المبحث التاسع: مخالفة الأشعريين لمنهج الأشعري
لقد تطور المذهب الأشعري تطوراً سريعاً ومخالفاً لما كان عليه واضعه الذي ينتسب المذهب إليه، حيث أصبح أتباع الأشعري يسلكون منهجاً آخر يخالف المنهج المذكور عن الأشعري سابقاً، وتعرضوا لآيات الصفات، فلم يثبتوا منها إلا ما أثبته العقل فقط، أما ما لا مجال للعقل فيه فتعرضوا له بالتأويل والتعطيل، ثم نسبوا ذلك كله للأشعري، دون أن يبينوا للناس أن هذا هو مذهب الأشعري الكلابي الذي كان عليه قبل أن يرجع إلى عقيدة السلف، ولكنه بعد رجوعه عنه لا يصح أن ينسب إليه.
ولتوضيح هذه الحقيقة سأسوق هنا كلام بعض من جاء بعد الأشعري في بعض الصفات وموقفهم منها، ومدى موافقته لمذهب الأشعري أو مخالفته.
أثبت الأشعري في كتابه الإبانة١، والرسالة التي نحن بصدد تحقيقها أن الله استوى على العرش، وأن عرشه فوق سماواته وأبطل قول المعتزلة في تأويلهم الاستواء بالاستيلاء فقال: "وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وقد دل على ذلك بقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْض﴾ ، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، وليس استواه على العرش استيلاء كما قال أهل القدر، لأنه لم يزل مستوياً على كل شيء"٢.
ومع هذا التصريح الواضح من الأشعري عن هذه الصفة وموقفه منها نجد أتباعه من بعده يذهبون فيها مذهباً آخر تماماً وهذا المذهب قد نص الأشعري نفسه على فساده وبطلانه.
فعبد القاهر البغدادي (ت/٤٢٩هـ) وهو من كبار الأشاعرة ينسب إلى الأشعري قولاً لم يقله في هذه الصفة وذلك بعد رجوعه إلى مذهب السلف، وهو أن الله أحدث فعلاً في العرش سماه استواء، ثم يقول: "والصحيح عندنا تأويل العرش في هذه الآية على معنى الملك، كأنه أراد أن الملك ما استوى لأحد غيره"٣.
стр. 37
وإذا ذهبنا إلى أشعري آخر ينتسب إلى أبي الحسن الأشعري فسنجد نفس التأويل بل أشد.
فأبو حامد الغزالي (ت/٥٠٥هـ) وهو من المعدودين عند ابن عساكر من الطبقة الخامسة السائرين على منوال الأشعري١ يذهب إلى أن الاستواء بمعنى الاستيلاء ويدافع عن ذلك دفاعاً شديداً فيقول: "ويصلح الاستيلاء عليه - أي على العرش - لأن يمتدح به، وينبه به على غيره الذي هو دونه في العظم، فهذا مما لا يحيله العقل، ويصلح له اللفظ، فأخلق بأن يكون هو المراد قطعاً، أما صلاح اللفظ له فظاهر عن الخبير بلسان العرب، وإنما ينبو عن فهم مثل هذا أفهام المتطفلين على لغة العرب الناظرين إليها من بعد الملتفتين إليها التفات العرب إلى لسان الترك حيث لم يتعلموا منها إلا أوائلها، فمن المستحسن في اللغة أن يقال: استوى الأمير على مملكته، حتى قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق"٢
وإذا جئنا إلى صفة أخرى كاليد مثلاً نجد أن الأشعري يثبت اليدين صفة لله ، ويقرر أن هذه الصفة لا يمكن أن يكون المراد بها النعمة أو القدرة كما ذهب إلى ذلك من ذهب من المعطلين بعده وقبله فيقول: "وأن له تعالى يدين مبسوطتين، وأن الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه من غير أن يكون جوارحاً، وأن يديه غير نعمته، وقد دل على ذلك تشريفه لآدم ﵇ حيث خلقه بيده، وتقريعه لإبليس على الاستكبار عن السجود مع ما شرفه به بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ "٣.
ومع هذا التصريح الواضح من الأشعري في إثبات هذه الصفة نجد تلامذته من بعده يؤولونها ويذهبون فيها المذهب الذي نص الأشعري نفسه على بطلانه كما سبق في صفة الاستواء فالبغدادي يقول فيها: "وقد تأول بعض أصحابنا اليد على معنى القدرة وذلك صحيح على المذهب إذا أثبتنا لله القدرة، وبها خلق كل شيء، ولذلك قال في آدم ﵇ ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ووجه تخصيص آدم بذلك أنه خلقه بقدرته لا على مثال
стр. 38
له سبق، ولا من نطفة، ولا نقل من الأصلاب إلى الأرحام، كما نقل ذريته من الأصلاب إلى الأرحام"١.
وهكذا نجد أتباع الأشعري والمنتسبين إليه يضعون مذهباً لأنفسهم بعيداً كل البعد عن عقيدة الأشعري التي لقي الله عليها فأولوا الصفات التي أثبتها الأشعري لله ، وتلقى الناس عنهم ذلك على أنه مذهب الأشعري وقد سار في هذا المنوال جميع المتأخرين المنتسبين إليه بلا استثناء كالفخر الرازي والنسفي وابن عاشر والباجوري وغيرهما كثير، بل إن كثيراً من الجامعات الإسلامية اليوم تدرس هذا المذهب الباطل المنسوب إلى الأشعري على أنه مذهب الأشعري، والأشعري منه بريء، كما يلاحظ أنهم يطلقون على هذا المذهب مذهب أهل السنة والجماعة باعتبار أنه منسوب لإمام أهل السنة والجماعة وهو الأشعري وكل ذلك زعم باطل وقول غير سديد.
ولولا الرغبة في الاختصار لعرضت لأمثلة كثيرة من هذا النوع، ولكني أكتفي بما سبقت الإشارة إليه كدليل واضح لما أردت الوصول إليه من حقيقة وهي: أن بين الأشعري والأشاعرة فجوة كبيرة، أحدثها المنتسبون إليه بخروجهم عن عقيدته، وهذا ضياع للحقيقة وهدم لمكانة الأشعري السلفية التي رجع إليها بانتسابه إلى الإمام أحمد كما أوضحت سابقاً.
ولقد تبين لكثير من العلماء والباحثين مدى مخالفة الأشاعرة لإمامهم الأشعري فنصوا على ذلك في كتبهم وسأسوق هاهنا بعضاً مما وقفت عليه من ذلك تأكيداً لهذه الحقيقة، وأسأل الله جل ذكره أن يكون فيما أكتب مفتاحاً لطلاب الحق حتى يصلوا إليه.
يقول ابن تيمية وهو بصدد الكلام على أتباع الأشعري: "...ولم يكن الأشعري وأئمة أصحابه على هذا، بل كانوا موافقين لسائر أهل السنة في وجوب تصديق ما جاء به الشرع مطلقاً، والقدح فيما يعارضه، ولم يكونوا يقولون: الأدلة السمعية، لا تفيد اليقين، بل كل هذا مما أحدثه المتأخرون الذين مالوا إلى الاعتزال والفلسفة من أتباعهم"٢.
وهذا ينطبق على الأشعري بعد رجوعه إلى مذهب السلف وترك الاعتزال والعقيدة الكلابية التي كان عليهما فترة من الزمن.
стр. 39
ويقول المقريزي (ت/٨٤٥هـ) بعد ما ذكر جملة أصول عقيدة الأشعري: "والأشعرية يسمون الصفاتية لإثباتهم صفات الله تعالى القديمة، ثم اختلفوا في الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة كالاستواء والنزول والأصبع واليد والقدم والصورة والجنب والمجيء على فرقتين: فرقة تؤول جميع ذلك على وجوه محتملة اللفظ، وفرقة لم يتعرضوا للتأويل ولا صاروا إلى التشبيه ويقال لهؤلاء الأشعرية الأثرية"١.
ويقول محب الدين الخطيب: "أما الأشعرية أي المذهب المنسوب إليه في علم الكلام فكما أنه لا يمثل الأشعري في طور اعتزاله، فإنه ليس من الإنصاف أيضاً أن يلصق به فيما أراد أن يلقى الله عليه، بل هو مستمد من أقواله التي كان عليها في الطور الثاني، ثم عدل عن كثير منها في آخرته التي أتمها الله عليه بالحسنى"٢.
ويقول أئمة المستشرقين في العالم: "وإن منهج الأشعري في التدليل في عين القارئ الأوربي لا يختلف للنظرة الأولى عن منهج أتباع أحمد بن حنبل المغالين في المحافظة؛ ذلك أن كثيراً من حججه يقوم على تفسير القرآن والحديث على أن السبب في ذلك كان مرجعه إلى أن خصومه أيضاً بما فيهم المعتزلة أنفسهم قد استعانوا بحجج من هذا القبيل، وأن الأشعري كان يعتمد دائماً على مخاطبة عواطف المرء لا عقله، ومع ذلك فإن خصومه حين يسلمون بدليل عقلي صرف، فإن الأشعري كان لا يتردد في استخدامه في دحض أقوالهم وما إن تقرر جواز مثل هذه الحجج في نظر كثير من المتكلمين على الأقل، حتى استطاع الأشعرية أن ينموا هذا الجانب من منهجه، وانتهى الأمر في القرون المتأخرة بأن أصبح الكلام عقلياً تماماً، على أن هذا كان بعيداً أشد البعد من مزاج الأشعري نفسه"٣. ثم استمروا يوضحون هذه الحقيقة إلى أن قالوا: "وختاماً يجوز لنا أن نقول: إن المذهب قد اختفى في وهج من الفلسفة"٤.
ويقول الدكتور حمودة غرابة: "أما مذهب الأشعري نفسه فقد مزجه أغلب أتباعه بآرائهم، ومن حاول منهم كالشهرستاني أن يضعه في صورة خاصة تميزه عن رأي تلامذته، فإنه لم يسلم من الخطأ في هذا التصوير مما كان له أسوأ الأثر في تكوين فكرة خاطئة عن هذا المذهب في نفس قارئه ومن تعرض لذلك"٥.
стр. 40
المبحث العاشر: وفاته
اختلف المؤرخون في تحديد سنة وفاة الأشعري، ومعظم المؤرخين ذكر أكثر من تاريخ، وكلها تدور في أنه مات بين سنة عشرين وثلاثمائة وبين سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة١، وبعض المؤرخين ذكره فيمن مات سنة أربع وعشرين وثلاثمائة ومن هؤلاء ابن كثير٢، وابن تغرى بردى٣، والذهبي٤، ورجحه السبكي في الطبقات٥، وجزم به ابن عساكر في التبيين٦ معللاً أن ابن فورك هو الذي ذكر هذا التاريخ وابن فورك تلميذ الباهلي، وهو تلميذ الأشعري، وبناءً على ما تقدم تكون وفاة الأشعري سنة ٣٢٤هـ؛ إذ خير من يعتمد عليه في معرفة وفاة العلماء تلاميذهم.
стр. 41
الفصل الثالث: شيوخه وتلاميذه
المبحث الأول: شيوخه
...
المبحث الأول شيوخه
علمنا مما سبق أن الأشعري عاش فترته الأولى من حياته إلى سن الأربعين من عمره على مذهب الاعتزال، وكان الجبائي١ هو شيخه الوحيد في هذه الفترة.
ولما هداه الله إلى الحق وخلع ثوب الاعتزال وتخلص من المذهب الكلابي تتلمذ على أئمة أهل السنة والجماعة، وقد وصلنا من شيوخه في هذه الفترة ما يلي:
١ - أبو خليفة الجمحي:
هو الفضل بن الحباب الجمحي البصري مسند العصر، وكان محدثاً متقناً ثبتاً إخبارياً عالماً، روى عن مسلم بن إبراهيم، وسليمان بن حرب وطبقتهما، وتوفي عام (٣٠٥هـ) ٢.
٢ - ابن سريج:
هو أحمد بن سريج القاضي أبو العباس البغدادي (ت/٣٠٦هـ) إمام أصحاب الشافعي في وقته، شرح المذهب ولخصه، وحدث شيئاً يسيراً عن الحسن بن محمد الزعفراني، وعباس بن محمد الدوري، ومحمد ابن عبد الملك الدقيقي، وأبي داود السجستاني ونحوهم٣.
стр. 42
٣ - الحافظ زكريا الساجي:
هو الإمام الحافظ محدث البصرة أبو يحيى زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن الساجي (ت/ ٣٠٧هـ) وعنه أخذ الأشعري تحرير مقالة أهل الحديث والسلف، وروى عنه بعض الأحاديث١.
٤ - أبو إسحاق المروزي:
هو إبراهيم بن أحمد بن إسحاق المروزي الفقيه الشافعي إمام عصره في الفتوى والتدريس، أخذ الفقه عن أبي العباس بن سريج وبرع فيه وانتهت إليه الرئاسة بالعراق بعد ابن سريج (ت/ ٣٤٠هـ) ٢.
وهؤلاء المشايخ سلفيون، لأن الأشعري أخذ عنهم بعد رجوعه إلى مذهب السلف كما ذكرت ذلك في الصفحة السابقة.
стр. 43
المبحث الثاني: تلاميذه
لقد اهتم ابن عساكر١ من بين المؤرخين الذين كتبوا عن الأشعري بالحديث عن تلامذته والآخذين منه، واستدل بذلك على عظم منزلته وجلالة قدره ﵀، وقد قسم ابن عساكر الآخذين عن الأشعري إلى خمس طبقات بدأ فيها بأصحابه الذين أخذوا منه وأدركوه واعتبرهم الطبقة الأولى ثم أتبع ذلك بمن أخذ عن تلامذة الأشعري واعتبرهم الطبقة الثانية، وهكذا إلى أن وصل إلى الطبقة الخامسة.
وينبغي التنبيه هنا على أن هؤلاء التلاميذ المذكورين في الطبقات الخمس عند ابن عساكر ليسوا جميعاً قائلين بمذهب الأشعري السلفي وإن انتسبوا إليه وأخذوا ببعض أقواله وخاصة في المرحلة الثانية التي عاشها من حياته - كما أوضحت سابقاً -.
وسأكتفي هنا بذكر الآخذين عن الأشعري نفسه وهم كما يلي:
١ - أبو عبد الله بن مجاهد البصري.
٢ - أبو الحسن الباهلي البصري.
٣ - أبو الحسين بندار بن الحسين الشيرازي.
٤ - أبو بكر القفال الشاشي.
٥ - أبو سهل الصعلوكي النيسابوري.
٦ - أبو زيد المروزي.
٧ - أبو عبد الله بن خفيف الشيرازي.
٨ - أبو بكر الجرجاني المعروف بالإسماعيلي.
٩ - أبو الحسن عبد العزيز بن محمد بن إسحاق الطبري.
١٠ - أبو الحسن علي بن محمد بن مهدي الطبري.
١١ - أبو جعفر السلمي البغدادي النقاش.
١٢ - أبو عبد الله الأصفهاني.
стр. 44
١٣ - أبو محمد القرشي الزهري.
١٤ - أبو بكر البخاري المعروف بالأودني الفقيه.
١٥ - أبو منصور بن حمشاد النيسابوري.
١٦ - أبو الحسين بن سمعون البغدادي.
١٧ - أبو عبد الرحمن الشروطي الجرجاني.
١٨ - أبو علي الفقيه السرخسي.
стр. 45
الباب الثاني: التعريف بالكتاب ووصف المخطوطة
الفصل الأول: التعريف بالكتاب
المبحث الأول: اسم الكتاب
...
المبحث الأول: اسم الكتاب
لم يذكر مؤلف الكتاب عنواناً مثبتاً باسم معين، ولعل السبب في ذلك هو أنه عبارة عن أجوبة موجهة إلى أهل الثغر بباب الأبواب فيما سألوه عنه من مذهب أهل الحق، ولذلك يمكن لنا أن نقول: إن مؤلف الرسالة لم يضع لنا عنواناً تعرف به للسبب السابق ذكره.
ومن هنا عرفها من جاء بعده بنسبتها إلى المكان المرسلة إليه فقال ابن عساكر فيها: "جواب مسائل كتب بها إلى أهل الثغر في تبيين ما سألوه عنه من مذهب أهل الحق"١. وقال عنها ابن تيمية: رسالة أهل الثغر٢. وهكذا ذكرها فؤاد سزكين٣.
وذكرها ابن القيم في نونيته باسم "رسائل الثغر"٤.
ولم أجد لهذه الرسالة غير ذلك فيما بين يدينا من المراجع، ولكن إحدى نسخ هذه المخطوطة كتب عليها ناسخها "الأصول الكبير"، ولا شك أن الناسخ اجتهد في وضع هذا العنوان لهذه الرسالة نظراً لما احتوت عليه من أصول الدين وهو العقيدة، وهذا يدل على أهمية هذه الرسالة في بابها والذي فعل ذلك هو الناسخ "أحمد سعيد" هندي. ولم نقف له على ترجمة كما لم نعرف تاريخ النسخ.
وسيأتي الكلام في ذلك بتفصيل - إن شاء الله تعالى -.
стр. 46
المبحث الثاني: موضوع الكتاب وتحليل محتوياته
بدأ الأشعري كتابه هذا بحمد الله والثناء عليه، ثم عقب بالصلاة والسلام على النبي الكريم - عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - ناعتاً له بصفاته الحميدة التي على رأسها تبليغ رسالة ربه إلى الناس كافة.
ثم وجه الخطاب مباشرة إلى أهل الثغر بباب الأبواب، فذكرهم بنعم الله عليهم التي تستوجب حمده وشكره، وعرَّفهم بما يريد أن يكتب لهم فيه وهو بيان ما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم إلى زمن الأشعري.
وبدأ كلامه ببيان أن النبي ﷺ أرسل إلى الناس كافة في وقت طغى فيه الباطل على الحق، حتى اندرست، أو ضاعت معالمه، وتمسك كل قوم بدين حسب ما أملاه عليهم الشيطان والهوى، وتحقق فيهم قول الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ ١.
في هذا الجو بعث النبي ﷺ فدعا الناس إلى الله وإلى عبادته وحده دون سواه ملفتاً نظرهم إلى آثار قدرة الله فيهم والتي أوجدتهم من العدم مشيراً إلى بعض الآيات القرآنية الداعية إلى النظر في خلق الإنسان وأطواره، ثم استخلص من هذه المقدمة أن الإنسان حادث بعد أن لم يكن، وعليه فليس بقديم، كما أن له محدِثاً أحدث وجوده، واستدل على وجود الله وحدوث الإنسان من وجود الإنسان نفسه، وأشار إلى أن الله أكد هذا الطريق حينما دعا العباد جميعاً إلى أن يتفكروا في خلق السماوات والأرض، وما بث فيهما من منافع ومصالح لا تخفى على كل ناظر.
وبعد ما ذكر الأشعري ذلك، وبيّن أن الله هو الذي خلق كل شيء أبطل قول الفلاسفة القائلين بالطبائع، أي أن هذه الأشياء وجدت من الطبيعة وعن طريق الصدفة لا غير.
стр. 47
ثم انتقل إلى الكلام على وحدانية الله ، وأنه سبحانه واحد لا شريك له، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ١، وبينتُ هناك في تعليقي على الآية مدى صحة الاستدلال بها في هذا الموضع.
ثم تعرض لقضية البعث والإعادة، ورد على المشركين الذين عبدوا الأصنام المنحوتة بأيديهم من دون الله، مؤيداً قوله بآيات من القرآن الكريم.
ثم ذكر أن النبي ﷺ أقام الحجة على أهل الكتاب من خلال ما جاء في كتبهم عنه، وذلك كاسمه وصفته كما تحداهم بالمباهلة فنكصوا على أعقابهم لعلمهم بصدقه، وبدأ بتقرير نبوة المصطفى ﷺ من خلال ما أيد به من معجزات، وبدأ بالمعجزة الكبرى الخالدة ألا وهي "القرآن الكريم" مشيراً إلى بعض وجوه الإعجاز فيه، ثم ذكر بعض المعجزات الحسية التي وقعت من النبي ﷺ كتكثير الطعام وزيادة الماء ونبعه من بين أصابعه، وكلام الذئب عنه، وشهادته له بالرسالة وإخبار الذراع له بأنها مسمومة، وانشقاق القمر، ومجيء الشجر إليه وانصرافه بأمره، وإخباره ببعض الغيبيات التي يطلعه الله عليها لمصلحة الدعوة والرسالة كما أشار إلى عصمة الله لنبيه حتى بلغ الرسالة وأوضح الحجة وأقامها على العباد، ولم يؤخر بيان ما أمر به عن وقت الحاجة.
ثم أشار الأشعري إلى اتفاق السلف على ما سبق ذكره من حدوث العالم وتوحيد محدثه، والإقرار بصفاته ورد جميع الأمور إليه، وسيأتي ذكر ذلك بتفصيل في الباب الذي عقده لهذا الغرض, كما ذكر أن السلف تمسكوا بما جاءهم من الوحي، ولم يكلفوا أنفسهم البحث إلا فيما يجِّد من الحوادث التي تقع بينهم، وتتطلب الاجتهاد، كما قطعوا عذر من جاء بعدهم بنقلهم الكتاب والسنة إليهم، كما بلغهم إياها الرسول ﷺ على وجه الصدق والأمانة، كما هو معلوم عند أهل النقل من المحدثين والفقهاء.
ثم قرر أن ما جاء به النبي ﷺ من الوحي أوضح في الدلالة والحجة والبرهان، بخلاف ما استدل به الفلاسفة ومن سلك مسلكهم من أهل البدع المنحرفين عن التمسك بالسنن والآثار، وخاصة فيما ذهبوا إليه من القول بالجوهر والعرض لإثبات حدوث العالم، وقرر الأشعري أنها طريقة مخالفة لطريقة الأنبياء، وفيها من الخفاء والغموض ما يجعلها عاجزة عن إقامة دليل على هذه القضية، ومن هنا تمسك سلفنا الصالح بما جاء به الوحي، وأعرضوا عن كل طريق يخالفه، واحتاطوا في نقل الرواية عن
стр. 48
رسول الله ﷺ بالتثبت من عدالة الرواة، والسفر الطويل إلى المكان البعيد حرصاً على معرفة الحق من وجهه، وطلباً للأدلة الصحيحة فيه. كما حفظ الله كتابه من أن تمتد إليه يد التحريف أو التبديل، وبذلك حفظ الله دينه وأتم على العباد نعمته، ومن هنا يجب أن تختفي كل ملامح الفلسفات والبدع المحدثة من أهل الأهواء، لأنها لا مجال لها مع البيان والبرهان الساطع، ولم ينتقل الرسول ﷺ إلى ربه إلا بعد إرسائه لقواعد الدين، وتركه رجالاً تعلموا الكتاب والسنة، وكانوا على خير هدي وأحسن طريق؛ ولذلك عقد الأشعري باباً ذكر فيه معتقد هؤلاء الأخيار وما أجمعوا عليه من أصول الدين والتي بلغت في عدّه لها واحداً وخمسين إجماعاً، وهي على الترتيب كما يلي:
الإجماع الأول: ويشتمل على نقطتين:
الأولى: إثبات حدوث العالم، وأنه وجد بعد أن لم يكن موجوداً.
الثاني: إثبات الأسماء الحسنى والصفات العلا للذات العلية مع ذكر بعض الصفات.
الإجماع الثاني: بيان أن إثبات الأسماء والصفات لا يقتضي مشابهة المخلوق للخالق، كما أشار إلى حدوث العالم.
الإجماع الثالث: يذكر الأشعري في هذا الإجماع بعض صفات الله ويبين أن هذه الصفات كما تطلق على الخالق، فهي تطلق على المخلوق، ولا يقتضي مجرد الاشتراك في الاسم المشابهة بين الله وبين خلقه، وهذا واضح للغاية.
الإجماع الرابع: ذكر أيضاً بعض الصفات، ثم ذكر أن صفات الله أزلية قديمة ليس شيئاً منها محدثاً، فالله بصفاته وذاته إله واحد فكما أن ذاته قديمة فكذلك صفاته كلها قديمة.
الإجماع الخامس: يدخل الأشعري في هذا الإجماع في نقاش طويل مع المعتزلة ويغلب على كلامه النزعة الكلامية، لأنه يخاطب أهل الكلام، وكان أحياناً يستعمل بعض الألفاظ التي كان السلف لا يستعملونها، وذلك كلفظ الجسم مثلاً، وخلاصة ما ذكره في هذا الإجماع هو، قوله للمعتزلة أنتم تثبتون الأسماء دون الصفات، والأسماء مشتقة من الصفات فكيف تثبتون المشتق دون المشتق منه؟.
الإجماع السادس: يثبت فيه صفة الكلام لله ويستدل على ذلك بأدلة من القرآن وبقول علي بن أبي طالب ﵁ وإقرار الصحابة له.
стр. 49
الإجماع السابع: يثبت فيه صفة السمع والبصر لله ، ثم يتكلم عن ثبوت صفة اليدين للذات العلية، وأبطل حجة من زعم أن اليد بمعنى النعمة.
الإجماع الثامن: يذكر فيه الإجماع على مجيء الرب يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده مستنداً في ذلك إلى ما جاء في القرآن الكريم، ثم ينتقل إلى ذكر إجماع السلف على نزول الرب كل ليلة إلى سماء الدنيا مستنداً في ذلك إلى حديث رسول الله ﷺ في النزول.
الإجماع التاسع: يستهل الأشعري هذا الإجماع بالكلام على صفة الرضا والغضب، إلا أن كلامه عنهما ليس صريحاً في إثباتهما، ثم انتقل إلى الكلام على استواء الله على عرشه مستدلاً بآيات الكتاب العزيز، كما أبطل قول من زعم أن الاستواء هو الاستيلاء، وبين وصرح أن علوه على عرشه حقيقة مع ثبوت معيته لعباده بالعلم والإحاطة، كما تعرض للكرسي الثابت بالقرآن والسنة.
الإجماع العاشر: تأكيد لما سبق ذكره في الإجماع الثاني من إثبات الصفات دون تشبيه أو تكييف.
الإجماع الحادي عشر: تكلم فيه عن رؤية المؤمنين لربهم في يوم القيامة مستدلاً بالقرآن والسنة، كما رد على المانعين للرؤية وأبطل حجتهم التي ذهبوا إليها.
الإجماع الثاني عشر: رد على المعتزلة القائلين بوجوب فعل الأصلح على الله ، وأنه لم يضل الكافرين.
الإجماع الثالث عشر: رد على المعتزلة القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين وبين أن الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح مثله، وقد بينت في التحقيق هناك حقيقة وقفة السلف في هذه القضية.
الإجماع الرابع عشر: تكلم فيه عن التسليم والرضا بقضاء الله وقدره في الواجبات والمنهيات الشرعية.
الإجماع الخامس عشر: نص فيه على أن الله عادل في جميع أفعاله وأحكامه.
الإجماع السادس عشر: تكلم فيه عن تقدير الله وكتابته لما هو كائن إلى يوم الدين.
الإجماع السابع عشر: عن تقسيم الله لخلقه في الأزل فرقتين.
الإجماع الثامن عشر: متفرع عما قبله من إجماعات سبقت حول القضاء والقدر.
стр. 50
الإجماع التاسع عشر: إثبات أن الله خالق لجميع الحوادث، ولا خالق لها غيره من القرآن.
الإجماع العشرون: الإشارة إلى أسباب الهداية والضلال.
الإجماع الحادي والعشرون: إثبات الغنى المطلق لله ، وحاجة العباد جميعاً إليه.
الإجماع الثاني والعشرون: إثبات أن الإنسان لا يفعل شيئاً إلا بتقدير الله له وعلمه إياه.
الإجماع الثالث والعشرون: الإشارة إلى أن الله كلف العباد جميعاً الإيمان به وزودهم بطرق المعرفة المؤدية إلى ذلك، ومنها بعثة الرسل ﵈.
الإجماع الرابع والعشرون: بيان أن من ترك طريق الهداية وسار في طرق الضلالة أنه من الآثمين المذمومين.
الإجماع الخامس والعشرون: بيان أن الكفار اختاروا لأنفسهم طريق الكفر، ولو كرهوه لآمنوا، ولكنهم أعرضوا عن الإيمان فوقعوا في الكفر.
الإجماع السادس والعشرون، والسابع والعشرون: بيان أن الله أقدر العباد بقدرة قبل الفعل بها كان الأمر والنهي، كما أن لكل فعل قدرة أخرى تخصه عند القيام بالفعل المعين.
الإجماع الثامن والعشرون: إثبات أن جميع أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ولا يخرج شيء في ملكه عن علمه وإرادته.
الإجماع التاسع والعشرون: بيان أن الله يتفضل على بعض خلقه فيشرح صدورهم للإسلام، ولا يتفضل على آخرين فيحدث العكس، وأنه سبحانه لا يجب عليه فعل الأصلح لعباده.
الإجماع الثلاثون والحادي والثلاثون والثاني والثلاثون: هذه الإجماعات الثلاثة متفرعة عما قبلها فيما يختص بالقضاء والقدر.
الإجماع الثالث والثلاثون: يحذر من الاعتراض على حكم الله تعالى وإرادته وأن من فعل ذلك صار متبعاً لإبليس - عليه لعنة الله -.
стр. 51
الإجماع الرابع والثلاثون: نص فيه على أن الرسول ﷺ بين لأمته أصول الدين وفروعه مع الاستشهاد بحديث سؤال جبريل.
الإجماع الخامس والثلاثون: ذكر إجماع السلف على أن الإيمان يزيد وينقص.
الإجماع السادس والثلاثون: بيان أن المؤمن لا يخرج بمعاصيه عن الإيمان كما رد على المخالفين في ذلك بأدلة من القرآن الكريم.
الإجماع السابع والثلاثون: متفرع عما قبله.
الإجماع الثامن والثلاثون: الإيمان بالكرام الكاتبين.
الإجماع التاسع والثلاثون: نص الأشعري في هذا الإجماع على كثير من الأمور الغيبية التي يجب التسليم بها، وذكر منها عذاب القبر وسؤاله وفتنته والصور والنفخ فيه، وإعادة الناس بعد النفخ للحساب والجزاء، ونصب الموازين لوزن الأعمال وإخراج الصحف التي كتبتها الملائكة.
الإجماع الأربعون: الإيمان بالصراط، وأنه جسر ممدود على ظهر جهنم.
الإجماع الحادي والأربعون: وجوب الاعتقاد بأن الله لا يخلد في النار من كان في قلبه شيء من الإيمان.
الإجماع الثاني والأربعون: الإيمان بشفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته، وكذلك حوضه الذي يشرب المؤمنون منه، والإيمان بإسرائه وعروجه ﷺ ، وكذلك الإيمان بأشراط الساعة كما ورد في القرآن والسنة.
الإجماع الثالث والأربعون: وجوب الإيمان والتصديق بكل ما جاء به الرسول ﷺ من عند ربه، والعمل بمحكمه والإيمان بنص متشابهه.
الإجماع الرابع والأربعون: تكلم فيه عن وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الإجماع الخامس والأربعون: تكلم فيه عن طاعة أئمة المسلمين في غير معصية ونهى عن الخروج عليهم بالسيف، وأوجب أداء الفرائض معهم، كما نهى عن الصلاة خلف من يكفر ببدعته.
الإجماع السادس والأربعون: بيان أن خير القرون هو قرن الصحابة، وعلى أنهم جميعاً عدول، وأن خلافتهم جميعاً صحيحة، وواقعة حسب ما يرضاه الله .
стр. 52
الإجماع السابع والأربعون: أكد ما أشار عليه في الإجماع السابق، وذكر تعريف الصحابي وما ناله من فضل على من جاء بعده لتشرفه برؤية النبي ﷺ وصحبته.
الإجماع الثامن والأربعون والتاسع والأربعون: أوجب الكف عن ذكر الصحابة بسوء، وذكر أنهم من خيار الناس، وينبغي أن تنشر محاسنهم وأن تحمل أفعالهم على أفضل المخارج مؤكداً فضلهم على من بعدهم بشهادة القرآن والسنة.
الإجماع الخمسون: نص على إجماع السلف على ذم المبتدعة، والتبرى منهم وعدم الاختلاط بهم وذكر منهم الروافض والخوارج والمرجئة والقدرية.
الإجماع الحادي والخمسون: تأكيد لما سبق ذكره في الإجماع السابق مع النص على وجوب تقديم النصح للمسلمين.
стр. 53
المبحث الثالث: سبب تأليفه
لقد ذكر لنا الأشعري نفسه سبب تأليفه لهذا الكتاب، وذلك أن أهل الثغر بباب الأبواب، أرسلوا إليه يسألونه عن مذهب أهل الحق في أصول الدين، وما كان عليه سلف هذه الأمة، فكتب لهم هذا الكتاب مجيباً لهم عما سألوه وكان ذلك سبب تأليفه له.
وأما باب الأبواب فقد قال فيه الاصطخري: "إنه مدينة ربما أصاب ماء البحر حائطها وفي وسطها مرسى السفن، وهذا المرسى من البحر قد بني على حافتي البحر سدين، وجعل المدخل ملتوياً، وعلى هذا الفم سلسلة ممدودة فلا مخرج للمركب ولا مدخل إلا بإذن، وهذان السدان من صخر ورصاص.
وباب الأبواب على بحر طبرستان، وهو بحر الخزر ... وهي محكمة البناء موثقة الأساس من بناء أنو شروان، وهي أحدث الثغور الجليلة العظيمة؛ لأنها كثيرة الأعداء الذين حفوا بها من أمم شتى وألسنة مختلفة وعدد كثير ... وكانت الأكاسرة كثيرة الاهتمام بهذا الثغر لا يفترون عن النظر في مصالحه لعظم خطره وشدة خوفه١.
وقال بدوي: "باب الأبواب: هو ممر وحصن في الطرف الشرقي من القوقاز في دربند الفارسية، وسمي في العصر الحديث "باب الحديد" أو "الباب الحديدي"، والأبواب: هي مخارج الأودية في شرقي القوقاز"٢.
стр. 54
المبحث الرابع: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف
هذا الكتاب وهو رسائل الثغر ثابت النسبة قطعاً للأشعري، وذلك من عدة طرق:
أولاً: أن ابن عساكر ذكرها في كتابه التبيين مستدركاً على ثبت ابن فورك الذي ذكر مؤلفات الأشعري١.
ثانياً: اعتمد عليها ابن تيمية كثيراً وذكر نسبتها إلى الأشعري في أكثر من كتاب له، كما نقل في كتابه القيم "درء تعارض العقل والنقل" ما يقرب من نصف هذا الكتاب، وقد راجعت ما نقله ابن تيمية فوجدته يطابق ما في رسائل الثغر٢، وهذا يدل على أن ابن تيمية وقف عليها ونقل منها، وهو معروف بالأمانة والإنصاف لدى أعدائه وخصومه قبل أصدقائه، وهذا من أقوى الأدلة على صحة نسبة الرسالة للأشعري.
ثالثاً: أشاد بها ابن القيم في نونيته واستند إلى صحة عقيدة الأشعري بما جاء فيها وفي غيرها من كتبه فقال:
وكذا علي الأشعري فإنه ... في كتبه قد جاء بالتبيان
من موجز وإبانة ومقالة ... ورسائل للثغر ذات بيان
وأتى بتقرير استواء الرب فو ... ق العرش بالإيضاح والبرهان
وأتى بتقرير العلو بأحسن ... التقرير فانظر كتبه بعيان٣
стр. 55
رابعاً: ذكرها فؤاد سزكين ضمن مؤلفات الأشعري تحت عنوان: "رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب"، وقال عنها: "مخطوطة بمكتبة ريفان كشك ٥١٠/١٠ (من ٨٨ أ - ٩٨ أ، ١٠٨٤) "نشرها قوام الدين في مجموعات الكلية الإلهيات باستنبول"١، وهذه المخطوطة قامت الجامعة الإسلامية بتصويرها وضمها إلى مكتبتها، وهي نسخة ثانية اعتمدت عليها في تحقيق هذا الكتاب، ولم يشر فؤاد سزكين إلى النسخة الأولى التي اعتمدت عليها في التحقيق ولعله لم يقف عليها وهي موجودة بالهند.
خامساً: يلاحظ أن أسلوب الأشعري في كتابه هذا هو نفس أسلوبه في كتبه التي بين أيدينا الآن، وخاصة إذا قورن بكتابه اللمع، وقد أشرت إلى ذلك في التحقيق.
كما أن الأدلة التي يسوقها لإثبات قضية معينة هي نفس الأدلة في الغالب التي يسوقها في كتابه الإبانة ومقالات الإسلاميين.
وبهذا أمكننا القطع بأن هذه الرسالة من تأليف الأشعري نفسه، ولا يمكن أن يكون غير هذا.
بقي شيء مهم جداً ينبغي أن نناقشه هنا وهو: أنه ورد في هذه الرسالة تاريخ يثبت أن هذه الرسالة كتبت بعده بعام وهذا التاريخ محدد بعام سبع وستين ومائتين، ومعنى ذلك أن الأشعري كتب رسالته هذه في عام ثمانية وستين ومائتين في حين أنه ولد عام ستين ومائتين، وبذلك لا يمكن أن يكون قد كتب هذه الرسالة بناء على هذا التاريخ إن صح.
والواقع أن هذا التاريخ خطأ يقيناً، وقد تعرض المستشرق "آلار" لهذه الرسالة كما ذكر الدكتور بدوي٢، وتناول موضوعها، كما تعرض للتاريخ المثبت عليها، وذكر أن هناك حججاً تؤيد نسبتها إلى الأشعري وأخرى تنفيها.
فمما يؤيد نسبتها إليه أن ابن عساكر ذكرها في ثبته الذي استدرك به على ابن فورك والأشعري، ثم المواضع المتناطرة بين اللمع والرسالة، والاتفاق عموماً في المذهب الوارد في الرسالة مع مذهب الأشعري.
ومما ينفي نسبتها إليه هذا التاريخ المثبت عليها وهو عام سبع وستين ومائتين، ثم عدم ورود إشارة فيها إلى آراء المعتزلة، ثم التحفظ في تقرير الموقف للقول بأن القرآن
стр. 56
قديم غير مخلوق، كما ذكر "آلار" أن الأشعري كتب هذه الرسالة قبل تركه لمذهب المعتزلة بوقت قليل، ولم يكن قد قطع صلته نهائياً بشيوخه المعتزلة.
ومع ذلك فقد قرر "آلار" بأنه يميل إلى القول بصحة نسبة هذه الرسالة للأشعري ويفسر التاريخ المذكور بأنه ربما ورد محرفاً وصوابه عام سبع وتسعين ومائتين.
وقد تعرضت الدكتورة فوقية١ لرأي "آلار"، وناقشته فيما ذهب إليه منه، وأزيد ذلك وضوحاً فأقول في الرد على النقاط التي ذكرها "آلار" ما يلي:
الأمر الأول: أن التاريخ المذكور في هذه الرسالة لعله من وضع أشعري متأخر يخالف عقيدة شيخه التي كان عليها، أو من وضع معتزلي أراد أن يموه على الناس وينفي هذه العقيدة عن الأشعري.
أما الاحتمال الذي ذكره "آلار" وهو أن التاريخ ورد محرفاً وصوابه عام سبع وتسعين ومائتين فلا أميل إليه؛ وذلك أن الأشعري لم يكن في هذه الفترة رجع إلى عقيدة السلف حتى يكتب فيها، ولم يكن وقتئذ مشهوراً كإمام من أئمة أهل السنة حتى يرسل إليه أهل باب الأبواب من مكان بعيد يسألونه عن أصول اعتقاد أهل السنة.
ووجود هذا التاريخ على الرسالة لا ينفي نسبتها إلى الأشعري لما يمكن أن يرد عليه من احتمالات، ثم إن ما ذكرته في صحة نسبتها إلى الأشعري يقطع بخطأ هذا التاريخ ويؤكد صحة نسبتها إليه.
الأمر الثاني: أما قول "آلار" بأن الرسالة لم يرد فيها إشارة إلى آراء المعتزلة، وعليه فليست من وضع الأشعري.
فأقول: إن الأشعري هنا في هذه الرسالة بالذات بعيد كل البعد عن الاحتكاك بالمعتزلة، أو الخوض معهم في مناقشات جدلية؛ وذلك أنه بصدد الإجابة على سؤال محدد وهو بيان اعتقاد أهل السنة، وعليه فلا داعي مطلقاً لإقحام المعتزلة هنا، كما أن في هذه الرسالة رداً على آراء المعتزلة في العقيدة بإثبات عقيدة السلف أهل السنة والجماعة، وكان أحياناً يدخل معهم في مناقشات كما جاء ذلك في الإجماع الثالث والخامس من هذه الرسالة.
стр. 57
الأمر الثالث: أما قوله بأن الأشعري كان متحفظاً في القول بأن القرآن قديم غير مخلوق.
فأقول في الرد عليه ما يلي: يظهر لي جلياً بأن "آلار" لم يستوعب موضوعات الرسالة كلها قراءة، أو طاش بصره عن هذه النقطة بسبب ما قاله عنها وذلك أن الأشعري قرر في هذه الرسالة أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وكلامه فيها صريح وواضح، وقد سار في إثبات هذه القضية على مذهب من تقدم من سلف هذه الأمة كالإمام أحمد والبخاري ﵏ جميعاً، وتأمل قول الأشعري في الإجماع السادس: "وأجمعوا على أنّ أمره وقوله غير محدث ولا مخلوق وقد دل الله تعالى على صحة ذلك بقوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ففرق تعالى بين خلقه وأمره، وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ "... إلى غير ذلك مما ذكره الأشعري في هذه الرسالة مستدلاً به على أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
الأمر الرابع: ذكر "آلار" أن الأشعري كان معتزلياً وقت كتابة هذه الرسالة، ولم يقطع صلته بشيوخه من المعتزلة، وهذا مخالف تماماً لما جاء في هذه الرسالة التي تخالف مذهب الاعتزال وتبعد عنه كل البعد، ويكفي للتأكد من أن هذه الرسالة صدرت من الأشعري بعد رجوعه إلى مذهب السلف وتركه الاعتزال ما جاء فيها من رد على المعتزلة كما ذكرت سابقاً، ثم ذكره لإجماع السلف على أصول الدين وإثباته لحقيقة صفات الرب كما جاء ذكرها في القرآن والسنة وإبطاله لشبه المعتزلة التي كانت تؤول الصفات بها، وكذلك قوله في مرتكب الكبيرة وإثباته للشفاعة وغير ذلك من الأمور السمعية التي ورد بها نص. الأمر الذي يجعلنا نقطع بأن هذه الرسالة لا تصدر إلا من رجل سلفي العقيدة بعيد عن غيرها.
وبما تقدم ذكره أقول: "إنه لا وجه إذاً للاعتراضات التي ذكرها "آلار" في نفي نسبة هذه الرسالة للأشعري، ولم يبق أمامنا إلا القطع بصحة نسبة الرسالة إليه، وهو ما مال إليه "آلار" ورجحه كما سبق كلامه في ذلك"١.
стр. 58
المبحث الخامس قيمته العلمية
تظهر قيمة هذا الكتاب العلمية في أنه صدر من الأشعري الذي ينتسب الناس في معظم أقطار الدنيا إليه، فشخصيته مشهورة لها مكانتها في دنيا الناس، ثم هو يكتب في أهم أصول الدين، ويذكر ما كان عليه سلف هذه الأمة، وما تلقوه من الرسول ﷺ وساروا عليه، ولم يكتبه بصورة تاريخية خاطفة، وإنما ذكر علماً عقد له باباً فقال: "باب ذكر ما أجمع عليه السلف من الأصول التي نبهوا بالأدلة عليها وأمروا في وقت النبي ﷺ بها"، ثم ساق واحداً وخمسين إجماعاً في ذلك، جمع فيها الكلام على الذات الإلهية، وما ينبغي لها من صفات الجلال والكمال، ثم تكلم عن الأمور الغيبية بتفصيل، ثم ذكر موقف أهل السنة من الخلاف الذي وقع بين الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -، وموقفهم من أهل البدع والمخالفين.
كما قرر صحة نبوة النبي ﷺ وبين أن أسلم الطرق هو الطريق الذي رسمه ووضعه لأمته، وأن الخروج عليه خروج عن الحق والدليل.
كما تطرق إلى طريقة الفلاسفة والمتكلمين وإلى مسلكهم في إثبات حدوث العالم، وبين أن طريقتهم فيها من الخفاء والغموض ما يجعلها عاجزة عن إقامة دليل على هذه القضية.
ومن هنا كان الكتاب جامعاً لعقيدة السلف، متطرقاً لمعظم ما كان عليه الصدر الأول، ومرجعاً لمن أراد الوقوف على عقيدة السلف وما أجمعوا عليه في الصدر الأول مؤيداً بالقرآن والسنة.
стр. 59
المبحث السادس: نقد الكتاب
من المعلوم أنه لا يخلو عمل البشر من نقص فالكمال لله وحده، وليس معنى الإقدام على نقد كتاب لأحد العلماء إخلال بمكانته أو قدره، أو أن الناقد أعلى منه وأرفع وقد يكون ما يراه الناقد خطأ هو الصواب وهو لا يدري.
والملاحظات التي رأيتها على هذا الكتاب مرجعها إلى أطوار المؤلف المختلفة التي عايشها، وهي في جملتها قليلة إذا قورنت بما فيها من حق وخير، وهي كما يلي:
١- ميول الأشعري في هذه الرسالة إلى النزعة الكلامية التي ورثها من المعتزلة.
٢- استعماله لبعض الألفاظ التي لم يستعملها السلف، لا إثباتاً ولا نفياً، وذلك فيما يتعلق بالذات الإلهية كنفي لفظ الجسم، والجوهر، والحركة وغير ذلك١.
٣- لم يكن صريحاً في بعض المواقف وهو يتكلم عن الصفات وذلك كما فعل في صفة الرضا والغضب.
٤- كان أحياناً لا يجمع الكلام على المسألة الواحدة في مكان واحد، ونتج عن ذلك تكراره لما سبق أن ذكره كما فعل في الكلام عن مسألة القضاء والقدر في مواطن مختلفة.
هذا ما وقفت عليه في هذه الرسالة من مآخذ على الأشعري، والله يوفقنا للحق والصواب
стр. 60
الفصل الثاني: وصف المخطوطة
المبحث الأول: عدد نسخ المخطوطات
...
المبحث الأول: عدد نسخ المخطوطة
هذه المخطوطة لها نسختان:
إحداهما: نسخة في مكتبة ريفان كشك بتركيا ضمن مجموعة تحت رقم ٥١٠، وهي التي ذكرها فؤاد سزكين في كتابه١، ومنها نسخة مصورة بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية تحت رقم ١٠٥ توحيد، كما صورت منها الجامعة الإسلامية نسخة وهي بمكتبتها تحت رقم ١١٦ مكبرة.
وناسخها هو: علي بن محمد بن أحمد الحراني الحنبلي عام ١٠٨٤هـ، ولم أقف له على ترجمة.
وقد نشر قوام الدين هذه الرسالة في "مجموعة كلية الإلهية" ج٧/١٥٤ وما يتلوها، وج٨/٥٠ وما يتلوها عام ١٩٢٨م معتمداً على هذه النسخة، كما نشرت في مجلة الفنون باستنبول٢.
وثانيهما: نسخة بمكتبة الجامعة العثمانية، بالهند، تحت رقم ٤١/٢٩٧، وهذه هي التي كتب عليها ناسخها "كتاب الأصول الكبير" للشيخ الأشعري، وقد قامت الجامعة الإسلامية بتصوير هذه النسخة وجعلتها ضمن مكتبتها تحت رقم ٧٢٥ ميكروفيلم.
وناسخها هو: أحمد سعيد الذي كان يملك نسخة منها كما ذكر، ولم أقف له على ترجمة، كما لم يتبين لي تاريخ النسخ، ولم يشر الناسخ إلى شيء من ذلك.
стр. 61
المبحث الثاني: وصفها
أولاً: النسخة التركية:
وتقع في عشرين صفحة، وعدد الأسطر في كل صفحة يتراوح بين واحد وثلاثين سطراً إلى ثلاثة وثلاثين، وقد كتبت بخط دقيق وصغير جداً.
وفيها بعض الأخطاء، وكذلك عدم وضوح لبعض الكلمات، كما أن الناسخ كان يترك كثيراً وضع النقاط والهمزات، كما وقع في بعض الأخطاء اللغوية.
ثانياً: النسخة الهندية:
وتقع في أربعين ورقة، وعدد الأسطر في كل صفحة اثنا عشر سطراً، وقد كتبت بخط فارسي كبير وواضح، وهي أدق من النسخة الأولى، وليس بها أخطاء كثيرة، وقد اعتنى الناسخ بوضع النقاط والهمزات وعنده بعض الأخطاء اللغوية.
стр. 62
المبحث الثالث: النسخة الأصل وسبب اختيارها
لقد اعتمدت في التحقيق على النسخة الهندية، واعتبرتها أصلاً في تحقيق هذه الرسالة، وإن لم نعرف تاريخ نسخها وذلك للاعتبارات التالية:
١- وضوح خطها وسهولة قراءته.
٢- قلة الأخطاء الواقعة فيها إذا قورنت بالنسخة الأخرى، ويبدو أن ناسخها وقف على أصل جيد مصحح، فجاء النص عنده سليماً غالباً بخلاف الأخرى.
ولهذه الأسباب اخترت هذه النسخة لتكون أصلاً في تحقيق النص، واعتبرت النسخة التركية نسخة ثانوية قابلت بينها وبين النسخة الأصلية وأشرت إليها في التحقيق بحرف "ت" إشارة إلى أول حرف للبلد الموجودة فيه، وهي تركيا.
стр. 63
المبحث الرابع: عملي في الكتاب
لقد اجتهدت حسب الوسع والطاقة في خدمة هذا الكتاب وإخراجه للناس بهذه الصورة، يتلخص عملي في التحقيق في الخطوات التالية:
١- ترقيم الآيات القرآنية وذكر السورة التي وردت فيها.
٢- تخريج الأحاديث النبوية بذكر أهم أماكن وجودها.
٣- المقابلة بين نسختي المخطوطة، وذكر الفروق الواقعة بينهما، كما قابلت بين الجزء الذي نقله ابن تيمية من هذه الرسالة في كتابه "درء تعارض العقل والنقل"، وبين النسختين اللتين عندي.
٤- خدمة النص: سبق أن قلت في التعريف بنسخ المخطوطة، أن النسختين لم تسلما من الأخطاء، واحتاج ذلك إلى أن أقوم بالتحري والتثبت في كتابة النص الصحيح الذي به يستقيم المعنى وتصلح العبارة، كما قمتُ بتصويب الأخطاء اللغوية فيهما. ووضعت الصواب بين معقوفتين في الأصل وأشرت إلى ذلك في الحاشية.
٥- الإشارة إلى أماكن وجود النص في الكتب اللاحقة.
٦- رقمت الإجماعات التي ذكرها الأشعري عن السلف، والتي بلغت واحداً وخمسين إجماعاً.
٧- لسهولة الرجوع إلى أصل المخطوطة وضعت أرقام صفحات المخطوطة على هامش التحقيق وأشرت إلى الوجه الأول من الورقة بحرف "أ" وإلى الوجه الثاني بحرف "ب".
٨- في الجزء الذي ذكره الأشعري لبيان إجماع السلف في أصول الدين ذكرت من تقدم الأشعري ومن جاء بعده من أئمة أهل السنة الذين وافقوه في هذا الإجماع لتثبيته، ولبيان أن ما ذكره الأشعري هو حقيقة إجماع السلف، وفي بعض المواطن - وخاصة النواحي الكلامية - كنت لا أجد لمن سبق الأشعري كلاماً فيها، فاعتمدت فيها على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إن كان له فيها كلام.
стр. 64
ولقد وضعت بين يدي مجموعة من كتب السلف التي اعتمدت عليها في بيان صحة ما ذكره الأشعري عن السلف وأهمها ما يلي:
١- كتاب الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد بن حنبل.
٢- رسالة السنة للإمام أحمد بن حنبل.
٣- كتاب السنة للإمام عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل.
٤- الرد على الجهمية للإمام عثمان بن سعيد الدارمي.
٥- رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد.
٦- كتاب السنة للإمام عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني.
٧- كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب لابن خزيمة.
٨- كتاب الشريعة للإمام محمد بن الحسين الآجري.
٩- كتاب أصول السنة لأبي عبد الله محمد بن أبي زمنين المالكي. مخطوطة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية تحت رقم ١٨٦٣١.
١٠- كتاب الإيمان لابن مندة.
١١- كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم. للإمام هبة الله بن الحسن ابن منصور الطبري اللالكائي.
١٢- عقيدة السلف وأصحاب الحديث للحافظ الصابوني.
١٣- مختصر العلو للعلي الغفار للحافظ الذهبي وباختصار الألباني.
١٤- كتب شيخ الإسلام ابن تيمية المختلفة والمذكورة ضمن قائمة المراجع ومشار إليها في مواطنها.
١٥- كتب تلميذه الإمام ابن القيم المذكورة في المراجع.
١٦- شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي.
١٧- لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية. لمحمد أحمد السفاريني.
هذا إلى جانب الكتب التي اعتمدت عليها عرضاً في التحقيق ومشار إليها في مواطنها.
стр. 65
نص الكتاب
...
في هذه الصفحة يوجد رسم الخريطة
стр. 66
نص الكتاب
" بسم الله الرحمن الرحيم "
قال السيد الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي١ بشر الأشعري البصري ﵀:
الحمد لله الذي حبب إلينا التمسك بالسنن٢ الهادية وجنبنا سبل البدع٣
المردية، وكنف٤ قلوبنا بثلج٥ اليقين، وأعزنا بسلطان الدين، وجعلنا لرسوله٦ ﷺ متبعين وبإمامته معتصمين، ووهب لنا من أنس الجماعة٧ ما زالت به عنا٨ وحشة الشذوذ والبدع.
стр. 67
حمداً١ نحوز فيه شرف طاعته، ونستمري٢ به جميل مواهبه، وصلى الله على محمد نبيه٣ الداعي إليه والسفير بيننا وبين الذي أيده الله بآياته وقطع دواعي الشبه فيه لمعجزاته٤ حتى أنهج السبيل إليه، ونبه على ما في أفعاله من وجود الأدلة عليه بأوضح بيان وأظهر برهان.
حتى غاض٥ الباطل خاسئاً حسيراً، وأضاء الحق غالباً منصوراً، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وعلا بالحجة٦ ﷺ ٧.
أما بعد: أيها الفقهاء والشيوخ من أهل الثغر٨ بباب الأبواب٩ حرسكم الله بسلطانه وأيدكم بنصره.
стр. 68
فقد وقفت على ما ذكرتموه في كتابكم الوارد عليّ بمدينة السلام١ من خير نعم الله عليكم، واستقامة أحوالكم، (فأسرني) ٢ وكثر لله شكري ورغبت إليه تعالى مجتهداً في تمام ما أولاكم وإسباغ نعمه علينا وعليكم، وهو تعالى ولي الإجابة وحقيق لجميل الموهبة٣.
ووقفت أيدكم الله على ما ذكرتموه من إحمادكم جوابي عن٤ المسائل التي كنتم أنفذتموها إلي في العام الماضي، وهو سنة سبع وستين ومائتين٥، ووقوع ما ذكرته لكم فيها الموقع الذي حمدتموه، وعرفتم وجه الصواب فيه٦، وإعراضكم عمن ألقى تلك المسائل، واحتال في بثها عندكم٧.
وحمدت الله على حراستنا وإياكم من شبه الملحدين٨ في دينه، والصادين
стр. 69
عن اتباع رسله، وسألته أن يجعلنا وإياكم من المتمسكين بحبله١، والمقيمين على الوفاء بعهده٢، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ووقفت على ما التمستموه من ذكر الأصول٣ التي عول سلفنا٤ رحمة الله عليهم عليها، وعدلوا إلى الكتاب والسنة من أجلها، واتباع خلفنا الصالح٥ لهم في "ذلك"٦.
وعدولهم عما صار إليه (أهل) ٧ البدع من المذاهب التي أحدثوها، وصاروا إلى مخالفة الكتاب والسنة بها٨، وما ذكرتموه من شدة الحاجة إلى ذلك، فبادرت أيدكم الله
стр. 70
بإجابتكم إلى ما سألتموه لما أوجبه من حقوقكم، والكرامة لكم، وذكرت لكم جملاً من الأصول مقرونة بأطراف من الحجاج تدلكم على صوابكم في ذلك١.
وخطأ أهل البدع فيما صاروا إليه من مخالفتهم وخروجهم٢ عن الحق الذي كانوا عليه قبل هذه البدع معهم، ومفارقتهم بذلك الأدلة الشرعية، وما أتى به٣ الرسول ﵇ منها٤، ونبه عليها، وموافقتهم بذلك طرق الفلاسفة٥ والصادين عنها والجاحدين لما أتت به الرسل ﵈ منها.
стр. 71
ولم ألكم١ وسائر من تأمل ما ذكرته نصحاً لما يوجب عليّ من حق نعم الله فيكم (وأرجوه) ٢ من نيل الثواب بإجابتكم مستعيناً٣ في جميع ذلك بالله ، وتوكلاً٤ عليه، وهو حسبي ونعم الوكيل.
اعلموا - أرشدكم الله - أن الذي مضى عليه سلفنا٥ ومن تبعهم من صالح خلفنا٦ أن الله بعث محمداً ﷺ إلى سائر العالمين٧، وهم أحزاب متشتتون وفرق متباينون٨. منهم كتابي٩ يدعو١٠ إلى الله بما تعبد١١ به في كتابه،
стр. 72
وفلسفي١ قد تشعبت به الأباطيل في أمور يدعيها بقضايا العقول٢.
وبرهمي٣ تنكر أن يكون لله رسول، ودهري٤ يدعي الإهمال٥ ويخبط في عشو الضلال. وثنوي٦ قد اشتملت عليه الحيرة، ومجوسي يدعي ما ليس له به خبرة، وصاحب
стр. 73
صنم يعتكف عليه، ويزعم أنّ له رباً يتقرب بعبادة ذلك الصنم إليه١. لينبههم جميعاً على حدوثهم، ويدعوهم إلى توحيد المحدث لهم٢ ويبين لهم طرق معرفته بما فيهم من آثار صنعته، ويأمرهم برفض كل ما كانوا٣ عليه من سائر الأباطيل.
بعد تنبيهه ﵇ لهم على فسادها٤، ودلالته على صدقه فيما يخبرهم به
стр. 74
عن ربهم تعالى بالآيات الباهرة والمعجزات القاهرة١، ويوضح لهم سائر ما تعبدهم الله (به) ٢ من شريعته٣.
وأنه ﵇ دعا جماعتهم إلى الله، ونبههم على حدوثهم٤ بما فيهم من اختلاف الصور والهيئات وغير ذلك من اختلاف اللغات، وكشف لهم عن طريق معرفة الفاعل لهم بما فيهم وفي غيرهم، بما يقتضي وجوده٥ يدل على إرادته وتدبيره٦؛
стр. 75
حيث قال : ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ١، فنبههم بتقلبهم في سائر الهيئات التي كانوا عليها (على ذلك وشرح ذلك) ٢ بقوله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٣.
وهذا من أوضح (ما يقتضي الدلالة على حدث٤ الإنسان) ٥، ووجود المحدث له من قبل أن العلم قد أحاط بأن كل متغير لا يكون قديماً، وذلك أن تغيره يقتضي مفارقة حال كان عليها قبل تغيره وكونه قديماً ينفي تلك الحال، فإذا حصل متغيراً بما ذكرناه من الهيئات التي لم يكن٦ قبل تغيره عليها (دل ذلك على حدوثها، وحدوث الهيئة التي كان