← Акыда

Акыда · id 11213

رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت

عبيد الله السجزي

Полный текст (322 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت. تأليف: أبي النصر عبيد الله بن سعيد ابن حاتم الوائلي السجزي. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ال مقدمة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومِن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ . أما بعد: فإن من تمام حفظ الله ﵎ لهذا الدين أن هيأ له علماء عاملين، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. ولقد كان في كل عصر منهم أفاضل لهم في الذّبِّ عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والرّدِّ على أهل البدع والانحراف جهود مشكورة، وآثار مشهورة. كان من أعلامهم في القرن الخامس الهجري إمام من أئمة

стр. 2

أوراقها، وعدد أسطرها وكلماتها. ونوع الخط ووصفه وذكرت نماذج منه، وأخيرا السماعات والتملكات التي على النسخة. الفصل الثالث: منهجي في التحقيق والصعوبات التي واجهتها والاصطلاحات والرموز التي استعملتها. القسم الثاني: الكتاب المحقق. وقد ذكرت في منهجي في التحقيق كيفية العمل فيه. ولقد حرصت على أن أخرج الكتاب على الصورة التي تركه عليها المؤلف وبذلت في ذلك قصارى جهدي فإن وفقت لذلك وأصبت فمن عند الله وله المنة. وإن زل قلمي، أو نبا فهمي أو قصر عن إدراك المراد علمي فكل ذلك مني، وعذري أني قد استنفدت في البحث طاقتي، ولم أبخل في ذلك بجهد ولا وقت. واستغفر الله لذنبي. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 3

السنة أبلى في الذود عن حياض السنة وعقيدة السلف، والرد على المخالفين بلاءً حسناً، هو شيخ السنة في عصره الإمام أبو نصر عبيد الله ابن سعيد الوايلي السجزي (٤٤٤هـ) . ولقد وقفت على مصنف جليل من مصنفات هذا الإِمام في الرد على من أنكر الحرف والصوت في كلام الله ، فألفيته سار فيه على منهج السلف وقرر ما دل عليه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، في هذه المسألة تقريراً أجاد فيه وأفاد رحمه الله تعالى. فرأيت أن في تحقيقه وإخراجه خدمة للسنة وأهلها. فعقدت العزم على ذلك واخترته ليكون أطروحتي لنيل درجة الماجستير، وقد شجعني على اختياره أفاضل من أساتذتي ومشايخي الكرام، ممن عرفوا بالحرص على عقيدة السلف والذب عن السنة، أجزل الله مثوبتهم. وإن من أهم الأسباب التي حفزتني لاختيار هذا الكتاب دون غيره، ما يأتي: أولا: أن مسألة الحرف والصوت من المسائل الدقيقة التي زلت فيها أقدام طوائف من المسلمين فالحاجة ماسة لبيان القول الحق فيها. ثانيا: أن هذا الكتاب يعد من أهم الكتب وأقدم المصنفات التي أفردت هذه المسألة بالتأليف، وقد فصل فيه المؤلف القول فيها، واستدل لمذهب السلف وانتصر له، ورد على المخالفين وبين بطلان ما تعلقوا به من شبهات ظنوها أدلة تؤيد ما ذهبوا إليه.

стр. 4

ثالثا: أن في تحقيقه وإخراجه إحياءً لتراثنا الإِسلامي، وإبرازاً لجهود سلفنا الصالح، الذين أثروا المكتبة الإِسلامية بما صنفوا من كتب قيمة في شتى الفنون. هذا وقد قسمت العمل في تحقيق الكتاب ودراسته إلى قسمين، الأول: في دراسة المؤلف والكتاب، والثاني: في تحقيق الكتاب. قدمت بين يدي ذلك: مدخلا. في نشأة الكلام في مسألة كلام الله وفق الخطة التالية: المدخل: ويشتمل على ثلاثة مباحث: الأوّل: عرض تاريخي لظهور الكلام في هذه المسألة. الثاني: افتراق الناس في المسألة وأهم وأشهر الأقوال التي انتهوا إليها فيها. الثالث: في ذكر نماذج من المؤلفات التي ألفت فيها وعنيت ببيان منهج السلف. القسم الأول: ويشتمل على بابين: الباب الأوّل: في التعريف بالمؤلف. وفيه فصول ثلاثة: الفصل الأوّل: في عصر المؤلف، ودرست فيه الحالة السياسية في عصره وأوضحت أنه عصر انحسار نفوذ الخلفاء ونشوء الدويلات داخل دولة الخلافة. كما بينت الحالة الاجتماعية: وأنها سيئة جداً غلب عليها تفشي الغلاء واضطراب نظام الأمن في البلاد.

стр. 5

ثم تعرضت للحالة العلمية: وبينت: أنها كانت مزدهرة في عصره، جنى فيها علماء العصر ما غرسه الأسلاف في ذلك. وأخيرا: ختمت بالحالة الدينية، وكيف أنها كانت متأثرة بالحالة السياسية إلى حد كبير. الفصل الثاني: في ترجمته: ذكرت فيها: اسمه، ونسبته، وكنيته ومولده، وموطنه ونشأته، ثم وفاته. الفصل الثالث: في حياته العلمية وثقافته وتحدثت فيه عن بيئته العلمية، رحلته في طلب العلم، أشهر شيوخه، وأشهر تلاميذه، وثقافته، مؤلفاته وآثاره، مكانته العلمية وثناء الناس عليه، ومذهبه الفقهي، وعقيدته. الباب الثاني: في التعريف بالكتاب، ووصف المخطوطة ومنهج التحقيق، وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: في التعريف بالكتاب وبينت فيه: اسمه، وتوثيق نسبته للمؤلف، وموضوعه، وسبب التأليف، وتاريخه، ومكانه، ومنهج المؤلف وأسلوبه فيه، وموارده، ومصادره فيه، وأخيراً قيمته العلمية، ثم نقده والمآخذ عليه. الفصل الثاني: التعريف بالمخطوطة ووصفها. وبينت الأمور التالية: الاسم المثبت على غلافها، ناسخها، وتاريخ نسخها، وسندها، وعدد

стр. 6

تمهيد تدور أبحاث هذا الكتاب حول مسألة من أهم المسائل في باب العقيدة، وهي مسألة كلام الله . تلك المسألة التي شدَّت إليها أنظار العالم الإسلامي ردحا من الزمن لكثرة ما دار حولها من الجدل والخلاف الذي وصل إلى حد استعمال القوة والسلطان فحصل بذلك من الفتنة والمحنة ما هو معلوم ومدون في مظانه. واستكمالا للفائدة أحببت أن أقدم بين يدي الكتاب ودراسته، مدخلا أبين فيه الأمور الآتية: أولاً: عرضا تاريخيا لظهور الكلام في هذه المسألة. ثانياً: افتراق الناس فيها وأهم وأشهر الأقوال التي انتهوا إليها. ثالثاً: ذكر نماذج من المؤلفات التي ألفت فيها وعنيت ببيان منهج السلف.

стр. 7

المبحث الأوّل: عرض تاريخي لظهور الكلام في هذه المسألة: لم يؤثر عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم الكلام في هذه المسألة ولم تعرف في زمنهم، بل كان الناس يؤمنون بجميع ما جاء في كتاب الله ، بما في ذلك إخباره سبحانه عن نفسه بأنه ينادي ويتكلم ويبصر ويسمع إلى غير ذلك في دائرة قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . ثم سار التابعون بعدهم على ذلك المنهج الراشد من الإيمان بكل ما جاء في كتاب الله أوفي سنة رسوله ﷺ . فمتى حدث القول في هذه المسألة؟ ومن أول من أحدث ذلك؟. أول من أظهر القول بإنكار كلام الله: تشير المصادر التي بين أيدينا إلى أن: أول من عرف١ عنه إظهار القول بإنكار تكلم الله هو (الجعد بن درهم ت ١٢٤هـ) وذلك في أواخر أيام دولة بني أمية، إذ كان الجعد مؤدباً لمروان الجعدي أو مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية. ولما أظهر مقالته طلبه بنو أمية فهرب إلى الكوفة ثم قتله بها خالد بن عبد الله القسري- عامل بني أمية فيها- في يوم عيد الأضحى حيث

стр. 8

خطب الناس وقال في خطبته: "أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليماً، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه في أصل المنبر" ١. لكن قبل أن يقتل هذا الضال كان قد أوحى ببدعته إلى (الجهم بن صفوان الترمذي ت ١٢٨ هـ) ٢ حيث لقيه بالكوفة وأخذ عنه، ثم نُفِيَ إلى ترمذ وبقي إلى أن قتله بأصبهان وقيل بمرو سلم بن أحوز. ثم تلقف هذه المقالة عن أتباع جهم، بشر المريسي (ت ٢١٨) ٣ الذي كان عين الجهمية وعالمهم في عصره٤.

стр. 9

ثم أخذ عن بشر أحمدُ بن أبي دؤاد١ الرجل الذي أغرى المأمون العباسي بالمحنة وإجبار الناس على القول بخلق القرآن فافتتن خلق كثير وثبت إمام السنة – أحمد بن حنبل ﵀ على الحق وصبر على الضرب والأذى. الجذور التاريخية لهذه المسألة: لقد عرفنا فيما سبق أن أول من تفوه بنفي كلام الله من أهل القبلة- هو الجعد بن درهم، كما عرفنا خلفاءه الذين ورثوا عنه هذا القول وأضلوا به خلقاً وأناسي كثيراً. لكن هل بوسعنا أن نعرف من أين للجعد هذه المقالة الخبيثة؟. بين أيدينا نص ذكره ابن عساكر وغيره مفاده: (أن الجعد بن درهم أخذ هذا القول عن بيان بن سمعان ٢، وبيان أخذه عن طالوت بن أخت لبيد بن الأعصم، وطالوت أخذه عن خاله لبيد- ذلك اليهودي الذي سحر رسول الله والذي كان يقول بخلق التوراة ٣.

стр. 10

فاليهود إذاً وراء هذه الفتنة، وليس ذلك بغريب عليهم فما زالوا منذ أن بعث الله رسوله محمداً ﷺ يكيدون للإسلام ولرسول الإسلام ليلاً ونهاراً سرّاً وجهاراً، فسحروا رسول الله ﷺ ، وسَمُّوه، وحاولوا قتله بإلقاء الحجارة عليه، وبعد وفاته حاولوا تفريق المسلمين وفتنتهم، كما فعل ابن سبأ الخبيث. وذلك معروف مذكور في كتب التاريخ والعقائد.

стр. 11

المبحث الثاني: افتراق الناس في مسألة كلام الله ، وأهم الأقوال التي انتهوا إليها. بعد أن بذر أولئك النفر الأخباث بذور الفتنة والخلاف في هذه المسألة. اشتغل الناس بها اشتغالاً عظيماً، وكثر فيها الكلام والجدال؛ ولذا قيل في سبب تسمية علم الكلام: إنه سمي بعلم الكلام؛ لأن مسألة الكلام أشهر أجزائه ١، حيث كثر فيها التناحر ودار حولها من الجدل ما لم يدر حول مسألة غيرها. فقد تنازع الناس في كلام الله نزاعاً كثيراً، وتعددت أقوالهم في ذلك فبلغت تسعة أقوال كما ذكر ابن أبي العز ٢، وقال ابن تيمية مرة ستة أقوال، ومرة قال سبعة أو تزيد٣ بينما عدها ابن القيم ثمانية أقوال ٤. ولن أطيل على القارئ الكريم بتعداد هذه الأقوال فهي مذكورة في مظانها التي أشرت إليها وإنما اكتفي هنا بذكر ثلاثة من أهمها وأشهرها والتي يمكن اعتبارها الأقوال الرئيسة في الباب لكثرة القائلين بكل منها.

стр. 12

القول الأوّل: قول السلف من أهل الحديث والسنة. وهو أنَّ كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود وأنه سبحانه يتكلم إذا شاء بما شاء، وأن كلامه يسمع ويتلى وأنه بحرف وصوت. القول الثاني: قول الجهمية والمعتزلة وهو: أن كلام الله مخلوق خلقه في غيره، وليس هو بمتكلم عند الجهمية، بينما يطلق المعتزلة أنه متكلم١ تقية- لئلا يشنع عليهم. إذ معنى أنه متكلم عندهم: أنه فعل الكلام وخلقه في غيره وهذا بعينه قول الجهمية ٢. وهؤلاء يقولون: إن كلامه حرف وصوت، سور وآيات له أجزاء وأبعاض. القول الثالث: قول الكلابية والأشاعرة: وهو: أن كلام الله تعالى معنى قائم بالنفس لازم لذاته تعالى لزوم الحياة والعلم، وأن الله لا يتكلم بمشيئته وإرادته، ولا يتكلم بحرف وصوت. وأن الحروف والأصوات حكاية عن كلامه عند (الكلابية) ، وعبارة عنه (عند الأشاعرة) وأن كلامه معنى واحد لا يتجزأ ولا يتبعض هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً، وإن عبر عنه بالعبرانية، كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً.

стр. 13

وأول من عرف عنه هذا القول (عبد الله بن سعيد بن كلاب ثم وافقه عليه الأشعري والقلانسي وغيرهما) ١. والرد على هذا القول هو موضوع كتاب (الرد على من أنكر الحرف والصوت) الذي أقدم هذه الدراسة بين يديه. هذه أهم الأقوال التي قيلت في الموضوع لخصتها للقارئ بإيجاز والقصد إعطاؤه فكرة موجزة وإلمامة مقتضبة عما قيل في هذه المسألة، إذ ليس المراد إحاطته علما بدقائق ما قيل وتفاصيل ما أوجزت، فإن ذلك مما يضيق عنه هذا المبحث وهو مدون في مظانه ومصادره التي أشرت إلى طائفة منها. ثم بعد ذلك نشأ الخلاف في عدة مسائل، كمسائل اللفظ والملفوظ والتلاوة والمتلو، وهل يقال لفظي بالقرآن مخلوق ٢، أو غير مخلوق فمنع التلفظ بالعبارتين إمام أهل السنة ﵀ أحمد بن حنبل- وجهّم من قال: لفظي بالقران مخلوق، فقال: ((من زعم أن ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله فهو جهمي)) ٣.

стр. 14

المبحث الثالث: في ذكر نماذج من المؤلفات التي عنيت ببيان مذهب السلف في المسألة. لما اشتد افتتان الناس بهذه المسألة، وعمت البلوى بها وعميت الحقيقة على عامة الأمة بادر علماء السلف لإيضاح الحقيقة ورد الحكم في هذه المسألة وغيرها إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فألفوا في ذلك المؤلفات التي تبين منهج الكتاب والسنة وسلف الأمة الصالح في هذا الباب، وردوا على أهل الباطل باطلهم، وبينوا للناس ضلالهم وكشفوا عوارهم وبينوا أنهم دعاة فتنة وإلحاد في أسماء الله وصفاته. فمن تلك المؤلفات ما هو عام في بيان السنة في كثير من مسائل العقيدة، ومنها ما هو خاص بمسألة القرآن. فمن النوع الأوّل: ١- كتاب الرد على الجهمية والزنادقة للإِمام أحمد بن حنبل (ت٢٤١ هـ) . ٢- كتاب السنة للإِمام أحمد أيضاً. ٣- كتاب السنة لعبد الله بن الإِمام أحمد (ت ٢٩٠ هـ) . ٤- كتاب الرد على الجهمية لعثمان بن سعيد الدارمي (ت٢٨٠هـ) . ٥- كتاب الرد على بشر المريسي للدارمي أيضاً. ٦- كتاب الرد على الجهمية لابن منده (ت ٣٩٥ هـ) .

стр. 15

٧- شرح أصول اعتقاد أهل السنة للإِمام اللالكائي (ت٤١٨هـ) . ٨- الإبانة لأبي الحسن الأشعري (ت ٣٢٤ هـ) . ٩- الإِبانة لابن بطه (ت ٣٨٧ هـ) . ومن النوع الثاني: ١- كتاب الحيدة في الرد على المريسي للمكي عبد العزيز بن يحيى الكناني (ت ٢٤٠ هـ) . ٢- كتاب خلق أفعال العباد للإِمام البخاري (ت ٢٥٦ هـ) . ٣- كتاب الاختلاف في اللفظ للإِمام عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) . ٤- الإِبانة في مسألة القرآن لأبي نصر السجزي (المؤلف) (ت ٤٤٤هـ) . فهذه نماذج من الكتب المؤلفة في الباب وهناك الكثير غيرها.

стр. 16

الباب الأول: التعريف بالمؤلف الفصل الأول: عصر المؤلف ... الفصل الأول: عصر المؤلف (٠٠٠ - ٤٤٤هـ) تمهيد: قبل الشروع في دراسة حياة المؤلّف والتعريف به، رأيت أن أقدم بين يدي ذلك عرضاً موجزاً للبيئة التي عاش فيها، والظروف التي سادت في عصره، وأحاطت بحياته، إذ أن المرء ابن بيئته، يتأثر بالظروف والمؤثرات المحيطة به. لذا كان لزاما علينا ونحن ندرس حياة عَلم من أعلام الإسلام، كالإِمام أبي نصر السجزي، أن نلم بالأحوال التالية في عصره: الحالة السياسية. الحالة الاجتماعية. الحالة العلمية. الحالة الدينية الحالة السياسية: لم تذكر لنا مصادر ترجمة الإِمام أبي نصر السجزي متى كانت ولادته، وإنما اكتفت بذكر تاريخ وفاته وأنه بعد الأربعين وأربعمائة، ثم أشير فيها إلى أنه كان يعيش قبل الأربعمائة، حيث بدأ رحلته في طلب العلم كما سيأتي معنا. إذاً علينا أن نعرض للحالة السياسية في الربع الأخير من القرن الرابع والنصف الأول ومن القرن الخامس الهجريين وهي الحقبة التي عاشها الإِمام أبو نصر على وجه التقريب.

стр. 17

وعلى هذا فقد عاصر أبو نصر دولة بني العباس في عصر انحسار نفوذ الخلفاء وتقلص سلطان الدولة الفعلي، حيث استقل كل أمير بإمارته وكل أهل ناحية، بما يليهم، فقامت دويلات متناحرة، ولم يبق للخليفة العباسي سوى بغداد، ولم تكن سلطته عليها سائدة على كل حال. فأدرك أبو نصر الخليفة العباسي القادر بالله أبا العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله (٣٨١-٤٢٢ هـ) ، ثم الخليفة القائم بأمر الله أبا جعفر عبد الله بن القادر بالله (٤٢٢-٤٦٧ هـ) ١. وكان الضعف قد دب في كيان هذه الدولة في نهاية الربع الأول من القرن الرابع الهجري، حيث أصيب العالم الإسلامي في نحو سنة ٣٢٤ هـ بانقسام كبير حتى كأنه عقد قد انفرط أو صخرة قد تفتت - كما يقول أحمد أمين ٢ - وإن كانت قد انفصلت بعض أجزاء الدولة قبل ذلك التاريخ، إلا أنه لم يحصل مثل هذا التمزق إلا في نحو هذا العام. يقول ابن كثير: في هذه السنة: "وهَيَ أمر الخلافة جداً، واستقل نواب الأطراف بالتصرف فيها ولم يبق للخليقة حكم في غير بغداد ومعاملاتها، ومع هذا فليس له فيها نفوذ ولا كلمة تطاع" ٣. ثم لازم هذا الوضع المتردي الدولة العباسية إلى أن أفل نجمها، وانثل عرشها على أيدي التتار سنة ست وخمسين وستمائة حين قضى هولاكو

стр. 18

على آخر خلفائها، المستعصم بالله ١. فنرى القادر بالله والقائم بأمر الله الخليفتين اللذين عاصرهما الإمام السجزي، وليس لهما من الخلافة إلا الاسم والرسم، حيث استبد البويهون ٢ بأمور الدولة في العراق وفي بغداد نفسها، فضلاً عن سائر الأقاليم التي أصبحت دولاً لها ملوكها الذين لا يخضعون للدولة العباسية إلا اسماً. إذ لم تزل بقية من هيبة الخلافة وجلالها تكمن في أذهان أولئك السلاطين والأمراء. فكان ملوك وسلاطين الأقاليم المنفصلة عن دولة الخلافة يعترفون بالسيادة الاسمية لدولة الخلافة، ويدعون للخليفة العباسي في المساجد وعلى المنابر، ويبعثون إليه من الهدايا ما يشترون به الألقاب، ويحرصون على الظفر بموافقته لاكتساب الصبغة الشرعية أمام العامة ٣.

стр. 19

وكانت حينئذ الأندلس بيد الأمويين، ومصر وإفريقية والشام بيد الباطنيين، وغزنه ونواحيها بيد السبكتكينيين وخرسان وناحيتها يسيطر عليها السلاجقة ١. هكذا كانت الحالة السياسية في عصر الإِمام أبي نصر السجزي، عصر الدويلات المتناحرة على السلطة، عصر السطو على سلطان الخليفة العباسي وتجريده من مسئولياته، مع الحفاظ على بقائه على عرش الخلافة اسما والدعاء له بذلك على المنابر، ما دام قانعاً راضياً، بذلك فإن طمع في أكثر منه، قضي عليه بصورة أو بأخرى وجيء بمن هو أكثر منه قناعة، وأسلس قياداً. الحالة الاجتماعية: لقد لاحظنا فيما سبق الفوضى السياسية التي عمت البلاد، وكيف سُلب الخليفة سلطانه الفعلي، وفقد سيطرته على أجزاء مملكته فاستقل الأمراء والسلاطين بالسلطة، واشتغلوا بالاقتتال عليها والتناحر من أجلها. في ظل هذا الواقع السياسي غير المستقر، لا يمكن أن تكون الحياة الاجتماعية مستقرة وادعة. فاشتغال السلاطين والأمراء بالوصول إلى السلطة، شغلهم عن تأمين حياة اجتماعية، كريمة آمنة للأمة. والإِنفاق المفرط على الحروب التي نشبت بينهم، أرهق اقتصاد

стр. 20

البلاد، فنضبت أكثر الموارد وتفشى بين الناس أمران خطيران: غلاء المعيشة، واضطراب نظام الأمن في البلاد. فأما الغلاء فقد بلغ حداً لا يتحمله عامة الناس، ففي سنة ٣٨٢ غلت الأسعار ببغداد وهي حاضرة الخلافة، حتى بيع رطل الخبز بأربعين درهماً والجزر بدرهم ١. وزاد الحال سوءاً في سنة ٣٩٣ هـ فغلت الأسعار ببغداد جداً وعدمت الحنطة وبيع الكر٢ بمائة وعشرين ديناراً كما يقول ابن كثير٣. وفي سنة ٤١١ هـ بلغ الغلاء ذروته، والجوع غايته، فحل بالعراق غلاء مفرط حتى أكل الناس الكلاب والحمر٤. وإذا كان هذا الحال في العراق وبغداد، عاصمة الدولة وحاضرتها فما بالك بما سواها من القرى والأمصار. لقد ضاق بأهلها الحال وجاع العيال. ومع هذأ فقد كان هناك إلى جانب هذه الفاقة والجوع وهذا الغلاء الذي حل بالبلاد، وعم أكثر العباد، كان هناك ترف وسرف في

стр. 21

بيوت الخلفاء والأمراء، كما كان هناك جدة للمال في أيدي بعض التجار وكثير من العيارين ١ والحرامية الذين سلبوا أموال الناس وسطوا على المتاجر والمنازل ونهبوا ما فيها، فتكونت في أيديهم ثروة وأموال أنفقوها على شهواتهم وملذاتهم. وأما اضطراب نظام الأمن: فحدث عنه ولا حرج. فنتيجة لضعف السلطان، وزوال هيبته، انتشر أمر العيارين والحرامية وقطاع الطرق، دون أن يجدوا سلطة رادعة من الدولة في أكثر الأحيان. ففي سنة ٣٨٤ هـ في خلافة القادر بالله عظم الخطب بأمر العيارين وعاثوا ببغداد فساداً وأخذوا أموال الناس وحرقوا مواضع كثيرة وأخذوا من الأسواق الجبايات، وتطلبهم الشُّرَطُ فلم يُفِدْ ذلك شيئا ولا فكروا في الدولة، بل استمروا على ما هم عليه من أخذ الأموال وقتل الرجال وإرعاب النساء والأطفال في سائر المحال، فلما تفاقم الحال بهم تطلبهم السلطان بهاء الدولة وألح في طلبهم فهربوا بين يديه واستراح الناس من شرهم ٢. لكن هروبهم لم يدم طويلاً فكثيراً ما كانوا يظهرون ويعودون للنهب والسلب. ففي سنة ٣٩٠ هـ عظم أمرهم وأتوا بيوت الناس

стр. 22

نهاراً جهاراً، وواصلوا العملات ١ وقتلوا ... وأشرف الناس بهم على أمر عظيم وقويت شوكتهم كما يقول الذهبي ٢. وهكذا حدث في سنة ٣٩٢٣ و٤١٦هـ، ٤١٧ ٤ ثم استمر الحال على ذلك حتى إنهم قتلوا صاحب الشرطة في سنة ٤٢٤ وأخذوا أموال الناس عيانا بقيادة البرجمي الذي أرعب الناس فكانوا لا يجسرون أن يقولوا فعل البرجمي خوفاً منه بل يقولوا عنه: القائد أبو علي ٥. هذا ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه إلى قطع طريق الحاج وصده عن البيت الحرام. ففي سنة ٣٩٢ هـ رجع حجاج خراسان من بغداد خوفاً من الأعراب الذين عاثوا في الأرض فساداً ولا ناصر ولا ناظر ينصرهم أو ينظر في أمرهم فرجعوا إلى بلادهم ولم يحج من بلاد المشرق أحد في هذه السنة. وهكذا حدث في سنة ٣٩٩ هـ، حيث اعترض الأعراب طريق الحجاج فصدوهم عن السبيل وعاقوهم حتى فاتهم الحج. وكذا وقع سنة ٤١٦ هـ فلم يحج من أهل العراق وخراسان أحد. وهكذا نرى الحياة الاجتماعية في هذه الفترة تعاني من اضطراب في الأمن ونقص في الأرزاق إلى درجة الجوع وأكل المحرمات والمستقذرات

стр. 23

كالكلاب والحمر، وذلك بسبب الفوضى السياسية التي عمت البلاد كما أشرنا من قبل. الحالة العلمية: قد يظن القارئ وقد ارتسمت في ذهنه تلك الصورة السيئة للوضع السياسي ةالإجتماعي الذي ساد البلاد الإسلامية في هذه الحقبة من الزمن التي نحن بصدد دراستها، قد يظن أن الحالة ليست بأسعد حظا من سابقتيها. ولكن الواقع - والحمد لله - كان خلاف ذلك فقد كانت الحالة العلمية في القرن الرابع والخامس الهجريين في اوج أزدهارها، ولم تتأثر بالضعف السياسي أو الفوضى الاجتماعية التي سادت، فلئن كانت الثمار السياسية قد تساقطت في هذه الفترة، فالثمار العلمية قد نضجت فيها١ وجنى علماء هذه الحقبة ثمار ما غرسته الأسلاف فكثرت التصانيف في كل فن في الحديث والتفسير، والفقه والأصول، والكلام، وغير ذلك من أنواع المعارف والعلوم. فبلغ الهتمام بالتصنيفو التأليف أوجه وذروته. وما بين أيدينا وفي مكتبابتنا اليوم من نتاج هذه الحقبة خير شاهد على أزدهار الحركة العلمية في ذلك العصر ازدهارا لا مثيل له. فلقد عاش في هذه الحقبة الكثير من العلماء والرواد في كل فنمن محدثين وفقهاء ومفسرين وأدباء وفلاسفة، وأطباء، وغيرهم. نهاراً جهاراً، وواصلوا العملات ١ وقتلوا ... وأشرف الناس بهم على أمر عظيم وقويت شوكتهم كما يقول الذهبي ٢.

стр. 24

وأنشئت دور العلم وزودت بالكتب القيمة وأوقفت على العلماء ١ وشجع الخلفاء والأمراء العلم وطلابه وتباروا في إكرامهم والتحبب إليهم ٢ فكان الخليفة العباسي القادر بالله محباً للعلم وأهله ٣. وعلى الرغم من انقسام الدولة إلى دويلات، فقد كان العلماء يستطيعون الرحلة في طلب العلم من مكان إلى آخر دون قيود، وحيثما حلوا وجدوا الترحيب فالبلاد كلها باختلاف دويلاتها بلد للمسلم. مما سهل على علماء الحديث وغيرهم شد الرحال إلى أهل العلم للرواية عنهم والسماع منهم، كما فعل الإمام السجزي ﵀ الذي طوف البلاد فخرج من بلده سجستان طلباً اللحديث وحل خراسان والشام ومصر إلى أن انتهى به المقام في مكة حرسها الله. الحالة الدينية: أما الحالة الدينية فقد كانت وليدة الحالة السياسية. وربما كان العكس صحيحاً أيضاً، فبينهما تلازم شديد بحيث تتأثر إحداهما بالأخرى. فالإمامة والخلافة أمر ديني. ومن هنا نشأ الخلاف بين أهل السنة والشيعة فيمن يكون أحق بالإمامة. لذا فقد ساءت الحالة الدينية كثيراً نظراً لتردي الوضع السياسي، واهتزاز مكانة الخليفة وسلطانه في أعين وقلوب الناس.

стр. 25

فكثيراً ما تحصل الفتنة بين الرافضة وأهل السنة كما وقع في سنة ٣٩٨ هـ، وسنة ٤٠٦ ١، ٤٤٤هـ ٢ بسبب غلو الشيعة وجرأتهم على إظهار بدعتهم، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نلحظ في هذا العصر تسرب الخرافة والغلو إلى قلوب العامة. ففي سنة ٣٨٦ هـ كشف أهل البصرة عن قبر عتيق فإذا هم بميت طري عليه ثيابه وسيفه فظنوه الزبير بن العوام، وانتهى بهم الأمر أن بنوا على قبره مسجداً وأجروا عليه الأوقاف٣. وفي سنة ٣٨٩هـ عمد جاهلة السنة إلى إحداث يوم في مقابلة يوم الغدير عند الشيعة وهو يوم السادس والعشرين من شهر ذي الحجة زاعمين أن النبي ﷺ وأبا بكر ﵁ اختفيا في الغار في هذا اليوم. يقول الحافظ الذهبي بعد أن نقل هذه القصة: وهذا جهل وغلط فإن أيام الغار إنما كانت بيقين في شهر صفر وأول ربيع الأول ٤. هذا حال العامة جهل بحقائق الدين والتاريخ، وغلو لم يأذن به الله وفي مسائل الاعتقاد الأخرى كان يتجاذب الناس طوائف ثلاث في هذه الفترة:

стр. 26

١- المعتزلة: ويمثلهم في هذا العصر القاضي عبد الجبار الهمذاني (٤١٥) هـ ١ وأبو الحسين البصري ٢ (وغيرهما) . ٢- الأشاعرة: ومن كبرائهم في هذا العصر: ابن الباقلاني ٣، وابن فورك ٤، وابن اللبان ٥، وغيرهم ممن عاصر المؤلف وأدركه. ٣- أهل الحديث: ويعدّ أبو نصر السجزي ﵀ من أعلامهم في زمنه. وكان الصراع محتدما بين هذه الفرق الثلاث وهو امتداد طبيعي للصراع الناشب في هذا الباب منذ ظهور فتنة الجعد، والجهم، وابن كلاب في القرنين الثاني والثالث الهجريين. ولقد ألف المصنف في الرد على الطائفتين المعتزلة والأشاعرة كتابيه (الإِبانة) و (الرد على من أنكر الحرف والصوت) الذي نقدمه للقارئ الكريم اليوم.

стр. 27

وفيه يبدي أبو نصر تذمراً واضحاً من سير الأمور في عصره التي اضطرته إلى أن يتكلم ويرد على أمثال هؤلاء، وكأنه يرى أن على السلطان أن يأخذ على أيديهم. فيقول: "ومن علم منه خرق إجماع الكافة ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله لم يناظر بل يجانب ويقمع، ولكن لما عدم من ينظر في أمر المسلمين محنا بالكلام مع من ينبغي أن يلحق بالمجانين" ١. وفي الحقيقة لقد كان الخليفة القادر بالله ذا عناية بأمر العقيدة السلفية ونشرها فقد ألف كتاباً في الاعتقاد على مذهب السلف، وأمر بقراءته على الناس وإلزامهم به، ورد فيه على أهل البدع وفسق أو كفر من قال بخلق القرآن، وذكر ما وقع بين المريسي وعبد العزيز الكناني، وأخذ خطوط أهل العلم على ذلك وموافقتهم، وعزل خطباء الشيعة ورد خطباء السنة ٢. وفي سنة ثمان وأربعمائة استتاب فقهاءَ المعتزلة فأظهروا الرجوع وتبرؤوا من الاعتزال، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإِسلام وأخذ خطوطهم بذلك وأنهم مهما خالفوه حل بهم من النكال والعقوبة ما يتعظ به أمثالهم ٣.

стр. 28

لكن المؤلف ﵀ ربما كان يريد منه أن يصنع نحو ذلك مع الأشاعرة أيضاً. وربما يكون قال ما قال بعد انقضاء خلافته حيث آلت الأمور إلى القائم بأمر الله، وهو الذي أميل إليه لأن تأليف الكتاب كان بعد وفاة القادر بالله كما سيأتي في الباب الثاني في مبحث تاريخ تأليف الكتاب. والله تعالى أعلم.

стр. 29

الفصل الثاني: ترجمة المؤلف . اسمه: هو: عبيد الله بن سعيد بن حاتم بن أحمد، بن محمد بن حاتم بن علوية، بن سهل بن عيسى بن طلحة الوايلي البكري السجزي١. أجمعت مصادر ترجمته على أن اسمه عبيد الله بالتصغير، لم تختلف في ذلك اللهم إلا ما كان من ابن الجوزي فإنه قال: "عبد الله" واقتفى أثره في ذلك كحالة الذي ترجم له في موضعين قال في أحدهما: عبد اللِّه وفي الآخر: عبيد الله، وقد أشرت إلى الموضعين في الحاشية، وهو في ذلك تبع للمصادر التي نقل عنها، فمصدره في الموضع الأول المنتظم. وفي الموضع الثاني: التذكرة للذهبي.

стр. 30

نسبته: يقال له: الوايلي- البكري- السجزي أو السجستاني. فأما الوايلي: "بفتح الواو وكسر الياء المنقوطة باثنتين من تحتها: فنسبة إلى (وايل) قرية من قرى سجستان على ثلاثة فراسخ من سجستان١. وأما البكري: فنسبه إلى بكر بن وايل. قال تلميذه عبد العزيز النخشي في معجم شيوخه: أبو نصر الوايلي كان من بكر بن وائل ٢. وكذا قال ابن ماكولا ٣. أما ابن الأثير فيبدي تحفظا إزاء هذه النسبة فيقول عقب إيراده قول النخشبي السابق: "فإن اتفق له هذه النسبة في الأب والمكان وإلا فأحدهما خطأ" ٤ ولا أرى مجالاً لاحتمال الخطأ هنا: لأن نسبة الوايلي: إلى قرية وايل لاشك في ذلك. وهذه نسبة مستقلة لا علاقة لها بنسبة (البكري) . أما (البكري) فنسبة إلى (بكر بن وائل) كما قال النخشبي "كان

стр. 31

من بكر بن وائل" ولم يقل من وائل بن بكر، ولو كانت النسبة لوائل بن بكر لكان هناك مجالا للالتباس واحتمال الخطأ. ثم إن نسبته (البكري) أثبتها كما ذكرنا أعرف الناس به، تلميذه الذي أخذ عنه وتلقى على يديه عبد العزيز النخشبي، فيبعد أن تكون خطأ. ثم إن هذه السلسلة الطويلة من الأسماء العربية التي وردت في اسمه، توحي بأنه ينحدر من أصل عربي، وليس ذلك ببعيد فإن الصحابة والتابعين قد تفرقوا في الأمصار أيام المد الإسلامي والفتوحات التي شملت الكثير من البلدان بما فيها سجستان. وأما السجزي: بكسر السين وسكون الجيم في آخرها زاي: فنسبة إلى (سجستان) على غير قياس ١ والقياس (السجستاني) . وسجستان: بكسر أوله وثانيه، ناحية كبيرة وولاية واسعة، واسم مدينتها زرنج، بينها وبين هراة عشرة أيام، ثمانون فرسخاً، وهي جنوبي هراة ٢. كنيته: أبو نصر. أجمعت مصادر ترجمته على ذلك. مولده: لم تذكر المصادر تاريخ ولادته، لكن الأمر الذي نستطيع القطع به، أن مولده كان قبل الأربعمائة بزمن يؤهله للارتحال ذلك أن السمعاني ذكر أنه رحل إلى غزنة قبل الأربعمائة، والإمام الذهبي

стр. 32

يذكر أنه طلب الحديث في حدود الأربعمائة وهذا يعني أنه كان في سنة الأربعمائة قد بلغ سناً يتمكن معه من الطلب والفهم. ثم إنا نلحظ أن شيوخه الذين تلقى عنهم كانت وفياتهم بين سنة ٤٠٥- ٤١٥هـ، فلابد أن يكون قد أنهى فترة التلقي عنهم قبل سنة ٤١٥هـ وأن يكون مولده قبل ذلك بزمن. موطنه ونشأته: تدل نسبته إلى قرية (وايل) بسجستان على أنها كانت موطنه الأول الذي نشأ به واستحق أن ينسب إليه. فنشأ بها وتلقى علومه الأولية على أبيه الذي كان فقيهاً حنفياً، وأخذ عن بعض مشائخ سجستان قبل أن يبدأ رحلته الطويلة في طلب الحديث. وفاته: أدركه الأجل ﵀ بمكة، في شهر المحرم من سنة أربع وأربعين وأربعمائة للهجرة، على الصحيح، على ذلك أكثر من ترجم له، وقال بعضهم مات بعد الأربعين وأربعمائة بدون تحديد. وذهب ابن الجوزى في المنتظم إلى أن وفاته كانت سنة تسع وستين وأربعمائة وتابعه على ذلك ابن كثير، وكحالة في موضع وهو خطأ. وقد أخطأ من قبل ابن الجوزى في ذكر اسمه كما تقدم وخالف سائر من ترجم له. ومما يرجح القول بأن وفاته بعد الأربعين وأربعمائة ما ذكره السمعاني عن عبد العزيز النخشبي تلميذ أبي نصر السجزي فقال: ذكره

стр. 33

عبد العزيز- النخشبي- في معجم شيوخه. وقال: أبو نصر بن الوايلي كان من بكر بن وائل ... ومات بعد الأربعين وأربعمائة ١. لكن لم استطع أن أجزم فيما إذا كانت العبارة الأخيرة من كلام النخشبي أم هي من كلام السمعاني فإن كانت من كلام النخشبي فهي دليل قاطع في الموضوع. وإن كانت من كلام السمعاني. فاتفاق جمهور من ترجم له كاف في الموضوع والله تعالى أعلم.

стр. 34

الفصل الثالث: حياته العلمية وثقافته . بيئته: نشأ أبو نصر السجزي في بيت له عناية بالعلم، فقد كان أبوه١ فقيها على مذهب الكوفيين، كما نقل ذلك السمعاني عن النخشبي، ولقد أفاد أبو نصر من فقه أبيه فتفقه عليه ٢، ثم ولت وجهته بعد ذلك شطر الحديث وعلومه، فبدأ بعلماء بلده سجستان، فأخذ عنهم، وسمع بها: أبا سليمان محمد بن محمد بن داود الأصم، وأبا عمر محمد بن إسماعيل العنبري، وأبا زهير مسعود بن محمد بن الحسين اللغوي وأبا سعيد حاتم ابن أحمد ٣. وقد يكون أبو سعيد هذا جد المصنف، وإن كنت لا أجزم بذلك، إذ لم أجد له ترجمة، فإن كان كذلك فلا شك أن ذلك يعد عمقاً علمياً في بيت أبي نصر. رحلته في طلب العلم: لما كانت الرحلة في طلب العلم ولا سيما علم الحديث وروايته ديدن طلبة العلم منذ عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، حيث كان

стр. 35

أحدهم يرحل في طلب حديث لم يكن سمعه من رسول الله ﷺ ، المسافات الطويلة، كما فعل جابر ﵁ حين رحل إلى الشام ليسمع حديث عبد الله بن أنيس ﵁، ثم كانت الرحلة في طلب الحديث بعد ذلك سنة متبعة لدى طلبة العلم. لذا فقد اقتفى أبو نصر السجزي سنن أولئك الأخيار وخرج من سجستان بعد أن سمع بها من ذكرنا، قاصداً أمهات المدن والأمصار التي كانت آنذاك مراكز علمية يوجد بها الكثير من علماء الحديث، والمعنيين بروايته والاشتغال به. فرحل إلى غزنة وهي مدينة من أول بلاد الهند، خرج منها جماعة من العلماء في كل فن ١، وكانت رحلته إليها قبل الأربعمائة كما ذكرنا. ثم دخل نيسابور، فسمع بها أبا عبد الله الحاكم صاحب المستدرك، وأبا يعلى حمزة بن عبد العزيز المهلبي. ثم رحل بعد الأربعمائة، فدخل خراسان وحل بأطرافها فترة كما يذكر السمعاني، كما رحل إلى العراق فدخل البصرة وبغداد، وشملت رحلته الشام، ومصر فنزل بها وسمع الكثير. ثم انتهى به المطاف إلى مكة حرسها الله، حيث دخلها حاجاً سنة ٤٠٤هـ فسمع بها أبا الحسن أحمد بن إبراهيم بن فراس العبقسي، وجاور بها إلى أن توفي بها سنة ٤٤٤هـ.

стр. 36

أشهر شيوخه: طوف أبو نصر ﵀ الكثير من البلاد ولقي الكثير من أهل العلم وحفاظ الحديث فسمع منهم وروى عنهم، فمن هؤلاء: ١- والده، حيث سبق وأن ذكرت أنه تفقه عليه. ٢- أبو سليمان محمد بن محمد بن داود الأصم. سمع منه بسجستان كما تقدم، ولم أجد له ترجمة، ويبدو أن له عناية بالقراءات حيث ذكره ابن الجزري في طبقات القراء ١. ٣- أبو زهير مسعود بن محمد بن الحسين اللغوي. ٤- أبو سعيد حاتم بن أحمد. ٥- أبو عمر محمد بن إسماعيل العنبري. وهؤلاء الثلاثة سمع منهم بسجستان أيضاً، ولم أجد من ترجم لهم. ٦- أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم، الحافظ الكبير، المتوفى سنة ٤٠٥هـ ٢، لقيه بنيسابور وسمع منه كما تقدم. ٧- أبو يعلى المهلبي حمزة بن عبد العزيز بن محمد النيسابورِي، تفرد بالسماع من غير واحد، توفي سنة ٤٠٦هـ٣، وكان شيخاً عالماً ثقة متقدماً أيضاً في معرفة الطب ٤.

стр. 37

٨- أبو الحسن أحمد بن إبراهيم بن فراس، العبقسي، المكي العطار، مسند الحجازِ والحرم في وقته، مات بمكة سنة خمس وأربعمائة عن ثلاث وتسعين سنة ١، وكان ثقة ثبتاً، قاضياً عدلاً، وثَّقه أبو ذر في معجمه وكذا السجزي، وكان من كبار أهل زمانه وإليه الرحلة في أوانه٢. ٩- أبو أحمد الفرضي عبيد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي مسلم المقري، شيخ بغداد مات سنة ٤٥٦ هـ، وله اثنتان وثمانون سنة٣. قال الخطيب: كان ثقة ورعا ديناً، وقال الأزهري: عبيد الله كان إماماً من الأئمة ٤. ١٠- محمد بن محمد بن محمد بن بكر الهزّاني ٥. ١١- أبو العلاء علي بن عبد الرحمن الخزاز السوسي اللغوي، ذكر صاحب اللباب أن أبا نصر السجزي سمع منه ٦. ١٢- أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن القاسم بن الصلت المجبر البغدادي، مسند بغداد، توفي سنة خمس وأربعمائة وله إحدى وتسعون

стр. 38

سنة وكان صالحاً ديناً ضعيفاً في الحديث ١. ١٣- أبو عبد الرحمن السلمي محمد بن الحسين بن موسى النيسابوري، كان شيخاً عالماً متصوفاً، غير أنه ضعيف الحديث. توفي سنة ٤١٢هـ ٢. ١٤- أبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله الأنصاري الهروي الماليني، أحد الرحالين في طلب الحديث والمكثرين فيه، رحل إلى البلاد الكثيرة، وسمع من أشياخ كثيري العدد، ثم رحل إلى مصر فمات بها سنة ٤١٢ هـ وكان ثقة متقناً صدوقاً ٣. ١٥- أبو العباس أحمد بن محمد الحاج بن يحيى الأشبيلي المعدل بمصر، انتقى عليه أبو نصر السجزي، ومات سنة ٤١٥ هـ ٤. ١٦- الشيخ الصدوق مسند الوقت أبو عمر عبد الواحد بن محمد ابن عبد الله بن محمد بن مهدي، قال الخطيب: كان ثقة أميناً، وكان مولده سنة ٣١٨هـ ووفاته سنة ٤١٠هـ ٥. أشهر تلاميذه: كان الحافظ أبو نصر السجزي أحد أئمة أهل الحديث في وقته فقد كان إماماً حافظاً متقناً ثقة فيه، لذا فقد حرص على السماع منه والرواية

стр. 39

عنه الكثير من طلبة علم الحديث، يقول أحد أشهر تلاميذه وهو أبو إسحاق الحبال: "خرج الحافظ أبو نصر السجزي على أكثر من مائة لم يبق منهم غيريِ"١. وكان الحبال أحد المكثرين عن أبي نصر يقول ابن طاهر عنه: "خرج له عشرين جزءاً في وقت الطلب وكتبها في كاغد عتيق" ٢ فمن أشهر تلاميذه: ١- الحافظ الإمام المتقن محدث مصر أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد ابن عبد الله النعماني مولاهم الحبال المصري، كان أحد المكثرين عن أبي نصر كما أسلفنا وكان مولده سنة٣٩١هـ ووفاته سنة٤٨٢ هـ٣. ٢- ومنهم: الحافظ الإمام أبو الفضل جعفر بن يحيى بن إبراهيم التميمي المعروف بابن الحكاك، سمع أبا نصر السجزي بمكة، وكان يترسل من أمير مكة ابن أبي هاشم إلى الخلفاء والملوك، ويتولى قبض الأموال منهم، ويحمل كسوة البيت، قال المؤتمن الساجي صحب أبا نصر السجزي وأبا ذر الهروي وكان ذا معرفة ولد سنة ٤١٦ هـ وكانت وفاته سنة ٤٨٥ هـ ٤. ٣- ومنهم المسند أبو الحسين أحمد بن عبد القادر بن يوسف اليوسفي - وهو راوي كتاب الرد على من أنكر الحرف والصوت هذا –

стр. 40

ذكره الذهبي في وفيات سنة ٤٩٢ هـ ١. ٤ – ومنهم: الحافظ عبد العزيز بن محمد بن عاصم النخشبي. كان حافظاً حسن الفهم والإِتقان٢وكان قد ذكر أبا نصر في معجم شيوخه كما سبق أن نقلنا ذلك عن السمعاني ٣. ٥- ومنهم: الإِمام المفيد أبو سعد محمد بن الحسن بن محمد المكي الحافظ المعروف بالحرمي، سمع أبا نصر بمكة وكانت وفاته بهراة سنة ٤٩١هـ ٤. ٦- ومنهم: أبو الفرج سهل بن بشر الإسفرائيني محدث دمشق، توفي سنة ٤٩١ هـ عن ٨٢ سنة ٥. ثقافته: لقد كان أبو نصر ﵀ ذا ثقافة حديثية عالية، إذ كان واسع الرواية جيد الحفظ، بصيراً بطرق الحديث ورجاله، بلغ في ذلك شأواً بعيدا، استحق أن يطلق عليه لقبا الحافظ الإِمام. وهما لقبان لهما مدلولهما ومفهومهما عند أهل العلم، لا يطلقان جزافاً، ولا ينالهما كل أحد. وسنرى فيما بعد من أطلق عليه ذلك عندما نتحدث عن ثناء الناس عليه.
следующие страницы →