Полный текст (189 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ولم ألكم١ وسائر من تأمل ما ذكرته نصحاً لما يوجب عليّ من حق نعم الله فيكم (وأرجوه) ٢ من نيل الثواب بإجابتكم مستعيناً٣ في جميع ذلك بالله ، وتوكلاً٤ عليه، وهو حسبي ونعم الوكيل.
اعلموا - أرشدكم الله - أن الذي مضى عليه سلفنا٥ ومن تبعهم من صالح خلفنا٦ أن الله بعث محمداً ﷺ إلى سائر العالمين٧، وهم أحزاب متشتتون وفرق متباينون٨. منهم كتابي٩ يدعو١٠ إلى الله بما تعبد١١ به في كتابه،
الحواشي
(٢٨) .
وقال الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ الأعراف آية(١٥٨) . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ "قل" يا محمد للناس كلهم: "إني رسول الله إليكم جميعاً" لا إلى بعضكم دون بعض. (انظر: تفسيره ١٣/١٧٠ طبعة أحمد شاكر) .
وأخرج البخاري في صحيحه حديث جابر بن عبد الله ﵁ وفيه: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة وأعطيت الشفاعة". (انظر: كتاب التيمم باب ١ ج١/٨٦، وكتاب الصلاة باب ٥٦ ج١/١١٣، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/٣٧٠، والدارمي في كتاب الصلاة باب الأرض كلها طهور خلا المقبرة والحمام ١/٣٢٣.
٨ كانت البشرية جمعاء قبل بعثة النبي ﷺ في ظلام دامس، وجاهلية عمياء، وأودت بحياة البشرية وأخذتها إلى الضياع ولقد تكلم البغدادي في الفرق بين الفرق عن أصنافهم وأوصافهم بكلام جيد يطول ذكره هنا، فليراجع في كتابه المشار إليه ص٣٥٣، وكذلك اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ص٢.
٩ المراد بالكتابي: كل من انتسب أو دان بديانة اليهود والنصارى وسموا أهل كتاب؛ لأن الله أنزل عليهم كتباً وهي: "التوراة والإنجيل" ولقد قسم الشهرستاني في الملل والنحل أهل الكتاب قسمين: قسم له كتاب محقق، مثل التوراة والإنجيل، وهم أمة اليهود وأمة النصارى، وقسم له شبهة الكتاب، مثل المجوس والمانوية. (انظر: كتابه ١/١٨٩) .
ولعل ما يشهد لكلام الشهرستاني هذا ما جاء في الأحاديث أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر - انظر: سنن الدارقطني باب جزية المجوس ٢/١٥٤، ١٥٥- ولأن في أخذ الجزية منهم إلحاق لهم بأهل الكتاب، إلا أن القرآن الكريم يعني بأهل الكتاب "اليهود والنصارى" انظر: ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ...﴾ ٢/٦٥ من طبعة دار الشعب بالقاهرة.
١٠ في الأصل "تدعو" وما أثبته من (ت) .
١١ في (ت) تقول.стр. 72
وفلسفي١ قد تشعبت به الأباطيل في أمور يدعيها بقضايا العقول٢.
وبرهمي٣ تنكر أن يكون لله رسول، ودهري٤ يدعي الإهمال٥ ويخبط في عشو الضلال. وثنوي٦ قد اشتملت عليه الحيرة، ومجوسي يدعي ما ليس له به خبرة، وصاحب
الحواشي
(٢٤) .
ولقد أصبح العالم اليوم يسخر من الذين يقولون ذلك، ويعده من سخافة العقول، وخاصة بعدما تطورت العلوم، وأرى الله الناس من آياته ما يدل على وجوده، ولعلي أشير إلى بعض أقوال العلماء الذين اعترفوا بذلك فيما يأتي إن شاء الله، وانظر أيضا: الملل والنحل ٢/٣.
٥ في (ت) الإمهال.
٦ الثنوية والمجوسية: ديانتان متفقتان على قول واحد، مع فروق قليلة فيه.
يقول الشهرستاني في حديثه عن الثنوية: أنهم يزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان، بخلاف المجوس فإنهم قالوا بحدوث الظلام، وذكروا سبب حدوثه، وهؤلاء قالوا بتساويهما في القدم. (انظر: الملل والنحل ١/٢٢٤) .
ويقول البغدادي عن الثنوية: أنهم زعموا أن النور والظلمة صانعان قديمان، والنور منهما فاعل الخيرات والمنافع، والظلام فاعل الشرور والمضار. ثم يقول عن المجوس: بأنهم شاركوا الثنوية في اعتقاد صانعين، غير أنهم زعموا أن أحد الصانعين قديم، وهو الإله الفاعل للخيرات، والآخر شيطان محدث فاعل للشرور. (انظر: الفرق بين الفرق ص٢٨٥) .стр. 73
صنم يعتكف عليه، ويزعم أنّ له رباً يتقرب بعبادة ذلك الصنم إليه١. لينبههم جميعاً على حدوثهم، ويدعوهم إلى توحيد المحدث لهم٢ ويبين لهم طرق معرفته بما فيهم من آثار صنعته، ويأمرهم برفض كل ما كانوا٣ عليه من سائر الأباطيل.
بعد تنبيهه ﵇ لهم على فسادها٤، ودلالته على صدقه فيما يخبرهم به
الحواشي
(١) ١ كان العرب في الجاهلية منغمسون في الوثنية بأبشع صورها وأشكالها، فكان لكل بيت صنم يعبدونه، ويعكفون عليه.
يقول الكلبي في ذلك: "كان لأهل كل دار في مكة صنم في دارهم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به، وإذا قدم من السفر كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح أيضاً" (انظر: كتاب الأصنام ص٣٣) .
والأشعري بكلامه هنا يبين الدافع والسبب الذي أدى بالمشركين إلى عبادة هذه الأصنام والعكوف عليها، وهو: زعمهم أنها تقربهم إلى الله زلفى، فهم كانوا يعرفون أن لهم رباً وإلهاً، ولكنهم كانوا يتوسلون إليه فقط بهذه الأصنام، فسماهم الله مشركين لاتخاذهم الوسائط والشفعاء، ولقد وقع في هذا بعض المسلمين، فتوسلوا بالأنبياء والصالحين، ولم يكن لهم حجة ولا برهان إلا ما سار فيه أهل الجاهلية السابقون، وصدق الرسول الكريم ﷺ لما قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب اتبعتموهم. قلنا يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ". الحديث أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام باب ١٤ ج٨/١٥١، ومسلم في كتاب العلم باب ٣ ج٤/٢٠٥٤، وابن ماجه في كتاب الفتن باب ١٧ ج٢/١٣٢٢.
٢ ينص الأشعري على أن النبي ﷺ أرسل إلى الطوائف التي سبق أن أشار إليها في كلامه، وكان على رأس دعوته إليهم العودة بهم إلى ربهم، وإلى توحيده وحده والخضوع له .
والواقع أن توحيد الله هو أساس الديانات كلها فما من رسول بعثه الله إلا وجعل رأس دعوته "التوحيد" واستعرض قصص القرآن كله وخاصة سورتي الأعراف وهود لترى أن كل نبي ابتدأ خطاب قومه بقوله "اعبدوا الله ما لكم من إله غيره".
ولا يفوتني هنا أن أنص على أمرين هامين:
أولهما: أن المراد بتوحيد الله ما نص عليه علماء السلف من توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
ثانيهما: يتحتم على كل داعية إلى الله أن يبدأ دعوته بتعليم قومه التوحيد، فإذا علموه انتقل بعد ذلك إلى الشرائع والأحكام، والتوحيد هو الأساس والأصل، وبدونه ينتفي الدين والإيمان، ولا عذر هنا لأحد يظن أو يتوهم أن هذا الأمر فيه تفريق للأمة، وقضاء على وحدتها، فالنجاح الكامل في اتباع منهج النبوة، والله الهادي إلى سواء السبيل.
٣ في الأصل "ما كان" والتصحيح من (ت) وهو الصواب الذي به يستقيم المعنى.
٤ ذكرت سابقاً التعليق على ما سبق أن ذكره الأشعري من حال الناس قبل بعثة النبي ﷺ وما صاروا إليه من فساد وضلال فدعا النبي ﷺ إلى الله على بينة وبصيرة، موضحاً لكل أمة فساد ما هم عليه من الضلال.
فمثلاً في جزيرة العرب دعاهم إلى التوحيد، وبين لهم أن آلهتهم التي يشركونها مع الله لا تملك لنفسها أقل نفع فضلاً عن غيرها، وإليك هذا المثل القرآني الرائع الذي إذا تأملته البشرية كلها خرت لربها ساجدة، وما جعلت له شريكاً في أي لون من ألوان العبادة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ سورة الحج آية ٧٣، ٧٤.стр. 74
عن ربهم تعالى بالآيات الباهرة والمعجزات القاهرة١، ويوضح لهم سائر ما تعبدهم الله (به) ٢ من شريعته٣.
وأنه ﵇ دعا جماعتهم إلى الله، ونبههم على حدوثهم٤ بما فيهم من اختلاف الصور والهيئات وغير ذلك من اختلاف اللغات، وكشف لهم عن طريق معرفة الفاعل لهم بما فيهم وفي غيرهم، بما يقتضي وجوده٥ يدل على إرادته وتدبيره٦؛
الحواشي
(١) ١ جعل الأشعري آيات الأنبياء دليلاً على صدقهم، ويعني بذلك أنه إذا أتى بالمعجزة فقد ثبت صدقه، وإذا ثبت صدقه وجب اتباعه.
ويقول شارح الطحاوية: "... ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح، لكن دليل غير محصور في المعجزات" (انظر: ص٨٩) .
٢ ما بين المعقوفتين من (ت) .
٣ ذكرت سابقاً الهدف من إرسال الرسل وهو التوحيد. ويتبع ذلك توضيح الشريعة وبيانها ليوحد الله بالعبادة من خلال ما شرع وأمر، وأسوتنا وقدوتنا في ذلك رسول رب العالمين ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ سورة الحشر آية ٧.
٤ في الأصل، و (ت) : "حدثهم"، والصواب ما أثبته.
٥ أشار القرآن الكريم إلى أن العالم حادث، بمعنى أنه خلق ووجد بعد أن لم يكن. قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ .
وقد ذكر الأشعري إجماع السلف على ذلك، وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى.
والأشعري هنا يستدل على حدوث الإنسان بالتغير الواقع فيه ليصل بذلك إلى وجود محدِثه وهو الله تعالى.
والواقع أن الأشعري في هذه النقطة خالف المنهج الصحيح لاستدلاله بالصور والهيئات التي هي عبارة عن الأعراض التي تأتي على الإنسان، وهذا مسلك الفلاسفة والمتكلمين، وهو ما أخذه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وذكره أنه سار خلف طريقة المتكلمين في رسالته هذه. (انظر: مجموع الفتاوى ١٦/٣٨٦، والنبوات ص٤٩، ودرء تعارض العقل والنقل ٧/٢٢٨) .
كما أن الأشعري استدل على حدوث الإنسان، ولم يستدل بحدوثه على وجود الله تعالى، وهناك فرق بين الأمرين، والصواب الاستدلال بحدوثه لا على حدوثه، وقد ذكر ذلك ابن تيمية فقال: "إن الاستدلال على الخالق بخلق الإنسان في غاية الحسن والاستقامة وهي طريقة عقلية صحيحة، وهي شرعية دل القرآن عليها وهدى الناس إليها وبينها، وأرشد إليها، فإن الإنسان هو المستدل وهو الدليل والبرهان. قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ . (انظر: النبوات ص٤٨، وانظر تعليق ابن تيمية على ما ذكره من رسالة الأشعري هذه في درء تعارض العقل والنقل ٧/٢١٩- ٢٢٤) .
ومع هذا فالأشعري ذكر في هذه الرسالة نفسها أن طريقة الاستدلال بالأعراض غير واضحة، وهي مسلك أهل البدع ومن اتبعهم.
وقد أيده في ذلك القول ابن تيمية وذكر ذلك عنه. (انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/١٠، والموافقة ١/٢٤، ٢٥) .
وقد خالف في حدوث العالم الفلاسفة الملاحدة، وقالوا: إن العالم قديم، وفصل الغزالي مذهبهم في كتابه تهافت الفلاسفة، وذكر أنهم استقروا على القول بقدمه، وأنه لم يزل موجوداً مع الله تعالى ومعلولاً له. (انظر: تهافت الفلاسفة ص٧٦، وما بعدها من الطبعة الثانية) .
ويعلل ابن تيمية هذا القول من الفلاسفة فيقول: "وإنما يعظم على الجهال من المتفلسفة وأمثالهم وأشباههم تقرير حدوث العالم وتغيره لأنهم لم يقدروا الله حق قدره". (انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/١٤٥) .
٦ ينص الأشعري على خلق الله للعالم بإرادته وتدبيره، وفي ذلك دفع لكلام الفلاسفة القائلين بأن العالم صدر عن الله صدور المعلول عن العلة كصدور شعاع الشمس من الشمس، ولهم في ذلك كلام يطول عرضه هنا. (انظر: كتاب تهافت الفلاسفة ص١٢٠) .стр. 75
حيث قال : ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ١، فنبههم بتقلبهم في سائر الهيئات التي كانوا عليها (على ذلك وشرح ذلك) ٢ بقوله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٣.
وهذا من أوضح (ما يقتضي الدلالة على حدث٤ الإنسان) ٥، ووجود المحدث له من قبل أن العلم قد أحاط بأن كل متغير لا يكون قديماً، وذلك أن تغيره يقتضي مفارقة حال كان عليها قبل تغيره وكونه قديماً ينفي تلك الحال، فإذا حصل متغيراً بما ذكرناه من الهيئات التي لم يكن٦ قبل تغيره عليها (دل ذلك على حدوثها، وحدوث الهيئة التي كان
الحواشي
(٢١) .
وهذه الآية من الآيات التي استدل بها الأشعري على وجود الله سبحانه ووحدانيته، لأنها تلفت نظر الإنسان إلى التأمل في ذاته، وسيأتي مزيد توضيح لهذه الآية في الآية التالية، وانظر تعليق البيهقي عليها في الاعتقاد ص٨، وابن القيم في الجواب الكافي ص٢٣.
٢ ما بين المعقوفتين من نسخة ابن تيمية وفي الأصل "على الله شرح ذلك". وفي (ت) "على ذلك شرح"، ولعل الأولى حذف الجار والمجرور "على ذلك"، والكلام مستقيم بدونه.
٣ المؤمنون آية: (١٢، ١٣) .
وقد ذكر الأشعري أن هذه الآية شرح لما قبلها، وهو بهذا يحدد لنا مجال النظر الذي أمر به القرآن، وهو أن ينظر الإنسان في أصل خلقته، والأطوار والمراحل التي مر بها، وهي سبعة كما في الآية، ثم ينتقل من هذا النظر إلى الإقرار بالله رباً ومعبوداً، وهذا هو الهدف من النظر كما قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ . وانظر كلام البيهقي حول الآية في كتاب الاعتقاد ص٩.
ويقول محمد الأمين الشنقيطي: "بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أطوار خلق الإنسان ونقله له من حال إلى حال، ليدل خلقه بذلك على كمال قدرته واستحقاقه للعبادة وحده جل وعلا". (انظر: أضواء البيان ٥/٧٧٦) .
٤ في الأصل: "حدوث"، ولعل الصواب ما أثبته.
٥ ما بين المعقوفتين في (ت) هكذا "ما يقتضي وجوده ويدل على إرادته وتدبيره حيث قال الدلالة على حدوث الإنسان".
٦ ساقطة من (ت) .стр. 76
عليها قبل حدوثها) ١؛ إذ لو كانت قديمة لما جاز عدمها، وذلك أن (القديم) ٢ لا يجوز عدمه٣.
وإن كان هذا على ما قلنا وجب أن يكون ما عليه الأجسام من التغير منتهياً إلى هيئات محدثة لم تكن٤ الأجسام قبلها موجودة، بل كانت قبلها محدثة، ويدل ترتيب ذلك على محدث قادر حكيم من قبل أن ذلك لا يجوز أن يقع بالاتفاق٥ فيتم من غير مرتب له، ولا قاصد إلى ما وجد منه فيها
الحواشي
(١) ١ ما بين المعقوفتين هنا مخالف لما في (ت) ولفظه هناك: "وكونه قديماً ينفي تلك الهيئة التي كان عليها قبل حدوثها".
٢ في الأصل: "العدم" والتصحيح من (ت) .
٣ يقيم الأشعري هنا دليلاً عقلياً على وجود الله ، وهذا الدليل يسمى عند المتكلمين "بطريق الوجود"، ويقولون فيه: إن العقل ليقتضي بضرورة إثبات وجود موجِد لهذا الكون سابق وجوده عليه. وذلك أن كل موجود متغير، وكل متغير حادث، وكل حادث لابد له من موجِد أحدث وجوده.
فإذا نظر الإنسان بتأمل فيما حوله من الكائنات أدرك وأيقن بالمشاهدة أن هذه الموجودات لابد لها من موجد أحدث وجودها وما فيها من تغير، وقد توسع المتكلمون في ذكر هذا الدليل وتقريره، وذكره ابن تيمية عنهم وذكر ما فيه من حق وما عليه من قصور، حيث إنه لا يتعدى إلى إثبات توحيد الألوهية بعد إثباته للربوبية. (انظر: مجموع الفتاوى ج٢/٧- ٢٥) .
ورغم أننا لا نوافق الفلاسفة والمتكلمين عموماً إلا أن القرآن الكريم وجه الإنسان إلى النظر في الموجودات بتأمل وتدبر ليعلم من حالها ضرورة افتقارها إلى خالق لها، مدبر أمرها، هو الله تعالى ثم ينتقل من ذلك كله إلى إفراد الله بالعبادة والوحدانية، لأنه هو المقصود من الاستدلال.
ولقد سلك المتكلمون لإثبات وجود الله طرقاً متعددة حصرها صاحب المواقف في أربع طرق. (انظر: المواقف للإيجي ص٢٦٦) .
ويقول "خليل هراس" عنهم: "إن المتقدمون منهم بنوا رأيهم في إثبات الله تعالى على حدوث العالم ذهاباً منهم إلى أن الحدوث هو العلة المحوجة إلى المؤثر، وأنه إذا ثبت أن العالم حادث كان لابد من محدث يخرجه من حيز العدم إلى حيز الوجود، ويقول المتكلمون: إن هذه قضية بديهية، ويوافقهم ابن تيمية على ذلك، إلا أنه لا يسلم لهم طريقتهم في إثبات حدوث العالم". (انظر: كتابه ابن تيمية السلفي ص٧٠، ٧١) .
٤ في (ت) "لم يكن".
٥ في (ت) "إلا باتفاق"، والاتفاق هنا معناه المصادفة، تقول وافقت فلاناً في موضع كذا أي: صادفته، (انظر: لسان العرب ١٠/٣٨٢) .
والأشعري هنا يرد على الملاحدة الذين ينكرون وجود الله، ويقولون بأن العالم وجد عن طريق الصدفة، ولو تأمل هؤلاء في أنفسهم، وفي آثار القدرة والحكمة التي أوجدتهم لأيقنت قلوبهم بالقاهر المدبر القادر الحكيم ولكن على القلوب أقفالها!!
وما سبق ذكره وما سيأتي من كلام الأشعري يقيم الحجة على هؤلاء الكافرين ولكني هنا أنقل بعض الاعترافات التي ذكرها بعض علماء العصر الحديث من الكافرين، لأقيم الحجة بها على أنفسهم أولاً، وعلى أمثالهم من الكفرة ثانياً.
يقول "إسحاق نيوتن" العالم الإنجليزي ومكتشف قانون الجاذبية: "لا تشكوا في الخالق فإنه مما لا يعقل أن تكون المصادفات وحدها هي قائدة هذا الوجود" (نقلاً من كتاب العقائد للشيخ حسن البنا ص٥٤) .
ويقول "أينشتين" أكبر عالم كوني في الأعصار الحديثة: "إن ما يراه في الكون يدفع إلى إيمان عميق بوجود قدرة مهيمنة تتراءى حيثما نظرنا في هذا الكون المعجز للأفهام"، ثم يقول: "ذلك هو فهمي لمعنى الألوهية" (نقلاً باختصار من مقال للشيخ محمد الغزالي في مجلة الأمة بعنوان "رحلة من العلم إلى الإيمان") .
ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتاب "الله يتجلى في عصر العلم".
ومع هذا فإن هذا الإيمان لا ينفعهم حتى يعبدوا الله وحده ويؤمنوا برسوله محمد ﷺ لقوله ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار". رواه مسلم في كتاب الإيمان باب ١٧٠/١٣٤، وأحمد في المسند ٢/٣١٧.стр. 77
دون ما كان يجوز وقوعها عليه من الهيئة١ المخالفة لها، وجواز تقدمها في الزمان وتأخرها٢ بذلك إلى محدثها ومرتبها، لأن سلالة الطين والماء المهين يحتمل من الهيئات ضروباً كثيرة٣، لا يقتضي واحد منها سلالة الطين، ولا الماء المهين بنفسه، ولا يجوز أن يقع شيء٤ من ذلك فيها بالاتفاق لاحتمالها لغيره٥.
فإذا وجدنا ما صار إليه الإنسان في هيئته المخصوصة به دون غيره من الأجسام، وما فيه من الآلات المعدة لمصالحه كسمعه وبصره، وشمه وحسه، وآلات ذوقه٦، وما أعد
الحواشي
(١) ١ في (ت) "الهيئات".
٢ في (ت) "تأخرها وحاجتها تلك" ولعل الصواب: "وتأخرها وحاجتها بذلك" كما جاءت العبارة في نسخة ابن تيمية.
٣ في الأصل "ضرورياً كثيراً" وما أثبته من (ت) .
٤ في الأصل، و (ت) : "شيئاً" بالنصب، وما أثبته من نسخة ابن تيمية وهو الصواب قطعاً؛ لأنها فاعل يقع.
٥ يبين الأشعري النظر إلى أن الصدفة لا يمكن لها أن تقيم هذا النظام البديع الدقيق المتمثل في هذه السنن الكونية من خلق وتكوين وتنشئة وتطور.
فالإنسان مثلاً يعلق نطفة في الرحم، ثم تمر به عدة مراحل لا دخل لأحد غير الله فيها، يخرج بعدها بشراً سوياً، وأصله من طين ثم من ماء مهين ولا يوجد أدنى صلة بين الماء والطين وأعضاء الإنسان وأجزائه، فكيف إذا تكونت هذه الأعضاء بما فيها من دم ولحم وعصب وعظم؟.
ويقول الدكتور "محمود قاسم": "ولو كانت هذه الوظائف وليدة الصدفة، أو توجد من تلقاء ذاتها، لوجب أن توجد للأجسام جميعها دون تفرقة، فوجودها إذن في بعض الأجسام دون بعض دليل على وجود صانع اقتضت إرادته أن تكون مخلوقاته أسمى مرتبة من بعضها الآخر وينطبق هذا القول على الكون بأسره، لأنه مجموعة". (انظر: كتابه ابن رشد وفلسفته الدينية ص١٠٠ من الطبعة الثالثة) .
٦ هذه الحواس التي زود الله الإنسان بها، ليطالع الأشياء التي في متناوله على حقيقتها من أعظم نعم الله على الإنسان وفيها من الحكمة والقصد والإرادة، ما يعجز عن وصفه. قال تعالى منبهاً عباده إلى ذلك: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ سورة السجدة: آية (٧- ٩) .
ويقول ابن القيم عن الحواس التي أنعم الله بها على الإنسان: "... ثم تأمل الحكمة في أن جعل الحواس خمساً في مقابلة المحسوسات الخمس، ليلقى خمساً بخمس، كي لا يبقى شيء من المحسوسات لا يناله بحاسة، فجعل البصر في مقابلة المبصرات، والسمع في مقابلة الأصوات، والشم في مقابلة أنواع الروائح المختلفات، والذوق في مقابلة الكيفيات المذوقات، واللمس في مقابلة الملموسات ..." (انظر: مفتاح دار السعادة ص٢٨٥ من الطبعة الثانية) .стр. 78
له من آلات الغذاء التي لا قوام له إلا بها على ترتيب ما قد حوج١ إليه من ذلك، حتى يوجد في حال حاجته إلى الرضاع بلا أسنان تمنعه من غذائه وتحول بينه وبين مرضعته.
فإذا نقل من ذلك وحوج٢ إلى غذاء لا ينتفع به، ولا يصل منه إلى غرضه إلا بطحنها له جعل له منها بقدر ما به الحاجة في ذلك إليه٣.
والمعدة المُعَدَّة٤ لطبخ٥ ما يصل إليها من ذلك، وتلطيفه٦ حتى يصل إلى الشعر والظفر، وغير ذلك من سائر الأعضاء في مجار لطاف قد هيئت لذلك بمقدار ما يقيمها٧، والكبد المعدّة لتسخينها بما يصل من حرارة القلب٨، والرئة المهيأة لإخراج بخار الحرارة التي في القلب، وإدخال ما يعتدل به من الهواء البارد باجتذاب المناخر٩،
الحواشي
(١) ١ هكذا في الأصل، و (ت) وعند ابن تيمية: "أحوج".
٢ هكذا بالأصل، و (ت) وفي نسخة ابن تيمية "وخرج".
٣ اقتضت حكمة الله أن يمر الإنسان بمراحل في تنشئته فمن صبا وطفولة، إلى شباب وفتوة، إلى كهولة وشيخوخة، وقد أعد الله لكل مرحلة ما يناسبها.
وقد ذكر ابن القيم كلاماً نفيساً حول ذلك، فلينظر في كتابه "مفتاح دار السعادة".
ومما قال: "... فحين تولد قد تلمظت وحركت شفتيك للرضاع فتجد الثدي المعلق كالأداوة قد تدلي إليك، وأقبل بدوره عليك... إلى أن قال: حتى إذا قوي بدنك واتسعت أمعاؤك، وخشنت عظامك ويقوى عليه لحمك، وضع فيك آلة القطع والطحن، فنصب لك أسناناً تقطع بها الطعام، وطواحين تطحنه بها، فمن الذي حبسها عنك أيام رضاعك رحمة بأمك ولطفاً بها، ثم أعطاكها أيام أكلك رحمة بك وإحساناً إليك ولطفاً بك ... " (انظر: ص٢٧٧) .
٤ ساقطة من (ت) .
٥ في (ت) "أطبخ".
٦ في الأصل "ويلطفه" والتصحيح من (ت) .
٧ المعدة: خزانة يستقر فيها الغذاء فتنضجه وتطبخه وتصلحه إصلاحاً ورتب الله منها مجاري وطرقاً يسوق بها الغذاء إلى كل عضو وعظم وعصب ولحم وشعر وظفر. (انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم ص٢٨١) .
وعلى كل عاقل أن يتأمل أمر هذه المعدة، ويسأل نفسه: إن المعدة تهضم اللحم وهي لحم، فلماذا لا تهضم نفسها؟ ثم هي تهضم مختلف الأصناف والألوان والأشكال بطرق منتظمة دقيقة، تسوقنا إلى أن نردد قول الله : ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ .
٨ للكبد مشاركة فعالة في عملية الهضم، فهو يفرز "العصارة الصفراوية" التي تقوم بأدوار ثلاثة في الهضم، ثم هو ينظم نسبة السكر في الدم وهو أكبر عدة في جسم الإنسان تزن حوالي اثنين من الكيلو جرامات. (انظر: جسم الإنسان في علم الصحة ص٩٥- ١٠١ لحسن نصر ومحيي الدين) .
ويذكر ابن القيم فوائد الكبد فيقول: "وجعل الكبد للتخليص وأخذ صفو الغذاء وألطفه"، والمراد بالتخليص هنا هو قتل الجراثيم. (انظر مفتاح دار السعادة ص٢٨١) .
٩ يوجد في جسم كل إنسان جهاز للتنفس الرئوي، وهو يقوم بتجديد هواء الرئتين باستمرار بطريقة طبيعية، وتسمى عمليتي الشهيق والزفير. (انظر: جسم الإنسان في علم الصحة ص١٢٢) .стр. 79
وما فيها من الآلات المعدة لخروج ما يفضل من الغذاء عن وقت الحاجة في مجاري١ ينفذ ذلك منها٢، وغير ذلك مما يطول شرحه مما لا يصح وقوعه بالاتفاق٣، ولا يستغني فيما هو عليه عن مقوم يرتبه.
إذ كان ذلك لا يصح أن يترتب وينقسم في سلالة الطين والماء المهين بغير صانع ولا مدبر عند كل عاقل متأمل٤، كما لا يصح أن يترتب الدار على ما يحتاج فيها من البناء بغير مدبر يقسم ذلك فيها، ويقصد إلى ترتيبها٥.
ثم زادهم تعالى في٦ ذلك بياناً بقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ
الحواشي
(١) ١ هكذا بالأصل، و (ت) ، وعند ابن تيمية "مجار" بدون ياء.
٢ ركبّ الله في جسم كل إنسان جهاز الإخراج ليتخلص به من فضلات الطعام التي لو بقيت لأضرت بالجسم، وهو جهاز دقيق للغاية، فيه من كمال الصنعة والإتقان ما يعجز عنه وصف الإنسان.
وقد كان رسول الله ﷺ يقول عقب قضاء الحاجة: "غفرانك" أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة باب ١٧ج١/٣٠، والترمذي في كتاب الطهارة باب ٥ج١/١٢، وابن ماجة في كتاب الطهارة باب ١٠ج١/١١٠، وأحمد في المسند ٦/١٥٥، والدارمي في كتاب الوضوء ١/١٧٤.
وعلل الساعاتي عدة تعليلات لهذا الاستغفار واختار منها: أنه ﷺ استغفر لتقصير في شكر نعمة الله عليه بإقداره على إخراج ذلك الخارج، ثم قال: وهو المناسب لما رواه ابن ماجة عن أنس ﵁ قال "كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني" ورواه أيضاً النسائي عن أبي ذر، ورمز السيوطي بصحته والله أعلم. (انظر: الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل ١/٢٧٠) .
٣ انظر ما سبق ذكره في صفحة ١٤٩- ١٥٠.
٤ في (ت) "يتأمل".
٥ هذه من القضايا البديهية التي يؤمن بها الجميع، وهي فطرية ضرورية في النفوس، ويقول ابن تيمية عن هذا المثال وغيره: بأنه من القضايا المعينة الفطرية الضرورية التي لا تحتاج إلى دليل، ثم يقول: "... ولهذا لا تجد أحداً يشك في أن هذه الكتابة لابد لها من كاتب، وهذا البناء لابد له من بان، بل يعلم هذا ضرورة". (انظر: موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول ٣/٩٤) .
ولقد فصل الأشعري هذه النقطة في "اللمع" في الباب الأول، وهو يتكلم عن وجود الصانع وصفته، ومن قوله: "مما يبين ذلك أن القطن لا يجوز أن يتحول غزلاً مفتولاً، ثم ثوباً منسوجاً بغير ناسج صانع، ,لا مدبر، ومن اتخذ قطناً ثم انتظر أن يصير غزلاً مفتولاً، ثم ثوباً منسوجاً بغير صانع ولا ناسج كان عن معقول خارجاً، وفي الجهل والجاً ..." (انظر: ص١٨) .
ويقول ابن الجوزي: "... فإن الإنسان لو مر بقاع ليس بنيان ثم عاد فرأى حائطاً مبنياً علم أنه لابد له من بان بناه، فهذا المهاد الموضوع، وهذا السقف المرفوع، وهذه الأبنية العجيبة القوانين الجارية على وجه الحكمة، أما تدل على صانع!! " (انظر: تلبيس إبليس ص٤١) .
٦ ساقطة من (ت) .стр. 80
اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ ١ فدلهم تعالى بحركة الأفلاك على المقدار الذي بالخلق الحاجة إليه في مصالحهم التي لا يخفى٢ مواقع٣ انتفاعهم بها.
كالليل الذي جعل لسكونهم، ولتبريد ما زاد عليهم من حر الشمس في زروعهم وثمارهم، والنهار الذي جعل لانتشارهم وتصرفهم في معايشهم على القدر الذي يحتملونه في ذلك، ولو كان دهرهم كله ليلاً لأضر بهم ما فيه من الظلمة التي تقطعهم عن التصرف في مصالحهم، وتحول بينهم وبين إدراك منافعهم، وكذلك لو كان دهرهم كله نهاراً لأضر بهم ذلك، ودعاهم ما فيه من الضياء٤ إلى التصرف في طلب المعاش مع حرصهم على ذلك إلا ما لا يطيقونه (فأداهم قلة الراحة إلى عطبهم) ٥، وجعل لهم من النهار قسطاً لتصرفهم لا يجوز بهم قدر الطاقة فيه، وجعل لهم من الليل قسطاً لسكونهم، لا يقصر على قدر حاجتهم لتعتدل في ذلك أحوالهم، وتكمل مصالحهم، "وجعل لهم"٦ من البرد والحر٧ فيهما مقدار ما لهم ولثمارهم ولمواشيهم من الصلاح رفقاً لهم٨، وجعل
الحواشي
(١٩٠) .
هذه الآية لها شأن عظيم، فهي تلفت النظر إلى بديع صنع الله في خلق السماوات والأرض، وما أودع فيهما من الحكم الجليلة والمنافع العظيمة كما أنها تقرر أن الإيمان يتأكد ويثبت عند ملاحظة آيات الله في الكون، وتتبع العلامات التي بثها الله فيه لتدل عليه وتسوق إلى عبادته وتوحيده.
قال ابن كثير: وقد ذم الله من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره وآياته فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ ومدح عباده المؤمنين الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض قائلين: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (انظر: تفسير ابن كثير ٢/١٦١) .
وعن ابن عباس ﵄ قال: "بتُ عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الآية. (انظر: البخاري كتاب التفسير ٦/٥١) .
وقال أبو السعود: "والتنكير في "آيات" للتفخيم كماً وكيفاً، أي الآيات كثيرة عظيمة لا يقادر قدرها، دالة، على تعاجيب شئونه التي من جملتها ما مر من اختصاص الملك العظيم به سبحانه". (انظر: تفسيره إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ١/٦٢٢ مطبعة السعادة بالقاهرة الناشر مكتبة الرياض الحديثة) .
٢ في (ت) "لا تخفى".
٣ في (ت) "واقع".
٤ في (ت) "من الضياء به".
٥ ما بين المعقوفتين من نسخة ابن تيمية، وفي الأصل، و (ت) "فإذا هم قلة الراحة إلى عطيهم".
٦ ساقطة من (ت) .
٧ في (ت) "الحر والبرد".
٨ هكذا بالأصل، و (ت) ، وعند ابن تيمية "بهم".стр. 81
لون ما١ يحيط بهم من السماء ملاوماً لأبصارهم، ولو كان لونها على خلاف ذلك من الألوان لأفسدها٢.
ودلهم على حدثها بما ذكرناه من حركاتها واختلاف هيئاتها٣ كما ذكرنا آنفاً، ودلهم على حاجتها وحاجة الأرض، وما فيهما من الحكم على٤ عظمتهما وثقل أجرامهما إلى إمساكه لهما بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ ٥.
فعرّفنا تعالى أن وقوعهما٦ لا يصح٧ أن يكون من غيره، وأن وقوفهما لا يجوز أن يكون٨ بغير مُوقف لهما٩.
الحواشي
(٤١) .
وفي هذه الآية مظهر من أروع مظاهر العظمة الإلهية، ويشير ابن القيم إلى ذلك بقوله: "ثم تأمل الممسك للسماوات والأرض الحافظ لهما أن تزولا، أو تقعا، أو يتعطل بعض ما فيها، أفترى مَن الممسك لذلك ومَن المقيم بأمره، ومَن المقيم له، فلو تعطلت بعض آلات هذا الدولاب العظيم والحديقة العظيمة من كان يصلحه، وماذا كان عند الخلق كلهم من الحيلة في رده كما كان..." (انظر: مفتاح دار السعادة ص٢٣٣، ٢٣٤) .
وعلق أبو الوفاء درويش على هذه الآية بقوله: "انظر إلى هذه الأجرام التي بثها الله في آفاق السماء بنظام وإحكام وجعلها متماسكة أشد التماسك لا يخرج شيء منها عن المدار الذي وضعه الله فيه، إذ لو خرج شيء منها عن مداره لاصطدم بغيره، فحدثت الطامة الكبرى، وهلك العالم وما فيه. قال تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (انظر: الأسماء الحسنى ص١٨) .
٦ في الأصل "وقوفهما"، وما أثبته من (ت) .
٧ في (ت) "لا يكون".
٨ ساقطة من (ت) .
٩ ساقطة من (ت) .стр. 82
ثم نبهنا على فساد قول الفلاسفة بالطبائع١، وما يدعونه من فعل الأرض، والماء والنار، والهواء في الأشجار، وما يخرج منها من سائر الثمار بقوله : ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى٢ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ﴾ ٣، ثم قال : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٤. ثم نبه تعالى خلقه على أنه واحد باتساق أفعاله وترتيبها وأنه تعالى لا شريك له فيها بقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ، ووجه الفساد بذلك، لو كان إلهان ما اتسق أمرهما على نظام، ولا يتم على إحكام، وكان لابد٥ أن يلحقهما العجز، أو يلحق أحدهما عند التمانع في الأفعال، والقدرة (على ذلك) ٦ وذلك أن كل واحد منهما لا يخلو أن يكون قادراً على ما يقدر عليه الآخر على طريق البدل من (فعل) ٧ الآخر، أو لا يكون كل واحد منهما قادراً على ذلك (فإن "كان" كل واحد منها قادراً على فعل ما يقدر عليه الآخر على طريق البدل من بدل الآخر، أو لا يكون كل واحد منهما
الحواشي
(٤) .
وفيها كما ذكر الأشعري رد بليغ على قول الفلاسفة، ومن سار في ركابهم من أهل الزيغ والضلال، ومنهم طائفة المفوضة من الرافضة التي نفت خلق الله للعالم بكل ما فيه، وقالوا إن الله تعالى خلق محمداً، ثم فوض إليه خلق العالم وتدبيره، فهو الذي خلق العالم دون الله تعالى ثم فوض محمد تدبير العالم إلى علي بن أبي طالب، فهو المدبر الثاني. انظر: في ذلك الفرق بين الفرق ص٢٥١، والتبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن فرق الهالكين ص٧٥) .
٤ سورة الرعد: آية(٤) .
٥ في (ت) "ولو كان لابد".
٦ ما بين المعقوفتين من (ت) ، وفي الأصل "على الله".
٧ ما بين المعقوفتين من نسخة ابن تيمية وفي الأصل، و (ت) كلمة "بدل" مكانها، وما أثبته ألصق بالسياق.стр. 83
قادراً على ذلك) ١، فإن كان واحد منهما قادراً على فعل ما يقدر عليه الآخر بدلاً منه لم يصح أن يفعل كل واحد منهما ما يقدر عليه الآخر إلا بترك الآخر له، وإذا كان كل واحد منهما لا يفعل إلا بترك الآخر له جاز أن يمنع كل واحد منهما صاحبه من ذلك، ومن يجوز٢ أن يُمنع ولا يفعل إلا بترك غيره له فهو مدبَّر عاجز، وإن كان كل واحد منهما لا يقدر فعل مثل مقدور الآخر بدلاً منه وجب عجزهما وحدوث قدرتهما، والعاجز لا يكون إلهاً ولا رباً٣.
الحواشي
(١) ١ لعل ما بين المعقوفتين كتب خطأ من الناسخ، والكلام مستقيم بدونه، وهو هكذا في (ت) وما بين الحاصرتين المزدوجتين منها، والجملة كلها ليست موجودة في نسخة ابن تيمية.
٢ في (ت) "ومتى يجوز".
٣ في هذه الصفحة وما سبقها يسوق الأشعري الدليل على وحدانية الله من خلال الآية الكريمة: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ، إلا أنه ﵀ سلك طريقة المتكلمين في ذلك، وإن كانت طريقة صحيحة مفضية إلى المطلوب إلا أنها ليست المقصودة من الآية، والاستدلال بها في هذا الموطن غير سليم، بل هو مناف للفهم السلفي الدقيق؛ وذلك أن المتكلمين ذهبوا إلى أن الله واحد. بمعنى: عدم مشاركة الغير له في الألوهية، ويقول ابن تيمية: "إن المتقدمين منهم اعتمدوا دليل التمانع، وظنوا أنه هو الدليل المذكور في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ مع أن الأمر ليس كذلك" (انظر: منهاج السنة ٢/٨١) .
ويرى "ابن تيمية" أن المقصود من الآية بيان امتناع الألوهية من جهة الفساد الناشئ عن عبادة ما سوى الله تعالى؛ لأنه لا صلاح للخلق إلا بالمعبود المراد لذاته من جهة غاية أفعالهم ونهاية حركاتهم، وما سوى الله تعالى لا يصلح أن يكون معبوداً، فلو كان فيهما معبود غيره لفسدتا من هذه الجهة فإنه سبحانه هو المعبود المحبوب لذاته، كما أنه هو الرب الخالق بمشيئته وهذا هو معنى قول النبي ﷺ أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
ويوضح الدكتور "محمد خليل الهراس" وجهة نظر ابن تيمية فيقول: "فالآية في نظر "ابن تيمية" ليس المقصود منها تقرير توحيد الربوبية وبيان أنه سبحانه الخالق لكل شيء، فإن هذا النوع من التوحيد كان يعرفه المشركون من العرب وغيرهم في نظر "ابن تيمية" ثم يقول: "ولكن المقصود منها هو تقرير التوحيد في الألوهية بمعنى بيان امتناع وجود إله يستحق العبادة مع الله، وهو متضمن أيضاً لتوحيد الربوبية، والحاصل أن ابن تيمية يرى أن برهان التمنانع الذي ذهب إليه نظار المتكلمين كاف في إثبات امتناع صدور العالم عن اثنين الذي هو توحيد الربوبية، ولكنه قاصر عن توحيد الألوهية، والقرآن إنما جاء بتقرير النوعين معاً". (انظر: كتابه ابن تيمية السلفي ص٨٨) .
ومما تجدر الإشارة إليه هنا: أن "ابن تيمية" لم يبطل طريقة المتكلمين التي ذكرها الأشعري، وإنما أشار إلى أنها ليست طريقة القرآن وإن كانت طريقة عقلية صحيحة، وطريقته في ذلك هي تقرير توحيد الألوهية المتضمن لتوحيد الربوبية، ويذكر ابن تيمية أن أعظم دليل جاء في ذلك هو قول الله جل ذكره: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (المؤمنون/ ٩١) فهذه الآية ذكر فيها برهانين يقينين على امتناع أن يكون مع الله إله آخر بقوله: ﴿إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ، وقد عرف أنه لم يذهب كل إله بما خلق، ولا علا بعضهم على بعض.
ويستمر "ابن تيمية" في الكلام على هذه الآية مبيناً أن توحيد الله وعبادته أمر هام جداً دعا إليه القرآن ووضحه الرسول توضيحاً شافياً؛ لأن الحاجة تدعو إليه، وخاصة أن مشركي قريش كانوا يعترفون بتوحيد الربوبية. (انظر: منهاج السنة ٢/٨٤- ٩٠) .
وهذا التحليل الذي عرضه "ابن تيمية" لهذه القضية يدل على أنه ﵀ كان صاحب فهم دقيق عميق بكتاب الله جل ذكره.
ولقد أشاد بهذا الفهم الدكتور "محمد خليل الهراس" فعقب على كلام ابن تيمية بقوله: "ومن الحق أن نقرر أننا لم نجد من سبق "ابن تيمية" إلى تفسير تلك الآية، وتقرير ما فيها من الأدلة على التوحيد على هذا النحو من البسط والبيان". (انظر: كتابه ابن تيمية السلفي ص٩١) ، وانظر: شرح وتعليق "ابن القيم" على هذه الآية في مختصر الصواعق ١/٩٥) .
ولقد تعرض الأشعري أيضاً في اللمع لهذه المسألة، واستدل بالآية نفسها، وكلامه هناك يشبه تماماً ما في رسائل الثغر التي معنا، بل هناك تعبيرات تكاد تكون واحدة، وهذا مما يقطع بثبوت الرسالة له بلا نزاع. (انظر: اللمع ٢٠/٢١) .стр. 84
ثم نبه المنكرين للإعادة مع إقرارهم بالابتداء١ على جواز إعادته تعالى لهم حيث قال لهم: لما استكبروها٢، وقالوا: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ٣.
ثم أوضح لهم ذلك بقوله : ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ ٤ فدلهم بما يشاهدونه من جعله النار من (العفار والمرخ)
الحواشي
(٨٠) .
وهذه الآية جاءت دليلاً آخر لتأكيد البعث والجزاء، وقد ذكر الأشعري أنها موضحة للآية السابقة، وذلك أنها تبين أن الذي يخرج من الشجر الأخضر ناراً تحرق لا يمتنع عليه فعل ما أراد، ومن ذلك بعث الأجساد. (وانظر: تفسير الطبري ٢٣/٣٢، وفي ظلال القرآن لسيد قطب ٥/٢٩٧) .
٥ ما بين المعقوفتين من نسخة ابن تيمية وفي الأصل "القشر والمرخ" وفي (ت) "المعشر والمرخ"، والصواب ما جاء في نسخة ابن تيمية، وفي تفسير القرطبي ما يؤكد صحة هذا التعبير في قوله: "ويعني بالآية: ما في المرخ والعفار، وهي زنادة العرب، ومنه قولهم: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، فالعفار الزند وهو الأعلى، والمرخ الزندة وهي الأسفل...". (انظر: تفسير القرطبي ١٥/٥٩، ٦٠، وابن كثير ٦/٥٨١) .
والمرخ: شجر كثير الوري سريعه. (انظر: لسان العرب ٤/٢٢، والقاموس المحيط ١/٢٦٩، ومحاسن التأويل للقاسمي ١٤/٥٠٢١) .стр. 85
وهما شجرتان (خضراوان) ١ إذا حكت٢ إحداهما الأخرى بتحريك الريح لهما اشتعل النار فيهما - على جواز إعادته المياه في العظام النخرة والجلود المتمزقة.
ثم نبه عباد الأصنام بتعريفه لهم على فساد ما صاروا إلى عبادتها٣ مع نحتها بقوله : ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ ٤ ثم قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٥ فبين لهم فساد عبادتها، ووجوب عبادته دونها بأنها إذا كانت لا تصير أصناماً إلا بنحتكم لها، فأنتم أيضاً أولى أن تكونوا على ما أنتم عليه من الصور والهيئات (التي لم تكن) ٦ إلا بفعلي، وإني مع خلقي لكم وما تنحتونه (خالق) ٧ لنحتكم إذ٨ كنت٩ أنا المقدر لكم عليه١٠ والممكن لكم١١ منه١٢.
الحواشي
(٩٥) .
٥ سورة الصافات: آية(٩٦) .
٦ ما بين المعقوفتين غير موجود بالأصل، و (ت) والسياق يقتضيه.
٧ في الأصل "خالقاً" وفي (ت) "خلقاً" وما أثبته من نسخة ابن تيمية وهو الصواب.
٨ في (ت) "إذاً".
٩ ساقطة من (ت) .
١٠ في الأصل كلمة "عليه" مكررة.
١١ في (ت) "لهم".
١٢ مراد الأشعري بكلامه هذا إبطال الآلهة المزيفة التي عبدها المشركون من دون الله تعالى، وإبطال قول القدرية في أن العبد يخلق فعل نفسه، ولقد استدل على ذلك بالآيات التي ذكرها، وقد اختلف العلماء في إعراب "ما" في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وقد ساق "ابن حجر" في الفتح معظم الأقوال في ذلك، ورجح أنها مصدرية ليقرر أن الله خالق لأفعال العباد.
وذهب البعض إلى ترجيح كونها موصولة لمناسبة السياق.
قال أبو حيان: "الظاهر أن "ما" موصولة بمعنى الذي معطوفة على الضمير في "خلقكم"، أي: أنشأ ذواتكم وذوات ما تعملون من الأصنام والعمل هو التصوير والتشكيل، كما يقال: عمل الصانع الخلخال، ويحمل ذلك على أن "ما" بمعنى "الذي" ليتم الاحتجاج بأن كلا من الصنم وعابده هو مخلوق لله تعالى...". (انظر: البحر المحيط ٧/٩٦٧) .
وذهب "ابن تيمية" إلى ذلك وأشار إلى هذا المعنى فقال: "فإنه في أصح القولين "ما" بمعنى "الذي"، والمراد به ما تنحتونه من الأصنام كما قال تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: والله خلقكم وخلق الأصنام التي تنحتونها، ومنه حديث حذيفة عن النبي ﷺ : "إن الله خالق كل صانع وصنعته". ولكن قد يستدل بالآية على أن الله خلق أفعال العباد من وجه آجر - فيقال: إذا كان خالقاً لما يعملونه من المنحوتات لزم أن يكون هو الخالق للتأليف الذي أحدثوه فيها، فإنها إنما صارت أوثاناً بذلك التأليف، وإلا فهي بدون ذلك ليست معمولة لهم، وإذا كان خالقاً للتأليف كان خالقاً لأفعالهم" (انظر: مجموع الفتاوى ٨/١٢١، وانظر كتاب إيثار الحق على الخلق ص٣٤٩- ٣٥٧) .стр. 86
ثم رد على المنكرين لرسوله ﷺ بقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ﴾ ١ وقال: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٢.
ثم احتج النبي ﷺ على أهل الكتاب بما في كتبهم من ذكر صفته، والدلالة على اسمه ونعته٣، وتحدى النصارى لما كتموا ما في كتبهم٤ من ذلك وجحدوه بالمباهلة عند أمر الله له بذلك بقوله تعالى٥: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ ٦.
الحواشي
(٩١) .
ولقد ساق ابن جرير في تفسيره روايات عديدة تفيد أنها نزلت في اليهود، وروايات تفيد أنها نزلت في المشركين، وهو الراجح لمناسبة السياق، لذلك عقب ابن جرير على الروايات بقوله: "وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، قول من قال: عني بقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ مشركو قريش". (انظر: جامع البيان ١١/٥٢٤) .
والآية توبيخ شديد للكافرين بنعم الله على عباده، المنكرين لنزول الوحي من عنده، كما أنها تلزمهم الإيمان بالقرآن، والإقرار بأنه وحي من عند الله، كما آمنوا بالتوراة، وقد أشار أبو السعود في تفسيره إلى ذلك فقال: "وليس المراد بهذا مجرد إلزامهم الاعتراف بإنزال التوراة فقط، بل بإنزال القرآن أيضاً، فإن الاعتراف بإنزالها مستلزم للاعتراف بإنزاله قطعاً لما فيها من الشواهد الناطفة به". (انظر: تفسيره ٢/٢٤٩) .
٢ سورة النساء: آية(١٦٥) .
وهذه الآية حجة من الله على عباده قطع بها عذر من صد عن سبيله وعبد الأنداد من دونه، لأن الله أرسل الرسل مبشرين بثوابه لمن أطاعهم ومنذرين بعقابه لمن خالفهم.
قال ابن جرير فيها: "... فقطع حجة كل مبطل ألحد في توحيده وخالف أمره، بجميع معاني الحجج القاطعة عذره، إعذاراً منه بذلك إليهم لتكون لله الحجة البالغة عليهم، وعلى جميع خلقه". (انظر: تفسيره ٩/٤٠٨) .
٣ أخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن هذه الآية التي في القرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ قال في التوراة: "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين. أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق...." الحديث (البخاري كتاب ٦٥ باب ٣ ج٦/٤٤، ومسند أحمد ٢/١٧٤، وسنن الدارمي ١/٤) .
كما أن عيسى ﵇ بشَّر النصارى بمحمد ﷺ وجاء ذلك صريحاً في القرآن. (انظر سورة الصف: آية ٦) .
٤ في (ت) "كتبهم".
٥ في (ت) " ".
٦ سورة آل عمران: آية(٦١) .
وهي تسمى آية المباهلة، وعن حذيفة ﵁ قال: "جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله إن كان نبياً فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا..". (انظر: البخاري كتاب المغازي ٥/١٢٠، والمسند ١/٤١٤، والترمذي كتاب المناقب باب ٣٢ ج٥/٦٦٧) .
وقد ذكر ابن هشام قصتهم كاملة في سيرته. (انظر: ١/٥٧٣- ٥٧٥ من الطبعة الثانية - طبع شركة الحلبي بالقاهرة) .стр. 87
وقال لليهود لما بهتوه: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١، فلم (يجسر) ٢ أحد٣ منهم على ذلك مع اجتماعهم على تكذيبه، وتناهيهم في عداوته واجتهادهم في التنفير٤ عنه، لما أخبرهم بحلول الموت بهم إن أجابوه إلى ذلك.
فلولا معرفتهم بحاله في كتبهم وصدقه فيما يخبرهم لأقدموا على إجابته ولسارعوا إلى فعل ما يعلمون أنه فيه (توهين) ٥ أمره، ثم إن الله بعد إقامة٦ الحجج عليهم أزعج خواطر جماعتهم للنظر فيما دعاهم إليه ونبههم عليه بالآيات الباهرة والمعجزات القاهرة، وأيده بالقرآن الذي تحدى به فصحاء قومه الذين بعث إليهم لما قالوا إنه مفترى أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات أو بسورة مثله وقد خاطبهم فيه بلغتهم فعجزوا عن ذلك مع إخباره له٧ أنهم لا يأتون بمثله ولو تظاهر على ذلك الإنس والجن٨.
وقطع ﵇ عذرهم به وعذر غيرهم، كما قطع موسى ﵇ عذر السحرة وغيرهم في زمانه بالعصى التي فضحت سحرهم، وبان بما كان منها لهم
الحواشي
(٦) .
وهذه مباهلة خاصة باليهود، وقد ربط ابن كثير بين هذه الآية وبين ما جاء في سورة البقرة من مباهلتهم أيضاً في آية (٩٤، ٩٥) ، وعلق بقوله: "فهم عليهم لعائن الله، لما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى. دعوا إلى المباهلة والدعاء على أكذب الطائفتين منهم، أو من المسلمين، فلما نكلوا عن ذلك علم كل أحد أنهم ظالمون..." (انظر: تفسيره ١/١٨٣) .
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال أبو جهل: لئن رأيت رسول الله ﷺ يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ عنقه قال: فقال: "لو فعل لأخذته الملائكة عياناً، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم في النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون مالاً ولا أهلاً". أخرجه أحمد في المسند ١/٢٤٨، وأخرج البخاري ما يتعلق بأبي جهل في كتاب التفسير عند تفسيره سورة العلق ٦/٢٨٩، وكذلك الترمذي ٥/٢٤٤، وانظر: مجمع الزوائد ٨/٢٢٨.
وذهب ابن حجر في الفتح إلى أن تحدي الله لليهود في القرآن من أظهر معجزات القرآن فقال: "ومن أظهر معجزات القرآن إبقاؤه مع استمرار الإعجاز، وأشهر من ذلك تحديه اليهود أن يتمنوا الموت، فلم يقع ممن سلف منهم، ولا خلف من تصدى لذلك، ولا أقدم مع شدة عداوتهم لهذا الدين، وحرصهم على إفساده، والصد عنه فكان في ذلك أوضح معجزة". (انظر: فتح الباري ٦/٥٨٢) .
٢ ما بين المعقوفتين من (ت) ونسخة ابن تيمية وفي الأصل: "فلم يجيبوه".
٣ في (ت) "أحداً".
٤ في الأصل: "التغير" وما أثبته من (ت) ونسخة ابن تيمية.
٥ ما بين المعقوفتين من نسخة ابن تيمية، وفي الأصل و (ت) "توهن".
٦ في (ت) "إقامته".
٧ في (ت) "لهم".
٨ يشير الأشعري هنا إلى ما جاء في القرآن من تحدي الله للكفرة والمشركين أن يأتوا بمثل القرآن، ولقد كرر الله عليهم هذا التحدي ليظهر عجزهم ويفضح أمرهم، فدعاهم أولاً أن يأتوا بمثله كما في سورة الإسراء آية:(٨٨) ، ثم دعاهم أن يأتوا بعشر سور مثله كما في سورة هود آية:(١٢) ، ثم بسورة واحدة مثله كما في سورة يونس آية:(٣٨) ، ثم بسورة واحدة من مثله كما في سورة البقرة آية:(٢٣) .
وفي كل مرة يفسح لهم المجال ويبيح لهم الاستعانة بمن رغبوا دون قيد أو شرط.
ويلفت الدكتور "عبد الله دراز" النظر إلى أسلوب هذا التحدي فيقول وهو بصدد الكلام عن التحدي الوارد في سورة البقرة: "انظر كيف تنزل معهم في هذه المرتبة من طلب المماثلة إلى طلب شيء مما يماثل، كأنه يقول: لا أكلفكم بالمماثلة العامة، بل حسبكم أن تأتوا بشيء فيه جنس المماثلة ومطلقها، وبما يكون مثلاً على التقريب لا على التحديد، وهذا أقصى ما يمكن من التنزل...". (انظر كتابه: النبأ العظيم ص٨٤) .
والواقع أن القرآن الكريم في قمة المعجزات على الإطلاق بلغ ذروة الإعجاز في نظمه وأسلوبه، وفصاحته وبلاغته، وتأثيره في المؤمنين وحتى الكافرين دليل على ذلك، ويكفي أن رؤساء الكفر والضلال خافوا على أنفسهم من سماعه وحذر بعضهم بعضاً منه، وفي ذلك يقول الله ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ سورة فصلت: آية(٢٦) .
ولقد ذكر الباقلاني بعض وجوه الإعجاز في القرآن في كتابه الإنصاف (انظر: ص٦٢، ٦٣) .
كما عقد "القاضي عياض" في كتابه "الشفا" فصلاً ذكر فيه وجوه الإعجاز في القرآن. (انظر: كتابه ١/٢٥٨) .стр. 88
ولغيرهم أن ذلك من فعل الله وأن ليس يبلغه قدرهم، ولا يطمع فيه خواطرهم١.
وكما قطع عيسى ﵇ عذر من كان في زمانه من الأطباء الذين قد برعوا في معرفة العقاقير، وقواماً٢ في الحشائش، وقدر ينتهي إليه علاجهم "وتبلغه حيلهم"٣، بإحياء الموتى بغير علاج، وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك مما قهرهم به، وأظهر لهم منه ما يعلمون بيسير٤ الفكر أنه خارج عن قدرهم٥ وما يصلون إليه بحيلهم٦.
الحواشي
(١) ١ أيد الله نبيه موسى ﵇ بتسع آيات كما ذكر في كتابه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرائيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ ...﴾ . سورة الإسراء: آية (١٠١، ١٠٢) .
قال ابن عباس: الآيات التسع هي: يده، وعصاه، ولسانه، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. (انظر: تفسير الطبري ١٥/١٧١ من الطبعة الثالثة ١٣٨٨هـ طبع شركة الحلبي بالقاهرة) .
وكان على رأس هذه المعجزات العصا التي أعجزت فرعون الطاغية وحاشيته، ولما رأى السحرة أمرها أيقنوا أن الحق مع صاحبها، وأنه مؤيد من الله الذي يدعو إليه، فخروا له ساجدين، وفي ذلك يقول الله في القرآن الكريم: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ . سورة الأعراف: آية (١١٧- ١٢٢) .
٢ في (ت) "وحواماً" وفي نسخة ابن تيمية "وقوى ما في الحشائش".
٣ ما بين القوسين سقط من (ت) وفي الأصل: "وتبلغوه حيلهم" وما أثبته من نسخة ابن تيمية.
٤ في الأصل "بتيسير" والتصحيح من (ت) .
٥ في الأصل "قهرهم"، وما أثبته من (ت) .
٦ أرسل الله عيسى ﵇ إلى بني إسرائيل، وأيده الله بمعجزات خارقة جمعها القرآن الكريم في خمسة أشياء وهي:
أ - خلق الطين طيراً بإذن الله.
ب- إبراء الأكمه والأبرص بإذن الله.
جـ _ إحياء الموتى بإذن الله.
د - إنزال المائدة له من عند الله.
هـ - الإنباء بأمور غائبة عن حسه.
ويرى الأشعري أن هذه المعجزات جاءت موافقة لما كان عليه أهل عصره وزمانه.
وابن كثير يوافق الأشعري فيما ذهب إليه، ويعرض هذا الأمر بتفصيل فيقول: "كانت معجزة كل نبي في زمانه بما يناسب أهل ذلك الزمان فذكروا أن موسى ﵇ كانت معجزته مما يناسب أهل زمانه، وكانوا سحرة أذكياء ...، وهكذا عيسى بن مريم بعث في زمن الطبائعية الحكماء، فأرسل بمعجزات لا يستطيعونها ولا يهتدون إليها...، وهكذا محمد ﷺ وعليهم أجمعين بعث في زمن الفصحاء البلغاء، فأنزل الله عليه القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه...". (انظر: البداية والنهاية ٢/٨٤) .
ويعرض الدكتور محمد أبو زهرة لرأي ابن كثير، ويرد عليه، ويرى أن معجزة عيسى ﵇ لم تكن على هذا النحو ولكن من بعث فيهم أطباء بل لأنه قد ساد إنكار الروح في أقوال بعضهم وأفعال جميعهم، فجاء ﵇ يعلن عن عالم الروح، ويتمثل ذلك في نفخه للطين المصور على شكل طير فيكون طيراً بإذن الله...". (انظر: كتابه محاضرات في النصرانية ص٢٢) .
وأنا أرى أنه لا معارضة بين القولين، لأننا إذا تأملنا معجزات عيسى ﵇ سنجد أنها جمعت الأمرين معاً، فهي أقهرتهم وأقامت الحجة عليهم لما عجزوا عن معارضتها وهي من جنس ما يفعلون، وهي في نفس الوقت دالة على وجود الروح وأهميتها، ومبينة لمنزلتها ومكانتها. والله أعلم.стр. 89
وكذلك أزاح نبيّنا ﵇ بالقرآن وما فيه من العجائب علل الفصحاء من أهله، وقطع به عذرهم لمعرفتهم١ أنه خارج عما انتهت إليه فصاحتهم في لغاتهم ونظموه في شعرهم وبسطوه في خطبهم، وأوضح لجميع من بعث إليه من الفرق الذي ذكرنا فساد ما كانوا عليه بحجج الله وبيانه، ودل على صحة ما دعاهم٢ إليه ببراهين الله وآياته حتى لم يبق لأحد منهم شبهة فيه (ولا احتيج) ٣ مع ما كان منه ﵇ في ذلك إلى زيادة من غيره، ولو لم يكن ذلك كذلك لم يكن ﵇ حجة على جماعتهم، ولا كانت طاعته لازمة لهم، مع خصامهم وشدة عنادهم٤ قد٥ احتجوا عليه بذلك، ودفعوه عما يوجب طاعتهم له وقرعوه بتقصيره عن إقامة الحجة عليهم فيما يدعوهم إليه مع طول تحديه لهم وكثرة تبكيتهم، وطول مقامه فيهم، ولكنهم لم يجدوا سبيلاً مع حرصهم عليه٦، وإذا كان هذا على ما ذكرناه علم صحة ما ذهبنا٧ إليه في
الحواشي
(١) ١ في (ت) "لمعرفته".
٢ في (ت) "ما دعهم".
٣ في الأصل، و (ت) "احتج"، وما أثبته من نسخة ابن تيمية.
٤ في (ت) "غيارتهم".
٥ هكذا بالأصل، و (ت) ، وفي نسخة ابن تيمية "ولكانوا قد احتجوا".
٦ يشير الأشعري بكلامه السابق إلى أن الله أيد الرسول ﷺ بمعجزة القرآن، وهو غاية في الوضوح والبيان، والفصاحة والإحكام حتى أعجز الجميع عن معارضته، أو الانتقاص من قيمته وشأنه وبذلك أقام الله الحجة عليهم، وقطع به عذرهم.
٧ في (ت) "مذهبنا".стр. 90
دعوته ﵇ إلى التوحيد وإقامة الحجة على ذلك وإيضاحه الطرق إليها١.
وقد أكد الله تعالى دلالة نبوته بما كان من٢ خاص آياته ﵇ التي نقض٣ بها عاداتهم كإطعامه الجماعة الكثيرة في المجاعة الشديدة من الطعام اليسير٤، وسقيهم الماء في العطش الشديد من الماء اليسير، وهو ينبع من بين أصابعه حتى رووا ورويت مواشيهم٥،
الحواشي
(١) ١ أشرت سابقاً إلى أن الله قطع عذر الكافرين ببيان القرآن ووضوحه، وهنا ينص الأشعري على أن الله جعل توحيده وعبادته في المقام الأول من ذلك.
ولقد تعرض ابن القيم لهذه المسألة، وذكر أن حجج الله جمعت بين كونها عقلية، سمعية. ظاهرة واضحة، قليلة المقدمات وذلك مثل قوله تعالى فيما حاج به عباده من إقامة التوحيد وبطلان الشرك وقطع أسبابه، وحسم مواده كلها: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ .
فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين مجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك، وسد بها عليهم أبلغ سد وأحكمه". (انظر: مختصر الصواعق المرسلة ١/٩٤) .
٢ ساقطة من (ت) .
٣ في (ت) "تنقضي".
٤ تكلم الأشعري فيما مضى عن القرآن الكريم، وهو المعجزة المعنوية الكبرى لرسول الله ﷺ ثم أتبع بذكر بعض المعجزات الحسية، وهي كثيرة جداً، وبعضها تكرر مراراً كتكثير الطعام وفوران الماء وهي ثابتة ثبوتاً قطعياً عند أهل العلم بالسنن والآثار.
قال البيهقي: "ودلائل النبوة كثيرة، والأخبار بظهور المعجزات ناطقة، وهي وإن كانت في آحاد أعيانها غير متواترة، ففي جنسها متواترة متظاهرة من طريق المعنى، لأن كل شيء منها مشاكل لصاحبه في أنه أمر مزعج للخواطر ناقض العادات، وهذا أحد وجوه التواتر التي يثبت بها الحجة ويقطع بها العذر". (انظر: الاعتقاد ص١٢٧) .
وقال ابن حجر: "... وأما ما عدا القرآن من نبع الماء من بين أصابعه وتكثير الطعام، وانشقاق القمر، ونطق الجماد، فمنه ما وقع التحدي به، ومنه ما وقع دالاً على صدقه من غير سبق تحد، ومجموع ذلك يفيد القطع بأنه ظهر على يديه ﷺ من خوارق العادات شيء كثير". (انظر: فتح الباري ٦/٥٨٢) .
وأما إطعام الجماعة الكثيرة من الطعام اليسير فقد أخرجه البخاري في عدة مواضع، وكذلك مسلم وغيرهما، ومن ذلك ما جاء عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ دعا أهل الخندق قائلاً: "إن جابراً قد صنع لكم سؤراً فحي هلا بكم، ثم قال لجابر: لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء، فجئت وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس حتى جئت امرأتي، فقالت: بك، وبك، فقلت: قد فعلت الذي قلت، فأخرجت له عجيناً، فبصق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك، ثم قال: ادعي خابزة لتخبز معك، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها، وهم ألف، فأقسم بالله، لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا لتخبز كما هو". (انظر: البخاري كتاب المغازي باب ٢٩ج٥١/٤٦، ٤٧، ومسلم كتاب الأشربة باب ١٩ج٣/١٦١١، ودلائل النبوة للأصبهاني ص٣٥٣.
٥ أخرج البخاري في كتاب المناقب باب ٢٥ عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: "رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر، فالتمس الوضوء فلم يجده، فأوتي رسول الله ﷺ بوضوء، فوضع رسول الله ﷺ يده في ذلك الإناء، فأمر الناس أن يتوضؤا منه، فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم". (انظر: ٤/١٧٠) ، والحديث هكذا في مسلم كتاب الفضائل باب ٣ ج٤/ ١٧٨٣.
وأخرجه البخاري أيضاً من حديث جابر وفيه يقول: "... فوضع النبي ﷺ يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون. قال: فشربنا وتوضأنا، قيل لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة". (انظر كتاب المغازي باب ... ج٥/٦٣) .
وقد عقد الأصبهاني في الدلائل مقارنة بين نبوع الماء من بين أصابعه ﷺ وبين حجر موسى ﵇ وبين أن معجزة النبي ﷺ أعظم وأبلغ. (انظر دلائل النبوة ص ٣٤٥) .
وقد ذكر الأشعري أن المواشي قد رويت من هذا الماء، ولم أقف على نص في ذلك، ولكن الماء إذا توافر وكان كثيراً استفاد منه من يحتاج إليه انساناً كان أو حيواناً وهذا واضح بحمد الله.стр. 91
وكلام الذئب١، وإخبار الذراع المشوية أنها مسمومة٢، وانشقاق القمر٣، ومجيء الشجرة
إليه عند دعائها إليه ورجوعها إلى مكانها بأمره لها٤، وإخباره لهم عليه
الحواشي
(١) ١ أخرج أحمد في مسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: "عدا الذئب على شاة فأخذها، فطلبه الراعي فانتزعها منه، فأقعى الذئب على ذنبه، فقال: ألا تتقي الله؟ تنزع مني رزقاً ساقه الله إلي، فقال: يا عجبي ذئب يكلمني كلام الإنس! فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك. محمد ﷺ بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق، قال: فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فأمر رسول الله ﷺ فنودي الصلاة جامعة، ثم خرج، فقال للراعي: أخبرهم فأخبرهم، فقال رسول الله ﷺ : صدق ...الحديث". (انظر المسند ٢/٣٠٦، ورواه أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري انظر: ٣/٨٣، ٨٤) .
وقال الهيثمي بعد رواية أبي سعيد الخدري: "رواه أحمد والبزار بنحوه باختصار، ورجال أحد إسنادي أحمد رجال الصحيح، وقال بعد رواية أبي هريرة التي ذكرناها: هو في الصحيح باختصار، ورواه أحمد ورجاله ثقات". انظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ٨/٢٩١، ٢٩٢) .
كما أخرج القصة ابن كثير تحت عنوان "قصة الذئب وشهادته بالرسالة" ثم قال بعد سردها، وهذا إسناد على شرط الصحيح، وقد صححه البيهقي. (انظر: البداية والنهاية ٦/١٤٣) .
٢ بوب البخاري في الصحيح لذلك بقوله: "باب الشاة التي سمت للنبي ﷺ بخيبر، وروى عن أبي هريرة أنه قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سم" (انظر كتاب المغازي باب ٤١ ج٥/٨٤) .
وأخرج أحمد في مسنده عن ابن عباس ﵄ أن امرأة من اليهود أهدت لرسول الله ﷺ شاة مسمومة فأرسل إليها فقال ما حملك على ما صنعت؟ قالت: أحببت أو أردت إن كنت نبياً فإن الله سيطلعك عليه ... الحديث"
قال الهيثمي: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير هلال بن خباب وهو ثقة" (انظر: مجمع الزوائد ٨/٢٩٥، والفتح الرباني للساعاتي ٢١/١٢٤) .
وقد أخرج ابن هشام القصة كاملة في سيرته، وذكر أن رسول الله ﷺ قال: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم. (انظر: سيرة ابن هشام ٣/٣٣٨) .
٣ أخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقين، فقال النبي ﷺ : اشهدوا" (انظر كتاب المناقب باب ٢٦ ج٤/١٨٦، وأخرجه مسلم في كتاب المنافقين باب ٤٣ ج٤/٥٠، وأحمد في مسنده ١/٣٧٧، وانظر دلائل النبوة للبيهقي ٢/٤٠، ودلائل النبوة للأصبهاني ص٢٣٣- ٢٣٦) .
٤ عن ابن عمر ﵄ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فأقبل أعرابي، فلما دنا قال له النبي ﷺ أين تريد؟ قال: إلى أهلي، قال: هل لك في خير؟ قال: وما هو؟ قال تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمد عبده ورسوله، قال: من شاهد على ما تقول؟ قال: هذه الشجرة، فدعاها رسول الله ﷺ وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تخد الأرض خداً، حتى جاءت بين يديه فاستشهدها ثلاثاً فشهدت أنه كما قال، ثم رجعت إلى منبتها...". (رواه الطبراني في الكبير ١٢/٤٣٢) .
وقال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح" (انظر: مجمع الزوائد ج٨/٢٩٢) .
وقد ذكر أحمد في مسنده مجيء الشجرة لاستتار النبي ﷺ في قضاء الحاجة. (انظر: المسند ٤/١٧٢) .стр. 92
السلام بما تجنه١ صدورهم، وما يغيبون٢ به عنه من أخبارهم٣، ثم دعاهم ﵇ إلى معرفة الله وإلى طاعته فيما كلف تبليغه إليهم بقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ٤، وعرفهم أمر الله تعالى بإبلاغه ذلك، وما ضمنه٥ له من عصمته منهم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ٦ فعصمه٧ الله منهم مع كثرتهم وشدة
الحواشي
(٥٩) .
ويتبين من هذه الآية ونظائرها أن الله أوجب في كتابه اتباع سنة نبيه ﷺ وهذا يجب التنبيه إليه، حيث إن كثيراً من المسلمين أهملوا هذا الجانب، فتركوا السنة، أو ابتعدوا عنها قليلاً أو كثيراً، بحجة أن الله لم يفرض علينا سوى القرآن، والواقع يخالف ذلك، فالذي فرض القرآن هو الذي أوجب علينا اتباع سنة خير الأنام ﷺ ، ولقد قال الشافعي ﵀ في الرسالة: "وضع الله رسوله من دينه وفرضه وكتابه الموضع الذي أبان جل ثناؤه أنه جعله علماً لدينه بما افترض من طاعته، وحرم من معصيته، وأبان من فضيلته بما قرن من الإيمان برسوله مع الإيمان به". (انظر: الرسالة ص٧٣ من الطبعة الأولى ١٣٥٨هـ) .
وقال الشوكاني عقب ذكره للآيات الآمرة باتباع النبي ﷺ : "ويستفاد من جميع ما ذكره أن ما أمره به رسول الله ﷺ ونهى عنه كان الأخذ به واتباعه واجباً بأمر الله سبحانه، وكانت الطاعة لرسول الله في ذلك طاعة لله، وكان الأمر من رسول الله أمراً من الله". (انظر: شرح الصدور بتحريم رفع القبور ص١١) .
٥ في الأصل، و (ت) "لهم". وأثبته من نسخة ابن تيمية وهو الصواب.
٦ المائدة آية:(٦٧) .
وهذه الآية تفيد إفادة قطعية أن النبي ﷺ بلغ الإبلاغ المبين، وجاهد في سبيل ذلك حتى أتاه اليقين.
وقد أخرج البخاري في تفسيره لهذه الآية قول عائشة ﵂ "من حدثك أن محمداً كتم شيئاً مما أنزل عليه فقد كذب، الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (انظر: تفسير المائدة ٥/١٨٨، وسورة النجم ٦/٢٥٠، وكتاب التوحيد باب ٤٦ ج٨/٢١٠، ومسلم كتاب الإيمان باب ٧٧ج١/١٥٩، والترمذي كتاب التفسير باب ٧ ج٥/٢٦٢) .
وفي هذه الآية أيضاً رد على الباطنية والروافض وغلاة المتصوفة الذين يقولون بالظاهر والباطن.
ولقد تعرض لهم رشيد رضا في تفسيره للآية فقال: "... فأما الباطنية فأئمتهم في مذاهبهم زنادقة..، وأما المتصوفة فقد راج على بعضهم بعض الشبهات والتأويلات لضعفهم في علم الكتاب والسنة، ثم قال: والحق الذي لا مرية فيه أن الرسول ﷺ بلغ جميع ما أنزل إليه من القرآن وبينه، ولم يخص أحداً بشيء من علم الدين، وأنه لا يمتاز أحد في علم الدين على أحد إلا بفهم القرآن..." (انظر تفسيره: ٦/٤٦٣- ٤٧٤) .
٧ في الأصل: "فعصمة" بالتاء، وما أثبته من (ت) ونسخة ابن تيمية.стр. 93
بأسهم، وما كانوا عليه من شدة عنادهم وعداوتهم له حتى بلغ رسالة ربه تعالى إليهم مع (كثرتهم) ١، ووحدته٢ وتبري أهله منه، ومعاداة عشيرته، وقصد جميع المخالفين له حين سفه آراءهم فيما كانوا عليه من تعظيم أصنامهم، وعبادة النيران وتعظيم الكواكب٣ وإنكار الربوبية٤ وغير ذلك مما كانوا عليه حتى بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وأوضح الحجة في فساد جميع ما نهاهم عنه مما كانوا عليه، ودلهم على صحة جميع ما دعاهم إلى اعتقاده وفعله بحجج الله وتبيانه (لهم) ٥.
وأنه ﵇ لم يؤخر عنهم بيان شيء مما دعاهم إليه عن وقت تكليفه لهم، وإنما جوز فريق من أهل العلم تأخير البيان فيما (أجمله) ٦ الله من الأحكام قبل بروز فعله لهم، فأما تأخير ذلك عن وقت فعله فغير جائز عند كافتهم٧.
الحواشي
(١) ١ ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، وأثبته من (ت) ، ونسخة ابن تيمية.
٢ هكذا بالأصل ونسخة ابن تيمية وفي (ت) "وحدته".
٣ وقد وقع هذا من المجوس، وقد سبق التعريف بهم. (انظر ص١٤٢، والملل والنحل ٢/٧٠- ٩٣ عل هامش الفصل لابن حزم.
٤ وقد وقع هذا من الدهريين. (انظر ما تقدم ذكره عنهم ص١٤١) ، أما مشركو العرب فكانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية مع إشراكهم بالله في توحيد الألوهية ولم ينفعهم إيمانهم بالربوبية وحده، بل ضرب الرسول ﷺ رقابهم في بدر لكونهم أشركوا بالله في الألوهية.
٥ ما بين المعقوفتين ساقط من (ت) .
سبق أن أشرت إلى تعريف الطوائف التي ذكرها الأشعري، وأخبر أن النبي ﷺ دعاها إلى الله وإلى عبادته وحده لا شريك له، وهنا ينص على أن النبي ﷺ لم يدخر وسعاً في تبليغ رسالة الله إلى هذه الطوائف كلها رغم العوائق الكثيرة في طريقه، ولم يداهن أحداًًً من قومه رغم وقوفهم جميعاً ضده، بل دعا إلى الله على بينة وبصيرة من ربه.
وتتجلى قدرة الله وعظمته هنا، بأن حفظ نبيه ومصطفاه منهم، حتى بلغ رسالة ربه كاملة، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
٦ في (ت) "حمله" وفي الأصل "جملة" وما أثبته من نسخة ابن تيمية.
٧ يذكر الأشعري هنا قاعدة اتفق عليها أهل الأصول، وهي أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
قال الفراء البغدادي: "لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأن وقت الحاجة وقت الأداء، فإذا لم يكن مبيناً تعذر الأداء، فلم يكن بد من البيان". (انظر: كتابه العدة في أصول الفقه ٣/٧٢٤، وانظر كذلك شرح الكوكب المنير ص٣٢١) .
وأما تأخير البيان فيما أجمله الله من الأحكام قبل بروز فعله، فقد قال به جمهور الأصوليين، ونص عليه أحمد بن عبد العزيز الفتوحي في شرح الكوكب المنير، وخلاصة ما ذكر: أنه يجوز تأخير البيان وتأخير تبليغ النبي ﷺ الحكم إلى وقت الحاجة، وقال: "حكاه ابن عقيل عن جمهور الفقهاء، وذكره المجد عن أكثر أصحابنا فهو جائز وواقع مطلقاً" (انظر: شرح الكوكب المنير ص٢٣١- ٢٣٢) .
وقال القرافي: "من جوز تكليف ما لا يطاق، جوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وتأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة جائز عندنا...". (انظر شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول ص٢٨٢) .
وبهذا يظهر أن كلام الأشعري أعلاه يوافق موافقة تامة ما قاله علماء الأصول ومراده منه واضح.стр. 94
ومعلوم عند سائر العقلاء أن ما دعا النبي ﷺ إليه من واجهه من أمته من اعتقاد حدثهم ومعرفة المحدث لهم وتوحيده ومعرفة أسمائه١ الحسنى وما هو عليه من صفات نفسه٢ وصفات فعله٣، وتصديقه فيما بلغهم من رسالته مما لا يصح٤ أن يؤخر عنهم البيان فيه٥؛ لأنه ﵇ لم يجعل (لهم) ٦ فيما كلفهم من (ذلك) ٧ من مهلة، ولا أمرهم بفعله في الزمن المتراخي عنه، وإنما أمرهم بفعل (ذلك) ٨ على الفور، وإذا٩ كان ذلك من قبل أنه لو أخر ذلك عنهم لكان قد كلفهم ما لا سبيل لهم إلى فعله، وألزمهم ما لا طريق لهم إلى الطاعة فيه، وهذا غير جائز عليه لما يقتضيه ذلك من بطلان أمره وسقوط طاعته١٠.
وهذا (المعنى) ١١ لم تجد عن أحد من صحابته خلافاً١٢ في شيء مما وقف ﵇ جماعتهم (عليه) ١٣، ولا شك في شيء منه، ولا نقل عنهم كلام في شيء من ذلك، ولا زيادة على ما نبههم عليه من الحجج، بل نصوا جميعاً (رحمة الله عليهم) ١٤
الحواشي
(١) ١ في الأصل: "أسماء" وما أثبته من (ت) .
٢ الأولى أن يقول: "من صفات ذاته"، لأنها تقابل صفات فعله.
٣ ينص الأشعري هنا على أن توحيد الله وإفراده بالعبادة، ومعرفة أسماء الله وصفاته من أهم الأمور التي دعا إليها الإسلام، بل هي لب دعوة النبي ﷺ ولذلك لم يؤخر بيانها ولم يفتر عن دعوة الناس إليها.
ويفهم من ذلك أنه ينبغي على كل مسلم أن يوحد الله ويؤمن بأسمائه وصفاته على الوجه اللائق به سبحانه، وأن ذلك من أصول الدين، ومن أشرف العلوم.
٤ في الأصل و (ت) "يصح" بدون "لا" وأثبتها ليستقيم المعنى، وهي كما أثبتها في نسخة ابن تيمية.
٥ في (ت) "البيان فيهم فيه".
٦ ساقطة من الأصل، وأثبتها من (ت) ونسخة ابن تيمية.
٧ في الأصل: "الله" مكان "ذلك" وأثبتها من (ت) ونسخة ابن تيمية.
٨ في الأصل: "الله" مكان "ذلك" وأثبتها من (ت) ونسخة ابن تيمية.
٩ هكذا بالأصل و (ت) وفي نسخة ابن تيمية "وإنما كان".
١٠ سبق أن نص الأشعري على أن النبي ﷺ لم يؤخر البيان عن أمته فيما تدعو الحاجة إليه. ويقيم هنا حجة على ذلك ملخصها: أن النبي ﷺ طلب من أمته تحقيق ما يأمرهم به على الفور، ويتطلب ذلك حصول البيان منه على الفور أيضاً، حتى يتم تنفيذ ما طلب، ولو طلب منهم ما لم يبينه لهم لعد ذلك من باب المستحيلات ولكان ضرباً من العبث المنزه عنه ﷺ .
١١ ساقط من الأصل، وأثبتها من (ت) ونسخة ابن تيمية.
١٢ في الأصل، و (ع) : "خلاف"، والصواب ما أثبته.
١٣ ليست في الأصل، (ت) والسياق يقتضيها.
١٤ ما بين القوسين ساقط من (ت) .стр. 95
على ذلك، وهم متفقون لا يختلفون في حدوثهم١ ولا في٢ توحيد المحدث لهم وأسمائه وصفاته، وتسليم جميع المقادير إليه والرضا فيها بأقسامه٣، لما قد ثلجت به صدورهم، وتبينوا وجوه الأدلة التي نبههم ﵇ (عليها) ٤ عند دعائه لهم إليها. وعرفوا بها صدقه في جميع ما أخبرهم به، وإنما تكلفوا البحث والنظر فيما كلفوه٥ من الاجتهاد في حوادث الأحكام عند نزولها بهم، وحدوثها٦ فيهم، وردها إلى معاني الأصول التي وقفهم عليها، ونبههم بالإشارة على ما فيها، فكان منهم - رحمة الله عليهم - في ذلك ما نقل إلينا من طريق الاجتهاد التي اتفقوا عليها، والطرق التي اختلفوا فيها٧.
ولم يقلد بعضهم بعضاً فيما صاروا إليه من جميع ذلك، لما كلفوه من الاجتهاد وأمروا به٨.
الحواشي
(١) ١ في الأصل، و (ع) : "حدثهم" ولعل الصواب ما أثبته.
٢ ساقطة من (ت) .
٣ هذا أمر مقطوع به عن الصحابة ﵃ والأقوال عنهم في ذلك ثابتة ومتوافرة، وقد جمع بعضها ابن أبي عاصم في كتابه السنة، والبخاري في الصحيح، والذهبي في كتابه العلو، وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية،
وسيأتي ذكر ما أجمع عليه السلف في أصول الدين فيما بعد إن شاء الله تعالى.
٤ في الأصل، و (ت) : "عليه"، وما أثبته من نسخة ابن تيمية.
٥ في (ت) : "كلفوا".
٦ في الأصل: "وحدثوها"، والتصحيح من (ت) ونسخة ابن تيمية.
٧ الاجتهاد: عبارة عن بذل المجهود، واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال. (انظر: المستصفى للغزالي ٢/٣٥٢) .
ويعرفه الدكتور محمد مدكور بقوله: "هو بذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها بالنظر المؤدي إليها". (انظر: كتابه أصول الفقه الإسلامي ص٣٤٣) .
أما مجال الاجتهاد فهو في الأحكام الشرعية التي لم يرد بشأنها نص قطعي أو إجماع، فالعقائد وغيرها من الأحكام المنصوص عليها لا مجال فيها لرأي أو اجتهاد، فإن الحق فيها واحد، والمصيب واحد، والمخطئ آثم معاقب. وهذا معنى كلام الأشعري أعلاه، بل إنه ينص على أنه ينبغي على المجتهد أن يرد الأحكام الجديدة التي تنزل به إلى أصولها في الشريعة الإسلامية، ولا يحكم عليها برأيه، أو هواه، وهذا ما قرره علماء الأصول.
ويقول الدكتور محمد مدكور: "ينبغي للمجتهد أن ينظر أولاً في النصوص من كتاب الله وسنة رسوله، فإن لم يجد في نصوصهما حكم مسألته، أخذ بالظواهر منهما، وما يستفاد من منطوقهما ومفهومهما، فإن لم يجد نظر في أفعال النبي ﷺ وتقريراته لبعض أفراد أمته، ثم في الإجماع، ثم في القياس على ما يقتضيه اجتهاده من العمل بمسالك العلة ملاحظاً القواعد الكلية. والاجتهاد بالرأي لا يكون صحيحاً إلا إذا كان منضبطاً بعدم مخالفته للنص". (المرجع السابق ص٣٤٨) .
٨ التقليد: هو أخذ قول الغير بغير حجة شرعية كأخذ العامي عن عامي مثله وأخذ المجتهد عن مجتهد مثله دون نظر في الدليل، وهذا هو الذي لم يقع في الصحابة كما ذكر الأشعري، فلم يقلد بعضهم بعضاً في مسائل الاجتهاد، بخلاف العامة فإنهم يقلدون المجتهدين، وقد ذكر القرافي أن مذهب مالك وجمهور العلماء إبطال التقليد، واستثنى مالك من ذلك مسائل منها: تقليد العوام المجتهدين في الأحكام. (انظر: شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول ص ٤٣٠) .
وقال ابن تيمية: "... وتقليد العاجز عن الاستدلال للعالم يجوز عند الجمهور". (انظر: مجموع الفتاوى ١٩/٢٦٢) .
ويفهم مما ذكر أن أخذ قول الغير بدليل شرعي ليس من باب التقليد ولذلك قال صاحب فواتح الرحموت بعد تعريفه للتقليد: "... فالرجوع إلى النبي- ﵊ أو إلى الإجماع ليس منه، فإنه رجوع إلى الدليل، وكذا رجوع العامي إلى المفتي، والقاضي إلى العدول ليس هذا الرجوع نفسه تقليداً". (انظر: فواتح الرحموت بشرح مُسَلَّم الثبوت في أصول الفقه بذيل المستصفى ٢/٤٠٠) .
وأحب أن أؤكد على أنه لا يجوز للعامي أن يتخذ آراء الرجال ديناً ومذهباً، ولكن يجب عليه إذا نزلت به النازلة أن يذهب إلى عالم بالكتاب والسنة فيسأله عن حكم الله تعالى ورسوله في هذه النازلة.
ولقد فصل القول في هذه المسألة الفلاتي (ت/ ١٢١٨هـ) في كتابه إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار.стр. 96
فأما ما دعاهم إليه ﵇ من معرفة حدثهم، والمعرفة١ بمحدثهم، ومعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العليا وعدله وحكمته، فقد بين٢ لهم وجوه الأدلة في جميعه، حتى ثلجت صدورهم به، وامتنعوا عن٣ استئناف الأدلة فيه، وبلغوا جميع ما وقفوا عليه من ذلك، واتفقوا عليه إلى من بعدهم، فكان عذرهم فيما دعوا إليه من ذلك (مقطوعاً) ٤ بما نبههم النبي ﷺ من الدلالة٥ على ذلك، وما شاهدوه من آيات الدلالة٦ على صدقه٧.
وعذر سائر من تأخر عنه مقطوع بنقلهم ذلك إليهم٨، ونقل أهل كل زمان حجة
الحواشي
(١) ١ في (ت) "ومعرفة".
٢ في (ت) "تبين".
٣ في (ت) "على".
٤ في الأصل و (ت) : "مقطوع" وما أثبته من نسخة ابن تيمية.
٥ في (ت) "الأدلة".
٦ في (ت) ونسخة ابن تيمية: "من آياته الدالة".
٧ ينص الأشعري هنا على أن الرسول ﷺ أوضح الطريق إلى الله غاية الوضوح، وخاصة فيما يتعلق بالعقيدة التي هي أساس الدين، وتلقى ذلك منه الصحابة وأجمعوا عليه فصار عذر من جاء بعدهم مقطوع بتبليغ ذلك إليهم.
يقول ابن تيمية في ذلك: "... أما القسم الأول فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بياناً شافياً قاطعاً للعذر، إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين وبينه للناس، وهو من أعظم ما أقام الله به الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه، وكتاب الله الذي نقل الصحابة، ثم التابعون لفظه ومعانيه، والحكمة التي هي سنة رسول الله ﷺ مشتملة من ذلك على غاية المراد وتمام الواجب والمستحب". (انظر: الموافقة ١/١٦) .
ويقول ابن القيم: "... والله سبحانه حاج عباده على ألسن رسله فيما أراد تقريرهم به، وإلزامهم إياه بأقرب الطرق إلى العقل، وأسهلها تناولاً وأقلها تكلفاً، وأعظمها غنى ونفعاً". (انظر: مختصر الصواعق ١/٩٣) .
ويتضح لنا من ذلك، أنه لا يجوز لأحد أن يزيد أو ينقص في مسائل الاعتقاد المنصوص على جميعها في القرآن والسنة، بل يسعنا في ذلك ما وسع سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ويقين.
٨ ينص الأشعري هنا على أن الحجة قد قامت على العباد بنقل الصحابة والتابعين ومن بعدهم ما جاء به رسول الله ﷺ ويلزم كل من وصلته الحجة، أن لا يحيد عنها، ولا ينظر في سواها، ولا عذر له عند ربه إن تركها، أو فرط فيها.стр. 97
على من بعدهم١، من غير أن يحتاج - أرشدكم الله - في المعرفة لسائر ما دُعينا إلى اعتقاده إلى استئناف أدلة غير الأدلة التي نبه النبي ﷺ عليها، ودعا سائر أمته إلى تأملها.
إذ كان من المستحيل أن يأتي بعد ذلك أحد بأهدى مما أتى، أو يصلوا من ذلك إلى ما بعد عنه ﵇ ٢ وجميع ما اتفقوا عليه من الأصول مشهور في أهل النقل الذين عنوا بحفظ ذلك، وانقطعوا إلى الاحتياط في (طلب) ٣ الطرق الصحيحة إليه من المحدثين والفقهاء.
يعلمه أكابرهم أصاغرهم، ويدرسونه٤ صبيانهم في كتاتيبهم ليقروا ذلك عندهم٥، وشهرته فيهم، واستغناؤهم في العلم بصحة جميع ذلك بالأدلة التي نبههم صاحب الشريعة عليها في وقت دعوته.
واعلموا - أرشدكم الله - أن ما دل على صدق النبي ﷺ من المعجزات بعد تنبيه لسائر المكلفين٦ على حدثهم ووجود المحدث لهم قد أوجب
الحواشي
(١) ١ يدخل في كلام الأشعري أيضاً ما أجمع عليه أهل عصر من العصور، ويقول الأصوليون بأنه حجة على من جاء بعد هذا الإجماع، وعلى هذا يجب عليهم اتباعه ولا يجوز لهم مخالفته، وهذا ينطبق على إجماع أي عصر بلا استثناء.
قال الغزالي: "ذهب داود وشيعته من أهل الظاهر إلى أنه لا حجة في إجماع من بعد الصحابة، وهو فاسد، لأن الأدلة الثلاثة على كون الإجماع حجة - أعني الكتاب والسنة والعقل - لا تفرق بين عصر وعصر، فالتابعون إذا أجمعوا فهو إجماع من جميع الأمة، فمن خالفهم فهو سالك غير سبيل المؤمنين". (انظر: المستصفى من علم الأصول ١/١٨٩، وكذلك التبصرة في أصول الفقه للشيرازي ص٣٥٩) .
٢ وهذا حق لا مرية فيه إلا من أعمى الله بصيرته عن الحق الذي بعث الله به نبيه ﷺ ، وقد ورد في الصحاح والسنن بأسانيد عديدة قول النبي ﷺ : "إن أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدى هدى محمد ﷺ "، كما جاء: "إن خير الحديث كتاب الله... الخ". (انظر: البخاري كتاب الأدب باب ٧٧٠/٩٦، وكتاب الاعتصام باب ٢ ج٨/١٣٩، ومسلم كتاب الجمعة باب ١٣ ج٢/٥٩٢، والنسائي كتاب صلاة العيدين ٣/٧٨، والمسند ٣/٣١٠، ٣١٩، ٣٧١، وابن ماجة في مقدمته ١/١٧) .
وقد عقد ابن تيمية فصلاً في رسالته معارج الوصول قال فيه: "فصل في أن رسول الله ﷺ بين جميع الدين، أصوله وفروعه باطنه وظاهره، علمه وعمله، فإن هذا الأصول هو أصل الأصول في الدين". (انظر: ج١/١٧٥ ضمن مجموعة الرسائل الكبرى) .
ويقول في موطن آخر "بأن الله قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وهو الرد إلى كتاب الله أو إلى سنة الرسول بعد موته، وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ شرط، وشيء نكرة في سياق الشرط، فأي شيء تنازعوا فيه ردوه إلى الله والرسول، ولو لم يكن بيان الله والرسول فاصلاً للنزاع لم يؤمروا بالرد إليه" (المرجع السابق ص١٩٠) .
٣ ما بين المعقوفتين من (ت) .
٤ في (ت) "يدسونه".
٥ تكلم ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل عن مدى تحمل الصحابة والتابعين وأتباعهم لحديث النبي ﷺ وما جاء به من عند ربه وبلغوا ذلك لمن جاء بعدهم. (انظر: الجرح والتعديل ١/١٠٧) .
٦ في (ت) ونسخة ابن تيمية: "المتكلفين".стр. 98
صحة أخباره، ودل على أن ما أتى به من الكتاب والسنة من عند الله ١.
وإذا ثبت بالآيات صدقه، فقد علم صحة كل ما أخبره به النبي ﷺ عنه، وصارت أخباره ﵇ أدلة على صحة سائر ما دعانا٢ إليه من الأمور الغائبة عن حواسنا وصفات فعله، وصار خبره عن ذلك سبيلاً إلى إدراكه، وطريقاً إلى العلم بحقيقته٣.
وكان ما يستدل به من أخباره ﵇ على ذلك أوضح دلالة من دلالة الأعراض٤ التي اعتمد على الاستدلال بها الفلاسفة، ومن اتبعها من القدرية٥، وأهل
الحواشي
(١) ١ سبق أن تكلم الأشعري عن المعجزات النبوية، وأشار إلى أنها دليل قوي على صدق الرسول ﷺ فيما يبلغه عن ربه، وهنا يعود فيؤكد ويقرر ما سبق، وينص على أن ما أيد به ﷺ من المعجزات يوجب علينا تصديقه فيما يدعو إليه، لأنه مبلغ عن الذي أيده بهذه المعجزات.
ويقول ابن حزم، وهو بصدد الكلام عن النبوة: "فصح ضرورة أن الله تعالى شهد لهم بما اظهر على أيديهم صحة ما أتوا به عنه، وأنه تعالى صدقهم فيما قالوه". (انظر: المحلى ١/٢٩، والفصل ١/٧٣، ٧٤) .
٢ في (ت) "ما دعا".
٣ يشير الأشعري هنا إلى نقطة هامة جداً، وهي ما يمكن أن نطلق عليه "واجب العقل بعد إرسال الرسل"، وخلاصة قوله في ذلك هو أنه يلزم من الإيمان الرسالة وتصديق الرسول التصديق المطلق له في كل ما أخبر به عن ربه، وخاصة فيما لا يقع تحت حواسنا من الأمور الغيبية التي أخبر بها، ومنها صفات الباري جل وعلا، لأن مقتضى العقل تصديق الصادق ومنه تصديق أبي ﵁ بخبر الإسراء والمعراج، ومنه أيضاً ما رواه أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "بينما راع في غنمه عدا الذئب فأخذ منها شاة، فطلبها حتى استنقذها فالتفت إليه الذئب فقال له: من لها يوم السبع؟ ليس لها راع غيري، فقال الناس: سبحان الله، فقال النبي ﷺ : فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر، وما ثم أبو بكر وعمر". (البخاري باب مناقب عمر بن الخطاب ٤/٢٠٠، ومسلم باب فضائل أبي بكر ٤/١٨٥٨، والمسند ٢/٢٤٦) .
فإيمان رسول الله بذلك وهو لم يشهده دليل على أنه أوحي به إليه، وحكمه على أبي بكر وعمر بتصديقهما لذلك وهما غير موجودين عند الحديث، لعله بتصديقهما إذا علما أن الخبر صادر من رسول الله ﷺ لأنه قد ثبت عندهما صدقه، فلزم تصديقه في كل ما يخبر به.
ويقول الشيخ محمد عبده: "بعد أن ثبت نبوته ﷺ بالدليل القاطع على ما بيناه، وأنه إنما يخبر عن الله تعالى، فلا ريب أنه يجب تصديق خبره، والإيمان بما جاء به". (انظر: رسالة التوحيد ص٢٠٠) .
وعلى هذا أقول: يجب تصديق رسول الله ﷺ فيما أخبر به من أمور الغيب كأشراط الساعة وغيرها، ومن ذلك أسماء الله وصفاته دون إعمال العقل بنظر في ذلك.
٤ في (ت) "الاعتراض" والعرض لغة ما يقل لبثه، واصطلاحاً: ما يعرض في الوجود ولا يجب له من اللبث ما للجواهر. (انظر: المغني للقاضي عبد الجبار ٦/١٦٦) .
٥ القدرية من الألفاظ المشتركة التي تطلق على من يقول بالقدر خيره وشره، ويقولون مع هذا بأن العبد مجبور في جميع حركاته ويسمون الجبرية، قال شارح الطحاوية: "وقد تسمى الجبرية قدرية لأنهم غلوا في إثبات القدر" (انظر: ص٤٧١) .
وتطلق أيضاً على من ينفون الإرادة عن الله تعالى، ويقولون بأن العبد يخلق فعل نفسه، وهم المعنيون بقول رسول الله ﷺ القدرية مجوس هذه الأمة.
وعرفهم الإمام أحمد بقوله: "والقدرية وهم الذين يزعمون أن إليهم الاستطاعة والمشيئة والقدر، وأنهم يملكون لأنفسهم الخير والشر، والضر والنفع، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال، وأن العباد يعملون بدءاً من غير أن يكون سبق لهم ذلك من الله ، أو في علمه، وقولهم يضارع قول المجوسية والنصرانية، وهو أصل الزندقة". (انظر: رسالة السنة ص٨١ بتصحيح الشيخ إسماعيل الأنصاري) .
وأول من تكلم في القدر معبد الجهني البصري، وكان ذلك في زمن المتأخرين من الصحابة كعبد الله بن عمر وابن عباس وغيرهم، وأنكروا عليهم ذلك وهجروهم. (انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص١٨، والتبصرة في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن فرق الهالكين لأبي المظفر الإسفرائيني ص١٣، وتيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد ص٦٨٧) .
وذهب الملطي إلى أنهم سبع فرق أولاها: "من يزعمون أن الحسنات والخير من الله، والشر والسيئات من أنفسهم...". (انظر: تنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص١٥٧) .
وقسم ابن تيمية القدرية إلى ثلاثة أصناف:
أولاً القدرية المشتركة المعترفين بالقضاء والقدر، إلا أنهم قالوا بأن ذلك يوافق الأمر والنهي، وقالوا: لو شاء الله ما أشركنا وهؤلاء يؤول أمره إلى تعطيل الشرائع.
ثانياً: القدرية المجوسية: وهم الذين يجلون لله شركاء في خلقه ويقولون خالق الخير غير خالق الشر، وهما قسمان: غلاة القدرية الذين يقولون بأن الله لم يسبق له علم بأفعال العباد، والقدرية المعتزلة الذين يقولون سبق بها إلا أنه لم يخلقها ولم يقدرها.
ثالثاً: القدرية الإبليسية: وهم الذين صدقوا بأن الله صدر عنه الأمران لكن عندهم هذا تناقض. (انظر: مجموع الفتاوى ٨/٢٥٦- ٢٦١) .стр. 99
البدع المنحرفين عن الرسل ﵈ من قبل أن الأعراض١ لا يصح الاستدلال (بها إلا بعد رتب كثيرة يطول الخلاف فيها، ويدق الكلام عليها، فمنها ما يحتاج إليه في الاستدلال) ٢ على وجودها والمعرفة بفساد شبه المنكرين لها، والمعرفة بمخالفتها للجواهر في كونها لا تقوم بنفسها، ولا يجوز ذلك على شيء منها، والمعرفة بأنها لا تبقى والمعرفة باختلاف أجناسها٣، وأنه لا يصح انتقالها من محالها، والمعرفة بأن ما لا ينقل منها فحكمه في الحدث حكمها، ومعرفة ما يوجب ذلك من الأدلة وما يفسد به شبه المخالفين في جميع ذلك حتى يمكن الاستدلال بها على ما هي أدلة عليه عند٤ مخالفينا الذين يعتمدون في الاستدلال على ما ذكرناه بها؛ لأن العلم بذلك لا يصح عندهم إلا بعد المعرفة بسائر ما ذكرناه آنفاً، وفي كل مرتبة مما ذكرنا فرق تخالف فيها،
الحواشي
(١) ١ في (ت) "الاعتراض".
٢ ما بين المعقوفتين ساقط من (ت) وهو كما أثبته في الأصل ونسخة ابن تيمية.
٣ الأجناس: جمع جنس، وهو الضرب من الشيء. قال الخليل: "كل ضرب جنس، وهو من الناس، والطير والأشياء جملة". (انظر: معجم مقاييس اللغة ١/٤٨٦) .
وفي اصطلاح علماء المنطق: "كل مقول على كثيرين مختلفين بالحقيقة في جواب "ما هو" من حيث هو كذلك" (انظر: التعريفات ص٦٩، وكشاف اصطلاحات الفنون لمحمد علي الفاروقي التهانوي ١/٣١٧) .
٤ في (ت) "على ما هي له له عليه عند".стр. 100
ويطول الكلام معهم عليها١.
وليس يحتاج - أرشدكم الله - في الاستدلال بخبر الرسول ﵇ على ما ذكرناه من المعرفة بالأمر الغائب عن حواسنا إلى٢ مثل ذلك٣، لأن آياته والأدلة الدالة٤ على صدقه محسوسة مشاهدة قد أعجزت القلوب، وبعثت الخواطر على النظر في صحة ما يدعو إليه، وتأمل ما استشهد به على صدقه، والمعرفة بأن آياته من قبل الله تدرك بيسير الفكر فيها٥، وأنها لا يصح أن تكون٦ من البشر لوضوح الطرق إلى ذلك،
الحواشي
(١) ١ سبق أن تكلم الأشعري عن إثبات حدوث العالم، واستدل هناك ص١٤٥، ١٤٧ على حدوث الإنسان بالتغير والاختلاف، وذكرت هناك أن هذا المسلك أخذه عليه ابن تيمية ﵀ وهنا يخالف الأشعري مسلك المتكلمين وينص على غموض الطريقة التي سلكوها في إثبات حدوث العالم - وهي الجوهر والعرض وبين أنها مخالفة لطريقة الأنبياء - وما سبق الأشعري قرره ابن تيمية أتم تقرير، وفي ذلك يقول: "... وتقرير المقدمات التي يحتاج إليها هذا الدليل من إثبات الأعراض التي هي الصفات أولا أو إثبات بعضها كالأكوان التي هي الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق وإثبات حدوثها بإثبات إبطال ظهورها بعد الكون، وإبطال انتقالها من محل إلى محل بعد إثبات امتناع خلو الجسم، إما عن كل جنس من أجناس الأعراض، بإثبات أن الجسم قابل لها، وأن القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن ضده، وإما عن الأكوان وإثبات امتناع حوادث لا أول لها رابعاً, والثانية: أن ما لا يخلو عن الصفات التي هي الأعراض فهو محدث، لأن الصفات التي هي الأعراض لا تكون إلا محدثة، وقد يفرضون ذلك في بعض الصفات التي هي الأعراض كالأكوان، وما لا يخلو عن جنس الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا تتناهى". ثم يصل ابن تيمية بعد هذا العرض الدقيق لمذهبهم إلى بطلانه، ويؤكد ما سبق إليه الأشعري فيقول: "فهذه الطريقة مما يعلم بالاضطرار أن محمد ﷺ لم يدع الناس بها إلى الإقرار بالخالق ونبوة أنبيائه، ولهذا قد اعترف حذاق أهل الكلام كالأشعري وغيره أنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم، ولا سلف الأمة وأئمتها، وذكروا أنها محرمة عندهم، بل المحققون على أنها طريقة باطلة وأن مقدماتها فيها تفصيل وتقسيم يمنع ثبوت المدعى بها مطلقاً...". (انظر: الموافقة ١/٢٤، ٢٥) .
وبعد هذا الكلام من ابن تيمية، وما ذكره عن الأشعري يجعلني أقرر أن الأشعري يخالف المتكلمين عموماً ويصف طريقتهم بأنها طريقة مخالفة لمنهج النبوة، وما ذكره سابقاً من استدلاله على حدث الإنسان بالتغير والاختلاف على حدوثه ووجود خالقه يعتذر له فيه بأنه لم يكن خبيراً بدقائق مذهب السلف كغيره من المتقدمين، وخاصة أن هذه الرسالة - كما ذكرت - كتبت قبل الإبانة، ووقتئذ لم يكن في دقة فهمه لمذهب السلف كدقته بعد الإبانة.
ولقد اعتذر له شيخ الإسلام بمثل هذا في أكثر من موطن، وانظر درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٧/٢١٩- ٢٢٤.
٢ ساقطة من (ت) .
٣ أي لا يحتاج المؤمن المصدق بالنبي ﷺ إلى ما ذهب إليه الفلاسفة والمتكلمون من ترك النصوص، وردها بالتكذيب أو التأويل واستعمال العقل والهوى، كما فعلوا في حدوث العالم.
٤ ساقطة من (ت) ونسخة ابن تيمية.
٥ وعلى رأس هذه الآيات أكبر معجزة، وهي القرآن الكريم الذي قال الله فيه: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ (القمر آية: ١٧) .
قال ابن كثير: "أي سهلنا لفظه ويسرنا معناه لمن أراده ليتذكر الناس، كما قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ (انظر تفسير ابن كثير ٧/٤٥٣) .
وقال القاسمي: "سهله الله للادكار والاتعاظ، لكثرة ما ضرب فيه من الأمثال الكافية الشافية" (انظر: محاسن التأويل ١٥/٥٥٩٩) .
٦ هكذا بالأصل ونسخة ابن تيمية وفي (ت) "أن يكون".стр. 101
ولا سيما مع إزعاج الله تعالى قلوب سائر من أرسل إليه النبي ﷺ على النظر في آياته بخرق عوائدهم له، وحلول ما يعدهم من النقم عند إعراضهم عنه ومخالفتهم له على ما ذكرنا مما كان من ذلك عند دعوة موسى وعيسى ومحمد ﵈، وإذا كان ذلك على ما وصفنا بَان لكم - أرشدكم الله - أن طريق١ الاستدلال بأخبارهم ﵈ على سائر ما دُعينا إلى معرفته مما لا يدرك بالحواس أوضح من الاستدلال بالأعراض، إذ كانت أقرب (إلى) ٢ البيان على حكم ما شوهد من أدلتهم المحسوسة مما اعتمدت عليه الفلاسفة ومن تبعهم من أهل الأهواء، واغتروا بها لبعدها عن الشبه كما ذكرنا، وقرب من٣ أخلد (ممن) ٤ ذكرنا إلى الاستدلال به من الشبه، ولذلك٥ ما منع الله رسله٦ من الاعتماد عليه لغموض ذلك على كثير ممن أمروا بدعائهم وكلفوا ﵈ إلزامهم فرضه.
فأخلد سلفنا ﵃ ومن تبعهم من الخلف الصالح بعدما عرفوه من صدق النبي ﷺ فيما دعاهم إليه من العلم بحدثهم ووجود المحدث لهم بما نبههم عليه من الأدلة إلى التمسك بالكتاب والسنة وطلب الحق في سائر ما دعوا إلى معرفته منها، والعدول عن٧ كل ما خالفهما لثبوت نبوته ﵇ عندهم، ونبههم٨ بصدقه فيما أخبرهم به عن ربهم لما وثقته الدلالة لهم فيه، وكفتهم العبرة بما ذكرناه له٩.
الحواشي
(١) ١ في (ت) ونسخة ابن تيمية "طرق".
٢ ما بين المعقوفتين من نسخة ابن تيمية.
٣ في الأصل، و (ت) "ما أخلد" وما أثبته من نسخة ابن تيمية.
٤ في الأصل، و (ت) ونسخة ابن تيمية "ما ذكرنا"، ولعل ما أثبته هو الصواب الذي به يستقيم المعنى.
٥ في (ت) ونسخة ابن تيمية "وكذلك".
٦ في الأصل "ورسله" بالواو، وما أثبته من (ت) ، ونسخة ابن تيمية.
٧ في الأصل "على" وما أثبته من (ت) ونسخة ابن تيمية.
٨ هكذا بالأصل، و (ت) وفي نسخة ابن تيمية "وثقتهم".
٩ هكذا جاءت العبارة بالأصل، وفي (ت) "وكفتهم العبرة بها بما ذكرناه له" وفي نسخة ابن تيمية: "وكشفته لهم العبرة".
وهذا هو شأن أهل السنة والجماعة في كل مسائل الدين تمسكوا بما دل عليه الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف هذه الأمة، وما أحسن ما قال الإمام أحمد بن حنبل فيما وصفهم بقوله: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى... إلى أن قال: ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم". (انظر: مقدمة كتاب الرد على الجهمية والزنادقة ص١٣) .стр. 102
وأعرضوا عما صارت إليه الفلاسفة ومن تبعهم من القدرية وغيرهم من أهل البدع من الاستدلال بذلك على ما كلفوا معرفته لاستغنائهم بالأدلة الواضحة في ذلك عنه، وإنما صار من أثبت حدث العالم والمحدث له من الفلاسفة إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر لدفعهم الرسل وإنكارهم لجواز مجيئهم١.
وإذا كان العلم قد حصل لنا بجواز مجيئهم في العقول٢ وغلط من دفع ذلك وبان صدقهم بالآيات التي ظهرت عليهم لم يسع لمن عرف من ذلك ما عرفه أن يعدل عن طرقهم إلى طرق من دفعهم وأحال مجيئهم٣.
الحواشي
(١) ١ يشير الأشعري إلى العلة الحقيقية التي أوقعت الفلاسفة في الضلال المبين ألا وهي: إنكارهم وعدم إيمانهم بالأنبياء.
ويقول ابن تيمية ﵀ عنهم: "... ولهذا من لم يكن عارفاً بالأنبياء من فلاسفة اليونان والهند وغيرهم لم يكن له فيهم كلام يعرف، كما لم يعرف لأرسطو وأتباعه فيهم كلام يعرف". (انظر: النبوات ص٢٢) .
أما الذين تسموا بفلاسفة الإسلام فيقول عن زعيمهم: بأنه بنى أمر النبوة على أنها من قوى النفس، وقوى النفس متفاوتة، واشترط في النبي شروطاً ثلاثة، من اتصف بها فهو نبي وهي:
١- أن تكون له قوة علمية.
٢- أن تكون له قوة تخيلية.
٣- أن تكون له قوة فعالة. (انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص٧٣٤ ضمن مجموعة التوحيد) .
وعلى هذا فهم لا يؤمنون بوحي، ولا برسالة، ولا بملائكة إلى آخر هذا الضلال، وقد ختم ابن تيمية حديثه عنهم بقوله: "... ولكن هؤلاء من أجهل الناس بالنبوة، ورأوا ذكر الأنبياء قد شاع، فأرادوا تخريج ذلك على أصول قوم لم يعرفوا النبوة". (انظر: النبوات ص١٢٢) .
ويقول ابن الجوزي عنهم: "وإنما تمكن إبليس من التلبيس على الفلاسفة من جهة أنهم انفردوا بآرائهم وعقولهم، وتكلموا بمقتضى ظنونهم من غير التفات إلى الأنبياء". (انظر: تلبيس إبليس ص٤٥) .
٢ العقل لكونه يفرق بين الحسن والقبيح، يدرك بيسر وسهولة صدق النبي المرسل للدلائل والقرائن التي تلازمه، فإذا آمن به وجب اتباع النبي فيما جاء به. (انظر ما سبق ص١٨٦، ١٨٨) .
٣ وقد نص العلماء على تكفير من يسلك طريقاً غير طريق النبوة بعد وضوحه وتبيانه، مستندين إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (النساء آية: ١١٥) .
ويذكر المفسرون أن الآية نزلت في الخائنين ومنهم طعمة بن الأبيرق. (انظر: تفسير ابن جرير ٩/٢٠٤) .
ويقول القرطبي: "والآية وإن كانت نزلت في سارق الدرع أو غيره، فهي عامة في كل من خالف طريق المسلمين". (انظر: تفسيره ٥/٣٨٥) .
وبهذا يظهر ويتضح أن كل من عرف الحجة ووقف على الدليل لا ينبغي له الخروج عنه أو مخالفته، وإلا فهو من الهالكين.
وقد ورد عن السلف لعن من تكلم في الجوهر والعرض فقد نقل عن أبي حنيفة لما سئل عن الكلام في الأعراض والأجسام؟ قال: لعن الله عمرو بن عبيد، هو فتح على الناس الكلام في هذا. (انظر: شرح الطحاوية ص٤٧١) .стр. 103
فلما كان هذا واجباً كما١ ذكرناه عند سلف (الأمة) ٢ والخلف رحمهم الله٣ كان اجتهاد الخلف٤ في طلب أخبار النبي ﷺ والاحتياط في عدالة الرواة لها واجباً عندهم، ليكونوا فيما٥ يعتقدونه من ذلك على يقين٦.
ولذلك كان أحدهم يرحل إلى البلاد البعيدة في طلب الكلمة تبلغه عن رسول ﷺ حرصاً على معرفة الحق من وجهه، وطلباً٧ للأدلة الصحيحة فيه حتى تثلج صدورهم بما يعتقدونه، وتسكن نفوسهم إلى ما يتدينون به٨،
الحواشي
(١) ١ في (ت) ونسخة ابن تيمية "لما".
٢ في الأصل "الأئمة". وما أثبته من (ت) ونسخة ابن تيمية.
٣ هذا الدعاء ساقط من (ت) ونسخة ابن تيمية.
٤ المراد بالخلف هنا كل من جاء بعد رسول الله ﷺ من أمته واجتهد وبحث لمعرفة سنة الرسول ﷺ وما كان عليه.
٥ في (ت) "فيها".
٦ ذكر الأشعري سابقاً قيمة اتباع منهاج النبوة، والسير خلف طريقة صاحبها ﷺ وترك كل ما عداها، وهذا يقتضي نقل ما جاء به الرسول ﷺ نقلاً علمياً أميناً لتقوم به الحجة ويسلك الناس به صراط الله المستقيم.
ومن هنا حفظ الله هذا الدين بظهور العلماء الأفذاذ الذين تحملوا الرواية، واحتاطوا فيها، حتى لا يدخل في حديث النبوة كذب أو خلل وانتهجوا في ذلك طرقاً علمية صحيحة لنقد الروايات واختبارها، وتمييز صحيحها من سقيمها.
وقد حث علماء هذه الأمة منذ القرن الأول على الاحتياط في الحديث والتثبت من أحوال الرواة، وكان يوصي بعضهم بعضاً بذلك، فقد أخرج مسلم في مقدمة صحيحه عن "محمد بن سيرين" أنه قال: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم". (انظر: صحيح مسلم ١/١٤) . وكان عبد الله بن المبارك يقول: "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". (المرجع السابق ١/١٥) .
ويذكر الدكتور مصطفى السباعي أن الطرق التي سلكها العلماء منذ عصر الصحابة إلى أن تم التدوين: هي أقوم الطرق العلمية للنقد والتمحيص، وهم أول من وضعوا النقد الدقيق للأخبار والمرويات بين الأمم كلها، ثم ذكر الخطوات التي سلكوها للاحتياط في الرواية. انظر ذلك بتفصيل في كتابه السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص٩٠- ٩٦، وكذلك منهج النقد في علوم الحديث للدكتور نور الدين عتر، وكتاب السنة قبل التدوين لمحمد عجاج الخطيب ص٢١٩ وما بعدها.
وإسناد الأحاديث خاصية خص الله بها أمة محمد ﷺ دون سائر الأمم، وفضلها به، ويقرر ذلك ابن حزم وهو يتكلم عن صفة وجوه النقل عند هذه الأمة فيقول: "إن ما نقله الثقة عن الثقة حتى يبلغ به إلى رسول الله ﷺ خص الله به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها". (انظر: الفصل ٢/٨١، ٨٢) .
٧ في الأصل "طلباً" بدون "واو" وأثبتها من (ت) ونسخة ابن تيمية.
٨ أشرت فيما سبق إلى مكانة حديث رسول الله ﷺ وما بذله علماء هذا الشأن من الاحتياط فيه، ومن مقتضيات الوصول إلى هذه البغية: الرحلة والتنقل لطلب الحديث والوقوف عليه بأعلى إسناد وكان أحد الصحابة يرحل من بلده إلى مكان آخر ليتثبت من إسناد حديث واحد، وقصة جابر بن عبد الله أوضح شاهد على ذلك، وفيها يذكر أنه سار شهراً حتى أتى الشام، والتقى بعبد الله بن أنيس، وقال له: "حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله ﷺ لم أسمعه فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه! فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الناس يوم القيامة، أو قال العباد عراة غرلاً بهما... الحديث" (أخرجه أحمد في مسنده ٣/٤٩٥، والبخاري في الأدب المفرد باب المعانقة حديث رقم ٩٧٠ ص٣٣٧، وذكره في صحيحه تعليقاً في موضعين، في كتاب العلم باب ١٩ ج١/٢٧، وكتاب التوحيد باب ٣٢ ج٨/١٩٤، والحاكم في المستدرك ٤/٥٧٤، ٥٧٥، وصححه ووافقه الذهبي) . وكانت الرحلة في طلب الحديث من لوازم طريقة المحدثين ومنهجهم في التحصيل العلمي.
قال ابن الصلاح: "إذا فرغ من سماع العوالي والمهمات التي في بلده فليرحل إلى غيره". (انظر: علوم الحديث ص٢٢٢) .
ويقول الدكتور نور الدين عتر: "ويبدو أثر الرحلة للناظر في أسانيد الأحاديث واضحاً جلياً، إذا ما تناولنا أي إسناد منها، ودرسنا تاريخ رواته نجد في أغلب الأحيان أنهم ينتمون إلى أكثر من موطن، بل ربما وجدنا كل واحد منهم من بلدة، جمعت الرحلة في الحديث شتاتهم وقربت ما بعد بينهم حتى تسلسلوا في قرن واحد في سند الحديث الواحد". انظر مقدمته لكتاب الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي، ومن أراد الوقوف على كثير من الرحلات، فلينظر كتاب الخطيب المذكور الطبعة الأولى ١٣٩٥هـ) .стр. 104
ويفارقوا١ بذلك من ذمه الله في تقليده لمن يعظمه في سادته بغير دلالة تقتضي ذلك٢.
ولما كلفهم الله ذلك، وجعل أخبار نبيه ﷺ طريقاً إلى المعارف بما كلفهم إلى آخر الزمان حفظ أخباره ﵇ في سائر الأزمنة، ومنع من تطرق الشبه عليها حتى لا يروم أحد تغيير شيء منها، أو تبديل معنى كلمة٣ قالها إلا كشف الله سره، وأظهر في الأمة أمره، حتى يرد٤ ذلك عليه العربي والعجمي٥، ومن قد أُهّل لحفظ ذلك من حملة علمه ﵇ والمبلغين عنه٦.
كما حفظ كتابه حتى لا ينطق٧ أحد من أهل الزيغ على تحريك حرف ساكن، أو تسكين حرف متحرك إلا تبادر٨ القراء في رد ذلك عليه مع اختلاف لغاتهم وتباين أوطانهم لما أراده الله من صحة الأداء عنه٩.
الحواشي
(١) ١ في (ت) "ويقارفوا".
٢ سبق أن عرفت التقليد، وبينت حكمه هناك بتوضيح (انظر ما تقدم ص١٨٧) , وهنا ينص الأشعري على إبطال التقليد الذي يتبع فيه المقلد غيره دون حجة أو برهان وهو التقليد المذموم الذي صار إليه معظم أهل هذا الزمان، وهو شيم الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ (الأنفال آية: ٢٣) .
قال ابن عبد البر: "... ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء، وقد احتج العلماء بها على بطلان التقليد، ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج به - أي من الاحتجاج بها على بطلان التقليد للمسلمين - لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان آخر، وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة" (انظر: جامع بيان العلم وفضله ٢/١٠٩، ١١٠) .
ثم ذكر ﵀ روايات كثيرة عن الصحابة والتابعين في ذم التقليد والنهي عنه: "ونقل عن عبيد بن المعتز قوله: لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد" واستثنى من ذلك العامة - كما ذكرت سابقاً صفحة ١٨٧ فقال: "وهذا كله لغير العامة، فإن العامة لابد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها، لأنها لا تتبين موضع الحجة ولا تصل بعدم الفهم إلى علم ذلك...". (المرجع السابق ص١١٤) .
٣ ساقط من (ت) .
٤ في (ت) "يره".
٥ في (ت) "والأعجمي".
٦ من فضل الله على هذه الأمة أن حفظ لها سنة نبيها، كما حفظ لها قرآن ربها، وهذا أمر مقطوع به، لأن الله أمرهم أن يرجعوا في موارد النزاع إلى الله وإلى الرسول، ولا يمكن إحالتهم على شيء غير محفوظ.
وقد تولى الله حفظها إذ بها يحفظ الكتاب وتعلم أحكامه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر آية: ٩) .
وما فعله أرباب هذا الشأن من جمع الحديث والاحتياط في نقله كما سبق ذكره دليل على ذلك.
قال الألباني وهو بصدد الحديث عن الأحاديث الضعيفة: "ولكن الله ﵎ سخر لهذه الأحاديث طائفة من الأئمة بينوا ضعفها، وكشفوا عوارها، وأوضحوا وضعها، ولذلك لما قيل للإمام عبد الله بن المبارك هذه الأحاديث المصنوعة؟ أجاب بقوله: يعيش لها الجهابذة، ثم نقل عن ابن الجوزي قوله: لما لم يمكن أحداً أن يدخل في القرآن ما ليس منه أخذ أقوام يزيدون في حديث رسول الله ﷺ ويضعون عليه ما لم يقل، فأنشأ الله علماء يذبون عن النقل، ويوضحون الصحيح ويفضحون القبيح، وما يخلي منهم عصراً من الأعصار". (انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١/٦) .
ولقد عقد السباعي باباً كاملاً في كتابه ذكر فيه سبعة فصول في الشبه التي أوردها أعداء السنة على السنة في مختلف العصور، وفندها جميعاً ورد عليها رداً متقناً. (انظر: كتابه السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص١٢٧- ٣٧٣) .
ويقول الدكتور محمد أبو شهبة: "... ولن يخلو عصر من العصور من عالم ينقى عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين". (انظر: دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين ص٦) .стр. 105
ووقوع التبليغ لما أتى به نبينا ﵇ إلى من يأتي في آخر الزمان لانقطاع الرسل بعده، واستحالة خلوهم من حجة الله عليهم١.
حتى قد ظهر ذلك بينهم وأيست من نيله خواطر٢ المنحرفين عنه.
الحواشي
(١) ١ ساقطة من (ت) .
وما ذكره الأشعري هنا هو معنى حديث رسول الله ﷺ "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة" أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله في كتاب الإيمان باب ٧١ ج١/١٣٧، والبخاري من حديث المغيرة بن شعبة في كتاب الاعتصام باب ١٠ج٨/١٤١، وفي أبي داود من حديث ثوبان في كتاب الفتن باب ٥١ج٤/٤٥٠، وكذلك ابن ماجة في مقدمته ١/٥) .
والحديث ظاهر الدلالة على أنه لا يخلو زمان من قائم لله فيه بحجة "وهم الطائفة المنصورة".
وأخرج الترمذي الحديث عن معاوية بن قرة عن أبيه ثم قال: قال محمد بن إسماعيل يعني - البخاري - قال علي بن المديني: هم أصحاب الحديث. انظر سننه كتاب الفتن باب ما جاء في أهل الشام ٤/٤٨٥.
كما ذكر البخاري في كتابه خلق أفعال العباد عقب حديث أبي سعيد في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ هم الطائفة التي قال فيها النبي ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي..." الحديث. انظر كتابه ١٥٢، ١٥٣، ضمن مجموعة عقائد السلف للنشار.
وبوجود هذه الطائفة يبقى الحق ظاهراً محفوظاً، ويبقى أهله ظاهرين به، وبذلك تقوم حجة الله على عباده في جميع الأزمان.
قال ابن عبد الوهاب: "وفي الحديث بشارة بأن الحق لا يزول بالكلية كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة" (انظر: تيسير العزيز الحميد ص٣٧٩) .
٢ في (ت) : "خواطرهم".стр. 106
وجعل الله ما حفظه من ذلك وجمع١ القلوب عليه حجة على من تعبد بعده٢ ﵇ بشر بعثه، ودلالة لمن٣ دعا إلى قبول ذلك ممن لم يشاهد الأخبار، وأكمل الله لجميعهم طرق الدين، وأغناهم عن التطلع إلى غيرها من البراهين، ودل على ذلك بقوله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ ٤، وليس يجوز أن يخبر الله عن إكماله الدين مع الحاجة إلى غير ما أكمل لهم الدين به.
وبين النبي ﷺ معنى ذلك في حجة الوداع لمن كان بحضرته من الجم الغفير من أمته عند اقتراب أجله، ومفارقته لهم ﷺ بقوله٥: "اللهم هل بلغت ..." ٦.
الحواشي
(٣) .
وهذه الآية حجة قاطعة على الذين يدخلون البدع والمحدثات في الإسلام متوهمين أن ذلك من القربات، وهي في الحقيقة جلب لغضب الله وسخطه، وقد روى ابن جرير أن ابن عباس قال في الآية: "أخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبداً، وقد أتمه الله عز ذكره فلا ينقصه أبداً وقد رضيه فلا يسخطه أبداً". (انظر: تفسير الطبري ٩/٥١٨ طبعة أحمد شاكر) .
ويقول ابن حجر في تعليقه على الآية: "... وإذا كان الدين قد كمل فلا تكون الزيادة فيه إلا نقصاناً في المعنى، مثل زيادة أصبع في اليد، فإنها تنقص قيمة العبد الذي يقع به ذلك". (انظر: فتح الباري ١٣/٣٥٢ المطبعة السلفية بالقاهرة) .
ويناقش القاسمي ﵀ الذين يستخدمون الرأي بعد هذا البيان والإكمال فيقول: "ويكفي في دفع الرأي، وأنه ليس من الدين قول الله تعالى هذا، فإنه إذا كان الله قد أكمل دينه قبل أن يقبض إليه نبيه ﷺ فما هذا الرأي الذي أحدثه أهله بعد أن أكمل الله دينه؟ لأنه إذا كان من الدين في اعتقادهم فهو لم يكمل عندهم إلا برأيهم، وهذا فيه رد للقرآن، وإن لم يكن من الدين فأي فائدة في الاشتغال بما ليس منه؟ وما ليس منه فهو رد بنص السنة المطهرة كما ثبت في الصحيح، وهذه حجة قاهرة ودليل باهر لا يمكن أهل الرأي أن يدفعوه بدافع أبداً". ثم يقول: "فمن جاء بشيء من عند نفسه وزعم أنه من ديننا قلنا له: إن الله أصدق منك، ومن أصدق من الله قيلاً، اذهب لا حاجة لنا في رأيك وليت المقلدة فهموا هذه الآية حق الفهم حتى يستريحوا ويريحوا". (انظر: محاسن التأويل ٦/١٨٣٦) .
وعلى هذا يمكن القول بأن كل من أدخل في الدين شيئاً من عند نفسه فقد عصى الله ورسوله، وخرافة البدعة الحسنة والبدعة السيئة في دين الله لا مجال لها هنا، لأن كل بدعة في الدين ضلالة.
٥ "بقوله" ساقطة من (ت) .
٦ هذا جزء من حديث رواه البخاري عن ابن عباس في كتاب الحج باب الخطبة أيام منى وفيه يقول: "ثم رفع رأسه فقال: اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ ". (انظر ٢/١٩١) ، كما أخرجه في كتابه خلق أفعال العباد ص١٦٧، ١٨٢، وأحمد في مسنده ١/٣٠، كما أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر بلفظ: "اللهم أشهد؟ اللهم أشهد؟ ثلاث مرات". (انظر كتاب الحج باب ١٩ ج٢/٨٩٠، وأخرجه البخاري بهذا اللفظ في كتابه خلق أفعال العباد ص١٨٣.
قال ابن كثير: "وقد شهدت له أمته ببلاغ الرسالة وأداء الأمانة واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من الصحابة نحو من أربعين ألفاً" (انظر تفسير ابن كثير ٣/١٤٢) .
وقال المقريزي: "والحق الذي لا ريب فيه أن دين الله تعالى ظاهر لا باطن فيه، وجوهر لا سر تحته، وهو كله لازم كل أحد لا مسامحة فيه ولم يكتم رسول الله ﷺ من الشريعة ولا كلمة ولا أطلع أخص الناس به من زوجة أو لد عم على شيء من الشريعة كتمه عن الأحمر والأسود ورعاة الغنم، ولا كان عنده ﷺ سر ولا رمز ولا باطن غير ما دعا الناس كلهم إليه، ولو كتم شيئاً لما بلغ كما أمر، ومن قال هذا فهو كافر بإجماع الأمة". (انظر: الخطط ٣/٣١٣) .
وبهذا يندفع قول من قال بالظاهر والباطن من الزنادقة كالباطنية والرافضة وغيرهم من الذين أولوا أحكام الشريعة على وجه يؤدي إلى رفع الشريعة. (انظر: مقالات الإسلاميين ١/٦٥، والفرق بين الفرق ص٨١، والتبصير في الدين ص٨٣، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص١١٩) لتقف على شيء من أمر هؤلاء الملاحدة.стр. 107
فلو كنا نحتاج مع ما١ كان منه ﵇ في معرفة ما دعانا إليه إلى ما رتبه أهل البدع من طرق الاستدلال لما كان مبلغاً (إذ كنا نحتاج في المعرفة بصحة ما دعانا إليه) ٢ إلى علم ما لم يبينه لنا من هذه الطرق التي ذكروها، ولو كان هذا كما قالوا لكان فيما دعا إليه وقوله بمنزلة اللغو٣، ولو كان ذلك كذلك لعارضه المنافقون وسائر المرصدين لعداوته في ذلك، ولم يمنعهم منه مانع كما لم يمنعهم من تعنيته في طلب الآيات ومجادلته في سائر الأوقات، ولكنهم لم٤ يجدوا سبيلاً إلى الطعن٥؛ لأنه ﵇ لم يدع شيئاً مما تهم٦ الحاجة إليه في معرفة سائر ما دعاهم إلى اعتقاده، أو مثل فعله إلا وقد بين لهم.
ويزيد٧ هذا وضوحاً قوله ﵇: "إني قد تركتكم على مثل الواضحة ليلها كنهارها"٨، وإذا كان هذا على ما رضينا علم أنه لم يبق بعد ذلك عتب لزائغ، ولا
الحواشي
(١) ١ في (ت) : "مما".
٢ ما بين المعقوفتين من نسخة ابن تيمية، وفي (ت) : "إذ كنا نحتاج إلى المعرفة إليه". وفي الأصل ما يزيد على سطرين مع تكرار بعض كلمات العبارة السابقة وعدم وضوح بعض الكلمات وكل ذلك تحريف، والصواب ما أثبته من نسخة ابن تيمية.
٣ في نسخة ابن تيمية "الملغز".
٤ في الأصل "لا"، وما أثبته من (ت) ونسخة ابن تيمية.
٥ يبين الأشعري هنا أن الرسول ﷺ بين لأمته بياناً شافياً أصول الدين وفروعه، ومن أوضح الأدلة على ذلك أن المشركين الذين ناصبوه العداء لم يجدوا فيما دعاهم إليه أي خلل أو نقص يتهمونه فيه بالتقصير أو عدم الكمال، وبناءً عليه فلسنا بحاجة إلى ما جاء به أهل البدع والضلال، ويكفينا ما جاء من عند الله ورسوله.
٦ في نسخة ابن تيمية: "بهم".
٧ في الأصل: "ومزيد" وما أثبته من (ت) ونسخة ابن تيمية.
٨ يشير إلى معنى هذا الحديث ما أخرجه الحاكم عن العرباض بن سارية قال: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقلنا يا رسول الله: إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعد إلا هالك ..." الحديث. انظر المستدرك ١/٩٦، ومسند أحمد ٤/١٢٦، وابن ماجة في مقدمة سننه ١/٤، وابن أبي عاصم في كتابه السنة، وقد حكم الألباني على مجموع أسانيد هذه الروايات بالصحة. انظر: تخريجه لكتاب السنة المسمى بظلال الجنة ١/١٩، ٢٠، ٢٦، ٢٧، وكلمة "الواضحة" الواردة في كلام الأشعري لم أقف عليها في الروايات المشار إليها، كما لم يشر إليها الألباني، لكن قد أخرج مالك في الموطأ قول عمر بن الخطاب ﵁: "... أيها الناس قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتكم على الواضحة...". (انظر تنوير الحوالك شرح على موطأ مالك ٣/٤٢) .стр. 108
طعن لمبتدع، إذ كان ﵇ قد أقام الدين بعد أن أرسى أوتاده١، وأحكم أطنابه٢.
ولم يدع ﷺ لسائر من دعاه٣ إلى توحيد الله حاجة إلى غيره ولا لزائغ طعناً عليه، ثم مضى ﷺ محموداً بعد إقامته الحجة، وتبليغ الرسالة، وأداء الأمانة، والنصيحة لسائر الأمة، حتى لم يحوج أحداً٤ من أمته البحث عن شيء قد أغفله هو مما ذكره لهم، أو معنى أسره إلى أحد من أمته٥ بل قد قال ﷺ في المقام الذي لم ينكتم قوله فيه لاستحالة كتمانه على من حضره، (أو طي شيء منه على من شهده) ٦ "إني خلفت فيكم ما إن تمسكتم به٧ لن تضلوا كتاب الله وسنتي"٨ ولعمري إن فيهما الشفاء من كل أمر
الحواشي
(١) ١ الأوتاد: جمع وتد، وهو ما رز في الحائط أو الأرض من الخشب قال تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾ (انظر: لسان العرب ٣/٤٤٤، والقاموس ١/٣٥٦) .
٢ الأطناب: جمع طنب، والطنب: حبل طويل يشد به البيت من الحبال بين الأرض والطرائق. (انظر: لسان العرب ٢/٤٩، وقال ابن فارس: "هو لفظ يدل على ثبات الشيء وتمكنه في استطالة". انظر معجم مقاييس اللغة ٣/٤٢٦.
٣ في (ت) : "ما ادعاه".
٤ في (ت) : "أحد".
٥ ذكر الأشعري في الصفحات السابقة تبليغ النبي ﷺ لجميع ما نزل عليه من الوحي، وشهدت أمته له بذلك، وهنا يتعرض للطائفة الرافضة الذين يقولون بأن النبي ﷺ خص علياً بشيء من الرسالة لم يعرفه أحد من أمته، بل ذهبوا إلى أن القرآن الموجود بين يدي المسلمين اليوم محرف مبدل ناقص، والقرآن الحقيقي جمعه علي بن أبي طالب وهو محفوظ عند الإمام الغائب كما يزعمون. انظر ما ذكره أحد أئمتهم في الضلال المدعو حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي في كتابه: فصل الخطاب في تحريف كلام رب الأرباب، مطبوع مصور بمكتبة الجامعة الإسلامية المركزية تحت رقم عام ٤٥٠٩٣، وانظر الخطوط العريضة لمحب الدين الخطيب ص١٤، ١٥، طبعة الجامعة الإسلامية.
ومما يدفع هذا الضلال والبهتان قول علي نفسه لما سئل هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: "لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهماً يعطيه الله أحداً في كتابه وما في هذه الصحيفة..." الحديث أخرجه البخاري في كتاب العلم باب ٣٩ ج١/٣٦، ومسلم في الإيمان باب ١٢١، والترمذي في الديات باب ١٦ ج٤/٢٤، والنسائي في القسامة ٨/٢٣، والدارمي في الديات ٢/١٩٠، وأحمد في مسنده ١/٧٩.
٦ ما بين المعقوفتين من نسخة ابن تيمية، وفي الأصل، و (ت) : "أو ظن منه من شهده".
٧ ساقطة من (ت) .
٨ أخرج هذا الحديث محمد بن نصر المروزي في كتابه السنة بلفظ: "... وقد تركت فيكم أيها الناس ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً كتاب الله وسنة نبيه...". انظر كتابه السنة ص٢٠، ٢١، وهكذا أخرجه الحاكم في المستدرك ١/٩٣ وصححه ووافقه الذهبي، وقال: وله أصل في الصحيح وذلك فيما أخرجه مسلم في كتاب الحج باب ١٩ ج٢/١٩٠.стр. 109
مشكل، والبرء من كل داء معضل١، وإن في حراستهما من الباطل على ما تقدم ذكرنا له آية٢ لمن نصح نفسه، ودلالة لمن كان الحق قصده.
وفيما ذكرنا دلالة على صحة ما استندوا إلى الاستدلال، وقوة لما عرفوا الحق منه، فإذا كان ذلك على ما وصفنا، فقد علمتم بهت أهل البدع لهم في نسبتهم لهم إلى التقليد، وسوء اختيارهم في المفارقة لهم، والعدول عما كانوا عليه معهم وبالله التوفيق٣.
وإذ قد بان بما ذكرناه استقامة طرق استدلالهم وصحة معارفهم فلنذكر الآن ما أجمعوا عليه من الأصول.
الحواشي
(١) ١ معضل: يعني شديد. قال ابن منظور: "وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: أعضل بي أهل الكوفة ما يرضون بأمير ولا يرضاهم أمير". قال الأموي في قوله: أعضل بي: هو من العضال، وهو الأمر الشديد الذي لا يقوم به صاحبه". (انظر: لسان العرب ١٣/٤٧٩) .
٢ ساقطة من (ت) .
٣ ذهب البعض إلى أن السلف كانوا في إيمانهم مقلدين، لا يعرفون معاني النصوص وما تدل عليه، وخاصة في باب الأسماء والصفات. وقال بعضهم: إن السلف أعلم، والخلف أحكم، وهو قول باطل فاسد؛ لأن السلف أعلم بكتاب الله وسنة رسوله فهم متبعون لا مبتدعون كالخلف ويكفيهم أنهم أتباع محمد ﷺ وصحابته الكرام، لا يزيدون على ذلك ولا ينقصون، والمبتدعون من الخلف لا يعرفون قدر السلف ومنزلتهم، ولقد رد عليهم ابن تيمية في ذلك. (انظر: الفتوى الحموية الكبرى ص٦ الطبعة الثالثة بالمطبعة السلفية بالقاهرة. وكذلك مختصر الصواعق ١/٨ لابن القيم، وفتح الباري ١٣/٣٥٢ لابن حجر) .
ولقد عرف السابقون علم السلف فشادوا به ودعوا الناس إلى تعلمه، قال الأوزاعي: "العلم ما جاء عن أصحاب محمد، وما لم يجيء عن واحد منهم فليس بعلم"، وورد مثل هذا عن الإمام أحمد وغيره. انظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢/٢٩.
ونقل ابن رجب كلام الأوزاعي السابق، ثم قال: "وفي زماننا يتعين كتابة كلام السلف المقتدى بهم في زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم". انظر رسالته فضل علم السلف على الخلف ص١٣.
ويلحق بعلوم السابقين من سار على طريقتهم من العلماء المتمسكين بالكتاب والسنة السائرين على منهاج النبوة.стр. 110
(باب ذكر ما أجمع عليه السلف من الأصول) ١ التي نبهوا بالأدلة عليها وأمروا في وقت النبي ﷺ بها٢.
الحواشي
(١) ١ ما بين المعقوفتين من (ت) .
٢ في الجزء الآتي من الرسالة يذكر الأشعري معظم ما أجمع عليه سلف هذه الأمة في باب العقائد، لذا أحب أن أقدم بين يدي ما ذكره من إجماعات كلمة قصيرة عن معنى الإجماع وحكمه ومنزلته تاركاً التفصيلات في ذلك لكتب الأصول.
الإجماع لغة: العزم والاتفاق. قال تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُم﴾ أي: أعزموه، ويصح إطلاقه على الواحد فيقال: أجمع. (انظر: القاموس المحيط ٣/١٥، وشرح الكوكب المنير ٢/٢١١) .
وفي الاصطلاح: اتفاق مجتهدي الأمة في عصر على أمر، ولو كان الأمر فعلاً اتفاقاً كائناً بعد النبي ﷺ . (انظر المرجع السابق وشرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول ص٣٢٢، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي ص١٩، ٢٠) .
حكم الإجماع: ذهب جمهور العلماء إلى أن الإجماع حجة قاطعة يجب اتباعه وتحرم مخالفته، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (النساء آية: ١١٥) .
قال ابن حزم: "ثم اتفقنا نحن وأكثر المخالفين لنا على أن الإجماع من علماء أهل الإسلام حجة وحق مقطوع به في دين الله " (انظر الإحكام في أصول الأحكام ٤/٦٤٠ الطبعة الأولى بتحقيق محمد أحمد عبد العزيز.
وقد ذكر الغزالي النص على حجية الإجماع من ثلاثة طرق، وهي الكتاب والسنة والعقل. انظر المستصفى ١/١٧٤.
منزلة إجماع السلف وأهميته في باب العقائد:
ذكر علماء السنة أن ما أجمع عليه في باب العقائد لا يمكن لأحد مخالفته ولا الخروج عنه؛ لأنه موافق للقرآن والسنة، وعلى هذا فالخارج عليه خارج عن الكتاب والسنة، ومن هنا قال اللالكائي في مقدمة كتابه: "أما بعد فإن أوجب ما على المرء: معرفة اعتقاد الدين، وما كلف الله به عباده من فهم توحيده وصفاته وتصديق رسله بالدلائل واليقين والتوصل إلى طرقها والاستدلال عليها بالحجج والبراهين، وكان من أعظم مقول وأوضح حجة ومعقول: كتاب الله الحق المبين. ثم قول رسول الله ﷺ وصحابته الأخيار المتقين، ثم ما أجمع عليه السلف الصالحون. ثم التمسك بمجموعها والمقام بها إلى يوم الدين". (انظر: أصول اعتقاد أهل السنة ١/٩ من النص المحقق) .
ويقول ابن تيمية: "كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصاً عليه من الرسول، فالمخالف لهم مخالف للرسول، كما أن المخالف للرسول مخالف لله، ولكن هذا يقتضي أن كل ما أجمع عليه فقد بينه الرسول، وهذا هو الصواب، فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإجماع فيستدل به، كما أنه يستدل بالنص من لم يعرف دلالة النص، وهو دليل ثان مع النص كالأمثال المضروبة في القرآن، وكذلك الإجماع دليل آخر، كما يقال قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، وكل من هذه الأصول يدل على الحق مع تلازمها فإن ما دل عليه الإجماع، فقد دل عليه الكتاب والسنة، وما دل عليه القرآن فعن الرسول أخذ، فالكتاب والسنة كلاهما مأخوذ عنه، ولا يوجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص". انظر رسالة معارج الوصول ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ص٢٠٥، مطبعة محمد علي صبيح، وانظر مجموع الفتاوى ٣/١٥٧.
وهذا التوضيح من ابن تيمية لا يحتاج إلى تعليق، غاية الأمر هو أنني أود أن أنبه بذلك إلى قيمة ما يذكره الأشعري من إجماعات في هذه الرسالة، وأن ما أجمع عليه في مسائل العقيدة، وورد إلينا عن سلف هذه الأمة هو دين الله الذي لا دين سواه، ومخالف ما صح من ذلك مخالف لله والرسول، وإليك الآن حكم مخالف.
قال القرافي: "تكفير المخالف له وإن قلنا به، فهو مشروط بأن يكون المجمع عليه ضرورياً من الدين، أما من جحد ما أجمع عليه من الأمور الخفية في الجنايات وغيرها من الأمور التي لا يطلع عليها إلا المتبحرون في الفقه فهذا لا نكفره، إذا عذر بعدم الاطلاع على الإجماع". (انظر: شرح تنقيح الفصول ص٣٣٧) .следующие страницы →