تقديم سماحة الرئيس العام لادارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن آل باز
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم سماحة الرئيس العام لادارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والإرشاد/ الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن آل باز
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين. والصلاة والسلام على عبده ورسوله وصفوته من خلقه وأمينه على وحيه الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله ودعا بدعوته ونصر سنته واهتدى بهداه إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه رسالة موجزة يقدمها للقراء صاحب السمو الملكي الأمير المكرم بندر بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد آل سعود ضاعف الله مثوبته ونصر به الحق وهي من مؤلفات عم جده الثالث تركي ابن عبد الله الإمام العلامة ناصر السنة وقامع البدعة عبد العزيز بن محمد بن سعود أمير المؤمنين في عصره وحامل لواء الجهاد في زمانه في البلاد النجدية وملحقاتها تولى الإمامة بعد أبيه محمد بن سعود ﵀ وبايعه الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب والأمراء والأجناد والمسلمون بعد وفاة أبيه ﵀ عام ١١٧٩هـ. وقام بالإمامة والدعوة إلى الله سبحانه والجهاد في سبيله أحسن قيام واستمر في ذلك مجاهداً في سبيل
стр. 2
الله ناصراً للسنة وقامعاً للبدعة وناشراً لعلوم الشريعة ومناصراً للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ولأنصاره والداعين إلى سبيل الله بسيفه وسنانه وقلمه ولسانه حتى وافته المنية في عام ١٢١٨هـ. ﵀ رحمة واسعة ورفع درجاته في المهديين وضاعف له المثوبة وجزاه عما قدمه للمسلمين من نصر وجهاد ودعوة وتعليم وعناية بشئونهم ومواساة لفقرائهم أحسن الجزاء وأفضله وبارك في أسرته أسرة آل سعود وأسرة آل الشيخ محمد ونصر بهم الحق كما نصره بأولهم وجعلهم من الهداة المهتدين انه جواد كريم. وهذه الرسالة التي يقدمها سمو الأمير بندر كتبها الإمام عبد العزيز ﵀ إلى العلماء والقضاة في الحرمين والشام ومصر والعراق وإلى غيرهم من علماء المشرق والمغرب أبان فيها دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي الحنبلي ﵀ وبين أنها هي الدعوة التي دعت إليها الرسل عليهم الصلاة والسلام وعلى رأسهم إمامهم وخاتمهم وأفضلهم نبينا محمد ﷺ وبارك عليه وعليهم أجمعين وأوضح فيها ﵀ حقيقة العبادة التي خلق الله من أجلها الثقلين وأرسل بها الرسل وأنزل بها الكتب وحقيقة الشرك الذي أنذرت منه الرسل وحذرت منه أممها وبين ﵀ الأمور التي أنكرها الناس على أصحاب هذه الدعوة المباركة وأضح أدلتها وكشف الشبه التي تعلق بها عباد الأنبياء والأولياء فجاءت
стр. 3
بحمد الله رسالة كافية شافية في بيان حقيقة التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأقام الله عليه سبحانه الأدلة والبراهين في كتابه المبين وعلى لسان رسوله الأمين. كما جاءت كافية شافية في بيان الشرك الوخيم الذي حذر الله منه عباده وأنكرته الرسل على أممهم وحكم الله على أهله بالخلود في النار وحرمانهم من دخول الجنة دار الأبرار كما قال : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) وقال : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) ولعظم شأن هذه الرسالة وكثرة فوائدها رأيت أن أقدم لها هذه المقدمة الموجزة تأييداً لما تضمنته من الحق وبياناً لشيء من ترجمة مؤلفها وعلمه وفضله وما قام به من النصرة لدين الله
стр. 4
والجهاد في سبيله بسيفه وسنانه وقلمه ولسانه ومناصرته دعاة الحق وقمعه دعاة البدعة والشرك ﵀ وأكرم مثواه وأسأل الله أن ينفع بها المسلمين وأن يضاعف الأجر لكاتبها وأن يجزيه أحسن جزاء وأفضله عما قام به من النصر لدين الله والدعوة إلى سبيله والجهاد لأعدائه وأن يوفق سمو الأمير بندر لكل خير وأن يضاعف مثوبته وأن يجعلنا وإياه وجميع أسرته وإخوانه وجميع أسرة آل الشيخ محمد ﵀ من أنصار الحق والهدى وأن يعيذ الجميع من مظلات الفتن انه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.
حرر في ١٥/٦/١٤٠٧هـ
عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن آل باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة:
لفضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
فإن الله بعث المرسلين مبشرين ومنذرين، يبشرون الموحد المتبع سبيلهم، وينذرون المشرك المخالف طريقهم، وإن دين الإسلام الذي بعث الرسل جميعاً به دين التوحيد هو الغاية من خلق الإنس والجن، فما خلقوا إلا للعبادة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (١) وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) فالعبادة الخالصة خلق من أجل تحقيقها الثقلان، وما
стр. 6
أسماها من غاية، وما أعظمها من تشريف.
وإن الرسل صلوات الله عليهم إذا بلغوا ثم رحلوا خلف من بعدهم خلوف، غيروا طريقهم وتنكبوا سبيلهم، متبعين السبل المتفرقة، يقودهم الشياطين، شياطين الإنس والجن، ويحثهم داعياً الشهوة والشبهة، ولهما في القلوب شر مستطير، وتأثير كبير خطير.
وإن رسولنا محمداً صلى الله وعليه وسلم تركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، أبان التوحيد وحمى حماه وأوضح سبيل المشركين بالبلاغ والبيان، ﷺ وجزاه الله عن أمته خير ما جزى به نبياً عن أمته، فما توفاه الله إلا والتوحيد الخالص قد عم الأرض الطيبة، وتربى عليه صحابته الكرام، الذين كتب الله على أيديهم النصر، وإرساء الدين، دين الإسلام، دين التوحيد والبراءة من الشرك، في أكثر أقطار الأرض والحمد لله رب العالمين.
وبعد هذا الخير العظيم، وبعد انقضاء القرون المفضلة، ظهرت في الناس دعوات شركية، ظاهرها -للمغرور- الإسلام، وباطنها-للمتبصر- الإلحاد، منها الدعوات الإسماعيلية الباطنية التي أنتجت دولة العبيديين.
وهذه الدولة انتشر في زمانها بتنشيط دعاتها، ودعمهم وتقويتهم البدع والشركيات العظيمة، حتى تربى عليه
стр. 7
الصغار، وأصبح كالمعروف بعد أجيال. ولا غرو، فإن التربية التي يشب عليها الصغير ويهرم عليها الكبير إذا كانت من ذي سلطان وقوة فلها آثار سيئة على الدين والشريعة، فالإنكار يقل والراغب يكثر، والنفوذ والتقرير للبدع والشرك في ازدياد، وغير ذلك.
ومع إحداث هؤلاء بعض ما وصفناه وكثيراً طويناه لم يعدم المسلمون من ينبه على هذه البدع والشركيات منذ ظهورها إلى يومنا هذا.
ثم إن هذه الشركيات مع تطاول الزمان، وتتابع القرون، أصبحت كالشيء المعروف غير المنكر، المحبوب غير المكروه، لا يحوم خاطر على أنه شرك وجاهلية إلا من سلم له دينه وتوحيده، وقليل ماهم.
وكان من قدر الله الذي شرف به بعض عباده أن هيئ لنصرة التوحيد رجلاً أقض مضجعه وأسهر ليله حال المسلمين، الذين بعدوا عن التوحيد، وانساقوا مع الغواية والجاهلية، فمضى يدرس أحوالهم سنين متطاولة، وزماناً مديداً، يدرس واقعهم بالدلائل الشرعية الصحيحة الصريحة، ويدرس السبيل إلى النهوض بهم، وهدايتهم إلى دين الإسلام الذي بعث به رسول الله محمدٌ ﷺ .
فوفقه إلى ما أراد، فنصر التوحيد قولاً وعملاً، فأبدل
стр. 8
الله مواقع وبلدان الشرك في الجزيرة، ببلدان التوحيد والإيمان والاتباع الخالص، فكانت بلادهم في وقته وبعد ذلك ما شاء الله - أقرب ما تكون إلى حياة الصحابة ﵃.
ذلك الرجل هو الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي، المولود سنة ١١١٥هـ، والمتوفى سنة ١٢٠٦هـ.
وما من شك في أن صاحب الدعوة والفكرة لا بد له من سيف يناصره، ويدٍ تعضده، وإلا فما حيلته!
فكان من قضاء الله أن شرف بيت "آل سعود" بنصرة هذه الدعوة، دعوة تجديد دين الإسلام، ويا له من شرف يفوق كل شرف، وعز فوق كل عز، لو عقل ذلك، ووزن، فنصر الأمير محمد بن سعود ﵀ الشيخ نصراً مؤزراً، فاتسعت رقعة البلاد في عهده، ما شاء الله أن يكون من ذلك.
ثم أتى بعد الإمام محمد بن سعود ولده العالم الصالح المجاهد عبد العزيز بن محمد بن سعود ﵀ رحمة واسعة، فتولى الإمامة بعد أبيه بمبايعة الإمام محمد بن عبد الوهاب له سنة ١١٧٩هـ.
وعبد العزيز كان تلميذاً وطالباً للعلم على الشيخ محمد بن
стр. 9
عبد الوهاب، فرباه أحسن تربية علمية، ونماه بعلوم الشرع، كما نماه والده بعلوم الجهاد والإمارة. فاجتمعت فيه الخصلتان الغاليتان العلم والقوة.
وما أحسن وأبلغ اجتماع تلك الخصلتين في رجل ولي أمور المسلين، إنه نتاج تربية العلماء والأمراء، أولئك يربون على العلم والدين، وهؤلاء يربون على الحكم والقوة. فأعظم بها طريقة، ثم أعظم بأثرها، وما عداها فطريقة يلحقها من النقص بقدر ما بعدت عن ذلك.
في عهد عبد العزيز بن محمد بن سعود ﵀ رحمة واسعة، توسع الموحدون في غزواتهم وخاضوا الحروب بالسنان واللسان، وبلغت الدعوة للقاصي والداني، والقريب والنائي، وكانت الدعوة في أشدها، وعلومها في أوجها.
ومن ذلك الجهاد اللساني، الذي لم يتركه الإمام عبد العزيز للعلماء غيره في هذه الرسالة التي قلت صفحاتها ولكنها هي المرتكز لكل المناقشات والردود على أهل الضلال، إذ فيها تركيز وتحقيق، يقر بها من طالعها.
وإن مثل هذا الجهاد لواجب على دعاة التوحيد، وأنصار الدعوة، وما التخلف عنه بمحمود، بل هو مذموم عند أهل العقول والحجى، وللتخلف آثاره الدامية الماحية. وما أطيب
стр. 10
وأحسن وأوسع للصدر أن يعيد طبعة هذه الرسالة حفيد أخي كاتبها سمو الأمير المفضال بندر بن عبد العزيز بن عبد الرحمن حفظه الله، ووفقه لكل خير, فإن في ذلك أبعد الأثر لها، وأقر للعيون بها.
فعسى الله أن ينفع بها هذا اليوم، كما نفع بها ذلك اليوم، وأن يرجع للتوحيد قوته ونفوذه، ويكثر أنصاره والدعاة إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوى أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
صالح بن عبد العزيز آل الشيخ.
الرياض في ٢٠/١٢/١٤٠٦هـ.
стр. 11
نص الرسالة
مدخل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
"من عبد العزيز بن محمد بن سعود"
إلى من يراه من العلماء، والقضاة, في الحرمين، والشام، ومصر، والعراق، وسائر علماء المشرق، والمغرب.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
أما بعد، فإن الله شأنه، وتعالى سلطانه لم يخلق الخلق عبثاً، ولا تركهم سدى وإنما خلقهم لعبادته، فأمرهم بطاعته وحذرهم مخالفته، وأخبرهم تعالى أن الجزاء واقع لا محالة، أما في ناره بعدله، أو في جنته بفضله ورحمته، قد أخبر بذلك في كل كتاب أنزله، وعلى لسان كل رسول أرسله، كما نطقت بذلك الآيات القرآنية، وأخبرتنا به الأحاديث النبوية.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)
وقال سبحانه:
стр. 12
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١)
فالعبادة اسم جامع لكل مايحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، مختصة بجلاله وعظمته، فهي الغاية المحبوبة له والمرضية عنده، وبها أرسل جميع الرسل، كما قال نوح لقومه ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وكذلك قال هود، وصالح، وشعيب، وغيرهم من الرسل كل قال لقومه ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢)
وذلك أن الآله يطلق على كل معبود بحق أو بباطل.
والآله الحق هو الله.
قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٣)
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤)
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٥)
стр. 13
فصل: معنى لا إله إلا الله
...
فصل
فنحن لما علمنا وفهمنا من كلام الله وسنة رسوله وكلام الأئمة الأعلام ﵃ كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد وغيرهم من أئمة السلف.
أن "لا إله إلا الله" معناها ترك كل معبود سوى الله واخلاص الالهية له تعالى وحده.
وأن توحيد العبادة هو افراد العباد ربهم بأفعالهم التي أمرهم بها في كتابه، وعلى لسان رسوله فإذا جعلت لغيره تعالى صار ذلك تأليهاً للغير مع الله. وإن لم يعتقد الفاعل ذلك. فالمشرك مشرك شاء أم أبى وليس التوحيد خاصاً بافراد الله بأفعاله تعالى وتقدس، كخلقه السموات والأرض والليل والنهار، ورزق العباد وتدبيره أمورهم، لأن هذا قد أقر به المشركون ولم يدخلهم في الإسلام ويسمى توحيد الربوبية.
"العبادة لغة وشرعاً"
معناها: لغة الذل والخضوع.
وشرعاً: ما أمر به من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي من أفعال العباد وأقوالهم المختصة بجلال الله وعظمته، كدعائه تعالى بما لا يقدر عليه إلا هو من جلب نفع أو دفع ضر أو رجائه فيه والتوكل عليه، وذبح النسك والنذر والإنابة
стр. 14
والخضوع كل ذلك مختص بجلال الله كالسجود والتسبيح والتهليل، فكل ذلك مما قدمناه هو معنى قول "لا إله إلا الله".
ولا يغني أحد التوحيدين عن الآخر، بل صحة احدهما مرتبطة بوجود الآخر.
لما فهمنا ذلك وعلمنا به قام علينا أهل الأهواء فخرجونا وبدعونا وجعلوا اليهود والنصارى أخف منا شراً ومن اتباعنا، ولم ننازع المخالف في سائر المعاصي بأنواعها ولا المسائل الاجتهادية، ولم يجر الاختلاف بيننا وبينهم في ذلك، بل في العبادة بأنواعها، والشرك بأنواعه.
стр. 15
فصل
فنحن نقول ليس للخلق من دون الله ولي ولا نصير . وجميع الشفعاء سيدهم وأفضلهم محمد ﷺ فمن دونه -لا يشفعون لأحد إلا بإذنه ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (١) ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ (٢) ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (٣)
стр. 16
﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ (١) ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ (٢)
وإذا كان كذلك فحقيقة الشفاعة كلها لله، ولا تسأل في هذه الدار إلا منه .
فجميع الأنبياء والأولياء لا يجعلون وسائل ولا وسائط بين الله وبين الخلق لجلب الخير أو دفع الشر، ولا يجعل لهم من حقه شيء، لأن حقه تعالى وتقدس غير جنس حقهم.
فإن حقه عبادته بأنواعها بما شرع في كتابه، وعلى لسان رسوله وحق أنبيائه ﵈ الإيمان بهم وبما جاؤوا به، وموالاتهم، وتوقيرهم، واتباع النور الذي أنزل معهم، وتقديم محبتهم على النفس والمال والبنين والناس أجمعين.
وعلامة الصدق في ذلك اتباع هديهم والإيمان بما جاؤوا به من عند ربهم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣)
والإيمان بمعجزاتهم، وأنهم بلغوا رسالات ربهم، وأدوا الأمانة، ونصحوا الأمة، وأن محمداً صلى الله خاتمهم وأفضلهم، واثبات شفاعتهم التي أثبتها الله في كتابه، وهي من بعد اذنه
стр. 17
لمن رضي عنه من أهل التوحيد.
وأما المقام المحمود الذي ذكر الله في كتابه وعظم شأنه فهو لنبينا محمد صلى عليه وسلم. وكذلك حق أوليائه محبتهم، والترضي عنهم، والإيمان بكراماتهم، لا دعاؤهم ليجلبوا لمن دعاهم خيراً لا يقدر على جلبه إلا الله تعالى، أو ليدفعوا عنهم سوءً لا يقدر على دفعه إلا هو ، فإن ذلك عبادة مختصة بجلاله تعالى وتقدس.
هذا إذا تحققت الولاية رجيت لشخص معين كظهور اتباع سنة، وعمل بتقوى في جميع أحواله، وإلا فقد صار الولي في هذا الزمان من أطال سبحته، ووسع كمه، وأسبل ازاره، ومد يده للتقبيل، وليس شكلاً مخصوصاً، وجمع الطبول والبيارق، وأكل أموال عباد الله ظلماً وادعاءاً ورغب عن سنة المصطفى وأحكام شرعه. فنحن إنما ندعو إلى العمل بالقرآن العظيم، والذكر الحكيم، الذي فيه الكفاية لمن اعتبر وتدبر وبعين بصيرته نظر وفكر، فإنه حجة الله وعهده، ووعده، ووعيده، فمن اتبعه عاملاً بما فيه جد جده، وبان سعده، ومن خالفه واتبع هواه فقد ضل ضلالاً مبيناً.
والتوحيد ليس هو محل الاجتهاد، فلا تقليد فيه ولا عناد. ولا نكفر إلا من أنكر أمرنا هذا ونهينا، فلم يعمل بما أنزل الله من التوحيد، بل عمل بضده الذي هو الشرك الأكبر، والذنب الذي لا يغفر، كما سنذكر أنواعه، وجعله
стр. 18
ديناً، وسماه وسيلة عناداً وبغياً، ووالى أهله وظاهرهم علينا، ولم يقم باركان الدين وامتنع من قبول دعوتنا، وأمر بقتالنا وارجاعنا عن دين الله الحق إلى ما هم عليه من الشرك، والعمل بسائر مالا يرضي رب العباد، ويأبي الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.
وما حجتهم علينا إلا أن المدعو يكون شفيعاً ووسيلة. ونحن نقول أن هؤلاء الداعين الهاتفين بذكر الأموات والأحياء الغائبين يطلبون كشف شدتهم، وتفريج كربتهم وإبراء مريضهم، ومعافاة سقيمهم، وتكثير رزقهم وإيجاده من العدم، ونصرهم على عدوهم براً وبحراً، ولم يكفهم الاقتصار على مسألة الشفاعة والوسيلة /وحقيقة قولنا أن الشفاعة وإن كانت حقاً في الآخرة، فلها أنواع مذكورة في محلها.
ويجب على كل مسلم الإيمان بشفاعته صلي الله وعليه وسلم بل وغيره من الشفعاء، فهي ثابتة بالوصف لا بالشخص ماعدا الشفاعة العظمى فإنها لأهل الموقف عامة وليس منها ما يقصدون. فالوصف من مات لايشرك بالله شيئاً.
كما في البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي صلي الله وعليه وسلم أنه قال: "لكل نبي دعوة مستجابة، واني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وهي نائلة منكم إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئاً".
стр. 19
وحديث أنس بن مالك الذي في الشفاعة بطوله. وحديث الذراع الذي رواه أبو هريرة المتفق عليه.
وإذا كانت بالوصف فرجاؤه أن يشفع فيه نبيه هو المطلوب.
стр. 20
فصل
فالمتعين على كل مسلم صرف همته وعزائم أمره إلى ربه ﵎ ، بالإقبال إليه والإتكال عليه، والقيام بحق العبودية لله ، فإذا مات موحداً شفع الله فيه نبيه.
بخلاف من أهمل ذلك وتركه، وارتكب ضده من الإقبال إلى غير الله بالتوكل عليه، ورجائه فيما لا يمكن وجوده إلا من عند الله، والالتجاء إلى ذلك الغير, مقبلاً على شفاعته متوكلاً عليها، طالباً لها من النبي ﷺ أو غيره، راغباً إليه فيها، تاركاً ما هو المطلوب المتعين عليه، من اخلاص للعبادة لله وطلب الشفاعة منه، فهذا بعينه فعل المشركين واعتقادهم، ولم تنشأ فتنة في الوجود إلا بهذا الاعتقاد.
ولهذا حسم جل وعلا مادة الشفاعة عن كل أحد بغير إذنه وحده، فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، لا ملك ولا نبي ولا غيرهما، لأن من شفع عند غيره بغير إذنه فهو شريك له في حصول ذلك المطلوب لتأثيره فيه بشفاعته، ولاسيما ان كانت من غير اذنه، فجعله يفعل ما طلب منه، والله تعالى لا شريك له بوجه من الوجوه، وكل من أعان غيره على أمر فقد شفعه فيه، والله تعالى وتر لا يشفعه أحد بوجه من الوجوه، ولهذا قال عز من قائل: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاًً﴾
стр. 21
وقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (١) فمن طلبها من غير الله، فقد زعم أنها مشروعة بغير إذن الله ورضاه عن المشفوع له.
والله يقول: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٣) والعبرة في النصوص بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع ملاحظته وعدم الاقتصار عليه-
стр. 22
فصل
وأما دعاء الله للغير، فقد مضت السنة أن الحي يطلب منه سائر ما يقدر عليه .
ودعوة المسلمين بعضهم لبعض مستحبة، قد وردت بها الآثار الصحيحة في مسلم وغيره، فإن كانت للميت فهي آكد. وكان النبي ﷺ يقف على القبر بعد الدفن فيقول: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل".
فالميت أحوج بعد الدفن إلى الدعاء، فإذا قام المسلمون على جنازته دعوا الله له، وشفعوا له بالصلاة عليه دون أن يدعوه. فبدل أهل الشرك والبدع الدعاء له بدعائه، والاستغاثة به والهتف باسمه عند حلول الشدة، وتركوا من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه.
كما بدلوا الزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ احساناً إلى الميت، وتذكيراً بالآخرة، بسؤال الميت وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة، وحضور القلب وخشوعه عندها، أعظم منه في الصلاة والمساجد وإذا كان الدعاء مشروعاً لسائر المؤمنين، فالنبي ﷺ أحق الناس بأن يصلى ويسلم عليه ويدعى له بالوسيلة.
كما في الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة
стр. 23
صلى الله عليه بها عشراً ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة".
واستشفاع العبد في الدنيا إنما هو فعل للسبب لحصول شفاعته له يوم القيامة طبق ما جاء به قولاً واعتقاداً.
وإنما سئلت له الوسيلة مع تحققها تنويهاً بقدره، ورفعاً لذكره، ويعود ثواب ذلك إلينا. فهذا هو الدعاء المأثور وهو فارق بين الدعاء الذي أحبه والذي نهى عنه.
ولم يذكر أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من أئمة السلف فيما نعلمه أن النبي ﷺ يسئل بعد الموت الاستغفار ولا غيره.
قال الإمام مالك ﵀ فيما ذكره اسماعيل بن أسحق في المبسوط عنه، والقاضي عياض في الشفاء والمشارق، وغيرهما من أصحاب مالك عنه: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو ولكن يسلم ويمضي، وقال أيضاً في المبسوط عن مالك لا بأس لمن قدم من السفر أو خرج إليه يقف عند قبر النبي ﷺ ويصلي ويسلم عليه ويدعو له، ولأبي بكر، وعمر، فقيل له إن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه، وهم يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر يأتون عند القبر
стр. 24
فيسلمون عليه ويدعون ساعة فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه في بلدنا لا من الصحابة ولا غيرهم، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه في بلدنا لا من الصحابة ولا غيرهم، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها انهم كانوا يفعلون ذلك: يكررون المجيء إلى القبر، بل كانوا يكرهونه إلا لمن جاء من سفر وأراده انتهى.
وتلاوة الآية في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (١) الآية والاستغفار بحضرة القبر، وإن قال به جماعة من متأخري الفقهاء فهم لم يقولوا يدعى صاحب القبر، بل المحفوظ عنهم أن الميت والغائب لا يسئل منه شيء لا استغفار ولا غيره. وحياته في قبره برزخية لا تقتضي دعاءه، وأصحابه أعلم بها منا، ولم يأت أحدهم إلى القبر فيسأله ويستغيث به.
وقد ثبت النهي منه ﵊ أن يتخذ قبره عيداً. قال أبو يعلى الموصلي في مسنده عن علي بن الحسين ﵄ قال أحدثكم حديثاً سمعته عن أبي عن جدي ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيداً
стр. 25
ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم" رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختاراته.
وروى سعيد بن منصور في السنن عن أبي سعيد مولى المهرى قال: قال رسول الله ﷺ "لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" وروى هذا الحديث أبو داود عن أبي هريرة. ورواه سعيد أيضاً من حديث الحسن بن الحسن بن علي ﵁ وهذان الحديثان، وإن كانا مرسلين فهما يقويهما حديث أبي هريرة المرفوع في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا" وهو حديث ثابت باتفاق أهل العلم يتلقى بالقبول عنهم، وهو إن كان معناه لا تشدوا الرحال إلى مسجد من المساجد إلا إلى الثلاثة التي قد ذكرت، فالسفر إلى هذه المساجد الثلاثة إنما هو للصلاة فيها والدعاء والذكر وقراءة القرآن، والاعتكاف الذي هو من الأعمال الصالحة. وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم، حتى مسجد قباء يستحب قصده من المكان القريب كالمدينة، ولا يشرع شد الرحل إليه من بعيد، ولذلك كان النبي ﷺ يأتي إليه كل سبت ماشياً وراكباً، وكان ابن عمر يفعله كما في
стр. 26
الصحيح.
وكما أنه أسس على التقوى، فمسجده ﷺ أعظم في تأسيسه على التقوى، كما ثبت في الصحيح عنه، ﷺ أنه سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: "مسجدي هذا" فكلا المسجدين أسس على التقوى، ولكن اختص مسجده بأنه أكمل في هذا الوصف من غيره، فكان يقوم في مسجده يوم الجمعة، ويأتي لمسجد قباء يوم السبت.
وإذا كان السفر إلى مسجد غير الثلاثة ممنوعاً شرعاً مع أن قصده لأهل مصره يجب تارة، ويستحب أخرى، وقد جاء في قصد المساجد من الفضل مالا يحصى, فالسفر إلى مجرد القبور أولى بالمنع. ولا يغتر بكثرة العادات الفاسدة التي أحدثها الملوك وأشباههم.
تنبيه:
الأحاديث التي رواها الدارقطني في زيارة ﵊، كلها مكذوبة موضوعة باتفاق غالب أهل المعرفة، منهم ابن الصلاح، وابن الجوزي، وابن عبد البر، وأبو القاسم السهيلي، وشيخه ابن العربي المالكي والشيخ تقي الدين بن تيمية وغيرهم. ولم يجعلها في درجة الضعيف إلا القليل، وكذلك تفرد بها الدارقطني عن بقية أهل السنن، والأئمة كلهم يرون بخلافهم.
стр. 27
وأجل حديث روي في هذا حديث أبي بكر البزار، ومحمد بن عساكر، حكاه أهل المعرفة بمصطلح الحديث كالقشيري والشيخ تقي الدين وغيرهما.
وإنما رخص ﷺ في زيارة القبور مطلقاً بعد أن نهى عنها. كما ثبت في الصحيح، لكن بلا شد رحل وسفر إليها، للأحاديث الواردة في النهي عن ذلك كما تقدم.
стр. 28
فصل
وإذا كان السفر المشروع لقصد مسجد النبي ﷺ للصلاة فيه دخلت زيارة القبر تبعاً لأنها غير مقصودة استقلالاً ، وحينئذ فالزيارة مشروعة مجمع على استحبابها بشرط عدم فعل محذور عند القبر، كما تقدم عن مالك.
وما حكاه الغزالي ﵀ ومن وافقه من متأخري الفقهاء من السفر لأجل زيارة القبر فمرادهم السفر المجرد عن فعل العبادة من الصلاة والدعاء عنده، بل يصلي ويسلم عليه ويسأل له الوسيلة، ثم يسلم على أبي بكر، ثم عمر.
ولا يقصد الصلاة عند القبر للعنه ﷺ المتخذين قبور أنبيائهم مساجد، واللعنة في كلام الله، وكلام رسوله لا تجامع إلا الحرمة والإثم لا مجرد الكراهة ولقوله: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
قال ابن حجر ﵀ في "الامداد الموسوم بشرح " ... " ينوي الزائر المتقرب السفر إلى مسجده ﷺ وشد الرحل إليه، لتكون زيارة القبر تابعة، انتهى.
واتخاذ قبور الأنباء والصالحين مساجد هو الموقع لكثير من الأمم، إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك الأصغر، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين،
стр. 29
كوَدّ، وسواع، ويغوث، وتماثيل طلاسم الكواكب ونحو ذلك يزعمون أنها تخاطبهم وتشفع لهم.
والشرك بقبر النبي ﷺ أو الرجل المعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أوبحجر. ولهذا تجد أهل الشرك كثيراً ما يتضرعون ويخشعون عندها مالا يخشعون لله في الصلاة، ويعبدون أصحابها بدعائهم ورجائهم، والاستغاثة بهم، وسؤال النصر على الأعداء وتكثير الرزق، وإيجاده، والعافية، وقضاء الديون، ويبذلون لهم النذور لجلب ما أملوه، أو دفع ما خافوه، مع اتخاذهم أعياداً، والطواف بقبورهم، وتقبيلها واستلامها وتعفير الخدود على تربتها، وغير ذلك من أنواع العبادات، والطلبات التي كان عليها عباد الأوثان يسألون أوثانهم ليشفعوا لهم عند مليكهم، فهؤلاء يسأل كل منهم حاجته وتفريج كربته، ويهتفون عند الشدائد باسمه كما يهتف المضطر بالفرد الصمد، ويعتقدون أن زيارته موجبة للغفران، والنجاة من النيران وانها تجب ما قبلها من الآثام، بل قد وجد هذا الاعتقاد في الأشجار والغيران، يهتفون باسمها، واسم من ينسبونها إليه من المعتقدين بما لا يقدر عليه إلا رب العالمين، وأكثر ما يكون ذلك عند الشدائد.
стр. 30
فصل
والله تعالى عز شأنه، قد فسر هذا الدعاء في مواضع أخرى بأنه عبادة محضة ، كقوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (١)
وقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (٢) والأنبياء والملائكة والصالحون كل معبود من هؤلاء داخل في عموم قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (٣) كما هو سبب النزول.
وقوله عز شأنه: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (٤) فدعاؤهم آلهتهم هو عبادتهم لها، ولأنهم كانوا إذا جاءتهم
стр. 31
الشدائد دعو الله وحده وتركوها، ومع هذا فهم يسألونها بعض حوائجهم بواسطة قربهم من الله ويطلبونها منهم بشفاعتهم لهم. فأمر الله العباد بإخلاص تلك العبادة له وحده، فلا يدعونهم ولا يسألونهم الشفاعة، فإن ذلك دين المشركين.
قال الله تعالى فيهم: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِير ٍوَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ (٢) وإنما ذكر الله تعالى ذلك عنهم لأنهم يدعون الملائكة والأنبياء ويصورون صورهم ليشفعوا لهم فيما دعوهم فيه وذلك بطرق مختلفة "ففرقة" قالت ليس لنا أهلية مباشرة دعاء الله ورجائه، بلا واسطة تقربنا إليه وتشفع لنا لعظمته.
стр. 32
"وفرقة" قالت الأنبياء والملائكة لهم وجاهة ومنزلة عند الله فاتخذوا صورهم من أجل حبهم لهم ليقربوهم إلى الله زلفى. "وفرقة" جعلتهم قبلة في دعائهم وعبادتهم.
"وفرقة" اعتقدت أن لكل صورة مصورة على صورة الملائكة والأنبياء وكيلاً موكلاً بأمر الله، فمن أقبل على دعائه ورجائه وتبتل إليه، قضى ذلك الوكيل ما طلب منه بأمر الله، وإلا أصابته نكبة بأمر الله تعالى.
فالمشرك إنما يدعوا غير الله بما لا يقدر عليه إلا هو تعالى ويلتجئ إليه فيه ويرجوه منه بما يحصل له في زعمه من النفع، وهو لا يكون إلا فيمن وجدت فيه خصلة من أربع:
اما أن يكون مالكاً لما يريد منه داعيه، فإن لم يكن مالكاً كان شريكاً، فإن لم يكن شريكاً كان ظهيراً، فإن لم يكن كان شفيعاً. فنفى الله هذه المراتب الأربع عن غيره، الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة التي لأجلها وقعت العداوة والمخاصمة بالآية المتقدمة وبقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ (١) وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ (٢)
стр. 33
وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١) وقوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (٢) وقوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً، يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ (٤) وأثبت مالا نصيب فيه لمشرك البتة، وهي الشفاعة بإذنه لمن رضي عنه وهو سبحانه يعلم السر وأخفى ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
لهذا لما قالت الصحابة ﵃: أربنا قريب فنناجيه؟ أم بعيد فنناديه؟ أنزل الله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ (٦)
стр. 34
فصل
الموحد من اجتمع قلبه ولسانه على الله مخلصاً له تعالى الألوهية المقتضية لعبادته في محبته وخوفه ورجائه ودعائه والاستعانة به، والتوكل عليه، وحصر الدعاء بما لا يقدر على جلبه أو دفعه إلا الله وحده، والموالاة في ذلك، والمعاداة فيه، وأمثال هذا ناظراً إلى حق الخالق والمخلوق من الأنبياء والأولياء مميزاً بين الحقين.
وذلك واجب في علم القلب، وشهادته، وذكره، ومعرفته، ومحبته، وموالاته وطاعته وهذا من تحقيق"لا إله إلا الله" لأن معنى "الا له" عند الأولين ماتألهه القلوب بالمحبة، والتعظيم، والخضوع ونحو ذلك مما لا يكون إلا الله. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ (١) ﴿تاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) وهم ماسووهم به لا في الصفات، ولا في الذات، ولا في الأفعال، كما حكى الله عنهم في الآيات، والشاهد لله بأنه
стр. 35
لا إله إلا هو، وقائلها نافيا قلبه ولسانه لألوهية كل ما سواه من الخلق، ومثبتا به الإلوهية لمستحقها وهو الله المعبود بالحق، فيكون معرضاً عن الوهية جميع المخلوقات لا يتألههم بما لا يقدر عليه إلا الله، مقبلاً على عبادة رب الأرض والسموات وذلك يتضمن اجتماع القلب في عبادته ومعاملته على الله ومفارقته في ذلك كل ما سواه فيكون مفرقا في عمله، وقصده، وشهادته، وإرادته، ومعرفته، ومحبته بين الخالق والمخلوق، بحيث يكون عالما بالله، ذاكراً له، عارفاً به، وانه تعالى مباين لخلقه، منفرد عنهم بعبادته، وأفعاله، وصفاته، فيكون محبا فيه مستعينا به لا بغيره، متوكلا عليه لا على غيره.
وهذا المقام هو المعني في ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) وهو من خصائص الألوهية التي يشهد له بها تعالى عباده المؤمنون. كما أن رحمته لعبيده، وهدايته إياهم وخلقه للسموات والأرض وما بينهما وما فيهما من الآيات، من خصائص الربوبية التي يشترك في معرفتها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، حتى ابليس عليه اللعنة معترف بها في قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٢)
стр. 36
وقوله: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١) وأمثال هذا الخطاب الذي يعترف فيه بأنه ربه وخالقه ومليكه، وأن ملكوت كل شيء في يده تعالى وتقدس، وإنما كفر بعناده وتكبره عن الحق وطعنه فيه وزعمه انه فيما ادعاه وقاله محق. وكذلك المشركون الأولون يعرفون ربوبيته تعالى، وهم له بها يعترفون، قال تعالى: ﴿قلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (٢) وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٤) فمن دعا غيره تعالى لم يكن مخلصاً، وقال تعالى:
стр. 37
﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٢) والآيات في هذا الباب كثيرة جداً.
وروى الإمام أحمد في مسنده والترمذي من حديث حصين ابن عبيد أن رسول الله ﷺ قال: "يا حصين كم تعبد؟ قال ستة في الأرض وواحداً في السماء. قال: فمن ذا الذي تعد لرغبتك؟ قال الذي في السماء. فقال له رسول الله ﷺ : "أسلم حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بهن" فأسلم فقال له قل: "اللهم الهمني رشدي وقني شر نفسي".
فمجرد معرفتهم بربوبيته تعالى واعترافهم بها لم تنفعهم ولم تدخلهم في الإسلام لما جعلوا مع الله آلهة أخرى يدعونها ويرجونها لتقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم عنده، فبذلك
стр. 38
كانوا مشركين في عبادته ومعاملته. ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم: لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك.
والمقصود
من الأدلة السابقة، ومما يأتي أن يفهم القارئ أن الدعاء هو العبادة روى النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الدعاء هو العبادة" -وفي رواية- "مخ العبادة" ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح، ورواه أيضاً النسائي، وابن ماجه والحاكم والإمام أحمد وابن أبي شيبة بهذا اللفظ.
وهذه الصيغة تفيد حصر الدعاء على العبادة فلا يخرج عنها لأنها من الصفات اللازمة التي ليس لها مفهوم يخالف الظاهر كقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ (٢)
إذ كل مدعو فهو اله قصد الداعي أن يكون مدعوه إلهاً أم لا، اتخذه المشركون الأولون أم لا، وليس ثم دعاء اله آخر له برهان.
стр. 39
فصل يوضح ما قدمنا أن الله وصف دين المشركين
...
فصل
وضح ما قدمنا أن الله وصف دين المشركين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١) الآية: فبين في هذه الآية أن قصدهم الشفاعة.
وفي صحيح البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك", قال: فقلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك" قال: قلت: ثم أي؟ قال: "ان تزاني بحليلة جارك" فأنزل الله تصديقها ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ (٢)
فبين النبي ﷺ أن أعظم الذنوب الشرك بالله الذي هو جعل الانداد واتخاذهم من خلقه ليقربوهم وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم".
فدين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه.
стр. 40
فصل
والشرك شركان:
أكبر وله أنواع، ومنه الذي تقدم بيانه آنفاً.
وشرك أصغر كالرياء والسمعة، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه".
ومنه الحلف بغير الله لما روى ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ : "من حلف بغير الله فقد أشرك" أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وصححه ابن حبان.
وقال ﷺ : "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" أخرجه الشيخان وروى الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال له رجل ما شاء الله وشئت قال: "أجعلتني لله ندا؟ قل ما شاء الله وحده" والشرك الأصغر لا يخرج عن الملة، وتجب التوبة منه ومن كل ذنب.