Полный текст (482 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فصل فإن أردت سماع غنائهن فاسمع خبره الآن ففي معجم الطبراني من حديث ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : "إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط إن مما يغنين به نحن الخيرات الحسان أزواج قوم كرام ينظرون بقرة أعيان وإن مما يغنين به نحن الخالدات فلا نمتته نحن الآمنات فلا نخفنه نحن المقيمات فلا نظعنه" وقد قيل في قوله تعالى ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ إنه السماع الطيب ولا ريب أنه من الحبرة وقال عبد الله بن محمد البغوي حدثنا علي أنبأنا زهير عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي ﵁ قال ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾ حتى إذا انتهوا إلى باب من أبوابها وجدوا عنده شجرة يخرج من تحت ساقها عينان تجريان فعمدوا إلى إحداهما فكأنما أمروا به فشربوا منها فأذهب الله ما في بطونهم من قذى أو أذى أو بأس ثم عمدوا إلى الأخرى فتطهروا منها فجرت عليهم نضرة النعيم ولم تتغير أشعارهم بعدها أبدا ولم تشعث رؤوسهم كأنما ادهنوا بالدهان ثم انتهوا إلى خزنة
стр. 247
الجنة فقالوا ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ ثم تلقاهم الولدان يطيفون بهم كما يطيف ولدان أهل الدنيا بالحميم يقدم عليهم من غيبته فيقولون له أبشر بما أعد الله تعالى لك من الكرامة ثم ينطلق غلام من أولئك الولدان إلى بعض أزواجه من الحور العين فيقول جاء فلان باسمه الذي كان يدعى به في الدنيا قالت أنت رأيته قال أنا رأيته وهو بأثرى فيستخف إحداهن الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها فإذا انتهى إلى منزله نظر إلى أساس بنيانه فإذا جندل اللؤلؤ فوقه صرح أخضر وأحمر وأصفر من كل لون ثم رفع رأسه فنظر إلى سقفه فإذا مثل البرق ولولا أن الله قدره لألم أن يذهب بصره ثم طأطأ رأسه فإذا أزواجه وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة ثم اتكأوا فقالوا ﴿الحمد الله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ ثم ينادي مناد تحيون فلا تموتون أبدا وتقيمون فلا تظعنون أبدا وتصحون فلا تمرضون أبدا
وفي سنن ابن ماجه عن أسامة بن زيد ﵄ قال قال رسول الله ﷺ "ألا هل مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد وثمرة
стр. 248
نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة ومقام في أبد في دار سليمة وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في محلة عالية بهية" قالوا نعم يا رسول الله ﷺ نحن المشمرون لها قال: "قولوا إن شاء الله" فقال القوم إن شاء الله تعالى"
فصل فهذا وصفهن وحسنهن فاسمع الآن لذة وصالهن وشأنه ففي مسند أبي يعلى الموصلي من حديث أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ فذكر حديثا طويلا وفيه "فأقول يا رب وعدتني الشفاعة فشفعتني في أهل الجنة يدخلون الجنة فيقول الله تعالى قد شفعتك وأذنت لهم في دخول الجنة وكان رسول الله ﷺ يقول: "والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم فيدخل رجل منهم على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشىء الله وثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله بعبادتهما الله في الدنيا يدخل على الأولى منهما في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ عليه سبعون زوجا من سندس وإستبرق وإنه ليضع يده بين كتفيها ثم ينظر إلى يده من صدرها ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها وإنه لينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت كبده لها مرآة يعني وكبدها له مرآة فبينا هو عندها لا يملها ولا تمله ولا يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء ما يفتر ذكره ولا يشتكي قبلها فبينا هو كذلك إذ نودي إنا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل إلا أنه لا مني ولا منية إلا أن يكون لك أزواج غيرها فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة كلما جاء واحدة قالت والله ما في الجنة شيء
стр. 249
أحسن منك وما في الجنة شيء أحب إلي منك" وهذا قطعة من حديث الصور الطويل الذي رواه إسماعيل بن رافع
وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال "إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا رواه البخاري وقال ثلاثون ميلا"
وفي جامع الترمذي من حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من النساء" قلت يا رسول الله ﷺ "ويطيق ذلك قال يعطى قوة مائة" قال هذا حديث صحيح غريب
وفي معجم الطبراني من حديث أبي هريرة ﵁ قال قيل يا رسول الله ﷺ هل نصل إلى نسائنا في الجنة فقال "إن الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراء" وفي لفظ قلنا يا رسول الله ﷺ نفضي إلى نسائنا في الجنة فقال: "إي والذي نفسي بيده إن الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى
стр. 250
مائة عذراء" قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي ورجال هذا الحديث عندي على شرط الصحيح
وفي حديث لقيط العقيلي الطويل الذي رواه الطبراني وعبد الله بن أحمد في السنة وغيرهما أنه قال قلت يا رسول الله ﷺ أو لنا فيها أزواج مصلحات قال "الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم غير أن لا توالد"
وذكر ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج عن عبد الرحمن بن حجيرة عن أبي هريرة ﵁ أنه قال أنطأ في الجنة فقال رسول الله ﷺ : "نعم والذي نفسي بيده دحما دحما فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرا" قال الحافظ أبو عبد الله دراج اسمه عبد الرحمن بن سمعان المصري وثقه يحيى بن معين وأخرج عنه أبو حاتم بن حبان في صحيحه وكان بعض الأئمة ينكر بعض حديثه والله أعلم
وفي معجم الطبراني من حديث أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكارا"
وفيه أيضا من حديث أبي أمامة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ سئل هل يتناكح أهل الجنة فقال "بذكر لا يمل وشهوة لا تنقطع دحما دحما"
وفيه أيضا عنه أن رسول الله ﷺ سئل أيجامع أهل الجنة قال: "دحما دحما ولكن لا مني ولا منية"
стр. 251
من قصيدة للمؤلف في وصف الحور
يا خاطب الحور الحسان وطالبا ... لوصالهن بجنة الحيوان
لو كنت تدري من خطبت ومن طلبت ... بذلت ما تحوي من الأئمان
أو كنت تعرف أين مسكنها جعلت ... السعي منك لها على الأجفان
أسرع وحث السير جهدك إنما ... مسراك هذا ساعة لزمان
فاعشق وحدث بالوصال النفس وابذل ... مهرها ما دمت ذا إمكان
واجعل صيامك دون لقياها ويو ... م الوصل يوم الفطر من رمضان
واجعل نعوت جمالها الحادي وسر ... نحو الحبيب ولست بالمتواني
واسمع إذن أوصافها ووصالها ... واجعل حديثك ربة الإحسان
يا من يطوف بكعبة الحسن التي ... حفت بذاك الحجر والأركان
ويظل يسعى دائما حول الصفا ... ومحسر مسعاه كل أوان
ويروم قربان الوصال على منى ... والخيف يحجبه عن القربان
فلذا تراه محرما أبدا ومو ... ضع حلة منه فليس بدان
يبغي التمتع مفردا عن حبه ... متجردا يبغي شفيع قران
ويظل بالجمرات يرمي قلبه ... هذي مناسكه بكل زمان
والناس قد قضوا مناسكهم وقد ... حثوا ركائبهم إلى الأوطان
وحدت بهم همم لهم وعزائم ... نحو المنازل ربة الإحسان
رفعت لهم في السير أعلام الوصا ... ل فشمروا يا خيبة الكسلان
ورأوا على بعد خياما مشرفا ... ت مشرقات النور والبرهان
فتيمموا تلك الخيام فآنسوا ... فيهن أقمارا بلا نقصان
стр. 252
من قاصرات الطرف لا تبغي سوى ... محبوبها من سائر الشبان
قصرت عليه طرفها من حسنه ... والطرف منه مطلق بأمان
ويحار منه الطرف في الحسن الذي ... قد أعطيت فالطرف كالحيران
ويقول لما أن يشاهد حسنها ... سبحان معطي الحسن والإحسان
والطرف يشرب من كؤوس جمالها ... فتراه مثل الشارب النشوان
كملت خلائقها وأكمل حسنها ... كالبدر ليل الست بعد ثمان
والشمس تجري في محاسن وجهها ... والليل تحت ذوائب الأغصان
فيظل يععجب وهو موضع ذاك من ... ليل وشمس كيف يجتمعان
ويقول سبحان الذي ذا صنعه
لا الليل يدرك شمسها فتغيب عند ... سبحان متقن صنعة الإنسان
مجيئه حتى الصباح الثاني
والشمس لا تأتي بطرد الليل بل ... يتصاحبان كلاهما أخوان
وكلاهما مرآة صاحبه إذا
فيرى محاسن وجهه في وجهها ... ما شاء يبصر وجهه يريان
وترى محاسنها به بعيان
حمر الخدود ثغورهن لآلئ ... سود العيون فواتر الأجفان
والبرق يبدو حين يبسم ثغرها ... فيضيء سقف القصر بالجدران
ريانة الأعطاف من ماء الشبا ... ب فغصنها بالماء ذو جريان
لما جرى ماء النعيم بغصنها ... حمل الثمار كثيرة الألوان
فالورد والتفاح والرمان في ... غصن تعالى غارس البستان
والقد منها كالقضيب اللدن في ... حسن القوام كأوسط القضبان
في مغرس كالعاج تحسب أنه ... عالي النقا أو واحد الكثبان
لا الظهر يلحقه وليس ثديها ... بلواحق للبطن أو بدوان
...
...
стр. 253
لكنهن كواعب ونواهد ... فثديهن كأحسن الرمان
والجيد ذو طول وحسن في بيا
... ض واعتدال ليس ذا نكران
يشكو الحلي بعاده فله مدى السأيام
والمعصمان فإن تشأ شبههما ... وسواس من الهجران
بسبيكتين عليهما كفان
كالزبد لينا في نعومة ملمس ... أصداف در دورت بوزان
والصدر متسع على بطن لها ... والخصر منهما مغرم بثمان
وعليه أحسن سرة هي زينة ... للبطن قد غارت من الأعكان
حق من العاج استدار وحشوه ... حبات مسك جل ذو الإتقان
وإذا نزلت رأيت أمرا هائلا ... ما للصفات عليه من سلطان
لا الحيض يغشاه ولا بول ولا ... شيء من الآفات في النسوان
فخذان قد حفا به حرسا له ... فجنابه في عزة وصبيان
قاما بخدمته هو السلطان بينهما ... وحق طاعة السلطان
وهو المطاع إذا هو استدعى الحبيب ... أتاه طوعا وهو غير جبان
وجماعها فهو الشفاء لصبها ... فالصب منه ليس بالضجران
وإذا أتاها عادت الحسناء بكرا ... مثل ما كانت مدى الأزمان
وهو الشهي ألذ شيء هكذا ... قال الرسول لمن له أذنان
يا رب غفرا قد طغت أقلامنا ... يا رب معذرة من الطغيان
أقدامها من فضة قد ركبت ... من فوقها ساقان ملتفان
والساق مثل العاج ملموم به ... مخ العظام تناله العينان
والريح مسك والجسوم نواعم ... واللون كالياقوت والمرجان
وكلامها يسبي العقول بنغمة ... زادت على الأوتار والعيدان
وهي العروب بشكلها وبدلها ... وتحبب للزوج كل أوان
...
стр. 254
أتراب من واحد متماثل ... سن الشباب لأجمل الشبان
بكر فلم يأخذ بكارتها سوى ال ... محبوب من إنس ولا من جان
يعطى المجامع قوة المائة التي اج ... تمعت لأقوى واحد الإنسان
ولقد أتانا أنه يغشى بيو ... م واحد مائة من النسوان
ورجاله شرط الصحيح رووا لهم ... فيه وذا في معجم الطبراني
وبذاك فسر شغلهم في سورة ... من بعد فاطر يا أخا العرفان
هذا دليل أن قدر نسائهم ... متفاوت بتفاوت الإيمان
وبه يزول توهم الإشكال عن ... تلك النصوص بمنة الرحمن
في بعضها مائة أتى وأتى بها ... سبعون أيضا ثم جا ثنتان
فتفاوت الزوجات مثل تفاوت ال ... درجات فالأمران مختلفان
وبقوة المائة التي حصلت له ... أفضى إلى مائة بلا خوران
وأعفهم في هذه الدنيا هو ال ... أقوى هناك لزهده في الفاني
فاجمع قواك لما هنا وغض من ... ك الطرف واصبر ساعة لزمان
ما هاهنا والله ما يسوى قلا ... مة ظفر واحدة من النسوان
ونصيفها خير من الدنيا وما ... فيها إذا كانت من الأثمان
لا تؤثر الأدنى على الأعلى فإن ... تفعل رجعت بذلة وهوان
وإذا بدت في حلة من لبسها ... وتمايلت كتمايل النشوان
تهتز كالغصن الرطيب وحمله ... ورد وتفاح على رمان
وتبخترت في مشيها ويحق ذا ... ك لمثلها في جنة الرضوان
стр. 255
ووصائف من خلفها وأمامها ... وعلى شمائلها وعن أيمان
كالبدر ليلة تمه قد حف في ... غسق الدجى بكواكب الميزان
فلسانه وفؤاده والطرف في ... دهش وإعجاب وفي سبحان
تستنطق الأفواه بالتسبيح إذ ... تبدو فسبحان العظيم الشان
والقلب قبل زفافها في عرسه ... والعرس إثر العرس متصلان
حتى إذا واجهته تقابلا ... أرأيت إذ يتقابل القمران
فسل المتيم هل يحل الصبر عن ... ضم وتقبيل وعن فلتان
وسل المتيم أين خلف صبره ... في أي واد أم بأي مكان
وسل المتيم كيف حالته وقد ... ملئت له الأذنان والعينان
من منطق رقت حواشيه ووج ... هـ كم به للشمس من جريان
وسل المتيم كيف عيشته إذا ... وهما على فرشيهما خلوان
يتساقطان لآلئا منثورة ... من بين منظوم كنظم جمان
وسل المتيم كيف مجلسه مع ال ... محبوب في روح وفي ريحان
وتدور كاسات الرحيق عليهما ... بأكف أقمار من الولدان
يتنازعان الكأس هذا مرة ... والخود أخرى ثم يتكئان
فيضمها وتضمه أرأيت مع ... شوقين بعد البعد يلتقيان
غاب الرقيب وغاب كل منكد ... وهما بثوب الوصل مشتملان
أتراهما ضجرين من ذا العيش ل ... وحياة ربك ما هما ضجران
يا عاشقا هانت عليه نفسه ... إذ باعها غبنا بكل هوان
أترى يليق بعاقل بيع الذي ... يبقى وهذا وصفه بالفاني
стр. 256
الباب العشرون: في علامات المحبة وشواهدها
وقبل الخوض في ذلك لا بد من ذكر أقسام لنفوس ومحابها فنقول
النفوس ثلاثة نفس سماوية علوية فمحبتها منصرفة إلى المعارف واكتساب الفضائل والكمالات الممكنة للإنسان واجتناب الرذائل وهي مشغوفة بما يقربها من الرفيق الأعلى وذلك قوتها وغذاؤها ودواؤها فاشتغالها بغيره هو داؤها
ونفس سبعية غضبية فمحبتها منصرفة إلى القهر والبغي والعلو في الأرض والتكبر والرئاسة على الناس بالباطل فلذتها في ذلك وشغفها به
ونفس حيوانية شهوانية فمحبتها منصرفة إلى المأكل والمشرب والمنكح وربما جمعت الأمرين فانصرفت محبتها إلى العلو في الأرض والفساد كما قال الله تعالى ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾
وقال في آخر السورة ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ والحب في هذا العالم دائر بين هذه النفوس الثلاثة فأي نفس منها صادفت ما يلائم طبعها استحسنته ومالت إليه ولم تصغ فيه لعاذل ولم تأخذها فيه لومة لائم وكل قسم
стр. 257
من هذه الأقسام يرون أن ما هم فيه أولى بالإيثار وأن الاشتغال بغيره والإقبال على سواه غبن وفوات حظ فالنفس السماوية بينها وبين الملائكة والرفيق الأعلى مناسبة طبعية بها مالت إلى أوصافهم وأخلاقهم وأعمالهم
فالملائكة أولياء هذا النوع في الدنيا والآخرة قال الله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم﴾
فالملك يتولى من يناسبه بالنصح له والإرشاد والتثبيت والتعليم وإلقاء الصواب على لسانه ودفع عدوه عنه والاستغفار له إذا زل وتذكيره إذا نسي وتسليته إذا حزن وإلقاء السكينة في قلبه إذا خاف وإيقاظه للصلاة إذا نام عنها وإيعاد صاحبه بالخير وحضه على التصديق بالوعد وتحذيره من الركون إلى الدنيا وتقصير أمله وترغيبه فيما عند الله فهو أنيسه في الوحدة ووليه ومعلمه ومثبته ومسكن جأشه ومرغبه في الخير ومحذره من الشر يستغفر له إن أساء ويدعو له بالثبات إن أحسن وإن بات طاهرا يذكر الله بات معه في شعاره فإن قصده عدو له بسوء وهو نائم دفعه عنه
стр. 258
فصل والشياطين أولياء النوع الثاني يخرجونهم من النور إلى الظلمات قال الله تعالى: ﴿تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم﴾ وقال تعالى: ﴿كتب عليه أنه من كولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير وقال تعالى ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا﴾ وقال تعالى: ﴿وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا﴾
فهذا النوع بين نفوسهم وبين الشياطين مناسبة طبعية بها ملت إلى أوصافهم وأخلاقهم وأعمالهم فالشياطين تتولاهم بضد ما تتولى الملائكة لمن ناسبهم فتؤزهم إلى المعاصي أزا وتزعجهم إليها إزعاجا لا يستقرون معه ويزينون لهم القبائح ويخفقونها على قلوبهم ويحلونها في نفوسهم ويثقلون عليها الطاعات ويثبطونهم عنها وبقبحونها في أعينهم ويلقون على ألسنتهم أنواع القبيح من الكلام وما لا يفيد ويزينونه في أسماع من يسمعه منهم
стр. 259
يبيتون معهم حيث باتوا ويقيلون معهم حيث قالوا ويشاركونهم في أموالهم وأولادهم ونسائهم يأكلون معهم ويشربون معهم ويجامعون معهم وينامون معهم قال تعالى ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً﴾ وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾
فصل وأما النوع الثالث فهم أشباه الحيوان ونفوسهم أرضية سفلية لا تبالي بغير شهواتها ولا تريد سواها إذا عرفت هذه المقدمة فعلامات المحبة قائمة في كل نوع بحسب محبوبه ومراده فمن تلك العلامات تعرف من أي هذه الأقسام هو فنذكر فصولا من علامات المحبة التي يستدل بها عليها
فمنها إدمان النظر إلى الشيء وإقبال العين عليه فإن العين باب القلب وهي المعبرة عن ضمائره والكاشفة لأسراره وهي أبلغ في ذلك من اللسان لأن دلالتها بغير اختيار صاحبها ودلالة اللسان لفظية تابعة لقصده فترى ناظر المحب يدور مع محبوبه كيف ما دار ويجول معه في النواحي والأقطار كما قال
أذود سوام الطرف عنك وماله ... على أحد إلا عليك طريق
стр. 260
بل المحب في عين المحبوب تمثاله كما في قلبه شخصه ومثاله كما قيل
ومن عجب أني أحن إليهم ... وأسأل عنهم من لقيت وهم معي
وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي
فالمحب نظره وقف على محبوبه كما قال
إن يحجبوها عن العيون فقد ... حجبت عيني لها عن البشر
فصل ومنها إغضاؤه عند نظر محبوبه إليه ورميه بطرفه نحو الأرض وذلك من مهابته له وحيائه منه وعظمته في صدره ولهذا يستهجن الملوك من يخاطبهم وهو يحد النظر إليهم بل يكون خافض الطرفإلى الأرض قال الله تعالى مخبرا عن كمال أدب رسوله في ليلة الإسراء ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ وهذا غاية الأدب فإن البصر لم يزغ يمينا ولا شمالا ولا طمح متجاوزا إلى ما هو رائيه ومقبل عليه كالمتشارف إلى ما وراء ذلك ولهذا اشتد نهي النبي ﷺ للمصلي أن يزيغ بصره إلى السماء وتوعدهم على ذلك بخطف أبصارهم إذ هذا من كمال الأدب مع من المصلي واقف بين يديه بل ينبغي له أن يقف ناكس الرأس مطرقا إلى الأرض ولولا أن عظمة رب العالمين سبحانه فوق سماواته على عرشه لم يكن فرق بين النظر إلى فوق أو إلى أسفل
стр. 261
فصل ومنها كثرة ذكر المحبوب واللهج بذكره وحديثه فمن أحب شيئا أكثر من ذكره بقلبه ولسانه ولهذا أمر الله سبحانه عباده بذكره على جميع الأحوال وأمرهم بذكره أخوف ما يكونون فقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ والمحبون يفتخرون بذكرهم أحبابهم وقت المخاوف وملاقاة الأعداء كما قال قائلهم
ذكرتك والخطي يخطر بيننا ... وقد نهلت منا المثقفة السمر
وقال آخر
ولقد ذكرتك والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم
فوددت تقبيل السيوف لأنها ... برقت كبارق ثغرك المتبسم
وفي بعض الآثار الإلهية إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه فعلامة المحبة الصادقة ذكر المحبوب عند الرغب والرهب وقال بعض المحبين في محبوبه
يذكرنيك الخير والشر والذي ... أخاف وأرجو والذي أتوقع
стр. 262
ومن الذكر الدال على صدق المحبة سبق ذكر المحبوب إلى قلب المحب ولسانه عند أول يقظة من منامه وأن يكون ذكره آخر ما ينام عليه كما قال قائلهم
آخر شيء أنت في كل هجعة ... وأول شيء أنت وقت هبوبي
وذكر المحبوب لا يكون عن نسيان مستحكم فإن ذكره بالقوة في نفس المحب ولكن لضيق المحل به يرد عليه ما يغيب ذكره فإذا زال الوارد عاد الذكر كما كان وأعلى أنواع ذكر الحبيب أن يحبس المحب لسانه على ذكره ثم يحبس قلبه على لسانه ثم يحبس قلبه ولسانه على شهود مذكوره وكما أن الذكر من نتائج الحب فالحب أيضا من نتائج الذكر فكل منهما يثمر الآخر وزرع المحبة إنما يسقى بماء الذكر وأفضل الذكر ما صدر عن المحبة فصل ومن علاماتها الانقياد لأمر المحبوب وإيثاره على مراد المحب بل يتحد مراد المحب والمحبوب وهذا هو الاتحاد الصحيح لا الاتحاد الذي يقوله إخوان النصارى من الملاحدة فلا اتحاد إلا في المراد وهذا الاتحاد علامة المحبة الصادقة بحيث يكون مراد الحبيب والمحب واحدا فليس بمحب صادق من له إرادة تخالف مراد محبوبه منه بل هذا مريد من محبوبه لا مريد له وإن كان مريدا له فليس مريدا لمراده فالمحبون ثلاثة أقسام منهم من يريد من المحبوب ومنهم من يريد المحبوب ومنهم من يريد مراد المحبوب مع إرادته للمحبوب وهذا أعلى أقسام المحبين وزهد هذا أعلى أنواع الزهد فإنه قد
стр. 263
زهد في كل إرادة تخالف مراد محبوبه وبين هذا وبين الزهد في الدنيا أعظم مما بين السماء والأرض فالزهد خمسة أقسام زهد في الدنيا وزهد في النفس وزهد في الجاه والرئاسة وزهد فيما سوى المحبوب وزهد في كل إرادة تخالف مراد المحبوب وهذا إنما يحصل بكمال المتابعة لرسول الحبيب
قال الله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فجعل سبحانه متابعة رسوله سببا لمحبتهم له وكون العبد محبوبا لله أعلى من كونه محبا لله فليس الشأن أن تحب الله ولكن الشأن أن يحبك الله فالطاعة للمحبوب عنوان محبته كما قيل
تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
فصل ومن علاماتها قلة صبر المحب عن المحبوب بل ينصرف صبره إلى الصبر على طاعته والصبر عن معصيته والصبر على أحكامه فهذا صبر المحب وأما الصبر عنه فصبر الفارغ عن محبته المشغول بغيره قال
والصبر يحمد في المواطن كلها ... وعن الحبيب فإنه لا يحمد
فمن صبر عن محبوبه أدى به صبره إلى فوات مطلوبه وقال بعض المحبين
ما أحسن الصبر وأما على ... أن لا أرى وجهك يوما فلا
لو أن يوما منك أو ساعة ... تباع بالدنيا إذا ما غلا
стр. 264
فصل ومنها الإقبال على حديثه وإلقاء سمعه كله إليه بحيث يفرغ لحديثه سمعه وقلبه وإن ظهر منه إقبال على غيره فهو إقبال مستعار يستبين فيه التكلف لمن يرمقه كما قال
وأديم لحظ محدثي ليرى ... أن قد فهمت وعندكم عقلي
فإن أعوزه حديثه بنفسه فأحاب شيء إليه الحديث عنه ولا سيما إذا حدث عنه بكلامه فإنه يقيمه مقام خطابه كما قال القائل المحبون لا شيء ألذ لهم ولقلوبهم من سماع كلام محبوبهم وفيه غاية مطلوبهم ولهذا لم يكن شيء ألذ لأهل المحبة من سماع القرآن وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال قال لي رسول الله ﷺ اقرأ علي قلت أقرأ عليك وعليك أنزل قال إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت عليه من أول سورة النساء حتى إذا بلغت قوله تعالى ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ قال حسبك الآن فرفعت رأسي فإذا عيناه تذرفان وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا أمروا قارئا أن يقرأ وهم يستمعون وكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا دخل عليه أبو موسى يقول يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ أبو موسى وربما بكى عمر
ومر رسول الله ﷺ بأبي موسى ﵁ وهو يصلي من الليل فأعجبته قراءته فوقف واستمع لها فلما غدا على رسول الله ﷺ "قال لقد مررت بك البارحة وأنت تقرأ فوقفت واستمعت
стр. 265
لقراءتك فقال لو أعلم أنك كنت تسمع لحبرته لك تحبيرا والله سبحانه وهو الذي تكلم بالقرآن يأذن ويستمع للقارىء الحسن الصوت من محبته لسماع كلامه منه كما قال لله أشد أذنا إلى القارئ الحسن الصوت من صاحب القينة إلى قينته والأذن بفتح الهمزة والذال مصدر أذن يأذن إذا استمع قال الشاعر
أيها القلب تعلل بددن ... إن قلبي في سماع وأذن
وقال زينوا القرآن بأصواتكم وغلط من قال إن هذا من المقلوب وإن المراد زينوا أصواتكم بالقرآن فهذا وإن كان حقا فالمراد تحسين الصوت بالقرآن وصح عنه أنه قال: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" ووهم من فسره بالغنى الذي هو ضد الفقر من وجوه أحدها أن ذلك المعنى إنما يقال فيه استغنى لا تغنى والثاني أن تفسيره قد جاء في نفس الحديث يجهر به هذا لفظه قال أحمد نحن أعلم بهذا من سفيان وإنما هو تحسين الصوت به يحسنه ما استطاع الثالث أن هذا المعنى لا يتبادر إلى الفهم من إطلاق هذا اللفظ ولو احتمله فكيف وبنية اللفظ لا تحتمله كما تقدم وبعد هذا فإذا كان من التغني بالصوت ففيه معنيان أحدهما يجعله له مكان الغناء
стр. 266
لأصحابه من محبته له ولهجه به كما يحب صاحب الغناء لغنائه والثاني أنه يزينه بصوته ويحسنه ما استطاع كما يزين المتغني غناءه بصوته وكثير من المحبين ماتوا عند سماع القرآن بالصوت الشجي فهؤلاء قتلى القرآن لا قتلى عشاق المردان والنسوان
فصل ومنها محبة دار المحبوب وبيته حتى محبة الموضع الذي حل به وهذا هو السر الذي لأجله علقت القلوب على محبة الكعبة البيت الحرام حتى استطاب المحبون في الوصول إليها هجر الأوطان والأحباب ولذ لهم فيها السفر الذي هو قطعة من العذاب فركبوا الأخطار وجابوا المفاوز والقفار واحتملوا في الوصول غاية المشاق ولو أمكنهم لسعوا إليها على الجفون والأحداق
نعم أسعى إليك على جفوني ... وإن بعدت لمسراك الطريق
وسر هذه المحبة هي إضافة الرب سبحانه له إلى نفسه بقوله ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ قال الشاعر
لما انتسبت إليك صرت معظما ... وعلوت قدرا دون من لم ينسب
وكل ما نسب إلى المحبوب فهو محبوب ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾
стр. 267
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ ومن فهم هذا فهم معنى قوله تعالى بيدك الخير وقول عبده ورسوله لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك وإذا كان من يحب مخلوقا مثله يحب داره كما قال
أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا
فكيف بمن ليس كمثله شيء ومن ليس كمثل محبته محبة
فصل ومنها الإسراع إليه في السير وحث الركاب نحوه وطي المنازل في الوصول إليه والاجتهاد في القرب والدنو منه وقطع كل قاطع يقطع عنه واطراح الأشغال الشاغلة عنه والزهد فيها والرغبة عنها والاستهانة بكل ما يكون سببا لغضبه ومقته وإن جل والرغبة في كل ما يدني إليه وإن شق قال الشاعر
ولو قلت طأ في النار أعلم أنه ... رضا لك أو مدن لنا من وصالك
لقدمت رجلي نحوها فوطئتها ... هدى منك لي أو ضلة من ضلالك
فصل ومنها محبة أحباب المحبوب وجيرانه وخدمه وما يتعلق به حتى حرفته وصناعته وآنيته وطعامه ولباسه قال
стр. 268
أحب بني العوام طرا لحبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا
وقال آخر
يشتاق واديها ولولا حبكم ... ما شاقه واد زهت أزهاره
وقال الآخر
فيا ساكني أكناف طيبة كلكم ... إلى القلب من أجل الحبيب حبيب
وفي أخبار العشاق أن عاشقا عشق السراويلات من أجل سراويل معشوقه فوجد في تركته اثنا عشر حملا وفردة من السراويلات ذكره البصري وعشق آخر الهاوونات من أجل صوت هاون محبوبته فوجد في تركته عدة آلافمنها وعند الناس من هذا عجائب كثيرة وكان أنس بن مالك ﵁ يحب الدباء كثيرا لما رأى النبي ﷺ يتتبعها من جوانب القصعة
فصل ومنها قصر الطريق حين يزوره ويوافي إليه كأنها تطوى له وطولها إذا انصرف عنه وإن كانت قصيرة قال
وكنت إذا ما جئت ليلى أزورها ... أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ود جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
стр. 269
وقال آخر
والله ما جئتكم زائرا ... إلا وجدت الأرض تطوى لي
ولا انثنى عزمي عن بابكم ... إلا تعثرت بأذيالي
وقال آخر
وإذا قمت عنك لم أمش إلا ... مشي عان يقاد نحو الفناء
وإذا جئت كنت أسرع في السي ... ر من الطير نازلا في الهواء
وقال الآخر
وتدنو الطريق إذا زرتكم ... وتبعد إذ أنثني راجعا
فصل ومنها انجلاء همومه وغمومه إذا زار محبوبه أو زاره وعودها إذا فارقه كما قال
يزور فتنجلي عني همومي ... لأن جلاء حزني في يديه
ويمضي بالمسرة حين يمضي ... لأن حوالتي فيها عليه
ومن المعلوم أنه ليس للمحب فرحة ولا سرور ولا نعيم إلا بمحبوبه وبمفارقة محبوبه عذابه الآجل والعاجل
فصل ومنها البهت والروعة التي تحصل عند مواجهة الحبيب أو عند سماع ذكره ولا سيما إذا رآه فجأة أو طلع عليه بغتة كما قال الشاعر
стр. 270
فما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب
فأرجع عن رأيي الذي كان أولا ... وأذكر ما أعددت حين تغيب
وقال آخر
فما هو إلا أن يراها فجاءة ... فتصطك رجلاه ويسقط للجنب
وربما اضطرب عند سماع اسمه فجأة كما قال
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى ... فهيج أشجان الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائرا كان في صدري
وقد اختلف في سبب هذه الروعة والفزع والاضطراب فقيل سببه أن للمحبوب سلطانا على قلب محبه أعظم من سلطان الرعية فإذا رآه فجأة راعه ذلك كما يرتاع من يرى من يعظمه فجأة فإن القلب معظم لمحبوبه خاضع له والشخص إذا فجئه المعظم عنده راعه ذلك وقيل سببه انفراج القلب له ومبادرته إلى تلقيه فيهرب الدم منه فيبرد ويرعد ويحدث الاصفرار والرعدة وربما مات وبالجملة فهذا أمر ذوقي وجداني وإن لم يعرف سببه
فصل ومنها غيرته لمحبوبه وعلى محبوبه فالغيرة له أن يكره ما يكره ويغار إذا عصي محبوبه وانتهك حقه وضيع أمره فهذه غيرة المحب حقا والدين كله تحت هذه الغيرة
فأقوى الناس دينا أعظمهم غيرة وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح "أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير
стр. 271
مني" فمحب الله ورسوله يغار لله ورسوله على قدر محبته وإجلاله وإذا خلا قلبه من الغيرة لله ولرسوله فهو من المحبة أخلى وإن زعم أنه من المحبين فكذب من ادعى محبة محبوب من الناس وهو يرى غيره ينتهك حرمة محبوبه ويسعى في أذاه ومساخطه ويستهين بحقه ويستخف بأمره وهو لا يغار لذلك بل قلبه بارد فكيف يصح لعبد أن يدعي محبة الله وهو لا يغار لمحارمه إذا انتهكت ولا لحقوقه إذا ضيعت وأقل الأقسام أن يغار له من نفسه وهواه وشيطانه فيغار لمحبوبه من تفريطه في حقه وارتكابه لمعصيته
وإذا ترحلت هذه الغيرة من القلب ترحلت منه المحبة بل ترحل منه الدين وإن بقيت فيه آثاره وهذه الغيرة هي أصل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي الحاملة على ذلك فإن خلت من القلب لم يجاهد ولم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر فإنه إنما يأتي بذلك غيرة منه لربه ولذلك جعل الله علامة محبته ومحبوبيته الجهاد فقال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
فصل وأما الغيرة على المحبوب فإنما تحمد حيث يحمد الاختصاص بالمحبوب ويذم الاشتراك فيه شرعا وعقلا كغيرة الإنسان على زوجته وأمته والشيء
стр. 272
الذي يختص هو به فيغار من تعرض غيره لذكره ومشاركته له فيه وهذه الغيرة تختص بالمخلوق ولا تتصور في حق الخالق بل المحب لربه يحب أن الناس كلهم يحبونه ويذكرونه ويعبدونه ويحمدونه ولا شيء أقر لعينه من ذلك بل هو يدعو إلى ذلك بقوله وعمله
ولما لم يميز كثير من الصوفية بين هاتين الغيرتين وقع في كلامهم تخبيط قبيح وأحسن أمره أن يكون من السعي المغفور لا المشكور وكان بعض جهلتهم إذا رأى من يذكر الله أو يحبه يغار منه وربما سكته إن أمكنه ويقول غيرة الحب تحملني على هذا وإنما ذلك حسد وبغي وعدوان ونوع معادة لله ومراغمة لطريق رسله أخرجوها في قالب الغيرة وشبهوا محبة الله بمحبة الصور من المخلوقين ولا ريب أن هذه الغيرة محمودة في محبة من لا تحسن مشاركة المحب فيه وسيأتي ذلك في باب الغيرة على المحبوب
فصل ومنها بذل المحب في رضا محبوبه ما يقدر عليه مما كان يتمتع به بدون المحبة وللمحب في هذا ثلاثة أحوال أحدها بذله ذلك تكلفا ومشقة وهذا في أول الأمر فإذا قويت المحبة بذله رضا وطوعا فإذا تمكنت من القلب غاية التمكن بذله سؤالا وتضرعا كأنه يأخذه من المحبوب حتى إنه ليبذل نفسه دون محبوبه كما كان الصحابة ﵃ يقون رسول الله ﷺ في الحرب بنفوسهم حتى يصرعوا حوله
ولي فؤاد إذا لج الغرام به ... هام اشتياقا إلى لقيا معذبه
стр. 273
يفديك بالنفس صب لو يكون له ... أعز من نفسه شيء فداك به
ومن آثر محبوبه بنفسه فهو له بماله أشد إيثارا قال الله تعالى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ولا يتم لهم مقام الإيمان حتى يكون الرسول أحب إليهم من أنفسهم فضلا عن أبنائهم وآبائهم كما صح عنه أنه قال "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين وقال له عمر ﵁ والله يا رسول الله ﷺ لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك قال فوالله لأنت الآن أحب إلي من نفسي فقال الآن يا عمر"
فإذا كان هذا شأن محبة عبده ورسوله فكيف بمحبته سبحانه وهذا النوع من الحب لا يمكن أن يكون إلا لله ورسوله شرعا ولا قدرا وإن وجد في الناس من يؤثر محبوبه بنفسه وماله فذاك في الحقيقة إنما هو لمحبة غرضه منه فحمله محبة غرضه على أن بذل فيه نفسه وماله وليست محبته لذلك المحبوب لذاته بل لغرضه منه وهذا المحبوب له مثل ولمحبته مثل وأما محبة الله ليس لها مثل ولا للمحبوب مثل ولهذا حكم الصحابة ﵃ رسول الله ﷺ في أنفسهم وأموالهم فقالوا هذه أموالنا بين يديك فاحكم فيها بما
стр. 274
شئت وهذه نفوسنا بين يديك لو استعرضت بنا البحر لخضناه نقاتل بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك قال قيس بن صرمة الأنصاري
ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى حبيبا مؤاتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا
فلما أتانا واستقرت به النوى ... وأصبح مسرورا بطيبة راضيا
بذلنا له الأموال من حل مالنا ... وأنفسنا عند الوغى والتآسيا
نعادي الذي عادى من الناس كلهم ... جميعا وإن كان الحبيب المصافيا
ونعلم أن الله لا رب غيره ... وأن رسول الله أصبح هاديا
فالمحب وصفه الإيثار والمدعي طبعه الاستئثار
فصل ومنها سروره بما يسر به محبوبه كائنا ما كان وإن كرهته نفسه فيكون عنده بمنزلة الدواء الكريه يكرهه طبعا ويحبه لما فيه من الشفاء وهكذا المحب مع محبوبه يسره ما يرضى به محبوبه وإن كان كريها لنفسه وأما من كان واقفا مع ما تشتهيه نفسه من مراضي محبوبه فليست محبته صادقة
стр. 275
بل هي محبة معلولة حتى يسر بما ساءه وسره من مراضي محبوبه وإذا كان هذا موجودا في محبة الخلق بعضهم لبعض فالحبيب لذاته أولى بذلك قال أبو الشيص
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم
وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا ... ما من يهون عليك ممن يكرم
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم
وقريب من هذا البيت الأخير قول الآخر
لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك
وقال الآخر
صدودك عني إن صددت يسرني ... ولم أر قبلي عاشقا سر بالصد
سررت به أني تيقنت أنما ... دعاك إليه رغبة منك في ودي
ولو كنت فيه تزهدين لساءه ... ولكنما عتب المحب من الوجد
فيا فرحة لي إذ رأيتك تعتبي ... علي لذنب كان مني على عمد
وقال الآخر
أهوى هواها وطول البعد يعجبها ... فالبعد قد صار لي في حبها أربا
فمن رأى والها قبلي أخا كلف ... ينأى إذا حبه من أرضه قربا
стр. 276
وقريب من هذا قول أحمد بن الحسين
يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم
إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم
واهتدم بعضهم هذا فقال
يا من يعز علينا أن نلم بهم ... إذ بعدنا عنهم قد صار قصدهم
إن كان يرضيكم هذا البعاد فما ... فيه لصبكم جرح ولا ألم
ولعمر الله أكثر هذه دعاوى لا حقيقة لها والصادق منهم يخبر عن علمه وإرادته لا عن حاله وصفته ولقد أحسن القائل
رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم ... وخاضوا بحار الحب دعوى وما ابتلوا
فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم ... وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا
وإن كان هذا هو وصف قائلها بعينه وحاله فإنه خاض بحار الحب وما ابتل فيه له قدم وأخبر عن نفسه عند انكشاف غطائه وطلب الرسل له لقدومه على ربه فقال وصدق
إن كان منزلتي في الحب عندكم ... ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي
أمنية ظفرت نفسي بها زمنا ... فاليوم أحسبها أضغاث أحلام
стр. 277
وهذه حال كل من أحب مع الله شيئا سواه فإنه إلى هذه الغاية يصير ولا بد وسيبدو له إذا انكشف الغطاء أنه إنما كان مغرورا مخدوعا بأمنية ظفرت نفسه بها مدة حياته ثم انقطعت وأعقبت الحسرة والندامة قال الله تعالى إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأمنهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار فالأسباب التي تقطعت بهم هي الوصل والعلائق والمودات التي كانت لغير الله وفي غير ذات الله وهي التي يقدم إليها سبحانه فيجعلها هباء منثورا فكل محبة لغيره فهي عذاب على صاحبها وحسرة عليه إلا محبته ومحبة ما يدعو إلى محبته ويعين على طاعته ومرضاته فهذه هي التي تبقى في القلب يوم تبلى السرائر كما قال
سيبقى لكم في مضمر القلب والحشا ... سريرة حب يوم تبلى السرائر
وقال آخر
إذا تصدع شمل الوصل بينهم ... فلمحبين شمل غير منصدع
وإن تقطع حبل الوصل يومئذ ... فللمحبين حبل غير منقطع
فصل ومنها حب الوحدة والأنس بالخلوة والتفرد عن الناس وكأن المحبة قد ثبتت على ذلك فلا شيء أحلى للمحب الصادق من خلوته وتفرده فإنه إن ظفر بمحبوبه أحب خلوته به وكره من يدخل بينهما غاية الكراهة
стр. 278
ولهذا السر والله أعلم أمر النبي ﷺ برد المار بين يدي المصلي حتى أمر بقتاله وأخبر أنه لو يدري ما عليه من الإثم لكان وقوفه أربعين خيرا له من مروره بين يديه ولا يجد ألم المرور وشدته إلا قلب حاضر بين يدي محبوبه مقبل وقد ارتفعت الأغيار بينه وبينه فمرور المار بينه وبين ربه بمنزلة دخول البغيض بين المحب ومحبوبه وهذا أمر الحاكم فيه الذوق فلا ينكره إلا من لم يذق
وقال ابن مسعود ﵁ مرور المار بين يدي المصلي يذهب نصف أجره ذكره الإمام أحمد وأيضا فإن المحب يستأنس بذكر محبوبه وكونه في قلبه لا يفارقه فهو أنيسه وجليسه لا يستأنس بسواه فهو مستوحش ممن يشغله عنه وحدثني تقي الدين بن شقير قال خرج شيخ الإسلام ابن تيمية يوما فخرجت خلفه فلما انتهى إلى الصحراء وانفرد عن الناس بحيث لا يراه أحد سمعته يتمثل بقول الشاع
وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك القلب بالسر خاليا
فخلوة المحب لمحبوبه هي غاية أمتيته فإن ظفر بها وإلا خلا به في سره وأوحشه ذلك من الأغيار وكان قيس بن الملوح إذا رأى إنسانا هرب منه فإذا أراد أن يدنو منه ويحادثه ذكر له ليلى وحديثها فيأنس به ويسكن إليه وينبغي للمحب أن يكون كما قال يوسف لإخوته وقد طلب منهم أخاهم ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾
إذا لم تكن فيكن سعدى فلا أرى ... لكن وجوها أو أغيب في لحدي
стр. 279
فصل ومنها استكانة المحب لمحبوبه وخضوعه وذله له والحب مبني على الذل ولا يأنف العزيز الذي لا يذل لشيء من ذله لمحبوبه ولا يعده نقصا ولا عيبا بل كثير منهم يعد ذله عزا كما قال
إذا كنت تهوى من تحب ولم تكن ... ذليلا فه فاقرأ السلام على الوصل
تذلل لمن تهوى لتكسب عزة ... فكم عزة قد نالها المرء بالذل
وقال الآخر
إخضع وذل لمن تحب فليس في ... شرع الهوى أنف يشال ويعقد
وقال الآخر
ويعجبني ذلي لديك ولم يكن ... ليعجبني لولا محبتك الذل
وقال آخر
يلذ له ذل الهوى وخضوعه ... ولولا الهوى ما لذ للعاقل الذل
وقال الآخر
مساكين أهل الحب حتى قبورهم ... عليها تراب الذل دون المقابر
ومتى استحكم الذل والحب صار عبودية فيصير القلب المحب معبدا لمحبوبه وهذه الرتبة لا يليق أن تتعلق بمخلوق ولا تصلح إلا لله وحده
стр. 280
فصل ومنها امتداد النفس وتردد الأنفاس وتصاعدها وهذا نوعان
أحدهما ما يقارنه حزن ولهف كما قال القائل
رب ليل أمد من نفس العا ... شق طولا قطعته بانتحاب
وقال آخر
تردد أنفاس المحب يدلنا ... على كنه ما أخفاه من ألم الحب
إذا خطرات الحب خامرن قلبه ... تنفس حتى ظل متصدع القلب
والثاني ما يكون سببه طربا ولذة وسبب وجود النوعين انحصار القلب وانفراجه بسبب الوارد الذي ورد عليه فأحدث للنفس الذي تروحه عليه الرئة كيفية مؤذية وطلب إخراجها فهو تنفس الصعداء وأما تنفس الراحة فإن القلب ينبسط بعد انقباضه فيدفع الهواء المحيط به فيطلب الخروج
فصل ومنها هجره كل سبب يقصيه من محبوبه ويبغضه المحبوب وارتياحه لكل سبب يدنيه منه ويستحمد به عنده إذا بلغه عنه وفي الباب عجائب للمحبين فكثير منهم هجر طعاما أو لباسا أو أرضا أو صناعة أو حالة من الحالات كان محبوبه يمقتها فلم يعد إليها أبدا ولم تطاوعه نفسه بفعله البتة وكثير منهم حمله الحب على اكتساب المعالي والفضائل وغيرها مما يعلم أن المحبوب يعظمه ويحبه وهذا نوعان أيضا
стр. 281
أحدهما أن يكون المحبوب مؤثرا لذلك محبا له فالمحب يبذل جهده فيه لينال منه أعلاه إن أمكنه فإن كان المحبوب مشغوفا بجمع المال أثر ذلك في محبه شغفا أشد من شغفه وإن كان مشغوفا بالعلم اجتهد المحب في طلبه أشد من من اجتهاده وإن كان مشغوفا بحرفة أو صناعة حرص المحب علىتعلمها إن وجد إلى ذلك سبيلا وإن كان مشغوفا بالنوادر والحكايات الحسان والأخبار المستحسنة بالغ المحب في تحفظها فالمحبة النافعة أن تقع على عشق كامل يحملك عشقه على طلب الكمال والبلية كل البلية أن تبتلى بمحبة فارغ بطال صفر من كل خير فيحملك حبه على التشبه به
والثاني أن يكون المحبوب فارغا من محبة ذلك وإيثاره ولكن المحبة تستخرج من قلب المحب عزما وإرادة وحرصا على ما يعظم به في عين المحبوب وقلبه فتجده من أحرص الناس على ذلك بحسب استعداده كما قيل
ويرتاح للمعروف في طلب العلى ... لتحمد يوما عند ليلى شمائله
وهذا قد يكون له سبب آخر وهو معاداة الناس له وتنقصهم إياه وازدراؤهم به فيحمله الانتخاء لنفسه والغيرة لها ومحبتها على المنافسة في المعالي واكتساب الحمد وهذا من شرف النفس وعزتها كما قيل
من كان يشكر للصديق فإنني ... أحبو بصالح شكري الأعداء
هم صيروا طلب المعالي ديدني ... حتى وطئت بنعلي الجوزاء
ولربما انتفع الفتى بعدوه ... والسم أحيانا يكون شفاء
وقال الآخر
عداي لهم فضل علي ومنة ... فلا أعدم الرحمن عني الأعاديا
стр. 282
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
فصل ومنها الاتفاق الواقع بين المحب ومحبوبه ولا سيما إذا كانت المحبة محبة مشاكلة ومناسبة فكثيرا ما يمرض المحب بمرض محبوبه ويتحرك بحركته ولا يشعر أحدهما بالآخر ويتكلم المحبوب بكلام فيتكلم المحب به بعينه اتفاقا فانظر إلى قول النبي ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁ يوم الحديبية لما قال له ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال بلى قال فعلام نعطي الدنية في ديننا فقال: "إني رسول الله ﷺ وهو ناصري ولست أعصيه" فقال: ألم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت فنطوف به فقال: "قلت لك إنك تأتيه العام" قال: لا قال: " فإنك آتيه ومطوف به" ثم جاء أبا بكر الصديق ﵁ فقال: له يا أبا بكر ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال بلى قال فعلام نعطي الدنية في ديتنا ونرجع ولما يحكم الله بيننا فقال له: إنه رسول الله ﷺ وهو ناصره وليس يعصيه قال ألم يكن يحدثنا أنا نأتي البيت فنطوف به قال أقال لك إنك تأتيه العام قال: لا قال: فإنك آتيه ومعطوف به فأجاب على جواب رسول الله ﷺ حرفا بحرف من غير تواطؤ ولا تشاعر بل موافقة محب لمحبوب هكذا وقع في صحيح البخاري ووقع في بعض المغازي أنه أتى أبا بكر أولا فقال له ذلك ثم أتى رسول الله ﷺ بعده فقال له مثل ما قال أبو بكر
قال: السهيلي وهذا هو الأولى ويشبه أن يكون المحفوظ فإنه لا يظن بعمر ﵁ أن رسول الله ﷺ يقول له قولا فلا يرضى به
стр. 283
الذي حكم الله له به ورضي به وأقر به ودخل تحته طوعا وانقيادا وهو الفتح الذي فتح الله له أثابه الله عليه بأربعة أشياء مغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر وإتمام نعمته عليه وهدايته صراطا مستقيما ونصر الله له نصرا عزيزا وبهذا يقع جواب السؤال الذي أورده بعضهم هاهنا فقال كيف يكون حكم الله له بذلك علة لهذه الأمور الأربعة إذ يقول الله تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ الآية وجوابه ما ذكرنا أن تسليمه لهذا الحكم والرضا به والانقياد له والدخول تحته أوجب له أن آتاه الله ذلك والمقصود إنما هو ذكر الاتفاق بين المحب والمحبوب وهذا الذي جرى للصديق ﵁ من أحسن الموافقة ومن هذا موافقة عمر بن الخطاب ﵁ لربه تعالى في عدة أمور قالها فنزل بها الوحي كما قال وتقوى هذه الموافقة حتى يعلم المحب بكثير من أحوال محبوبه وهو غائب عنه وهذا بحسب تعلق الهمة به وتوجه القلب إليه واتحاد مراده بمراده وربما اقتضى ذلك اتفاقهما في المرض والصحة والفرح والحزن والخلق فإن كان مع ذلك بينهما تشابه في الخلق الظاهر فهو الغاية في الاتفاق ولنقتصر من العلامات على هذا القدر وبالله التوفيق
стр. 284
الباب الحادي والعشرون: في اقتضاء المحبة إفراد الحبيب بالحب وعدم التشريك بينه وبين غيره فيه
هذا من موجبات المحبة الصاقة وأحكامها فإن قوى الحب متى انصرفت إلى جهة لم يبق فيها متسع لغيرها ومن أمثال الناس ليس في القلب حبان ولا في السماء ربان ومتى تقسمت قوى الحب بين عدة محال ضعفت لا محالة وتأمل قوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ كيف أمره بتقواه المتضمنة لإفراده بامتثال أمره ونهيه محبة له وخشية ورجاء فإن التقوى لا تتم إلا بذلك واتباع ما أوحي إليه المتضمن لتركه ما سوى ذلك واتباع المنزل خاصة وبالتوكل عليه وهو يتضمن اعتماد القلب عليه وحده وثقته به وسكونه إليه دون غيره ثم أتبع ذلك بقوله ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ فأنت تجد تحت هذا اللفظ أن القلب ليس له إلا وجهة واحدة إذا مال بها إلى جهة لم يمل إلى غيرها وليس للعبد قلبان يطيع الله ويتبع أمره ويتوكل عليه بأحدهما والآخر لغيره بل ليس إلا قلب واحد فإن لم يفرد بالتوكل والمحبة والتقوى ربه وإلا انصرف ذلك إلى غيره ثم استطرد من ذلك إلى أنه سبحانه لم يجعل زوجة الرجل أمه واستطرد منه إلى
стр. 285
أنه لم يجعل دعيه ابنه فانظر ما أحسن هذا التأصيل وهذا الاستطراد الذي تسجد له العقول والألباب وله نظائر في القرآن عديدة فمنها قوله هو الذي خلقكم من نفس واحدةوجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين ﴿فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون﴾ فالنفس الواحدة وزوجها آدم وحواء واللذان جعلا له شركاء فيما آتاهما المشركون من أولادهما ولا يلتفت إلى غير ذلك مما قيل إن آدم وحواء كانا لا يعيش لهما ولد فأتاهما إبليس فقال إن أحببتما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث ففعلا فإن الله سبحانه اجتباه وهداه فلم يكن ليشرك به بعد ذلك ونظير هذا الاستطراد قوله ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ثم قال ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ فإنهم كانوا يفعلون ذلك في الإحرام فلما ذكر لهم وقت الإحرام الذي هو من فوائد الأهلة استطرد منه إلى ذكر ما يفعلونه فيه وهو كثير جدا
والمقصود أن المحبة تستلزم توحيد المحبوب فيها وقد بالغ أبو محمد بن حزم في إنكاره على من يزعم أنه يعشق أكثر من واحد وقال في ذلك شعرا ونحن نذكر كلامه وشعره قال بعد كلام طويل ومن هذا دخل الغلط على من يزعم أنه يحب اثنين ويعشق شخصين متغيارين وإنما هذا من جهة الشهوة التي ذكرنا آنفا وهي على المجاز تسمى محبة لا على التحقيق وأما نفس المحب
следующие страницы →