مثل: Lemon، Muslin، Saffron، Sherbet، Syrup، Sugar، Camphor، Candy، Coffee، Cotton، Crimson، Cumin، Damask وهي على الترتيب: الليمون، الموصلي (نسيج خاص ينسب إلى الموصل)، الزعفران، الشراب، السكر، الكافور، القنوة (عسل القصب المجمد)، القهوة، القطن، القرمزي، الكمون، الدمشقي (نسيج). (١)
(١ - ٤) تغير أشكال الحياة
من أسباب التغير اللغوي تغير أشكال الحياة ومعالم الثقافة ووسائط الاتصال، وبزوغ مفاهيم جديدة تتطلب مصطلحات جديدة. من ذلك أن كثيرًا من الألفاظ العربية قد تجردت من معانيها العامة القديمة وأصبحت تدل على معانٍ خاصة تتصل بالعبادات والشعائر، أو شئون السياسة والإدارة والحرب، أو مصطلحات الفلسفة والكلام والفقه، أو مصطلحات النحو والصرف والعروض … إلخ، من ذلك: الصلاة، الصوم، الزكاة، الحج؛ الخليفة، الإمام، أمير المؤمنين، الوالي، القاضي، الكاتب، المشير، الشرطة؛ الوظيفة، القطائع؛ الجريدة، الصائفة، الشاتية، المرتزقة، المتطوعة، الشحنة، الثغور، العمارة، دار الصنعة، ديوان الجند؛ ديوان الرسائل، ديوان الخاتم، السرير، السكة، الطراز، المقصورة؛ التعجب، التوكيد؛ الحد، التعزير، الشبهة، القياس؛ التعريف، القضية، السالبة، الموجبة، المقدمة، النتيجة؛ الصرع، الاستسقاء، الذبحة، الربو، الأمزجة؛ المثلث، المربع، الدائرة؛ الكون، الحدوث، القِدَم، الوجود، العرض، الجوهر … ومن آثار الإسلام كذلك قضاؤه على كثير من الألفاظ العربية الجاهلية التي تدل على نظم حرمها الإسلام كأسماء الأنصبة التي كانت لرئيس الحرب في الجاهلية (المرباع والصفايا والنشيط والفضول)، وكألفاظ الإتاوة والمكس والحلوان والصرورة والنوافج. وقضى الإسلام كذلك على أسماء الأيام والأشهر في الجاهلية لاتصال بعضها في أذهان العرب بشئونٍ وثنية أو نظمٍ جاهلية واستبدل بها أسماءها الحالية. (٢)
стр. 107
(١ - ٥) تأثير الكتاب والمترجمين والمجامع العلمية
للكتاب والأدباء والمترجمين أثرٌ كبير في نهضة اللغة وتهذيبها واتساع نطاقها وزيادة ثروتها. والأمثلة على ذلك كثيرة في تاريخ الأمم، فأكبر الفضل في نهضة العربية في العصر العباسي يعود إلى العلماء والأدباء والمترجمين عن اليونانية والفارسية؛ لقد اقتبسوا مفردات أجنبية وطوَّعوها لمقتضيات العربية؛ فاتسع متن اللغة وازدادت مرونةً وقدرة على التعبير عن العلوم والآداب، كذلك الأمر في عصر النهضة الحديثة في مصر والشام؛ إذ أفاد الكتاب والأدباء والعلماء من أساليب اللغات الأوروبية وتأثروا بها، وترجموا وعرَّبوا الكثير من مصطلحات الأدب والعلم، ونقلوا الكثير من مذاهب الفن والأدب والفكر، وكان للأدباء والشعراء والعلماء فضلٌ كبير في إحياء الكثير من المفردات القديمة والمهجورة، فكثيرًا ما يلجأ المبدعون إلى بعث الألفاظ المنسية للتعبير عن معانٍ لا يجدون لها مفردات راهنة تعبر عنها تعبيرًا دقيقًا، أو يلجئون لذلك ترفعًا عن المفردات المبتذلة التي لاكتها الألسنة. وبكثرة الاستعمال تُبعث هذه المفردات خلقًا جديدًا ويزول ما فيها من غرابة وتندمج في المتداول المألوف. من ذلك أن البارودي وشوقي بعثا مئات الألفاظ من مرقدها فصارت مألوفةً واتسع بها متن اللغة وزادت قدرتها على التعبير، وكذلك فعل غيرهما من الشعراء والناثرين فردُّوا إلى العربية شطرًا كبيرًا من ثروتها المفقودة، وكشفوا عن عدة نواحٍ من كنوزها المدفونة في أجداث المعجمات. (١) إن حاجة المبدع، كاتبًا أو شاعرًا، إلى توضيح الدلالة أو تقوية أثرها في الذهن تحمله على ابتكار تعبيراتٍ جديدة سرعان ما تجد طريقها إلى متن اللغة، كذلك تقوم المجامع اللغوية والهيئات العلمية بالابتداع اللغوي حين تحتاج إلى استخدام لفظ ما للتعبير عن فكرةٍ أو مفهوم معين، وبهذا تعطي الكلمة معنًى جديدًا يبدأ أول الأمر اصطلاحيًّا، ثم قد يخرج إلى دائرة المجتمع فيغزو اللغة المشتركة كذلك، ومثال ذلك كلمة Root (جذر) التي يختلف معناها بحسب مهنة المتكلم أهو مزارع أم عالم رياضيات أم لغوي. (٢)
стр. 108
(١ - ٦) عوامل داخلية في ذات اللغة
إن بنية اللغة ذاتها، متنها وأصواتها وعناصر كلماتها ودلالاتها وقواعدها، تنطوي على خصائص تعمل هي نفسها في صورةٍ آلية على التطور اللغوي وعلى توجيهه وجهةً خاصة، إنه الطابع «الكموني» أو «المُحايث» Immanent لل «بنية» Structure الذي ألحَّ عليه البنيويون واضطلع جيل دولوز بتبيانه: إن كل ما يطرأ على «البنية» من أحداث أو عوارض لا يقع لها «من الخارج»، وإنما ينبع مما تنطوي عليه البنية ذاتها من ميولٍ كامنة واتجاهات باطنة تكون هي المسئولة عن كل ما يعرض لها من تغيرات. (١)
من عوامل تطور أصوات اللغة تفاعل أصوات الكلمة بعضها مع بعض، وموقع الصوت من الكلمة، وتناوب الأصوات وحلول بعضها محل بعض، فالأصوات الساكنة تتفاعل فيما بينها، فيتجاذب المختلف ويتنافر الشبيه (مثلما تسلك الشحنات الكهربية!) فإذا تجاور في الكلمة صوتان مختلفان أو تقاربا في المكان فقد يتحول أحدهما إلى صوت الثاني، مثل كلمة «شمس» التي تحولت في بعض اللهجات العامية إلى «سمس» (بل تحولت في بعض لهجات الصعيد إلى «شمش»)، وفقًا لقانون «المماثلة» أو «التشاكل» Assimilation. وإذا تجاور صوتان متماثلان أو تقاربا في المكان فقد يميل اللسان إلى ضروب من التغيير الذي يرمي إلى الفرار من الثقل، ذلك أن اللسان يتعثر إذا اضطر إلى نطق حروف متشابهة تتكرر وتتتابع، فالصوتان المتماثلان يحتاجان إلى جهد عضلي في النطق بهما في كلمة واحدة، ولتيسير هذا المجهود العضلي يقلب أحد الصوتين صوتًا آخر أو يحذفه، وفقًا لقانون «المخالفة» Dissimilation، وقد فطن قدماء اللغويين لهذه الظاهرة وكانوا يعبرون عنها أحيانًا ب «كراهية التضعيف»، أو «كراهية اجتماع حرفين من جنس واحد» أو «استثقلوا اجتماع المثلين» … إلخ. (٢)
وقد وُجد أن موقع الصوت في الكلمة يعرضه لصنوفٍ من التطور والانحراف: فوقوع أصوات اللين في آخر الكلمة يجعلها في الغالب عرضة للسقوط، ويؤدي أحيانًا إلى تحولها إلى أصواتٍ أخرى، من ذلك ما لحق بالحركات (الفتحة والكسرة والضمة)
стр. 109
في أواخر الكلمات، وهي أصوات لين قصيرة، فقد سقطت في جميع اللهجات العامية، وبذلك سقطت أيضًا وظيفتها في الجملة وانقلب النظام اللغوي من نظام المرونة الإعرابية إلى نظام الترتيب المقيد، كما أشرنا إلى ذلك في موضعه، كذلك تضاءلت أصوات اللين الطويلة الواقعة في آخر الكلمات (فتحولت «رمى» مثلًا إلى «رمَ»، و «ضربوا» إلى «ضربُ»، و «مصطفى» إلى «مصطفَ» … إلخ)، كذلك فإن معظم أصوات اللين المتطرفة في اللاتينية قد انقرضت في اللغات المنشعبة عنها. ووقوع الصوت الساكن في آخر الكلمة يجعله كذلك عرضة للتحول أو السقوط، من ذلك ما حدث في العربية بصدد التنوين ونون الأفعال الخمسة والهمزة والهاء المتطرفتين (محمدٌ ولدٌ مطيعٌ، الأولاد يعلبون، الهواء شديدٌ، انتظرته ساعةً كاملةً - تحولت إلى: محمدْ ولدْ مطيعْ، الأولادْ بيلعبُ، الهَوَ شْدِيدْ، انتظرت ساعَ كَمْلَ)، (١) وفي اللاتينية انقرضت معظم الأصوات الساكنة من أواخر الكلمات في اللغات الرومانية المنبثقة عنها. والحق أن سقوط الأصوات اللينة والساكنة من أواخر الكلمات في جميع الألسنة قد أحدث انقلابًا كبيرًا في عالم اللغات: فقد كان من آثاره انقراض «طريقة الإعراب» في كثير من اللغات التي كانت تسير عليها كالعربية واللاتينية وما إليهما، (٢) ويرفض جاسبرين اعتبار سقوط الإعراب في اللغات المتفرعة عن اللاتينية كمظهر انحطاطٍ لغوي، ويرى في هذه الظاهرة تطورًا باتجاه التبسيط بصورةٍ عامة، وباتجاه ملاءمة اللغة لظروف التعبير. (٣)
ووقوع الصوت في وسط الكلمة يعرضه كذلك لصنوف من التغير والانحراف. فمن ذلك ما حدث بصدد الهمزة الساكنة الواقعة وسط الثلاثي، فقد تحولت إلى ألف لينة في العامية (فيقال: فاس، راس، فال … بدلًا من فأس، رأس، فأل … إلخ)، كذلك الياء والواو الساكنتان في وسط الكلمة تحولتا إلى صوتَيْ لين (عَيْن تحولت إلى عِيْن، يَوْم إلى يُوم … وهكذا). (٤)
стр. 110
ووقوع الصوت في أول الكلمة يجعله كذلك عرضة للانحراف، فمن ذلك ما حدث في بعض المفردات العربية المفتتحة بالهمزة، إذ تحولت همزتها في بعض اللهجات العامة إلى فاء أو واو («أُذن» تحولت في العامة إلى «ودن»، و «أين» إلى «فين» … )، وقد تتبادل الأصوات مواقعها في الكلمة ويحل بعضها محل بعض (النقل المكاني)، مثلما تتحول «أرانب» في العامية المصرية إلى «أنارب» وتتحول «مسرح» إلى «مرسح» … إلخ، وقد تتناوب أصوات اللين (القصيرة كما تتمثل في تناوب الحركات وانحراف أوزان الكلمات في العامية فتتحول «يَعوم» إلى «يِعوم» و «يَضرِب» إلى «يِضرب» و «مُحمد» إلى «مَحمد» … إلخ، والطويلة كما تتمثل في الإمالة في بعض اللهجات … إلخ)، كما تتناسخ الأصوات الساكنة فتتحول الصاد إلى سين («مصير» إلى «مسير»، و «يصدق» إلى «يسدق» … إلخ) واللام إلى ميم («البارحة» إلى «إمبارح») والميم إلى نون («فاطمة» إلى «فاطنة»، وهلم جرًّا). (١)
ضروب التغير الدلالي
من الأمثلة النموذجية على التطور الدلالي ما حدث لكلمة «السيد»: فقد كانت هذه اللفظة في البداية هي متضايف Correlative كلمة «عبد»: فالسيد هو من له عبد، أو هو مقابل العبد، ثم تطور استعمال كلمة «السيد» لتدل على صاحب النفوذ والسلطان، ثم استخدمت في الغزل: على سبيل المثال يقول البحتري:
سيدي أنت ما تعرضتُ ظلمًا … لأُجازَى به ولا خنتُ عهدا
ثم أصبحت كلمة «سيد» تعني «الهاشمي»، وهي عند الإخوة الشيعة لقب للمرجع الشيعي العلمي، وفي العصر الحديث، وبعد تقليص الفوارق بين الطبقات وإلغاء الألقاب أصبح الناس جميعًا يلقبون ب «السيد»، وصارت الكلمة لقبًا يسبق الأسماء جميعًا على سبيل الاحترام والتأدب، وقد استجدَّت في الفترة الأخيرة كراهة معينة لاستعمال هذه الكلمة في بعض الأوساط العربية المتحفظة.
стр. 111
(أ) توسيع المعنى (التعميم) Widening/ Extension
وذلك نتيجة إسقاط بعض الملامح التمييزية للفظ، فيتسع «مفهومه» Intension وتزداد «ماصدقاته» Extension، أي أن معنى الكلمة يتسع ويمتد لتشمل ما لم تكن تشمله في الماضي. أمثلة ذلك:
كلمة Salary التي تعني الراتب، وهي كلمة من أصل لاتيني كانت تعني في بدايتها القديمة حصة الجندي من الملح، ثم صارت بمرور الزمن تعني مرتب الجنود، وانتهت في زمننا الحديث إلى أن تعني أي مرتب لأي عمل.
كلمة Picture كانت تطلق على اللوحة المرسومة، واتسع معناها الآن ليشمل أي صورة بما فيها الصورة الفوتوغرافية.
كلمة Virtue (الفضيلة) كانت في اللاتينية صفة ذكورية، فاتسع معناها لتشمل كلا الجنسين.
كلمة Barn كانت تعني «مخزن الشعير»، ثم صارت تعني مخزن أي نوع من الحبوب، وربما على أي مخزن لأي شيء.
كلمة Manuscript (حرفيًّا أي مخطوط باليد) تتسع الآن لأي مخطوط مكتوب باليد أو مطبوع بالآلة الكاتبة.
كلمة Dog كانت قديمًا تعني سلالة معينة من الكلاب، وصارت الآن تشمل جميع السلالات.
كلمة Girl كانت تعني طفلة صغيرة، وقد اتسع معناها ليشمل أيضًا أي امرأة من أي عمر.
كلمة Arriver الفرنسية كانت تدل في الأصل، كما تشير بنيتها، على الوصول إلى الشاطئ، ثم صارت تستعمل في كل وصول.
القافلة: في الأصل هي الرفقة الراجعة من السفر، يقال «قفلت» أي رجعت فهي قافلة، وقفل الجند من مبعثهم، ولا يقال لمن خرج من مكة إلى العراق قافلة حتى يصدروا (أدب الكاتب). ويقول ابن الأنباري: «القافلة عند العرب الرفقة الراجعة من السفر، والعامة تظن أن القافلة في السفر ذاهبة كانت أو راجعة»،
стр. 112
ويقول ابن الجوزي: «وتقول للرفقة الراجعة من السفر قافلة والعامة تقول لمن ابتدأ أو عاد»، ويقول البغدادي: «القافلة هي الراجعة، فأما الذاهبة فالسفر، ولا يقال قافلة إلا بطريق التفاؤل»، ويقول الجواليقي: «سميت قافلة تفاؤلًا بقفولها عن سفرها الذي ابتدأته، وما زالت العرب تسمي الناهضين في ابتداء الأسفار قافلة تفاؤلًا بأن ييسر الله لهم القفول وهو شائع في كلام فصحائهم» (اللسان، مادة قفل). وبذلك يكون الجواليقي مخالفًا لما أقره العلماء، غير أن رأيه صحيح على سبيل المجاز، وعلى سنة العرب في كلامها. وقد سارت اللغة في السبيل التي ارتآها، وكلنا يستعمل لفظة «القافلة» الآن لرفقة السفر ذاهبة كانت أو راجعة. (١)
الوِرد: في الأصل إتيان الماء، ثم اتسع معناها ليشمل كل شيء.
الوَرد: تطلق على ذلك الصنف المعروف من الأزهار، وقد اتسع معناها وصارت تطلق أيضًا على كل زهر.
حمة: هي في الأصل سم العقرب وضرها، وقد صارت تستعمل لشوكتها وسمها وضرها معًا.
العربة: كانت مقصورة على العربة التي تدفع باليد أو تجرها الدواب، وصارت تشمل كل السيارات الآلية.
اللبن: كان يخص لبن الناقة والشاة وغيرهما من الدواب، (أما الذي ترضعه الأم ابنها فهو لِبان)، وقد تطور معنى اللبن ليشمل الناقة والشاة والمرأة المرضع التي كان يختص بها اللبان.
النجعة: أصلها طلب الغيث، ثم صار كل طلب انتجاعًا.
الرائد: في الأصل طالب الكلأ، ثم صار طالب كل حاجة رائدًا.
البأس: في الأصل الحرب، ثم كثر استخدامه في كل شدة.
стр. 113
(ب) التضييق (التخصيص) Narrowing
وهو تقلص نطاق المعنى واقتصاره على شيء بعينه من بين الأشياء التي كان يشملها في الماضي، وذلك نتيجة إضافة بعض الملامح التمييزية أو المكونات الدلالية للفظ، فكلما زادت المكونات الدلالية لشيء قل عدد أفراده (كلما ضاق المفهوم قل الماصدق). والتضييق هو التغير الدلالي الأغلب في اللغة، يقول السيوطي في «الإتقان»: «ما من عامٍّ إلا ويتخيل فيه التخصيص.» ويقول د. إبراهيم أنيس: «يرجع ذلك إلى أن الناس في حياتهم العادية يكتفون بأقل قدرٍ ممكن من دقة الدلالات وتحديدها، ويقنعون في فهم الدلالات بالقدر التقريبي الذي يحقق هدفهم من الكلام والتخاطب.» (١) ويقول د. علي عبد الواحد وافي: «وكثرة استخدام الكلمة في مدلول ما؛ لحدوث ما يدعو إلى ذلك في شئون الحياة الاجتماعية وما يتصل بها، يجردها - مع تقادم العهد - من مدلولها الأصلي، ويقصرها على الناحية التي كثر فيها استخدامها، فكثرة استخدام العام مثلًا في بعض ما يدل عليه، لسبب اجتماعي ما، يزيل مع تقادم العهد عموم معناه، ويقصر مدلوله على الحالات التي شاع فيها استعماله، ولدينا في اللغة العربية وحدها آلاف من أمثلة هذا النوع، فمن ذلك جميع المفردات التي كانت عامة المدلول ثم شاع استعمالها في الإسلام في معانٍ خاصة تتعلق بالعقائد أو الشعائر أو النظم الدينية: كالصلاة والحج والصوم والمؤمن والكافر والمنافق والركوع والسجود … وهلم جرًّا. فالصلاة مثلًا معناها في الأصل الدعاء (وقد جاء على الأصل قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾)، ثم شاع استعمالها في الإسلام في العبادة المعروفة لاشتمالها على مظهر من مظاهر الدعاء، حتى أصبحت لا تنصرف عن إطلاقها إلى غير هذا المعنى، والحج معناه في الأصل قصد الشيء والاتجاه إليه، ثم شاع استعماله في قصد البيت الحرام، حتى أصبح مدلوله الحقيقي مقصورًا على هذه الشعيرة.» (٢)
стр. 114
من أمثلة التضييق في الدلالة
كلمة Mete في الإنجليزية القديمة كانت تشير إلى الطعام أو الغذاء بصفةٍ عامة، وما زال أثر المعنى العام في كلمة Sweetmeat (مربى أو حلوى)، وقد ضاق معناها الآن ليخص صنفًا واحدًا من الطعام.
كلمة Hound الإنجليزية كانت في الأصل تشير إلى جميع الكلاب، وقد ضاق معناها الآن ليخص نوعًا بعينه منها.
كلمة Pill الإنجليزية تعني «قرص» من أي نوع، وقد صارت في الولايات المتحدة تعني أقراص منع الحمل بخاصة، واحتفظ للمعنى العام لفظ Tablet.
كلمة Poison (سُم) الإنجليزية كانت تعني «الجرعة من أي سائل».
كلمة Corpse الإنجليزية كانت تعني ما يعنيه أصلها اللاتينية Corpus أي «الجسم» البشري أو غير البشري، حيًّا أو ميتًا، وقد ضاق معناها ليخص جثة الإنسان الميت.
كلمة Shtraf الروسية، المأخوذة من الألمانية، كانت تعني «العقوبة» بصفةٍ عامة، ثم ضاق معناها لتدل على «الغرامة المالية» فحسب.
حريم: كانت في الأصل تدل على كل محرم لا يُمس، ثم أصبحت تدل على النساء.
العيش: ضاق معناها لتدل على «الخبز» (في مصر)، وعلى «الأرز» (في بعض البلاد العربية).
فاكهة: كان معناها في الأصل «الثمار كلها»، ثم تخصص معناها ليقتصر على ثمار معينة مثل العنب والموز والبرتقال والتفاح … إلخ.
مأتم: في الأصل تعني اجتماع الناس، نساءً ورجالًا، في الخير والشر، في الفرح والحزن، وقد ضاق معناها لتعني اجتماع النساء للموت، وهي الآن تعني اجتماع الناس في الأحزان.
طَرَب: كانت تعني خفة تعتري المرء في الفرح أو الحزن، يقول النابغة الجعدي: وأراني طرِبًا في إثرهمْ … طربَ الوالهِ أو كالمختبلْ
стр. 115
ويقول المتنبي: لا يملك الطرِبُ المحزون منطقه … ودمعَه وهُما في قبضةِ الطرَبِوالطرب في البيتين يعني الحزن، وقد تطور معنى الطرب وسقط منه ملمح الحزن واستبقي ملمح الفرح، وصارت الكلمة تعني الفرح فحسب، أو اهتزاز النفس للجمال من نغم أو تعبير.
وعد: وكانت تستعمل في الخير والشر أيضًا (﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (الحج: ٧٢))، وقد صارت الآن تستعمل في الخير فقط، واختصت كلمة «وعيد» بالشر.
حمام: كانت تطلق على ذوات الأطواق وما أشبهها كالفواخت والقَماريِّ واليمام والقَطا، ثم ضاق معناها ليدل على ذلك النوع بعينه من الطيور.
الرَّثُّ: هو الخسيس من كل شيء، ثم قصر مدلولها على الخسيس مما يفرش أو يُلبس.
المُدام: في الأصل كل ما سكن ودام، ثم شاع استعمالها في الخمر لدوامها في الدن، أو لأنه يُغلى عليها حتى تسكن.
(ج) التحول (النقل) Shift
أي انتقال الكلمة من مجموعة من الأحوال إلى أخرى.
كانت كلمتا «ملاحة» Navigation و «ميناء» Port مقصورتين على مجال السفن أو المجال البحري والنهري، وقد انتقل معناهما الآن ليشمل المجال الجوي والبري، ويمكن أن يعد هذا أيضًا ضمن «التوسيع» الدلالي Widening.
كلمة Bead (خرزة) كانت في الإنجليزية القديمة Gebet وتعني التضرع والدعاء، إذ كان الكهنة الكاثوليك يعدون تسبيحاتهم وأدعيتهم على حبات منظومة في خيط، ثم صارت Bead أو Bede في الإنجليزية الوسيطة تدل على المعنيين: دعاء، وحبات عدِّ الأدعية.
стр. 116
شنب: كانت تعني جمال الثغر وصفاء الأسنان، يقول ذو الرمة: لمياءُ في شفتيها حُوَّةٌ لَعَسٌ … وفي اللِّثاثِ وفي أنيابها شَنَبُوصارت الكلمة الآن تعني الشارب عند العامة.
السُّفرة: كانت تعني الطعام الذي يصنع للمسافر، وصارت تعني المائدة وما عليها من الطعام.
طول اليد: كان يكنى به عن السخاء، وصار يكنى به عن الميل إلى السرقة.
التنزُّه: كانت في الأصل تعني «التباعد» عن الأقذار، وأحيانًا عن المياه والريف! وقد تطورت الآن لتعني البعد عن الصخب والفلوات إلى البساتين والخضر.
القطار: هو في الأصل عدد من الإبل على نسقٍ واحد تستخدم في السفر وفي النقل، وقد تغيَّر الآن معناها لتطور وسائل النقل.
(د) الاستعمال المجازي Figurative use
وهو تحول في المعنى قائم على مماثلة أو مشابهة بين الأشياء.
كلمة Crane (كركي) وهو طائر طويل العنق، وتستعمل الآن لتعني الرافعة أيضًا.
كلمة Bureau (مكتب) كانت في الأصل تدل على نوع من نسج الصوف الغليظ، ثم أطلقت على قطعة الأثاث التي تغطى بهذا النسج، ثم على قطعة الأثاث التي تستعمل للكتابة أيًّا كانت، ثم على الغرفة التي تحتوي على هذه القطعة من الأثاث، ثم على الأعمال تعمل في هذه الغرفة، ثم على الأشخاص الذين يقومون بهذه الأعمال، ثم على أية مجموعة من الأشخاص تقوم بإدارة إحدى الإدارات أو الجمعيات. (١)
стр. 117
يقول الأستاذ محمد المبارك: «ينتقل اللفظ من الدلالة الحسية (الحقيقية) إلى الدلالة المعنوية (المجازية) نتيجة كثرة الاستعمال وتأثير مرور الزمن، فاستعماله بالمعنى الجديد في بادئ الأمر عن طريق المجاز، ولكنه بعد كثرة الاستعمال وشيوعه بين الناس تذهب عنه هذه الصفة وتصبح دلالته على مدلوله الجديد حقيقية لا مجازية.» (١) ويقول د. أحمد مختار عمر: «وعادة ما يتم الانتقال المجازي بدون قصد، وبهدف سد فجوةٍ معجمية، ويميز الاستعمال المجازي من الحقيقي للكلمة عنصر النفي الموجود في كل مجازٍ حيٍّ، وذلك كقولنا: رِجْل الكرسي ليست رِجلًا، وعين الإبرة ليست عينًا … وقد يحدث بمرور الوقت أن يشيع الاستعمال المجازي فيصبح للفظ معنيان، وقد يشيع المعنى المجازي على حساب المعنى الحقيقي ويقضي عليه، وميز بعضهم بين الأنواع الثلاثة الآتية للمجاز:
(١) المجاز الحي: الذي يظل في عتبة الوعي، ويثير الغرابة والدهشة عند السامع.
(٢) المجاز الميت، أو الحفري Fossil: وهو النوع الذي يفقد مجازيته ويكتسب الحقيقية من الأُلفة وكثرة التردد.
(٣) المجاز النائم، أو الذاوي Faded: ويحتل مكانًا وسطًا بين النوعين السابقين، والفرق بين المجاز الميت والمجاز النائم هو - جزئيًّا - سؤال عن درجة الوعي اللغوي.» (٢)
أمثلة أخرى
المجد: معناه الأصلي امتلاء بطن الدابة من العلف، ثم كثر استخدامه مجازًا في الامتلاء بالكرم وطيب السمعة وبُعد الصيت، وانقرض معناه الأصلي، وأصبح حقيقة في هذا المعنى المجازي.
الأفَن: هو قلة لبن الناقة، وانتقل إلى نقص العقل.
الوغَى: هو اختلاط الأصوات في الحرب، وانتقل إلى الحرب نفسها.
стр. 118
بنى الرجل على امرأته: عبارة كانت كناية عن دخوله بها؛ لأن الشاب البدوي كان إذا تزوج يبني له ولأهله خباءً جديدًا، وقد فقدت الآن معناها الأصلي لانقراض هذا النظام، وإن كانت لا تزال تستخدم كنايةً عن الزفاف.
الراوية: تعني في الأصل الجمل الذي يحمل قربة الماء، وقد صارت تعني القربة نفسها (مجاز مرسل) لعلاقة المجاورة بين البعير الذي يحمل الماء في آنيته وبين الإناء المحمول.
البريد: في الأصل الدابة التي تحمل عليها الرسائل، ثم تطور مدلولها لتُطلَق على الرسائل المنقولة، وعلى النظم والوسائل المتخذة لهذه الغاية في العصر الحاضر.
الغفر، والغفران: من الستر، وانتقل إلى الصفح عن الذنوب.
ساق الرجل إلى المرأة مهرها: كان هذا التعبير يستخدم قديمًا حينما كان المهر عددًا من الأنعام، ولكن بعد أن تغير العُرف وصار المهر نقودًا أُعطي الفعلُ معنًى أوسع واحتفظ بحيويته. (١)
لسان القوم (أو المتحدث باسم … ): صار يستعمل بمعنى المتكلم عن قومه أو مؤسسته، على سبيل المجاز المرسل (إطلاق اسم الجزء على الكل).
(١ - ٧) الانحطاط الدلالي Deterioration/ pejoration
هو تغيُّر يلحق بمعنى اللفظة فيكسبها دلالةً سلبية، ومن أمثلته:
كلمة Sir و Lady: هي في الأصل ألقاب شرف رفيعة لا تحظى بها إلا الطبقة العليا أو من تمنحه الأمة هذا اللقب تقديرًا لمكانته الاستثنائية (مثل سير كارل بوبر)، غير أنه شاع إطلاقها اليوم على الأشخاص العاديين نتيجة التغيرات الكبيرة الاجتماعية والسياسية التي شهدتها أوروبا في العصر الحديث.
كلمة Constable كانت تعني «كونت الاصطبلات»، وهي شخصية سامية كانت توجد في البلاط الملكي في أوروبا في العصور الوسطى، هذه الكلمة ما تزال
стр. 119
تحتفظ بمكانتها الراقية في مثل: Chief Constable (رئيس الشرطة)، ولكنها فقدت هذه المكانة في Police Constable (كونستابل شرطة). (١)
كلمة Notorious كانت في الأصل تعني «مشهور»، ثم انحدرت دلالتها وصارت تعني «مُشَهَّر» أي مشهور بشيء قبيح.
كلمة Dogmatic في الأصل تعني «ذو اعتقاد راسخ»، وكانت كلمة Dogma تعني عقيدة أو مبدأ هاديًا ومرشدًا، وقد انحدرت دلالتهما واقتصرت على اليقين المتصلب الجازم اللاعقلاني.
كلمة Skeptic تأتي من الكلمة اليونانية القديمة Skeptikos التي تعني «متسائل» أو «مستعلم» Inquiring، أي الشخص الذي يسأل ويلتمس الإجابات ولم يصل بعد إلى اعتقاداتٍ راسخة، ثم تغير معناها وصارت تعني «الشاكَّ» أو «المرتاب».
حاجب: كانت تعني في الدولة الأندلسية «رئيس الوزراء»!
أفندي: تركية كانت تعني في الأصل مركزًا رفيعًا ومنصبًا مرموقًا.
(١ - ٨) «الارتقاء» أو «التحسُّن» الدلالي Melioration/ Amelioration
يقابل الانحطاط الدلالي الارتقاء الدلالي، حيث تكتسب اللفظة دلالةً إيجابيةً أو يزايلها ما كان لها في الأصل من دلالةٍ سلبيةٍ، ومن أمثلتها:
كلمة Marshal الإنجليزية (مشير): كلمة من أصل جرماني معناه السايس أو خادم الإصطبل أو الغلام الذي يتعهد الأفراس (Mares).
كلمة Angel كانت تدل على «الرسول» الذي يشبه «موزع البريد» في أيامنا، ثم رفع الفقهاء هذا اللفظ باستعماله للدلالة على الكائن الوسيط بين العقل الإلهي والعقل الإنساني. (٢)
стр. 120
كلمة Knight التي تعني الآن لقب «فارس» أو «سير»، وكانت تعبر في فروسية القرون الوسطى عن مركزٍ مرموق، وقد انحدرت إلى اللغات الأوروبية من معنًى أصلي هو «ولد خادم». (١)
كلمة Minister (وزير) كانت قديمًا تعني «خادم» (ولا تزال تستعمل كفعل بمعنى يسعف أو يعين أو يقدم خدمة).
كلمة Wicked بمعنى شرير أو خبيث، صارت في السياقات العامية تعني «ذكي» أو «متألق» أو كقولنا في عاميتنا «شاطر».
كلمة Mischievous (مؤذٍ) فقدت كثيرًا من حدتها وصارت تعني «مزعج بظُرف ومرح» أو كقولنا في عاميتنا «شقي».
كلمة Nice (لطيف) تنحدر من كلمة فرنسية قديمة بمعنى «غبي» أو «أحمق».
بيت: في الأصل هو المسكن المصنوع من الشَّعر، ثم صار يعني كل بيت حتى «البيت الأبيض»!
(٢) مغالطة التأثيل (الإتيمولوجيا)
ثمة اعتقاد خاطئٌ يقر في أذهان الكثيرين مفاده أن المعنى الحقيقي لأي كلمة يجب أن يُلتمس في الأصل التاريخي الذي أتت منه الكلمة، أو ما يسمى في اللسانيات ب «الإتيمولوجيا» (التأثيل/ الأصل الاشتقاقي/ دراسة أصل الكلمة وتاريخها) Etymology، (٢) «والتعريف اليوناني لكلمة إتيمولوجيا يوضح هذا المفهوم: فهو تفتح الكلمات الذي من خلاله تبدو معانيها الأصلية جلية.» (٣) ولعل القارئ الآن، بعد عرضنا للتغير اللغوي، قد أصبح محصَّنًا ضد هذا الاعتقاد وما ينطوي عليه من تبسيطٍ مفرط لطبيعة اللغة ومنشئها وقوانينها المسيِّرة.
стр. 121
وتعود تسمية هذه المغالطة (Etymological Fallacy) إلى جون ليونز John Lyons ويعني بها خطأ التأثيليين حين يحاجُّون بأن كلمة ما تعود إلى أصلٍ يوناني أو لاتيني أو عربي … إلخ؛ ولذا فإن معناها ينبغي أن يكون مطابقًا لما كانت عليه في الأصل. ويبدو زيف هذه الحجة في أن الافتراض الضمني بوجود «صلة حقيقية» أو «مناسَبة» في الأصل بين المبنَى والمعنَى - وهو ما تستند إليه هذه الحجة - هو شيء لا يمكن التحقق منه. (١)
وقد سبق أن عرضنا لمنطق التأثيليين في حديثنا عن محاورة كراتيلوس في فصل طبيعة اللغة، وتبينَّا أنهم يعتقدون بوجود علاقة طبيعية (غير اصطلاحية) وضرورية بين الدالِّ والمدلول، وأنهم بالتنقيب في الماضي عن أصل الكلمة والكشف عن معناها الحقيقي إنما يصلون إلى حقيقة من حقائق الطبيعة، أو يميطون اللثام عن «ماهية» الشيء الذي تدل عليه الكلمة!
وشبيه بهذا ما يفعله بعض الباحثين عندما يفسرون المعنى الاصطلاحي لمفهومٍ ما بمعناه اللغوي، مع احتمال ألا يكون المعنى الاصطلاحي مرتبطًا بالمعنى اللغوي ارتباطًا وثيقًا. وقد سبق لابن تيمية وابن قيم الجوزية أن اعترضا على استخدام أنصار المجاز للمنهج التاريخي في التمييز بين الحقيقة والمجاز رغم صعوبة التثبُّت من أصل اللفظ، وعدم وجود ما يفيد تاريخيًّا بسبق أحدهما على الآخر. (٢)
والحق أن التأثيل منهج مستخدم اعتمد عليه الكثير من اللغويين اعتمادًا كبيرًا، وبخاصة في القرن التاسع عشر، حيث أقيم على أُسسٍ أمتن مما كان عليه قبل ذلك، وما زال مستخدَمًا حتى الآن، ويعد فرعًا معتبرًا من اللسانيات التاريخية (الدياكرونية)، وله دعائم منهجية خاصة تتوقف على كمية الشواهد المؤيدة ونوعها، إلا أنه بات واضحًا للتأثيليين في القرن التاسع عشر، وسلم به اللسانيون عامة في الوقت الحاضر، أن معظم كلمات المعجم في أي لغة لا يمكن أن تُعزَى إلى أصولها، وقد انتكس المنهج التاريخي بعد دعوة دي سوسير إلى الفصل بين الدراسات التزامنية (السينكرونية) والدراسات التاريخية (التعاقبية/ الدياكرونية)، وكرَّس مبدأ «اعتباطية العلامة اللغوية» على نحوٍ
стр. 122
نهائي حاسم، ومنح الصدارة للسينكروني على الدياكروني، ولفت الانتباه إلى أهمية الدراسة الوصفية التي تقتصر على النظر إلى «حالات» اللغة، وضرورة استبعاد العامل التاريخي عند دراسة «حالة» من حالات اللغة، فاللغة عند سوسير هي مجرد نسق أو نظام وتؤدي وظيفتها باعتبارها «بنية» لا تنطوي في ذاتها على أي بُعد تاريخي، من ذلك أن تاريخ كلمةٍ ما كثيرًا ما يكون بعيدًا كل البعد عن أن يفيدنا في فهم المعنى الراهن لهذه الكلمة.
وفي كتابه «اللغة» يعرض ليونارد بلومفيلد لمنهج التأثيل، ويكشف لنا بؤس الإتيمولوجيا، ويبين أن منهج الحفر التاريخي في اللغة لا يفضي إلى شيء. يقول بلومفيلد: خذ مثلًا كلمة Blackbird (الشحرور) وتتكون من Black و Bird، وتطلق على نوع من الطير، وهذا النوع من الطير إنما سمي بهذا الاسم بسبب لونه الأسود، وهذه حقًّا تسمية صادقة تصدق على هذه الطيور: فهي طيور، وهي سوداء … وجريًا على هذا المنطق، أكان من الممكن أن يستنتج علماء اليونان أن ثمة صلة باطنة عميقة بين ال Gooseberry (عنب الثعلب) وال Goose (الإوز)؟! … إن التحليل في جميع اللغات لا يسمح بذلك ولا يجود به، ولنا في اليونانية والإنجليزية أمثلة كثيرة من الكلمات التي تستعصي على هذا النوع من التحليل الذي يتصوره التأثيليون: كلمة Early أي مبكرًا، تنتهي بمثل ما تنتهي به كلمة Manly بمعنى رجولي، فاللاحقة ly مضافة إلى Man (رجل)، ولكن إذا جردنا الكلمة الأولى من اللاحقة ly فماذا يتبقى؟ يتبقى Ear (أذن)، فهل تعطي فائدة؟ إنها بقية غامضة لا تفيد … وكذلك كلمةٌ مثل Woman (امرأة): إنها تلتقي مع كلمةٍ مثل Man (رجل)، ولكن ما دور المقطع wo في هذا؟ إن هذا المقطع هو الذي يفصل بين دلالة هذه الكلمة ودلالة الكلمة الأخرى من الناحية الشكلية الصوتية، ولكن ما قيمة هذا المقطع الأول Wo في التحليل الاشتقاقي؟ إنه لا دور له، ولا دلالة له كذلك … وعلى هذا النحو تواجهنا صعوبات في تحليل الكلمات القصيرة أو البسيطة، التي هي أقل من السابقة، فكلمات مثل Man، Boy، Good، Bad، Eat، Run … ، وغيرها كثير، لا يعين فيها التحليل الإتيمولوجي (التأثيلي/ الاشتقاقي) على كشف صلة بين الكلمة وما تشير إليه … ولكن علماء اليونان، ومثلهم تلامذتهم من علماء الرومان كانوا في مثل هذه الحالات يلجئون إلى الحدس والتخمين … إن صيغ الكلام تتغير وإنها قابلة للتغير لأنها غير ثابتة على حين أن المسميات لا تتغير، وكذلك المعاني ثابتة لا تتغير … أي أنه لا توجد علاقة طبيعية ضرورية، أو منطقية عقلية، بين الاسم والمسمى أو بين الدالِّ والمدلول …
стр. 123
وصفوة القول عند بلومفيلد أن التحليل التأثيلي لا يؤدي إلى شيء، وأنه لا طائل من ورائه … وإنما هو دليل على أنه لا توجد علاقة ولا رابطة عقلية ضرورية بين الاسم والمسمى. (١)
وتبلغ المغالطة التأثيلية مداها، وتصبح مسخًا كاريكاتوريًّا، حين تعمل أدواتها التاريخية في المصطلح العلمي أو التكنيكي حيث الطابع الاصطلاحي المطلق للعلامة، وتحاول أن تفهم المصطلح الفني المتخصص بمعناه اللغوي الدارج! وهو ما يمكن أن نطلق عليه «ابتذال المصطلح» Vernacularization. (٢) إن اللفظ اللغوي العادي حين يوضع بين هلالين ويتحول إلى مصطلحٍ علمي فإنه يفارق داره وينسى ماضيه، ويكتسي معنًى جديدًا قد لا يكون له بمعناه اللغوي الدارج أي علاقة؛ وبالتالي فليس يجدي نفعًا تنقيبنا عن أصله وفصله، ولا يقربنا إلى فهم المصطلح في وضعه الجديد. يقول جاستون باشلار في كتابه «المادية والعقلانية»: «إن اللفظ عندما يوضع بين مزدوجتين فهو يبرز وتحتدُّ نغمته، إنه يأخذ فوق اللغة العادية نغمةً علمية. ما إن يوضع لفظٌ من ألفاظ اللغة العادية بين مزدوجتين حتى يكشف عن تغير في منهج معرفة تتعلق بميدان جديد للتجربة، وبإمكاننا أن نذهب حتى القول من وجهة نظر الباحث الإبستمولوجي إن هذا اللفظ علامة على قطيعةٍ وانفصالٍ في المعنى، وإصلاحٍ للمعرفة.» (٣)
стр. 124
وبعدُ، فحين يحاجُّ المرء بأن دعواه صائبة لا لشيءٍ إلا لأن الأصل اللغوي نفسه للكلمة يفيد ذلك - فإنه يقع في ضربٍ من الاستدلال الدائري. وفضلًا عن ذلك فإن افتراض أن الكلمات يجب أن تبقى لصيقةً بمعناها التاريخي الأول هو افتراض ينطوي على إغفالٍ عبثي للطبيعة الاصطلاحية للغة، وتقييد لا مبرر له لنموها وتطورها.
إن اللغة لفي سيرورةٍ دائمةٍ وتحولٍ دائب، وهناك ألف سببٍ يُلحُّ على الألفاظ أن تخرج من جلدها وتكتسي معاني جديدة غير ذات صلة بمعناها القديم. وما دامت اللغة في تغير مستمر فمن الطبيعي أن تواكبها في ذلك علوم اللغة المنوط بها رصد الظاهرة اللغوية وضبط حركتها، وأن يكون نهج العلوم اللغوية توترًا محسوبًا بين «المعيارية» و «الوصفية»: معيارية تصون اللغة من التحلل والانهيار، ووصفية تفتح لها آفاقًا للتطور والارتقاء. (١)
(٢ - ١) قُلْ وقُلْ وقُلْ
يوشك هواة قل ولا تقل أن يغادروا الناس وهي لا تقول ولا تقول.
ماذا يعني أن تقول في اللغة: «هذا خطأ»؟
يعني أنه لا يراعي «مستوًى صوابيًّا» Standard of correctness معينًا كان ينبغي أن يراعيه. يقول جاردنر في كتابه «الكلام واللغة» (١٩٣٣ م): «ومن أجل هذا يجب أن نسأل أنفسنا أولًا: ما هي اللغة؟ ومَن صاحب السلطة في وضع القواعد والأسس والاستعمالات والكلمات التي يجب التزامها وتفرض على الجميع؟ وهذه أسئلة سهلة، ولكن الإجابة عليها عسيرة، فهناك تقدير تقريبي للموضوع من رأيه أنه كما يقف الفرد وراء كلامه ليدافع عنه، فإن «المجتمع اللغوي» يقف أيضًا من وراء اللغة عمومًا» (٢) … وكان السائد في الجيل الماضي اتجاه اللغويين إلى النظرة للغة نظرةً معيارية صرفًا: فمهمة النحو تدريس قواعد صحة الكلام، ووظيفة المعجم ليست إعطاء معاني الكلمات
стр. 125
فقط بل الإشارة أيضًا إلى ما يجب أن تعنيه الكلمات، ولكن الاتجاه الآن يسير ضد هذا الاتجاه المعياري، إذ أصبحت جل المؤلفات اللغوية «تصف» الاستعمال اللغوي في صورتيه الماضية والحاضرة … مع وضع «التغير اللغوي» في الاعتبار؛ «لأن اللغة في أي لحظة من لحظاتها ليست فقط ما هو كائن بالفعل وإنما ما سيكون في المستقبل، فاللغة في حركة دائمة وفي تحول دائم.» (١)
لم يكن قدامى اللغويين العرب يبحثون أسباب التغير، ربما لأنهم عدُّوا التغير خطأً وحثُّوا العامة على اجتنابه، وقصروا جهدهم على تعقب الخطأ ورصده، بغية التحرز منه واجتنابه، في «أدب الكاتب»، على سبيل المثال، أفرد ابن قتيبة بابًا بعنوان «باب معرفة ما يضعه الناس في غير موضعه»، (٢) صفوة القول أن قدامى اللغويين لم يدرسوا التغير لأنهم عدُّوه لحنًا، فدرسوا اللحن!
اللحن
منطقٌ صائبٌ وتلحن أحيا … نًا وأحلى الحديث ما كان لحنا
للَّحْن معانٍ عديدة تدور حول معنًى عامٍّ هو «الميل» وتحول الشيء من هيئته المألوفة إلى أخرى غير مألوفة. من معاني اللحن: الغناء والتطريب، اللهجة الخاصة، الفهم والفطنة، التعريض والإيماء والتورية، الخطأ في اللغة. (٣)
стр. 126
بعد أن اختلط العرب بالأعاجم بدأ اللحن يظهر على ألسنتهم؛ فكانت ردة الفعل الطبيعية من جانب العلماء استهجان هذه الحال والتنادي لوضع حد لها، من هنا نشأت حركة تصحيح لغوية كبيرة تنبه على الأخطار وتشير إلى وجه الصواب، وأثمرت عددًا كبيرًا من الكتب التي عرفت باسم «كتب اللحن»، وقد أشرنا إلى بعضها فيما سبق.
من أسباب ظهور اللحن:
اختلاط الفصحى بغيرها من اللغات.
إقدام الكثير من الرواة على وضع الشعر واختلاقه؛ لإثبات قاعدة نحوية أو صرفية، أو لنصرة مذهبٍ سياسي أو كلامي أو لغوي.
وقوعه من ذوي الشأن كالخلفاء والوزراء والعلماء، والتماسهم من ينقذهم من وهدته.
تنازع النحاة في المسألة الواحدة. ومن شأن ذلك أن يشجع اللاحنين على ما هم فيه ما داموا يجدون من يلتمس الشاهد أيًّا كان ويصوِّب الفاسد ويقوِّي الضعيف.
اغتفار اللحن في مواقف خاصة.
الاضطراب الاجتماعي والسياسي. (١)
يستند المخطئون إلى معايير معينة يمكن تلخيصها فيما يلي:
عدم السماع: أي عدم ورود اللفظة عند العرب الفصحاء في عصر الاحتجاج. ولهذا المعيار عيبان أساسيان: (١) فهو يقصر في كثير من الأحيان أمام حاجة العصر للألفاظ الجديدة، وقد أحسن مجمع اللغة العربية المصري صنعًا عندما حرر السماع من قيود الزمان والمكان، ليشمل ما يُسمع اليوم من طوائف المجتمع كالحدادين والنجارين وغيرهم من أصحاب الحرف والصناعات، وأجاز الاعتداد بالألفاظ المولدة وتسويتها بالألفاظ المأثورة عن القدماء. (٢)(٢) وهو يقتضي من يتخذه أن يكون مطَّلعًا على كل ما ورد عن العرب، وهذا شبه مستحيل، وفيه كثير من المجازفة.
стр. 127
عدم القياس: القياس هو رد الشيء إلى نظيره، وقد روي عن الخليل وسيبويه قولهما «ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم»، وقد أجاز مجمع اللغة العربية بالقاهرة الأخذ بمبدأ القياس، ثم أطلقه ليشمل ما قيس من قبلُ وما لم يُقَس، وقد قسم ابن جني كلام العرب من حيث الاطراد والشذوذ إلى: (١) مطرد في القياس والاستعمال جميعًا، مثل: قام زيد، ضربت زيد، مررت بسعيد. (٢) مطرد في القياس شاذ في الاستعمال: مثل الماضي من «يذر» و «يدع». (٣) مطرد في الاستعمال شاذ في القياس: مثل: استصوبت الأمر، ولا يقال استصبت، ومثل: استحوذ، واستنوق الجمل، واستفيل الجمل واستتيست الشاة. وهذا الضرب من الكلام لا بد من اتباع السمع الوارد به فيه نفسه، لكنه لا يتخذ أصلًا يقاس عليه غيره. (٤) شاذ في القياس والاستعمال جميعًا: كتتميم مفعول فيما عينه واو، مثل: ثوب مصوون، ومسك مدووف، وحكى البغداديون: فرس مقوود ورجل معوود من مرضه، (١) وقد أحسن ابن جني إذ لم يخطِّئ إلا ما شذ في القياس والسماع معًا.
عدم ورود اللفظة في المعاجم: وهو معيار فيه مجازفة أيضًا لأن المعاجم لم تحط بكل ما قالته العرب. يقول أمين ظاهر خير الله في كتابه «الرأي الحاسم في الكلام الذي خلت منه المعاجم» (المطبعة العلمية، بيروت، ١٩٣٢): «هذا جانب صغير مما أغفلت المعاجم ذكره، ولو اتسع لي المقام لجئت بمئات من الأفعال والأسماء وردتْ في كلام أمراء الشعر والنثر ولم يرد الجلاء عنها في المعاجم.» (٢)
الاستناد إلى اللغة الأفصح: ويعنون بالأفصح دائمًا المأثور السائر الرائج بين الفصحاء، ولكن «الغريب» و «الشاذ» و «القليل» و «النادر» جزء من ثروة اللغة، ولا خلاف في كونه من أسلم كلام العرب، فقد ورد في القرآن والحديث وشعر العرب ونثرهم، وقد تكون ندرته منسوبة إلى زمانٍ معين أو مكان معين، كما أن الحكم بالشذوذ والندرة والقلة فيه مجازفة لأنه يستدعي قراءة التراث كله، وما نحكم عليه بالشذوذ قد لا يكون كذلك لو وصل إلينا كل ما قالته العرب. وقد كان البصريون يبنون قواعدهم على الغالب الأعم من اللغة ويئوِّلون ما يرونه شاذًّا أو نادرًا أو قليلًا، بينما كان
стр. 128
الكوفيون يقيسون هذا الشاذ أو النادر، وقد ثبت في كثير من المسائل صحة ما ذهب إليه الكوفيون: مثل إجازة النسبة إلى الجمع، وإضافة مضافين إلى مضاف إليه واحد، وتقديم التمييز على عامله إذا كان فعلًا متصرفًا، وجواز تعريف العدد المضاف إضافة معنوية ب «أل» … إلخ. (١)
الاستناد إلى قواعد النحو والصرف: ولكن هذه القواعد نفسها لا تخلو من الفساد في بعض الأحيان! وخاصة عندما منع النحاة اشتقاق وزن «فاعل» من «فَعُل»، أو جمع «فَعْل» على «أفعال»، ومجيء «كافة» إلا حالًا، ودخول «أل» على «بعض»، وإضافة مضافين إلى مضاف إليه واحد، واشتقاق أفعل التفضيل من اللون … إلخ، وغير ذلك مما أثبت الاستقراء اللغوي السليم صحته. (٢)
رفض المولَّد: أي الذي استعمله الناس بعد عصر الرواية، وهو معيارٌ يفضي إلى تحنيط اللغة في ألفاظها ومعانيها، فكل لفظ قديم كان ذات يوم «مولَّدًا» إن جاز التعبير، وقبول المولَّد سنَّة طبيعية في اللغات جميعًا، ومظهر حيوي للغة يساعد على بقائها ونمائها وتطورها.
(٢ - ٢) المستوى الصوابي
حين نقول: إنَّ السُّلطة اللُّغوية هي المجتمع اللغوي، فإنما نعني تلك «الجماعة التي تستعمل نظام الكلام بطريقة موحدة»، على حد قول بلومفيلد، ففي كل وسطٍ اجتماعي متجانس السكان نجد عادةً أن للغة شيئًا من الوحدة، بل إنه لشرطٌ أساسي لوجود اللغة أن يحرص من يتكلمونها على استخدام نفس الوسائل للتعبير، (٣) فالجماعة المتزاملة لغويًّا تستعمل، كما يقول فيرث، ما يتقاسمونه من تجارب مشتركة، وهم يستمسكون بهذا التماثل ويحرصون عليه؛ لأنه شرط الفهم والإفهام في بيئتهم الخاصة. (٤)
стр. 129
والأفراد يكتسبون اللغة من بيئتهم وفي عصرهم الذي عاشوا فيه، ومن ثم فإنهم يراعون اللغة كما تُنطَق في عصرهم لا كما تُنطق في عصورٍ سبقت، ولا كما ينبغي أن تنطق وفق نموذجٍ مثالي لعصرٍ ذهبي غيَّبته الأيام، اللغة في تغير مستمر، وقد يكون هذا التغير بطيئًا لا يتضح إلا بمرور جيل أو أجيال، ولكنه يحدث، ولا ينفيه بطء حدوثه، ونحن إذ نفترض الثبات اللغوي فإنما نفعل ذلك لدواعي التشريح والدراسة، وبغية اقتناص «حالة لغوية» سينكرونية لضرورة الرصد والتقعيد، بينما اللغة في حركةٍ مستمرة والعرف اللغوي في تغيرٍ دائب، الثبات اللغوي إذن ليس أكثر من حيلةٍ إجرائية ووهمٍ عملي.
نخلص من ذلك إلى تعريف المستوى الصوابي على أنه: «مراعاة العرف اللغوي المقتصر على بيئةٍ خاصة في زمنٍ خاص، مع اعتبار التطور في اللغة، يتوافق معه نشاط المتكلم ويلاحظه الباحث بهذه الصفات.» (١) يتبع ذلك بالضرورة تغير ما يراعيه المتكلم على حسب العرف اللغوي الجديد الذي يفرض نفسه عليه كي يتوافق معه، ويترتب عليه أن مستعمِل اللغة لا يطالب بغير مراعاة المستوى الصوابي في اللغة الذي اكتسبه من الجيل الذي هو أحد أفراده، ومن عرف العصر الذي عاش فيه. (٢)
ليس هذا الحديث دعوةً إلى إلغاء القواعد والانصراف عن جهات الاختصاص اللغوي، بل دعوة إلى أن تراعي جهات الاختصاص طبيعة القواعد ومنشأها وحركتها، بحيث تأتي القواعد متفقة مع استعمال اللغة وتطورها وتبرأ من التعسف والجمود، وتأتي المقترحات الجديدة متوافقة مع طبيعة اللغة، بوصفها ظاهرةً اجتماعية تخضع للعرف الاجتماعي العام والعرف اللغوي الخاص، ولا تكون محاولات دونكيشوتية تحارب في غير ميدان، ومماحكات تكد الذهن في غير طائل.
لقد توقَّف النحاة في تقعيداتهم عند زمنٍ معين لا يتجاوزونه، بينما اللغة الحقيقية تمضي في سبيلها غير عابئةٍ بهم، توقفت القواعد بينما العرف اللغوي يتغير مع الزمن، فاتسعت الفجوة بينهما وصارت هوة، هذا ما أربك الفصحى وصعَّب قواعدها وجعلها أشبه بلغةٍ أجنبية في دراستها وفي استخدامها.
стр. 130
«إن التطور اللغوي (الصوتي والصرفي والنحوي والمعجمي والدلالي) ليستتبع تغييرًا في المستوى الصوابي من الناحية التاريخية كذلك، فما كان صوابًا في الماضي يصبح خطأً في الوقت الحاضر، ويصبح خطأُ اليوم صوابَ الغد إذا رأى المجتمع اللغوي أن يتبناه في الاستعمال.» (١)
«وليس من حق الباحث في اللغة أن يفترض فيها التوقف عند فترة معينة أو جيل خاص أو عدة أجيال، فيجمد الدراسة ويترك عمله الحقيقي في ملاحظة اللغة الدائبة التغير، وينصرف إلى تفريعاتٍ ومماحكات وعَنتٍ ذهني عقيم لا حاجة باللغة إليه، ثم يفرض ما لاحظه عن اللغة في فترة من فتراتها على فترة أخرى أدَّى إليها تطورها، وهذا عكسٌ لمهمة الدارس من الوصف إلى التحكم، ومن الملاحظة إلى المصادرة.» (٢)
«ولو أن الاستشهاد لم يقف عند حد على يد النحاة العرب لأمكن أن تجري دراسة اللغة على مراحل وعصور باستقراء ما يجدُّ من النصوص إلى أيامنا هذه، ولاعتبر كل ميل غير فردي إلى مخالفة القواعد السابقة تطورًا في الاستعمال اللغوي يتطلب تطورًا في النظرة إلى هذه القواعد في ظل منهجٍ وصفي لدراسة اللغة، ولكن إيقاف الاستشهاد عند حد معين جعل النحاة وقد جفَّت روافد الاستقراء عندهم يلجئون إلى ما لديهم من القواعد، فيجعلونها مادة الدراسة بدل النصوص التي أعوزهم الجديد منها، وما دامت القواعد نفسها هي الهدف وهي مادة الدراسة فلا مهرب إذن من النظرة إلى هذه القواعد باعتبارها مقاييس ومعايير من صلب المنهج؛ لبيان الصحيح والخطأ من التراكيب، أي أن المستوى الصوابي بدل أن يكون فكرةً اجتماعية يراعيها المتكلم، أصبح فكرةً دراسية يراعيها الباحث، وبهذا توقف العمل بالمنهج الوصفي في دراسة اللغة، وأصبح لزامًا علينا الآن أن ننظر إلى الدراسات اللغوية العربية باعتبارها دراسة تصف مرحلة معينة من تطور الفصحى، ولكن هذه المرحلة تشتمل في الحقيقة على مراحل، وقد كان مؤرخو الأدب أسرع إلى الاعتراف بعصور اللغة من النحاة، وكان أولى بالنحاة أن يعترفوا بهذه المراحل ويدرسوا كل واحدة منها دراسة وصفية على حدة كما فعل أصحاب تاريخ
стр. 131
الأدب. (١) وقد أصبح لزامًا علينا أيضًا إذا أردنا دراسة ما جدَّ من تطور في هذه الفصحى أن نبدأ بدراسة مرحلتنا هذه التي نعيش فيها دراسةً وصفية، وأن نتطرق منها إلى ما سبقها من المراحل التاريخية التي حدثت منذ توقف الاستشهاد وأن نقطع النظر عن نفوذ هذه الدراسات القديمة على تفكيرنا، ونبدأ بالدراسة على أساس منهجٍ وصفي يتوخى الاستقراء والتقعيد من جديد.» (٢)
خطأ مشهور
تاريخ اللغة ليس سوى تاريخ الأخطاء اللغوية فيها!
يسبرسن
التغير «عملية» و «حالة»: «عملية» Process ابتداع وتجديد (فردي في الأغلب) مخالف «بطبيعة حاله» Ipso facto للعرف السائد، تتبعها «حالة» state يستتب فيها الطارف المستجدُّ ويدخل متن اللغة فلا يعود جديدًا، وهكذا دواليك. يقول أولمان إن التغير في اللغة يقع على مرحلتين: الأولى هي مرحلة التغير نفسه وما يطلق عليه «الابتداع والتجديد» Innovation ويحدث هذا في الكلام الفعلي، وقد يقوم به فرد من الأفراد بإدخال عناصر جديدة في استعمال اللغة، والثانية هي مرحلة «انتشار التغير» Dissemination بأن تتداوله الجماعة فيما بينها، وإذا حدث ذلك أصبح التغير عنصرًا من عناصر نظام اللغة، ما دام قد سمح له بالاستعمال العام بين الناطقين بها. فالتغير يبدأ أولًا فرديًّا بما يُدخله فردٌ أو أفراد على نظام اللغة من استعمالات جديدة، مما ينظر إليه أولًا على أنه «مخالفة» (خطأ!) لما عليه الجماعة، فإذا قدر لهذه «المخالفات» (الأخطاء!) أن تلقى قبولًا من غيرهم، فإنها تأخذ الطابع الاجتماعي العام، وتصبح القاعدة التي يتبعها كل
стр. 132
الناطقين باللغة. (١) هذا تأويل قول يسبرسن عن بعض اللغويين: «إن تاريخ اللغة ليس سوى تاريخ الأخطاء اللغوية فيها.» (٢)
شرعية اللغة الشيوع.
ومن ثم فإن عبارة «خطأ مشهور» شأنها شأن «مربع مستدير» … تناقض ذاتي! فإذا ما وجدتَ الخطأ المشهور أكثر جمالًا ووضوحًا وإبانة، فاعلم أن شهرته مشروعة مستحقة: الجمال، والوضوح، والإبانة. وماذا يكون «الصواب» أكثر من ذلك؟! «خطأ مشهور» هي ذاتها خطأ مشهور!
حين تشيع مجاوزةٌ لغوية وتنشر رايتها على الألسنة، يتحول عنصرها وتتبدل صفتها وتأخذ رتبة «قاعدة»؛ قاعدة لها علينا كل ما للقاعدة من حقوق، وما كان لهذه «المخالفة» أن تبسط سلطانها لو لم تكن تقدم فكرًا، وتحقق وصلًا، وتسد فراغًا، وتثبت نجاعة. لقد تمت لها «المواضعة» Convention فصارت من ثم «لغة»، ومن السفه أن نتنازل عنها بدعوى قل ولا تقل! وهل اللغة إلا «مواضعة» جدت، على رِسلِها، لتحقيق التواصل بعد أن كانت وسيلة التواصل فأفأة و «قاعدته» صراخًا و «نحوه» لهاثًا ونخيرًا. هل اللغة إلا ذاك «الخروج» على الصراخ والمروق من الحبسة؟ وإذا كان الخطأ هو خروج عن المتبع وتململ عن المستقر؛ فاللغة بقضها وقضيضها هي بهذا المعنى خطأٌ مشهور، وإن امتاز عن غيره من الأخطاء بأنه خطا كبير … بحجم العالم.
(٣) تصويب الفكر قبل الكلمات
(٣ - ١) أمثلة من تصحيح الصحيح
وكأنا لم يرضَ فينا بريْبِ الـ … ـدهر حتى أعانَه مَنْ أعانا
المتنبي
стр. 133
أما وجد هذا لبيتي مخرجًا في العربية؟!
الفرزدق
أكثر اللغة مجازٌ لا حقيقة.
ابن جني
لسنا هنا بصدد تصويب (١) كلمةٍ أو كلمات، وليس هذا من غرض الكتاب في شيء، إنما نحن بصدد تصويب منطقٍ وتقويم منهجٍ وتصحيح فكرٍ. إن فينا قومًا تملكهم «إرهابٌ معجمي» و «سادية لغوية»، يقومون من زمنٍ بوظيفة شرطةٍ لغوية مولعة بتحرير المخالفات، وبلعبة قل ولا تقل، ينصبونها للتسلط والتسلي، «كفِعلِ الهِرَ يِحترِشُ العَظايا!»، ويغالون في ذلك إلى حد «تصحيح الصحيح»! يظن هؤلاء أنهم يحسنون إلى اللغة وهم يؤذونها غاية الإيذاء وينشرون فيها الفوضى والاضطراب، ويبثون في الناس اليأس من الفصحى والانصراف عنها، وها هي العربية تحتضر على أيديهم الخشنة، وليس موت اللغة سوى أن تهجر اللسان، يظن هؤلاء أنهم يصلحون اللغة وهم يهزون القارب وينخرون فيه نخرًا منكرًا، لقد أضلتهم القواعد (البَعْدية) فسلبتهم السليقة (القَبْلية)، وكأنا بالذيل يهز الكلب والعربة تتقدم الحصان.
لماذا كان العربي القديم يتكلم بسجيةٍ تعنو لها القواعد وتأتي بعدها ووراءها وعلى قدِّها، حتى لقد شُرع السماع وأصبح الذوق قواعد، بينما قلبنا نحن الآية وبدأنا بالقواعد نَتحنَّثُ في محرابها ونطوِّع لها الذوق، حتى ضجر الناس من العربية، وانفضوا عن الخطأ والصواب، وفقدوا الذوق والقواعد؟!
стр. 134
متحف
يقولون: قل مُتحف بضم الميم ولا تقل متحف بفتحها؛ لأنه اسم مكان لموضع التحف الفنية، والأصل «أتحف» الرباعي وليس «تحف» الثلاثي الذي لم يرد، وعليه يكون اسم المكان هو «مُفعَل» بضم الميم وفتح العين.
والآن علينا أن نسجِّل أولًا أن كلمة «مُتحف» بضم الميم ثقيلة الظل تشارك بسهمٍ في كراهة اللغة العربية والازدراء بها والضحك عليها، وكلنا يحس بعد نطقها بوعكةٍ لا يدري كنهها، فاستفتِ قلبك فيها وإن أفتاك الناس. ثم علينا أن نتساءل: لماذا كان ذلك؟ والجواب، ببساطة؛ لأنها خطأ، ولأنها غير ما نعنيه جميعًا إذ ننطق بهذه الكلمة البسيطة ونعني بها المكان الذي تجمع فيه التحف لا المكان الذي تعطى فيه وتمنح (وهو ما لا يحدث في دور الآثار!)، إنها موضع «التحف» لا «الإتحاف». وللأستاذ الدكتور محمد كامل حسين، عضو المجمع اللغوي، وقفة عزٍّ مع هذه الكلمة وغيرها، يخلص منها إلى دروسٍ لغوية ثمينة. يقول سيادته في مجلة المجمع، ج ٢٢، ١٩٦٧: «والمتحف» بضم الميم كلمةٌ سقيمة سيئة المبنى، وهي خطأ، وليس لها من العربية إلا انطباقها على قاعدةٍ صرفية، وقد سبق أن وصفت الكلمات المهجورة بأنها من ورق أهل الكهف، صحيحة ولكنها غير قابلة للتداول، أما كلمة «مُتحف» فهي من العملة المزيفة التي ليس لها من العربية إلا مظهرها، وقد جاء في «معجم الصواب اللغوي» أن مجمع اللغة العربية اعتمد على كثرة اشتقاق العرب من الأسماء الجامدة مثل «أثَّث» بمعنى وطَّأ، و «تبغدد» بمعنى انتسب إلى بغداد أو تشبه بأهلها، و «تفرعن» بمعنى تخلق بخلق الفراعنة، فأقرَّ الاشتقاق من أسماء الأعيان من غير تقييد بالضرورة لما في ذلك من إثراء للغة، وكان قد أقرَّ أيضًا جواز تكملة فروع مادة لغوية لم تُذكر بقيتها في المعاجم. وقد أقر المجمع استعمال كلمة متحف بضم الميم وفتحها: بالضم على أنها اسم مكان من «أتحف» وبالفتح على أنها اسم مكان مشتق من الفعل الثلاثي «تَحَف» المأخوذ من كلمة «تحفة».
يقول د. محمد كامل حسين: «على أن معنى متحف ليس صحيحًا إلا من حيث مطابقته لقواعد الصرف، أما الذوق اللغوي فيأباه، والذوق يدق عن القواعد؛ ذلك أن اشتقاق اسم المكان من أفعل المتعدي نادر جدًّا، وأكثره من الأفعال اللازمة، فإذا كان الفعل يأتي لازمًا مثل أقام فإن اسم المكان يشتق من معناه اللازم فالمقام من أقام بالمكان، ولا أعرف أن أحدًا يسمي مكان الصلاة مُقام الصلاة وإن صح ذلك من جهة قواعد الصرف. ولا أريد أن أعرض لنظرية السماع والقياس، ولكني أقول إن العربي
стр. 135
الذي فرض اللغويون وجوده وسط الجزيرة العربية لا يختلط بالأعاجم هو الذي قال ب «المَأْسَدة»، (١) وهو في هذا بين أمرين: إما أن سليقته التي تحس بأدق القواعد خانته فاشتق اسم المكان من الجامد، وهذا يقضي على نظرية السماع كلها، وإما أن يكون وجد نفسه في حاجة إلى هذا الشذوذ؛ فوضع كلمةً جديدة تدل على ما يريد ولم يعبأ باشتقاقها. والحاجة التي دفعت العربي إلى صياغة فاسدة أو شاذة ليست أشد من حاجتنا إلى صوغ كلمة تدل على مكان تكثر فيه التحف، وعلى ذلك تكون كلمة متحف بفتح الميم هي الكلمة العربية الصحيحة.»
تقييم
إنما هو للجنوح إلى خفة الياء مع أدنى سبب.
ابن جني
يقولون: لا تقل «تقييم» (الثمن، السلعة، العمل … )، وقل «تقويم»، ولا تقل «يقَيِّم» وقل «يُقَوِّم»؛ لأن الفعل واوي، أما كلمة «قيمة» فياؤها منقلبة عن واو، وفي الإعلال أن كل واو تقلب ياءً إذا كانت ساكنة وكُسر ما قبلها.
لا يخفى أن لكلمة «تقويم» معاني كثيرة (تحديد القيمة، التصويب، العقاب، حساب الزمن، مواقع البلدان)، في هذه الحالة من الاشتراك اللفظي يتكفل السياق بتحديد المعنى المقصود بسهولة ووضوح، فيما عدا التفرقة بين التصويب وتحديد القيمة، مثال ذلك: «على المدرس أن يقوِّم أداء الطلاب»، ولا تدري أيحدد مستوى أدائهم أم يصوِّبه ويعدل اعوجاجه، وفي كل سياق تأتي فيه كلمة «تقويم» بمعنى التصويب أو بمعنى تحديد القيمة يلتبس المعنى على المتلقي التباسًا شديدًا بحيث لا يستطيع التيقن من المقصود إلا إذا سأل المتحدثَ نفسه، وجهًا لوجه، عما يعنيه هنا ويقصده. هذا مثال لحالةٍ يكون فيها الصواب الصرفي (أو بالأحرى الاطراد) هو الملتبس والغامض، وهذا شيء مضاد
стр. 136
لطبيعة اللغة وطبيعة الإفصاح. ومن المعروف أن العربي كان يلجأ إلى الشاذ إذا كان فيه الإبانة والخفة، «واللغويون يقبلون الشاذ إذا سُمع عن العرب كما في مادة «الدِّيمة»، ويقولون إن هذا شيء سماعي لا يقاس عليه، ولا يقول أحد بأن كل شاذ يصلح أن يقاس عليه، ولكن الحاجة التي حملت العربي على الشذوذ قد تنشأ في كلمات أخرى، ويكون مباحًا أن نقيس على صيغة شاذة عند الحاجة، والحاجة عندنا إلى كلمة «تقييم» أشد من حاجة العربي إلى أن يقول «ديمت السماء» حيث المعنى لا يختلف عن قوله «دومت السماء».» (١)
على الرغم من أن أصل الكلمة هو الواو، إلا أن «العرب ربما قطعوا النظر عن أصل حرف العلة، ونظروا إلى حالته الراهنة، ومن هنا أجاز مجمع اللغة العربية استعمال «قَيَّمَ» بالياء بمعنى حدد القيمة، للتفرقة بينه وبين «قَوَّمَ» الشيء بمعنى عدله، وقد جاءت المعاقبة بين الواو والياء المشددتَيْن في أمثلة من كلام العرب يُستأنس بها في تصحيح ذلك، وقد أوردت المعاجم الحديثة كالوسيط والأساسي والمنجد هذه الكلمة، ونص الوسيط على أنها مجمعية.» (٢)
في «باب في تدريج اللغة» يقول ابن جني في الخصائص: «وذلك أن يُشْبه شيءٌ شيئًا من موضع، فيمضي حكمه على الحكم الأول ثم يرقى منه إلى غيره … ومن ذلك قولهم: صِبية وصِبيان، قلبت الواو من صبوان وصبوة في التقدير - لأنه من صبوت - لانكسار الصاد قبلها، وضعف الباء أن تعتد حاجزًا؛ لسكونها، وقد ذكرنا ذلك، فلما أُلِف هذا واستمر تدرجوا منه إلى أن أقرُّوا قلب الواو ياءً بحاله وإن زالت الكسرة، وذلك قولهم أيضًا: صُبيان وصُبية، وقد كان يجب - لما زالت الكسرة - أن تعود الياء واوً إلى أصلها، لكنهم أقرُّوا الياء بحالها لاعتيادهم إياها حتى صارت كأنها كانت أصلًا، وحسن ذلك لهم شيءٌ آخر، وهو أن القلب في صبية وصبيان إنما كان استحسانًا وإيثارًا، لا عن وجوب علة، ولا قوة قياس، فلما لم تتمكن على القلب ورأوا اللفظ بياء قوي عندهم إقرار
стр. 137
الياء بحالها؛ لأن السبب الأول إلى قلبها لم يكن قويًّا، ولا مما يعتاد في مثله أن يكون مؤثرًا … ومن ذلك قولهم: أبيض لياح، وهو من الواو؛ لأن ببياضه ما يلوح للناظر، فقلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها، وليس ذلك عن قوة علة، إنما هو للجنوح إلى خفة الياء مع أدنى سبب، وهو التطرق إليها بالكسرة طلبًا للاستخفاف … ومن التدريج في اللغة قولهم: ديمة وديم، واستمرار الكسر في العين للكسرة قبلها، ثم تجاوزوا ذلك لما كثر وشاع إلى أن قالوا: ديمت السماء ودومت، فأما دومت فعلى القياس، وأما ديمت فلاستمرر القلب في ديمة وديم … فهو بالياء لهذا آنس، وجماع هذا الباب غلبة الياء على الواو لخفَّتها، فهم لا يزالون تسبُّبًا إليها، ونجشًا عنها، واستثارة لها، وتقربًا ما استطاعوا منها … » (١)
ومن هذا الباب كلمة «تَرَيَّضَ» بمعنى «خرج للتنزه»، فقد رفضها من رفض لأن الكلمة واوية، غير أن معجم «الأساسي» ذكرها بمعنى خرج للمشي على سبيل الرياضة، وقد تبين لنا الآن أنها صحيحة بالاشتقاق المباشر من كلمة «الرياضة»، مثلما أن «التقييم» صحيحة بالاشتقاق من كلمة «القيمة».
نفس، وعين
يقولون: لا تقل «جاء نفس الرجل»، والصواب «جاء الرجل نفسه»؛ لأن كلمتَي «نفس، وعين» إذا كانتا للتوكيد وجب أن يسبقهما المؤكد، وأن تكونا مثله في الضبط الإعرابي، وأن تضاف كل واحدة منهما إلى ضمير مذكور حتمًا، يطابق هذا المؤكد في التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع.
ونقول: نعم، لنلتزم بذلك وسعنا فهو أقوم وأسعد، ولكن أسبقية التوكيد تكون أوضح وأسمح في سياقات معينة، فلمَ التضييق ومجال القول ذو سعة؟ ولماذا لا نطاوع ضغط اللغة المحكية والأجنبية وكلتاهما تقدم التوكيد على المؤكد؟ العقل نفسه، والخاطر والشعور، كثيرًا ما يقدم التوكيد على المؤكد! وفي سياقات معينة تُوقِعنا القاعدة القديمة في اللبس والاضطراب، وبخاصة حين يكون المؤكد مضافًا، يعرف ذلك كلُّ من له باع في الترجمة: هبني أريد أن أؤكد: بنود الوصية، أو درجات الطالبة … إلخ، هل أقول
стр. 138
«في بنود الوصية نفسها»، و «على درجات الطالبة نفسها»، أرأيت إلى الالتباس؟ تراني أؤكد هنا البنود أو الوصية؟ الدرجات أم الطالبة؟ ويزداد الأمر اضطرابًا إذا تَعَقَّدَ السياق: «بنود وصية السيدة نفسها»، «درجات طالبة الدفعة نفسها»، هذه عقدة جوردية، حلها بسيط جدًّا: أن نقطع القاعدة بحد السيف، ونقول: يجوز تقديم التوكيد على المؤكد إذا حكم التعبير واقتضى الحال وساغ النغم.
جاء في «معجم الصواب اللغوي»: «جاء في نفس الوقت» فصيحة: تستعمل كلمة «نفس» للتوكيد المعنوي، وحينئذٍ لا بد أن يسبقها المؤكد وأن تضاف إلى ضميره، ويكون استعمال النفس في غير التوكيد بمعنى الذات فصيحًا، كما يكون أيضًا استعمالها للتوكيد دون أن تدخل في نطاق التوكيد الاصطلاحي «النحوي» فصيحًا، وقد أجاز مجمع اللغة المصري هذا الاستعمال مستشهدًا بما حكاه سيبويه عن العرب: «نزلت بنفس الجبل»، ويقول الجاحظ: «لا بد للترجمان أن يكون بيانه في نفس الترجمة في وزن علمه في نفس المعرفة.» (١)
وجاء في «موسوعة اللحن في اللغة»: «جئت في نفس الوقت (تقديم النفس - من ألفاظ التوكيد - على المؤكد): ورد في كلام من يُعتَدُّ بهم من العلماء، كابن جني في قوله في الخصائص (١/ ٢٩٥) «هي متعلقة بنفس تبًّا» يريد: بتبًّا نفسها، وجاء في اللسان (نفس): ونفس الشيء: ذاته، ومنه ما حكاه سيبويه من قولهم: نزلت بنفس الجبل، ونفس الجبل مقابلي.» (٢)
وقد صادفت «نفس» المقدَّمة على المؤكَّد في كتابات أئمةٍ ثقات من القديم والحديث: منهم:
ابن جني في الخصائص: «إنما هو منصوب بنفس عليك … » (ج ١، ص ٢٨٤)، «لا لشيء رجع إلى نفس، أو» (ج ١، ص ٣٤٩)، «وهذا نفس الحق» (ج ٣، ص ٢٦).
د. طه حسين: «وإخضاعي إياه لنفس المُثلة» (في ترجمة كتاب ثيسيوس وأوديب لأندريه جيد، ص ١٤٨).
стр. 139
د. شوقي ضيف: «يتخذون نفس لغات العلوم … » (توحيد المصطلح العلمي في النقل والتعريب، مجلة مجمع اللغة العربية ج ٤٥، ١٩٨٠).
د. أحمد درويش: «هي نفس الفصحى … » (لإنقاذ الفصحى من أيدي النحاة، قضايا فكرية، العدد ١٧ - ١٨، ١٩٩٧، ص ٨٣).
هام/ مهم
في كتابه «قل ولا تقل» يسهب الدكتور مصطفى جواد في تبيان الخطأ في استعمال «هام» بمعنى «مهم»، ويتكلف في ذلك عنتًا كبيرًا، ويحس القارئ وهو يتابع حججه وشواهده أنه عاقد العزم على صرف الناس عن العربية وتيئيسهم منها، بل إنه لينقض ما جاء في «لسان العرب» ويخطئه؛ تفضيلًا للمنع على الإباحة، وانتصارًا للعسر على اليسر: «وجاء في لسان العرب ما يلبس المعنى على القارئ غير الفطن، قال: «الهم: الحزن وجمعه هموم، وهمه الأمر همًّا ومهمةً وأهمه فاهتم واهتم به»، أراد بقوله: همه الأمر: أحزنه؛ لأنه بدأ المادة بتفسير الهم، مع أن قولنا: أهمني الأمر يهمني يعني جعلني أهم به، بدلالة ما نقل صاحب اللسان بعد ذلك قال: وفي حديث سطيح «شمِّرْ فإنك ماضي الهمِّ شِمِّيرُ» أي إذا عزمت على شيء أمضيته، والهمَّ ما همَّ الإنسان في نفسه تقول: أهمني هذا الأمر. هذا ولو صحت دعوى أن «همه الأمر» بمعنى أهمَّه الأمر الذي اشتق منه المهم وجمعه المهامُّ والمهمات لسمَّت العرب «المهمَّ» باسم «الهام» ولجمعته على «هوام وهامات»، ولكن هذا لم يكن ولم يُصَر إليه قط، فالهام لم يرد في لغة العرب بمعنى المهم … نضيف إلى ذلك أن «هَمَّ» لو صح بمعنى «أهمَّ» في المعناة المشار إليها، لفضَّله الفصحاء على الرباعي؛ لأن قاعدة الفصاحة العامة في ذلك تفضيل الثلاثي على الرباعي إذا كانا بمعنًى واحد إلا إذا نُبِّه على العكس بالنص والتصريح، ف: نعَشه أفصح من أنْعشه، ورجَعه أفصح من أرجعه، ووقَفه أفصح من أوقفه، ونقَصه أفصح من أنقصه، وعاقَه أفصح من أعاقه، ونتَجه أفصح من أنتجه، وغاض الماءَ يَغيضه أفصح من أغاض الماء … » (١)
стр. 140
ولقد فضَّل الناس الثلاثي على الرباعي وقالوا «هام» (١) بمعنى «مهم» فما للدكتور جواد ينفس على المحدثين أن يكون لهم ذوق كما كان للأسلاف ذوق! وما لنا نضيع جوهر «الظاهرة اللغوية» (العرف/ الشيوع) في رهج الشجار وفي غيابة الجدل؟ يقول الأستاذ محمد العدناني: «ويخطِّئون من يقول: أمرٌ هامٌّ، ولا خطأ في ذلك؛ لأن هناك فعلين: هَمَّه الأمر يَهُمُّه همًّا ومَهَمَّةً: أقلقه وحَزَنه، فهو هامٌّ، وهنالك أيضًا: أهَمَّ الأمرُ فلانًا: أقلقه وحزنه، فهو مهمٌّ، وكلتا الكلمتين صحيحة، جاء في المصباح: أهمني الأمر: أقلقني، وهمَّني هَمًّا (من باب قتل) مثله.» (٢)
وفي «معجم الصواب اللغوي»: «أمرٌ هامٌّ: مرفوضة عند بعضهم لأن «الهام» مذكر الهامة بمعنى الدابة وكل ذي سم قاتل. المعنى: يسترعي الاهتمام ويدعو إلى اليقظة والتدبر، الرأي والرتبة: (١) أمر مهم (فصيحة). (٢) أمر هامٌّ (فصيحة)، يرد في المعاجم استعمال «همَّ» بمعنى «أَهَمَّ»، ففي المصباح: «وأهمني الأمر، بالألف، أقلقني، وهَمَّني مثله»، كما نقل اللسان عن أبي عبيد في باب قلة اهتمام الرجل بشأن صاحبه: «هَمُّكَ ما هَمَّكَ، ويقال: همُّكَ ما أهَمَّكَ»، فالتبادل بين الصيغتين وارد، ومن ثم يجوز استخدام اسم الفاعل من أيهما»، (٣) وفي القاموس والتاج «هَمَمَ» وهمَّه الأمر هَمًّا ومَهَمَّة: حَزَنَه وأقلقه، كأهمَّه. (٤)
تخرج من المعهد
يقولون: لا تقل «تَخَرَّجَ من كلية كذا» بل تخرج «فيها»، أي تعلم وتدرب، يقول د. جواد: «وذلك لأن تخرج في هذه الجملة وأمثالها بمعنى «تأدَّب» و «تعلَّم» و «تدرَّب»، فيقال: تعلم فلان في الكلية، وتأدب في الكلية وتدرب، ولا محل لحرف الجر «من» فليس المقصود
стр. 141
هو الخروج من الكلية، ولو كان المقصود الخروج لكان لكل طالب في اليوم خرجة أو خرجتان، ولذهب المعنى المقصود.» (١)
ويقول الأستاذ محمد العدناني: «الصواب تخرج في معهد كذا؛ لأن تخرج معناه تعلم وتدرب، وهو خِرِّيج وخَرِيج ومُتَخَرِّج، أما الذي يتعلم في معهد ويفوز بشهادته فنقول: إنه تخرج من معهد كذا، وفاز بشهادته.» (٢)
والآن لنخلع عصابة الزَّمْت: نعم لقد تخرج «في» المعهد أو الكلية بالتأكيد، ولكن ماذا عن «يوم التخرج» أو «تاريخ التخرج» الذي نعني به «اليوم» المحدَّد الذي نال فيه الشهادة التي تشهد بأنه قد تعلم في الكلية «سنوات»، فإذا قلنا: إنه قد تخرج «في» كلية الطب في السابع من يوليو عام ١٩٧٧ والتزمنا بتزمُّت المتزمتين فمعنى ذلك أنه تعلم فيها الطب في هذا اليوم الواحد، وهو باطل مُحال! ولماذا لا نضيف للغة غنًى وإمكانات دلالية جديدة فنقول: إنه «تخرج في» كلية الطب في التسعينات و «تخرج منها» في يوليو ١٩٩٧؟
وقد تدارك معجم الصواب اللغوي، الذي يحرص على حياة اللغة لا على موتها، هذا الأمر وحسمه حسمًا علميًّا حصيفًا: « … تخرج» من «جامعة القاهرة صحيحة: الوارد في المعاجم استخدام حرف الجر «في» مع الفعل «تخرج»؛ لأن المعنى: تدرب وتعلم، ولكن أجاز اللغويون نيابة حروف الجر بعضها عن بعض، كما أجازوا تضمين فعلٍ معنَى فعلٍ آخر، فيتعدى تعديته، وفي المصباح (طرح): «الفعل إذا تضمن معنى فعل جاز أن يعمل عمله»، وقد أقر مجمع اللغة المصري هذا وذاك، ومجيء «من» بدلًا من «في» كثير في الكلام الفصيح كقوله تعالى ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (فاطر: ٤٠)، وقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (الجمعة: ٩)، ويمكن تصحيح (٣) التعبير المرفوض استنادًا إلى ما جاء في كتب اللغة من أنه يقال: خرَّجه من المكان إذا جعله يخرج، (٤) ويكون الخروج هنا معنويًّا لا حسيًّا، بمعنى إنهاء الدروس، وقد عدَّاه الأساسي ب «من». (٥)
стр. 142
زوج/ زوجان
يقولون: لا تقل «اشتريت زوجًا من الأحذية» وقل «زوجين»؛ لأن الزوج في العربية هو الفرد المزاوج لصاحبه. جاء في كتاب «درة الغواص» للحريري: «يقولون للاثنين: «زوج»، وهو خطأ؛ لأن الزوج في كلام العرب الفرد المزاوج لصاحبه، وأما الاثنان المصطحبان فيقال لهما: زوجان، كما قالوا: عندي زوجان من النعال … وكذلك يقال للذكر والأنثى من الطير: «زوجان»، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ … وقال: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ (هود: ٤٠)، أي ذكرًا وأنثى.»
كل هذا حسن وجميل، ولكن في سياقات معينة يكون ثقيلًا ومسترذلًا ومتعثرًا في الدلالة: هبني اشتريت سبع علبٍ من الأحذية لي ولأبنائي في كل علبة زوجان، أو هبني اشتريت ثلاث عشرة علبةً، فماذا أقول بالله عليك: اشتريت أربعة عشر زوجًا من الأحذية، أو ستة وعشرين زوجًا في الحالة الثانية؟ أهذا بربك يمكن أن يقال في الحياة الحقيقية؟ أليس هذا بثقيلٍ ملتبس الدلالة؟ أليس الأقرب للسليقة أن أقول اشتريتُ سبعة أزواج من الأحذية، ومفهوم أن كل زوج هو حذاءان اثنان وليس فرد حذاء بالطبع والبديهة؟! وماذا لو علمنا أن الصحاح واللسان والتاج ومد القاموس ومتن اللغة قد أجازت جميعًا أن يقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج؟ لماذا نضيق على العربية مجال الدلالة وفيها متسع، لماذا نقلص الدلالة وننقصها من أطرافها؟ ولمصلحة من نُفقر هذه اللغة الرَّخِيَّة الرحيبة؟ وأي طائلٍ دلالي أو جمالي نناله من وراء التضييق؟
لغتنا رَخِيَّةٌ سخية رحيبة: تجيز أن نستعمل المفرد بمعنى المثنى (اشتريت حذاءً جديدًا، خلع نعله، تحلَّت أذناها بقرط، ضعف الشيء أي مثلاه، رأيته بعيني … )، ونستعمل المثنى للمفرد (قفا نبك، قص شاربيه، يحمل همومه على كاهليه … )، والجمع للمفرد (قص شواربه، وأردف أعجازًا … )، والجمع للمثنى (فتوردت وجناته، ضحك ملء أشداقه، كحلت عيونها، عريض الأكتاف، مشى على أقدامه، ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ … ).
منسوب الماء
ويقولون: لا تقل «منسوب الماء» والصواب: «مستوى الماء»؛ لأن المنسوب في العربية هو ذو الحسب والنسب، أو الشِّعر المنسوب أي الذي فيه نسيب أي غزل، أو الخط المنسوب
стр. 143
أي ذو القاعدة. وأقول: لماذا لا نضيف هذا المعنى الجديد إلى المعاني القديمة؛ لدقته الدلالية وبخاصة في مجال العلم (منسوب الماء في البئر أو في النهر أثناء الفيضان أو منسوب السائل في المخبار … )، وكلها مختلفة في معناها عن مجرد «المستوى»: إنها «الارتفاع» الحاصل في المستوى محددًا ومقيسًا، لماذا نحبس الدلالة في حذاء صيني ونخنق العربية بأيدينا؟ لماذا نقف بالألفاظ حيث وقف الأسلاف ونوجس من توسيع الدلالة في زمنٍ تتسع فيه المعاني وتتفجر بلا توقف؟
وقد جاء في «معجم الصواب اللغوي» أنها صحيحة: «يشيع في الاستعمال المعاصر قولهم: منسوب الماء، ويعنون به المستوى الذي يصل إليه في ارتفاعه، وهو معنًى لم يرد عن العرب، فهو من باب التوسيع الدلالي للكلمة، وقد أوردتها المعاجم الحديثة بهذا المعنى الجديد، ونص الوسيط على أنها محدثة.» (١)
يسري (الحكم)
يقولون: لا تقل «هذا الحكم يسري من أول الشهر» والصواب: يجري، أو ينفُذ، أو يمضي؛ لأن «سرى» في العربية معناه: سار ليلًا، (٢) وأقول: وماذا عن «يسري» بمعنى ينطبق ويشمل (لا يسري هذا القانون إلا على الفئات التالية … )؟ لماذا لا نضيف هذا المعنى المولَّد إلى المعاني القديمة وهو معنًى شائع ومستعمل ومحكي ومسعف؟ وكيف نتنازل عن خدماته الدلالية في سياقاتٍ كثيرة قانونية وعلمية؟
يقول الأستاذ العقاد: « … لم تبلغ مبلغها في ضبط المشتقات بالموازين التي تسري على جميع أجزائها … »، (٣) ويقول الأستاذ أمين الخولي: «وهذه العادة سادت بين أهل القاهرة الخاصة ثم سرت منها إلى بعض المدن الكبيرة كدمشق … »، (٤) وفي «معجم الصواب اللغوي»: «هذه الأوامر تسري على الجميع - صحيحة، قال في المصباح: سرى فيه السم والخمر … وسرى عرق السوء في الإنسان … وسرى التحريم وسرى العتق
стр. 144
بمعنى التعدية. وهذه الألفاظ جارية على ألسنة الفقهاء وليس لها ذكر في الكتب المشهورة لكنها موافقة لما تقدم. وبناء على هذا يصح قولهم: تسري الأوامر على الجميع.» (١)
استضاف
يقولون: لا تقل «يستضيف البرنامج الأستاذ … »، أو «استضافت القاهرة أعضاء المؤتمر»؛ لأن «استضاف» في العربية تعني: طلب من غيره أن ينزله عنده ضيفًا، أي طلب الضيافة، أو طلب أن يُضيَّف. يقول ابن المقفع: «إن استضافك ضيفٌ وأنت لا تعرف أخلاقه فلا تأمنه على نفسك.»
وتفيد صيغة «استفعل» في العربية معاني كثيرة أهمها الطلب: مثل استغفر اللهَ أي طلب غفرانه، ومثل استطعم واستكتب واستفتى واستعطف … إلخ، وإذا كان الطلب من جانب الضيف هو السائد في الثقافة العربية بحكم الظروف البيئية فلقد تبدلت أشكال الحياة وأصبح المضيف هو الذي يطلب الضيف، الطلب إذن ذو اتجاهين: فقد يكون من الضيف إلى المُضيف، وقد يكون من المُضيف إلى الضيف، أي من المضيف إذ يطلب ضيافة الغير عنده، أي «يستضيفه»؛ وعليه يجوز أن «يستضيف البرنامج الأستاذ … »، وأن «تستضيف القاهرة أعضاء المؤتمر».
استبدل ب
يقولون: لا تقل «أبدل ثوبه القديم بثوبٍ جديد» لأن الباء تدخل على المتروك، والحق أن هذه القاعدة مطردة إلى حد كبير، كما في قوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (البقرة: ٦١)، وينبغي الالتزام بها منعًا للبس، غير أنه في بعض الأحيان قد يحكم السياق بترك القاعدة دون تضحية بالوضوح والإبانة. فحين قال شوقي: «أنا من بدل بالكتب الصحابا» لم يحدث أي لبس من جراء هذه الرخصة التي هلل لها بعض مناوئيه، وإن المتلقي ليدرك قصده مبرأ من أي التباس. وفي كتابه «مشكلات حياتنا اللغوية» يقول الأستاذ أمين الخولي: « … أن بعض أهل القاهرة كان استخشن نطق القاف فأبدله بالهمزة»، ولا نحسب أن في تعبير الخولي أي لبس، وهذا هو المحك اللغوي
стр. 145
الأول والأخير. وبمراجعة الأمر علميًّا وجدنا أنه «ورد في بعض المعاجم جواز دخول الباء على غير المتروك، وهو ما أخذ به مجمع اللغة المصري، وإن كان الأفضل إدخالها على المتروك منعًا للبس.» (١)
اعتدَّ (بنفسه)
يقولون: لا تقل اعتد بنفسه وقل اعتز بنفسه؛ لأن اعتدَّ تعني أشياء أخرى مثل: صار معدودًا، اعتد الأمر لعبًا: حسبه وظنه، اعتد الشيء: أحضره، اعتد للشيء: تهيأ له، اعتدت المطلقة: دخلت في أيام عدتها، لا يعتد به: لا يهتم به.
وأقول: «الاعتداد» المقصود في هذا المقام غير «الاعتزاز» وأكثر رهافة وعمقًا، هو يعتد بنفسه أي يَقْدُرُها ويحترمها ويعتبرها ويَعُدُّها شيئًا، ألا تقول العرب: «هذا شيء لا يعتد به»؟ فلنضف إلى معجمنا هذا المعنى الجديد الشائع الراسخ، والجائز من ثمَّ والمشروع، أضف إلى ذلك أن «اعتد» جاء في الوسيط بمعنى اهتمَّ، وفي الأساسي بمعنى وثق بنفسه، وفي المنجد بالمعنييْنِ.
انطلى
يقولون: لا تقل «انطلت عليه الحيلة» والصواب «جازت عليه الحيلة»؛ لأن الفعل المطاوع «انطلى» لا وجود له في كلام العرب.
وأقول: ولكنَّ له وجودًا مهمًّا في الاستعمال الجاري، لقد درجت اللفظة وشاعت واستتبت وقدمت دلالةً جديدةً أخص وأدق وأقوى من «جازت»، ولن نعدم أكثر من تخريجةٍ لغوية تجعل منها استعمالًا صحيحًا، وقد جاء في «معجم الصواب اللغوي» أن مجمع اللغة المصري أقرَّ قياسية مجيء «انفعل» مطاوعًا ل «فعل» المتعدي الدال على معالجة حسية، ومن ثم أجاز استعمال «انطلى»، وقد أوردته بعض المعاجم الحديثة كالأساسي. (٢)