← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11229

روضة المحبين ونزهة المشتاقين - ط العلمية

ابن القيم

Полный текст (482 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إني حممت ولم أشعر بحماك ... حتى تحدث عوادي بشكواك فقلت ما كانت الحمى لتطرقني ... من غير ما سبب إلا لحماك وخصلة كنت فيها غير متهم ... عافاني الله منها حين عافاك حتى اتفقت نفسي ونفسك في ... هذا وذاك وفي هذا وفي ذاك ويحكى أن رجلا مرض من يحبه فعاده المحب فمرض من وقته فعوفي محبوبه فجاء يعوده فلما رآه عوفي من وقته وأنشد مرض الحبيب فعدته ... فمرضت من حذري عليه وأتى الحبيب يعودني ... فبرئت من نظري إليه وأنت إذا تأملت الوجود لا تكاد تجد اثنين يتحابان إلا وبينهما مشاكلةأو اتفاق في فعل أو حال أو مقصد فإذا تباينت المقاصد والأوصاف والأفعال والطرائق لم يكن هناك إلا النفرة والبعد بين القلوب ويكفي في هذا الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر فإنقيل فهذا الذي ذكرتم يقتضي أنه إذا أحب شخص شخصا أن يزن الآخر يحبه فيشتركان في المحبة والواقع يشهد بخلافه فكم من محب غير محبوب بل بسيف البغض مضروب قيل قد اختلف الناس في جواب هذا السؤال فأما أبو محمد بن حزم فإنه قال الذي أذهب إليه أن العشق اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخلقة في أصل عنصرها الرفيع لا على

стр. 72

ما حكاه محمد بن داود عن بعض أهل الفلسفة أن الأرواح أكر مقسومة لكن على سبيل مناسبة قواها في مقر عالمها العلوي ومجاورتها في هيئة تركيبها وقد علمنا أن سر التمازج والتباين في المخلوقات إنما هو الاتصال والانفصال فالشكل إنما يستدعي شكله والمثل إلى مثله ساكن وللمجانسة عمل محسوس وتأثير مشاهد والتنافر في الأضداد والموافقة في الأنداد والنزاع فيما تشابه موجود بيننا فكيف بالنفس وعالمها العالم الصافي الخفيف وجوهرها الجوهر الصعاد المعتدل وسنخها المهيأ لقبول الاتفاق والميل والتوق والانحراف والشهوة والنفار والله تعالى ﴿يقول هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها﴾ فجعل علة السكون أنها منه ولو كان علة الحب حسن الصورة الجسدية لوجب أن لا يستحسن الأنقص من الصور ونحن نجد كثيرا ممن يؤثر الأدنى ويعلم فلضل غيره ولا يجد محيدا لقلبه عنه ولو كان للموافقة في الأخلاق لما أحب المرء من لا يساعده ولا يوافقه فعلمنا أنه شيء في ذات النفس وربما كانت المحبة لسبب من الأسباب وتلك تفنى بفناء سببها قال ومما يؤكد هذا القول أننا قد علمنا أن المحبة ضروب فأفضلها محبة المتحابين في الله إما لاجتهاد في العمل وإما لاتفاق في أصل المذهب وإما لفضل علم يمنحه الإنسان ومحبة القرابة ومحبة الألفة والاشتراك في المطالب ومحبة التصاحب والمعرفة ومحبة لبر يضعه المرء عند أخيه ومحبة لطمع في جاه المحبوب ومحبة المتحابين لسر يجتمعان عليه يلزمهما ستره

стр. 73

ومحبة لبلوغ اللذة وقضاء الوطر ومحبة العشق التي لا علة لها إلا ما ذكرنا من اتصال النفوس وكل هذه الأجناس فمنقضية مع انقضاء عللها وزائدة بزيادتها وناقصة بنقصانها متأكدة بدنوها فاترة ببعدها حاشا محبة العشق الصحيح المتمكن من النفس ثم أورد هذا السؤال قال والجواب أن نفس الذي لا يحب من يحبه مكتنفة الجهات ببعض الأعراض الساترة والحجب المحيطة بها من الطبائع الأرضية فلم تحس بالجزء الذي كان متصلا بها قبل حلولها حيث هي ولو تخلصت لاستويا في الاتصال والمحبة ونفس المحب متخلصة عالمة بمكان ما كان يشركها في المجاورة طالبة له قاصدة إليه باحثة عنه مشتهية لملاقاته جاذبة له لو أمكنها كالمغناطيس والحديد وكالنار في الحجر وأجابت طائفة أخرى أن الأرواح خلقت على هيئة الكرة ثم قسمت فأي روحين تلاقيتا هناك وتجاورتا تألفتا في هذا العالم وتحابتا وإن تنافرتا هناك تنافرتا هنا وإن تألفتا من وجه وتنافرتا من وجه كانتا كذلك ها هنا وهذا الجواب مبني على الأصل الفاسد الذي أصله هؤلاء أن الأرواح موجودة قبل الأجساد وأنها كانت متعارفة متجاورة هناك تتلاقى وتتعارف وهذا خطأ بل الصحيح الذي دل عليه الشرع والعقل أن الأرواح مخلوقة مع الأجساد وأن الملك الموكل بنفخ الروح في الجسد ينفخ فيه الروح إذا مضى

стр. 74

على النطفة أربعة أشهر ودخلت في الخامس وذلك أول حدوث الروح فيه ومن قال إنها مخلوقة قبل ذلك فقد غلط وأقبح منه قول من قال إنها قديمة أو توقف في ذلك بل الصواب في الجواب أن يقال إن المحبة كما تقدم قسمان محبة عرضية غرضية فهذه لا يجب الاشتراك فيها بل يقارنها مقت المحبوب وبغضه للمحب كثيرا إلا إذا كان له معه غرض نظير غرضه فإنه يحبه لغرضه منه كما يكون بين الرجل والمرأة اللذين لكل منهما غرض مع صاحبه والقسم الثاني محبة روحانية سببها المشاكلة والاتفاق بين الروحين فهذه لا تكون إلا من الجانبين ولا بد فلو فتش المحب المحبة الصادقة قلب المحبوب لوجد عنده من محبته نظير ما عنده أو دونه أو فوقه فصل وإذا كانت المحبة من الجانبين استراح بها كل واحد من المحبين وسكن ذلك بعض ما به وعده نوعا من الوصال وقالت امرأة من العرب حججت ولم أحجج لذنب عملته ... ولكن لتعديني على قاطع الحبل ذهبت بعقلي في هواه صغيره ... وقد كبرت سني فرد به عقلي وإلا فسو الحب بيني وبينه ... فإنك يا مولاي توصف بالعدل وقال آخر فيا رب أشغلها بحبي كما بها ... شغلت فؤادي كي يخف الذي بيا وقالت امرأة تعاتب بعلها أسأل الذي قسم بين العباد معايشهم أن يقسم الحب بيني وبينك ثم أنشدت

стр. 75

أدعو الذي صرف الهوى ... مني إليك ومنك عني أن يبتليك بما ابتلا ... ني أو يسل الحب مني وقال آخر فيا رب إن لم تقسم الحب بيننا ... بشطرين فاجعلني على هجرها جلدا وأعقبني السلوان عنها ورد لي ... فؤادي من سلمى أثبك به حمدا وقال أبو الهذيل العلاف لا يجوز في دور الفلك ولا في تركيب الطبائع ولا في الواجب ولا في الممكن أن يكون محب ليس لمحبوبه إليه ميل وإلى هذا المذهب ذهب أبو العباس الناشىء حيث يقول عيناك شاهدتان أنك من ... حر الهوى تجدين ما أجد بك ما بنا لكن على مضض ... تتجلدين وما بنا جلد وقال أبو عيينه تبيت بنا تهذي وأهذى بذكرها ... كلانا يقاسي الليل وهو مسهد وما رقدت إلا رأتني ضجيعها ... كذاك أراها في الكرى حين أرقد تقر بذنبي حين أغفو ونلتقي ... وأسألها يقظان عنه فتجحد كلانا سواء في الهوى غير أنها ... تجلد أحيانا وما لي تجلد وقال عروة بن أذينة إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها فبك الذي زعمت بها فكلاكما ... أبدى لصاحبه الصبابة كلها فإذا تشاكلت النفوس وتمازجت الأرواح وتفاعلت تفاعلت عنها الأبدان وطلبت نظير الامتزاج والجوار الذي بين الأرواح فإن البدن آلة الروح ومركبه وبهذا ركب الله سبحانه شهوة الجماع بين الذكر والأنثى طلبا

стр. 76

.. للامتزاج والاختلاط بين البدنين كما هو بين الروحين ولهذا يسمى جماعا وخلاطا ونكاحا وإفضاء لأن كل واحد منهما يفضي إلى صاحبه فيزول الفضاء بينهما فإن قيل فهذا يوجب تأكد الحب بالجماع وقوته به والواقع خلافه فإن الجماع يطفىء نار المحبة ويبرد حرارتها ويسكن نفس المحب قيل الناس مختلفون في هذا فمنهم من يكون بعد الجماع أقوى محبة وأمكن وأثبت مما قبله ويكون بمنزلة من وصف له شيء ملائم فأحبه فلما ذاقه كان له اشد محبة وإليه أشد اشتياقا وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ في حديث عروج الملائكة إلى ربهم أنه سبحانه يسألهم عن عباده وهو أعلم بهم فيقولون إنهم يسبحونك ويحمدونك ويقدسونك فيقول وهل رأوني فيقولون لا فيقول فكيف لو رأوني تقول الملائكة لو رأوك لكانوا أشد تسبيحا وتقديسا وتمجيدا ثم يقولون ويسألونك الجنة فيقول وهل رأوها فيقولون لا فيقول فكيف لو رأوها فتقول الملائكة لو رأوها لكانوا أشد لها طالبا وذكر الحديث ومعلوم أن محبة من ذاق الشيء الملائم وعدم صبره عنه أقوى من محبة من لم يذقه بل نفسه مفطومة عنه والمودة التي بين الزوجين والمحبة بعد الجماع أعظم من التي كانت قبله والسبب الطبيعي أن شهوة القلب ممتزجة بلذة العين فإذا رأت العين اشتهى القلب فإذا باشر الجسم الجسم اجتمع شهوة القلب ولذة العين ولذة المباشرة فإذا فارق هذه الحال كان نزاع نفسه إليها أشد وشوقه إليها أعظم كما قيل وأكثر ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الديار من الديار

стр. 77

ولذلك يتضاعف الألم والحسرة على من راى محبوبه أو باشره ثم حيل بينه وبينه فتضاعف ألمه وحسرته في مقابلة مضاعفة لذة من عاوده وهذا في جانب المرأة أقوى فإنها إذا ذاقت عسيلة الرجل ولا سيما أول عسيلة لم تكد تصبر عنه بعد ذلك قال أيمن بن خريم يميت العتاب ط خلاالنساء ... ويحي اجتناب الخلاط العتابا وتزوج زهير بن مسكين الفهري جارية ولم يكن عنده ما يرضيها به فلما أمكنته من نفسها لم تر عنده ما ترضى به فذهبت ولم تعد فقال في ذلك أشعارا كثيرة منها تقول وقد قبلتها ألف قبلة ... كفاك أما شيء لديك سوى القبل فقلت لها حب على القلب حفظه ... وطول بكاء تستفيض له المقل فقالت لعمر الله ما لذة الفتى ... من الحب في قول يخالفه الفعل وقال آخر رأت حبي سعاد بلا جماع ... فقالت حبلنا حبل انقطاع ولست أريد حبا ليس فيه ... متاع منك يدخل في متاعي فلو قبلتني ألفا وألفا ... لما أرضيت إلا بالجماع إذا ما الصب لم يك ذا جماع ... يرى المحبوب كالشيء المضاع جماع الصب غاية كل أنثى ... وداعية لأهل العشق داعي فقلت لها وقد ولت تعالي ... فإنك بعد هذا لن تراعي وإنك لو سألت بقاء يوم ... خلي عن جماعك لن تطاعي

стр. 78

فقالت مرحبا بفتى كريم ... ولا أهلا بذي الخنع اليراع إذا ما البعل لم يك ذا جماع ... يرى في البيت من سقط المتاع وقال آخر ولما شكوت الحب قالت كذبتني ... فكم زورة مني قصدتك خاليا فما حل فيها من إزار للذة ... قعدت وحاجات الفؤاد كما هيا وهل راحة للمرء في ورد منهل ... ويرجع بعد الورد ظمآن صاديا وقال العباس بن الأحنف لم يصف وصل لمعشوقين لم يذقا ... وصلا يجل على كل اللذاذات وقال هدبة بن الخشرم والله ما يشفي الفؤاد الهائما ... نفث الرقى وعقدك التمائما ولا الحديث دون أن تلازما ... ولا اللزام دون أن تفاعما ولا الفعام دون أن تفاقما ... وتعلو القوائم القوائما وقال آخر قولا لعاتكة التي ... في نظرة قضت الوطر

стр. 79

إني أريدك للنكاح ... ولا أريدك للنظر لو كان هذا مقنعي ... لقنعت عنها بالقمر وقال آخر دواء الحب تقبيل وشم ... ووضع للبطون على البطون ورهز تذرف العينان منه ... وأخذ بالمناكب والقرون وقالت امرأة وقد طلبت منها المحادثة ليس بهذا أمرتني أمي ... ولا بتقبيل ولا بشم لكن جماعا قد يسلي همي ... يسقط منه خاتمي في كمي وقد كشف الشاعر سبب ذلك حيث يقول لو ضم صب إلفه! ألفا لما ... أجدى وزادت لوعة وغرام أرواحهم من قبل ذاك تألفت ... فتألفت من بعدها الأجسام وقال المؤلف سألت فقيه الحب عن علة الهوى ... وقلت له أشكو إلى الشيخ حاليا فقال دواء الحب أن تلصق الحشا ... بأحشاء من تهوى إذا كنت خاليا وتتحدا من بعد ذاك تعانقا ... وتلثمه حتى يرى لك ناهيا فتقضي حاجات الفؤاد بأسرها ... على الأمن ما دام الحبيب مؤاتيا إذا كان هذا في حلال فحبذا ... وصالبه الرحمن تلقاه راضيا وإن كان هذا في حرام فإنه ... عذاب به تلقى العنا والمكاويا قال هؤلاء ولا يستحكم الحب إلا بعد أن يشق الرجل رداءه وتشق المرأة المعشوقة برقعها كما قال الشاعر

стр. 80

إذا شق برد شق بالبرد برقع ... دواليك حتى كلنا غير لانس فكم قد شققنا من رداء محبر ... ومن برقع عن طفلة غير عانس ولما بلغ بعض الظرفاء قول المأمون ما الحب إلا قبلة الأبيات قال كذب المأمون ثم قال وباض الحب في قلبي ... فوا ويلا إذا فرخ وما ينفعني حبي ... إذا لم أكنس البربخ وإن لم يضع الأصل ... ع خرجيه على المطبخ وقال ابن الرومي أعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق تداني وألثم فاها كي تزول صبابثي ... فيشتد ما ألقى من الهيمان ولم يك مقدار الذي بي من الجوى ... ليشفيه ما ترشف الشفتان كأن فؤادي ليس يشفي غليله ... سوى أن أرى الروحين تمتزجان وقال الطبراني في معجمه الأوسط حدثنا بكر بن سهل حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس ﵄ أن رجلا قال يا رسول الله ﷺ عندنا يتيمة قد خطبها

стр. 81

رجلان موسر ومعسر وهي تهوى المعسر ونحن نهوى الموسر فقال لم ير للمتحابين مثل التزويج قال أبو القاسم الطبراني لم يروه عن طاوس إلا إبراهيم ولا رواه عن إبراهيم إلا محمد بن مسلم وسفيان الثوري تفرد به مؤمل بن إسماعيل عن الثوري انتهى وقد رواه أبو الفرج بن الجوزي من حديث حسان بن بشر حدثنا أحمد بن حرب حدثنا ابن عيينة حدثنا عمرو عن جابر فذكره وقال المعافى بن عمران حدثنا إبراهيم بن يزيد عن سليمان بن موسى عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس ﵄ وحدثنا علي بن حرب الطائي حدثنا ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس وذكره الدارقطني في كتاب الغرائب وقالتفرد به يزيد ابن مروان عن عمرو بن هرون عن عثمان بن الأسود المكي عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس وقالت هند بنت المهلب ما رأيت لصالحي النساء وشرارهن خيرا من إلحاقهن بمن يسكن إليه من الرجال ولرب مسكون إليه غير طائل والسكن على كل حال أوفق وذكر الحاكم في تاريخ نيسابور من حديث أبي هريرة ﵁ يرفعه أربع لا يشبعن من أربع أرض من مطر وأنثى من ذكر وعين من نظر وعالم من علم وهذا باطل قطعا على رسول الله ﷺ وهو كثير عن أبي هريرة ﵁ وذكر الطبراني في معجمه

стр. 82

الأوسط من حديث ابن عمر يرفعه فضل ما بين لذة المرأة ولذة الرجل كأثر المخيط في الطين إلا أن الله سترهن بالحياء وقال لم يروه عن ليث إلا أبو المسيب سلم بن سلام عن سويد عن عبد الله بن أسامة عن يعقوب ابن خالد عن عطاء عن ابن عمر ﵄ قلت وهذا أيضا لا يصح عن رسول الله ﷺ وإسناده مظلم لا يحتج بمثله فصل ورأت طائفة أن الجماع يفسد العشق ويبطله أو يضعفه واحتجت بأمور منها أن الجماع هو الغاية التي تطلب بالعشق فما دام العاشق طالبا فعشقه ثابت فإذا وصل إلى الغاية قضى وطره وبردت حرارة طلبه وطفئت نار عشقه قالوا وهذا شأن كل طالب لشيء إذا ظفر به كالظمآن إذا روي والجائع إذا شبع فلا معنى للطلب بعد الظفر ومنها أن سبب العشق فكري وكلما قوي الفكر زاد العشق وبعد الوصول لا يبقى الفكر ومنها أنه قبل الظفر ممنوع والنفس مولعة بحب ما منعت منه كما قال وزادني كلفا في الحب أن منعت ... أحب شيء إلى الإنسان ما منعا وقال الآخر لولا طراد الصيد لم تك لذة ... فتطاردي لي بالوصال قليلا قالوا وكانت الجاهلية الجهلاء في كفرهم لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا وكانوا يصونون العشق عن الجماع كما ذكر أن أعرابيا علق امرأة فكان

стр. 83

يأتيها سنين وما جرى بينهما ريبة قال فرأيت ليلة بياض كفها في ليلة ظلماء فوضعت يدي على يدها فقالت مه لا تفسد ما صلح فإنه ما نكح حب إلا فسد فأخذ ذلك المأمون فقال ما الحب إلا نظرة ... وغمز كف وعضد أو كتب فيها رقى ... أجل من نفث العقد ما الحب إلا هكذا ... إن نكح الحب فسد من كان هذا حبه ... فإنما يبغي الولد وهوي آخر امرأة فدام الحال بينهما في اجتماع وحديث ونظر ثم إنه جامعها فقطعت الوصل بينهما فقال لو لم أواقع دام لي وصلها ... فليتني لا كنت واقعتها وقيل لآخر شكا فراق محبوبة له أكثرت من وطئها والوطء مسأمة ... فارفق بنفسك إن الرفق محمود وذكر عمر بن شبة عن بعض علماء أهل المدينة قال كان الرجل يحب الفتاة فإذا ظفر بها بمجلس تشاكيا وتناشدا الأشعار واليوم يشير إليها وتشير إليه فيعدها وتعده فإذا التقيا لم يشك حبا ولم ينشد شعرا وقام إليها كأنه أشهد على نكاحها أبا هريرة ﵁ لم يخط من داخل الدهليز منصرفا ... إلا وخلخالها قد قارب الساقا قال الأصمعي قلت لأعرابية ما تعدون العشق فيكم قالت العناق والضمة والغمزة والمحادثة

стр. 84

ثم قالت يا حضري فكيف هو عندكم قلت يقعد بين شعبها الأربع ثم يجهدها قالت يا ابن أخي ما هذا عاشق هذا طالب ولد وسئل أعرابي عن ذلك فقال مص الريق ولثم الشفة والأخذ من أطايب الحديث فكيف هو فيكم أيها الحضري فقال العفس الشديد والجمع بين الركبة والوريد ورهز يوقظ النائم ويشفي القلب الهائم فقال بالله ما يفعل هذا العدو الشديد فكيف الحبيب الودود وقال بعضهم الحب يطيب بالنظر ويفسد بالغمز قال هؤلاء والحب الصحيح يوجب إعظام المحبوب وإجلاله والحياء منه فلا تطاوع نفسه أن يلقي جلباب الحياء عند محبوبه وأن يلقيه عنه ففي ذلك غاية إذلاله وقهره كما قيل إذا كان حظ المرء ممن يحبه ... حراما فحظي ما يحل ويجمل حديث كماء المزن بين فصوله ... عتاب به حسن الحديث يفصل ولثم فم عذب اللثات كأنما ... جناهن شهد فت فيه القرنفل وما العشق إلا عفة ونزاهة ... وأنس قلوب أنسهن التغزل وإني لأستحيي الحبيب من التي ... تريب وأدعى للجميل فأحمل وزعم بعضهم أنه كان يشرط بين العشيقة والعاشق أن له من نصفها الأعلى إلى سرتها ينال منه ما يشاء من ضم وتقبيل ورشف والنصف الأسفل يحرم عليه وفي ذلك قال شاعر القوم فللحب شطر مطلق من عقاله ... وللبعل شطر ما يرام منيع

стр. 85

وقال الآخر لها شطر فمن حل وبل ... ونصف كالبحيرة ما يهاج وهذا كان من دين الجاهلية فأبطلته الشريعة وجعلت الشطرين كليهما للبعل والشعراء قاطبة لا يرون بالمحادثة والنظر للأجنبيات بأسا وهو مخالف للشرع العقل فإن فيه تعريضا للطبع لما هو مجبول على الميل إليه والطبع يسرق ويغلب وكم من مفتون بذلك في دينه ودنياه فإن قيل فقد أنشد الحاكم في مناقب الشافعي له يقولون لا تنظر وتلك بلية ... ألا كل ذي عينين لا بد ناظر وليس اكتحال العين بالعين ريبة ... إذا عف فيما بين ذاك الضمائر فإن صحت عن الشافعي فإنما أراد النظر الذي لا يدخل تحت التكليف كنظرة الفجأة أو النظر المباح وقد ذهب أبو بكر محمد بن داود الأصفهاني إلى جواز النظر إلى من لا يحل له كما سيأتي كلامه إن شاء الله تعالى قال أبو الفرج بن الجوزي وأخطأ في ذلك وجر عليه خطؤه اشتهاره بين الناس وافتضاحه وذهب أبو محمد بن حزم إلى جواز العشق للأجنبية من غير ريبة وأخطأ في ذلك خطأ ظاهرا فإن ذريعة العشق أعظم من ذريعة النظر وإذا

стр. 86

كان الشرع قد حرم النظر لما يؤدي إليه من المفاسد كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى فكيف يجوز تعاطي عشق الرجل لمن لا يحل له والمقصود أن هذه الفرقة رأت أن الجماع يفسد العشق فغارت عليه مما يفسده وإن لم تتركه ديانة وقيل لبعض الأعراب ما ينال أحدكم من عشيقته إذا خلي بها قال اللمس والقبل وما يشاكلها قال فهل يتطاولان إلى الجماع فقال بأبي وأمي ليس هذا بعاشق هذا طالب ولد ويحكى أن رجلا عشق امرأة فقالت له يوما أنت صحيح الحب غير سقيمه وكانوا يسمون الحب على الخنا الحب السقيم فقال نعم فقالت اذهب بنا إلى المنزل فما هو إلا أن حصلت في منزله فلم يكن له همة غير جماعها فقالت له وهو كذلك أسرفت في وطئنا والوطء مقطعة ... فارفق بنفسك إن الرفق محمود فقال لها وهو على حاله لو لم أطأك لما دامت محبتنا ... لكن فعلى هذا فعل مجهود فنفرت من تحته وقالت يا خبيث أراك خلاف ما قلت من صحة الحب ولم تجعل جماعي إلا سببا لذهاب حبك والله لا ضمني وإياك سقف أبدا وسيأتي تمام الكلام في هذا في باب عفاف المحبين إن شاء الله تعالى فصل الخطاب بين الفريقين أن الجماع الحرام يفسد الحب ولا بد أن تنتهي المحبة بينهما إلى المعاداة والتباغض والقلى كما هو مشاهد بالعيان فكل محبة لغير الله آخرها قلى وبغض فكيف إذا قارنها ما هو من أكبر الكبائر

стр. 87

وهذه عدواة بين يدي العداوة الكبرى التي قال الله تعالى فيها ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ وسنذكر إن شاء الله تعالى من ظفر بمحبوبه وترك قضاء وطره منه رغبة في بقاء محبته وخشية أن تنقلب قلى وبغضا في الباب الموعود به فإن ذلك أليق به وأما الجماع المباح فإنه يزيد الحب إذا صادف مراد المحب فإنه إذا ذاق لذته وطعمه أوجب له ذلك رغبة أخرى لم تكن حاصلة قبل الذوق ولهذا لا يكاد البكران يصبر أحدهما عن الآخر هذا ما لم يعرض للحب ما يفسده ويوجب نقله إلى غير المحبوب وأما ما احتج به الآخرون فجوابه أن الشهوة والإرادة لم تطفأ نارها بالكلية بل فترت شهوة ذلك الوقت ثم تعود أمثالها وإنما يظهر هذا إذا غاب أحدهما عن حبيبه وإلا فما دام بمرأى منه وهو قادر عليه متى أحب فإن النفس تسكن بذلك وتطمئن به وهذا حال كل من كان بحضرته ما يحتاج إليه من طعام وشراب ولباس وهو قادر عليه فإن نفسه تسكن عنده فإذا حيل بينه وبينه اشتد طلبه له ونزاع نفسه إليه على أن المحب للشيء متى أفرط في تناول محبوبه نفرت نفسه منه وربما انقلبت محبته كراهية وسيأتي مزيد بيان لهذا في باب سلو المحبين إن شاء الله تعالى فصل: ودواعي الحب من المحبوب جماله إما الظاهر أو الباطن أو هما معا فمتى كان جميل الصورة جميل الأخلاق والشيم والأوصاف كان الداعي منه أقوى وداعي الحب من المحب أربعة أشياء أولها النظر إما بالعين أو بالقلب إذا

стр. 88

وصف له فكثير من الناس يحب غيره ويفنى فيه محبة وما رآه لكن وصف له ولهذا نهى النبي ﷺ المرأة أن تنعت المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها والحديث في الصحيح الثاني الاستحسان فإن لم يورث نظره استحسانا لم تقع المحبة الثالث الفكر في المنظور وحديث النفس به فإن شغل عنه بغيره مما هو أهم عنده منه لم يعلق حبه بقلبه وإن كان لا يعدم خطرات وسوانح ولهذا قيل العشق حركة قلب فارغ ومتى صادف هذا النظر والاستحسان والفكر قلبا خاليا تمكن منه كما قيل أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا فإن قيل فهل يتوقف على الطمع في الوصول إلى المحبوب أم لا قيل الناس في هذا على أقسام منهم من يعشق الجمال المطلق فقلبه معلق به إن استقلت ركائبه وإن حلت مضاربه وهذا لا يتوقف عشقه على الطمع ومنهم من يعشق الجمال المقيد سواء طمعت نفسه في وصاله أم لم تطمع ومنهم من لا يعشق إلا من طمعت نفسه في وصاله فإن يئس منه لم يعلق حبه بقلبه والأقسام الثلاثة واقعة في الناس فإذا وجد النظر والاستحسان والفكر والطمع هاجت بلابله وأمكن من معشوقه مقاتله واستحكم داؤه وعجز عن الأطباء دواؤه تالله ما أسر الهوى من عاشق ... إلا وعز على النفوس فكاكه وإذا كان النظر مبدأ العشق فحقيق بالمطلق أن لا يعرض نفسه للإسار الدائم بواسطة عينه وإذ قد أفضى بنا الكلام إلى النظر فلنذكر حكمه وغائلته

стр. 89

الباب السادس: في أحكام النظر وعائلته وما يجني على صاحبه قال الله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ الآية فلما كان غض البصر أصلا لحفظ الفرج بدأ بذكره ولما كان تحريمه تحريم الوسائل فيباح للمصلحة الراجحة ويحرم إذا خيف منه الفساد ولم يعارضه مصلحة أرجح من تلك المفسدة لم يأمر سبحانه بغضه مطلقا بل أمر بالغض منه وأما حفظ الفرج فواجب بكل حال لا يباح إلا بحقه فلذلك عم الأمر بحفظه وقد جعل الله سبحانه العين مرآة القلب فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته وفي الصحيح أن الفضل بن عباس ﵄ كان رديف رسول الله ﷺ يوم النحر من مزدلفة إلى منى فمرت ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن فحول رسول الله ﷺ رأسه إلى الشق الآخر وهذا منع وإنكار بالفعل فلو كان النظر جائزا لأقره عليه وفي الصحيح عنه أنه قال إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى

стр. 90

أدرك ذلك لا محالة فالعين تزني وزناها النظر واللسان يزني وزناه النطق والرجل تزني وزناها الخطى واليد تزني وزناها البطش والقلب يهوى ويتمنى والفرج يصدق ذلك أو يكذبه فبدأ بزنى العين لأنه أصل زنى اليد والرجل والقلب ولافرج ونبه بزنى اللسان بالكلام على زنى الفم بالقبل وجعل الفرج مصدقا لذلك إن حقق الفعل أو مكذبا له إن لم يحققه وهذا الحديث من أبين الأشياء على أن العين تعصي بالنظر أن ذلك زناها ففيه رد على من أباح النظر مطلقا وثبت عنه أنه قال يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الثانية ووقعت مسألة ما تقول السادة العلماء في رجل نظر إلى امرأة نظرة فعلق حبها بقلبه واشتد عليه الأمر فقالت له نفسه هذا كله من أول نظرة فلو أعدت النظر إليها لرأيتها دون ما في نفسك فسلوت عنها فهل يجوز له تعمد النظر ثانيا لهذا المعنى فكان الجواب الحمد لله لا يجوز هذا لعشرة أوجه أحدها أن الله سبحانه أمر بغض البصر ولم يجعل شفاء القلب فيما حرمه على العبد الثاني أن النبي ﷺ سئل عن نظر الفجأة وقد علم أنه يؤثر في القلب فأمر بمداواته بصرف البصر لا بتكرار النظر الثالث أنه صرح بأن الأولى له وليست له الثانية ومحال أن يكون داؤه مما له ودواؤه فيما ليس له الرابع أن الظاهر قوة الأمر بالنظرة الثانية لا تناقصه والتجربة شاهدة به والظاهر

стр. 91

أن الأمر كما رآه أول مرة فلا تحسن المخاطرة بالإعادة الخامس أنه ربما رأى ما هو فوق الذي في نفسه فزاد عذابه السادس أن إبليس عند قصده للنظرة الثانية يقوم في ركائبه فيزين له ما ليس بحسن لتتم البلية السابع أنه لا يعان على بليته إذا أعرض عن امتثال أوامر الشرع وتداوى بما حرمه عليه بل هو جدير أن تتخلف عنه المعونة الثامن أن النظرة الأولى سهم مسموم من سهام إبليس ومعلوم أن الثانية أشد سما فكيف يتداوى من السم بالسم التاسع أن صاحب هذا المقام في مقام معاملة الحق في ترك محبوب كما زعم وهو يريد بالنظرة الثانية أن يتبين حال المنظور إليه فإن لم يكن مرضيا تركه فإذا يكون تركه لأنه لا يلائم غرضه لا لله تعالى فأين معاملة الله سبحانه بترك المحبوب لأجله العاشر يتبين بضرب مثل مطابق للحال وهو أنك إذا ركبت فرسا جديدا فمالت بك إلى درب ضيق لا ينفذ ولا يمكنها تستدير فيه للخروج فإذا همت بالدخول فيه فاكبحها لئلا تدخل فإذا دخلت خطوة أو خطوتين فصح بها وردها إلى وراء عاجلا قبل أن يتمكن دخولها فإن رددتها إلى ورائها سهل الأمر وإن توانيت حتى ولجت وسقتها داخلا ثم قمت تجذبها بذنبها عسر عليك أو تعذر خروجها فهل يقول عاقل إن طريق تخليصها سوقها إلى داخل فكذلك النظرة إذا أثرت في القلب فإن عجل الحازم وحسم المادة من أولها سهل علاجه وإن كرر النظر ونقب عن محاسن الصورة ونقلها إلى قلب فارغ فنقشها فيه تمكنت المحبة وكلما تواصلت النظرات كانت كالماء يسقي الشجرة فلا تزال شجرة الحب تنمى حتى يفسد القلب ويعرض عن الفكر فيما أمر به فيخرج

стр. 92

صاحبه إلى المحن ويوجب ارتكاب المحظورات والفتن ويلقي القلب في التلف والسبب في هذا أن الناظر التذت عينه بأول نظرة فطلبت المعاودة كأكل الطعام اللذيذ إذا تناول منه لقمة ولو أنه غض أولا لاستراح قلبه وسلم وتأمل قول النبي ﷺ النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فإن السهم شأنه أن يسري في القلب فيعمل فيه عمل السم الذي يسقاه المسموم فإن بادر استفرغه وإلا قتله ولا بد قال المروذي قلت لأحمد الرجل ينظر إلى المملوكة قال أخاف عليه الفتنة كم نظرة قد ألقت في قلب صاحبها البلابل وقال ابن عباس الشيطان من الرجل في ثلاثة في نظره وقلبه وذكره وهو من المرأة في ثلاثة في بصرها وقلبها وعجزها فصل: ولما كان النظر من أقرب الوسائل إلى المحرم اقتضت الشريعة تحريمه وأباحته في موضع الحاجة وهذا شأن كل ما حرم تحريم الوسائل فإنه يباح للمصلحة الراجحة كما حرمت الصلاة في أوقات النهي لئلا تكون وسيلة إلى التشبه بالكفار في سجودهم للشمس أبيحت للمصلحة الراجحة كقضاء الفوائت وصلاة الجنازة وفعل ذوات الأسباب على الصحيح وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل عن النبي ﷺ أنه قال النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن غض بصره عن محاسن امرأة أورث الله قلبه حلاوة يجدها

стр. 93

إلى يوم يلقاه أو كما قال وقال جرير بن عبد الله ﵄ سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري ونظرة الفجأة هي النظرة الأولى التي تقع بغير قصد من الناظر فما لم يعتمده القلب لا يعاقب عليه فإذا نظر الثانية تعمدا أثم فأمره النبي ﷺ عند نظرة الفجأة أن يصرف بصره ولا يستديم النظر فإن استدامته كتكريره وأرشد من ابتلي بنظرة الفجأة أن يداويه بإتيان امرأته وقال إن معها مثل الذي معها فإن في ذلك التسلي عن المطلوب بجنسه والثاني أن النظر يثير قوة الشهوة فأمره بتنقيصها بإتيان أهله ففتنة النظر أصل كل فتنة كما ثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ قال ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ "اتقوا الدنيا واتقوا النساء" وفي مسند محمد بن إسحاق السراج من حديث علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ "أخوف ما أخاف على أمتي النساء والخمر" وقال ابن عباس ﵄ لم يكفر من كفر ممن مضى إلا من قبل النساء وكفر من بقي من قبل النساء

стр. 94

فصل: وفي غض البصر عدة فوائد أحدها تخليص القلب من ألم الحسرة فإن من أطلق نظره دامت حسرته فأضر شيء على القلب إرسال البصر فإنه يريه ما يشتد طلبه ولا صبر له عنه ولا وصول له إليه وذلك غاية ألمه وعذابه قال الأصمعي رأيت جارية في الطواف كأنها مهاة فجعلت أنظر إليها وأملأ عيني من محاسنها فقالت لي يا هذا ما شأنك قلت وما عليك من النظر فأنشأت تقول وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر والنظرة تفعل في القلب ما يفعل السهم في الرمية فإن لم تقتله جرحته وهي بمنزلة الشرارة من النار ترمى في الحشيش اليابس فإن لم يحرقه كله أحرقت بعضه كما قيل كل الحوادث مبداها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة فتكت في قلب صاحبها ... فتك السهام بلا قوس ولا وتر والمرء ما دام ذا عين يقلبها ... في أعين الغيد موقوف على الخطر يسر مقلته ما ضر مهجته ... لا مرحبا بسرور عاد بالضرر والناظر يرمي من نظره بسهام غرضها قلبه وهو لا يشعر فهو إنما يرمي قلبه ولي من أبيات يا راميا بسهام اللحظ مجتهدا ... أنت القتيل بما ترمي فلا تصب وباعث الطرف يرتاد الشفاء له ... توقه إنه يأتيك بالعطب

стр. 95

وقال الفرزدق تزود منها نظرة لم تدع له ... فؤادا ولم يشعر بما قد تزودا فلم أر مقتولا ولم أر قاتلا ... بغير سلاح مثلها حين أقصدا وقال آخر ومن كان يؤتى من عدو وحاسد ... فإني من عيني أتيت ومن قلبي هما اعتوراني نظرة ثم فكرة ... فما أبقيا لي كل من رقاد ولا لب وقال آخر رماني بها طرفي فلم تخط مقلتي ... وما كل من يرمى تصاب مقاتله إذا مت فابكوني قتيلا لطرفه ... قتيل صديق حاضر ما يزيله وقال ابن المعتز متيم يرعى نجوم الدجى ... يبكي عليه رحمة عاذله عيني أشاطت بدمى في الهوى ... فابكوا قتيلا بعضه قاتله ومثله للمتنبي وأنا الذي اجتلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل وقال أيضا يا نظرة نفت لرقاد وغادرت ... في حد قلبي ما بقيت فلولا كانت من الكحلاء سؤلي وإنما ... أجلي تمثل في فؤادي سولا وقال أيضا

стр. 96

وقي الأمير من العيون فإنه ... مالا يزول ببأسه وسخائه يستأسر البطل الكمي بنظرة ... ويحول بين فؤاده وعزائه وقال الصوري إذا أنت لم ترع البروق اللوامحا ... ونمت جرى من تحتك السيل سائحا غرست الهوى باللحظ ثم احتقرته ... وأهملته مستأنسا متسامحا ولم تدر حتى أينعت شجراته ... وهبت رياح الوجد فيه لواقحا فأمسيت تستدعي من الصبر عازبا ... عليك وتستدني من النوم نازحا ودخل أصبهان مغن فكان يتغنى بهذين البيتين سماعا يا عباد الله مني ... وكفوا عن ملاحظة الملاح فإن الحب آخره المنايا ... وأوله شبيه بالمزاح وقال آخر وشادن لما بدا ... أسلمني إلى الردى بظرفه ولطفه ... وطرفه لما بدا أردت أن أصيده ... فصاد قلبي وعدا وقال آخر يعاتب عينه والله يا بصري الجاني على جسدي ... لأطفئن بدمعي لوعة الحزن تالله تطمع أن أبكي هوى وضنى ... وأنت تشبع من غمض ومن وسن هيهات حتى ترى طرفا بلا نظر ... كما أرى في الهوى شخصا بلا بدن

стр. 97

وقال آخر يا من يرى سقمي يزيد ... وعلتي أعيت طبيبي لا تعجبن فهكذا ... تجني العيون على القلوب وقال آخر لواحظنا تجني ولا علم عندنا ... وأنفسنا مأخوذة بالجرائر ولم أرى أغبى من نفوس عفائف ... تصدق أخهار العيون الفواجر ومن كانت الأجفان حجاب قلبه ... أذن على أحشائه بالفواقر وقال آخر ومستفتح باب البلاء بنظرة ... تزود منها قلبه حسرة الدهر فوالله ما تدري أيدري بما جنث ... على قلبه أم أهلكته وما يدري وقال آخر أنا ما بين عدوين هما قلبي وطرفي ... ينظر الطرف ويهوى القلب والمقصود حتفي وقال الخفاجي رمت عينها عيني وراحت سليمة ... فمن حاكم بين الكحيلة والعبرى فيا طرف قد حذرتك النظرة التي ... خلست فما راقبت نهيا ولا زجرا

стр. 98

ويا قلب قد أرداك طرفي مرة ... فويحك لم طاوعته مرة أخرى ولي من أبيات لعل معناها مبتكر ألم أقل لك لا تسرق ملاحظة ... فسارق اللحظ لا ينجو من الدرك نصبت طرفي له لما بدا شركا ... فكان قلبي أولى منه بالشرك الفائدة الثانية أنه يورث القلب نورا وإشراقا يظهر في العين وفي الوجه وفي الجوارح كما أن إطلاق البصر يورثه ظلمة تظهر في وجهه وجوارحه ولهذا والله أعلم ذكر الله سبحانه آية النور في قوله تعالى ﴿الله نور السموات والأرض﴾ عقيب قوله ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ وجاء الحديث مطابقا لهذا حتى كأنه مشتق منه وهو قوله "النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن غض بصره عن محاسن امرأة أورث الله قلبه نورا" الحديث الفائدة الثالثة أنه يورث صحةالفراسة فإنها من النور وثمراته وإذا استنار القلب صحت الفراسة لأنه يصير بمنزلةالمرآة المجلوة تظهر فيها المعلومات كما هي والنظر بمنزلة التنفس فيها فإذا أطلق العبد نظرة تنفست نفسه الصعداء في مرآة قلبه فطمست نورها كما قيل مرآة قلبك لا تريك صلاحه ... والنفس فيها دائما تتنفس وقال شجاع الكرماني من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وغض بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشهوات وأكل من

стр. 99

الحلال لم تخطىء فراسته وكان شجاع لا تخطىء له فراسة والله يجزى العبد على عمله بما هو من جنسه فمن غض بصره عن المحارم عوضه الله إطلاق نور بصيرته فلما حبس بصره لله أطلق الله نور بصيرته ومن أطلق بصره في المحارم حبس الله عنه بصيرته الفائدة الرابعة أنه يفتح له طرق العلم وأبوابه ويسهل عليه أسبابه وذلك بسبب نور القلب فإنه إذا استنار ظهرت فيه حقائق المعلومات وانكشفت له بسرعة ونفذ من بعضها إلى بعض ومن أرسل بصره تكدر عليه قلبه وأظلم وانسد عليه باب العلم وطرقه الفائدة الخامسة أنه يورث قوة القلب وثباته وشجاعته فيجعل له سلطان البصير مع سلطان الحجة وفي الأثر إن الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله ولهذا يوجد في المتبع لهواه من ذل القلب وضعفه ومهانة النفس وحقارتها ما جعله الله لمن آثر هواه على رضاه قال الحسن إنهم وإن هملجت بهم البغال طقطقت بهم البراذين إن ذل المعصية لفي قلوبهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه وقال بعض الشيوخ الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا في طاعة الله ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه وفيه قسط ونصيب من فعل من عاداه بمعاصيه وفي دعاء القنوت إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت الفائدة السادسة أنه يورث القلب سرورا وفرحة وانشراحا أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر وذلك لقهره عدوه بمخالفته ومخالفة نفسه وهواه

стр. 100

وأيضا فإنه لما كف لذته وحبس شهوته لله وفيها مسرة نفسه الأمارة بالسوء أعاضه الله سبحانه مسرة ولذة أكمل منها كما قال بعضهم والله للذة العفة أعظم من لذة الذنب ولا ريب أن النفس إذا خالفت هواها أعقبها ذلك فرحا وسرورا ولذة أكمل من لذة موافقة الهوى بما لا نسبة بينهما وهاهنا يمتاز العقل من الهوى الفائدة السابعة أنه يخلص القلب من أسر الشهوة فإن الأسير هو أسير شهوته وهواه فهو كما قيل طليق برأي العين وهو أسير ومتى أسرت الشهوة والهوى القلب تمكن منه عدوه وسامه سوء العذاب وصار كعصفورة في كف طفل يسومها ... حياض الردى والطفل يلهو ويلعب الفائدة الثامنة أنه يسد عنه بابا من أبواب جهنم فإن النظر باب الشهوة الحاملة على مواقعة الفعل وتحريم الرب تعالى وشرعه حجاب مانع من الوصول فمتى هتك الحجاب ضري على المحظور ولم تقف نفسه منه عند غاية فإن النفس في هذا الباب لا تقتع بغاية تقف عندها وذلك أن لذتها في الشيء الجديد فصاحب الطارف لا يقتعه التليد وإن كان أحسن منه منظرا وأطيب مخبرا فغض البصر يسد عنه هذا الباب الذي عجزت الملوك عن استيفاء أغراضهم فيه الفائدةالتاسعة أنه يقوي عقله ويزيده ويثبته فإن إطلاق البصر وإرساله

стр. 101

لا يحصل إلا من خفة العقل وطيشه وعدم ملاحظته للعواقب فإن خاصة العقل ملاحظة العواقب ومرسل النظر لو علم ما تجني عواقب نظره عليه لما أطلق بصره قال الشاعر بو أعقل الناس من لم يرتكب سببا ... حتى يفكر ما تجني عواقبه الفائدة العاشرة أنه يخلص القلب من سكر الشهوة ورقدة الغفلة فإن إطلاق البصر يوجب استحكام الغفلة عن الله والدار الآخرة ويوقع في سكرة العشق كما قال الله تعالى عن عشاق الصور ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾ فالنظرة كأس من خمر والعشق هو سكر ذلك الشراب وسكر العشق أعظم من سكر الخمر فإن سكران الخمر يفيق وسكران العشق قلما يفيق إلا وهو في عسكر الأموات كما قيل سكران سكر هوى وسكر مدامة ... ومتى إفاقته من به سكران وفوائد غض البصر وآفات إرساله أضعاف أضعاف ما ذكرنا وإنما نبهتا عليه تنبيها ولا سيما النظر إلى من لم يجعل الله سبيلا إلى قضاء الوطر منه شرعا كالمردان الحسان فإن إطلاق النظر إليهم السم الناقع والداء العضال وقد روى الحافظ محمد بن ناصر من حديث الشعبي مرسلا قال قدم وفد عبد القيس على النبي ﷺ وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة فأجلسه النبي ﷺ وراء ظهره وقال كانت خطيئة من مضى من النظر وقال سعيد بن المسيب إذا رأيتم الرجل يحد النظر إلى

стр. 102

الغلام الأمرد فاتهموه وقد ذكر ابن عدي في كامله من حديث بقية عن الوازع عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال نهى رسول الله ﷺ أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الأمرد وكان إبراهيم النخعي وسفيان الثوري وغيرهما من السلف ينهون عن مجالة المردان قال النخعي مجالستهم فتنة وإنما هم بمنزلة النساء وبالجملة فكم من مرسل لحظاته رجع بجيش صبره مغلولا ولم يقلع حتى تشحط بينهم قتيلا يا ناظرا ما أقلعت لحظاته ... حتى تشحط بينهن قتيلا

стр. 103

الباب السابع: في ذكر مناظرة بين القلب والعين ولوم كل واحد منهما صاحبه والحكم بينهما ... الباب السابع:في ذكر مناظرة بين القلب والعين ولوم كل منهما صاحبه والحكم بينهما لما كانت العين رائدا والقلب باعثا وطالبا وهذه لها لذة الرؤية وهذا له لذة الظفر كانا في الهوى شريكي عنان ولما وقعا في العناء واشتركا في البلاء أقبل كل منهما يلوم صاحبه ويعاتبه فقال القلب للعين أنت التي سقتني إلى موارد الهلكات وأوقعتني في الحسرات بمتابعتك اللحظات ونزهت طرفك في تلك الرياض وطلبت الشفاء من الحدق المراض وخالفت قول أحكم الحاكمين ﴿قل للمؤمنين﴾ وقول رسوله "النظر إلى المرأة سهم مسموم من سهام إبليس فمن تركه من خوف الله أثابه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه" رواه الإمام أحمد حدثنا هشيم حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن محارب بن دثار عن صلة عن حذيفة وقال عمر بن شبة حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا عنبسة بن عبد الرحمن القرشي حدثنا أبو الحسن المدني حدثنا علي بن أبي طالب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "نظر الرجل في محاسن المرأة سهم مسموم من سهام إبليس مسموم فمن أعرض عن ذلك السهم أعقبه الله عبادة تسره " فمن الملوم سوى من رمى صاحبه بالسهم المسموم أو ما علمت أنه ليس شيء أضر على الإنسان من العين واللسان فما عطب

стр. 104

أكثر من عطب إلا بهما وما هلك أكثر من هلك إلا بسببهما فلله كم من مورد هلكة أورداه ومصدر ردى عنه أصدراه فمن أحب أن يحيا سعيدا أو يعيش حميدا فليغض من عنان طرفه ولسانه ليسلم من الضرر فإنه كامن في فضول الكلام وفضول النظر وقد صرح الصادق المصدوق بأن العينين تزنيان وهما أصل زنى الفرج فإنهما له رائدان وإليه داعيان وقد سئل رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة فأمر السائل أن يصرف بصره فأرشده إلى ما ينفعه ويدفع عنه ضرره وقال لابن عمه علي ﵁ محذرا له مما يوقع في الفتنة ويورث الحسرة "لا تتبع النظرة النظرة" أوما سمعت قول العقلاء من سرح ناظره أتعب خاطره ومن كثرت لحظاته دامت حسراته وضاعت عليه أوقاته وفاضت عبراته وقول الناظم نظر العيون إلى العيون هو الذي ... جعل الهلاك إلى الفؤاد سبيلا ما زالت اللحظات تغزو قلبه ... حتى تشحط فيهن قتيلا وقال آخر تمتعتما يا مقلتي بنظرة ... وأوردتما قلبي أمر الموارد أعيني كفا عن فؤادي فإنه ... من الظلم سعى اثنين في قتل واحد فصل: قالت العين ظلمتني أولا وآخرا وبؤت بإثمي باطنا وظاهرا وما أنا

стр. 105

إلا رسولك الداعي إليك ورائدك الدال عليك وإذا بعثت برائد نحو الذي ... تهوى وتعتبه ظلمت الرائدا فأنت الملك المطاع ونحن الجنود والأتباع أركبتني في حاجتك خيل البريد ثم أقبلت علي بالتهديد والوعيد فلو أمرتني أن أغلق علي بابي وأرخي علي حجابي لسمعت وأطعت ولما رعيت في الحمى ورتعت أرسلتني لصيد قد نصيت لك حبائله وأشراكه واستدارت حولك فخاخه وشباكه فغدوت أسيرا بعد أن كنت أميرا وأصبحت مملوكا بعد أن كنت مليكا هذا وقد حكم لي عليك سيد الأنام وأعدل الحكام حيث يقول "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب" وقال أبو هريرة ﵁ القلب ملك والأعضاء جنوده فإن طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث الملك خبثت جنوده ولو أنعمت النظر لعلمت أن فساد رعيتك بفسادك وصلاحها ورشدها برشادك ولكنك هلكت وأهلكت رعيتك وحملت على العين الضعيفة خطيئتك وأصل بليتك أنه خلا منك حب الله وحب ذكره وكلامه وأسمائه وصفاته وأقبلت على غيره وأعرضت عنه وتعوضت بحب من سواه والرغبة فيه منه هذا وقد سمعت ما قص عليك من إنكاره سبحانه على بني إسرائيل استبدالهم طعاما بطعام أدنى منه فذمهم على ذلك ونعاه عليهم وقال ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾

стр. 106

فكيف بمن استبدل بمحبة خالقه وفاطره ووليه ومالك أمره الذي لا صلاح له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور ولا فرحة ولا نجاة إلا بأن يوحده في الحب ويكون أحب إليه مما سواه فانظر بالله بمن استبدلت وبمحبة من تعوضت رضيت لنفسك بالحبس في الحش وقلوب محبيه تجول حول العرش فلو أقبلت عليه وأعرضت عمن سواه لرأيت العجائب ولأمنت من المتالف والمعاطب أوما علمت أنه خص بالفوز والنعيم من أتاه بقلب سليم أي سليم مما سواه ليس فيه غير حبه واتباع رضاه قالت وبين ذنبي وذنبك عند الناس كما بين عماي وعماك في القياس وقد قال من بيده أزمة الأمور ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمىالقلوب التي في الصدور﴾ فصل: فلما سمعت الكبد تحاورهما الكلام وتناولهما الخصام قالت أنتما على هلاكي تساعدتما وعلى قتلي تعاونتما ولقد أنصف من حكى مناظرتكما وعلى لساني متظلما منكما يقول: طرفي لقلبي هجت لي سقما ... والعين تزعم أن القلب أنكاها والجسم يشهد أن العين كاذبة ... وهي التي هيجت للقلب بلواها لولا العيون وما يجنين من سقم ... ما كنت مطرحا من بعض قتلاها فقالت الكبد المظلومة اتئدا ... قطعتماني وما راقبتما الله

стр. 107

وقال آخر يقول قلبي لطرفي أن بكى جزعا ... تبكي وأنت الذي حملتني الوجعا فقال طرفي له فيما يعاتبه ... بل أنت حملتني الآمال والطمعا حتى إذا ما خلا كل بصاحبه ... كلاهما بطويل السقم قد قنعا نادتهما كبدي لا تبعدا فلقد ... قطعتماني بما لاقيتما قطعا وقال آخر عاتبت قلبي لما ... رأيت جسمي نحيلا فألزم القلب طرفي ... وقال كنت الرسولا فقال طرفي لقلبي ... بل كنت أنت الدليلا فقلت كفا جميعا ... تركتماني قتيلا ثم قالت أنا أتولى الحكم بينكما أنتما في البلية شريكا عنان كما أنكما في اللذة والمسرة فرسا رهان فالعين تلتذ والقلب يتمنى ويشتهي ولهذا قال فيكما القائل ولما سلوت الحب بشر ناظري ... لقلبي فقال القلب لي ولك الهنا تخلصت من إحياء ليلك ساهرا ... وخلصتني من لوعة الهجر والضنا كلانا مهنا بالبقاء فإن تعد ... فلا أنت يبقيك الغرام ولا أنا وإن لم تدرككما عناية مقلب القلوب والأبصار وإلا فما لك من قرة ولا للقلب من قرار قال الشاعر فوالله ما أدري أنفسي ألومها ... على الحب أم عيني المشومة أم قلبي فإن لمت قلبي قال لي العين أبصرت ... وإن لمت عيني قالت الذنب للقلب

стр. 108

فعيني وقلبي قد تقاسمتما دمي ... فيا رب كن عونا على العين والقلب قالت هذه ولما سقيت القلب ماء المحبة بكؤوسك أوقدت عليه نار الشوق فارتفع إليك البخار فتقاطر منك فشرقت بشربه أولا وشرقت بحر ناره ثانيا قال خذي بيدي ثم اكشفي الثوب فانظري ... ضنى جسدي لكنني أتستر وليس الذي يجري من العين ماؤها ... ولكنها روح تذوب فتقطر قالت والحاكم بينكما الذي يحكم بين الروح والجسد إذا اختصما بين يديه فإن في الأثر المشهور لا تزال الخصومة يوم القيامة بين الخلائق حتى تختصم الروح والجسد فيقول الجسد للروح أنت الذي حركتني وأمرتني وصرفتني وإلا فأنا لم أكن أتحرك ولا أفعل بدونك فتقول الروح له وأنت ألذي أكلت وشربت وباشرت وتنعمت فأنت الذي تستحق العقوبة فيرسل الله سبحانه إليهما ملكا يحكم بينهما فيقول مثلكما مثل مقعد بصير وأعمى يمشي دخلا بستانا فقال المقعد للأعمى أنا أرى ما فيه من الثمار ولكن لا أستطيع القيام وقال الأعمى أنا أستطيع القيام ولكن لا أبصر شيئا فقال له المقعد تعال فاحملني فأنت تمشي وأنا أتناول فعلى من تكون العقوبة فيقول عليهما قال فكذلك أنتما وبالله التوفيق

стр. 109

الباب الثامن: في ذكر الشبه التي احتج بها من أباح النظر إلى من لا يحل له الاستمتاع به وأباح عشقه قالت هذه الطائفة بيننا وبينكم الكتاب والسنة وأقوال أئمة الإسلام والمعقول الصحيح أما الكتاب فقوله تعالى ﴿أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء﴾ وهذا يعم جميع ما خلق الله فما الذي أخرج من عمومه الوجه المليح وهو من أحسن ما خلق وموضع الاستدلال به والاعتبار أقوى ولذلك يسبح الخالق سبحانه عند رؤيته كما قال بعض الناظرين إلى جميل الصورة ذي طلعة سبحان فالق صبحه ... ومماطف جلت يمين الغارس مرت بأرجاء الخيال طيوفه ... فبكت على رسم السلو الدارس ورؤية الجمال البديع تنطق ألسنة الناظرين بقولهم سبحان الله رب العالمين وتبارك الله أحسن الخالقين والله تعالى لم يخلق هذه المحاسن عبثا وإنما أظهرها ليستدل الناظر إليها على قدرته ووحدانيته وبديع صنعه فلا تعطل عما خلقت له وأما السنة فالحديث المشهور "النظر إلى الوجه المليح عبادة "

стр. 110

وفي الحديث الآخر "اطلبوا الخير من حسان الوجوه " وفي هذا إرشاد إلى تصفح الوجوه وتأملها وخطب رجل امرأة فاستشار النبي ﷺ في نكاحها فقال هل نظرت إليها فقال لا قال اذهب فانظر إليها ولو كان النظر حراما لما أطلق له أن ينظر فإنه لا يأمن الفتنة وأما أقوال الأئمة فحكى السمعاني أن الشافعي ﵁ كتب إليه رجل في رقعة سل المفتى المكي هل في تزاور ... ونظرة مشتاق الفؤاد جناح فأجابه الشافعي معاذ إله العرش أن يذهب التقى ... تلاصق أكباد بهن جراح وذكر الخرائطي هذا السؤال والجواب عن عطاء بن أبي رباح وأوله سألت عطاء المكي وذكر الحاكم في مناقب الشافعي ﵁ من شعره يقولون لا تنظر وتلك بلية ... ألا كل ذي عينين لا بد ناظر وليس اكتحال العين بالعين ريبة ... إذا عف فيما بين الضمائر وذكر الاسترباذي في كتاب مناقب الشافعي أن رجلا كتب إلى سعيد ابن المسيب يا سيد التابعين والبرره ... نسيت في العشق سورة البقره فكن بفتواك مشفقا رفقا ... باهى بك الله أكرم البرره هل حرم الله لثم خد فتى ... أوصافه بالجمال مشتهره
следующие страницы →