← Фатава

Фатава · id 11212

رسائل وفتاوى أبا بطين

عبد الله أبا بطين

Полный текст (162 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الرسالة الخامسة: صوم يوم الشك بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين. من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى جناب الولد المكرم عبد الرحمن بن محمد بن مانع زاده الله علما، ووهب لنا وله حكما. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (وبعد) : موجب الخط إبلاغ السلام، والخط وصل -أوصلك الله إلى خير الدنيا والآخرة-، وسرنا ما ذكرت -بارك الله فيك-، وما ذكرت من حال الاختلاف في الصوم والفطر، فالله سبحانه هو الهادي. فأما صوم ليلة الثلاثين من شعبان إذا كان حائل، بحيث إنه لو كان هلال تعذرت رؤيته، فثبت عن ابن عمر وبعض الصحابة صيامه، وهو المشهور في مذهب أحمد، لكن على سبيل الاستحباب لا على الوجوب على الصحيح. وأكثر العلماء ما يرون صيام هذا اليوم، وهل هو مكروه، أو محرم على اختلاف بينهم؛ فمن صام ذلك اليوم لا ينكر عليه، ولكن بشرط وجود الحائل البين بحيث يتحقق أنه لو كان هلال، تعذرت رؤيته. وهذه المسألة كثرت فيها المصنفات من الجانبين، والأمر سهل ولله الحمد، وعند دخول الشهر لو اعتمد على ما ذكرت فلا بأس. وأما في طلوع الشهر، فلا يجوز الاعتماد على الصورة التي ذكرت، فلا يعمل بها في الفطر من رمضان. وأما من لم يصم ذلك اليوم، أعني: نهار الثلاثين من شعبان، فلا أدري، كل من جاءنا من البلدان ما ذكروا رؤية.

стр. 37

فإن صام إنسان احتياطا، فحسن إن شاء الله، وحديث "صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون" ١ استدل به من يقول: إنه لو رأى وحده هلال شوال، لم يفطر إلا مع الناس، وهو قول الأكثرين. وقيل: يفطر سرا، وهو قول طائفة من العلماء. وأما إذا رأى هلال رمضان، ورُدَّت شهادته، لزمه الصوم عند الأربعة، وعن أحمد رواية: لا يلزمه الصوم؛ اختارها الشيخ تقي الدين للحديث السابق، وأما اختلاف الأهلة بالكبر والصغر، وارتفاع المنازل وانخفاضها، فلا حكم له، لأن ذلك يختلف كثيرا. نهب البدو بعضهم بعضا وأما نهب البدو بعضهم بعضا، فالذي أرى عدم الشراء منهم مطلقا إذا تحقق أنه بعينه نهب، لاشتباه أمرهم. وأما إذا عرف أحدهم ماله عند حضري، وثبت أنه منهوب منه بالبينة، فالذي نفتي به في زمن هذا الاختلاف أنه يعطي المشتري ثمنه الذي دفعه، ويأخذ ماله إن لم يكونوا حربا للحضر، وقد أفتى بذلك غير واحد من متأخري الأصحاب. الجائحة في الإجارة وأما مسألة الجائحة في الإجارة، فالشيخ تقي الدين -رحمه الله تعالى- يقول بثبوت الجائحة في الإجارة للأرض ونحوها، كما ثبت في الثمرة المشتراة بنص الحديث. وأكثر العلماء يفرقون بين الصورتين على خلاف ما قاله الشيخ تقي الدين، وهو الذي نفتي به، أعني بقول أكثر العلماء. توديع الفطرة عند الجار وأما ما يفعله بعض العامة من توديعهم الفطرة عند جار ونحوه إلى أن يجيء الذي يعطونها إياه، فهذا لا يجزي، بخلاف ما إذا دفعت لوكيله، فإنها

стр. 38

تجزي، لأن يد الوكيل كيد القابض. والله- أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الماء إذا خالطه بول أو روث وأما الماء إذا خالطه بول أو روث ظاهر، فلا يضره إذا كان باقيا على إطلاقه، وما تلقيه الريح والسيول يعفى عنه، والله أعلم. الرسالة السادسة والسابعة: بيع عمل المساقاة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الله بن مانع إلى جناب شيخنا المكرم عبد الله بن عبد الرحمنأبا بطين) سلمه الله تعالى وعافاه آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (وبعد) : فما قولك - أمتعنا الله بحياتك - في رجل ساقى إنسانا على نخل، وعمل فيه مدة، ثم جاء آخر فاشترى منه عمله في سقيه للنخل تلك المدة، ونزل منزلته في المساقاة؛ هل يصح بيع هذا العمل ورهنه أم لا؟ وفي رجل ساقى إنسانا على نخل واحتاج إلى مؤونة المساقاة، واستدان دينا من دين سلم أو غيره، ورهن نصيبه من الثمرة بعد ظهورها في ذلك، ثم احتاج بعد ذلك إلى زيادة مؤونة، فأتى إلى المسلم له في الثمرة، وقال: أقرضني أو أسلم علي، وإلا استسلمت من غيرك، وقدمته في الثمرة الموجودة لئلا تتلف الثمرة، والثمرة لا تفي بجميع ذلك، هل يصح تقديم الثاني على المرتهن إذا امتنع من إعطائه والحالة هذه أم لا؟ أفتنا أثابك الله الجنة بمنه وكرمه.

стр. 39

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد فالجواب وبالله التوفيق: أما المسألة الأولى: فإن كانت الثمرة قد ظهرت، فإنه لا يجوز بيعها لنهي النبي ﷺ عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها إلا إن باعها لمالك الأصل، فيصح على الصحيح من المذهب، وإن كانت الثمرة لم تظهر فباعه عمله وتعبه. فقد نص الإمام أحمد على أنه: لا يجوز للمزارع بيع عمله قبل ظهور الزرع، قال: لأنه لم يجب له شيء. وسئل الشيخ عبد الله بن محمد بن زهلان عن بيع العامل تعبته إذا أراد الظهور، فأجاب بأن ذلك لا يصح، لكن إذا كانت المساقاة صحيحة، فعليه تمام العمل، قال: فلو دفع إليه شيئا، وقال: أنا أقوم مقامك، ثم يتحاسبان، صح ذلك. انتهى. فَلْيُتَأمَّل قوله:".. ثم يتحاسبان"، ولعل مراده أنه إذا دفع إليه شيئا، ثم حاسبه بعد ذلك بما غرم في سقيه، ويحسبه مما دفع إليه، فيصح على هذا الوجه لا على وجه البيع. والله أعلم. وأما الرهن فحكمه حكم البيع، فما صح بيعه، صح رهنه، وقد نصوا على أنه لا يصح رهن الثمرة قبل ظهورها، فعدم صحة رهن العمل أولى. رهن الثمرة قبل ظهورها وأما المسألة الثانية، فالذي أرى -والله أعلم- أنه يؤمر المرتهن بتقويم الكداد ببيع ونحوه دفعا لضرره إن لم يخف فوات مال المرتهن المقوم عند الكداد، فإن خيف فوات مال المقوم، فلا يزال الضرر بالضرر.

стр. 40

فأما أن يقال للكداد: ضمم كدك، أو يستأجر من يسقيه ويقوم عليه، وكذلك إذا عجز المقوم بأن لم يبق في يده ما يخرجه على الكداد، فأما أن يترك له بعض الكد، ويترك بعضه لمن يقومه بقية المدة، ونحو ذلك، ومما يرى فيه نظر للكل. وأما قول بعض الناس للمقوم إذا عجز أو خاف تلف ماله: أنفق وإلا قدمنا عليك من يقوم الكد، فهذا ليس بصواب. كيف يزال ضرر الكداد بضرر غريمه المنفق عليه؟! والذي نراه في مثل هذا النظر إلى حال الاثنين، ورفع الضرر مهما أمكن عنهما، ولا يزال ضرر أحدهما بارتكاب ضرر الآخر. والله أعلم. الرسالة الثامنة: شراء طعام بثمن ربوي نسيئة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى جناب الشيخ المكرم الأخ علي بن فراج سلمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته والخط وصل. وما ذكرت من المسائل الثلاث: فالمسألة الأولى: إذا اشترى إنسان من آخر طعاما يجري فيه الربا بنسيئة، ثم اشترى منه بذلك الثمن ما لا يجوز به بيعه نسيئة. ففي المسألة خلاف مشهور، فمذهب أحمد وطائفة تحريم ذلك، ومذهب الشافعي جوازه. واختار الشيخ تقي الدين جواز ذلك للحاجة. وكثير من أهل الزمان لو يأخذ منه غريمه طعاما ما أوفاه فلو امتنع من أخذ الطعام ذهب حقه، فالظاهر أن الشيخ يجيز ذلك؛ لأن هذا حاجته

стр. 41

أبلغ من احتياجه إلى الطعام، والحنابلة يتوصلون إلى إجازة ذلك بأن يشتري الذي له الدين من غريمه الطعام بثمن في الذمة؛ فإذا ثبت الثمن في ذمة المشتري الثاني قال لغريمه: في ذمتك لي -مثلا- ريال، وفي ذمتي لك ريال، فهذا بهذا، ولا ينقدك شيئا؛ ويسمون هذا مقاصة، وهو جائز عندهم، والله أعلم. الصلاة في ثوب نجس لا يجدغيره وأما المسألة الثانية: وهي ما إذا صلى إنسان في ثوب نجس لكونه لا يجد غيره، أو على بدنه نجاسة، لا يمكنه إزالتها؛ فهذا يصلي على حسب حاله، وهل يجب عليه إعادة أم لا؟ فقد حكوا فيمن لم يجد إلا ثوبا نجسا، وصلى فيه هل عليه إعادة؟ حكوا في المسألة قولين للعلماء، هما روايتان عن أحمد، والمشهور عن أحمد أنه يعيد، والله أعلم. رمي البعير الذي لا يقدر على تذكيته وأما المسألة الثالثة: وهي ما إذا رمى إنسان بعيرا، ولم يمكنه تذكيته، فهذا إذا شرد البعير، أو سقط في بئر، ولم يمكن نحره؛ فهذا حكمه حكم الصيد إذا رماه إنسان، فإن أدركه حيا حياة مستقرة، فلا بد من ذبحه. فإن لم يكن فيه حياة إلا مثل حياة المذبوح، فلا يحتاج إلى تذكية، وإن أصابه وغاب عنه، ثم وجده ميتا، ولا أثر به غير رميه، فإنه يباح، ويشترط التسمية عند رميه قاصدا قتل المرمي. وهذا حكم البعير الشارد، أو المتردي في بئر ونحوها، والله أعلم والسلام. انتهى، ومن خطه نقلت.

стр. 42

الرسالة التاسعة: بيع الرهن لسداد الدين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى جناب الشيخ المكرم علي بن فراج سلمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وموجب الكتاب إبلاغ السلام، والسؤال عن حالك، والخط الشريف وصل، وما ذكرت من حال المسائل: فرهن المعسر داره في دينه، أنت تعرف المذهب في أن دار المعسر لا تباع في دينه، لكن إذا رهنها في دين عليه اختيارا، فنحن نفتي ببيعها لوفاء ذلك الدين، فإذا كان هو فيها ولم يحل بين المرتهن وبينها، فلا يخفاك ما في اشتراط القبض للزوم الرهن من الخلاف، وإن المشهور في المذهب اشتراطه مطلقا. وعن أحمد رواية أخرى أنه لا يشترط في المتعين، اختارها كثير من الأصحاب، وقال بعضهم: إنها هي المذهب، والذي أدركنا عليه من قبلنا عدم اشتراطه القبض في مثل الدار والعقار ونحوهما، ويقضون بلزومه في مثل ذلك من غير اشتراط قبض، ونحن نقضي به فيما مضى، والشيخ عبد الرحمن بن حسن يشترط القبض في الجميع كما هو المشهور عند أكثر الأصحاب. السلم في المجهول وأما إذا أسلم رجل على آخر، مثل ما أسلم فلان على فلان، فهذا سلم فاسد، بل لا بد من تقديره بالكيل أو الوزن في مجلس العقد، والحديث الصحيح نص في ذلك. وأما ما ذكره الشيخ تقي الدين، وابن القيم من صحة البيع بثمن المثل، أي: بما ينقطع به السعر، وبما باع به فلان، فلا يقولان بذلك في السلم فيما أظن؛ لأنهما إنما ذكرا ذلك في البيع فقط، مع

стр. 43

أن الشارح قال: لا نعلم في اشتراط ذلك خلافا، والله أعلم. التصرف في ثمن البيع الفاسد وأما إذا باع الرجل بيعا فاسدا، وقبض الثمن، ودفعه إلى غيره عن دين عليه، أو اشترى به منه شيئا، فإن صاحب الثمن الذي دفعه في الشراء الفاسد يرجع بثمنه على من هو في يده أو على البائع لكون قبض البائع للثمن، والحالة هذه، قبضا فاسدا، فيرجع دافع الثمن على مَن أَحَبَّ مِنْ البائع أو مَنْ قبضه من البائع، هذا في البيع الفاسد. وأما إذا كان فسخ البيع لأجل عيب في المبيع، فإن المشتري يرجع بثمنه على البائع فقط، لا على من قبضه من البائع؛ لكون قبض البائع قبضا صحيحا لصحة العقد، فليس له مطالبة غير البائع بالثمن، سواء كان معسرا أم لا. وأما إذا غرم المسروق ماله شيئا بسبب ذلك، فإنه يرجع به على السارق، لكونه السبب في ذلك، كما قاله الشيخ تقي الدين فيما إذا مطله غريمه فاحتاج إلى الشكاية، فما غرم بسببه لزم المماطل، وقال: لو غرم بسبب كذب عليه عند ولي الأمر، رجع به على الكاذب. انتهى، فمسألتنا أولى بالرجوع. وقد صرح بعض المتأخرين بأنه لو لم يحصل له ما سرق منه إلا ببذل بعض المال لحليف ونحوه، أنه يرجع بذلك على السارق. وأما إذا تنازع اثنان في أرض، فإن كان التنازع في الملك، فقد ذكر الفقهاء في ذلك من التفصيل ما ذكروا فيما إذا كانت في أيديهما، أو يد غيرهما، أو يد أحدهما، أو ليست في يد أحد، وفيما صرحوا به كفاية. تحجر إنسان مواتا بما يعد تحجرا وأما إذا تحجر إنسان مواتا بما يعد تحجرا، كما ذكروه في باب إحياء الموات، فإنه أحق بها من غيره. وقد بين الفقهاء حكم المسألة في إحياء الموات. التنازع على أرض ميتة وأما إذا تنازعا أرضا ميتة، كل منهما يريدها له، ولم يسبق أحدهما الآخر، فلم أر صريحا في هذه

стр. 44

المسألة من كلامهم، ولعل اقتسامهما على السواء -والحالة هذه- يشبه ما ذكروه في بعض المسائل. زرع إنسان أرضا لغيره بجزء من الزرع وأما إذا زرع إنسان أرضا لغيره بجزء من الزرع، فلا يلزم العامل إلا زكاة حصته خاصة، لكن إن شرط الزكاة على العامل، هل يصح أم لا؟ والله أعلم. الرسالة العاشرة: شراء عرض بدين السلم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الله بن مانع، إلى جناب الشيخ المكرم عبد الله بن عبد الرحمنأبا بطين) ، سلمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (وبعد) : فالموجب الكتاب إبلاغ السلام وغير ذلك. فما قولك -أدام الله النفع بعلومك- في دين السلم الثابت في الذمة، هل يصح الشراء به من صاحبه الذي هو في ذمته عرضا: كأرض، أو نخل، أو غير ذلك، أم لا؟ (الثانية) : هل يصح السلم بالعروض كالحيوان وغيره. (الثالثة) : هل يصح السلم في السمن بمطعوم مكيل أو موزون، أم لا؟ (الرابعة) : هل يصح بيع اللحم بمطعوم مكيل أو موزون نسيئة، أم لا؟ أفتنا أثابك الله الجنة بمنه وكرمه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. (وبعد) : فالجواب -وبالله التوفيق-. (أما المسألة الأولى) : فلا يجوز عند أكثر العلماء أن يأخذ عوضا عن دين السلم ممن هو في ذمته، واحتجوا بحديث "من أسلم في شيء، فلا يصرفه إلى غيره" ١ وعن أحمد رواية أخرى: أنه يجوز أن يأخذ عرضا بدون حقه، اختاره الشيخ تقي الدين؛ لقول ابن عباس: "إذا أسلفت في شيء

стр. 45

فإن أخذت ما أسلفت فيه، وإلا فخذ عرضا أنقص منه، ولا تربح مرتين". وعند مالك: يجوز أن يأخذ غير طعام يتعجله ولا يتأجله. فبان لك أن الجمهور على المنع مطلقا. واختيار الشيخ تقي الدين الذي هو رواية عن أحمد ما ذكرته، وعليه عمل أهل هذه البلدان فيما مضى، والله أعلم. السلم بالعروض (وأما الثانية) : فيجوز جعل رأس مال السلم عرضا من العروض على الصحيح. السلم في السمن بمطعوم مكيل أو موزون (وأما الثالثة) : فإن قلنا: إن السمن موزون، جاز أن يسلم فيه بمكيل، وإن قلنا: إنه مكيل، جاز أن يسلم فيه بموزون. وبعض الأصحاب يقول: إن السمن إذا كان جامدا موزون، وإن كان مائعا فهو مكيل. فعلى هذا إن أسلم مكيلا في سمن، اشترط أن يقبضه جامدا وزنا، وإن أسلم فيه موزونا: اشترط أن يأخذه مائعا كيلا. هذا الذي يظهر بناء على المشهور في المذهب من أنه يجوز بيع المكيل بالموزون نسيئة، وعلى القول الآخر لا يجوز مطلقا. بيع المكيل بالموزون نسيئة (وأما الرابعة) : فيظهر جوابها من التي قبلها، وهو جواز بيع المكيل بالموزون نسيئة على المشهور في المذهب؛ فعلى هذا يجوز بيع البر ونحوه مما يكال بلحم نسيئة. وفي المسألة رواية أخرى: لا يجوز، وهو قول طائفة من العلماء. والله أعلم. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الرسالة الحادية عشر: الخيار في السلم بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبد الله بن مانع إلى جناب الشيخ المكرم عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) سلمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (وبعد) : فأفتنا -أثابك الله الجنة- هل يصح الخيار في السلم؟ وعن الرهن والضمين فيه؟ وهل قبض الرهن واستدامة قبضه شرط للزوم الرهن أم لا؟ وما صورة القبض في غير

стр. 46

المنقولات، وأنت في أمان الله وحفظه والسلام. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. (وبعد) : فالجواب وبالله التوفيق. أما اشتراط الخيار في السلم، فلا يصح على الصحيح من المذهب، وعند بعض العلماء يصح، اختاره ابن الجوزي. وعند الشيخ تقي الدين: يصح اشتراط الخيار في كل العقود، وهذا بخلاف خيار المجلس؛ فإنه يثبت في السلم والصرف ونحوهما. وأما الرهن والضمين في السلم، فيجوز شرطهما عند أكثر العلماء، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. اشتراط القبض للزوم الرهن وأما اشتراط القبض للزوم الرهن فهذا نعمل به في المنقولات، وأما العقار ونحوه، فالعمل عليه عندنا عدم اشتراط القبض للزوم. وبعض الأصحاب من أهل العصر يشترط فيه القبض، ويقول: إن القبض في العقار أن لا يمنع الراهن المرتهن من دخوله، وإذا حصلت الثمرة، صار نظره عليها، ويجعل هذا قبضا. ولا يظهر لي كون ما ذكر قبضا، لأن القبض في هذا ونحوه بالتخلية، ولم تحصل، لأن التخلية أن يرفع المالك يده عنها، ويخلي بينه وبين المرتهن. فهذا ما ظهر لي والله أعلم. والذي حملنا على عدم اشتراط القبض في ذلك، لقلة ما في أيدي الناس واضطرارهم إلى ذلك، إذ لا يمكن صاحب العقار أن يرفع يده عن عقاره، لأن معيشته فيه. وأما مذاهب العلماء في ذلك، فالمشهور من مذهب أحمد عن أكثر أصحابه اشتراط القبض مطلقا، وكذلك استدامته، وهو مذهب أبي حنيفة. وأما الشافعي، فيشترط ابتداء القبض لا استدامته، ومذهب مالك عدم اشتراط القبض. وعن أحمد رواية أخرى أن القبض ليس

стр. 47

بشرط في المتعين، فيلزم بمجرد القبض. قال القاضي في "التعليق": هذا قول أصحابنا، وقال في "التلخيص": هذا أشهر الروايتين، وهو المذهب عند ابن عقيل، وغيره، والله أعلم. الرسالة الثانية عشر: حرق ورق المصحف أو دفنه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى الأخ المكرم سلمان بن عبد المحسن سلمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وموجب الخط إبلاغ السلام، وما ذكرت من جعل أوراق المصحف في قطائع، فلا ينبغي ذلك، لأن في ذلك ابتذالا له ينافي تعظيمه، فيتعين تغيير ذلك إما بالدفن، ولا بأس بدفنه بصحراء أو بمسجد، وإن حرق فلا بأس؛ لما في البخاري: إن الصحابة حرقته -بالحاء المهملة- لما جمعوه، قال ابن الجوزي: ذلك لتعظيمه وصيانته. وروي أن عثمان ﵁ دفن المصاحف بين القبر والمنبر. التشريك في سبع البدنة أو البقرة في الأضحية وأما مسألة التشريك في سبع البدنة أو البقرة، فلم أر ما يدل على الجواز، ولا على عدمه، وإن كان بعض الذين أدركنا يفعلون ذلك، لكني ما رأيت ما يدل عليه، والله سبحانه أعلم. ما يعمله من يتصدق عليه بجلد الأضحية أو لحمها وأما الذي يتصدق عليه بجلد الأضحية أو لحمها، أو يهدى إليه ذلك، فإنه يتصرف فيه بما شاء من بيع وغيره. حكم المقاصة وأما مسألة المقاصة فتفهم كلامهم فيها، وصرح صاحب "المغني" بجواز المقاصة، لكن ذكر الخلوتي بحثا فقال: لعل ذلك ما لم يكن حيلة، ومراده في صورة المقاصة، وفيما إذا اشترى بثمن نقده ثم أوفاه به، ولا يبعد المنع من ذلك مع الحيلة، والله أعلم.

стр. 48

الرسالة الثالثة عشر: الصدقة على الميت يدفعها لقريبه الحي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى الأخ المكرم صالح بن عبد الرحمن بن عيسى، سلمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والخط الشريف وصل، أوصلك الله إلى كل خير. ومن طرف ما سألت عنه: (فالمسألة الأولى) : فمن أحسن ما تفعل إذا أردت الصدقة للميت أن تعطي صدقتك له قريبه الحي، فالحي ينتفع بها، والثواب يحصل للميت إن شاء الله. وإحسانك -أيضا- إلى قريب الميت صلة للميت، فهذا أحسن ما أرى لك، فإن أعطيت الحي شيئا، وقلت: تصدق بهذا عن ميتك، فحسن؛ لكن قد يكون الحي محتاجا، فإعطاؤك إياه الشيء له ينتفع به بنفسه، وتنوي ثوابه للميت، أحب عندي. هذا إذا أردت الإحسان إلى أموات قرابتك، وصلتهم بالصدقة عنهم، وأنت على الثواب والأجر إن شاء الله بإحسانك إلى الميت والحي، ولكن كون غالب صدقتك تبقى ثوابها لك وحدك، وتعطيها قريبا محتاجا ينتفع بها، فهو أحسن، ومع هذا فلا تنسى الأموات ببعض الشيء صلةً لهم، وتخص نفسك بالكثير، فهو الأولى والأفضل، والله أعلم.

стр. 49

الرسالة الرابعة عشر: إخراج الزكاة عن الذهب والفضة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى الأخ المكرم صالح بن عبد الرحمن بن عيسى -سلمه الله تعالى-، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومن حال ما ذكرت فلا شك أن الأفضل أن يخرج عن الذهب والفضة منهما لا من غيرهما، لكن إذا كان الشيء قليلا، والمستحق كثيرا، فأرجو أنه يجوز إخراج القيمة تمرا أو عيشا، والمحتاج الذي في بيته ما يسأل الناس أولى من الذي يسألهم. زكاة الدين الذي في ذمم الناس (وأما) الدَّيْنُ الذي في ذمم الناس، فلا يجب الإخراج عنه حتى يقبضه صاحبه، فإذا قبض شيئا أخرج زكاته. (وأما) إخراجها إذا حال الحول قبل قبضه، فهو أفضل، لكن لا يجب إخراج الزكاة قبل قبضه. إعطاء الزكاة للأقارب (وأما) إعطاء عيال إخوانك وأخواتك، فهو جائز -إن شاء الله تعالى-؛ فيجوز إعطاء إخوانك وأخواتك وعمتك، وكذلك بنات عيال أخيك يجوز إعطاؤهن. (وأما) القوي من عيال أخيك، فإن لم يكن كسب يكفيه، جاز أن يعطى من الزكاة. فإن كان لو يحترف كفى نفسه بحرفته، ولكن يترك الحرفة تكاسلا، فلا يُعْطَى منها. وأخوك سليمان يجوز إعطاؤه، ولكن نقلها في هذه المسافة فيه خلاف بين العلماء. وأرجو أن القول بجوازه للقريب ونحوه صواب، وأرجو أنه لا بأس إذا أرسلت إليه شيئا من الزكاة أو لعياله.

стр. 50

القيلولة في المسجد (وأما) مسألة التقدم للمسجد في مثل الظهر والقيلولة فيه، فإن كان الإنسان قصد المسجد لانتظار الصلاة المفروضة، فيصلي ما تيسر من النوافل، ثم يجلس في المسجد يقرأ القرآن أو يذكر الله، وهذا قصده، لكن في نيته إن حدث عليه نعاس، نام في المسجد، لم يقصد القيلولة فيه عادة، فهذا حسن -إن شاء الله تعالى-. (وأما) إن كان نيته أنه يقصد المسجد ليضع عصاه في الصف، ويصلي ما تيسر، ثم ينام، أعني: أنه قاصد النوم فيه، وعازم عليه، فهذا مكروه، أعني: اتخاذ المسجد مقيلا، فالأفضل في حق هذا أن يقيل في بيته، فإذا قضى حاجته من النوم، تطهر، وقصد المسجد. (وأما) جلوسه في سطح المسجد بين العشاءين لأجل البراد ونحوه، فلا بأس بذلك. اتخاذ السترة في الصلاة (وأما) السترة، فقد ذكر العلماء: أن المأموم لا يستحب له اتخاذ السترة وإنما اتخاذها مسنون للإمام والمنفرد، وكذلك يسن القرب منها بقدر ثلاثة أذرع من قدميه إليها. واتخاذ السترة سنة لا واجب، فإن مر بين يدي الإمام ما يبطل مروره الصلاة: كالكلب، والحمار، بطلت صلاته وصلاة المأمومين؛ وإن مر بين يديه ما لا يبطلها كمرور الرجل، لزمه دفعه، فإن لم يفعل، فالإثم عليه. التضحية ممن لم يصل العيد (وأما) الذي ضحى بعد صلاة الإمام فأضحيته مجزية، ولو لم يصل، لأن العبرة بصلاة الإمام لا صلاة كل إنسان بنفسه. ومِن طرف الصدقة بثمن الضحية، فذكر العلماء أن ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها مطلقا. ومن طرف ما سألت عنه من الاقتصار في التراويح على أقل من عشرين ركعة، فلا بأس بذلك، وإن زاد فلا بأس.

стр. 51

قال الشيخ تقي الدين: له أن يصلي عشرين كما هو المشهور في مذهب أحمد والشافعي، قال: وله أن يصلي ستة وثلاثين ركعة كما هو مذهب مالك، قال الشيخ: وله أن يصلي إحدى عشرة، أو ثلاث عشرة، قال: وكله حسن كما نص عليه الإمام أحمد. قال الشيخ: فيكون تكثير الركعات، وتقليلها بحسب طول القيام وقصره، وقد استحب أحمد أن لا ينقص في التراويح عن ختمه، يعني: في جميع الشهر، والله أعلم. ضمان ما تلف من ثمن المبيع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الله بن مانع إلى جناب شيخنا المكرم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمنأبا بطين) سلمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (وبعد) : فالموجب لتحرير الكتاب إبلاغ جنابك الشريف جزيل السلام والتحية، والاحترام وغير ذلك -أمتعنا الله تعالى بحياتك- فقد أشكل علينا ما إذا اشترى رجل ذهبا بفضة معلومة نسيئة، وأعطى زوجته الذهب، فباعته وأخذت ثمنه. ثم مات الزوج، وضاقت التركة عن وفاء دينه، تبينا أن العقد باطل، وقد أتلفت المرأة الذهب، ولم يُعلم المشتري الثاني، فمن يستقر الضمان عليه؟ أفتنا أثابك الله الجنة بمنه وكرمه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. (وبعد) : فالجواب -وبالله التوفيق-: لبائع الذهب تضمين من شاء من الثلاثة المشتري منه، وزوجته، والمشترِي منها إن علم، ويستقر الضمان عليه، فلو ضمنه المالك القيمة، رجع على المرأة بما دفع من الثمن فقط، هذا هو الظاهر من كلام

стр. 52

الأصحاب وغيرهم، حيث شبهوا المقبوض بعقد فاسد بالمغصوب؛ فيقتضي ذلك المشابهة في جميع الأحكام لا ما استثنى بعضهم من نفوذ العتق في المقبوض بعقد فاسد، وبعضهم استثنى صحة انعقاده فيه، قال في "القواعد": المعروف في المذهب أنه غير منعقد، وتترتب عليه أحكام الغصب، وما قلنا من جواز تضمين المالك مَنْ شاء من الثلاثة، واستقرار الضمان على من تلف في يده. صرح به "الشرح الكبير" فقال": إذا باع المشتري المبيع الفاسد، لم يصح، لأنه باع ملك غيره بغير إذنه، وعلى المشتري رده إلى البائع الأول؛ لأنه مالكه، ولبائعه أخذه حيث وجده، ويرجع المشتري الثاني بالثمن على الذي باعه، ويرجع الأول على بائعه. فإن تلفت في يد الثاني، فللبائع مطالبة من شاء منهما؛ لأن الأول ضامن، والثاني قبضه من يد ضامنه بغير إذن صاحبه، فكان ضامنا. فإن كانت قيمته أكثر من ثمنه، فضمن الثاني، لم يرجع بالفضل على الأول، لأن بالتلف في يده استقر الضمان عليه، وإن ضمن الأول، رجع بالفضل على الثاني. انتهى وقوله في "القواعد": تترتب عليه أحكام الغصب يدل على ذلك؛ ولهذا ذكر مرعي في "الغاية" اتجاها جازما به بأنه لو باعه قابضه للآخر، فللمالك مطالبة كلٍّ. وقرار ضمان على تالف عنده، وأن تفصيله كغصب كما يأتي، إلا في صحة انعقاده فيه لإعراض ربه عنه بطيب نفس. انتهى. إذا تقرر هذا، فللبائع تضمين الزوجة قيمة الذهب، وترجع به في تركة زوجها، فتضرب بها مع الغرماء، ومقتضى ما ذكرناه أنها لا ترجع مع علمها بفساد العقد. وقولنا بضمان القيمة إنما هو إذا كان الذهب مصوغا أو مغشوشا، فإذا كان خالصا غير مصوغ، ضمن بمثله. ويشترط في ضمانه بالقيمة أن تكون من غير الجنس. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 53

مسائل سئل عنها الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) رحمه الله تعالى رهن الزرع بالدين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذه مسائل سئل عنها الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) رحمه الله تعالى: الأولى: فيما إذا كان لإنسان على آخر دين، وقال: دينك قادم في هذا الزرع أو هذه الثمرة، هل يكون هذا رهنا أم لا؟ وفي رجل عليه دين، ولا يفي دينه بما عليه، وعند إنسان له رهن هل صاحب الرهن مقدم على من سواه؟ وفيما إذا امتنع الراهن من قضاء الدين، وأبى أن يأذن في بيع الرهن، وتعذر إجباره، وتعذر الحاكم، فهل إذا قام عدل، وباع الرهن، فقضى الدين، هل ينفذ تصرفه أم لا؟ وهل إذا أعطت الأم ابنتها الصغيرة حليا تلبسه، ولم يقبضه وليها لها، وليست ذات زوج، فهل تملكه أم لا؟ وهل إذا شرط البائع للثمرة بعد بدو صلاحها على المشتري القطع، فتلفت بجائحة أو تعيبت بها، فهل يكون ضمانها على المشتري أم لا؟ وهل إذا باع الراهن الرهن بغير إذن المرتهن، فهل يكون بدله الذي أبدله به رهن، والحالة هذه أم لا؟ وإذا ادعى إنسان على آخر عقارا، فقال المدعَى عليه: ورثته من أبي، ولم أعلم لك فيه حقا، هل تقبل يمينه هذه على صفة جوابه؟ وإذا ادعى إنسان شيئا أنه يملكه الآن، وشهدت البينة أنه كان له أمس، أو لأبيه قبل موته إلى أن مات، هل تسمع أم لا؟ أفتونا مأجورين. الجواب وبالله التوفيق: أما المسألة الأولى: فيما إذا قال: حقك أو دينك قادم في هذا الزرع ... إلخ، فهذا ليس برهن، وإنما هو وعد، فيصير المقول له ذلك أسوة الغرماء، وإن

стр. 54

لم يكن غريم غيره، فيستحب للقائل الوفاء بوعده، ولا يجب عند أكثر العلماء. المرتهن أحق بثمن الرهن من سائر الغرماء وأما إذا ضاق مال الإنسان عن دينه، وكان له عين مرهونة عند بعض الغرماء؛ فإن المرتهن أحق بثمن الرهن من سائر الغرماء إذا كان رهنا لازما بلا نزاع. قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافا، فإن كان الراهن حين الرهن قد ضاق ماله عن دينه، نبني صحة رهنه على جواز تصرفه وعدمه، وهو أنه هل يكون محجورا عليه إذا ضاق ماله عن ديونه بغير حكم حاكم، كما هو قول مالك، ويحكى رواية عن أحمد، اختاره الشيخ تقي الدين؟ أو لا يكون محجورا عليه إلا بحكم حاكم، كما هو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه؟ امتنع الراهن من قضاء الدين وأما إذا امتنع الراهن من قضاء الدين ... إلخ فقال الشيخ تقي الدين: جوز بعض العلماء للمرتهن دفع الرهن إلى ثقة يبيعه، ويحتاط بالإشهاد على ذلك، ويستوفي حقه إذا تعذر الحاكم، ولم يكن الراهن قد أذن للمرتهن في بيع الرهن بعد حل الأجل. انتهى. وهذا قول حسن -إن شاء الله تعالى- تدعو الحاجة إليه في كثير من البلدان والأزمان، والله أعلم. نحلة الأبوين لبنتهما وأما إذا ألبست الأم ابنتها حليا ... إلخ، فقد رأيت في ذلك جوابا لأحمد بن يحيى بن عطوة، فإنه سئل عما إذا وجد على البنت الصغيرة حلي وثياب فاخرة، فما حكم ذلك؟ وهل تسمع دعوى الأم أن ذلك لها، وإنما ألبستها إياه تجميلا، أو دعوى الورثة أنه لموروثهم، وإنما جملها به؟ وهل بين الصغيرة والكبيرة فرق في ذلك، أم لا؟ وهل ذلك عام بالأب والأم؟ أفتونا مأجورين. أجاب رحمه الله تعالى: الظاهر من شواهد الأحوال والعرف والعادة المستمرة أن تجميل الأبوين بنتهما بكل ما يعد تجميلا أنه تخصيص لها

стр. 55

بذلك دون سائر من يرثها، إذا لم تجر عادتهما بأنه عارية تجري عليها أحكامها، إذا علم ذلك فلا كلام لسائر الورثة في ذلك بعد موت المخصص المعطي للزوم ذلك بموته، كما صرح به الأصحاب، والتخصيص سائغ أيضا: في مسائل كفقر وعلم ونحوهما في رواية. وأما الأم فإن أقامت بينة شرعية أن ذلك لها، وأنه عارية ساغت دعواها، وإلا فلا فرق بين الصغيرة المميزة والكبيرة في ذلك. وأما غير المميزة فمحل نظر وتأمل، والذي يظهر لي أن ذلك عام في الأب والأم، وإنما يعد الأب لأنه الغالب، والشيء إذا خرج مخرج الغالب لا مفهوم له... إلى أن قال: فحيث ثبت إمكان مِلك البنت في المسألة المذكورة بما ذُكر، فلا يجوز انتزاع ما صار إليها، إلا بدليل راجح يسوغ المصير إليه شرعا. انتهى. ومن جواب للشيخ سليمان بن علي بن مشرف -رحمه الله تعالى- وقد سئل عن هذه المسألة: إذا كان الحلي على البنت، ولو لم تذهب به إلى بيت زوج، وادعته الأم، لم تقبل إلا ببينة أنه للأم، وأنه على البنت عارية. ولو أقامت الأم بينة أنها التي اشترته، لم تقبل حتى تقول: وهو على البنت عارية. انتهى. بيع الثمرة بعد بدو صلاحها بشرط القطع وأما إذا باع الثمرة بعد بدو صلاحها بشرط القطع، فقدم في الشرح وغيره: يجوز هذا الشرط، وهو ظاهر. وإذا تلفت والحالة هذه، فإن كان تلفها قبل تمكن المشتري من أخذها، فهي من ضمان بائع، وإن كان تلفها بعد التمكن من أخذها، فهي من ضمان مشترٍ، لتفريطه. وقد صرح الأصحاب فيما إذا اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع، فتلفت بجائحة سماوية بعد تمكنه من قطعها، فهي من ضمانه، وإن تلفت قبل تمكنه من قطعها، فهي من ضمان بائع؛ لعموم الحديث.

стр. 56

وصرحوا -أيضا- فيما إذا اشتراها بعد بدو صلاحها، ولم يشترط القطع في الحال، بأنها من ضمان بائع، ما لم يؤخرها المشتري عن وقت أخذها المعتاد، فإن أخر أخذها عن الوقت المعتاد -فالثمرة التالفة من ضمان مشتر لتفريطه، والله أعلم. بيع العين المرهونة بغير إذن المرتهن وأما إذا باع الراهن العين المرهونة بغير إذن المرتهن -فالبيع فاسد بلا خلاف بين العلماء، فإن أمكن المرتهن استرجاع الرهن، استرجعه وهو رهن بحاله، وإن لم يتمكن من استرجاعه لزم الراهن دفع قيمته للمرتهن، فتكون رهنا، سواء كانت القيمة مثل الثمن الذي بيع به، أو أقل أو أكثر. والله علم. ادعى إنسان عقارا في يد غيره وأما إذا ادعى إنسان عقارا في يد غيره، فلا يخلو إما أن يدعي على من هو بيده أنه غصبه إياه ونحو ذلك، فإذا لم يكن للمدعي بينة فعلى المدعى عليه اليمين على حسب جوابه؛ فإن قال المدعي: غصبتني، حلف أني ما غصبتك. هذا وإن قال المدعي: أودعتك هذا، حلف أنك ما أودعتني إياه، ونحو ذلك. فإذا حلف بأنك ما تستحق علي شيئا، أو أنك لا تستحق شيئا فيما ادعيته -كان جوابا صحيحا، ولا يكلف سواه. والحال الثاني: أن يدعي على من هو في يده بأن أباك غصبني هذا، أو أنه وديعة عنده، أو نحو ذلك، فيمين المدعى عليه على نفي العلم، فيحلف في دعوى الغصب بأني ما علمت أن أبي غصب هذا منك، وفي دعوى الوديعة ما علمت أنك أودعته إياه ونحو ذلك. وفي سنن أبي داود "أن النبي ﷺ قال للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا، ولكن أحلفه والله ما يعلم أنها أرضي اغتصبها أبوه، فتهيأ الكندي لليمين ولم ينكر ذلك النبي

стр. 57

صلى الله عليه وسلم" ١؛ولأنه لا يمكنه الإحاطة بفعل غيره بخلاف فعل نفسه، فوجب أن لا يكلف اليمين فيه على البت. وأما إذا ادعى أن هذه العين له الآن، وشهدت البينة بأنها كانت له أمس، أو أنها كانت في يده أمس، لم تسمع بينة لعدم تطابق البينة والدعوى. قال في الإنصاف في أصح الوجهين: حتى يتبين سبب يد الثاني نحو غاصبه بخلاف ما لو شهدت أنه كان ملكه، اشتراه من رب اليد، فإنها تقبل انتهى. وأما إذا شهدت البينة بأن هذه العين لهذا المدعي بهذه الصيغة، كفى ذلك، وسلمت إلى المدعي، ولو لم تقل وهي في ملكه الآن. وأما إذا ادعى أن هذه العين كانت ملكا لأبيه أو أمه أو أخيه، ومات وهي في ملكه، فصارت لي بالميراث، فإن شهدت البينة بأن هذه العين كانت ملكا لأبيه ونحوه، ومات وهي في ملكه سمعت البينة بذلك، وإن قالت البينة كانت ملكا لأبيه ونحوه، ولم تشهد بأنه خلفها تركة، لم تسمع هذه البينة. وفي الفروع والإنصاف عن الشيخ تقي الدين ﵀ أنه قال فيمن بيده عقار، فادّعى آخر بثبوت عند حاكم أنه كان لجده إلى موته، ثم لورثته، ولم يثبت أنه مخلف عن موروثه -لا ينزع منه بذلك؛ لأن أصلين تعارضا، وأسباب انتقاله أكثر من الإرث، ولم تجر عادتهم بسكوتهم المدة الطويلة، ولو فتح هذا الباب لانتزع كثير من عقار الناس بهذا الطريق، والله أعلم. ما تثبت فيه الشفعة هذه مسائل سئل عنها الشيخ العالم العلامة عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) رحمه الله تعالى، ونصها:- ما يقول شيخنا وأستاذنا الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن (أبو بطين)

стр. 58

أيده الله تعالى عن مسائل أشكلت علينا، وهي: الشفعة، هل تثبت للشريك مطلقا، أم لا تثبت إلا فيما يقسم قسمة إجبار؟ وعن ما إذا رهن إنسان شيئا معلوما في دين معلوم، وأراد الراهن أن يستدين من غير المرتهن، ويرهن عنده ما فضل بعد قدر دين المرتهن الأول، هل يصح ذلك أم لا؟ وعن ما إذا مات إنسان مسلم وله أولاد منهم مسلم وكافر، فأسلم الكافر بعد مدة طويلة أو غير طويلة، وبعض التركة بحاله، لم يبع، ولم يرهن، ولم يقسم، هل يرث الكافر من ذلك أم لا؟ وعما إذا وقف إنسان وقفا على مدرسة معينة أو سراج يوقد في مسجد معين، هل يجوز صرفه إلى مدرسة، أو مسجد غير ما عينه الواقف؟ وعما إذا ثبت لإنسان على إنسان دين، ثم ثبت على من لهم الحق دين لإنسان آخر، وقال للمدين الأول: لا تعط ديانك إلا بحضرتي؛ فإني قارع ما عليك له في يدك، فلم يعمل بقوله، وأوفى غريمه مع غيبة من قرع الدين في يده، هل يلزمه ضمان ما قرع في يده أم لا؟ وعن رجل وقف نخلة أو نخلتين -مثلا- يشتري بغلة ذلك الوقف أضحية كل سنة، واحتاج ولد الواقف حاجة شديدة، ربما أن من احتاج مثل حاجته يموت جوعا، هل يجوز بيع أصل الوقف أم لا؟ وإذا لم يبع الأصل فهل يجوز صرف الغلة إلى من احتاج من ولده، أم يلزم الوصي أن يشتري بها أضحية، ويمنع ورثته أكل الغلة مع حاجتهم؟ أفتونا مأجورين. (الجواب) وبالله التوفيق: أما المسألة الأولى: ففيها عن الإمام أحمد روايتان: (إحداهما) : وهي المذهب عند أكثر الأصحاب: لا تجب الشفعة إلا فيما يقسم قسمة إجبار، فلا تجب في الدار الضيقة، والبئر، ونحو ذلك، لحديث جابر مرفوعا: أنه قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت

стр. 59

الطرق فلا شفعة. قالوا: والحدود إنما تقع فيما يقبل القسمة ما لم يقسم. (والرواية الثانية) : ثبوت الشفعة في ذلك، اختارها ابن عقيل، والشيخ تقي الدين وغيرهما، قال الحارثي: وهو الحق. وروى عبد الله بن أحمد عن عبادة مرفوعا: أنه قضى بالشفعة بين الشركاء في الدور والأرضين. رهن المجهول المسألة الثانية: إذا رهن إنسان شيئا معلوما ... إلخ، فنقول هذا رهن فاسد١ لأن من شرط صحة الرهن أن يكون معلوما، وهذا ليس كذلك. وقد اختلف الفقهاء فيما إذا أرهن إنسان إنسانا شيئا في دين له، ثم قال الغريم: يعني كذا بكذا، ويكون الرهن الذي عندك رهنا به وبالدين الأول، والمذهب أن ذلك لا يصح. وأما الصورة المسؤول عنها، فلا أظن أن أحدا يجوزها. وقد ذكر في الشرح وغيره عدم صحة رهن المجهول كما لو قال: أرهنتك هذا الجراب بما فيه، ونحو ذلك، ولم يذكر في ذلك خلافا، والمسألة المسؤول عنها أولى بعدم الجواز؛ لأنه لا يعلم هل يبقى منها شيء بعد استيفاء المرتهِن الأول حقه أم لا، وهذا ظاهر لا خفاء به، ولله الحمد. أسلم من الورثة قبل قسمة التركة المسألة الثالثة: إذا مات مسلم ... إلخ، ففي هذه المسألة عن الإمام أحمد. روايتان: إحداهما وهي المذهب: أن من أسلم من الورثة قبل قسمة التركة -ورث، وكذلك إن أسلم وقد قسم بعضها، ورث مما لم يقسم، واحتجوا بما روى أبو داود عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم، وكل قسم أدركه الإسلام فهو على ما قسم الإسلام"٢، وبما روى سعيد بن منصور في سننه عن عروة بن

стр. 60

أبي مليكة عن -النبي ﷺ أنه قال: "من أسلم على شيء فهو له". ويروى أن عمر، وعثمان، قضيا بذلك. وعلى هذه الرواية إن كان الوارث واحدا، فتصرفه في التركة، وحيازتها بمنزلة قسمها؛ ذكر ذلك الموفق، وغيره. والرواية الثانية: لا شيء له، لحديث "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" ١. وهذا حين الموت كان كافرا؛ فلا يرث بمقتضى هذا الحديث، وهذا قول أكثر العلماء، والقول الأول من مفردات المذهب. الوقف على شيء معين المسألة الرابعة: إذا وقف إنسان وقفا على مدرسة معينة ... إلخ، فقد صرح الفقهاء بأن هذا شرط يجب العمل به، وإنما تنازعوا فيما فضل عن الجهة المعينة، فنص أحمد أن ما فضَل من وقف المسجد من حصره وزيته، عن حاجته، يجوز صرفه إلى مسجد آخر، ويجوز الصدقة به على فقراء المسلمين. وعنه رواية أخرى: يجوز صرفه في مثله دون الصدقة به. وقيل: إن علم أن ريعه يفضل عنه دائما، وجب صرفه، وإلا فلا، قاله الشيخ تقي الدين. أوفى غريمه مع غيبة من قرع الدين في يده المسألة الخامسة: إذا ثبت لإنسان على آخر دين ... إلخ، فلم أر للفقهاء في هذه المسألة نصا، ومقتضى أصولهم أنه لا يلزم المقول له إبقاء ما عنده، فإذا أعطى صاحب الحق حقه لم يكن ضامنا، لأنه ليس ضامنا، ولا محالا عليه، ومقتضى قوله – ﷺ : "أد الأمانة إلى من ائتمنك" ٢ –وجوب الدفع إلى المستحق حقه ولا يمنعه حقه بمجرد قول إنسان: لا تعطه، وقد يثبت لهذا القائل حق، وقد لا يثبت، ولكن ينبغي للمدعي رفع الأمر للحاكم، إن كان ثَم حاكم، وينظر الحاكم فيه بمقتضى الشرع إن رأى الحكم على الغائب، وقضى للمدعي بما ادعى به، وإن أمكن إحضار المدعى عليه –أحضره مع خصمه، ونظر في أمرهما، هذا ما ظهر لي، والله – أعلم.

стр. 61

تغيير شرط الواقف المسألة السادسة: فيمن وقف نخلة ونحوها على أضحية ونحوها ... إلخ، فأما بيع ذلك لما ذكر فلا يجوز، لقول النبي – ﷺ : "لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث" ١. وقد تنازع الفقهاء في جواز بيع الوقف إذا تعطلت منافعه، فأجازه أحمد وغيره، ومنعه الشافعي وغيره. وأما صرف غلة ذلك إلى المحتاج من أولاد الواقف، فقال الأصحاب يتعين صرف غلة الوقف إلى الجهة المعينة إلا ما فضل عنها، ونص على ذلك الإمام أحمد، ولم يفرق أحمد والأصحاب بين حالة الحاجة وغيرها. وقال الشيخ تقي الدين: يجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح، وإن اختلف ذلك باختلاف الأزمان، حتى لو وقف على الفقهاء والصوفية، واحتاج الناس إلى الجهاد، صرف إلى الجند. فعلى اختيار الشيخ –﵀: يجوز صرف ثمن الأضحية إلى من اشتدت حاجته من ولد الواقف، وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال رجل لعطاء: رجل جعل ذودا في سبيل الله، قال: أله ذوو قرابة محتاجون؟ قال: نعم. قال: فادفعها إليهم. فكانت هذه فتياه في هذا وأشباهه، والله – أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. نذر التبرر إذا رده المنذور له بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين من عبد الله بن عبد الرحمن (أبى بطين) إلى جناب الأخ المكرم عثمان بن علي بن عيسى، سلمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (وبعد) : من طرف المسألتين المسؤول عنهما: فالأولى: إذا نذر إنسان شيئا معينا لشخص معين نذر تبرر، فرده، أو مات

стр. 62

قبل قبوله، أو قبله وقبضه ثم رده: فأما إذا رده، أو مات قبل القبول والرد، فالذي يظهر بطلان هذا النذر كما تبطل الصدقة بذلك لأن الصدقة نوع من الهبة، صرح به الأصحاب كما في المغني وغيره. وهو ظاهر كلام أحمد لقوله في رواية حنبل: إذا تصدق على رجل بصدقة دار أو ما أشبه ذلك، فإذا قبضها الموهوب له صارت في ملكه، انتهى. وقد صرحوا باعتبار القبول للهبة، وأنها تبطل بالرد وبموت الموهوب له قبل القبول، فإذا كان هذا حكم الهبة، والصدقة نوع من الهبة، وقد جعل الأصحاب حكم الصدقة المعينة حكم النذر، كما نقله في القواعد عنهم، ولفظه بعد كلام سبق، فإذا قال: هذه صدقة، تعينت، وصارت في حكم المنذورة، صرح به الأصحاب؛ لكن هل ذلك إنشاء للنذر، أو إقرار به؟ فيه خلاف بين الأصحاب، انتهى. فقوله: "هل ذلك إنشاء للنذر، أو إقرار به" صريح في أنه إذا تصدق بشيء معين، فقال: هذا صدقة، إنه نذر حقيقة، فإذا علمت ما ذكره علماؤنا -رحمهم الله تعالى- من أحكام الهبة، وقد صرحوا بأن الصدقة نوع من الهبة، لها حكم الهبة، بل صرحوا باعتبار القبول للصدقة، ولم يخصوا بذلك نوعا منها، وجعلوا حكم الصدقة المعينة حكم المنذورة، ظهر لك حكم مسألة السؤال، إن شاء الله تعالى. الوصية في الثلث بدون إجازة الورثة وأما المسألة الثانية: وهي ما إذا أوصى إنسان بشيء من ماله، يحج به لبعض ورثته، أو يضحي به عنه، فالذي يظهر صحة هذه الوصية ولزومها في الثلث بدون إجازة، لأن الموصى له لا يملكها، ولا ينفع بها، وإنما يرجو ثوابها في الآخرة، فهي كصدقته في مرضه، وجعل ثوابها للوارث، وقد قال الأصحاب في تعليل صحة وقف المريض ثلثه، أو وصيته بوقفه على بعض

стр. 63

الورثة بأنهم لا يبيعون ذلك، ولا يهبونه، إنما ينتفعون به. ومسألة السؤال أولى بالجواز، لأن الموصى له بأن يحج عنه ونحوه لا يملك الموصى به، ولا ينتفع به في الدنيا، والموقوف عليه ينتفع به، ويملكه على المشهور. ولما ذكر الزركشي تعليل الأصحاب لمسألة الوقف المذكورة قال: قلت: وكأنه عتق الوارث، انتهى. يشير –والله أعلم- إلى ما ذكروه في تصرف المريض إذا ملك وارثه بشراء ونحوه، وقياس مسألتنا على مسألة العتق أولى، والله أعلم. ومن بعد ختم الكتاب عثرت على فتيا منسوبة لأبي المواهب الحنبلي: أنه سئل عمن أوصى بأن يحج عن أمه من ماله، وأمه حية، فأفتى بأن ذلك يقف على إجازة الورثة -والله أعلم-. والذي يترجح عندي ما ذكرته في جواب خطك، ولكن حصل بعض التردد، وأحببت تشريفك على ذلك لتنظر، وتتأمل، والسلام. ومن كلام لأحمد المذكور قال: وأما الحجة فليست بمال، ولا يقصد بها المال، وإنما هي قربة فلا يملك الموصى له بها لو كان حيا تصرفا، فلا تثبت بدون رجلين، والله أعلم. وضع الجار الخشب على جدار جاره بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى الأخ المكرم محمد آل عمر بن سليم، سلمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وغير ذلك من حال ما سألت عنه. فقول الفقهاء: لا يزال الضرر بالضرار فهذا كما قالوا في ان الجار لا يملك

стр. 64

وضع الخشب على جدار جاره إلا عند الضرورة إليه، فإن كان جدار الجار يتضرر بوضع الخشب عليه، لم يجز، لأن الضرر لا يزال بالضرر. وكما لو كان مع إنسان طعام أو شراب، هو مضطر إليه، وإنسان آخر مضطر إلى ذلك، فصاحبه أحق به؛ فلا يزال ضرر غير المالك بإدخال الضرر على المالك، ويدخل في ذلك صور كثيرة. الإمام إذا حصل في صلاته نقص وأما قوله ﷺ : "يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطؤوا فلكم وعليهم" ١، وهذا يدل على أن الإمام إذا حصل في صلاته نقص فالإثم عليه دون المأموم، حتى لو صلى الإمام محدثا، جاهلا أو ناسيا، ولم يعلم المأموم حتى فرغ، فصلاته صحيحة. وأما قول من قال من الفقهاء: أن صلاة المأموم تبطل ببطلان صلاة إمامه، فمرادهم كما لو أحدث في صلاته؛ فبطلت، فتبطل صلاة المأموم، إذا علم حدث إمامه؛ مع أن كثيرا من العلماء لا يرون بطلان صلاة المأموم إذا بطلت صلاة إمامه، وهو رواية عن أحمد وفاقا لمالك والشافعي. وأما إذا سلم الإمام من نقص سهوا، ثم تكلم في تلك الحال بكلام لمصلحة الصلاة، فالصحيح أن صلاته لا تبطل، في رواية مشهورة عن أحمد اختارها جماعة من أصحابه وفاقا للشافعي. شرط المرأة على الزوج طلاق زوجته وأما شرط المرأة على الزوج طلاق زوجته فأكثر الأصحاب يصححون هذا الشرط،، بمعنى: أن لها الفسخ إذا لم يف. واختار الموفق، وجماعة من الأصحاب -عدم صحة هذا الشرط، وأنها لا تملك الفسخ إذا لم يف، للنهي عنه في الحديث الصحيح، وأرجو أن هذا القول أقرب. قلب الدين وأما مسألة قلب الدين في الصورة التي ذكرتم، وهي: ما إذا كان له على آخر دراهم، وطلب منه الوفاء، وادعى العسرة، فقال: أسلم إليك دراهم

стр. 65

في طعام توفيني بها، فإن كان المسلم إليه معسرا، وأكرهه غريمه على ذلك فهو حرام باتفاق الأئمة، قاله الشيخ تقي الدين، قال: لأنه مكره بغير حق. وإن كان المسلم إليه غير معسر، فالذي يظهر لنا عدم الجواز، لأن ذلك يتخذ حيلة على جعل الدين رأس مال سلم، والله أعلم وأحكم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. جعل تعليم القرآن صداقا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد آل عمر بن سليم إلى جناب شيخنا المكرم عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) سلمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأفتنا -عفا الله عنك- هل تعليم شيء من القرآن يجوز أن يكون صداقا أم لا؟ والحديث الذي فيه "أنه ﷺ زوج رجلا على سورة من القرآن وقال: لا تكون لأحد بعدك مهرا"، هل هو صحيح أم لا؟ كذلك -عفا الله عنك- إذا زرع إنسان أرضا مغصوبة، هل يكون عيشها مكروها أم لا؟ وهل يجوز للإنسان أن يشتري منه أم لا، أو سلم له في عيشها؟ وعن ولد الزنى إذا صلح، هل يجوز له إهداء شيء من القرب، مثل: الحج والتضحية لوالديه أم لا؟ وهل هو مسنون؟ أو مكروه؟ كذلك الرقيق الذي ما يدري عن والديه إذا عتق؟ وعن قول بعض الناس لبعض في أثناء الكلام: يا ذخري كذا وكذا، ماذا يكون؟ وعن ما إذا كان طريق على طرف المقبرة، هل يكره للنساء المرور منه أم لا؟ وعن قول بعض الفقهاء وإن اجتازت المرأة بقبر، فسلمت عليه، فحسن، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 66

الجواب، وبالله التوفيق. المسألة الأولى: اختلف العلماء في جواز جعل تعليم القرآن صداقا، وفي ذلك عن أحمد روايتان إحداهما: لا يجوز. اختارها أكثر أصحابه وفاقا لمالك وأبي حنيفة، والرواية الثانية: يجوز، وفاقا للشافعي. وأما حديث: "لا تكون لأحد بعدك مهرا" فالظاهر عدم صحته، والله أعلم. زرع الأرض المغصوبة وأما زرع الأرض المغصوبة فلا علمت فيه حكما واضحا، والأولى التنزه عنه، ولا أحب المعاملة فيه. وإهداء ولد الزنى لوالديه المسلمين جائز حسن- إن شاء الله- أعني إهداء جميع القرب والتضحية عنهما، والحج وغير ذلك. وأما الرقيق الذي لا يعلم حال والديه فلا بأس بدعائه لهما، وكذا إهداء القرب. وقول بعض الناس: "يا عضيدي"، الظاهر أن المراد بمثل هذا المعاونة على ما ينوبه من أموره، مثل: انتصاره به على عدوه ونحوه، لا بأس به. وإذا كان للناس طريق على حد المقبرة، ومرت معه امرأة وسلمت فلا بأس, لأنها لا تسمى زائرة، والله – أعلم. أسقط عن المعسر أو فقير غير معسر زكاة الدين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين من محمد آل عمر بن سليم إلى جناب الشيخ المكرم عبد الله بن عبد الرحمنأبا بطين) سلمه الله تعالى، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (وبعد) : أفتنا -أثابك الله، وأحسن لك الخاتمة- عما إذا كان لإنسان على آخر دين، والمدين معسر، هل يجوز أن يسقط عنه قدر زكاة ذلك

стр. 67

الدين، ويكون ذلك زكاة الدين أم لا؟ وعما إذا كان مصرف ريع الوقف في أضحية وقربة، هل يجوز أن يجعل جلد الأضحية قربة، أم لا بد أن يشتري جلدا غير جلد الأضحية؟ وعن قول بعض الناس: يحق من الله أن يكون كذا، إذا كان أمر نعمة، وعن قول بعض الناس: وحق الله، هل هو حلف بغير الله، أو لغو؟ وعن قول بعض الناس: بالرحمن نفعل كذا، أو يكون كذا، أو ما صار كذا, أو ما فعلت كذا، وعن الدعاء عند دخول الإمام يوم الجمعة، وبين الخطبتين، وبين الإقامة والصلاة، وعن الدعاء بعد الفريضة، وبعد التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثا وثلاثين، هل الدعاء في هذه المواضع مستحب أو مكروه أو مباح، أو بعضها مستحب، وبعضها مكروه؟ وعن رفع اليدين بالدعاء في هذه المواضع، هل هو مستحب أو مكروه أو مباح، أو ما كان مكروها فرفع اليدين فيه مكروه، وما كان مستحبا فرفع اليدين فيه مستحب؟. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. (وبعد) : فالجواب -وبالله التوفيق- المعروف، المعمول به في المذهب –أنه إذا أسقط عن المعسر، أو فقير غير معسر زكاة الدين الذي عليه، أن ذلك لا يجوز، ولا يجزئ. شرط في غلة الوقف أضحية وقربة وإذا شرط في غلة الوقف أضحية، وقربة، فالذي أرى أنه يلزمه شراء قربة، فلا يكتفي بجلد الأضحية، والله أعلم. وأما قول بعض الجهال: يحق من الله أن يكون كذا، فهذه كلمة قبيحة، يخاف أن تكون كفرا، فينهى من قال ذلك، وينصح.

стр. 68

الدعاء عند دخول الإمام يوم الجمعة وحال جلوسه بين الخطبتين وأما الدعاء عند دخول الإمام يوم الجمعة، وحال جلوسه بين الخطبتين –فلا علمت فيه شيئا، ولا ينكر على فاعله الذي يتحرى الساعة المذكورة في يوم الجمعة. وأما الدعاء بعد الإقامة فلم يرد فيه شيء، والأولى عدم فعله، وأما الدعاء بعد الفرائض، فإن فعله إنسان بينه وبين الله، فحسن. وأما رفع اليدين في هذه الحال فلم يرد عن النبي ﷺ -وخير الهدي هدي محمد، ومثل هذا ما أرى الإنكار على فاعله، ولو رفع يديه. الحلف بحق الله وأما الحلف بحق الله فكثير من أهل العلم يجوزه، وبعضهم يمنع منه، والمشهور في المذهب جوازه. وأما قول بعض الناس لك: لله ما فعلت كذا، فإذا لم يكن للقائل نية فهو لغو. وقول بعض الناس: بالرحمن نفعل، إن كان مراده الاستعانة فلا بأس، والله أعلم وأحكم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. السكة إذا كسدت بتحريم السلطان لها أو بغيره بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى جناب الولد المكرم عبد الرحمن بن محمد بن مانع، سلمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وموجب الخط إبلاغ السلام، والخط الشريف وصل، ومن حال المسائل المذكورة فيه. فأما مسألة السكة إذا كسدت بتحريم السلطان لها أو بغيره، أو رخصت -فالأصحاب إنما أوجبوا القيمة، إذا حرمها السلطان، فمنع المعاملة بها سواء اتفق الناس على ترك المعاملة بها أو لا. وذكروا نص الإمام أحمد في القرض، وقاسوا عليه النقد المعين في المبيع، وثمن المبيع إذا رد بعيب ونحوه

стр. 69

بعد قبض البائع له ونحو ذلك، وقد ذكر المسألة ناظم المفردات وهي منها، فنذكر بعض كلامه، وكلام شارحها، فقال: والنقد في المبيع حيث عينا ... وبعد ذا كساده تبينا نحو الفلوس ثم لا يعامل ... بها فمنه عندنا لا تقبل بل قيمة الفلوس يوم العقد ... والقرض أيضا هكذا في الرد ي: إذا وقع العقد بنقد معين: كدراهم مكسرة أو مغشوشة أو بفلوس، ثم حرمها السلطان، فمنع المعاملة بها مثل قبض البائع لها، لم يلزم البائع قبضها، بل له الطلب بقيمتها يوم العقد. وكذلك لو أقرضه نقدا، أو فلوسا، فحرم السلطان المعاملة بذلك، فرده المقترض، لم يلزم المقرض قبوله، ولو كان باقيا بعينه لم يتغير، وله الطلب بقيمة ذلك يوم القرض، وتكون من غير جنس النقد إن أفضى إلى ربا الفضل، فإذا كان دراهم أعطي عنها دنانير وبالعكس؛ لئلا يؤدي إلى الربا قال الناظم: ومثله من رام عود الثمن ... من رده المبيع خذ بالأحسن قد ذكر الأصحاب ذا في ذا الصور ... والنص في القرض عيانا قد ظهر أي: مثل ما تقدم من اشترى معيبا أو نحوه بدراهم مكسرة، أو مغشوشة أو فلوس، وأقبضها للبائع، فحرمها السلطان. بيعتين في بيعة وأما صورة بيعتين في بيعة فكثيرة جدا، وضابطه: أن يشترط أحد المتعاقدين على صاحبه عقدا آخر، ونص الإمام أحمد على صور من ذلك: كأن يشترط أحدهما على صاحبه سلما أو قرضا أو بيعا أو شركة أو إجارة أو صرفا للثمن أو غيره. قال الأصحاب: وكذلك كل ما كان في معنى ذلك، مثل أن يقول:

стр. 70

بعتك كذا بكذا على أن تزوجني ابنتك، أو على أن أزوجك بنتي، وكذا أن تنفق على عبدي، أو دابتي، أو على حصتي من ذلك قرضا أو مجانا، فهذه الصور مما نص عليه الأصحاب وغيرهم، فإذا عرفت ضابط المسألة، تبين لك تفصيلها وأنواعها، فإذا أجره داره بكذا، بشرط أن يؤجره داره، أو يبيعه كذا بكذا، أو ساقاه على نخله، أو زارعه على أرضه، بشرط أن يبيعه كذا، أو يقرضه كذا، ونحو ذلك من اشتراط عقد في عقد آخر، فهو من نحو بيعتين في بيعة، وهو صفقتان في صفقة، وقد روى الإمام أحمد عن ابن مسعود مرفوعا: أنه نهى عن صفقتين في صفقة. وقد فسر جماعة من الأئمة البيعتين في بيعة بأن يقول بائع السلعة: هي بنقد بكذا، وبنسيئة بكذا. وحديث "من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا" ١ رواه أبو داود عن أبي هريرة مرفوعا. قال الشيخ تقي الدين: للناس في بيعتين في بيعة تفسيران: أحدهما) أن يقول: هو لك بنقد بكذا، وبنسيئة بكذا، كما رواه سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن مسعود عن أبيه قال: "نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة" ٢، قال سماك:"هو الرجل يبيع البيع، فيقول: هو بنساء بكذا، وهو ينقد بكذا وكذا" رواه الإمام أحمد. وعلى هذا فله وجهان: أحدهما: أن يبيعه بأحدهما مبهما، ويتفرقا على ذلك، وهذا تفسير جماعة من أهل العلم، لكنه يتعذر من هذا الحديث، يعني حديث "من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا" ٣ هذا لفظ الحديث، قال: فإنه لا مدخل للربا هنا، ولا صفقتين هنا، وإنما هي صفقة واحدة بثمن مبهم. والثاني: أن يقول: هي بنقد بكذا، وأبيعها بنسيئة بكذا، الصورة التي ذكرها ابن عباس ﵁ فيكون قد جمع صفقتي النقد والنسيئة

стр. 71

في صفقة واحدة، وجعل النقد معيار النسيئة، وهذا مطابق لقوله ﷺ : "فله أوكسهما أو الربا" ١، فإن مقصوده حينئذ هو بيع دراهم عاجلة بآجلة، فلا يستحق إلا رأس ماله، وهو أوكس الصفقتين، وهو مقدار القيمة العاجلة، فإن أخذ الربا فهو مربي. التفسير الثاني: أن يبيعه الشيء بثمن، على أن يشتري المشتري منه ذلك الثمن، أولى منه أن يبيعه السلعة على أن يشتريها البائع بعد ذلك، وهذا أولى بلفظ البيعتين في بيعة؛ فإنه باع السلعة وابتاعها، أو باع الثمن وابتاعه، وهذه صفقتان في صفقة، وهذا بعينه هو العينة المحرمة وما أشبهها. ومثل أن يبيعه نسأ، ثم يشتري بأقل نقدا أو بنقد، ثم يشتري بأكثر منه نسأ، ونحو ذلك؛ فيعود حاصل هاتين الصفقتين إلى أن يعطيه دراهم، ويأخذ أكثر منها، وسلعته عادت إليه؛ فلا يكون له إلا أوكس الصفقتين، وهو النقد، فإن ازداد فقد أربى. مات ولم يحج وأما من مات ولم يحج، فإن كان قد وجب عليه الحج قبل موته لاستكمال شروط الوجوب في حقه، وجب أن يحج عنه من رأس ماله أوصى به أم لا. وإن كان الميت لم يجب عليه الحج في حياته لعدم تكامل شرائط الوجوب في حقه في حياته، لم يجب أن يحج عنه من ماله إن لم يوص به؛ فإن أوصى به فمن ثلثه. هذا ما ذكره أصحابنا وغيرهم. وضع الجائحة في الأرض المستأجرة وأما ثبوت الجائحة في الأرض المستأجرة ونحوها، فاختيار الشيخ تقي الدين معلوم لديكم، وجمهور العلماء على خلافه. بل قال في المغني والشرح: لا نعلم فيه خلافا، ولفظ الشارح بأن استأجر أرضا، فزرعها، فتلف الزرع، فلا شيء على المؤجر، نص عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافا لأن المعقود عليه منافع الأرض، ولم تتلف، إنما تلف مال المستأجر فيها، فصار كدار استأجرها ليقصر فيها ثيابا،

стр. 72

فتلفت الثياب فيها، انتهى. ولم يحك صاحب الإنصاف إثبات الجائحة في الإجارة عن غير الشيخ تقي الدين إلا ما حكاه عن أبي الفضل في الحمام، وقد ذكر الشيخ عن اختياره أنه خلاف ما رآه عن أحمد. والذي نعتمده في المسألة الصلح إن تيسر، وإلا لم نحكم بوضع شيء من الأجرة، كما هو قول جمهور العلماء. والفرق بين الثمرة والأجرة أن المعقود عليه في شراء الثمرة هو عين الثمرة، والمعقود عليه في الإجارة منافع الأرض؛ ولهذا لو تركها المستأجر معطلة، فلم ينتفع بها لزمته الأجرة لتلف المنافع تحت يده. فالمعقودعليه في الإجارة نفع الأرض، فالتالف غير المعقود عليه. قال في الاختيارات لما ذكر إثبات الجائحة في أجرة الأرض: وبعض الناس يظن أن هذا خلاف ما في المغني من الإجماع، وهو غلط؛ فإن الذي في المغني أن نفس الزرع إذا تلف يكون من ضمان المستأجر صاحب الزرع، لا يكون كالثمرة المشتراة، فهذا ما فيه خلاف، وإنما الخلاف في نفس أجرة الأرض، ونقص قيمتها، فيكون كما لو انقطع الماء عن الرحى. طلق زوجته وأقر أنها خرجت من العدة قبل مرضه وأما الذي طلق زوجته، وأقر أنها خرجت من العدة قبل مرضه، فإنه يعمل بقوله، ولا يقبل قولها: أنه واقعها بعد ذلك، إلا ببينة والله أعلم وأحكم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. دخل إليه مدينان ليدفعا إليه ماله عليهما ثم وجد نقصا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذه مسائل سئل عنها الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) رحمه الله تعالى. (الأولى) : رجل دخل إليه مدينان ليدفعا إليه ماله عليهما، فأخرج أحدهما عشرة دراهم، وقال: هذه هي التي عندي لك، خذها لتحسبها، فقال: ضعها

стр. 73

وقال الآخر كذلك، وأمره أن يضعها على دراهم الأول، أو إلى جنبها، فأخذهما صاحب الحق جميعا، وحسبهما، فوجد نقصا، لا يدري من أيهما، فما الحكم في ذلك؟ (فأجاب رحمه الله تعالى) بأن له على كل منهما اليمين أنه دفع إليه حقه تاما، وليس له إلا ذلك، لأنه فرط في خلطهما، فلم تكن الدعوة على إنسان بعينه، بل عليهما جميعا، وهي لا تسمع إلا على معين. موافقة الرسول ظاهرا وباطنا (الثانية) : ما معنى قول الحموية: أما الذين وافقوه ببواطنهم، وعجزوا عن إقامة الظواهر، أو الذين وافقوه بظواهرهم، وعجزوا عن تحقيق البواطن، أو الذين وافقوه ظاهرا وباطنا بحسب الإمكان، لا بد للمنحرفين عن سنته أن يعتقدوا فيهم نقصا يذمونهم به، ويسمونهم بأسماء مكذوبة، وإن اعتقدوا صدقها كقول الرافضة: من لم يبغض أبا بكر، وعمر، فقد أبغض عليا. (فأجاب رحمه الله تعالى) : لما ذكر قبل ذلك: أن السنة هي ما كان عليه رسول الله ﷺ اعتقادا واقتصادا وقولا وعملا، ثم ذكر التابعين له على بصيرة، الذين هم أولى الناس به في المحيا والممات، باطنا وظاهرا، ثم ذكر الفريق الذين وافقوه ببواطنهم وعجزوا عن إقامة الظواهر، فهم الذين وافقوه اعتقادا وعجزوا عن إقامة القول والعمل، كالدعوة إلى الله - سبحانه-، وطائفة وافقوه في الظواهر وعجزوا عن تحقيق البواطن على ما هي عليه من الفرق بين الحق والباطل بقلوبهم، ففيهم نقص من هذا الوجه، وفريق وافقوه ظاهرا، وباطنا، بحسب الإمكان، لكنهم دون الأولين التابعين له على بصيرة، اعتقادا واقتصادا قولا وعملا، والله أعلم. إطلاق الإمامة على من ليس قرشي (الثالثة) : إن قال بعض الجهال: إن من شرط الإمام أن يكون قرشيا، ولم يقل عارضيا، يشير إلى أنه قد ادعاها من ليس من أهلها، يعني شيخ

стр. 74

الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- ومن قام معه وبعده بما دعا إليه، وأيضا: إن البغاة تحل دماؤهم دون أموالهم، وقد استحل الأموال، والدماء من العلماء وغيرهم، فما الجواب؟ أفدنا وفقك الله للصواب. (الجواب) وبالله التوفيق: إذا قال بعض الجهال ذلك فقل له: ولم يقل تركياً، فإذا زال هذا الأمر عن قريش، فلو رجع إلى الاختيار لكان العرب أولى به من الترك؛ لأنهم أفضل من الترك؛ ولهذا ليس التركي كفوا للعربية، فلو تزوج تركي بعربية كان لمن لم يرض من الأولياء فسخ هذا النكاح، وهذا الذي يعظمه الناس تركي لا قرشي، وهم أخذوها بغيا على قريش. ومحمد بن عبد الوهاب ﵀ ما ادعى إمامة الأمة، وإنما هو عالم، ودعا إلى هدى، وقاتل عليه، ولم يلقب في حياته بالإمام، ولا عبد العزيز بن محمد بن سعود، ما كان أحد منهما يسمى إماما في حياته، وإنما حدث تسمية من تولى إماما بعد موتهما. وأيضا، فالألقاب أمرها سهل، وهذا من صار واليا في صنعاء سمي إماما، وصاحب مقط يسمى إماما. وقتال الشيخ محمد بن عبد الوهاب من قاتله ليس لكونهم بغاة، وإنما قاتلهم على ترك الشرك، وإزالة المنكرات، وعلى إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والذين قاتلهم الصديق والصحابة لأجل منع الزكاة، لم يفرقوا بينهم وبين المرتدين في القتل وأخذ الأموال. قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية -رحمه الله تعالى-: كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل الصديق والصحابة مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم... إلى أن قال:

стр. 75

فأيما طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء والأموال أو الخمر أو الزنى والميسر، أو عن التزام جهاد الكفار، وغير ذلك من واجبات الدين، ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها، التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها لوجوبها، وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء ... إلى أن قال: وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام، أو الخارجين عن طاعته كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁؛ فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين، أو خارجون عليه لإزالة ولايته، وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام بمنزلة مانعي الزكاة، انتهى. وأيضا، فالمشار إليهم في السؤال، لا نقول: إنهم معصومون، بل يقع منهم أشياء تخالف الشرع، ولولا ما يحدث من المخالفات، لم يسلط عليهم عدوهم، لكن عوقبوا بأن سلط عليهم من هم خير منهم وأحسن. "إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني" والذي أدركنا من سيرة هذه الطائفة المشار إليها ما بقي منها إلا الاسم ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١. واحتجاج بعض الناس بقول بعض العلماء: يباح الدعاء في الخطبة لمعين، ولم يقولوا: يسن، وأيضا فالدعاء حسن، يُدعَى له بأن الله يصلحه، ويسدده، ويصلح به، وينصره على الكفار، وأهل الفساد، وما في الخطب من الثناء، والمدح بالكذب الواجب على ولي الأمر، أولا- البداءة برعيته بإلزامهم شرائع الإسلام، وإزالة المنكرات، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، فهذا أهم وأوجب من جهاد العدو الكافر، وهذا مما يستعان به على جهاد الكفار، لما روي: "إنما تقاتلون من تقاتلون بأعمالكم" وولي
следующие страницы →