسنة بهذا المفهوم هي الأصل الثاني للإسلام، وهي وحي من الله تعالى إلى رسوله أمره أن يبلغه إلى الناس: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] .
إن هذا التبليغ هو مهمة رسول الله ﷺ ووظيفته: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] .
إن رسول الله ﷺ بما أوحى الله إليه – يفصّل مجمل القرآن، ويبين مُشكِلَهُ ويُقَيِّد مطلقه، هذه هي العلاقة الوثيقة التي تربط بين القرآن والسنة، فكلاهما وحي من الله؛ القرآن وحي متلو، والسنة وحي غير متلو: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣-٤] .
بل إن السنة النبوية تستقل بتشريع بعض الأحكام؛ فقد جاءت فيها أحكام شرعية لم يذكرها القرآن، مثل تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، أو خالتها، وتحريم الذهب للرجال، وتحريم الوشم، ووصل الشعر، وتحريم لحوم الحمر الأهلية ... وغير ذلك.
وهل السنة – كما يقول – مكونة من وحدات صغيرة هي الحديث والإسناد والمتن؟
الحديث عرَّفنا به، أما الإسناد فهو شطر الحديث الذي يضمن التوثيق له والعناية به، وكما قال علماؤنا: "لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"، وقد