← Акыда

Акыда · id 11226

رسالة مهمة للإمام المجاهد العلامة عبد العزيز بن محمد بن سعود

عبد العزيز بن محمد بن سعود

Полный текст (57 стр.). Показаны 36–57 · переход к 41.

стр. 36

وقوله: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١) وأمثال هذا الخطاب الذي يعترف فيه بأنه ربه وخالقه ومليكه، وأن ملكوت كل شيء في يده تعالى وتقدس، وإنما كفر بعناده وتكبره عن الحق وطعنه فيه وزعمه انه فيما ادعاه وقاله محق. وكذلك المشركون الأولون يعرفون ربوبيته تعالى، وهم له بها يعترفون، قال تعالى: ﴿قلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (٢) وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٤) فمن دعا غيره تعالى لم يكن مخلصاً، وقال تعالى:

стр. 37

﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٢) والآيات في هذا الباب كثيرة جداً. وروى الإمام أحمد في مسنده والترمذي من حديث حصين ابن عبيد أن رسول الله ﷺ قال: "يا حصين كم تعبد؟ قال ستة في الأرض وواحداً في السماء. قال: فمن ذا الذي تعد لرغبتك؟ قال الذي في السماء. فقال له رسول الله ﷺ : "أسلم حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بهن" فأسلم فقال له قل: "اللهم الهمني رشدي وقني شر نفسي". فمجرد معرفتهم بربوبيته تعالى واعترافهم بها لم تنفعهم ولم تدخلهم في الإسلام لما جعلوا مع الله آلهة أخرى يدعونها ويرجونها لتقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم عنده، فبذلك

стр. 38

كانوا مشركين في عبادته ومعاملته. ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم: لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. والمقصود من الأدلة السابقة، ومما يأتي أن يفهم القارئ أن الدعاء هو العبادة روى النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الدعاء هو العبادة" -وفي رواية- "مخ العبادة" ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح، ورواه أيضاً النسائي، وابن ماجه والحاكم والإمام أحمد وابن أبي شيبة بهذا اللفظ. وهذه الصيغة تفيد حصر الدعاء على العبادة فلا يخرج عنها لأنها من الصفات اللازمة التي ليس لها مفهوم يخالف الظاهر كقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ (٢) إذ كل مدعو فهو اله قصد الداعي أن يكون مدعوه إلهاً أم لا، اتخذه المشركون الأولون أم لا، وليس ثم دعاء اله آخر له برهان.

стр. 39

فصل يوضح ما قدمنا أن الله وصف دين المشركين ... فصل وضح ما قدمنا أن الله وصف دين المشركين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١) الآية: فبين في هذه الآية أن قصدهم الشفاعة. وفي صحيح البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك", قال: فقلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك" قال: قلت: ثم أي؟ قال: "ان تزاني بحليلة جارك" فأنزل الله تصديقها ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ (٢) فبين النبي ﷺ أن أعظم الذنوب الشرك بالله الذي هو جعل الانداد واتخاذهم من خلقه ليقربوهم وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم". فدين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه.

стр. 40

فصل والشرك شركان: أكبر وله أنواع، ومنه الذي تقدم بيانه آنفاً. وشرك أصغر كالرياء والسمعة، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه". ومنه الحلف بغير الله لما روى ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ : "من حلف بغير الله فقد أشرك" أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وصححه ابن حبان. وقال ﷺ : "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" أخرجه الشيخان وروى الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال له رجل ما شاء الله وشئت قال: "أجعلتني لله ندا؟ قل ما شاء الله وحده" والشرك الأصغر لا يخرج عن الملة، وتجب التوبة منه ومن كل ذنب.

стр. 41

فصل: فلم يبق إلا التوسل بالأعمال الصالحة كتوسل المؤمنين بإيمانهم في قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ (١) وكتوسل أصحاب الصخرة المنطبقة عليهم وهم ثلاثة نفر توسلوا إلى الله بالأعمال الصالحة. والحديث في صحيح البخاري. والله سبحانه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله. وكسؤال الله بأسمائه الحسنى قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢) وكالأدعية المأثورة في السنن "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض ياذا الجلال والإكرام" وأمثال ذلك، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (٣)

стр. 42

والوسيلة القرب التي يتقرب بها إلى الله وتقرب فاعلها منه، وهي الأعمال الصالحة لما روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "قال الله من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب وما تقرب لي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه" الحديث. ولهذا كان رسول الله ﷺ إذا أهمه أمر فزع إلى الصلاة لأنها أعظم القرب إلى الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ (١) وأما التوسل بمخلوق وجعله واسطة بين الله وبين عبده، فهو عين ما نهى الله عنه في الآيات وأنزل بقبحه الكتب وأرسل الرسل: ومنه ما قالت بنو إسرائيل لموسى: "اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة" وكان قصدهم يتقربون به.

стр. 43

فصل وأما الاقسام على الله بمخلوق فهو منهي عنه باتفاق العلماء ، وهل هو منهي عنه نهي تنزيه أو تحريم؟ على قولين "أصحهما" أنه كراهة تحريم، واختاره العز بن عبد السلام في فتاويه. قال بشر بن الوليد سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة رحمهما الله لا ينبغي لأحد أن يدعوا الله إلا به، وأكره أن يقول بمعاقد العز من عرشك، أو بحق خلقك، وهو قول أبي يوسف. قال أبو يوسف بمعاقد العز من عرشك هو الله فلا أكره هذا، وأكره بحق فلان، وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام، والمشعر الحرام. قال القدوري ﵀: المسألة بحق المخلوق لا تجوز لهذا فلا يقول: أسألك بفلان وبملائكتك وأنبيائك ونحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على الخالق، انتهى. وأما قوله "وبحق السائلين عليك" ففيه عطية العوفي وفيه ضعف، ومع صحته فمعناه بأعمالهم لأن حقه تعالى عليهم طاعته وحقهم عليه الثواب والإجابة، وهو تعالى وعد أن يستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله. وإذا والى العبد ربه وحده أقام الله له ولياً من الشفعاء، وهي الموالاة بينه وبين عباده المؤمنين فصاروا أولياءه في الله

стр. 44

بخلاف من اتخذ مخلوقاً من دون الله أو معه، فهذا نوع وذلك نوع آخر. كما أن الشفاعة الشركية الباطلة نوع، والشفاعة الحق الثابتة التي تنال بالتوحيد نوع آخر.

стр. 45

فصل ومما استدل به علينا الخصم وزعم أن دعوة غير الله وسيلة قوله: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة، يامحمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم شفعه فيَّ" رواه الترمذي والحاكم وابن ماجة عن عثمان بن حنيف فجوابه من وجوه. " الأول " أنه في غير محل النزاع إذ ليس فيه سؤال النبي ﷺ نفسه، وإنما فيه سؤال الله وحده أن يشفع فيه نبيه. فأين هذا من عمارة القبور وإلقاء الستور عليها وتسريجها الذي وردت النصوص الصريحة الصحيحة في تحريمه كما في السنن أنه ﷺ لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج، وهذه كلها كبائر كما قال أهل العلم حتى ابن حجر الهيتمي وغيره حددوها بأنها ما أتبع بلعنة أو غضب أو نار. والأحاديث في تحريم عمارة القبور كثيرة في الصحيحين وغيرهما وارتكاب الكبائر والبناء على القبور ونحوه جنى على الأمة أعظم البلاء من دعاء أصحابها ورجاءهم، والالتجاء إليهم، والنذر لهم، وكتب الرقاع لهم، وخطابهم يا سيدي افعل كذا وكذا، وبهذا عبدت اللات والعزى، والويل كل الويل عندهم لمن عاب وأنكر عليهم.

стр. 46

ومن قارن بين سنة رسول الله ﷺ في القبور وزيارتها، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه الناس اليوم رأى أحدهما مضاداً للآخر، مناقضاً له. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وإذا كان سبب قول الله : ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) مجيء حبر من اليهود إلى رسول الله ﷺ والمسلمين، وقوله: نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله أنداداً فتقولون: ما شاء الله وشاء فلان فقال رسول الله ﷺ : "أما إنه قد قال حقاً" وأنزل الله ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وممن اخرج الحديث جلال الدين السيوطي في الدر المنثور في تفسيره. وهؤلاء يجب أحدهم معتقده أكثر من حب الله، وان زعم أنه لا يحبه كحبه، فشواهد الحال تشهد عليه بذلك، فإنه يعظم القبر أعظم من بيت الله، ويحلف بالله كاذباً ولا يحلف بمعتقده. فلا جامع بين ما استدلوا به علينا وبين ما نهيناهم عنه. " الثاني " ان الحديث دليل لنا أنه لا يدعي غير الله ، فإن قوله: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة" سؤال الله لا للمخلوق. وتوجه إليه بدعاء نبيه بدليل ما يأتي بعد. وقوله: "يا محمد إني

стр. 47

أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي. اللهم شفعه في" معناه: أتوجه إليك بدعاء نبيك وشفاعته التي معناها في هذه الدار الدعاء. ولهذا قال في تمام الحديث: "اللهم شفعه في" أي استجب دعاءه وهذا متفق على جوازه، إذ الحي يطلب منه سائر ما يقدر عليه. أما الغائب والميت فلا يستغاث به، ولا يطلب منه مالا يقدر عليه قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (١) إنما غايته طلب الدعاء من الحي، وقبول شفاعته عند الله ، وهو صلي الله عليه وسلم انتقل من هذه الدار إلى دار القرار بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة. ولهذا استسقي أصحابه بعمه العباس بن عبد المطلب، وطلبوا منه أن يدعوا لهم في الاستسقاء عام القحط، أخرجه البخاري عن أنس ابن مالك ﵁، ولم يأتوا إلى قبره ولا وقفوا عنده مع أن حياته ﷺ في قبره برزخية، والدعاء عنده مبناها على التوقيف والاتباع. ولو كان هذا من العبادات لسنه الرسول، ولكان أصحابه أعلم بذلك وأتبع. ولهذا لم يفعله أحد من الصاحبة ولا التابعين مع شدة

стр. 48

احتياجهم وكثرة مدلهماتهم. وهم أعلم بمعاني كتاب الله وسنة رسوله وأحرص على اتباع ملته من غيرهم، بل كانوا ينهون عنه وعن الوقوف عند القبر للدعاء عنده وهم خير القرون التي نص عليها النبي ﷺ في قوله: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم" قال عمران: لا أدري أذكر اثنين أو ثلاثا بعد قرنه. أخرجه البخاري في صحيحه. " الثالث " أنهم زعموا أنه دليل للوسيلة إلى الله بغير محمد ﷺ وخرجوا عن محل النزاع إلى شيء آخر، وهو التوسل بغير رسول الله ﷺ ولا دليل فيه أصلاً، لأنهم صرحوا بأنه لا يقاس مع الفارق. فلا يجوز لنا أن نقول: اللهم إنا نسألك ونتوجه إليك برسولك نوح، يا رسول الله يا نوح. ولا لنا أن نقول: إنا نسألك ونتوجه إليك بخليلك إبراهيم ولا بكليمك موسى، ولا بروحك عيسى، مع أن الجامع في نوح ﵇ الرسالة، وفي ابراهيم ﵇ الخلة مع الرسالة، وفي موسى روح الله وكلمته مع الرسالة، فليس لنا أن نقول هذا لأنه لم يرد، ولا حاجة لنا إلى فعل شيء لم يرد. والقياس إنما يباح عند من يقول به للحاجة في حكم لا يوجد فيه نص. فإذا وجد النص فلا يحل القياس عند من يقول به ولا حاجة لنا إلى قول مخترع يجر إلى الشرك، خصوصاً مع ماورد فيه، وأنه في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل وأن هذه

стр. 49

الأمة افترقت على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، فالناجية من اتبع ما كان عليه ﷺ وأصحابه. " الرابع " أن الوسيلة ليست هي أن ينادي العبد غير الله، ويطلب حاجته التي لا يقدر على وجودها إلا الرب ﵎ ممن لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، وأن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه.

стр. 50

فصل: ومما استدل به علينا في جواز دعوة غير الله في المهمات قوله ﷺ : "إذا انفلتت دابة أحدكم في أرض فلاة فلينادي يا عباد الله احبسوا " ... فصل ومما استدل به علينا في جواز دعوة غير الله في المهمات قوله ﷺ في الحديث الذي رواه ابن مسعود: "إذا انفلتت دابة أحدكم في أرض فلاة فلينادي يا عباد الله احبسوا". وفي رواية "إذا أعيت فلينادي يا عباد الله أعينوا" وهذا من جملة الجهل والضلال، وإخراج المعاني عن مقاصدها من وجوه. " الأول " أن هذه ليست بوسيلة أصلاً، إذ معنى الوسيلة ما يتقرب به من الأعمال إلى الله وهذا ليس بقربة. " الثاني " أن الحديثين غير صحيحين. أما الأول فرواه الطبراني في الكبير بسند منقطع عن عقبة ﵁، وحديث انفلات الدابة عزاه النووي ﵀ لابن السني وفي اسناده معروف بن حسان، قال بن عدى هو منكر الحديث ولا دليل في هذين الحديثين مع ضعفهما ولا في الحديث المتقدم قبلهما على دعاء أصحاب القبور كعبد القادر الجيلاني من قطر شاسع، بل ولا ينادي غيره لا الأنبياء، ولا الأولياء، إنما غايته أن الله جعل من عباده من لا يعلمهم إلا هو سبحانه ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ وإذا نادى شخصاً باسمه معيناً فقد كذب على رسول الله صلى الله وعليه وسلم " ... " من لا يؤمر بندائه، وليس معنى الحديث في كل حركة

стр. 51

وسكون وقيام وقعود، وإنما أبيح له ذلك إن أراد عوناً على حمل متاعه أو انفلتت دابته، هذا مع تقدير صحة الحديث. " الثالث " إن الله تعالى قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ (١) فبعد أن أكمله بفضله ورحمته. لا يحل أن نخترع فيه ما ليس منه ونقيس مالا قياس عليه. " الرابع " ان الحديث الصحيح إذا شذ عن قواعد الشرع لا يعمل به، فإنهم قالوا ان الحديث الصحيح الذي يعمل به إذا رواه العدل الضابط عن مثله من غير شذوذ ولا علة، فكيف العمل بالحديث المتكلم فيه بما يدل عليه دلالة مطابقة، ولا تضمن، ولا التزام، فهذا هو البهتان. " الخامس " انهم دعموا إجابتهم بذكر من يعتقدون ونسبوا الأفعال إليهم، وكل أحد يذكر ما وقع له من الاستغاثة بفلان وانه أنجده، وكشف شدته. فإذا قال أحد سبحان الذي بيده ملكوت كل شيء، سبحانك هذا بهتان عظيم قاموا عليه وخرجوه وبدعوه، وقالوا معلوم أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فإذا قال نعم ولكن ليس لأحد منهم ملكوت " ... " والله

стр. 52

يقول: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (١) يكون جواب من يدعي العلم والإنصاف أن هذه الآية نزلت في عبادة الأصنام فيقال له: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب". ومن المكابرة أن يعمل شخص كعمل المشركين أو أشد ثم يقول أنا لست بمشرك، فلم يبق لهذا الزاعم ما يتشبث به إلا قوله بأن الأمة مطبقة على هذا، والأمة لا تجمع على ضلالة. فيلزم تضليل الأمة وتسفيه الآباء. وجوابه أن هذا كذب على الأمة، وهذه كتب الحديث والتفسير كلها تنص على أن لا يجوز أن يدعي غير الله بما لا يقدر عليه إلا هو ولا يباح، بل الآيات البينات والأحاديث وأقوال العلماء ترشد أن هذا شرك محقق والله تعالى يقول لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ (٢)

стр. 53

ويقول: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) والأحاديث ونصوص العلماء لا تخالف الكتاب. " السادس " أنهم اختلفوا في التوسل إليه بشيء من مخلوقاته تعالى وتقدس هل هو مكروه أو حرام، والأشهر الحرمة كما قال به أبو محمد العز بن عبد السلام في فتاويه أنه لا يجوز التوسل إليه بشيء من مخلوقاته لا الأنبياء ولا غيرهم، وتوقف في حق نبينا محمد ﷺ هل فيه الحرمة أو الكراهة، وتقدم قول أبي حنيفة وأصحابه ﵏. " السابع " أنهم يشترون أولادهم ممن يعتقدون فيه السر والبركة ويعبدونهم لهم ويبنون لهم الزوايا ويعمرونها بآلات الطرب واللهو ومطارق الحديد يضربون بها أنفسهم، ومن ألئك جماعة يعرفون بالعلوانية، والقادرية والرفاعية وأشباههم، وهذه أسماء ما أنزل الله بها من سلطان. والله قد سمانا المسلمين. قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ (٢)

стр. 54

فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير. وإذا مرض هذا المشتري من المعتقد نذر أهله له النذور، ولم يزل يستغيث به أن يشفي سقمه، ويكشف شدته، وهذا الأمر سرى في العلماء والجهال، فهم قد غلبت عليهم العوائد وسلبت عقولهم عن تفهم المراد والمقاصد، من الكتاب والسنة، وكلام الأئمة إلا من شاء الله.

стр. 55

فصل: فبهذا تتبين أن الشيطان اللعين خدع أهل البدعة والجهل فنصبوا قبورا يعظمونها ويعبدونها من دون الله ... فصل فبهذا يتبين أن الشيطان اللعين خدع أهل البدعة والجهل فنصبوا قبورا يعظمونها ويعبدونها من دون الله، ثم أوحى إلى أوليائه أن من نهى عن عبادتها واتخاذها أعيادا فقد انقصها حقها، فيسعى الجاهلون المشركون في قتالهم وعقوبتهم. وما ذنبهم عند هؤلاء إلا أنهم أمروهم بإخلاص التوحيد، ونهوهم عن الشرك بأنواعه وقالوا بتبطيله، فعند ذلك غضب أولئك المشركون، واشمأزت قلوبهم. وقالوا قد انتقصوا أهل المقامات والرتب، فاستحقوا الويل والعتب، وزعموا أنا لا نحترم الصالحين ولا نحبهم حتى سرى ذلك في نفوس الجهال والطغام وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، وبسبب ذلك عادونا ورمونا بالعظائم والجرائم، ونسبوا كل قبيح إلينا ونفروا الناس عنا وعما ندعو إليه ووالوا أهل الشرك وظاهروهم علينا، وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله وكتابه ويأبي الله ذلك، فما كانوا أولياءه أن أولياؤه إلا المتقون، الموافقون له، العارفون به، وبما جاء به، والعاملون به، والداعون إليه لا المتشبعون بما لم يعطوا، اللابسون ثياب الزور، الذين يصدون الناس عن دين نبيهم وهديه وسنته ويبغونها عوجا وهم يحسبون أهم يحسنون صنعاً.

стр. 56

وتعظيم الأنبياء والأولياء واحترامهم ومحبتهم متابعتهم فيما يحبون ويأمرون به، وتجنب ما يكرهونه وما ينهون عنه قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ (١) فأهل التوحيد أين كانوا أولى بهم وبمحبتهم ونصرة طريقهم وسنتهم وهديهم ومناهجهم، وأولى بالحق قولاً وعملاً من هؤلاء المبتدعة الذين كانوا هم أعصى الناس لهم وأبعدهم عن هديهم ومتابعتهم. وصنيعهم معهم كصنيع النصارى مع المسيح، وكاليهود مع موسى، والرافضة مع علي. ومن أصغى إلى كلام الله بكلية قلبه وتدبره وتفهمه أغناه عن اتباع الشياطين وشركهم الذي يصد عن ذكر الله وعن الصلاة وينبت النفاق في القلب. وكذلك من أصغى إليه وإلى حديث الرسول واجتهد في اقتباس الهدي والعلم منهما أغنياه عن البدع والشرك والآراء والترخصات والشطحات والخيالات التي هي وساوس الشيطان. وكذلك من عمر قلبه بمحبة الله وبخشيته والتوكل عليه أغناه أيضاً عن عشق الصور، وإذا خلا عن ذلك صار عبد هواه أي شيء استحسنه ملكه واستعبده

стр. 57

فالمعرض عن التوحيد عابد للشيطان مشرك شاء أم أبى. كما في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي واسمه حيان بن حصين قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على مابعثني عليه رسول الله صلى الله وسلم أن لا أدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته. وفي الصحيح أيضا عن ثمامة بن شفى الهمداني قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم فتوفى صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوى فقال سمعت رسول الله عليه وسلم يأمر بتسويتها. وقد أمر به وفعله الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون. قال الشافعي في "الأم" ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم مايبنون على القبور. ويؤيد الهدم قوله"ولا قبرا مشرفا إلا سويته" وحديث جابر الذي في صحيح مسلم نهى ﷺ عن البناء على القبور ولأنها أسست على معصية الرسول لنهيه عن البناء عليها وأمره بتسويتها فبناء أسس على معصية الرسول ومخالفته بناء غير محترم وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعاً، وأولى من هدم مسجد الضرار المأمور بهدمه شرعاً إذ المفسدة أعظم حماية للتوحيد والله المستعان وعليه التكلان وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله على أفضل المرسلين سيدنا ونبينا وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.