في صفقة واحدة، وجعل النقد معيار النسيئة، وهذا مطابق لقوله ﷺ : "فله أوكسهما أو الربا" ١، فإن مقصوده حينئذ هو بيع دراهم عاجلة بآجلة، فلا يستحق إلا رأس ماله، وهو أوكس الصفقتين، وهو مقدار القيمة العاجلة، فإن أخذ الربا فهو مربي.
التفسير الثاني: أن يبيعه الشيء بثمن، على أن يشتري المشتري منه ذلك الثمن، أولى منه أن يبيعه السلعة على أن يشتريها البائع بعد ذلك، وهذا أولى بلفظ البيعتين في بيعة؛ فإنه باع السلعة وابتاعها، أو باع الثمن وابتاعه، وهذه صفقتان في صفقة، وهذا بعينه هو العينة المحرمة وما أشبهها. ومثل أن يبيعه نسأ، ثم يشتري بأقل نقدا أو بنقد، ثم يشتري بأكثر منه نسأ، ونحو ذلك؛ فيعود حاصل هاتين الصفقتين إلى أن يعطيه دراهم، ويأخذ أكثر منها، وسلعته عادت إليه؛ فلا يكون له إلا أوكس الصفقتين، وهو النقد، فإن ازداد فقد أربى.
مات ولم يحج
وأما من مات ولم يحج، فإن كان قد وجب عليه الحج قبل موته لاستكمال شروط الوجوب في حقه، وجب أن يحج عنه من رأس ماله أوصى به أم لا. وإن كان الميت لم يجب عليه الحج في حياته لعدم تكامل شرائط الوجوب في حقه في حياته، لم يجب أن يحج عنه من ماله إن لم يوص به؛ فإن أوصى به فمن ثلثه. هذا ما ذكره أصحابنا وغيرهم.
وضع الجائحة في الأرض المستأجرة
وأما ثبوت الجائحة في الأرض المستأجرة ونحوها، فاختيار الشيخ تقي الدين معلوم لديكم، وجمهور العلماء على خلافه. بل قال في المغني والشرح: لا نعلم فيه خلافا، ولفظ الشارح بأن استأجر أرضا، فزرعها، فتلف الزرع، فلا شيء على المؤجر، نص عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافا لأن المعقود عليه منافع الأرض، ولم تتلف، إنما تلف مال المستأجر فيها، فصار كدار استأجرها ليقصر فيها ثيابا،
стр. 72
فتلفت الثياب فيها، انتهى.
ولم يحك صاحب الإنصاف إثبات الجائحة في الإجارة عن غير الشيخ تقي الدين إلا ما حكاه عن أبي الفضل في الحمام، وقد ذكر الشيخ عن اختياره أنه خلاف ما رآه عن أحمد. والذي نعتمده في المسألة الصلح إن تيسر، وإلا لم نحكم بوضع شيء من الأجرة، كما هو قول جمهور العلماء. والفرق بين الثمرة والأجرة أن المعقود عليه في شراء الثمرة هو عين الثمرة، والمعقود عليه في الإجارة منافع الأرض؛ ولهذا لو تركها المستأجر معطلة، فلم ينتفع بها لزمته الأجرة لتلف المنافع تحت يده. فالمعقودعليه في الإجارة نفع الأرض، فالتالف غير المعقود عليه. قال في الاختيارات لما ذكر إثبات الجائحة في أجرة الأرض: وبعض الناس يظن أن هذا خلاف ما في المغني من الإجماع، وهو غلط؛ فإن الذي في المغني أن نفس الزرع إذا تلف يكون من ضمان المستأجر صاحب الزرع، لا يكون كالثمرة المشتراة، فهذا ما فيه خلاف، وإنما الخلاف في نفس أجرة الأرض، ونقص قيمتها، فيكون كما لو انقطع الماء عن الرحى.
طلق زوجته وأقر أنها خرجت من العدة قبل مرضه
وأما الذي طلق زوجته، وأقر أنها خرجت من العدة قبل مرضه، فإنه يعمل بقوله، ولا يقبل قولها: أنه واقعها بعد ذلك، إلا ببينة والله أعلم وأحكم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
دخل إليه مدينان ليدفعا إليه ماله عليهما ثم وجد نقصا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذه مسائل سئل عنها الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) رحمه الله تعالى.
(الأولى) : رجل دخل إليه مدينان ليدفعا إليه ماله عليهما، فأخرج أحدهما عشرة دراهم، وقال: هذه هي التي عندي لك، خذها لتحسبها، فقال: ضعها
стр. 73
وقال الآخر كذلك، وأمره أن يضعها على دراهم الأول، أو إلى جنبها، فأخذهما صاحب الحق جميعا، وحسبهما، فوجد نقصا، لا يدري من أيهما، فما الحكم في ذلك؟
(فأجاب رحمه الله تعالى) بأن له على كل منهما اليمين أنه دفع إليه حقه تاما، وليس له إلا ذلك، لأنه فرط في خلطهما، فلم تكن الدعوة على إنسان بعينه، بل عليهما جميعا، وهي لا تسمع إلا على معين.
موافقة الرسول ظاهرا وباطنا
(الثانية) : ما معنى قول الحموية: أما الذين وافقوه ببواطنهم، وعجزوا عن إقامة الظواهر، أو الذين وافقوه بظواهرهم، وعجزوا عن تحقيق البواطن، أو الذين وافقوه ظاهرا وباطنا بحسب الإمكان، لا بد للمنحرفين عن سنته أن يعتقدوا فيهم نقصا يذمونهم به، ويسمونهم بأسماء مكذوبة، وإن اعتقدوا صدقها كقول الرافضة: من لم يبغض أبا بكر، وعمر، فقد أبغض عليا.
(فأجاب رحمه الله تعالى) : لما ذكر قبل ذلك: أن السنة هي ما كان عليه رسول الله ﷺ اعتقادا واقتصادا وقولا وعملا، ثم ذكر التابعين له على بصيرة، الذين هم أولى الناس به في المحيا والممات، باطنا وظاهرا، ثم ذكر الفريق الذين وافقوه ببواطنهم وعجزوا عن إقامة الظواهر، فهم الذين وافقوه اعتقادا وعجزوا عن إقامة القول والعمل، كالدعوة إلى الله - سبحانه-، وطائفة وافقوه في الظواهر وعجزوا عن تحقيق البواطن على ما هي عليه من الفرق بين الحق والباطل بقلوبهم، ففيهم نقص من هذا الوجه، وفريق وافقوه ظاهرا، وباطنا، بحسب الإمكان، لكنهم دون الأولين التابعين له على بصيرة، اعتقادا واقتصادا قولا وعملا، والله أعلم.
إطلاق الإمامة على من ليس قرشي
(الثالثة) : إن قال بعض الجهال: إن من شرط الإمام أن يكون قرشيا، ولم يقل عارضيا، يشير إلى أنه قد ادعاها من ليس من أهلها، يعني شيخ
стр. 74
الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- ومن قام معه وبعده بما دعا إليه، وأيضا: إن البغاة تحل دماؤهم دون أموالهم، وقد استحل الأموال، والدماء من العلماء وغيرهم، فما الجواب؟ أفدنا وفقك الله للصواب.
(الجواب) وبالله التوفيق: إذا قال بعض الجهال ذلك فقل له: ولم يقل تركياً، فإذا زال هذا الأمر عن قريش، فلو رجع إلى الاختيار لكان العرب أولى به من الترك؛ لأنهم أفضل من الترك؛ ولهذا ليس التركي كفوا للعربية، فلو تزوج تركي بعربية كان لمن لم يرض من الأولياء فسخ هذا النكاح، وهذا الذي يعظمه الناس تركي لا قرشي، وهم أخذوها بغيا على قريش. ومحمد بن عبد الوهاب ﵀ ما ادعى إمامة الأمة، وإنما هو عالم، ودعا إلى هدى، وقاتل عليه، ولم يلقب في حياته بالإمام، ولا عبد العزيز بن محمد بن سعود، ما كان أحد منهما يسمى إماما في حياته، وإنما حدث تسمية من تولى إماما بعد موتهما.
وأيضا، فالألقاب أمرها سهل، وهذا من صار واليا في صنعاء سمي إماما، وصاحب مقط يسمى إماما. وقتال الشيخ محمد بن عبد الوهاب من قاتله ليس لكونهم بغاة، وإنما قاتلهم على ترك الشرك، وإزالة المنكرات، وعلى إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والذين قاتلهم الصديق والصحابة لأجل منع الزكاة، لم يفرقوا بينهم وبين المرتدين في القتل وأخذ الأموال.
قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية -رحمه الله تعالى-: كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل الصديق والصحابة مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم... إلى أن قال:
стр. 75
فأيما طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء والأموال أو الخمر أو الزنى والميسر، أو عن التزام جهاد الكفار، وغير ذلك من واجبات الدين، ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها، التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها لوجوبها، وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء ... إلى أن قال: وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام، أو الخارجين عن طاعته كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁؛ فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين، أو خارجون عليه لإزالة ولايته، وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام بمنزلة مانعي الزكاة، انتهى.
وأيضا، فالمشار إليهم في السؤال، لا نقول: إنهم معصومون، بل يقع منهم أشياء تخالف الشرع، ولولا ما يحدث من المخالفات، لم يسلط عليهم عدوهم، لكن عوقبوا بأن سلط عليهم من هم خير منهم وأحسن.
"إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني" والذي أدركنا من سيرة هذه الطائفة المشار إليها ما بقي منها إلا الاسم ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١. واحتجاج بعض الناس بقول بعض العلماء: يباح الدعاء في الخطبة لمعين، ولم يقولوا: يسن، وأيضا فالدعاء حسن، يُدعَى له بأن الله يصلحه، ويسدده، ويصلح به، وينصره على الكفار، وأهل الفساد، وما في الخطب من الثناء، والمدح بالكذب الواجب على ولي الأمر، أولا- البداءة برعيته بإلزامهم شرائع الإسلام، وإزالة المنكرات، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، فهذا أهم وأوجب من جهاد العدو الكافر، وهذا مما يستعان به على جهاد الكفار، لما روي: "إنما تقاتلون من تقاتلون بأعمالكم" وولي
стр. 76
الأمر إنما يدعى له، لا يمدح، لا سيما بما ليس فيه. وهؤلاء الذين يُمدحون في الخطب هم الذين أماتوا الدين، فمادحهم مخطئ، وليس في الولاة اليوم من يستحق المدح، لا يثنى عليه، وإنما يُدعى لهم بالتوفيق، والهداية، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
الإيمان بالقدر ومعناه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من جمعان بن ناصر إلى جناب الشيخ المكرم عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) سلمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد) : أمتعنا الله بحياتك، المرجو من إحسانك الإفادة عن القدَرية ومذهبهم، وعن المعتزلة ومذهبهم، وعن الخوارج ومذهبهم، أثابك الله الجنة بمَنِّه وكرمه.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
(وبعد) : فالجواب -وبالله التوفيق- قد فسر النبي ﷺ الإيمان في حديث جبريل بالاعتقاد الباطن فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" ١.
والأحاديث في إثبات القدر كثيرة جدا. والقدر الذي يجب الإيمان به على درجتين:
الدرجة الأولى: الإيمان بأن الله سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشر، وطاعة ومعصية، قبل خلقهم وإيجادهم، ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن هو من أهل النار؛ وأعد لهم الثواب، والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم؛ وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه، وكتابه.
والدرجة الثانية: الإيمان بأن الله خلق أفعال العباد كلها: من الكفر والإيمان، والطاعة والعصيان، وشاءها منهم؛ فهذه الدرجة يثبتها أهل السنة والجماعة،
стр. 77
وينكرها جميع القدرية، يقولون: إن الله لم يخلق أفعال العباد، ولا شاءها منهم، بل هم الذين يخلقون أفعال أنفسهم من خير وشر، وطاعة ومعصية.
والدرجة الأولى نفاها غلاة القدرية: كمعبد الجهني، وعمرو بن عبيد؛ ونص أحمد والشافعي على كفر هؤلاء.
القول بأن الله لم يخلق أعمال العباد ولم يشأها
وأما من قال: إن الله لم يخلق أعمال العباد ولم يشأها منهم، مع إقرارهم بالعلم، ففي تكفيرهم نزاع مشهور بين أهل العلم. فحقيقة القدر الذي فرض علينا الإيمان به أن نعتقد أن الله علم ما العباد عاملون قبل أن يوجدهم، وأنه كتب ذلك عنده، وأن أعمال العباد خيرها وشرها مخلوقة لله، واقعة بمشيئته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، قال الله -تعالى-: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ١، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ ٢، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ ٣، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ ٤.
فهذه الآيات ونحوها صريحة في أن أعمال العباد خيرها وشرها، وضلالهم واهتداءهم، كل ذلك صادر عن مشيئته، وقال –تعالى-: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ٥ وقال: ﴿إِنَّ الأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ ٦، فدل ذلك على أن الله –سبحانه- هو الذي جعلها فاجرة، أو تقية، وأنه خلق الإنسان هلوعا، خلقه متصفا بالهلع. وقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ ٧، ففي هذه الآية بيان أن الله خلق المؤمن وإيمانه، والكافر وكفره. وقد صنف البخاري -رحمه الله تعالى- كتاب خلق أفعال العباد، واستدل بهذه الآيات، أو بعضها على ذلك، وفي الحديث: "إن الله خلق كل صانع وصنعته".
الأدلة على تقدم علم الله سبحانه بجميع الكائنات قبل إيجادها
أما الأدلة على تقدم علم الله -سبحانه- بجميع الكائنات قبل إيجادها، وكتابته ذلك، ومنها السعادة والشقاوة، وبيان أهل الجنة وأهل النار قبل
стр. 78
أن يوجدهم، فكثيرة جدا، كقوله -تعالى-: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ١.
وقال النبي ﷺ : "إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" ٢، وفي حديث آخر: "إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة" ٣.
والأحاديث في هذا كثيرة جدا، فهؤلاء الذين وصفنا قولهم بأن الله لم يخلق أفعال العباد، ولا شاءها منهم، هم القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة. وقابلتهم طائفة أخرى غلوا في إثبات القدر، وهم يسمون الجبرية، فقالوا: إن العبد مجبور مقهور على ما يصدر منه، لا قدرة له فيه، ولا اختيار؛ بل هو كغصن الشجرة الذي تحركه الريح. والذي عليه أهل السنة، والجماعة: الإيمان بأن أفعال العباد مخلوقة لله، صادرة عن مشيئته، وهي أفعال لهم، وكسب لهم باختيارهم؛ فلذا ترتب عليها الثواب والعقاب. والسلف يسمون الجبرية قدرية؛ لخوضهم في القدر.
ولهذا ترجم الخلال في كتاب السنة، فقال: الرد على القدرية، وقولهم: إن الله جبر العباد على المعاصي، ثم روى عن بقية، قال: سألت الزبيدي، والأوزاعي عن الجبر، فقال الزبيدي: أمر الله أعظم، وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي، ويقدر، ويخلق، ويَجبُل عبده على ما أحب.
وقال الأوزاعي: ما أعرف للجبر أصلا من القرآن ولا السنة، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والجبل والخلق، فهذا يعرف من القرآن، والحديث.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: فهذان الجوابان اللذان
стр. 79
ذكرهما هذان الإمامان في عصر تابعي التابعين من أحسن الأجوبة.
أما الزبيدي فقال ما تقدم؛ وذلك لأن الجبر في اللغة: إلزام الإنسان بغير رضاه، كما يقول الفقهاء: هل تجبر المرأة على النكاح أم لا؟ وإذا عضلها الولي ماذا تصنع؟ فقال: الله أعظم من أن يجبر، أو يعضل؛ لأن الله قادر على أن يجعل العبد مختارا راضيا لما يفعله، مبغضا تاركا لما يتركه، فلا جبر على أفعاله الاختيارية، ولا عضل عما يتركه لكراهته أو عدم إرادته. وروي عن سفيان الثوري -رحمه الله تعالى- أنه أنكر جَبَرَ، وقال: الله -سبحانه- جَبَلَ العباد. وقال الراوي عنه: أراد قوله ﷺ لأشج عبد القيس: "بل جبلت عليهما"١، فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله. يعني الحلم والإناءة.
وقال المروزي للإمام أحمد: إن رجلا يقول: إن الله جبر العباد، فقال: لا نقول هكذا، وأنكر هذا، وقال: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢.
عقيدة المعتزلة
وأما المعتزلة: فهم الذين يقولون بالمنزلة بين المنزلتين، يعنون أن مرتكب الكبيرة يصير في منزلته بين الكفر والإسلام، فليس هو بمسلم ولا كافر. ويقولون: إنه يخلد في النار، ومن دخل النار لم يخرج منها بشفاعة، ولا غيرها. وأول من اشتهر عنه ذلك عمرو بن عبيد، وكان هو وأصحابه يجلسون معتزلين الجماعة، فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة؛ وهم كانوا بالبصرة بعد موت الحسن البصري. وضَم المعتزلة إلى ذلك التكذيب بالقدر، ثم ضموا إلى ذلك نفي الصفات، فيثبيتون الاسم دون الصفة، فيقولون: عليم بلا علم، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، وهكذا سائر الصفات؛ فهم قدرية جهمية، وامتازوا بالمنزلة بين المنزلتين، وخلود عصاة الموحدين في النار.
стр. 80
عقيدة الخوارج
وأما الخوارج: فهم الذين خرجوا على علي ﵁ وقبل ذلك قتلوا عثمان؛ وكفروا عثمان وعليا وطلحة والزبير ومعاوية وطائفتي علي ومعاوية، واستحلوا دماءهم. وأصل مذهبهم الغلو الذي نهى الله عنه، وحذر منه النبي ﷺ فكفَّروا من ارتكب كبيرة، وبعضهم يكفر بالصغائر، وكفروا عليا، وأصحابه بغير ذنب، فكفروهم بتحكيم الحَكمَين: عمرو بن العاص، وأبي موسى الأشعري، وقالوا: لا حكم إلا لله، واستدلوا على قولهم بالتكفير بالذنوب بعمومات أخطؤوا فيها، وذلك كقوله – : ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ ١، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا﴾ ٣ الآية، وغير ذلك من الآيات.
وأجمع أهل السنة، والجماعة أن أصحاب النار لا يخلدون في النار، إذا ماتوا على التوحيد، وأن من دخل النار منهم بذنبه يخرج منها كما تواترت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ . وأيضا فلو كان الزاني، وشارب الخمر، والقاذف، والسارق، ونحوهم، كفارا مرتدين، لكان حكمهم في الدنياالقتل، الذي هو حكم الله في المرتدين، فلما حكم الله على الزاني البكربالجلد، وعلى السارق بالقطع، وعلى الشارب، والقاذف بالجلد، قلنا: حكم الله فيهم بذلك لأنهم لم يكفروا بهذه الذنوب كما تزعمه الخوارج.
فإذا عرفت مذهب الخوارج أن أصله التكفير بالذنوب، وكفَّروا أصحاب رسول الله ﷺ واستحلوا قتلهم متقربين بذلك إلى الله، فإذا تبين لك ذلك تبين ضلال كثير من أهل هذه الأزمنة، في زعمهم أن محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- وأتباعه خوارج، ومذهبهم مخالف
стр. 81
لمذهب الخوارج، لأنهم يوالون جميع أصحاب رسول الله، ﷺ ويعتقدون فضلهم على من بعدهم، ويوجبون أتباعهم، ويدعون لهم، ويضللون من قدح فيهم، أو تنقص أحدا منهم. ولا يكفرون بالذنوب، ولا يخرجون أصحابها من الإسلام، وإنما يكفرون من أشرك بالله، وحسن الشرك؛ والمشرك كافر بالكتاب والسنة والإجماع. فكيف يجعل هؤلاء مثل أولئك؟ وإنما يقول ذلك معاند يقصد التنفير للعامة، أو يقول ذلك جاهلا بمذهب الخوارج، ويقوله تقليدا.
ولو قدرنا أن إنسانا يقع منه جراءة وجسرة على إطلاق الكفر جهلا منه، فلا يجوز أن ينسب إلى جميع الطائفة، وإنما ينسب إليهم ما يقوله شيخهم وعلماؤهم بعده؛ وهذا أمر ظاهر للمنصف، وأما المعاند المتعصب فلا حيلة فيه. إذا عرفت مذاهب الفرق المسؤول عنها، فاعلم أن أكثر أهل الأمصار اليوم أشعرية، ومذهبهم في صفات الرب – موافق لبعض ما عليه المعتزلة الجهمية؛ فهم يثبتون بعض الصفات دون بعض. فيثبتون الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، وينفون ما سوى هذه الصفات بالتأويل الباطل، مع أنهم وإن أثبتوا صفة الكلام موافقة لأهل السنة فهم في الحقيقة نافون لها لأن الكلام عندهم هو المعنى فقط، ويقولون: حروف القرآن مخلوقة؛ لم يتكلم الله بحرف ولا صوت. فقالت لهم الجهمية: هذا هو نفس قولنا: إن كلام الله مخلوق لأن المراد الحروف لا المعنى.
تقارب الأشعرية من المعتزلة والجهمية في بعض الصفات
ومذهب السلف قاطبة: أن كلام الله غير مخلوق، وأن الله -تعالى- تكلم بالقرآن، حروفه ومعانيه، وأن الله يتكلم بصوت يسمعه من يشاء.
والأشعرية لا يثبتون علو الرب فوق سماواته واستواءه على عرشه
стр. 82
ويسمون من أثبت صفة العلو والاستواء على العرش مجسما مشبها، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة؛ فإنهم يثبتون صفة العلو، والاستواء، كما أخبر الله –سبحانه- بذلك عن نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ ، من غير تكييف ولا تعطيل.
وصرح كثير من السلف بكفر من لم يثبت صفة العلو والاستواء. والأشاعرة وافقوا الجهمية في نفي هذه الصفة، لكن الجهمية يقولون: أنه في كل مكان، ويسمون الحلولية، والأشعرية يقولون: كان ولا مكان، فهو على ما كان قبل أن يخلق المكان. والأشعرية يوافقون أهل السنة في رؤية المؤمنين ربهم في الجنة، ثم يقولون: إن معنى الرؤية إنما هو زيادة علم، يخلقه الله في قلب الناظر ببصره، لا رؤية بالبصر حقيقة عيانا. فهم بذلك نافون للرؤية التي دل عليها القرآن، وتواترت بها الأحاديث عن النبي ﷺ .
ومذهب الأشاعرة: أن الإيمان مجرد التصديق، ولا يدخلون فيه أعمال الجوارح. قالوا: وإن سميت الأعمال في الأحاديث إيمانا، فعلى المجاز لا الحقيقة.
ومذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح. وقد كفر جماعة من العلماء من أخرج العمل عن الإيمان. فإذا تحققت ما ذكرنا عن مذهب الأشاعرة من نفي صفات الله – غير السبع التي ذكرنا، ويقولون: إن الله لم يتكلم بحرف، ولا صوت، وأن حروف القرآن مخلوقة، ويزعمون أن كلام الرب معنى واحد، وأن نفس القرآن هو نفس التوراة والإنجيل، لكن إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن، وإن عبر عنه بالعبرانية فهو توراة، وإن عبر عنه بالسريانية فهو إنجيل، ولا يثبتون رؤية أهل الجنة ربهم بأبصارهم، إذا عرفت ذلك عرفت
стр. 83
خطأ من جعل الأشعرية من أهل السنة، كما ذكره السفاريني في بعض كلامه، ويمكن أنه أدخلهم في أهل السنة مدارة لهم لأنهم اليوم أكثر الناس، والأمر لهم، والله أعلم، مع أنه قد دخل بعض المتأخرين من الحنابلة في بعض ما هم عليه.
معنى يأس الشيطان من كفر جزيرة العرب
وأما قوله ﷺ : "إن الشيطان قد أيس من أن يعبده المصلون في جزيرة العرب" ١ فقد يحتج بهذا الحديث من زعم أن هذه الأمور الشركية التي تفعل عند القبور ومع الجن، مثل سؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والاستعاذة بهم، والتقرب إليهم بالذبح لهم، والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادات، ليست عبادة لهم ولا شركا، فيقال: (أولا) : إن النبي ﷺ نسب الإياس إلى الشيطان، ولم يقل: إن الله آيسه، فالإياس الصائر من الشيطان لا يلزم تحقيقه واستمراره، ولكن عدو الله لما رأى ما ساءه من ظهور الإسلام في جزيرة العرب وعلوه أيس من ترك المسلمين دينهم الذي أكرمهم الله به، ورجوعهم إلى الشرك الأكبر، وهذا كما أخبر الله عن الكفار في قوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ ٢، قال المفسرون: لما رأى الكفار ظهور الإسلام في أرض العرب، وتمكنه فيها، يئسوا من رجوع المسلمين عن الإسلام إلى الكفر.
قال ابن عباس وغيره من المفسرين: يئسوا أن تراجعوا دينهم، قال ابن كثير: وعلى هذا يرد الحديث الثابت في الصحيح أن رسول الله – ﷺ قال: "إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم" ٣ يعني أن إياس الشيطان مثل إياس الكفار، وأن الكل يئس من ارتداد المسلمين، وتركهم دينهم، ولا يلزم من ذلك امتناع وجود الكفار في أرض العرب؛ ولهذا قال ابن رجب على الحديث: إن الشيطان يئس أن تجتمع
стр. 84
الأمة على أصل الشرك الأكبر. يوضح ذلك ما حصل من ارتداد أكثر أهل الجزيرة بعد موت النبي – ﷺ وقتال الصديق والصحابة لهم على اختلاف تنوعهم في الردة، وقال أبو هريرة لما مات النبي – ﷺ : وكان أبو بكر وكفر من كفر من العرب، وردة بني حنيفة مشهورة.
وقول النبي ﷺ : "إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون" ١ معناه: أنه يئس أن يطيعه المصلون في الكفر بجميع أنواعه، لأن طاعته في ذلك هي عبادته، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٢.
ومن استدل بالحديث على امتناع وجود كفر في جزيرة العرب، فهو ضال مضل، فماذا يقول هذا الضال في الذين قاتلهم الصديق والصحابة من العرب، وسموهم مرتدين كفارا؟ فلازم دعوى هذا الضال أنه لم يكفر أحد من العرب بعد موت النبي – ﷺ ، وأن الصحابة أخطؤوا في قتالهم والحكم عليهم بالردة، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي – ﷺ أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزى" ومكانهما معلوم، وقال – ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوس عند ذي الخلصة" ٣ وهو صنم لدوس رهط أبي هريرة، بعث النبي – ﷺ جرير بن عبد الله البجلي وهدمه. وفي الحديث الصحيح من خبر الدجال: "أنه لا يدخل المدينة بل ينزل بالسبخة؛ فترجف المدينة ثلاث رجفات فيخرج منها على كافر ومنافق" ٤ فأخبر أن في المدينة إذ ذاك كفارا ومنافقين.
ويقال –أيضا- لهذا المجادل: بين لنا الشرك الذي حرمه الله وعظم أمره
стр. 85
فإنه لا يعرفه، أو يفسره بالشرك في الربوبية الذي أقر به المشركون، وحينئذ بينت له أن الشرك في الإلهية، وهو جعل شيء من العبادة لغير الله: كالسجود، ودعاء الأموات والغائبين، والذبح لهم، والنذر لهم، وهذه الأمور كانت تفعل عند مشاهد شركية في اليمن والحرمين، ومع الجن في نجد، وغيرها من الجزيرة.
أيظن هؤلاء المجادلون بالباطل أن العلماء الذين نصوا على أن هذه الأفعال والأقوال من الشرك الأكبر -أنهم لا يعرفون معنى الحديث الذي أوردتموه؟ أو لا يعرفون الشرك؟ وهذا ظاهر ولله الحمد، ونص عليه العلماء، وحكوا الإجماع عليه، وأقاموا عليه الأدلة من الكتاب والسنة. فإن كابر، وعاند، فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئا.
نسأل الله أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
الكتابة على القبر
سئل الشيخ العالم العلامة عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) -رحمه الله تعالى- عن كتب اسم الميت على نصيبة القبر، فقال: داخل في عموم النهي عن الكتابة على القبر.
نصاب الزكاة في الأريل
وسئل كم نصاب الزكاة في الأريل؟ فقال: إحدى وعشرون واثنان وعشرون.
الرسم على القبر
وسئل عن الرسم على القبر فقال: لا بأس، والنبي ﷺ علم على قبر عثمان بن مظعون بحجر، جعله علما عند رأسه.
فعل ذوات الأسباب في وقت النهي
وسئل عن فعل ذوات الأسباب في وقت النهي، فقال: الذي يظهر لي أن القول بجوازه أولى.
стр. 86
قول "العمل لأجل الناس شرك وتركه لأجل الناس رياء"
وسئل أيضا عن "العمل لأجل الناس شرك وتركه لأجل الناس رياء"، فقال: هذا من كلام الفضيل بن عياض.
صحة قول "من مات بالحرمين بعث يوم القيامة آمنا "
وسئل عما يقولون: إن النبي ﷺ قال: "من مات بالحرمين بعث يوم القيامة آمنا". فقال: كذب لا أصل له.
الصلاة على النبي ﵇ بعد قنوت الوتر
وسئل عن الصلاة على النبي ﷺ بعد قنوت الوتر فقال: مستحبة، فقيل: وآله، فقال: لا بأس كما في التشهد.
القول بان الريح أتت سليمان بن داود ﵇
وسئل عما ذكر من أن الريح أتت سليمان بن داود ﵇، فقال لا أصل له.
تعصيب الصبي
وسئل عما يفعل بالصبي، الذي يسمونه التعصيب، هل يجوز أم لا؟ فقال: ما علمت فيه شيئا، ولكني أكرهه، والله أعلم.
التداوي بالنجس
وسئل عما يحكى من دم البرزاني أنه دواء لعضة الكلب الكلب المسمى الآن بالمغلوث، فقال: لا أصل له، والتداوي بالنجس حرام.
سلم عليه أحد وسأله عن حاله، قال: الله يسأل عن حالك
وسئل عما يقول بعض الناس إذا سلم عليه أحد، وسأله عن حاله، قال: الله يسأل عن حالك، فقال: هذا كلام قبيح ينصح من تلفظ به.
قول البعض أمتعني الله بحياة فلان
وسئل عن قول الإنسان: أمتعني الله بحياة فلان، قال: مرادهم أن الله يبقيه ما دمت حيا، ولا يبين لي فيه بأس، والله -سبحانه- أعلم.
الوطء بعد الحيض قبل الغسل
وسئل عن الوطء بعد الحيض قبل الغسل، أفيه كفارة أم لا؟ فقال: الظاهر أنه ما فيه كفارة.
داوى عينه ليلا في رمضان فوجد طعمه نهارا في حلقه
وسئل عن ما إذا داوى الإنسان عينه ليلا في رمضان، فوجد طعمه نهارا في حلقه، هل يضر ذلك على صيامه؟ فقال: أرجو أنه ما يضر، والله – أعلم.
стр. 87
الاستجمار في الأرض
وسئل عن كراهة بعض الناس الاستجمار في الأرض، لأنه خلق منها، فقال: هذا وسواس شيطاني، ما يلتفت إليه.
قول البعض: علي الحرام أو الحرُم
وسئل عما يجري على ألسنة بعض الناس من قولهم: علي الحرام، أو الحرم؟ فقال: إن نوى تحريم شيء فعلى نيته، وإن لم ينو شيئا فلغو، وقول: الله يحرم، بلفظ المضارع، ليس بشيء، والله – أعلم.
حكم قول البعض: الله يخلي عنا
وسئل عما يجري على ألسنة بعض الناس من قولهم: الله يخلي عنا، هل فيها بأس؟ فقال: ما علمت فيها بأسا لأن معناها: الله يتسامح عنا، والله أعلم.
الحلف بقول: الله يعلم ما فعلت كذا
وسئل عن إقسام بعض الناس بقول: الله يعلم ما فعلت كذا، فقال: إن كان القائل صادقا في قوله فلا بأس، وإن كان كاذبا في قوله: الله يعلم ما فعلت كذا، وهو قد فعله، أو: الله يعلم ما صار كذا، وهو قد صار، فهذا حرام. ولو عرف القائل معنى قوله لكان قوله هذا كفرا، لأن مقتضى كلامه أن الله يعلم الأمر على غير ما هو عليه، فيكون وصفا لله بالجهل، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والله أعلم.
التحية التي شرعها الله
وسئل عما يستعمله كثير من الناس من قولهم في التحية: الله بالخير، فقال: هذا كلام فاسد خلاف التحية التي شرعها الله، ورضيها، وهو السلام، فقال: صبحك الله بخير، أو الله يصبحك بالخير بعد السلام، فلا ينكر، والله أعلم.
قول بعض الناس: نتبرك بالله ثم بكم
وسئل عن قول بعض الناس: نتبرك بالله، ثم بكم، نتبرك بدخولكم، نتبرك بحضرتكم، فقال: ما علمت فيه شيئا، ولا أحبه خاصة إذا قيل ذلك لمن لا يظن به خيرا.
القول بأن صخرة بيت المقدس نزلت من السماء
وسئل عما يحكى: أن صخرة بيت المقدس نزلت من السماء شيئا فشيئا، وإذا وصلت إلى الأرض قامت الساعة، فقال: هذا كذب باطل.
стр. 88
قول بعض العوام مالك صفاتي
وسئل عما يقول بعض العوام: مالك صفاتي، ماذا يترتب عليه؟ فقال: هذا اللفظ قبيح، ولو قصد به نفي الوصيف مع أنه مراده فيما يظهر، ولو اعتقد معناه في نفي الصفات -كان كفرا، والله أعلم.
الأوراد التي تجزأ
وسئل عن الأوراد التي تجزَّأ: ورد يوم الجمعة، وورد يوم السبت، وورد يوم الأحد، ... إلخ، فقال: لا أصل له، الورد واحد لكل يوم.
معنى حديث: " أنا ابن عبد المطلب"
وسئل عن قول النبي ﷺ لما غشيه الكفار يوم حنين: "أنا ابن عبد المطلب" ١ فقال: هذا إظهار للافتخار، والقوة في تلك الحال.
مزق من كتب أهل السنة شيئا
وسئل عمن مزَّق من كتب أهل السنة شيئا، ما حكمه؟ فقال: إن كان الكتاب مشتملا على آيات وأحاديث، وفعل ذلك امتهانا له، واستهانة، فلا يبعد القول بكفره، والله – أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
قص الشارب وحفه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذه مسائل سئل عنها الشيخ عبد الله بن عبد الرحمنأبا بطين) رحمه الله تعالى.
(فأجاب) : مسألة قص الشارب وحفه سنة مؤكدة، ويكره تركه، وصرح بعضهم بوجوب القص؛ فيكون عدم قصه محرما لحديث: "من لم يأخذ شاربه فليس منا" ٢.
الموالاة في الوضوء إذا كان في بعض أعضاء الوضوء ما يتيمم له
(مسألة) : اشتراط بعضهم مراعاة الموالاة في الوضوء، إذا كان ببعض أعضائه جرح، فيلزم من ذلك غسل الصحيح عند كل تيمم، وعدم
стр. 89
جواز الطهارة قبل الوقت، وفي ذلك مشقة، وأيُّ وجه يكون به الخروج؟
(الجواب) : اشتراط الترتيب بين الوضوء والتيمم، إذا كان في بعض أعضاء الوضوء ما يتيمم له، فالذي يظهر لي عدم وجوب الترتيب، ولأن في ذلك حرجا، وما جعل عليكم في الدين من حرج. وكذلك يترجح عندي عدم وجوب الموالاة. فيعيد التيمم، إذا خرج الوقت الذي يتيمم فيه لبعض أعضاء الوضوء فقط، والله أعلم.
الماء القليل إذا خالطته نجاسة ولم يتغير
(مسألة) : الماء إذا تغير وهو قليل فما الثابت فيه، وهل يفرق بين الجاري، والراكد أم لا؟
(الجواب) : أما الماء القليل إذا خالطته نجاسة، ولم تغيره، فالذي يترجح عندنا طهارته، وأنه لا ينجس إلا بالتغير؛ لكن الاحتياط حسن، نفعله خروجا من الخلاف.
الماء إذا خالطه بول أو روث طاهر
(مسألة) : ماء وردت عليه إبل، وغنم، وهو كثير، وتغير بأبوالها، هل يسلب ذلك طهوريته أم لا؟
(الجواب) : الماء إذا خالطه بول، أو روث طاهر فلا يضره، إذا كان باقيا على إطلاقه. وما تلقيه الريح، والسيول يعفى عنه. استدان من المرتهن دينا آخر وأدخله في الرهن
(مسألة) : إذا كان على زيد لعمر دين، وله به رهن، وأعطاه دينا أيضا، وقال: أنا على رهني السابق، هل يجوز ذلك أم لا؟
(الجواب) : وبالله التوفيق، ما يفعله بعض الناس اليوم، إذا كان عنده رهن –مثلا- في مائة –مثلا- ثم استدان من المرتهن دينا آخر، وأدخله في الرهن، فالأكثر من العلماء لا يجوزون ذلك، وهو المشهور في المذهب، وفيه قول آخر بالجواز، وعمل الناس عليه، ويحكم به، والله أعلم.
الحاج الذي نوى الإقامة بمكة فوق أربعة أيام، هل له القصر أم الجمع
(مسألة) : من كان بعرفة ممن نوى الإقامة بمكة فوق أربعة أيام، هل
стр. 90
الأولى له القصر، أو الجمع؟
(الجواب) : أما الحاج الذي نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام بمكة، فالجمهور على أنه يجوز له الجمع بعرفة، ومزدلفة. وأما القصر بعرفة فالاحتياط الإتمام.
طهارة المني
(مسألة) : اشتراط بعضهم أن طهارة المني لا تكون إلا بعد استنجاء، أو استجمار، وقال قائل: وكذا حكم رطوبة فرج المرأة، هل طهارتها على الإطلاق، أو يتوجه تقييدهم؟
(الجواب) : أما القول في طهارة المني فهو مذهب أحمد، والشافعي، لكن الشافعية يشترطون كون خروجه بعد الاستنجاء بالماء. والحنابلة يقولون بطهارته، ولو كان خروجه بعد استجمار بالحجر، ونحوه، فإن لم يتقدمه استجمار شرعي ففي النفس منه شيء، ولم أر من صرح بحكمه والحالة هذه.
واستدلوا على رطوبة فرج المرأة بدلالة السنة على طهارة المني، ولو كان من جماع، لحديث عائشة –﵂: أنها كانت تفرك المني من ثوب رسول الله – ﷺ إذا كان يابسا، وهو – ﷺ لا يحتلم، والحديث مطلق. ومني الرجل في الجماع يباشر رطوبة فرج المرأة، فدل على طهارتها، لكن صرح الشافعي بأن رطوبة فرج المرأة إذا انفصلت عن محلها تنجس من أصابته، ولم أر لأصحابنا تصريحا بذلك، والله أعلم.
بيع السلم لمن هو عليه بشرط قبضه ثمنه
(مسألة) : بيع السلم لمن هو عليه بشرط قبضه ثمنه، هل يصح أم لا؟
(الجواب) : أما دين السلم لمن هو عليه، فأكثر أهل العلم لا يجوزونه، والشيخ تقي الدين يرى الجواز.
صلاة من أدرك الإمام بعد الرفع من الركوع ولم يتابعه في السجود
(مسألة) : إذا دخل المسبوق مع الإمام، ولم يدرك الركوع مع الإمام
стр. 91
إذا لم يتابع إمامه في السجود، هل تبطل صلاته أم لا؟
(الجواب) : أما الذي يدخل مع الإمام بعد رفعه من الركوع فإنه يجب عليه متابعته، لكن أرجو أن ذلك يغتفر في حق الجاهل.
رهن الضامن في الدين الذي ضمن
(مسألة) : رهن الضامن في الدين الذي ضمن، يصح ذلك أم لا؟
(الجواب) : أما رهن الضامن فلا يصح؛ لأنه لم يثبت له حق عند المضمون عنه، ولا يعلم أنه يؤول إلى الثبوت.
دخل المأموم مع الإمام بنية القصر
(مسألة) : إذا دخل المأموم مع الإمام لظنه أنه مسافر لعلامة رآها، فأتم إمامه، ماذا له؟
(الجواب) : إذا دخل المأموم مع الإمام بنية القصر لظنه أن الإمام مسافر، لعلامة رآها، فأتم إمامه، نوى الإتمام، وأجزأته صلاته، والله أعلم.
عق الابن عن نفسه إذا لم يعق عنه أبوه
(مسألة) : إذا لم يعق الأب عن ابنه، هل للابن أن يعق عن نفسه؟
(الجواب) وبالله التوفيق: العقيقة مشروعة في حق الأب فقط، عند الجمهور، واستحب جماعة من الحنابلة أن يعق عن نفسه، إذا بلغ. وهي مشروعة، ولو بعد موت المولود، والله أعلم، وصلى على محمد وآله وصحبه وسلم.
حجز مكان في المسجد وخروج المعتكف من مسجده
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى جناب الأخ المكرم صالح بن عبد الرحمن بن عيسى، سلمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد) : فالموجب لتحريره إبلاغ السلام، ومن حال ما سألت عنه، فإذا صار إنسان يجلس في المسجد فلا بأس كونه يجعل عصاه في مكان فاضل، بحيث أنه ما يخرج من المسجد إلا لما لا بد منه، من نحو وضوء، وكذلك
стр. 92
لفطور، وسحور، ونحوه، فلا بأس بجعله عصاه في مكان فاضل. وإن كان يحط عصاه في مكان، ويخرج لأشغاله لنحو: بيع وشراء أو كد ونحوه، فلا ينبغي لمثل هذا يحط عصاه في مكان يحميه عن غيره.
وأما الذي ما يخرج إلا لنحو أكل وشرب أو وضوء، فلا بأس بجعله عصاه في مكان فاضل؛ ليجوز فضيلة الصف الأول، أو وسط الصف، وكذلك الجمعة، وغيرها.
وأما من دخل المسجد، ووجد فيه عصى يضعونها أهلها، ويخرجون لغُرضانهم -فلا بأس بتوخيرها، والمجيء في موضعها، فإن حاذرت من شيء يصير في نفس أخ لك، إذا أخرت عصاه، وجلست في مكانه، فالذي أُحِبُّ تركها، والجلوس في مكان آخر. ولا تنسنا -يا أخي- من دعائك في هذا الشهر المبارك، وفي الحديث الصحيح: "إن الإنسان إذا دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك: ولك بمثل ذلك" ١.
ومن حال خروج المعتكف لغسل الجمعة، فلا يخرج له، ولا لغيره من السنن إلا أن يشترط ذلك في أول اعتكافه، فيجوز له الخروج، ويصح شرطه.
وأما السحور: وهو مسنون، وإن قل، كما في الحديث "ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء" ٢. والسلام، انتهى.
كتاب الحاكم إلى الولاة برؤية الهلال والعمل به
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى جناب الأخ المكرم الشيخ عثمان بن علي بن عيسى، سلمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وموجب الخط إبلاغ السلام، وما
стр. 93
ذكرت من حال كتاب الحاكم برؤية الهلال، فالذي يظهر لي العمل به، والاعتماد عليه في ذلك، لأن الفقهاء ذكروا أنه إذا رُئِىَ هلال رمضان بمكان لزم جميع الناس الصوم؛ وإنما يثبت ذلك غالبا في حق غير أهل موضع الرؤية بأخبار الثقات فرعا عن أصل، وخطوط القضاة، بل أهل موضع الرؤية، ليسوا كلهم يأتون إلى الشاهد برؤية الهلال ليسمعوا شهادته، بل يعتمدون على أخبار بعضهم بعضا عن الشاهد، كشهادة الفرع على الأصل. فإذا تقرر قبول خبر الفرع، أو شهادته في ذلك، فكذا كتاب القاضي؛ لأن الفقهاء ذكروا أنه لا تقبل الشهادة على الشهادة إلا فيما يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، وأن كتاب القاضي حكمه كالشهادة على الشهادة. وكلامه في الكافي صريح في قبول الشهادة على الشهادة في ذلك، لما ذكر وجهين في قبول قول المرأة في هلال رمضان.
قال في تعليل الوجه الثاني: ولهذا لا يقبل فيه شهادة الفرع مع إمكان شاهد الأصل، فدل كلامه على قبول شهادة الفرع مع الإمكان، ونظره صاحب الفروع بقوله: كذا قال، والذي يظهر لي أن تنظيره إنما هو لاعتباره لقبول شهادة الفرع عدم إمكان شاهد الأصل، كما قدمنا أن المسلمين يعتمدون على ذلك مع الإمكان وعدمه. ولعلك وقفت على قول شارح الإقناع عند قول الماتن في حكم كتاب القاضي: لا يقبل في حد لله -تعالى- كزنى، ونحوه، قال الشارح: وكالعبادات؛ ووجه ذلك لأنه لا مدخل لحكمه في عبادة، فكذا كتابه.
قال الشيخ تقي الدين: أمور الدين والعبادات المشتركة لا يحكم فيها إلا الله ورسوله إجماعا، قال في الفروع عقبه: فدل أن إثبات سبب الحكم كرؤية الهلال، والزوال ليس بحكم... إلخ، فدل ذلك أن كتاب
стр. 94
القاضي بإثبات رؤية الهلال ليس حكما في عبادة، ولا إثباتا لها، وإنما هو لإثبات سببها، فلا ينافي كونه لا يقبل في عبادة، وكونه لا يحكم فيها. وقد صرحوا بأنه لا مدخل لحكمه في عبادة ووقت، وإنما هو فتوى، فدل كلامهم على أن إثباته لرؤية الهلال –مثلا- فتوى، والفتوى يعمل فيها بالخط، وإن كان كتابه: شهد عندي فلان وفلان –مثلا- برؤية الهلال، ففرع على أصل، لا فتوى. والله -سبحانه- أعلم.
ومن طرف هلال رمضان شهد على رؤيته رجلان من أهل الرَّسِّ، شهدا برؤيته ليلة الجمعة، وجماعتهم يزكونهم، ونحن نعمل بشهادتهما عند ظهوره، إن شاء الله –تعالى- أحببنا أخباركم.
استدخلت ذكر زوجها وهما محرمان
وما ذكرت من حال المرأة التي استدخلت ذكر زوجها، وهما محرمان، مرادكم وهو نائم، هل يجب عليه كفارة أم لا؟ وهل تحملها عنه الزوجة كالنفقة أم لا؟ فالظاهر وجوب الفدية عليه، لأن هذا نوع إكراه، والمكره تجب عليه الفدية على الصحيح من المذهب، قال في الإنصاف في باب ما يفسد الصوم، ويوجب الكفارة: عند قول المصنف: وإذا جامع في نهار رمضان ... إلخ شمل كلام المصنف المكره، وهو الصحيح من المذهب، نص عليه، وعليه أكثر الأصحاب، وسواء أُكره حتى فعله، أو فعل به من نائم، وغيره، إلى أن قال: وحيث فسد الصوم بالإكراه؛ فهو في الكفارة، كالناسي على الصحيح من المذهب، وقيل: يرجع بالكفارة على من أَكرهه، قلت: وهو الصواب، انتهى.
فتبين بذلك أن المذهب وجوب الكفارة على من استدخلت زوجته ذكره، وهو نائم، وأنها لا تتحملها عنه على الصحيح من المذهب، كما تتحمل نفقة القضاء، والله أعلم.
стр. 95
تعليق عتق الغلام على شرط
وأما من قيل له: لم ضربت غلامك، ولم أدميته؟ فقال: إن كان ظهر منه دم فهو حر، هل يعتق بذلك التعليق إذا وجد الشرط هو وظهور الدم؟ فالظاهر أنه يعتق، إذا كان قد وجد الشرط، وهو ظهور الدم، والتعليق على الماضي معلوم في الكتاب، والسنة، والله أعلم.
الاجتماع للصلاة عند نزول الوباء
وما سألت عنه، هل للاجتماع للصلاة عند نزول الوباء أصل؟ فأنا ما علمت لذلك أصلا من كونه يشرع لذلك صلاة كالاستسقاء، والكسوف، وإنما حصل الاختلاف في الفنون لرفعه. ولما وقع عندنا في السنة الماضية أكثروا علينا الجماعة، وذكرت لهم أني ما علمت لهذا أصلا، فبالغوا ظنا منهم أن ما بينه وبين رفعه إلا الصلاة، فوافقناهم، وقلنا: أتوا صلاة توبة.
وأما ما يفعله بعض الناس من ذبح شاة، أو غيرها، يسمونه فدية، فهذا لا شك في أنه بدعة ما يجوز، انتهى.
العدد الذين تصح بهم الجمعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى جناب الولد المكرم سليمان بن عبد العزيز، سلمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ومن حال عدد الجمعة، واعتبار الأربعين، وعدم اعتبار ذلك، فالخلاف فيه مشهور، وأظن عادة جماعتك في السابق أنهم يصلون جمعة مع نقصهم عن الأربعين، وأنهم فعلوا ذلك بفتوى مفتٍ، فإن استمررتم على عادتهم، فأرجو أن ما عليكم خلاف، فإن أحبوا أنهم يصلون ظهرا، ولا يجمعون -فهو فيما أرى أحوط، والله أعلم، انتهى.
الذي طلق زوجته وأقر أنها خرجت من العدة قبل مرضه
ومن جواب للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) قال: وأما
стр. 96
الذي طلق زوجته، وأقر أنها خرجت من العدة قبل مرضه، فإنه يعمل بقوله، ولا يقبل قولها، إن واقعها بعد ذلك إلا ببينة، والله أعلم.
قسمة الوقف على مستحقيه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد الله بن مانع إلى جناب الشيخ المكرم عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) سلمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وموجب الخط إبلاغ جنابك الشريف جزيل السلام، والسؤال عن الحال، لازلت محروسا في خير، وعافية، وغير ذلك.
ما قولك -رفع الله قدرك- في ريع عقار وقف، انتقل من طبقة إلى طبقة أرضا، أو نخلا، من مزارعة أو مساقاة، أو أجرة بعد ظهور الثمرة، ومتى تستحق الطبقة الثانية لذلك، وهل بين من كان يستحقها بوصف، أو مقابلة عمل فرق؟ أفتونا مأجورين.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
(وبعد) : فالجواب -وبالله التوفيق-: الكلام في هذه المسألة كالكلام في الحمل، في أنه يتجدد حقه من الوقف بوضعه، لا قبله من ثمر وزرع، كتجدد حق المشتري، هذا هو المشهور في المذهب. ومن المعلوم أنه إذا بيعت أرض، وفيها زرع كبر، ونحوه، أنه للبائع ما لم يشترطه المشتري، فهكذا حكم الحمل المستحق للوقف بعد وضعه.
стр. 97
قال في المغني: ومن وقف على أولاده، وأولاد غيره، وفيهم حمل، لم يستحق شيئا قبل انفصاله.
قال أحمد في رواية جعفر بن محمد فيمن وقف نخلا على قوم: وما توالدوا، ثم ولد مولود، فإن كان النخل قد أُبِّرت، فليس له فيه شيء، وهو للأول، وإن لم تكن قد أبرت فهو معهم. وإنما قال ذلك لأنها قبل التأبير تتبع الأصل في البيع، وهذا الموجود يستحق نصيبه، فيتبعه حصته من الثمر، كما لو اشترى ذلك النصيب من الأصل، وبعد التأبير لا تتبع الأصل، ويستحقها من كان له الأصل، فكانت للأول لأن الأصل كان كله له، فاستحق ثمرته، كما لو باع هذا النصيب منها، ولم يستحق المولود منها شيئا، كالمشتري، وهكذا الحكم في سائر ثمر الشجر الظاهر، فإن المولود لا يستحق منه شيئا، ويستحق مما ظهر بعد ولادته، وإن كان الوقف أرضا، فيها زرع، يستحقه البائع -فهو للأول، وإن كان مما يستحقه المشتري فللمولود حصته منه لأن المولود يتجدد استحقاقه للأصل كتجدد ملك المشتري فيه. انتهى كلامه.
وهذا التعليل الذي علل به ظاهر في أن حكم الطبقة الثانية حكم الحمل، وهذا واضح، ولله الحمد.
قال في الإنصاف: تجدد حق الحمل بوضعه من ثمر، وزرع كمشتر، نقله المروذي، وجزم به في المغني والشرح والحارثي، وقال: ذكره الأصحاب في الأولاد، وقدمه في الفروع. ونقل جعفر: يستحق من زرع قبل بلوغه الحصاد، ومن نخل لم يُؤَبَّر، فإن بلغ الزرع الحصاد، وأُبِّر النخل -لم يستحق شيئا ... إلى أن قال: قال في الفروع: ويشبه الحمل إن قدم إلى تغير موقوف عليه فيه، أو خرج منه إلى بلد موقوف عليه فيه، نقله يعقوب، قال: وقياسه
стр. 98
من نزل في مدرسة ونحوه.
قال ابن عبد القوي: ولقائل أن يقول: ليس كذلك، لأن واقف المدرسة ونحوها، جعل ريع الوقف في السنة كالجعل على اشتغال من هو في المدرسة عاما، فينبغي أن يستحق بقدر عمله من السنة من ريع الوقف في السنة لئلا يفضي أن يحضر الإنسان شهرا –مثلا- فيأخذ مغل جميع الوقف ويحضر غيره باقي السنة بعد ظهور الثمرة، فلا يستحق شيئا؛ وهذا يأباه مقتضى الوقوف ومقاصدها. انتهى.
قال الشيخ تقي الدين: يستحق بحصته من مغله، وقال: من جعله كالولد فقد أخطأ، وللورثة من المغل بقدر ما باشر مورثهم، انتهى.
قال في القواعد الفقهية: واعلم أن ما ذكرناه في استحقاق الموقوف عليه هاهنا إنما هو إذا كان استحقاقه بصفة محضة مثل كونه ولدا، أو فقيرا، ونحوه.
أما إن كان استحقاقه الوقف عوضا عن عمل، وكان المغل كالأجرة، فيقسط على جميع السنة، كالمقاسمة القائمة مقام الأجرة، حتى من مات في أثنائه استحق بقسطه، وإن لم يكن الزرع قد وجد، وبنحو ذلك أفتى الشيخ تقي الدين. انتهى.
فظهر من كلامهم أن من كان استحقاقه بصفة ككونه ولدا فقيرا ونحو ذلك، أن حكمه في الاستحقاق من زرع الأرض الموقوفة، وثمر الشجر الموقوف حكم المشتري، هذا هو المعمول به في المذهب.
وأما من كان استحقاقه في مقابلة عمل ففيه الخلاف كما تقدم، فصاحب الفروع قاس هذه المسألة قبلها، فقال: وقياسه من نزل في مدرسة ونحوه، وتبعه في الإقناع وغيره، وكلام الشيخ تقي الدين وابن عبد القوي وابن رجب بخلاف ذلك، والعمل به أولى، إن شاء الله تعالى.
стр. 99
وأما إن كان الوقف مؤجرا، فالذي ظهر لنا من كلامهم أن الأجرة تقسط على جميع السنة، فمن مات من المستحقين في أثناء السنة، فله من الأجرة بقدر ما مضى من السنة، وهو صريح في كلام بعضهم، كما قال ابن رجب -رحمه الله تعالى- في أثناء كلام له، قال: كما نقول في الوقف إذا انتقل إلى البطن الثاني، ولم تنفسخ إجارته، إنهم يستحقون الأجرة من يوم الانتقال، انتهى.
فهذا على القول بأنها لا تنفسخ بموت المؤجر من الطبقة الأولى، وعلى القول الثاني الذي هو الصحيح عند ابن رجب، وصححه -أيضا- الشيخ تقي الدين، وصوبه في الإنصاف، أنها تنفسخ، فإن المنافع تنتقل للطبقة الثانية، فتكون الأجرة لهم من حين انتقل الوقف إليهم. قال ابن رجب -أيضا- في أثناء كلام له: ومن أمثلة ذلك الوقف، إذا زرع فيه أهل البطن الأول، أو من حين أجروه، ثم انتقل إلى البطن الثاني، والزرع قائم. فإن قيل: أن الإجارة لا تنفسخ، وللبطن الثاني حصتهم من الأجرة، فالزرع يبقى لمالكه بالأجرة السابقة. وإن قيل بالانفساخ -وهو المذهب الصحيح- فهو كزرع المستأجر بعد انقضاء المدة، إذا كان بقاؤه بغير تفريط من المستأجر فيبقى بالأجرة إلى أوان أخذه. وقد نص عليه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في رواية مُهَنَّا في مسألة الإجارة المنقضية، وأفتى به في الوقف الشيخ تقي الدين، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم.
стр. 100
حديث ليس في أهل البدع غيبة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد الله بن سليم إلى جناب شيخنا المكرم عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) ، سلمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وموجب الخط إبلاغ السلام.
وبعد ذلك أمتعنا الله بحياتك، ما قولك في حديث "ليس في أهل البدع غيبة" رواه البيهقي في الشعب بسند جيد، فهل يؤخذ من هذا جواز أهل البدع على الإطلاق؟ وما جنس البدع التي تبيح العرض؟
الثانية: "من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له" رواه البيهقي في السنن، والشعب عن أنس. وقال: ليس بالقوي، ما معنى هذا الكلام؟
الثالثة: حديث: "بئس مطية الرجل: زعموا" ١ رواه أحمد، وأبو داود عن حذيفة، وابن مسعود. ما معناه؟
الرابعة: ما يُروى: عرضنا على رسول –الله ﷺ رقية الحمد، فأذن فيها، وقال:
"إنما هي من مواثيق الجن وهي هذه: بسم الله شجة قرينة قفطاء" رواه الطبراني في الأوسط، هكذا ذكره ابن الجزري في الحصن الحصين. وذكر –أيضا- موقوفا "إذا خَدَرت رجله فليذكر أحب الناس إليه".
الخامسة: لما قال الخضر لموسى ﵇ لما نقر العصفور في البحر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر، قال بعضهم: فهذا وما شاكله راجع إلى المعلومات؛ لأن علم الله الذي هو صفة لا يتبعض، ما هذا الكلام المتفرع على كلام الخضر؟
وما يروى عن ابن عمر: "نهى رسول الله ﷺ أن نشرب على بطوننا، ونهانا أن نغرف باليد الواحدة كما يشرب القوم الذين سخط الله عليهم، ولا
стр. 101
يشرب في الليل في إناء حتى يحركه إلا أن يكون مخمرا، ومن شرب بيد وهو يقدر على إناء يريد التواضع كتب له الله بعدد أصابعه حسنات، وهو إناء عيسى بن مريم ﵇".
وما يروى: "من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال والإكرام".
وما يروى عن علي ﵁ قال: سمعت نبيكم على أعواد المنبر، وهو يقول: "من قرأ آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد" إلخ.
وإذا رأى هلال شوال عدلان، ولم يشهدا عند الحاكم، أو شهدا، وردت شهادتهما للجهل بحالهما، فهل الأولى لهما أو لمن عرف عدالتهما الفطر أم لا؟ وإذا أُشْهِدَ أحد من الأعراب في دخول رمضان، أو غيره من الشهور، فهل تقبل شهادته أم لا؟
وعن قوله – ﷺ : "لا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه ما لم يُحْدِث" ١ فهل إذا تحول الإنسان من مجلسه إلى موضع آخر في المسجد، هل يحصل له ذلك، أم لا بد من تخصيص موضع الصلاة نفسه؟
وعن قول الشيخ عثمان –رحمه الله تعالى-: والحاصل أن الصفة تعتبر من حيث هي هي، وتارة من حيث قيامها به تعالى، وتارة من حيث قيامها بغيره، وليست الاعتبارات الثلاث متماثلة؛ إذ ليس كمثله شيء: لا في ذاته، ولا في شيء من صفاته، ولا في شيء من أفعاله، وهو السميع البصير.
فاحفظ هذه القاعدة؛ فإنها مهمة جدا، بل هي التي أغنت السلف الصالح
стр. 102
عن تأويل آيات الصفات، وأحاديثها، وهي العاصمة لهم من أن يفهموا من الكتاب والسنة مستحيلا عن الله –تعالى- من تجسيم، أو غيره، ثم بعد إثباتي لهذه القاعدة رأيتها منصوصة في كلام السيد المعين، ثم رأيته قد سبقه إليها العلامة ابن القيم، انتهى.
بين لنا هذه العبارات الثلاث، ومن هو السيد الذي ذكر؟
وعن قوله ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ١، قال سفيان: فرق الله بين الخلق والأمر، فمن جمع بينهما فقد كفر، بين لنا قول سفيان، وما صفة الجمع وضده في قوله: فمن جمع بينهما فقد كفر.
أفتنا، أثابك الله الجنة والسلام.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وبعد: (فالجواب) ، وبالله التوفيق:
أما الأثر المروي عن الحسن -رحمه الله تعالى- قوله: "ليس لأهل البدع غيبة"، فمعناه صحيح، نص العلماء على جواز غيبة أهل البدع، وأطلقوا؛ فيتناول كل مبتدع، وبعضهم خص ذلك بالداعي إلى البدعة. قال الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية –رحمه الله تعالى- بعد ما أَنجز كلامه في الغيبة، فقال: لكن يباح من ذلك ما أباحه الله ورسوله، وهو ما يكون على وجه القصاص والعدل، وما يحتاج إليه لمصلحة الدين، ونصيحة المسلمين.
فالأول: كقول المشتكي المظلوم: فلان ضربني، وأخذ مالي، ومنعني حقي ... إلى أن قال، وكذلك بيان أهل العلم، من غلط في أمر رآه في أمر الدين من المسائل العلمية، والعملية، فهذا إذا تكلم فيه الإنسان بعلم، وعدل، وقصد
стр. 103
النصيحة فالله يثيبه على ذلك، لا سيما إذا كان المتكلم فيه داعيا إلى بدعته، فهذا يجب بيان أمره للناس؛ فإن دفع شره عنهم أعظم من دفع شر قاطع الطريق، انتهى.
فدل كلامه على جواز ذلك في جميع أهل البدع، بل استحبابه بالشرط الذي ذكره، وأن ذلك واجب في حق الداعي إلى بدعته. وذكر النووي في رياض الصالحين ستة أسباب تباح فيها الغيبة، ذكرها عن العلماء، قال: ومنها إذا رأى متفقها يتردد إلى مبتدع، أو فاسق، يأخذ عنه العلم، وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك فعليه نصيحته ببيان حاله، بشرط أن يقصد النصيحة ... إلى أن قال: (الخامس) أن يكون مجاهرا بفسقه، وبدعته، إلى آخر كلامه، رحمه الله تعالى. واستدل لذلك بأحاديث منها: حديث عائشة ﵂ أن رجلا استأذن على النبي ﷺ فقال: " ائذنوا له بئس أخو العشيرة" ١ قال: واحتج به البخاري في جواز غيبة أهل الريب، والفساد.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى- في شرح هذا الحديث بعد كلام سبق: بل كل من اطلع من حال شخص على شيء، وخشي أن غيره يغتر بجميل ظاهره؛ فيقع في محذور ما، فعليه أن يطلعه على ما يحذر من ذلك قاصدا نصيحته. والإمام أحمد –رحمه الله تعالى- مع ورعه –قد تكلم في أناس بأعيانهم، وحذر منهم، ومنهم من ليس معروفا بالبدعة، مثل: كلامه في الحارث المحاسبي، وقال: لا يغُرَّنك لينه، وخشوعه؛ فإنه رجل سوء، لا يعرفه إلا من خَبَرَه. وكلامه -رحمه الله تعالى- في أهل البدع، والتحذير منهم كثير.
حديث: "من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له"
وأما ما روي: "من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له" فالمراد به: المجاهر
стр. 104
بالمعصية، فإنه يجوز ذكره بما يجاهر به، كما تقدم من كلام الثوري، ونقله ذلك عن العلماء.
حديث "بئس مطية الرجل زعموا"
وأما قوله ﷺ : "بئس مطية الرجل: زعموا" ١، فهذا مثل ما في الحديث الصحيح: "إن الله كره لكم قيل وقال" ٢ ومعناه: أن يُحَدَّث الإنسان بكل ما سمع، فيقول: قيل كذا، وقال فلان كذا، مما لا يعلم صحته، ولا يظنها، وهو معنى الحديث الآخر "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" ٣.
وشبه حديث الإنسان الذي يحدث به، ويخبر به بالمطية التي يركبها، والله أعلم.
حديث "الرقية الذي فيه إنها من مواثيق الحمد"
والحديث الذي فيه الرُقْيَة، التي قال فيها: إنها من مواثيق الجن، ما أعرف معنى هذه الألفاظ، ولعلها ألفاظ ليست عربية، والله أعلم.
وأما الأثر الذي فيه: أن من خدرت رجله فليذكر أحب الناس إليه، فهذا الأثر مروي عن ابن عمر، أو ابن عباس من قوله: ليس مرفوعا إلى النبي ﷺ . وفي الأثر أن المقول له قال: محمد، يعني أن أحب الناس إليه محمد ﷺ ، فلما قال ذلك زال خدره، فإن صح فلعل الله جعل في ذكر النبي ﷺ عند هذا الأمر خاصية، والله أعلم. ولم يقل: يا محمد، أزل خدري، أو أشكو إليك خدر رجلي، كما قد احتج بهذا من يجوز دعاء النبي ﷺ والاستغاثة به، وسؤاله قضاء الحاجات، وتفريج الكربات.
المقصود بعلم الله تعالى
وأما قول من قال في قول الخضر لموسى: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من البحر، وقال: إن المراد بعلم الله معلومه، فهذا على طريقة أهل التأويل في صفات الرب -سبحانه- كما يقوله البيضاوي
стр. 105
وأمثاله في قوله -سبحانه-: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ ١ أي: من معلومه.
وأما مفسرو أهل السنة: كابن جرير، والبغوي، وابن كثير فأقروه على ظاهره، فقالوا: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ ٢ أي: لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما علَّمه الله -سبحانه- وأطلعه الله عليه.
وقول الخضر يشهد له قول الله : ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ٣، هل يسوغ أن يقال: وما أوتيتم من المعلوم إلا قليلا؟ وقال تعالى ﴿لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ٤ قال ابن كثير: أنزله بعلمه أي فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من البينات، والهدى، والفرقان، وما يحبه الله، وما يكرهه، وما فيه من العلم بالغيب، وما فيه من ذكر صفاته المقدسة، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ ٥.
وقال الخضر لموسى: إني على علم من علم الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علَّمَك إياه لا أعلمه؛ فهذا كله يبطل قول من تأول العلم بالمعلوم، وأي محذور في إجرائه على ظاهره، والله أعلم.
الشرب باليد الواحدة والشرب على البطن
وما ذكرت من النهي عن الشرب باليد الواحدة، وحديث الترغيب في الشرب باليد، فلا أظن لذلك أصلا، والله أعلم.
وأما الشرب على البطن يراد به: الكرع في الماء، فقد ورد حديث يدل على جواز الكرع، ففي البخاري أن -النبي ﷺ دخل على رجل من الأنصار، فقال له: "إن كان عندك ماء بات هذه الليلة في شنة وإلا كَرَعنا" ٦ والكرع: هو الشرب من النهر ونحوه، بالفم من غير إناء، ولا يد. وورد حديث رواه ابن ماجه بالنهي عن الشرب كذلك، فيحمل هذا إن صح على ما إذا انبطح الشارب على بطنه، وحديث البخاري إذا لم ينبطح،
стр. 106
أو يحمل النهي على التنزيه، وحديث البخاري على الجواز، والله أعلم، أو يحمل النهي على التنزيه، وحديث البخاري على الجواز، والله أعلم.
الأحاديث الواردة في فضل آية الكرسي
وأما الأحاديث الواردة في فضل آية الكرسي، فمنها ما هو صحيح ثابت، ومنها ما ليس بصحيح، والظاهر أن الحديث الذي فيه: "إن الله يتولى قبض روح من قرأها دبر كل صلاة" لا يصح، وكذلك الحديث المروي عن علي ﵁، الظاهر عدم صحته، والله أعلم.
وروى النسائي وابن حبان عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت"، قال ابن القيم: بلغني عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه قال: ما تركتها بعد كل صلاة إلا نسيانا؛ أو نحوه، وقال شيخنا أبو الحجاج المزي: إسناده على شرط البخاري.
قال ابن كثير: وروى ابن مردويه من حديث علي، وجابر، والمغيرة نحو ذلك، وفي أسانيدها ضعف.
حديث صلاة الملائكة على المصلي ما دام في مجلسه
وأما حديث صلاة الملائكة على المصلي ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، فالذي يظهر أن حكم المسجد الذي صلى فيه حكم موضع صلاته، والله أعلم.
شهد عدلان برؤيه الهلال وردت شهادتهما لجهالة حالهما
وأما قبول شهادة الأعراب بالهلال فحكمهم حكم الحضر: لا يحكم بشهادة مجهول الحال، والأعرابي الذي عمل النبي ﷺ بشهادته يحتمل أنه يعرف حاله. والعلماء لم يفرقوا في هذه المسألة بين البادية والحاضرة.
وأما مسألة الرؤية لهلال شوال إذا شهد به شاهدان، ولم يشهدا عند الحاكم، أو شهدا عنده ولم يحكم بشهادتهما، فهل لهما ولمن عرف عدالتهما الفطر أم لا؟ أما إذا انفرد واحد بالرؤية فنص أحمد أنه لا يفطر، وهو قول مالك وأبي حنيفة، وهو مروي عن عمر وعائشة، لحديث: "صومكم يوم تصومون،
стр. 107
وفطركم يوم تفطرون" ١ وقيل: يفطر سرا، وهو قول الشافعي.
قال المجد: ولا يجوز إظهاره بالإجماع، وكذا الحكم إذا رآه عدلان ولم يشهدا عند الحاكم، أو شهدا عنده، ورَدَّ شهادتهما لجهله بحالهما، فالمذهب أنه لا يجوز لهما ولا لمن عرف عدالتهما الفطر، للحديث السابق، ولما فيه من الاختلاف وتشتيت الكلمة، وجعل مرتبة الحكم لكل أحد. وهذا القول اختيار الشيخ تقي الدين، واختار الموفق أنه يجوز له الفطر، لحديث: "وإن شهد شاهدان، فصوموا وأفطروا" ٢ رواه أحمد وغيره.
تأويل آيات الصفات وأحاديثها
وقول الشيخ عثمان: إن الصفة تعتبر من حيث هي هي ... إلخ، يعنى لها ثلاث اعتبارات: تارة تعتبر من حيث هي هي، أي: تعتبر منفردة من غير تعلقها بمحل، مثال ذلك: البصر، فيقال: البصر من حيث هو هو ما تدرك به المُبْصَرات، ومن حيث تعلقه بمخلوق فيقال: هو نور في شَحمة تسمى إنسان العين، تحت سبع طبقات في حدقة ينطبق عليها جفنان.
وأما بالنسبة إلى الرب -سبحانه- فنقول: هو -سبحانه- سميع يسمع، بصير يبصر، ليس كسمع المخلوق، ولا كبصر المخلوق، وهكذا سائر الصفات، والله -سبحانه- أعلم.
ومراده بالسيد معين الدين: هو أبو المعالي محمد بن صفي الدين.
الرد على من يقول: إن كلام الله مخلوق
وأما قول سفيان في قوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ٣، فمراده بذلك الرد على من يقول: إن كلام الله مخلوق، يقول: إن الله -سبحانه- عطف الأمر على الخلق، وأمره هو كلامه، فمن قال: إن كلام الله مخلوق، فقد جعل أمره مخلوقا، فجمع بين الخلق والأمر، والله -سبحانه- قد فرق بينهما بعطفه الأمر على الخلق، فالمعطوف غير المعطوف عليه.
стр. 108
والمراد بسفيان: هو سفيان بن عيينة، الإمام المعروف، -رحمه الله تعالى-.
هذا ما ظهر لي، والله أعلم وأحكم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
البلد التي فيها شيء من مشاهد الشرك
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى جناب الأخ المكرم علي بن سليم، سلمه الله تعالى وعافاه، آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد) : من حال ما سألت عنه:
(فالأولى) : البلد التي فيها شيء من مشاهد الشرك والشرك فيها ظاهر، مع كونهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، مع عدم القيام بحقيقتهما، ويؤذنون، ويصلون الجمعة والجماعة، مع التقصير في ذلك، هل تسمى دار كفر، أو دار إسلام؟
فهذه المسألة يؤخذ جوابها مما ذكره الفقهاء في بلدة كل أهلها يهود أو نصارى، أنهم إذا بذلوا الجزية صارت بلادهم بلد إسلام، وتسمى دار إسلام. فإذا كان أهل بلدة نصارى، يقولون في المسيح: إنه ابن الله، أو ثالث ثلاثة، أنهم إذا بذلوا الجزية سميت بلادهم بلد إسلام، فبالأولى فيما أرى أن البلد التي سألتم عنها، وذكرتم حال أهلها، أولى بهذا الاسم؛ ومع هذا يُقاتَلون لإزالة مشاهد الشرك، والإقرار بالتوحيد، والعمل به، بل لو أن طائفة امتنعت من شريعة من شرائع الإسلام قوتلوا، وإن لم يكونوا كفارا ولا مشركين، ودارهم دار إسلام.
قال الشيخ تقي الدين -رحمه الله تعالى-: أجمع العلماء على أن كل طائفة
стр. 109
امتنعت من شريعة من شرائع الإسلام أنها تقاتل حتى يكون الدين كله لله، كالمحاربين، وأولى، انتهى.
وما ذكرناه عن العلماء: من أنهم يسمون البلد التي أهلها يهود أو نصارى، دار إسلام، يذكرونه في باب اللقيط، وفي غيره، والله أعلم.
بيع من أجر أرضه لغرسها
(المسألة الثانية) : فيمن دفع أرضه لإنسان ليغرسها بما اتفقا عليه من نصيب كل منهما، فهل يجوز لصاحب الأرض بيع نصيبه من الغرس، ولو لم تتم المدة التي بينه وبين المغارس؟
(الجواب) وبالله التوفيق: يجوز لصاحب الأرض بيع نصيبه من الغرس، ولو لم تتم المدة التي بينه وبين المغارس؛ لأن بيع المشاع صحيح، والمشتري يقوم مقام البائع في إلزام العامل بإتمام العمل الذي شرط عليه في العقد. وإذا تلف نصيب الغارس من النخل، رفع يده عن الأرض، ليس له فيها حق، بل لو شرط في ابتداء العقد أن له شيئا من الأرض فسد العقد بلا خلاف بين العلماء. والمشتري من مالك الأرض إن كان إنما اشترى نصيبه من الغرس فهو صحيح كما ذكرنا، وإن كان الشراء لنصيبه من الغرس وجميع الأرض فالذي أرى أنه ما يصح، لأنه ما يمكنه تسليم الأرض، والحالة هذه، والله أعلم.
الصرف من منافع الوقف في قضاء دين الواقف بعد موته
(الثالثة) : فيمن وقف وقفا، وجعل للناظر وضعه فيما يراه أنفع، والمراد: فيما يراه أكثر ثواباً، هل يجوز للناظر أويجب أو يستحب له صرف شيء من منافع الوقف في قضاء دين الواقف بعد موته؟
فنقول: لا يجب صرف شيء من غلة الوقف في قضاء دين الواقف حيا كان أو ميتا، بل لا يستحب،
стр. 110
بل لا يجوز، قال الخرقي –رحمه الله تعالى-: ولا يجوز أن يرجع إليه -أي الواقف- شيء من منافعه، قال في المغني بعد ذكره كلام الخرقي: وجملة ذلك أن من وقف وقفا صحيحا، فقد صارت منافعه للموقوف عليه، وزال عن الواقف ملكه، وملك منافعه؛ فلم يجز أن ينتفع بشيء منها إلا أن يكون وقف شيئا للمسلمين، فيدخل في جملتهم، مثل أن يقف مسجدا فله أن يصلي فيه، أو شيئا يعم المسلمين، فيكون كأحدهم، لا نعلم في هذا كله خلافا. ثم قال الخرقي بعد كلامه: إلا أن يأكل منه فيكون له ما شرط، وصحة هذا الشرط من مفردات المذهب، وأكثر العلماء يقولون بفساد الوقف المشروط فيه ذلك. وقولهم: لا يجوز للواقف الانتفاع بشيء منه عام، وقضاء دين الميت بعد موته فيه نفع له، وأظنه لو كان حيا واستفتاكم لم تجوزوا له ذلك، فما الفرق بين الحياة والموت؟ وما الفرق بينه وبين الناظر؟ والله – أعلم.
مجيب المؤذن هل له الكلام بين كلمات الإجابة
وأما مجيب المؤذن: هل يجوز له الكلام بين كلمات الإجابة، أو يكره؟ فلم أر في ذلك كلاما لأحد، والظاهر عدم الكراهة، مع أن الأولى عندي أن لا يشوبه بغيره من الكلام، بخلاف تالي القرآن، فالذي أرى كراهة الإجابة بين الكلمات، أو الآيات، فلا يُدخِل بين أبعاضه ذكرا غير متعلق بالقراءة كسؤال عند آية رحمة، واستعاذة عند آية عذاب، يدل لذلك قول من قال من العلماء: إن القارئ إذا سمع الأذان يقدم إجابة المؤذن على القراءة؛ لأن ذلك يفوت، والقراءة لا تفوت، ولم يقولوا: يجمع بينهما، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.