Полный текст (482 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فكيف بمن استبدل بمحبة خالقه وفاطره ووليه ومالك أمره الذي لا صلاح له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور ولا فرحة ولا نجاة إلا بأن يوحده في الحب ويكون أحب إليه مما سواه فانظر بالله بمن استبدلت وبمحبة من تعوضت رضيت لنفسك بالحبس في الحش وقلوب محبيه تجول حول العرش فلو أقبلت عليه وأعرضت عمن سواه لرأيت العجائب ولأمنت من المتالف والمعاطب أوما علمت أنه خص بالفوز والنعيم من أتاه بقلب سليم أي سليم مما سواه ليس فيه غير حبه واتباع رضاه قالت وبين ذنبي وذنبك عند الناس كما بين عماي وعماك في القياس وقد قال من بيده أزمة الأمور ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمىالقلوب التي في الصدور﴾
فصل: فلما سمعت الكبد تحاورهما الكلام وتناولهما الخصام قالت أنتما على هلاكي تساعدتما وعلى قتلي تعاونتما ولقد أنصف من حكى مناظرتكما وعلى لساني متظلما منكما
يقول:
طرفي لقلبي هجت لي سقما ... والعين تزعم أن القلب أنكاها
والجسم يشهد أن العين كاذبة ... وهي التي هيجت للقلب بلواها
لولا العيون وما يجنين من سقم ... ما كنت مطرحا من بعض قتلاها
فقالت الكبد المظلومة اتئدا ... قطعتماني وما راقبتما الله
стр. 107
وقال آخر
يقول قلبي لطرفي أن بكى جزعا ... تبكي وأنت الذي حملتني الوجعا
فقال طرفي له فيما يعاتبه ... بل أنت حملتني الآمال والطمعا
حتى إذا ما خلا كل بصاحبه ... كلاهما بطويل السقم قد قنعا
نادتهما كبدي لا تبعدا فلقد ... قطعتماني بما لاقيتما قطعا
وقال آخر
عاتبت قلبي لما ... رأيت جسمي نحيلا
فألزم القلب طرفي ... وقال كنت الرسولا
فقال طرفي لقلبي ... بل كنت أنت الدليلا
فقلت كفا جميعا ... تركتماني قتيلا
ثم قالت أنا أتولى الحكم بينكما أنتما في البلية شريكا عنان كما أنكما في اللذة والمسرة فرسا رهان فالعين تلتذ والقلب يتمنى ويشتهي ولهذا قال فيكما القائل
ولما سلوت الحب بشر ناظري ... لقلبي فقال القلب لي ولك الهنا
تخلصت من إحياء ليلك ساهرا ... وخلصتني من لوعة الهجر والضنا
كلانا مهنا بالبقاء فإن تعد ... فلا أنت يبقيك الغرام ولا أنا
وإن لم تدرككما عناية مقلب القلوب والأبصار وإلا فما لك من قرة ولا للقلب من قرار قال الشاعر
فوالله ما أدري أنفسي ألومها ... على الحب أم عيني المشومة أم قلبي
فإن لمت قلبي قال لي العين أبصرت ... وإن لمت عيني قالت الذنب للقلب
стр. 108
فعيني وقلبي قد تقاسمتما دمي ... فيا رب كن عونا على العين والقلب
قالت هذه ولما سقيت القلب ماء المحبة بكؤوسك أوقدت عليه نار الشوق فارتفع إليك البخار فتقاطر منك فشرقت بشربه أولا وشرقت بحر ناره ثانيا قال
خذي بيدي ثم اكشفي الثوب فانظري ... ضنى جسدي لكنني أتستر
وليس الذي يجري من العين ماؤها ... ولكنها روح تذوب فتقطر
قالت والحاكم بينكما الذي يحكم بين الروح والجسد إذا اختصما بين يديه فإن في الأثر المشهور لا تزال الخصومة يوم القيامة بين الخلائق حتى تختصم الروح والجسد فيقول الجسد للروح أنت الذي حركتني وأمرتني وصرفتني وإلا فأنا لم أكن أتحرك ولا أفعل بدونك فتقول الروح له وأنت ألذي أكلت وشربت وباشرت وتنعمت فأنت الذي تستحق العقوبة فيرسل الله سبحانه إليهما ملكا يحكم بينهما فيقول مثلكما مثل مقعد بصير وأعمى يمشي دخلا بستانا فقال المقعد للأعمى أنا أرى ما فيه من الثمار ولكن لا أستطيع القيام وقال الأعمى أنا أستطيع القيام ولكن لا أبصر شيئا فقال له المقعد تعال فاحملني فأنت تمشي وأنا أتناول فعلى من تكون العقوبة فيقول عليهما قال فكذلك أنتما وبالله التوفيق
стр. 109
الباب الثامن: في ذكر الشبه التي احتج بها من أباح النظر إلى من لا يحل له الاستمتاع به وأباح عشقه
قالت هذه الطائفة بيننا وبينكم الكتاب والسنة وأقوال أئمة الإسلام والمعقول الصحيح
أما الكتاب فقوله تعالى ﴿أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء﴾ وهذا يعم جميع ما خلق الله فما الذي أخرج من عمومه الوجه المليح وهو من أحسن ما خلق وموضع الاستدلال به والاعتبار أقوى ولذلك يسبح الخالق سبحانه عند رؤيته كما قال بعض الناظرين إلى جميل الصورة
ذي طلعة سبحان فالق صبحه ... ومماطف جلت يمين الغارس
مرت بأرجاء الخيال طيوفه ... فبكت على رسم السلو الدارس
ورؤية الجمال البديع تنطق ألسنة الناظرين بقولهم سبحان الله رب العالمين وتبارك الله أحسن الخالقين والله تعالى لم يخلق هذه المحاسن عبثا وإنما أظهرها ليستدل الناظر إليها على قدرته ووحدانيته وبديع صنعه فلا تعطل عما خلقت له
وأما السنة فالحديث المشهور "النظر إلى الوجه المليح عبادة "
стр. 110
وفي الحديث الآخر "اطلبوا الخير من حسان الوجوه " وفي هذا إرشاد إلى تصفح الوجوه وتأملها وخطب رجل امرأة فاستشار النبي ﷺ في نكاحها فقال هل نظرت إليها فقال لا قال اذهب فانظر إليها ولو كان النظر حراما لما أطلق له أن ينظر فإنه لا يأمن الفتنة
وأما أقوال الأئمة فحكى السمعاني أن الشافعي ﵁ كتب إليه رجل في رقعة
سل المفتى المكي هل في تزاور ... ونظرة مشتاق الفؤاد جناح
فأجابه الشافعي
معاذ إله العرش أن يذهب التقى ... تلاصق أكباد بهن جراح
وذكر الخرائطي هذا السؤال والجواب عن عطاء بن أبي رباح وأوله سألت عطاء المكي وذكر الحاكم في مناقب الشافعي ﵁ من شعره
يقولون لا تنظر وتلك بلية ... ألا كل ذي عينين لا بد ناظر
وليس اكتحال العين بالعين ريبة ... إذا عف فيما بين الضمائر
وذكر الاسترباذي في كتاب مناقب الشافعي أن رجلا كتب إلى سعيد ابن المسيب
يا سيد التابعين والبرره ... نسيت في العشق سورة البقره
فكن بفتواك مشفقا رفقا ... باهى بك الله أكرم البرره
هل حرم الله لثم خد فتى ... أوصافه بالجمال مشتهره
стр. 111
فأجابه سعيد
يا سائلي عن خفي لوعته ... عليك بالصبر تحمدن أثره
ولا تكن طالبا لفاحشة ... أو كالذي ساق سيله مطره
وراقب الله واخش سطوته ... وخالف الفاسقين والفجره
وقبل الخد من حبيبك ذا ... في كل يوم وليلة عشره
وقال أبو العباس المبرد في الكامل قال أعرابي أنشدنيه أبو العالية
سألت الفتى المكي ذا العلم ما الذي ... يحل من التقبيل في رمضان
فقال لي المكي أما لزوجة ... فسبع وأما خلة فثمان
وذكر أبو بكر الخطيب في كتاب رواه مالك عن بعضهم
أقول لمفت بين مكة والصفا ... لك الخير هل في وصلهن حرام
وهل في صموت الحجل مهضومة الحشا ... عذاب الثنايا إن لثمت أثام
فقال لي المفتي وسالت دموعه ... على الخد من عينيه فهي تؤام
ألا ليتني قبلت تلك عشية ... ببطن منى والمحرمون نيام
وقال الحاكم في كتاب مناقب الشافعي حدثنا أبو العلاء بن كوشيار الحاري أنبأنا علي بن سليمان الأخفش عن محمد بن الجهم قال سمعت الربيع يقول حضرت الشافعي بمكة وقد دفع إليه رجل رقعة فيها
стр. 112
أقول لمفتي خيف مكة والصفا ... لك الخير هل في وصلهن حرام
وهل في صموت الحجل مهضومة الحشا ... عذاب الثنايا إن لثمت أثام
قال فوقع الشافعي فيها
فقال لي المفتي وفاضت دموعه ... على الخد من عين وهن تؤام
ألا ليتني قبلت تلك عشية ... ببطن منى والمحرمون قيام
وقال عمرو بن سفيان ابن ابنة جامع بن مرخية
إنا سألنا مالكا وقرينه ... ليث بن سعد عن لثام الوامق
أيجوز قالا والذي خلق الورى ... ما حرم الرحمن قبلة عاشق
ذكر ذلك صاحب كتاب رستاق الاتفاق وهو شاعر المصريين وأنشد فيه لعمرو بن سفيان هذا وكتب بها إلى ابن عيينة
قلنا لسفيان الهلالي مرة ... حرمت ضم العاشق المشتاق
لحبيبه من بعد نأي ناله ... فأجاب لا والواحد الخلاق
وأنشد فيه لجده جامع وكتب بها إلى علي بن زيد بن جدعان
سألنا ابن جدعان بن عمر وأخا العلا ... أيحرم لثم الحب في ليلة القدر
فقال لنا المكي وناهيك علمه ... ألا لا ومن قد جاء بالشفع والوتر
وأنشد لإبراهيم بن المدبر وكتب بها إلى أبي بكر بن عياش أحد أئمة القراء
стр. 113
..
...
سألت ابن عياش وكان معلما ... لك الخير هل في ضمة الحب من وزر
فقال أبو بكر ولا في لثامه ... ألم يأتنا التنزيل بالوضع للإصر
وأنشد لآخر وكتب بها إلى الإمام أحمد بن حنبل قال وزعم بعضهم أنه إسحاق بن معاذ بن زهير شاعر أهل مصر في وقته
سألت إمام الناس نجل ابن حنبل ... عن الضم والتقبيل هل فيه من باس
فقال إذا جل العزاء فواجب ... لأنك قد أحييت عبدا من الناس
وأنشد لابن مرخية وكتب بها إلى أبي حنيفة
كتبت إلى النعمان يوما رسالة ... نسائله عن لثم حب ممنع
فقال لنا لا إثم فيه وإنه ... شهي إذا كانت لعشر وأربع
وكتب رجل إلى أبي جعفر الطحاوي
أبا جعفر ماذا تقول فإنه ... إذا نابنا خطب عليك المعول
فلا تنكرن قولي وأبشر برحمة ال ... إله عن الأمر الذي عنه نسأل
أب الحب عار أم من الحب مهرب ... وهل من لحا أهل الصبابة يجهل
وهل بمباح فيه قتل متيم ... يهاجره أحبابه وهو يوصل
فرأيك في رد الجواب فإنني ... بما فيه تقضي أيها الشيخ أفعل
فأجابه الطحاوي
سأقضي قضاء في الذي عنه تسأل ... وأحكم بين العاشقين فأعدل
فديتك ما بالحب عار علمته ... وللعار ترك الحب إن كنت تعقل
ومهما لحا في الحب لاح فإنه ... لعمرك عندي من ذوي الجهل أجهل
стр. 114
وليس مباحا عندنا قتل مسلم ... بلا ترة بل قاتل النفس يقتل
ولكنه إن مات في الحب لم يكن ... له قود فيه ولا عنه يعقل
وصالك من تهوى وإن صد واجب ... عليك كذا حكم المتيم يفعل
فهذا جواب فيه عندي قناعة ... لما جئت عنه أيها الصب تسأل
ويكفي أن المعتزلة من أشد الناس تعظيما للذنوب وهم يخلدون أصحاب الكبائر ولا يرون تحريم ذلك كما ذكره الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في تاريخه المشهور لبعض المعتزلة
سألنا أبا عثمان عمرا وواصلا ... عن الضم والتقبيل للخد والجيد
فقالا جميعا والذي هو عادل ... يجوز بلا إثم فدع قول تفنيد
وقال إسحاق بن شبيب
سألنا شيوخ الواسطيين كلهم ... عن الرشف والتقبيل هل فيهما إثم
فقالوا جميعا ليس إثما لزوجة ... ولا خلة والضم من هذه غنم
وأنشد أبو الحسن علي بن إبراهيم بن محمد بن سعد الخير في كتابه شرح الكامل
فلما أن أبيح لنا التلاقي ... تعانقنا كما اعتنق الصديق
وهل حرجا تراه أو حراما ... مشوق ضمه صب مشوق
وقال الخطيب في تاريخ بغداد حدثنا أبو الحسن علي بن أيوب بن الحسن إملاء حدثنا أبو عبد الله المرزباني وابن حيويه وابن شاذان قالوا حدثنا
стр. 115
أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة نفطويه بقرطبة قال دخلت على محمد بن داود الأصبهاني في مرضه الذي مات فيه فقلت له كيف تجدك قال حب من تعلم أورثني ما ترى فقلت له ما منعك عن الاستمتاع به مع القدرة عليه قال الاستمتاع على وجهين أحدهما النظر المباح والثاني اللذة المحظورة فأما النظر المباح فأورثني ما ترى وذكر القصة وستأتي في باب عفاف العشاق والمقصود أنه لم ير النظر إلى معشوقه ولا عشقه حراما وجرى على هذا المذهب أبو محمد بن حزم في كتاب طوق الحمامة له قالوا ونحن نحاكمكم إلى واحد يعد بآلاف مؤلفة وهو شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه سئل
ما تقول السادة الفقهاء ﵃ في رجل عاشق في صورة وهي مصرة على هجره منذ زمن طويل لا تزيده إلا بعدا ولا يزداد لها إلا حبا وعشقه لهذه الصورة من غير فسق ولا خنى ولا هو ممن يدنس عشقه بزنى وقد أفضى به الحال إلى الهلاك لا محالة إن بقي مع محبوبه على هذه الحالة فهل يحل لمن هذه حاله أن يهجر وهل يجب وصاله علىالمحبوب المذكور وهل يأثم ببقائه على هجره وما يجب من تفاصيل أمرهما وما لكل واحد منهما على الآخر من الحقوق مما يوافق الشرع الشريف
فأجاب بخطه بجواب طويل قال في أثنائه فالعاشق له ثلاث مقامات ابتداء وتوسط ونهاية أما ابتداؤه فواجب عليه فيه كتمان ذلك وعدم إفشائه للخلق مراعيا في ذلك شرائط الفتوة من العفة مع القدرة فإن زاد به الحال إلى المقام الأوسط فلا بأس بإعلام محبوبه بمحبته إياه فيخف بإعلامه وشكواه إليه ما يجد منه ويحذر من اطلاع الناس على ذلك فإن زاد به الأمر حتى خرج عن الحدود والضوابط التحق بالمجانين والموسوسين فانقسم العشاق
стр. 116
قسمين قسم قنعوا بالنظرة بعد النظرة فمنهم من يموت وهو كذلك ولا يظهر سره لأحد حتى محبوبه لا يدري به وقد روي عن النبي ﷺ من عشق فعف فكتم فمات فهو شهيد والقسم الثاني أباحوا لمن وصل إلى حد يخاف على نفسه منه القبلة في الحين قالوا لأن تركها قد يؤدي إلى هلاك النفس والقبلة صغيرة وهلاك النفس كبيرة وإذا وقع الإنسان في مرضين داوى الأخطر ولا خطر أعظم من قتل النفس حتى أوجبوا على المحبوب مطاوعته على ذلك إذا علم أن ترك ذلك يؤدي إلى هلاكه واحتجوا بقول الله تعالى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ وبقوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ وبحديث الذي قال يا رسول الله ﷺ إني لقيت امرأة أجنبية فأصبت منها كل شيء إلا النكاح قال أصليت معنا قال نعم قال إن الله قد غفر لك فأنزل الله تعالى ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ ثم قال فإن كان هذا السائل كما زعم ممن لا يدنس عشقه بزنى ولا يصحبه بخنى فينظر في حاله فإن كان من الطبقة الأولى
стр. 117
فالنظر كاف لهم إن صدقت دعواهم وإن كان من الطبقة الثانية فلا بأس بشكواه إلى محبوبه كي يرق عليه ويرحمه وإن غلب عليه الحال فالتحق بالثالثة أبيح له ما ذكرنا بشرط أن لا يكون أنموذجا لفعل القبيح المحرم فيلتحق بالكبائر ويستحق القتل عند ذلك ويزول عنه العذر ويحق عليه كلمة العذاب انتهى ما ذكرناه من جوابه
قالوا وقد جوزت طائفة من فقهاء السلف والخلف والعلماء استمناء الإنسان بيده إذا خاف الزنى وقد جوزت طائفة من الفقهاء لمن خاف على نفسه في الصوم الواجب من شدة الشبق أن تتشقق أنثياه أن يجامع امرأته وبنوا على ذلك فرعا وهو إذا كان له امرأتان حائض وصائمة فهل يطأ هذه أو هذه على وجهين ولا ريب أن النظر والقبلة والضم إذا تضمن شفاءه من دائه كان أسهل من الاستمناء باليد والوطء في نهار رمضان
وقد جوز بعض الفقهاء للمرأة إذا خافت الزنى أن تتخذ لها شيئا تدخله في فرجها وتخرجه لئلا تقع في محظور الزنى
ولا ريب أن الشريعة جاءت بالتزام الدخول في أدنى المفسدتين دفعا لأعلاهما وتفويت أدنى المصلحتين تحصيلا لأعلاهما فأين مفسدة النظر والقبلة والضم من مفسدة المرض والجنون أو الهلاك جملة فهذا ما احتجت به هذه الفرقة ونحن نذكر ما لها وما عليها في ذلك بحول الله وقوته وعونه
стр. 118
الباب: التاسع في الجواب عما احتجت به هذه الطائفة وما لها وما عليها في هذا الاحتجاج
وشبههم التي ذكروها دائرة بين ثلاثة أقسام أحدها نقول صحيحة لا حجة لهم فيها والثاني نقول كاذبة عمن نسبت إليه من وضع الفساق والفجار كما سنبينه الثالث نقول مجملة محتملة لخلاف ما ذهبوا إليه فأما احتجاجهم بقوله تعالى ﴿أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء﴾ فهو نظير احتجاجهم بعينه على إباحة السماع الشيطاني الفسقي بقوله تعالى ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ قالوا والقول عام فحملوا لفظه ومعناه ما هو بريء منه وإنما القول هاهنا ما أمرهم الله باستماعه وهو وحيه الذي أنزله على رسوله وهو الذي قال فيه ﴿أفلم يدبروا القرآن﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ فهذا هو القول الذي أمروا باتباع أحسنه كما قال ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ والنظر الذي أمرنا سبحانه به المؤدي إلى معرفته والإيمان به ومحبته والاستدلال على صدق رسله فيما أخبروا به عنه من أسمائه وصفاته وأفعاله وعقابه وثوابه لا النظر الذي يوجب تعلق الناظر
стр. 119
بالصورة التي يحرم عليه الاستمتاع بها نظرا ومباشرة فهذا النظر الذي أمر الله صاحبه بغض بصره هذا مع أن القوم لم يبتلوا بالمردان وهم كانوا أشرف نفوسا وأطهر قلوبا من ذلك فإذا أمرهم بغض أبصارهم عن الصورة التي تباح لهم في بعض الأحوال خشية الافتتان فكيف النظر إلى صورة لا تباح بحال ثم يقال لهذه الطائفة النظر الذي ندب الله إليه نظر يثاب عليه الناظر وهو نظر موافق لأمره يقصد به معرفة ربه ومحبته لا النظر الشيطاني ويشبه هذا الاستدلال استدلال بعض الزنادقة المنتسبين إلى الفقه على حل الفاحشة بمملوك الرجل بقوله تعالى ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ومعتقد ذلك كافر حلال الدم بعد قيام الحجة عليه وإنما تسترت هذه الطائفة لهواها وشهواتها وأوهمت أنها تنظر عبرة واستدلالا حتى آل ببعضهم الأمر إلى أن ظنوا أن نظرهم عبادة لأنهم ينظرون إلى مظاهر الجمال الإلهي ويزعمون أن الله عن قول إخوان النصارى يظهر في تلك الصورة الجميلة ويجعلون هذا طريقا إلى الله كما وقع فيه طوائف كثيرة ممن يدعي المعرفة والسلوك
قال شيخنا رحمه الله تعالى وكفر هؤلاء شر من كفر قوم لوط وشر من كفر عباد الأصنام فإن أولئك لم يقولوا إن الله سبحانه يتجلى في تلك الصورة وعباد الأصنام غاية ما قالوه ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وهؤلاء قالوا نعبدهم لأن الله ظهر في صورهم وحكى لي شيخنا أن
стр. 120
رجلا من هؤلاء مر به شاب جميل فجعل يتبعه بصره فأنكر عليه جليس له وقال لا يصلح هذا لمثلك فقال إني أرى فيه صفات معبودي وهو مظهر من مظاهر جماله فقال لقد فعلت به وصنعت فقال وإن قال شيخنا فلعن الله أمة معبودها موطوؤها قال وسئل أفضل متأخريهم العفيف التلمساني فقيل له إذا كان الوجود واحدا فما الفرق بين الأخت والبنت والأجنبية حتى تحل هذه فقال الجميع عندنا سواء ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم ومن هؤلاء الزنادقة من يخص ذلك ببعض الصور فهؤلاء من جنس النصارى بل هم إخوانهم فالنظر عند هؤلاء إلى الصور المحرمة عبادة ويشبه أن يكون هذا الحديث من وضع بعض هؤلاء الزنادقة أو مجان الفساق وإلا فرسول الله ﷺ بريء منه وسئل شيخنا عمن يقول النظر إلى الوجه الحسن عبادة ويروى ذلك عن النبي ﷺ فهل ذلك صحيح أم لا فأجاب بأن قال هذا كذب باطل ومن روى ذلك عن النبي ﷺ أو ما يشبهه فقد كذب عليه فإن هذا لم يروه أحد من أهل الحديث لا بإسناد صحيح ولا ضعيف بل هو من الموضوعات وهو مخالف لإجماع المسلمين فإنه لم يقل أحد إن النظر إلى المرأة الأجنبية والصبي الأمرد عبادة ومن زعم ذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل فإن النظر منه ما هو حرام ومنه ما هو مكروه ومنه ما هو مباح والله أعلم وأما الحديث الآخر وهو "أطلبوا الخير من
стр. 121
حسان الوجوه" فهذا وإن كان قد روي بإسناد إلا أنه باطل لم يصح عن رسول الله ﷺ ولو صح لم يكن فيه حجة لهذه الطائفة فإنه إنما أمر بطلب الخير منهم لا بطلب وصالهم ونيل المحرم منهم فإن الوجه الجميل مظنة الفعل الجميل فإن الأخلاق في الغالب مناسبة للخلقة بينهما نسب قريب وأما أمر النبي ﷺ للخاطب بأن ينظر إلى المخطوبة فذلك نظر للحاجة وهو مأمور به أمر استحباب عند الجمهور وأمر إيجاب عند بعض أهل الظاهر وهو من النظر المأذون فيه لمصلحة راجحة وهو دخول الزوج على بصيرة وأبعد من ندمه ونفرته عن المرأة فالنظر المباح أنواع هذا أحدها بخلاف النظر إلى الصورة المحرمة
فصل:
وأما ما ذكره السمعاني عن الشافعي رحمه الله تعالى فمن تحريف الناقل والسائل لم يذكر لفظ الشافعي والبيتان هكذا
سألت الفتى المكي في تزاور ... ونظرة مشتاق الفؤاد جناح
فقال معاذ الله أن يذهب التقى ... تلاصق أكباد بهن جراح
فهذا السائل هو الذي ذكر السؤال والجواب وهو مجهول لا يعرف هل هو ثقة أم لا ثم إن الجواب لا يدل على مقصود هذه الفرقة بوجه ما بل هو حجة عليها فإنه نهى أن يذهب التقى تلاصق هذه الأكباد فكأنه قال
стр. 122
لا تتلاصق هذه الأكباد لئلا يذهب تلاصقها التقى فالتلاصق المذكور فاعل والتقى مفعول فكأنه قال لا يفعل لئلا يذهب التلاصق التقى وجواب آخر وهو أن هذا التلاصق إنما يكون غير مذهب للتقى إذا كان في عشق مباح بل مستحب كعشق الزوجة والأمة
وأما ما ذكروا عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى فقد أجاب عنه سعيد نفسه فإنه لما مر به مرخية هذا السائل وكان من بني كلاب قال سعيد هذا من أكذب العرب قيل كيف يا أبا محمد قال أليس الذي يقول:
سألت سعيد بن المسيب مفتي المدينة ... هل في حب دهماء من وزر
فقال سعيد بن المسيب إنما ... تلام على ما تستطيع من الأمر
كذب والله ما سألني عن شيء من هذا قط ولا أفتيته وإذا كان هذا جواب سعيد في مثل هذا فما جوابه لمن سأله أن يقبل حبيبا أجنبيا كل يوم وليلة عشرة فقبح الله الفسقة الكذابين على العلماء لا سيما على مثل سعيد فهؤلاء كلهم فسقة كاذبون أرادوا تنفيق فسقهم بالكذب على علماء وقتهم كما نفق الفاسق أبو نواس كذبه على إسحاق بن يوسف الأزرق قال عبد الله
стр. 123
ابن محمد بن عائشة أتيت إسحاق بن يوسف الأزرق يوما فلما رآني بكى قلت ما يبكيك قال هذا أبو نواس قلت ماله قال يا جارية ائتيني بالقرطاس فإذا فيه مكتوب
يا ساحر المقلتين والجيد ... وقاتلي منه بالمواعيد
توعدني الوصل ثم تخلفني ... ويلاه من مخلف لموعودي
حدثني الأزرق المحدث عن ... شمر وعوف عن ابن مسعود
لا يخلف الوعد غير كافرة ... أو كافر في الجحيم مصفود
كذب والله علي وعلى التابعين وعلى الصحابة ولو صح عن سعيد لم يكن لكم فيه حجة فإن سعيدا أمره بالصبر أولا ومراقبة الله وخوف سطوته ومخالفة الفسقة ثم أمره بتقبيل خد من يحبه كل يوم عشر مرات وهذا قطعا إنما أراد به من يحل له تقبيله من زوجة أو سرية فأمره أن يعتاض بقبلتها من لا يحل له ولا يظن بعلماء الإسلام غير هذا إلا مفرط في الجهل أو متهم على الدين
وأما ذكره المبرد عن الأعرابي الذي سأل المفتي المكي عن القبلة في رمضان فقال للزوجة سبع وللخلة ثمان فهذا المستفتي والمفتي لا يعرف واحد منهما حتى يقبل خيره ولو صح ذلك وعرف المستفتي والمفتي لكانت الخلة هي أمته الجميلة وهي التي يحل تقبيلها ثمانيا فأكثر
وأما أن يفتي أحد من أهل الإسلام بأنه يحل تقبيل المرأة الأجنبية المحرمة عليه ثمانيا في رمضان أو غيره فمعاذ الله من ذلك وهكذا حكم الأثر الذي ذكره الخطيب في كتاب رواه مالك ولا يظن بعالم أنه تمنى أن يقبل امرأة أجنبية وهو محرم ببطن منى فإن القبلة المذكورة تعرض الحج للفساد وتبطله عند طائفة فإن صح هذا فإنما اراد امرأته أو أمته
стр. 124
وأما الأثر الذي ذكره الحاكم في مناقب الشافعي رحمه الله تعالى فليس بين الحاكم وبين الربيع من يحتج به ويدل على أن القصة كذب ظاهر أن المستفتي زعم أن الشافعي أجاب بقوله فقال لي المفتي وفاضت دموعه وهذا إنما هو حكاية المستفتي قول المفتي فمن هو الحاكي عن الشافعي فدعوا هذه الأكاذيب والترهات
وأما ما ذكرتم عن عمرو بن سفيان ابن بنت جامع فمن ذكر هذا عن عمرو ابن سفيان ومن هو عمرو بن سفيان ابن بنت جامع بن مرخية هذا وهذا موضع البيتين المشهورين
سألنا عن ثمالة كل حي ... فقال القائلون ومن ثماله
فقلت محمد بن يزيد منهم ... فقالوا زدتنا بهم جهاله
وهل يحل لأحد أن يصدق عن مالك والليث بن سعد أنهما أجازا تقبيل خد المرأة الأجنبية المعشوقة أو خد الأمرد الجميل الصورة هذا وقصة مالك مع الذي ضم صبياإليه فأفتى بضربه ستمائة سوط فمات فقال له أبو الفتى قتلت ابني فقال قتله الله فمن هذا تشديده وفتواه هل يفتي بجواز تقبيل خدود المرد الحسان نعم ما حرم الرحمن قبلة عاشق يحل لمعشوقه مواصلته ولا قبلة الرجل خد ولده كما قبل الصديق ﵁ خد ابنته عائشة ﵂ ورأى أعرابي النبي ﷺ يقبل أحد ابني ابنته فقال وإنكم لتقبلون الصبيان إن لي عشرة من الولد ما قبلتهم فقال
стр. 125
"وأملك لك إن نزع الله الرحمة من قلبك"
وأما صاحب كتاب رستاق الاتفاق وهو شاعر المصريين فلعمر الله لقد أفسدت إذ أسندت فإنه الفاسق الماجن المسمى أبا الرقعمق ولكن لا ينكر هذا المتن بهذا الإسناد فإنه لا يليق إلا به
وأما قصة إبراهيم بن المدبر عن أبي بكر بن عياش فنقل غير مصدق عن قائل غير معصوم
وأما ما ذكروا عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى فوالذي لا إله غيره إنه لمن أقبح الكذب عليه ولو أن هذا الكاذب الفاسق نفق هذه الكذبة بغيره لراج أمرها بعض الرواج ولكن من شدة جهله نفقها بأحمد ابن حنبل وهو كمن نسب إليه القول بأن القرآن مخلوق أو تقديم علي على أبي بكر أو تقديم الرأي على السنة وأمثال ذلك وكذلك ما ذكره عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى ولو صح لم يكن فيه حجة لهذه الطائفة فإنه قال لا إثم فيه إذا كانت لعشر وأربع ولم يقل إذا كانت أجنبية ونحن نقول بما قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى إذا كان المعشوق حلالا
وأما ما ذكر عن الطحاوي فلا نعلم صحته وإن صح فإنما أراد به التقبيل المباح فإن الرجل قد يبتلى بهجر زوجته أو أمته له فيسأل أطباء الدين وأطباء الجسم وأطباء الحب عن دوائه فيجيبه كل منهم بمقتضى علمه وما عنده وقد شكى مغيث زوج بريرة حبه لها فشفع عندها النبي ﷺ أن
стр. 126
تراجعه فلم تفعل وشكى إليه رجل أن امرأته لا ترد يد لامس فقال طلقها فقال إني أخاف أن تتبعها نفسي فقال استمتع بها ذكره الإمام أحمد والنسائي قال بعض أهل العلم راعى النبي ﷺ دفع أعلى المفسدتين بأدناهما فإنه لما شكى إليه أنها لا ترد يد لامس أمره بطلاقها فلما أخبره عن حبها وأنه يخاف أن لا يصبر عنها ولعل حبه لها يدعوه إلى معصية أمره أن يمسكها مداواة لقلبه ودفعا للمفسدة التي يخافها باحتمال المفسدة التي شكا منها وأجاب أبو عبيدة عنه بأنها كانت لا ترد يد لامس يطلب منها العطاء فكانت لا ترد يد من سألها شيئا من مال الزوج ورد عليه هذا التأويل بأنه لا يقال لطالب العطاء لامس وإنما يقال له ملتمس وأجابت طائفة أخرى عنه بأن طرآن المعصية على النكاح لا توجب فساده وقال النسائي هذا الحديث منكر وعندي أن له وجها غير هذا كله فإن الرجل لم يشك من المرأة أنها تزني بكل من اراد ذلك منها ولو سأل عن ذلك لما أقره رسول الله ﷺ على أن يقيم مع بغي ويكون زوج بغي ديوثا وإنما شكى إليه أنها لا تجذب نفسها ممن لاعبها ووضع يده عليها أو جذب ثوبها ونحو ذلك فإن من النساء من تلين عند الحديث واللعب ونحوه وهي حصان عفيفة إذا أريد منها الزنى وهذا كان عادة كثير من نساء العرب ولا يعدون ذلك عيبا بل كانوا في الجاهلية يرون للزوج النصف الأسفل وللعشيق النصف الأعلى
فللحب ما ضمت عليه نقابها ... وللبعل ما ضمت عليه المآزر
стр. 127
والمقصود أن القوم كانوا مع العاشق على معشوقه إذا كان يباح له وصاله وسنذكر ذلك في باب مساعدة العشاق بالمباح من التلاق إن شاء الله تعالى
وأما ما ذكروا عن شيوخ المعتزلة وشيوخ الواسطيين فأما أبو عثمان المذكور وهو عمرو بن عبيد وواصل وهو واصل بن عطاء وهما شيخا القوم ولو أفتيا بذلك لكانت فتيا من مبتدعين مذمومين عند السلف والخلف فكيف والمخبر بذلك رجل مجهول من المعتزلة كذب على من يعظمهما المعتزلة لينفق فسقه
وأما قصة محمد بن داود الأصبهاني فغايتها أن تكون من سعيه المعفو المغفور لا من عمله المشكور وسلط الناس بذلك على عرضه والله يغفر لنا وله فإنه تعرض بالنظر إلى السقم الذي صار به صاحب فراش وهذا لو كان ممن يباح له لكان نقصا وعيبا فكيف من صبي أجنبي وأرضاه الشيطان بحبه والنظر إليه عن مواصلته إذا لم يطمع في ذلك منه فنال منه ما عرف أن كيده لا يتجاوزه وجعله قدوة لمن يأتم به بعده كأبي محمد بن حزم الظاهري وغيره وكيد الشيطان أدق من هذا
وأما أبو محمد فإنه على قدر يبسه وقسوته في التمسك بالظاهر وإلغائه للمعاني والمناسبات والحكم والعلل الشرعية انماع في باب العشق والنظر وسماع الملاهي المحرمة فوسع هذا الباب جدا وضيق باب المناسبات والمعاني والحكم الشرعية جدا وهو من انحرافه في الطرفين حين رد الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه في تحريم آلات اللهو بأنه معلق غير مسند وخفي عليه أن البخاري لقي من علقه عنه وسمع منه وهو هشام بن عمار وخفي عليه أن الحديث قد أسنده غير واحد من أئمة الحديث غير هشام بن عمار فأبطل سنة صحيحة
стр. 128
ثابتة عن رسول الله ﷺ لا مطعن فيها بوجه
وأما من حاكمتمونا إليه وهو شيخ الإسلام ابن تيمية فنحن راضون بحكمه فأين أباح لكم النظر المحرم وعشق المردان والنساء الأجانب وهل هذه إلا كذب ظاهر عليه وهذه تصانيفه وفتاواه كلها ناطقة بخلاف ما حكيتموه عنه وأما الفتيا التي حكيتموها فكذب عليه لا تناسب كلامه بوجه ولولا الإطالة لذكرناها جميعها حتى يعلم الواقف عليها أنها لا تصدر عمن دونه فضلا عنه وقلت لمن أوقفني عليها هذه كذب عليه لا يشبه كلامه وكان بعض الأمراء قد أوقفني عليها قديما وهي بخط رجل متهم بالكذب وقال لي ما كنت أظن الشيخ برقة هذه الحاشية ثم تأملتها فإذا هي كذب عليه ولولا الإطالة لذكرنا من فتاويه ما يبين أن هذه كذب
وأما ما ذكرتم من مسألة التزام أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما فنحن لا ننكر هذه القاعدة بل هي من أصح قواعد الشريعة ولكن الشأن في إدخال هذه الصورة فيها بل نحاكمكم إلى هذه القاعدة نفسها فإن احتمال مفسدة ألم الحب مع غض البصر وعدم تقبيل المحبوب وضمه ونحو ذلك أقل من مفسدة النظر والتقبيل فإن هذه المفسدة تجر إلى هلاك القلب وفساد الدين وغاية ما يقدر من مفسدة الإمساك عن ذلك سقم الجسد أو الموت تفاديا عن التعرض للحرام فأين إحدى المفسدتين من الأخرى على أن النظر والقبلة
стр. 129
والضم لا يمنع السقم والموت الحاصل بسبب الحب فإن العشق يزيد بذلك ولا يزول
فما صبابة مشتاق على أمل ... من الوصال كمشتاق بلا أمل
ولا ريب في أن محبة من له طمع أقوى من محبة من يئس من محبوبه ولهذا قال الشاعر
وأبرح ما يكن الحب يوما ... إذا دنت الديار من الديار
فإن قيل فقد أباح الله سبحانه للمضطر الميتة والدم ولحم الخنزير وتناولها في هذه الحال واجب عليه قال مسروق والإمام أحمد رحمهما الله تعالى من اضطر إلى أكل الميتة فلم يأكل فمات دخل النار فغاية النظرة والقبلة والضمة أن تكون محرمة فإذا اضطر العاشق إليها فإن لم تكن واجبة فلا أقل من أن تكون مباحة فهذا قياس واعتبار صحيح وأين مفسدة موت العاشق إلى مفسدة ضمه ولمه
فالجواب أن هذا يتبين بذكر قاعدة وهي أن الله لم يجعل في العبد اضطرارا إلى الجماع بحيث إن لم يفعله مات بخلاف اضطراره إلى الأكل والشرب واللباس فإنه من قوام البدن الذي إن لم يباشره هلك ولهذا لم يبح من الوطء الحرام ما أباح من تناول الغذاء والشراب المحرم فإن هذا من قبيل الشهوة واللذة التي هي تتمة وفضلة ولهذا يمكن الإنسان أن يعيش طول عمره بغير تزوج وغير تسر ولا يمكنه أن يعيش بغير طعام ولا شراب ولهذا أمر النبي ﷺ الشباب أن يداووا هذه الشهوة بالصوم وقال تعالى عن عشاق المردان ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ
стр. 130
النِّسَاءِ﴾ فأخبر أن الحامل على ذلك مجرد الشهوة لا الحاجة فضلا عن الضرورة والشهوة المجردة لا تلتحق بالضروريات ولا بالحاجات والحمية عنها خشية إفضائها إلى مرض أصعب منها جار مجرى الحمية عن تناول ما يضر من الأطعمة والأشربة وذلك لا تدعو الضرورة إلى تناوله وإن كانت النفس قد تشتهيه فالقبلة والنظر والضم ونحوها جار مجرى تناول الفاكهة المضرة والزفرة المضر للمحموم ومن به مرض يضره معه تناول ذلك فإذا قال المريض أنا إن لم أتناول ذلك وإلا خشيت الموت لم يكن صادقا في قوله وإنما الحامل له على ذلك مجرد الشهوة وربما زاد تناول ذلك في مرضه فالطبيب الناصح لا يفسح له فيه فكيف يفسح الشارع الحكيم الذي شريعته غاية طب القلوب والأديان وبها تحفظ صحتها وتدفع موادها الفاسدة في تناول ما يزيد الداء ويقويه ويمده هذا من المحال بل الشريعة تأمر بالحمية عن أسباب هذا الداء خوفا من استحكامه وتولد داء آخر أصعب منه وأما مسألة من خاف تشقق أنثييه وأنه يباح له الوطء في رمضان فهذا ليس على إطلاقه بل إن أمكنه إخراج مائه بغير الوطء لم يجز له الوطء بلا نزاع وإن لم يمكنه ذلك إلا بالوطء المباح فإنه يجري مجرى الإفطار لعذر المرض ثم يقضي ذلك اليوم والإفطار بالمرض لا يتوقف على خوف الهلاك فكيف إذا خاف تلف عضو من أعضائه القاتلة بل هذا نظير من اشتد عطشه وخاف إن لم يشرب أن يحدث له داء من الأدواء أو يتلف عضو
стр. 131
من أعضائه فإنه يجوز له الشرب ثم يقضي يوما مكانه فإن قيل فلو اتفق له ذلك ولم يكن عنده إلا أجنبية هل يباح له وطؤها لئلا تتلف أنثياه قيل لا يباح له ذلك ولكن له أن يخرج ماءه باستمنائه فإن تعذر عليه فهل يجوز له أن يمكنها من استخراج مائه بيدها هذا فيه نظر فإن أبيح جرى مجرى تطبيب المرأة الأجنبية للرجل ومسها منه ما تدعو الحاجة إلى مسه وكذلك تطبيب الرجل للمرأة الأجنبية ومسه ما تدعو الحاجة إليه والله أعلم
وقد سئل أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني في رقعة
قل لأبي الخطاب نجم الهدى ... وقدوة العالم في عصره
لا زلت في فتواك مستأمنا ... من خدع الشيطان أو مكره
ماذا ترى في رشإ أغيد ... حاز اللمى والدرر في ثغره
لم يحك بدر التم في حسنه ... حتى حكى الزنبور في حضره
فهل يجيز الشرع تقبيله ... لمستهام خاف من وزره
أم هل على المشتاق في ضمه ... من غير إدناء إلى صدره
إثم إذا ما لم يكن مضمرا ... غير الذي قدم من ذكره
فأجاب
يا أيها الشيخ الأديب الذي ... قد فاق أهل العصر في شعره
تسأل عن تقبيل بدر الدجى ... وعطف زنديك على نحره
стр. 132
هل ورد الشرع بتحليله ... لمستهام خاف من وزره
من قارف الفتنة ثم ادعى ال ... عصمة قد نافق في أمره
هل فتنة المرء سوى الضم والت ... قبيل للحب على ثغره
وهل دواعي ذلك المشتهى ... إلا عناق البدر في خدره
وبذله ذاك لمشتاقه ... يزري على هاروت في سحره
ولا يجيز الشرع أسباب ما ... يورط المسلم في حظره
فانج ودع عنك صداع الهوى ... عساك أن تسلم من شره
هذا جواب الكلوزاني قد ... جاءك يرجو الله في أجره
فهذا جواب أهل العلم وهو مطابق لما ذكرناه والله تعالى أعلم
وسئل الإمام أبو الفرج بن الجوزي ﵀ بأبيات
يا أيها العالم ماذا ترى ... في عاشق ذاب من الوجد
من حب ظبي أغيد أهيف ... سهل المحيا حسن القد
فهل ترى تقبيله جائزا ... في الفم والعينين والخد
من غير ما فحش ولا ريبة ... بل بعناق جائز الحد
إن كنت ما تفتي فإني إذا ... أصيح من وجدي وأستعدي
فكتب رحمه الله تعالى الجواب
ياذا الذي ذاب من الوجد ... وظل في ضر وفي جهد
إسمع فدتك النفس من ناصح ... بنصحه يهدي إلى الرشد
لو صح منك العشق ما جئتني ... تسألني عنه وتستعدي
فالعاشق الصادق في حبه ... ما باله يسأل ما عندي
стр. 133
غيبه العشق فما إن يرى ... يعيد في العشق ولا يبدي
وكل ما تذكر مستفتيا ... حرمه الله على العبد
إلا لما حلله ربنا ... في الشرع بالإبرام والعقد
فعد من طرق الهوى معرضا ... وقف بباب الواحد الفرد
وسله يشفيك ولا يبتلي ... قلبك بالتعذيب والصد
وعف في العشق ولا تبده ... واصبر وكاتم غاية الجهد
فإن تمت محتسبا صابرا ... تفز غدا في جنة الخلد
стр. 134
الباب العاشر: في ذكر حقيقة العشق وأوصافه وكلام الناس
فيه فالذي عليه الأطباء قاطبة أنه مرض وسواسي شبيه بالماليخوليا يجلبه المرء إلى نفسه بتسليط فكره على استحسان بعض الصور والشمائل وسببه النفساني الاستحسان والفكر وسببه البدني ارتفاع بخار رديء إلى الدماغ عن مني محتقن ولذلك أكثر ما يعتري العزاب وكثرة الجماع تزيله بسرعة
وقال بعض الفلاسفة العشق طمع يتولد في القلب ويتحرك وينمي ثم يتربى ويجتمع إليه مواد من الحرص وكلما قوي ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج والتمادي في الطمع والحرص على الطلب حتى يؤديه ذلك إلى الغم والقلق ويكون احتراق الدم عند ذلك باستحالته إلى السوداء والتهاب الصفراء وانقلابها إليها ومن غلبة السوداء يحصل له فسادالفكر ومع فساد الفكر يكون زوال العقل ورجاء ما لا يكون وتمني مالا يتم حتى يؤدي إلى الجنون فحينئذ ربما قتل العاشق نفسه وربما مات غما وربما نظر إلى معشوقه فمات فرحا وربما شهق شهقة فتختنق روحه فيبقى أربعة وعشرين ساعة فيظن أنه قد مات فيدفن وهو حي وربما تنفس الصعداء فتختنق نفسه في تامور قلبه وينضم عليها القلب ولا ينفرج حتى يموت وتراه إذا ذكر له من يهواه هرب دمه واستحال لونه وقال أفلاطون العشق حركة النفس الفارغة وقال أرسطاطاليس العشق عمى الحس عن إدراك عيوب المحبوب ومن هذا أخذ جرير قوله
стр. 135
فلست براء عيب ذي الود كله ... ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا
فعين الرضى عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا
وقال أرسطو العشق جهل عارض صادف قلبا فارغا لا شغل له من تجارة ولا صناعة وقال غيره هو سوء اختيار صادف نفسا فارغة
قال قيس بن الملوح
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا
وقال بعضهم لم أر حقا أشبه بباطل ولا باطلا أشبه بحق من العشق هزله جد وجده هزل وأوله لعب وآخره عطب وقال الجاحظ العشق اسم لما فضل عن المحبة كما أن السرف اسم لما جاوز الجود والبخل اسم لما جاوز الاقتصاد فكل عشق يسمى حبا وليس كل حب يسمى عشقا والمحبة جنس والعشق نوع منها ألا ترى أن كل محبة شوق وليس كل شوق محبة وقالت فرقة أخرى العشق هو الاستهيام والتضرع واللوذان بالمعشوق والوجد هو الحب الساكن والهوى أن يهوى الشيء فيتبعه غيا كان أو رشدا والحب حرف ينتظم هذه الثلاثة وقال المأمون ليحيى بن أكثم ما العشق فقال سوانح تسنح للمرء فيهيم بها قلبه وتؤثرها نفسه فقال له ثمامة بن أشرس اسكت يا يحيى إنما عليك أن تجيب في مسألة طلاق أو محرم صاد ظبيا فأما هذه فمن مسائلنا نحن فقال له المأمون قل يا ثمامة قال العشق جليس ممتع وأليف مؤنس وصاحب ملك مسالكه لطيفة ومذاهبه غامضة وأحكامه جارية ملك الأبدان وأرواحها
стр. 136
والقلوب وخواطرها والعقول وآراءها قد أعطي عنان طاعتها وقوة تصرفها توارى عن الأبصار مدخله وعمي في القلوب مسلكه فقال له المأمون أحسنت يا ثمامة وأمر له بألف دينار
وقال بعضهم قلت لمجنون قد أذهب عقله العشق أجز هذاالبيت
وما الحب إلا شعلة قدحت بها ... عيون المها باللحظ بين الجوانح
فقال بديها
ونار الهوى تخفى وفي القلب فعلها ... كفعل الذي جاءت به كف قادح
وقال الأصمعي سألت أعرابيا عن العشق فقال جل والله عن أن يرى وخفي عن أبصار الورى فهو في الصدور كامن ككمون النار في الحجر إن قدح أوري وإن ترك توارى وقال بعضهم العشق نوع من الجنون والجنون فنون فالعشق فن من فنونه واحتج بقول قيس
قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... ألعشق أعظم مما بالمجانين
العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين
وقال آخر إذا امتزجت جواهر النفوس بوصف المشاكلة أنتجت لمح نور ساطع تستضيء به النفس في معرفة محاسن المعشوق فتسلك طريق الوصول إليه وقال أعرابي العشق أعظم مسلكا في القلب من الروح في الجسم وأملك بالنفس من ذاتها بطن وظهر فامتنع وصفه عن اللسان وخفي نعته عن البيان فهو بين السحر والجنون لطيف المسلك والكمون وقيل العشق ملك غشوم مسلط ظلوم دانت له القلوب وانقادت له الألباب وخضعت
стр. 137
..
له النفوس العقل أسيره والنظر رسوله واللحظ لفظه دقيق المسلك عسير المخرج وقيل لآخر ما تقول في العشق فقال إن لم يكن طرفا من الجنون فهو نوع من السحر
وأما الفلاسفة المشاؤون فقالوا هو اتفاق أخلاق وتشاكل محبات وتجانسها وشوق كل نفس إلى مشاكلها ومجانسها في الخلقة القديمة قبل إهباطها إلى الأجساد قلت هذا مبني على قولهم الفاسد بتقدم النفوس على الأبدان وعليه بنى ابن سينا قصيدته المشهورة
هبطت إليك من المحل الأرفع
وسمعت شيخنا يحكي عن بعض فضلاء المغاربة وهو جمال الدين بن الشريشي شارح المقامات أنه كان ينكر أن تكون هذه له قال وهي مخالفة لما قرره في كتبه من أن حدوث النفس الناطقة مع البدن
وقال آخرون في وصفه دق عن الأفهام مسلكه وخفي عن الأبصار موضعه وحارت العقول في كيفية تمكنه غير أن ابتداء حركته وعظم سلطانه من القلب ثم يتغشى سائر الأعضاء فيبدي الرعدة في الأطراف والصفرة في الألوان والضعف في الرأي واللجلجة في الكلام والزلل والعثار حتى ينسب صاحبه إلى الجنون وقيل لأبي زهير المديني ما العشق قال الجنون والذل وهو داء أهل الظرف ونظر عاشق إلى معشوقه فارتعدت فرائصه وغشي عليه فقيل لحكيم ما الذي أصابه فقال نظر إلى من يحبه فانفرج له قلبه فتحرك الجسم بانفراج القلب فقيل له نحن نحب أولادنا وأهلنا ولا
стр. 138
يصيبنا ذلك فقال تلك محبة العقل وهذه محبة الروح قال
وما هو إلا أن يراها فجاءة ... فتصطك رجلاه ويسقط للجنب
وقال العشق ملك مسلط على قهر النفوس وأسر القلوب قال الشاعر
ملك القلوب فأصبحت في أسره ... وبودها أن لا يفك إسارها
وقال أعرابي في وصفه بالقلب وثبته وبالفؤاد وجبته وبالأحشاء ناره وسائر الأعضاء خدامه فالقلب من العاشق ذاهل والدمع منه هامل والجسم منه ناحل مرور الليالي تجدده وإساءة المحبوب لا تفسده وقيل ليس هو موقوفا على الحسن والجمال وإنما هو تشاكل النفوس وتمازجها في الطباع المخلوقة فيها كما قيل
وما الحب من حسن ولا من ملاحة ... ولكنه شيء به الروح تكلف
وقيل أول العشق عناء وأوسطه سقم وآخره قتل كما قال ابن الفارض ﵀
هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل ... فما اختاره مضنى به وله عقل
وعش خاليا فالحب أوله عنى ... وأوسطه سقم وآخره قتل
стр. 139
الباب الحادي عشر: في العشق هل هو اضطراري خارج عن الاختيار أو أمر اختياري واختلاف الناس في ذلك وذكر الصواب فيه
فنقول اختلف الناس في العشق هل هو اختياري أو اضطراري خارج عن مقدور البشر فقالت فرقة هو اضطراري وليس باختياري قالوا وهو بمنزلة محبة الظمآن للماء البارد والجائع للطعام وهذا مما لا يملك
قال بعضهم والله لو كان لي من الأمر شيء ما عذبت عاشقا لأن ذنوب العشاق اضطرارية فإذا كان هذا قوله فيما تولد عن العشق من فعل اختياري فما الظن بالعشق نفسه وقال أبو محمد بن حزم قال رجل لعمر بن الخطاب ﵁ يا أمير المؤمنين إني رأيت امرأة فعشقتها فقال عمر ذاك مما لا يملك
وقال كامل في سلمى
يلومونني في حب سلمى كأنما ... يرون الهوى شيئا تيممته عمدا
ألا إنما الحب الذي صدع الحشا ... قضاء من الرحمن يبلو به العبدا
وقال التميمي في كتاب امتزاج الأرواح سئل بعض الأطباء عن العشق فقال إن وقوعه بأهله ليس باختيار منهم ولا بحرصهم عليه ولا لذة لأكثرهم فيه ولكن وقوعه بهم كوقوع العلل المدنفة والأمراض المتلفة لا فرق بينه وبين ذلك وقال المدائني لام رجل رجلا من أهل الهوى فقال لو صح لذي هوى اختيار لاختار أن لا يهوى ويدل على ذلك من السنة ما رواه
стр. 140
البخاري في صحيحه من قصة بريرة أن زوجها كان يمشي خلفها بعد فراقها له وقد صارت أجنبية منه ودموعه تسيل على خديه فقال النبي ﷺ "يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثا ثم قال لها لو راجعتيه فقالت أتأمرني فقال إنما أنا شافع قالت لا حاجة لي فيه" ولم ينهه عن عشقها في هذه الحال إذ ذلك شيء لا يملك ولا يدخل تحت الاختيار وقال جامع
سألت سعيد بن المسيب مفتي ال ... مدينة هل في حب دهماء من وزر
فقال سعيد بن المسيب إنما ... يلام على ما يستطاع من الأمر
قالوا والعشق نوع من العذاب والعاقل لا يختار عذاب نفسه وفي هذا قال المؤمل
شف المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمل لم يخلق له بصر
يكفي المحبين في الدنيا عذابهم ... والله لا عذبتهم بعدها سقر
فيقال إنه عمي بعد هذا وقال آخر ليس الهوى إلى الرأي فيملكه ولا إلى العقل فيدركه ثم أنشد
ليس خطب الهوى بخطب يسير ... لا ينبيك عنه مثل خبير
ليس أمر الهوى يدبر بالرأ ... ي ولا بالقياس والتفكير
إنما الأمر في الهوى خطرات ... محدثات الأمور بعد الأمور
وقال القاضي أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن سلمان النوقاتي في كتابه
стр. 141
محنة الظراف العشاق معذورون على الأحوال إذ العشق إنما دهاهم عن غير اختيار بل اعتراهم عن جبر واضطرار والمرء إنما يلام على ما يستطيع من الأمور لا على المقضي عليه والمقدور فقد قيل إن الحامل كانت ترى يوسف ﵊ فتضع حملها فكيف ترى هذه وضعته أباختيار كان ذلك أم باضطرار قال غيره وهؤلاء النسوة قطعن أيديهن لما بدا لهن حسن يوسف ﵇ وما تمكن حبه من قلوبهن فكيف لو شغفن حبا وكان مصعب بن الزبير إذا رأته المرأة حاضت لحسنه وجماله قال فيه الشاعر
إنما مصعب شهاب من الل ... هـ تجلت عن وجهه الظلماء
ومن هاهنا أخذ أحمد بن الحسين الكندي المتنبي قوله
تق الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق
فإذا كان هذا من مجرد الرؤية فكيف بالمحبة التي لا تملك وقال هشام ابن عروة عن أبيه مات بالمدينة عاشق فصلى عليه زيد بن ثابت فقيل له في ذلك فقال إني رحمته ورؤي أبو السائب المخزومي وكان من العلم والدين بمكان متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول اللهم ارحم العاشقين وقو قلوبهم واعطف عليهم قلوب المعشوقين فقيل له في ذلك فقال والله للدعاء لهم أفضل من عمرة من الجعرانة ثم أنشد
يا هجر كف عن الهوى ودع الهوى ... للعاشقين يطيب يا هجر
ماذا تريد من الذين جفونهم ... قرحى وحشو قلوبهم جمر
стр. 142
متبلدين من الهوى ألوانهم ... مما تجن قلوبهم صفر
وسوابق العبرات فوق خدودهم ... درر تفيض كأنها قطر
ويذكر أن النبي ﷺ مر بجارية تتغنى
هل علي ويحكما ... إن هويت من حرج
فتبسم وقال "لا حرج إن شاء الله " قالوا وقد فسر كثير من السلف قوله تعالى ﴿ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به﴾ بالعشق وهذا لم يريدوا به التخصيص وإنما أرادوا به التمثيل وأن العشق من تحميل مالا يطاق والمراد بالتحميل هاهنا التحميل القدري لا الشرعي الأمري قالوا وقد رأينا جماعة من العشاق يطوفون على من يدعو لهم أن يعافيهم الله من العشق ولو كان اختيارا لأزالوه عن نفوسهم ومن هاهنا يتبين خطأ كثير من العاذلين وعذلهم في هذه الحال بمنزلة عذل المريض في مرضه قال
стр. 143
ياعاذلي والأمر في يده ... هلا عذلت وفي يدي الأمر
وإنما ينبغي العذل قبل تعلق هذا الداء بالقلب كما قيل فيه
يذكرني حم ولرمح شاجر ... فهلا تلاحم قبل التقدم
وقالت فرقة أخرى بل اختياري تابع لهوى النفس وإرادتها بل هو استحكام الهوى الذي مدح الله من نهى عنه نفسه فقال تعالى ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فإن الجنة هي المأوى﴾ فمحال أن ينهى الإنسان نفسه عما لا يدخل تحت قدرته
قالوا والعشق حركة اختيارية للنفس إلى نحو محبوبها وليس بمنزلة الحركات الاضطرارية التي لا تدخل تحت قدرة العبد قالوا وقد ذم الله أصحاب المحبة الفاسدة الذين يحبون من دونه أندادا ولو كانت المحبة اضطرارية لما ذموا على ذلك قالوا ولأن المحبة إرادة قوية والعبد يحمد ويذم على إرادته ولهذا يحمد مريد الخير وإن لم يفعله ويذم مريد الشر وإن لم يفعله وقد ذم الله الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا وأخبر أن لهم عذابا أليما ولو كانت المحبة لا تملك لم يتوعدهم بالعذاب على
стр. 144
ما لا يدخل تحت قدرتهم قالوا والعقلاء قاطبة مطبقون على لوم من يحب ما يتضرر بمحبته وهذا فطرة فطر الله عليها الخلق فلو اعتذر بأني لا أملك قلبي لم يقبلوا له عذرا
فصل:
وفصل النزاع بين الفريقين أن مبادىء العشق وأسبابه اختيارية داخلة تحت التكليف فإن النظر والتفكر والتعرض للمحبة أمر اختياري فإذا أتى بالأسباب كان ترتب المسبب عليها بغير اختياره كما قيل
تولع بالعشق حتى عشق ... فلما استقل به لم يطق
رأى لجة ظنها موجة ... فلما تمكن منها غرق
تمنى الإقالة من ذنبه ... فلم يستطعها ولم يستطق
وهذا بمنزلة السكر من شرب الخمر فإن تناول المسكر اختياري وما يتولد عنه السكر اضطراري فمتى كان السبب واقعا باختياره لم يكن معذورا فيما تولد عنه بغير اختياره فمتى كان السبب محظورا لم يكن السكران معذورا ولا ريب أن متابعة النظر واستدامة الفكر بمنزلة شرب المسكر فهو يلام على السبب ولهذا إذا حصل العشق بسبب غير محظور لم يلم عليه صاحبه كمن كان يعشق امرأته أو جاريته ثم فارقها وبقي عشقها غير مفارق له فهذا لا يلام على ذلك كما تقدم في قصة بريرة ومغيث وكذلك إذا نظر نظرة فجاءة ثم صرف بصره وقد تمكن العشق من قلبه بغير اختياره على أن عليه مدافعته وصرفه
стр. 145
عن قلبه بضده فإذا جاء أمر يغلبه فهناك لا يلام بعد بذل الجهد في دفعه ومما يبين ما قلناه أن سكر العشق أعظم من سكر الخمر كما قال الله تعالى عن عشاق الصور من قوم لوط ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وإذا كان أدنى السكرين لا يعذر صاحبه إذا تعاطى أسبابه فكيف يعذر صاحب السكر الأقوى مع تعاطي أسبابه وإذ قد وصلنا إلى هذا الموضع فلنذكر بابا في سكرة الحب وسببها
следующие страницы →