Полный текст (482 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وارفع لي صدره وسهل علي مدخله ومخرجه وارزقني لذته وهب لي ذرية صالحة تقاتل في سبيلك قال وكان جهوريا فكان يسمع ذلك منه ﵁
وقال الخرائطي حدثنا عمارة بن وثيمة قال حدثني أبي قال كان عبد الله بن ربيعة من خيار قريش صلاحا وعفة وكان ذكره لا يرقد فلم يكن يشهد لقريش خيرا ولا شرا وكان يتزوج المرأة فلا تمكث معه إلا أياما حتى تهرب إلى أهلها فقالت زينب بنت عمر بن أبي سلمة مالهن يهربن من ابن عمهن قيل لها إنهن لا يطقنه قالت فما يمنعه مني فأنا والله العظيمة الخلق الكبيرة العجز الفخمة الفرج قال فتزوجها فصبرت عليه وولدت له ستة من الولد
وقال رشيد بن سعد عن زهرة بن معبد عن محمد بن المنكدر أنه كان يدعو في صلاته اللهم قوي لي ذكري فإن فيه صلاحا لأهلي وقال حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال كان لأنس بن مالك غلام وكان شيخا كبيرا فرافعته امرأته إلى أنس وقالت لا أطيقه ففرض له عليها ستة في اليوم والليلة
وقال علي بن عاصم حدثنا خالد الحذاء قال لما خلق الله آدم وخلق حواء قال له يا آدم اسكن إلى زوجك فقالت له حواء يا آدم ما أطيب هذا زدنا منه وفي الصحيح أن سليمان بن داود ﵉ طاف في ليلة واحدة على تسعين امرأة وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وهن تسع نسوة وربما كان يطوف عليهن بغسل واحد وربما كان يغتسل عند كل واحدة منهن
وقال المروذي قال أبو عبد الله يعني أحمد بن حنبل ليس العزوبة
стр. 212
من أمر الإسلام في شيء النبي ﷺ تزوج أربع عشرة ومات عن تسع ولو تزوج بشر بن الحارث لتم أمره ولو ترك الناس النكاح لم يكن غزو ولا حج ولا كذا ولا كذا وقد كان النبي ﷺ يصبح وما عندهم شيء ومات عن تسع وكان يختار النكاح ويحث عليه ونهى عن التبتل فمن رغب عن سنة النبي ﷺ فهو على غير الحق ويعقوب في حزنه قد تزوج وولد له والنبي ﷺ قال: "حبب إلي النساء" قلت له فإن إبراهيم بن أدهم يحكى عنه أنه قال لروعة صاحب العيال فما قدرت أن أتم الحديث حتى صاح بي وقال وقعت في بنيات الطريق أنظر ما كان عليه محمد وأصحابه ثم قال بكاء الصبي بين يدي أبيه يطلب منه الخبز أفضل من كذا وكذا أين يلحق المتعبد العزب انتهى كلامه
وقد اختلف الفقهاء هل يجب على الزوج مجامعة امرأته فقالت طائفة لا يجب عليه ذلك فإنه حق له فإن شاء استوفاه وإن شاء تركه بمنزلة من استأجر دارا إن شاء سكنها وإن شاء تركها
وهذا من أضعف الأقوال والقرآن والسنة والعرف والقياس يرده أما القرآن فإن الله قال ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فأخبر أن للمرأة من الحق مثل الذي عليها فإذا كان الجماع حقا للزوج عليها فهو حق على الزوج بنص القرآن وأيضا فإنه أمر الأزواج أن
стр. 213
يعاشروا الزوجات بالمعروف ومن ضد المعروف أن يكون عنده شابة شهوتها تعدل شهوة الرجل أو تزيد عليها بأضعاف مضاعفة ولا يذيقها لذة الوطء مرة واحدة ومن زعم أن هذا من المعروف كفاه طبعه ردا عليه والله إنما أباح للأزواج إمساك نسائهم على هذا الوجه لا على غيره فقال تعالى ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾
وقالت طائفة يجب عليه وطؤها في العمر مرة واحدة ليستقر لها بذلك الصداق وهذا من جنس القول الأول وهذا باطل من وجه آخر فإن المقصود إنما هو المعاشرة بالمعروف والصداق دخل في العقد تعظيما لحرمته وفرقا بينه وبين السفاح فوجوب المقصود بالنكاح أقوى من وجوب الصداق
وقالت طائفة ثالثة يجب عليه أن يطأها في كل أربعة أشهر مرة واحتجوا على ذلك بأن الله أباح للمولي تربص أربعة أشهر وخير المرأة بعد ذلك إن شاءت أن تقيم عنده وإن شاءت أن تفارقه فلو كان لها حق في الوطء أكثر من ذلك لم يجعل للزوج تركه في تلك المدة وهذا القول وإن كان أقرب من القولين اللذين قبله فليس أيضا بصحيح فإنه غير المعروف الذي لها وعليها وأما جعل مدة الإيلاء أربعة أشهر فنظرا منه سبحانه للأزواج فإن الرجل قد يحتاج إلى ترك وطء امرأته مدة لعارض من سفر أو تأديب أو راحة نفس أو اشتغال بمهم فجعل الله له أجلا أربعة أشهر ولا يلزم من ذلك أن يكون الوطء مؤقتا في كل أربعة أشهر مرة
وقالت طائفة أخرى بل يجب عليه أن يطأها بالمعروف كما ينفق عليها
стр. 214
ويكسوها ويعاشرها بالمعروف بل هذا عمدة المعاشرة ومقصودها وقد أمر الله أن يعاشرها بالمعروف فالوطء داخل في هذه المعاشرة ولا بد قالوا وعليه أن يشبعها وطئا إذا أمكنه ذلك كما عليه أن يشبعها قوتا وكان شيخنا رحمه الله تعالى يرجح هذا القول ويختاره
وقد حض النبي ﷺ على استعمال هذا الدواء ورغب فيه وعلق عليه الأجر وجعله صدقة لفاعله فقال: "وفي بضع أحدكم صدقة" ومن تراجم النسائي على هذا الترغيب في المباضعة ثم ذكر هذا الحديث ففي هذا كمال اللذة وكمال الإحسان إلى الحبيبة وحصول الأجر وثواب الصدقة وفرح النفس وذهاب أفكارها الرديئة عنها وخفة الروح وذهاب كثافتها وغلظها وخفة الجسم واعتدال المزاج وجلب الصحة ودفع المواد الرديئة فإن صادف ذلك وجها حسنا وخلقا دمثا وعشقا وافرا ورغبة تامة واحتسابا للثواب فذلك اللذة التي لا يعادلها شيء ولا سيما إذا وافقت كمالها فإنها لا تكمل حتى يأخذ كل جزء من البدن بقسطه من اللذة فتلتذ العين بالنظر إلى المحبوب والأذن بسماع كلامه والأنف بشم رائحته والفم بتقبيله واليد بلمسه وتعتكف كل جارحة على ما تطلبه من لذتها وتقابله من المحبوب فإن فقد من ذلك شيء لم تزل النفس متطلعة إليه متقاضية له فلا تسكن كل السكون ولذلك تسمى المرأة سكنا لسكون النفس إلينا قال الله تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ ولذلك فضل
стр. 215
جماع النهار على جماع الليل ولسبب آخر طبيعي وهو أن الليل وقت تبرد فيه الحواس وتطلب حظها من السكون والنهار محل انتشار الحركات كما قال الله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً﴾ وقال الله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ وتمام النعمة في ذلك فرحة المحب برضاء ربه تعالى بذلك واحتساب هذه اللذة عنده ورجاء تثقيل ميزانه ولذلك كان أحب شيء إلى الشيطان أن يفرق بين الرجل وبين حبيبه ليتوصل إلى تعويض كل منهما عن صاحبه بالحرام كما في السنن عنه أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق وفي صحيح مسلم من حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ : "إن إبليس ينصب عرشه على الماء ثم يبث سراياه في الناس فأقربهم منه منزلة أعظمهم فتنة فيقول أحدهم ما زلت به حتى زنى فيقول يتوب فيقول الآخر ما زلت به حتى فرقت بينه وبين أهله فيدنيه ويلتزمه ويقول نعم أنت نعم أنت" فهذا الوصال لما كان أحب شيء إلى الله ورسوله كان أبغض شيء إلى عدو الله فهو يسعى في التفريق بين المتحابين في الله المحبة التي يحبها الله ويؤلف بين الاثنين في المحبة التي يبغضها الله ويسخطها وأكثر العشاق من جنده وعسكره ويرتقي بهم الحال حتى
стр. 216
يصير هو من جندهم وعسكرهم يقود لهم ويزين لهم الفواحش ويؤلف بينهم عليها كما قيل
عجبت من إبليس في نخوته ... وقبح ما أظهر من سيرته
تاه على آدم في سجدة ... وصار قوادا لذريته
وقد أرشد النبي ﷺ الشباب الذين هم مظنة العشق إلى أنفع أدويتهم ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج"
وفي لفظ آخر ذكره أبو عبيد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ عليكم بالباءة وذكر الحديث وبين اللفظين فرق فإن الأول يقتضي أمر العزب بالتزويج والثاني يقتضي أمر المتزوج بالباءة والباءة اسم من أسماء الوطء وقوله: "من استطاع منكم الباءة فليتزوج" فسرت الباءة بالوطء وفسرت بمؤن النكاح ولا ينافي التفسير الأول إذ المعنى على هذا مؤن الباءة ثم قال: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" فأرشدهم إلى الدواء الشافي الذي وضع لهذا الأمر ثم نقلهم عنه عند العجز إلى البدل وهو الصوم فإنه يكسر شهوة النفس ويضيق عليها مجاري الشهوة فإن هذه الشهوة تقوى بكثرة الغذاء وكيفيته فكمية الغذاء وكيفيته يزيدان في توليدها والصوم يضيق عليها ذلك فيصير بمنزلة وجاء الفحل وقل من أدمن الصوم إلا وماتت شهوته أو ضعفت
стр. 217
جدا والصوم المشروع يعدلها واعتدالها حسنة بين سيئتين ووسط بين طرفين مذمومين وهما العنة والغلمة الشديدة المفرطة وكلاهما خارج عن الاعتدال وكلا طرفي قصد الأمور ذميم وخير الأمور أوساطها والأخلاق الفاضلة كلها وسط بين طرفي إفراط وتفريط وكذلك الدين المستقيم وسط بين انحرافين وكذلك السنة وسط بين بدعتين وكذلك الصواب في مسائل النزاع إذا شئت أن تحظى به فهو القول الوسط بين الطرفين المتباعدين وليس هذا موضع تفصيل هذه الجملة فإنا لم نقصد له وبالله التوفيق
стр. 218
الباب التاسع عشر: في ذكر فضيلة الجمال وميل النفوس إليه على كل حال
إعلم أن الجمال ينقسم قسمين ظاهر وباطن فالجمال الباطن هو المحبوب لذاته وهو جمال العلم والعقل والجود والعفة والشجاعة وهذا الجمال الباطن هو محل نظر الله من عبده وموضع محبته كما في الحديث الصحيح "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" وهذا الجمال الباطن يزين الصورة الظاهرة وإن لم تكن ذات جمال فتكسوا صاحبها من الجمال والمهابة والحلاوة بحسب ما اكتست روحه من تلك الصفات فإن المؤمن يعطى مهابة وحلاوة بحسب إيمانه فمن رآه هابه ومن خالطه أحبه وهذا أمر مشهود بالعيان فإنك ترى الرجل الصالح المحسن ذا الأخلاق الجميلة من أحلى الناس صورة وإن كان أسود أو غير جميل ولا سيما إذا رزق حظا من صلاة الليل فإنها تنور الوجه وتحسنه
وقد كان بعض النساء تكثر صلاة الليل فقل لها في ذلك فقالت إنها تحسن الوجه وأنا أحب أن يحسن وجهي ومما يدل على أن الجمال الباطن أحسن من الظاهر أن القلوب لا تنفك عن تعظيم صاحبه ومحبته والميل إليه
فصل وأما الجمال الظاهر فزينة خص الله بها بعض الصور عن بعض وهي من
стр. 219
زيادة الخلق التي قال الله تعالى فيها ﴿يَزٍِِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ قالوا هو الصوت الحسن والصورة الحسنة والقلوب كالمطبوعة على محبته كما هي مفطورة على استحسانه
وقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" قالوا يا رسول الله ﷺ الرجل يحب أن تكون نعله حسنة وثوبه حسنا أفذلك من الكبر فقال: "لا إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس" فبطر الحق جحده ودفعه بعد معرفته وغمط الناس النظر إليهم بعين الازدراء والاحتقار والاستصغار لهم ولا بأس بهذا إذا كان لله وعلامته أن يكون لنفسه أشد ازدراء واستصغارا منه لهم فأما إن احتقرهم لعظمة نفسه عنده فهو الذي لا يدخل صاحبه الجنة
فصل وكما أن الجمال الباطن من أعظم نعم الله تعالى على عبده فالجمال الظاهر نعمة منه أيضا على عبده يوجب شكرا فإن شكره بتقواه وصيانته ازداد جمالا على جماله وإن استعمل جماله في معاصيه سبحانه قلبه له شيئا ظاهرا في الدنيا قبل الآخرة فتعود تلك المحاسن وحشة وقبحا وشينا وينفر عنه من رآه فكل من لم يتق الله في حسنه وجماله انقلب قبحا وشينا يشينه به بين الناس فحسن الباطن يعلو قبح الظاهر ويستره وقبح الباطن يعلو جمال الظاهر ويستره
يا حسن الوجه توق الخنا ... لا تبدلن الزين بالشين
стр. 220
ويا قبيح الوجه كن محسنا ... لا تجمعن بين قبيحين
وكان النبي ﷺ يدعو الناس إلى جمال الباطن بجمال الظاهر كما قال جرير بن عبد الله وكان عمر بن الخطاب ﵁ يسميه يوسف هذه الأمة قال قال لي رسول الله ﷺ : "أنت امرء قد حسن الله خلقك فأحسن خلقك " وقال بعض الحكماء ينبغي للعبد أن ينظر كل يوم في المرآة فإن رأى صورته حسنة لم يشنها بقبيح فعله وإن رآها قبيحة لم يجمع بين قبح الصورة وقبح الفعل
ولما كان الجمال من حيث هو محبوبا للنفوس معظما في القلوب لم يبعث الله نبيا إلا جميل الصورة حسن الوجه كريم الحسب حسن الصوت كذا قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه
وكان النبي ﷺ أجمل خلق الله وأحسنهم وجها كما قال البراء بن عازب ﵁ وقد سئل أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف قال لا بل مثل القمر
وفي صفته كأن الشمس تجري في وجهه يقول واصفه لم أر قبله ولا بعده مثله
وقال ربيعة الجرشي قسم الحسن نصفين فبين سارة ويوسف نصف الحسن ونصف الحسن بين سائر الناس وفي الصحيح عنه ﷺ "أنه رأى يوسف ليلة الإسراء وقد أعطي شطر الحسن" وكان رسول الله ﷺ يستحب أن يكون الرسول الذي يرسل إليه حسن الوجه حسن
стр. 221
الاسم وكان يقول: "إذا أبردتم إلي بريدا فليكن حسن الوجه حسن الاسم"
وقد روى الخرائطي من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس ﵄ يرفعه: "من آتاه الله وجها حسنا واسما حسنا وخلقا حسنا وجعله في موضع غير شائن له فهو من صفوة الله من خلقه" وقال وهب قال داود يا رب أي عبادك أحب إليك قال مؤمن حسن الصورة قال فأي عبادك أبغض إليك قال كافر قبيح الصورة
ويذكر عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان ينتظره نفر من أصحابه على الباب فجعل ينظر في الماء ويسوي شعره ولحيته ثم خرج إليهم فقلت يا رسول الله ﷺ وأنت تفعل هذا قال: "نعم إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيىء من نفسه فإن الله جميل يحب الجمال" وقال يحيى بن أبي كثير دخل رجل على معاوية غمصا يعني رمص العينين فحط من عطائه فقال ما يمنع أحدكم إذا خرج من منزله أن يتعاهد أديم وجهه وكانت عائشة بنت طلحة من أجمل أهل زمانها أو أجملهم فقال أنس بن مالك والله ما رأيت أحسن منك إلا معاوية على منبر رسول الله ﷺ فقالت والله لأنا أحسن من النار في عين المقرور في الليلة القارة
стр. 222
ودخل عليها أنس يوما في حاجة فقال إن القوم يريدون أن يدخلو اعليك فينظروا إلى جمالك قالت أفلا قلت ليس فألبس ثيابي
وكان مصعب بن الزبير من أجمل الناس وكان يحسد الناس على الجمال فبينا هو يخطب يوما إذ دخل ابن جودان من ناحية الأزد وكان جميلا فأعرض بوجهه عن تلك الناحية إلى ناحية أخرى فدخل ابن حمران من تلك الناحية وكان جميلا فرمى ببصره إلى مؤخر المسجد فدخل الحسن البصري وكان من أجمل الناس فنزل مصعب عن المنبر
وخرج نسوة يوم العيد ينظرون إلى الناس فقيل لهن من أحسن من مر بكن قلن شيخ عليه عمامة سوداء يعنين الحسن البصري وأخذ مصعب ابن الزبير رجلا من أصحاب المختار فأمر بضرب عنقه فقال الرجل أيها الأمير ما أقبح من أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة ووجهك هذا الذي يستضاء به فأتعلق بأطرافك وأقول يا رب سل مصعبا فيم قتلني فقال مصعب أطلقوه فقال الرجل أيها الأمير اجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض فقال مصعب أعطوه مائة ألف درهم فقال إني أشهد الله أن لعبد الرحمن بن قيس الرقيات نصفها قال مصعب ولم ذلك قال لقوله
إنما مصعب شهاب من الل ... هـ تجلت عن وجهه الظلماء
فضحك مصعب وقال إن فيك لموضعا للصنيعة وأمره بلزومه
وقال الزبير بن بكار حدثنا مصعب الزبيري حدثنا عبد الرحمن بن أبي الحسن قال خرج أبو حازم يرمي الجمار ومعه قوم متعبدون وهو يكلمهم
стр. 223
ويحدثهم ويقص عليهم فبينما هو يمشي وهم معه إذ نظر إلى فتاة مستترة بخمارها ترمي الناس بطرفها يمنة ويسرة وقد شغلت الناس وهم ينظرون إليها مبهوتين وقد خبط بعضهم بعضا في الطريق فرآها أبو حازم فقال يا هذه اتقي الله فإنك في مشعر من مشاعر الله عظيم وقد فتنت الناس فاضربي بخمارك على جيبك فإن الله يقول ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فأقبلت تضحك من كلامه وقالت إني والله
من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا
فاقبل أبو حازم على أصحابه وقال تعالوا ندعو الله أن لا يعذب هذه الصورة الحسناء بالنار فجعل يدعو وأصحابه يؤمنون
وقال ضمرة بن ربيعة عن عبد الله بن شوذب دخلت امرأة جميلة على الحسن البصري فقالت يا أبا سعيد ينبغي للرجال أن يتزوجوا على النساء قال نعم قالت وعلى مثلي ثم أسفرت عن وجه لم ير مثله حسنا وقالت يا أبا سعيد لا تفتوا الرجال بهذا ثم ولت فقال الحسن ما على رجل كانت هذه في زاوية بيته ما فاته من الدنيا
стр. 224
وقال عبد الملك بن قريب كنت في بعض مياه العرب فسمعت الناس يقولون قد جاءت قد جاءت فتحول الناس فقمت معهم فإذا جارية قد وردت الماء ما رأيت مثلها قط في حسن وجهها وتمام خلقها فلما رأت تشوف الناس إليها أرسلت برقعها فكأنه غمامة غطت شمسا فقلت لم تمنعيننا النظر إلى وجهك هذا الحسن فأنشأت تقول
وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر
ونظر إليها أعرابي فقال أنا والله ممن قل صبره ثم قال
أوحشية العينين أين لك الأهل ... أبالحزن حلوا أم محلهم السهل
وأية أرض أخرجتك فإنني ... أراك من الفردوس إن فتش الأصل
قفي خبرينا ما طعمت وما الذي ... شربت ومن أين استقل بك الرحل
لأن علامات الجنان مبينة ... عليك وإن الشكل يشبهه الشكل
تناهيت حسنا في النساء فإن يكن ... لبدر الدجى نسل فأنت له نسل
وقال آخر
يا منسي المحزون أحزانه ... لما أتته في المعزينا
إستقبلتهن بتمثالها ... فقمن يضحكن ويبكينا
стр. 225
حق لهذا الوجه أن يزدهي ... عن حزنه من كان محزونا
وقال آخر
أنيري مكان البدر إن أفل البدر ... وقومي مقام الشمس مااستأخر الفجر
ففيك من الشمس المنيرة ضوؤها ... وليس لها منك التبسم والثغر
وقال آخر
رقادي يا طرفي عليك حرام ... فخل دموعا فيضهن سجام
ففي الدمع إطفاء لنار صبابة ... لها بين أحناء الضلوع ضرام
ويا كبدي الحرى التي قد تصدع ... ت من الوجد ذوبي ما عليك ملام
ويا وجه من ذلت وجوه أعزة ... له وزهى عزا فليس يرام
أجر مستجيرا في الهوى باسطا ... إليك يديه والعيون نيام
وذكر الخرائطي عن بعض العلويين قال بينا أنا عند الحسن بن هانىء وهو ينشد
ويلي على سود العيون ... النهد الضمر البطون
الناطقات عن الضمي ... ر لنا بألسنة الجفون
فوقف عليه أعرابي ومعه بنيه فقال أعد علي فأعاد عليه فقال يا ابن أخي ويلك أنت وحدك من هذا ويلي أنا وأنت وويل ابني هذا وويل هذه الجماعة وويل جيراننا كلهم
стр. 226
وقال الخرائطي حدثنا يموت بن المزرع حدثنا محمد بن حميد حدثنا محمد بن سلمة قال حدثني أبي قال أتيت عبد العزيز بن المطلب أسأله عن بيعة الجن للنبي بمسجد الأحزاب ما كان بدؤها فوجدته مستلقيا يتغنى
فما روصة بالحزن طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها
بأطيب من أردان عزة موهنا ... وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها
من الخفرات البيض لم تلق شقوة ... وبالحسب المكنون صاف نجارها
فإن برزت كانت لعينيك قرة ... وإن غبت عنها لم يعمك عارها
فقلت له أتغني أصلحك الله وأنت في جلالك وشرفك فقال أما والله لأحملنها ركبان نجد قال فوالله ما اكترث بي وعاد يتغنى
فما ظبية أدماء خفاقة الحشا ... تجوب بظلفيها متون الخمائل
بأحسن منها إذ تقول تدللا ... وأدمعها تذرين حشو المكاحل
تمتع بذا اليوم القصير فإنه ... رهين بأيام الصدود الأطاول
قال فندمت على قولي وقلت له أصلحك الله أتحدثني في هذا بشيء قال نعم حدثني أبي قال دخلت على سالم بن عبد الله بن عمر ﵃ وأشعب يغنيه
стр. 227
مغيرية كالبدر سنة وجهها ... مطهرة الأثواب والعرض وافر
لها حسب زاك وعرض مهذب ... وعن كل مكروه من الأمر زاجر
من الخفرات البيض لم تلق ريبة ... ولم يستملها عن تقى الله شاعر
فقال له سالم زدني فغناه
ألمت بنا والليل داج كأنه ... جناح غراب عنه قد نفض القطرا
فقلت أعطار ثوى في رحالن ... وما احتملت ليلى سوى طيبها عطرا
فقال له سالم والله لولا أن تتداوله الرواة لأجزلت جائزتك فإنك من هذا الأمر بمكان
قال الخرائطي حدثنا العباس بن الفضل عن بعض أصحابه قال حججت سنة من السنين فإني لبالربذة إذ وقفت علينا جارية على وجهها برقع فقالت يا معشر الحجيج نفر من هذيل ذهب بنعمهم السيل وقعدت بهم الأيام ما بهم نجعة فمن يراقب فيهم الدار الآخرة ويعرف لهم حق الأخوة جزاه الله خيرا قال فرضخنا لها فقلت لها هل قلت في ذلك شيئا فأنشأت تقول
كف الزمان توسدتنا عنوة ... شلت أناملها عن الأعراب
قوم إذا حل العفاة ببابهم ... ألفوا نوافلهم بغير حساب
فقلنا لها لو أمتعتينا بالنظر إلى وجهك فكشفت البرقع عن وجه لا والله لا تهتدي العقول لوصفه فلما رأتنا قد بهتنا لحسنها أنشأت تقول
стр. 228
الدهر أبدى صفحة قد صانها ... أبواي قبل تمرس الأيام
فتمتعوا بعيونكم في حسنها ... وانهوا جوارحكم عن الآثام
ثم انصرفت وكان محمد بن حميد الطوسي يهوى جارية فأرسل إليها مرة أترجة فبكت بكاء شديدا فقيل لها يوجه إليك من تحبينه بهدية فتبكين هذا البكاء فغنت
أهدى له أحبابه أترجة ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر
خاف التلون والفراق لأنها ... لونان باطنها خلاف الظاهر
فلما جاءه الرسول أخبره عنها بما أغاظه فكتب إليها
ضيعت عهد فتى لغيبك حافظ ... في حفظه عجب وفي تضييعك
وصددت عنه وماله من حيلة ... إلا الوقوف إلى أوان رجوعك
إن تقتليه وتذهبي بحياته ... فبحسن وجهك لا بحسن صنيعك
فلما وافتها الرقعة بكت حتى رحمها من حولها ثم اندفعت تقول
هل لعيني إلى الرقاد شفيع ... إن قلبي من السقام مروع
لا تراني بخلت عنك بدمع ... لا وحق الحبيب مالي دموع
إن قلبي إليك صب حزين ... فاستراحت إلى الأنين الضلوع
ليس في العطف يا حبيبي بدع ... إنما هجر من يحب بديع
стр. 229
ثم كتبت إليه أنا مملوكة لا أملك من أمري شيئا فإذا كان لك في حاجة فاشترني لأكون طوع يديك فاشتراها فمكثت عنده وكانت من أحظى إمائه حتى قتل في وقعة بابك الخرمي فكانت تتمثل في رثائه بقول أبي تمام
محمد بن حميد أخلقت رممه ... أريق ماء المعالي مذ أريق دمه
رأيته بنجاد السيف محتبيا ... في النوم بدرا جلت عن وجهه ظلمه
فقلت والدمع من حزن ومن كمد ... يجري انسكابا على الخدين منسجمه
ألم تمت يا شقيق النفس مذ زمن ... فقال لي لم يمت من لم يمت كرمه
فصل وهذا فصل في ذكر حقيقة الحسن والجمال ما هي وهذا أمر لا يدرك إلا بالوصف وقد قيل إنه تناسب الخلقة واعتدالها واستواؤها ورب صورة متناسبة الخلقة وليست في الحسن هناك وقد قيل الحسن في الوجه والملاحة في العينين وقيل الحسن أمر مركب من أشياء وضاءة وصباحة وحسن تشكيل وتخطيط ودموية في البشرة وقيل الحسن معنى لا تناله العبارة ولا يحيط به الوصف وإنما للناس منه أوصاف أمكن التعبير عنها وقد كان رسول الله ﷺ في الذروة العليا منه ونظرت إليه عائشة ﵂ ثم تبسمت فسألها مم ذاك فقالت كأن أبا كبير الهذلي إنما عناك بقوله
стр. 230
ومبرإ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل
ولقي بعض الصحابة راهبا فقال صف لي محمدا كأني أنظر إليه فإني رأيت صفته في التوراة والإنجيل فقال لم يكن بالطويل البائن ولا بالقصير فوق الربعة أبيض اللون مشربا بالحمرة جعدا ليس بالقطط جمته إلى شحمة أذنه صلت الجبين واضح الخد أدعج العينين أقنى الأنف مفلج الثنايا كأن عنقه إبريق فضة ووجهه كدارة القمر فأسلم الراهب وفي صفة هند بن أبي هالة له لم يكن بالطويل الممغط ولا بالقصير المتردد كان ربعة من الرجال ولم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط ولم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم وكان في الوجه تدوير أبيض مشرب أدعج العينين أهدب الأشفار جليل المشاش والكتد شثن الكفين والقدمين دقيق المسربة إذا مشى تقلع كأنما ينحط من صبب وإذا التفت التفت جميعا كأن الشمس تجري
стр. 231
في وجهه وكان مع هذا الحسن قد ألقيت عليه المحبة والمهابة فمن وقعت عليه عيناه أحبه وهابه وكمل الله سبحانه له مراتب الجمال ظاهرا وباطنا وكان أحسن خلق الله خلقا وخلقا وأجملهم صورة ومعنى وهكذا كان يوسف الصديق ولهذا قالت امرأة العزيز للنسوة لما أرتهن إياه ليعذرنها في محبته ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ أي هذا هو الذي فتنت به وشغفت بحبه فمن يلومني على محبته وهذا حسن منظره ثم قالت ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي فمنع هذا الجمال فباطنه أحسن من ظاهره فإنه في غاية العفة والنزاهة والبعد عن الخنا والمحب وإن غيب محبوبه فلا يجري لسانه إلا بمحاسنه ومدحه ويتعلق بهذا قوله تعالى في صفة أهل الجنة ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ فجمل ظواهرهم بالنضرة وبواطنهم بالسرور ومثله قوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فإنه لا شيء أشهى إليهم وأقر لعيونهم وأنعم لبواطنهم من النظر إليه فنضر وجوههم بالحسن ونعم قلوبهم بالنظر إليه وقريب منه قوله تعالى ﴿وَحُلُّوا
стр. 232
سَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ فهذا زينة الظاهر ثم قال ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ أي مطهرا لبواطنهم من كل أذى فهذا زينة الباطن ويشبهه قوله تعالى ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً﴾ فهذا زينة الظاهر ثم قال ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ فهذا زينة الباطن وينظر إليه من طرف خفي قوله تعالى ﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً﴾ فزين ظاهرها بالمصابيح وباطنها بحفظها من الشياطين وقريب منه قوله تعالى ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ فذكر الزاد الظاهر والزاد الباطن وهذا من زينة القرآن الباطنة المضافة إلى زينة ألفاظه وفصاحته وبلاغته الظاهرة ومنه قوله تعالى لآدم ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ فقابل بين الجوع والعري دون الجوع والظمإ وبين الظمإ والضحى دون الظمإ والجوع فإن الجوع عري الباطن وذله والعري جوع الظاهر وذله فقابل بين نفي ذل باطنه وظاهره وجوع باطنه وظاهره والظمأ حر الباطن والضحى حر الظاهر فقابل بينهما وسئل المتنبي عن قول امرئ القيس
كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال
стр. 233
ولم أسبإ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال
فقيل له إنه عيب عليه مقابلة سبي الزق الروي بالكر وكان الأحسن مقابلته بتبطن الكاعب جمعا بين اللذتين وكذلك مقابلة ركوب الجواد للكر أحسن من مقابلته لتبطن الكاعب فقال بل الذي أتى به أحسن فإنه قابل مركوب الشجاعة بمركوب اللذة واللهو فهذا مركب الطرب وهذا مركب الحرب والطلب وكذلك قابل بين السباءين سباء الزق وسباء الرق قلت وأيضا فإن الشارب يفتخر بالشجاعة كما قال حسان
ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا منا ينهنهنا اللقاء
وهذه جملة اعتراضية من ألطف الاعتراض
وقيل الحسن ما استنطق أفواه الناظرين بالتسبيح والتهليل كما قيل
ذي طلعة سبحان فالق صبحه ... ومعاطف جلت يمين الغارس
وقال علي بن الجهم
طلعت فقال الناظرون إلى ... تصويرها ما أعظم الله
ودنت فلما سلمت خجلت ... والتف بالتفاح خداها
وكأن دعص الرمل أسفلها ... وكأن غصن البان أعلاها
стр. 234
حتى إذا ثملت بنشوتها ... قرأت كتاب الباه عيناها
وقال آخر
ذو صورة بشرية قمرية ... تستنطق الأفواه بالتسبيح
وقال آخر
وإذا بدت في بعض حاجتها ... تستنطق الأفواه بالتسبيح
وقال بشار
تلقى بتسبيحة من حسن ما خلقت ... وتستفز حشا الرائي بإرعاد
ولي من أبيات
يا صورة البدر ولا الذي ... صور ليس البدر يحكيك
مني على العين ولا تبخلي ... بنظرة فالعين تفديك
وإن تحرجت لهذا فكم ... قد سبح الرحمن رائيك
هذا بهذا فارتجي أجر من ... إن غبت عنه ظل يبكيك
قال ابن شبرمة كفاك من الحسن أنه مشتق من الحسنة وقال عمر بن الخطاب ﵁ إذا تم بياض المرأة في حسن شعرها فقد تم حسنها وقالت عائشة ﵂ البياض شطر الحسن وقال بعض السلف جعل الله البهاء والهوج مع الطول والدهاء والدمامة مع القصر والخير فيما بين ذلك
ومما يذم في النساء المرأة القصيرة الغليظة وهي التي عناها الشاعر بقوله
وأنت التي حببت كل قصيرة ... إلي ولم تشعر بذاك القصائر
عنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار النسا شر النساء البحاتر
стр. 235
والبحاتر هن النساء القصار الغلاظ وبعضهم يبالغ في هذا حتى يفضل المهازيل على السمان
أنشد الزمخشري
لا أعشق الأبيض المنفوخ من سمن ... لكنني أعشق السمر المهازيلا
إني امرؤ أركب المهر المضمر في ... يوم الرهان فدعني واركب الفيلا
وطائفة تفضل السمان وتقول السمن نصف الحسن وهو يستر كل عيب في المرأة ويبدي محاسنها وخيار الأمور أوساطها
ومما يستحسن في المرأة طول أربعة وهن أطرافها وقامتها وشعرها وعنقها وقصر أربعة يدها ورجلها ولسانها وعينها فلا تبذل ما في بيت زوجها ولا تخرج من بيتها ولا تستطيل بلسانها ولا تطمح بعينها وبياض أربعة لونها وفرقها وثغرها وبياض عينها وسواد أربعة أهدابها وحاجبها وعينها وشعرها وحمرة أربعة لسانها وخدها وشفتها مع لعس وإشراب بياضها بحمرة ودقة أربعة أنفها وبنانها وخصرها وحاجبها وغلظ أربعة ساقها ومعصمها وعجيزتها وذاك منها وسعة أربعة جبينها ووجهها وعينها وصدرها وضيق أربعة فمها ومنخرها وخرق أذنها وذاك منها فهذه أحق النساء بقول كثير
لو أن عزة خاصمت شمس الضحى ... في الحسن عند موفق لقضى لها
стр. 236
وقال آخر
لو أبصر الوجه منها وهو منهزم ... ليلا وأعداؤه من خلفه وقفا
وقال آخر
يا طيب مرعى مقلة لم تخف ... بوجنتيها زجر حراس
حلت بوجه لم يغض ماؤه ... ولم تخضه أعين الناس
وقال آخر
فلم يزل خدها ركنا ألوذ به ... والخال في خدها يغني عن الحجر
وقول الآخر وأنشده المبرد
وأحسن من ربع ومن وصف دمنة ... ومن جبلى طي ومن وصفكم سلعا
تلاحظ عيني عاشقين كلاهما ... له مقلة في خد معشوقه ترعى
وأنشد ثعلب
خزاعية الأطراف مرية الحشا ... فزارية العينين طائية الفم
ومكية في الطيب والعطر دائما ... تبدت لنا بين الحطيم وزمزم
ثم قال وصفها بما يستحسن من كل قبيلة
وقال صالح بن حسان يوما لأصحابه هل تعرفون بيتا من الغزل في امرأة خفرة قلنا نعم بيت لحاتم في زوجته ماوية
يضيء لها البيت الظليل خصاصه ... إذا هي يوما حاولت أن تبسما
стр. 237
قال ما صنعتم شيئا قلنا فبيت الأعشى
كأن مشيتها من بيت جارتها ... مر السحابة لا ريث ولا عجل
قال جعلها تدخل وتخرج قلنا يا أبا محمد فأي بيت هو قال قول أبي قيس بن الأسلت
ويكرمها جاراتها فيزرنها ... وتعتل عن إتيانهن فتعذر
قلت وأحسن من هذا كله ما قاله إبراهيم بن محمد الملقب بنفطويه ﵀
وخبرها الواشون أن خيالها ... إذا نمت يغشى مضجعي ووسادي
فخفرها فرط الحياء فأرسلت ... تعيرني غضبى بطول رقادي
ومما يستحسن في المرأة رقة أديمها ونعومة ملمسه كما قال قيس بن ذريح
تعلق روحي روحها قبل خلقنا ... ومن بعد ما كنا نطافا وفي المهد
فزاد كما زدنا فأصبح ناميا ... فليس وإن متنا بمنفصم العهد
ولكنه باق على كل حادث ... ومؤنسنا في ظلمة القبر واللحد
يكاد مسيل الماء يخدش جلدها ... إذا اغتسلت بالماء من رقة الجلد
قلت ومن المبالغة في معنى البيت الأخير قول أبي نواس
توهمه قلبي فأصبح خده ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر
ومر بقلبي خاطر فجرحته ... ولم أر جسما قط يجرحه الفكر
وصافحه كفي فآلم كفه ... فمن غمز كفي في أنامله عقر
стр. 238
ولي من أبيات
يدمي الحرير أديمها من مسه ... فأديمها منه أرق وأنعم
فصل فيا أيها العاشق سمعه قبل طرفه فإن الأذن تعشق قبل العين أحيانا وجيش المحبة قد يدخل المدينة من باب السمع كما يدخلها من باب البصر والمؤمنون يشتاقون إلى الجنة وما رأوها ولو رأوها لكانوا أشد لها شوقا والصرورة يكاد قلبه يذوب شوقا إلى رؤية البيت الحرام فإن شاقتك هذه الصفات وأخذت بقلبك هذه المحاسن
فاسم بعينيك إلى نسوة ... مهورهن العمل الصالح
وحدث النفس بعشق الألى ... في عشقهن المتجر الرابح
واعمل على الوصل فقد أمكنت ... أسبابه ووقتها رائح
فصل وقد وصف الله سبحانه حور الجنة بأحسن الصفات وحلاهن بأحسن الحلي وشوق الخطاب إليهن حتى كأنهم يرونهن رؤية العين قال الطبراني حدثنا بكر بن سهل الدمياطي حدثنا عمرو بن هشام البيروني حدثنا سليمان بن أبي كريمة عن هشام بن حسان عن الحسن عن أمه عن أم سلمة ﵂ قالت قلت يا رسول الله ﷺ أخبرني عن قول الله ﴿حور عين﴾ قال: "حور بيض عين ضخام العيون شعر الحوراء بمنزلة
стр. 239
جناح النسر" قلت أخبرني عن قوله ﴿كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ قال: "صفاؤهن صفاء الدر الذي في الأصداف الذي لم تمسه الأيدي" قلت يا رسول الله ﷺ أخبرني عن قوله ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ قال: "خيرات الأخلاق حسان الوجوه" قلت أخبرني عن قوله ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ قال: "رقتهن كرقة الجلد الذي رأيت في داخل البيضة مما يلي القشر وهو الغرقىء" قلت يا رسول الله ﷺ أخبرني عن قوله ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ قال: "هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز رمصا شمطا خلقهن الله بعد الكبر فجعلهن عذارى عربا متعشقات متحببات أترابا على ميلاد واحد" قلت يا رسول الله ﷺ نساء الدنيا أفضل أم الحور العين قال: "بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الظهارة على البطانة" قلت يا رسول الله ﷺ وبم ذلك قال: "بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن الله ألبس الله وجوههن النور وأجسادهن الحرير بيض الألوان خضر الثياب صفر الحلي مجامرهن الدر وأمشاطهن الذهب يقلن نحن الخالدات فلا نموت نحن الناعمات فلا نبأس أبدا نحن المقيمات فلا نظعن أبدا ألا ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا طوبى لمن كنا له وكان لنا" قلت يا رسول الله ﷺ المرأة منا تتزوج الزوجين والثلاثة والأربعة ثم تموت فتدخل الجنة ويدخلون معها من يكون زوجها قال يا أم سلمة: "إنها تخير فتختار أحسنهم خلقا فتقول أي رب إن هذا كان أحسنهم معي خلقا في دار الدنيا فزوجنيه يا أم سلمة ذهب
стр. 240
حسن الخلق بخيري الدنيا والآخرة"
فصل وقد وصفهن الله بأنهن كواعب وهو جمع كاعب وهي المرأة التي قد تكعب ثديها واستدار ولم يتدل إلى أسفل وهذا من أحسن خلق النساء وهو ملازم لسن الشباب ووصفهن بالحور وهو حسن ألوانهن وبياضه قالت عائشة ﵂ البياض نصف الحسن وقال عمر بن الخطاب ﵁ إذا تم بياض المرأة في حسن شعرها فقد تم حسنها والعرب تمدح المرأة بالبياض قال الشاعر
بيض أوانس ما هممن بريبة ... كظباء مكة صيدهن حرام
يحسبن من لين الحديث زوانيا ... ويصدهن عن الخنا الإسلام
والعين جمع عيناء وهي المرأة الواسعة العين مع شدة سوادها وصفاء بياضها وطول أهدابها وسوادها ووصفهن بأنهن خيرات حسان وهو جمع خيرة وأصلها خيرة بالتشديد كطيبة ثم خفف الحرف وهي التي قد جمعت المحاسن ظاهرا وباطنا فكمل خلقها وخلقها فهن خيرات الأخلاق حسان الوجوه ووصفهن بالطهارة فقال ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ طهرن من الحيض والبول والنجو
стр. 241
وكل أذى يكون في نساء الدنيا وطهرت بواطنهن من الغيرة وأذى الأزواج وتجنيهن عليهم وإرادة غيرهم ووصفهن بأنهن مقصورات في الخيام أي ممنوعات من التبرج والتبذل لغير أزواجهن بل قد قصرن على أزواجهن لا يخرجن من منازلهم وقصرن عليهم فلا يردن سواهم ووصفهن سبحانه بأنهن قاصرات الطرف وهذه الصفة أكمل من الأولى ولهذا كن لأهل الجنتين الأوليين فالمرأة منهن قد قصرت طرفها على زوجها من محبتها له ورضاها به فلا يتجاوز طرفها عنه إلى غيره كما قيل
أذود سوام الطرف عنك وماله ... على أحد إلا عليك طريق
وكذلك حال المقصورات أيضا لكن أولئك مقصورات وهؤلاء قاصرات ووصفهن سبحانه بقوله ﴿أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ وذلك لفضل وطء البكر وحلاوته ولذاذته على وطء الثيب قالت عائشة ﵂ يا رسول الله ﷺ لو مررت بشجرة قد رعي منها وشجرة لم يرع منها ففي أيهما كنت ترتع بعيرك فقال: "في التي لم يرع منها" تعني أنه لم يتزوج بكرا غيرها وصح عنه أنه قال لجابر لما تزوج امرأة ثيبا هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك فإن قيل فهذه الصفة تزول بأول وطء فتعود ثيبا قيل
стр. 242
الجواب من وجهين أحدهما أن المقصود من وطء البكر أنها لم تذق أحدا قبل وطئها فتزرع محبته في قلبها وذلك أكمل لدوام العشرة فهذه بالنسبة إليها وأما بالنسبة إلى الواطىء فإنه يرعى روضة أنفا لم يرعها أحد قبله وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ ثم بعد هذا تستمر له لذة الوطء حال زوال البكارة والثاني أنه قد روي أن أهل الجنة كلما وطىء أحدهم امرأة عادت بكرا كما كانت فكلما أتاها وجدها بكرا وأما العرب فجمع عروب وهي التي جمعت إلى حلاوة الصورة حسن التأني والتبعل والتحبب إلى الزوج بدلها وحديثها وحلاوة منطقها وحسن حركاتها قال البخاري في صحيحه وأما الأتراب فجمع ترب يقال فلان تربي إذا كنتما في سن واحد فهن مستويات في سن الشباب لم يقصر بهن الصغر ولم يزر بهن الكبر بل سنهن سن الشباب وشبههن تعالى باللؤلؤ المكنون وبالبيض المكنون وبالياقوت والمرجان فخذ من اللؤلؤ صفاء لونه وحسن بياضه ونعومة ملمسه وخذ من البيض المكنون وهو المصون الذي لم تنله الأيدي اعتدال بياضه وشوبه بما يحسنه من قليل صفرة بخلاف الأبيض الأمهق المتجاوز في البياض وخذ من الياقوت والمرجان حسن لونه في صفائه وإشرابه بيسير من الحمرة
стр. 243
فصل فاسمع الآن وصفهن عن الصادق المصدوق فإن مالت النفس وحدثتك بالخطبة وإلا فالإيمان مدخول فروى مسلم في صحيحه من حديث أيوب عن محمد بن سيرين قال إما تفاخروا وإما تذاكروا الرجال في الجنة أكثر أم النساء فقال أبو هريرة ﵁ أو لم يقل أبو القاسم: "إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلةالبدر والتي تليها على أضواء كوكب دري في السماء إضاءة لكل امرىء منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم وما في الجنة أعزب"
وقال الطبراني في معجمه حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني والحسن بن علي القسوي قال حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا فضل بن مرزوق عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أول زمرة يدخلون الجنة كأن وجوههم صورة القمر ليلة البدر والزمرة الثانية على أحسن كوكب دري في السماء لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ سوقهما من وراء لحومهما وحللهما كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء" قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي هذا عندي على شرط الصحيح
стр. 244
وفي الصحيحين من حديث همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يمتخطون فيها ولا يتغوطون فيها آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة ومجامرهم الألوة ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشية "
وقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده حدثنا يونس بن محمد حدثنا الخزرج بن عثمان السعدي حدثنا أبو أيوب مولى عثمان بن عفان ﵁ عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "قيد سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها ولنصيف امرأة من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها " قال قلت يا أبا هريرة وما النصيف قال الخمار فإذا كان هذا قدر الخمار فما قدر لابه!
وقال ابن وهب أخبرنا عمرو أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إن الرجل في الجنة لتأتيه امرأة تضرب على منكبيه فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب فتسلم عليه فيرد ﵍ ويسألها من أنت فتقول أنا
стр. 245
المزيد وإنه ليكون عليها سبعون ثوبا أدناها مثل النعمان فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك وإن عليهم التيجان وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب" وبعض هذا الحديث في جامع الترمذي وهو على شرطه
وفي صحيح البخاري من حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ولقاب قوس أحدكم أو موضع قيده يعني سوطه خير من الدنيا وما فيها ولو اطلعت امرأة من نساء الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحا وأضاءت ما بينهما ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها"
وفي المسند من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ "للرجل من أهل الجنة زوجتان من الحور العين على كل واحدة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الثياب"
وقال ابن وهب حدثنا عمرو أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال "إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم واثنان وسبعون زوجة وينصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية وصنعاء" رواه الترمذي
وفي معجم الطبراني من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ قال "خلق الحور العين من الزعفران"
стр. 246
فصل فإن أردت سماع غنائهن فاسمع خبره الآن ففي معجم الطبراني من حديث ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : "إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط إن مما يغنين به نحن الخيرات الحسان أزواج قوم كرام ينظرون بقرة أعيان وإن مما يغنين به نحن الخالدات فلا نمتته نحن الآمنات فلا نخفنه نحن المقيمات فلا نظعنه" وقد قيل في قوله تعالى ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ إنه السماع الطيب ولا ريب أنه من الحبرة وقال عبد الله بن محمد البغوي حدثنا علي أنبأنا زهير عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي ﵁ قال ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾ حتى إذا انتهوا إلى باب من أبوابها وجدوا عنده شجرة يخرج من تحت ساقها عينان تجريان فعمدوا إلى إحداهما فكأنما أمروا به فشربوا منها فأذهب الله ما في بطونهم من قذى أو أذى أو بأس ثم عمدوا إلى الأخرى فتطهروا منها فجرت عليهم نضرة النعيم ولم تتغير أشعارهم بعدها أبدا ولم تشعث رؤوسهم كأنما ادهنوا بالدهان ثم انتهوا إلى خزنة
стр. 247
الجنة فقالوا ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ ثم تلقاهم الولدان يطيفون بهم كما يطيف ولدان أهل الدنيا بالحميم يقدم عليهم من غيبته فيقولون له أبشر بما أعد الله تعالى لك من الكرامة ثم ينطلق غلام من أولئك الولدان إلى بعض أزواجه من الحور العين فيقول جاء فلان باسمه الذي كان يدعى به في الدنيا قالت أنت رأيته قال أنا رأيته وهو بأثرى فيستخف إحداهن الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها فإذا انتهى إلى منزله نظر إلى أساس بنيانه فإذا جندل اللؤلؤ فوقه صرح أخضر وأحمر وأصفر من كل لون ثم رفع رأسه فنظر إلى سقفه فإذا مثل البرق ولولا أن الله قدره لألم أن يذهب بصره ثم طأطأ رأسه فإذا أزواجه وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة ثم اتكأوا فقالوا ﴿الحمد الله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ ثم ينادي مناد تحيون فلا تموتون أبدا وتقيمون فلا تظعنون أبدا وتصحون فلا تمرضون أبدا
وفي سنن ابن ماجه عن أسامة بن زيد ﵄ قال قال رسول الله ﷺ "ألا هل مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد وثمرة
стр. 248
نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة ومقام في أبد في دار سليمة وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في محلة عالية بهية" قالوا نعم يا رسول الله ﷺ نحن المشمرون لها قال: "قولوا إن شاء الله" فقال القوم إن شاء الله تعالى"
فصل فهذا وصفهن وحسنهن فاسمع الآن لذة وصالهن وشأنه ففي مسند أبي يعلى الموصلي من حديث أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ فذكر حديثا طويلا وفيه "فأقول يا رب وعدتني الشفاعة فشفعتني في أهل الجنة يدخلون الجنة فيقول الله تعالى قد شفعتك وأذنت لهم في دخول الجنة وكان رسول الله ﷺ يقول: "والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم فيدخل رجل منهم على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشىء الله وثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله بعبادتهما الله في الدنيا يدخل على الأولى منهما في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ عليه سبعون زوجا من سندس وإستبرق وإنه ليضع يده بين كتفيها ثم ينظر إلى يده من صدرها ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها وإنه لينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت كبده لها مرآة يعني وكبدها له مرآة فبينا هو عندها لا يملها ولا تمله ولا يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء ما يفتر ذكره ولا يشتكي قبلها فبينا هو كذلك إذ نودي إنا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل إلا أنه لا مني ولا منية إلا أن يكون لك أزواج غيرها فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة كلما جاء واحدة قالت والله ما في الجنة شيء
стр. 249
أحسن منك وما في الجنة شيء أحب إلي منك" وهذا قطعة من حديث الصور الطويل الذي رواه إسماعيل بن رافع
وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال "إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا رواه البخاري وقال ثلاثون ميلا"
وفي جامع الترمذي من حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من النساء" قلت يا رسول الله ﷺ "ويطيق ذلك قال يعطى قوة مائة" قال هذا حديث صحيح غريب
وفي معجم الطبراني من حديث أبي هريرة ﵁ قال قيل يا رسول الله ﷺ هل نصل إلى نسائنا في الجنة فقال "إن الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراء" وفي لفظ قلنا يا رسول الله ﷺ نفضي إلى نسائنا في الجنة فقال: "إي والذي نفسي بيده إن الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى
стр. 250
مائة عذراء" قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي ورجال هذا الحديث عندي على شرط الصحيح
وفي حديث لقيط العقيلي الطويل الذي رواه الطبراني وعبد الله بن أحمد في السنة وغيرهما أنه قال قلت يا رسول الله ﷺ أو لنا فيها أزواج مصلحات قال "الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم غير أن لا توالد"
وذكر ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج عن عبد الرحمن بن حجيرة عن أبي هريرة ﵁ أنه قال أنطأ في الجنة فقال رسول الله ﷺ : "نعم والذي نفسي بيده دحما دحما فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرا" قال الحافظ أبو عبد الله دراج اسمه عبد الرحمن بن سمعان المصري وثقه يحيى بن معين وأخرج عنه أبو حاتم بن حبان في صحيحه وكان بعض الأئمة ينكر بعض حديثه والله أعلم
وفي معجم الطبراني من حديث أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكارا"
وفيه أيضا من حديث أبي أمامة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ سئل هل يتناكح أهل الجنة فقال "بذكر لا يمل وشهوة لا تنقطع دحما دحما"
وفيه أيضا عنه أن رسول الله ﷺ سئل أيجامع أهل الجنة قال: "دحما دحما ولكن لا مني ولا منية"
следующие страницы →