هو الخروج من الكلية، ولو كان المقصود الخروج لكان لكل طالب في اليوم خرجة أو خرجتان، ولذهب المعنى المقصود.» (١)
ويقول الأستاذ محمد العدناني: «الصواب تخرج في معهد كذا؛ لأن تخرج معناه تعلم وتدرب، وهو خِرِّيج وخَرِيج ومُتَخَرِّج، أما الذي يتعلم في معهد ويفوز بشهادته فنقول: إنه تخرج من معهد كذا، وفاز بشهادته.» (٢)
والآن لنخلع عصابة الزَّمْت: نعم لقد تخرج «في» المعهد أو الكلية بالتأكيد، ولكن ماذا عن «يوم التخرج» أو «تاريخ التخرج» الذي نعني به «اليوم» المحدَّد الذي نال فيه الشهادة التي تشهد بأنه قد تعلم في الكلية «سنوات»، فإذا قلنا: إنه قد تخرج «في» كلية الطب في السابع من يوليو عام ١٩٧٧ والتزمنا بتزمُّت المتزمتين فمعنى ذلك أنه تعلم فيها الطب في هذا اليوم الواحد، وهو باطل مُحال! ولماذا لا نضيف للغة غنًى وإمكانات دلالية جديدة فنقول: إنه «تخرج في» كلية الطب في التسعينات و «تخرج منها» في يوليو ١٩٩٧؟
وقد تدارك معجم الصواب اللغوي، الذي يحرص على حياة اللغة لا على موتها، هذا الأمر وحسمه حسمًا علميًّا حصيفًا: « … تخرج» من «جامعة القاهرة صحيحة: الوارد في المعاجم استخدام حرف الجر «في» مع الفعل «تخرج»؛ لأن المعنى: تدرب وتعلم، ولكن أجاز اللغويون نيابة حروف الجر بعضها عن بعض، كما أجازوا تضمين فعلٍ معنَى فعلٍ آخر، فيتعدى تعديته، وفي المصباح (طرح): «الفعل إذا تضمن معنى فعل جاز أن يعمل عمله»، وقد أقر مجمع اللغة المصري هذا وذاك، ومجيء «من» بدلًا من «في» كثير في الكلام الفصيح كقوله تعالى ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (فاطر: ٤٠)، وقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (الجمعة: ٩)، ويمكن تصحيح (٣) التعبير المرفوض استنادًا إلى ما جاء في كتب اللغة من أنه يقال: خرَّجه من المكان إذا جعله يخرج، (٤) ويكون الخروج هنا معنويًّا لا حسيًّا، بمعنى إنهاء الدروس، وقد عدَّاه الأساسي ب «من». (٥)
стр. 142
زوج/ زوجان
يقولون: لا تقل «اشتريت زوجًا من الأحذية» وقل «زوجين»؛ لأن الزوج في العربية هو الفرد المزاوج لصاحبه. جاء في كتاب «درة الغواص» للحريري: «يقولون للاثنين: «زوج»، وهو خطأ؛ لأن الزوج في كلام العرب الفرد المزاوج لصاحبه، وأما الاثنان المصطحبان فيقال لهما: زوجان، كما قالوا: عندي زوجان من النعال … وكذلك يقال للذكر والأنثى من الطير: «زوجان»، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ … وقال: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ (هود: ٤٠)، أي ذكرًا وأنثى.»
كل هذا حسن وجميل، ولكن في سياقات معينة يكون ثقيلًا ومسترذلًا ومتعثرًا في الدلالة: هبني اشتريت سبع علبٍ من الأحذية لي ولأبنائي في كل علبة زوجان، أو هبني اشتريت ثلاث عشرة علبةً، فماذا أقول بالله عليك: اشتريت أربعة عشر زوجًا من الأحذية، أو ستة وعشرين زوجًا في الحالة الثانية؟ أهذا بربك يمكن أن يقال في الحياة الحقيقية؟ أليس هذا بثقيلٍ ملتبس الدلالة؟ أليس الأقرب للسليقة أن أقول اشتريتُ سبعة أزواج من الأحذية، ومفهوم أن كل زوج هو حذاءان اثنان وليس فرد حذاء بالطبع والبديهة؟! وماذا لو علمنا أن الصحاح واللسان والتاج ومد القاموس ومتن اللغة قد أجازت جميعًا أن يقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج؟ لماذا نضيق على العربية مجال الدلالة وفيها متسع، لماذا نقلص الدلالة وننقصها من أطرافها؟ ولمصلحة من نُفقر هذه اللغة الرَّخِيَّة الرحيبة؟ وأي طائلٍ دلالي أو جمالي نناله من وراء التضييق؟
لغتنا رَخِيَّةٌ سخية رحيبة: تجيز أن نستعمل المفرد بمعنى المثنى (اشتريت حذاءً جديدًا، خلع نعله، تحلَّت أذناها بقرط، ضعف الشيء أي مثلاه، رأيته بعيني … )، ونستعمل المثنى للمفرد (قفا نبك، قص شاربيه، يحمل همومه على كاهليه … )، والجمع للمفرد (قص شواربه، وأردف أعجازًا … )، والجمع للمثنى (فتوردت وجناته، ضحك ملء أشداقه، كحلت عيونها، عريض الأكتاف، مشى على أقدامه، ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ … ).
منسوب الماء
ويقولون: لا تقل «منسوب الماء» والصواب: «مستوى الماء»؛ لأن المنسوب في العربية هو ذو الحسب والنسب، أو الشِّعر المنسوب أي الذي فيه نسيب أي غزل، أو الخط المنسوب
стр. 143
أي ذو القاعدة. وأقول: لماذا لا نضيف هذا المعنى الجديد إلى المعاني القديمة؛ لدقته الدلالية وبخاصة في مجال العلم (منسوب الماء في البئر أو في النهر أثناء الفيضان أو منسوب السائل في المخبار … )، وكلها مختلفة في معناها عن مجرد «المستوى»: إنها «الارتفاع» الحاصل في المستوى محددًا ومقيسًا، لماذا نحبس الدلالة في حذاء صيني ونخنق العربية بأيدينا؟ لماذا نقف بالألفاظ حيث وقف الأسلاف ونوجس من توسيع الدلالة في زمنٍ تتسع فيه المعاني وتتفجر بلا توقف؟
وقد جاء في «معجم الصواب اللغوي» أنها صحيحة: «يشيع في الاستعمال المعاصر قولهم: منسوب الماء، ويعنون به المستوى الذي يصل إليه في ارتفاعه، وهو معنًى لم يرد عن العرب، فهو من باب التوسيع الدلالي للكلمة، وقد أوردتها المعاجم الحديثة بهذا المعنى الجديد، ونص الوسيط على أنها محدثة.» (١)
يسري (الحكم)
يقولون: لا تقل «هذا الحكم يسري من أول الشهر» والصواب: يجري، أو ينفُذ، أو يمضي؛ لأن «سرى» في العربية معناه: سار ليلًا، (٢) وأقول: وماذا عن «يسري» بمعنى ينطبق ويشمل (لا يسري هذا القانون إلا على الفئات التالية … )؟ لماذا لا نضيف هذا المعنى المولَّد إلى المعاني القديمة وهو معنًى شائع ومستعمل ومحكي ومسعف؟ وكيف نتنازل عن خدماته الدلالية في سياقاتٍ كثيرة قانونية وعلمية؟
يقول الأستاذ العقاد: « … لم تبلغ مبلغها في ضبط المشتقات بالموازين التي تسري على جميع أجزائها … »، (٣) ويقول الأستاذ أمين الخولي: «وهذه العادة سادت بين أهل القاهرة الخاصة ثم سرت منها إلى بعض المدن الكبيرة كدمشق … »، (٤) وفي «معجم الصواب اللغوي»: «هذه الأوامر تسري على الجميع - صحيحة، قال في المصباح: سرى فيه السم والخمر … وسرى عرق السوء في الإنسان … وسرى التحريم وسرى العتق
стр. 144
بمعنى التعدية. وهذه الألفاظ جارية على ألسنة الفقهاء وليس لها ذكر في الكتب المشهورة لكنها موافقة لما تقدم. وبناء على هذا يصح قولهم: تسري الأوامر على الجميع.» (١)
استضاف
يقولون: لا تقل «يستضيف البرنامج الأستاذ … »، أو «استضافت القاهرة أعضاء المؤتمر»؛ لأن «استضاف» في العربية تعني: طلب من غيره أن ينزله عنده ضيفًا، أي طلب الضيافة، أو طلب أن يُضيَّف. يقول ابن المقفع: «إن استضافك ضيفٌ وأنت لا تعرف أخلاقه فلا تأمنه على نفسك.»
وتفيد صيغة «استفعل» في العربية معاني كثيرة أهمها الطلب: مثل استغفر اللهَ أي طلب غفرانه، ومثل استطعم واستكتب واستفتى واستعطف … إلخ، وإذا كان الطلب من جانب الضيف هو السائد في الثقافة العربية بحكم الظروف البيئية فلقد تبدلت أشكال الحياة وأصبح المضيف هو الذي يطلب الضيف، الطلب إذن ذو اتجاهين: فقد يكون من الضيف إلى المُضيف، وقد يكون من المُضيف إلى الضيف، أي من المضيف إذ يطلب ضيافة الغير عنده، أي «يستضيفه»؛ وعليه يجوز أن «يستضيف البرنامج الأستاذ … »، وأن «تستضيف القاهرة أعضاء المؤتمر».
استبدل ب
يقولون: لا تقل «أبدل ثوبه القديم بثوبٍ جديد» لأن الباء تدخل على المتروك، والحق أن هذه القاعدة مطردة إلى حد كبير، كما في قوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (البقرة: ٦١)، وينبغي الالتزام بها منعًا للبس، غير أنه في بعض الأحيان قد يحكم السياق بترك القاعدة دون تضحية بالوضوح والإبانة. فحين قال شوقي: «أنا من بدل بالكتب الصحابا» لم يحدث أي لبس من جراء هذه الرخصة التي هلل لها بعض مناوئيه، وإن المتلقي ليدرك قصده مبرأ من أي التباس. وفي كتابه «مشكلات حياتنا اللغوية» يقول الأستاذ أمين الخولي: « … أن بعض أهل القاهرة كان استخشن نطق القاف فأبدله بالهمزة»، ولا نحسب أن في تعبير الخولي أي لبس، وهذا هو المحك اللغوي
стр. 145
الأول والأخير. وبمراجعة الأمر علميًّا وجدنا أنه «ورد في بعض المعاجم جواز دخول الباء على غير المتروك، وهو ما أخذ به مجمع اللغة المصري، وإن كان الأفضل إدخالها على المتروك منعًا للبس.» (١)
اعتدَّ (بنفسه)
يقولون: لا تقل اعتد بنفسه وقل اعتز بنفسه؛ لأن اعتدَّ تعني أشياء أخرى مثل: صار معدودًا، اعتد الأمر لعبًا: حسبه وظنه، اعتد الشيء: أحضره، اعتد للشيء: تهيأ له، اعتدت المطلقة: دخلت في أيام عدتها، لا يعتد به: لا يهتم به.
وأقول: «الاعتداد» المقصود في هذا المقام غير «الاعتزاز» وأكثر رهافة وعمقًا، هو يعتد بنفسه أي يَقْدُرُها ويحترمها ويعتبرها ويَعُدُّها شيئًا، ألا تقول العرب: «هذا شيء لا يعتد به»؟ فلنضف إلى معجمنا هذا المعنى الجديد الشائع الراسخ، والجائز من ثمَّ والمشروع، أضف إلى ذلك أن «اعتد» جاء في الوسيط بمعنى اهتمَّ، وفي الأساسي بمعنى وثق بنفسه، وفي المنجد بالمعنييْنِ.
انطلى
يقولون: لا تقل «انطلت عليه الحيلة» والصواب «جازت عليه الحيلة»؛ لأن الفعل المطاوع «انطلى» لا وجود له في كلام العرب.
وأقول: ولكنَّ له وجودًا مهمًّا في الاستعمال الجاري، لقد درجت اللفظة وشاعت واستتبت وقدمت دلالةً جديدةً أخص وأدق وأقوى من «جازت»، ولن نعدم أكثر من تخريجةٍ لغوية تجعل منها استعمالًا صحيحًا، وقد جاء في «معجم الصواب اللغوي» أن مجمع اللغة المصري أقرَّ قياسية مجيء «انفعل» مطاوعًا ل «فعل» المتعدي الدال على معالجة حسية، ومن ثم أجاز استعمال «انطلى»، وقد أوردته بعض المعاجم الحديثة كالأساسي. (٢)
стр. 146
رغم
يقولون: لا تقل «فعل كذا رغم كذا»، ولا تقل «رغم فلان» أو «رغم أنف فلان». يقول د. جواد: واللغة العالية هي في استعمال «على»، أي «على الرغم من أنفه» و «على رغم أنفه»، ودونها لغة استعمال الباء أي «برغم»، وغير الفصيح هو قولهم «رغم»، وللشعر ضرورات لا تسوغ للناثر الحر المختار، فقل «على الرغم» و «بالرغم» ولا تقل «رغم» إلا في الشعر.
وأقول: إن استعمال «رغم» فيه اقتصاد وخفة وليونة، سواء جاءت في بداية العبارة أو في نهايتها، وكثيرًا ما يحتم هذا الاقتصاد استعمالها، وبخاصة إذا كان الوزن العروضي يحبذها. ألست ترى أن «على الرغم من» ليست أكثر من «رغم» وقد تعكَّنت وثقلت بلا أي مقابل دلالي يذكر؟! وقد اعترف د. جواد بسواغها في الشعر، غير أن للنثر موسيقاه وإيقاعه، كما بينت ذلك في موضعه (في فصل «مزايا العربية»)، ومن ثم فإن علينا إجازة كل ما يُثري جماليات الكتابة ويضع أمام الكاتب بدائل عديدة يختار من بينها الأنسب، ما دامت هذه البدائل صحيحةً فصيحة.
هذا هو المبدأ العام. ونأتي الآن إلى التخريجة العلمية: تستخدم «رغم» مسبوقة بحرف جر: «على الرغم من … »، «بالرغم من … »، «برغم … »، غير أن المجمع اعتبر «رغم» صحيحة، مثل «رغم خطورة الموقف … »، إما على تقدير حرف جر، أو على اعتبار المصدر حالًا على سبيل المبالغة. (١)
الرئيس/ الرئيسي
يقولون: لا تقل «القضية الرئيسية» و «الفكرة الرئيسية»، و «الأمر الرئيسي»، و «العضو الرئيسي» وقل «القضية الرئيسة» و «الفكرة الرئيسة» و «الأمر الرئيس» و «العضو الرئيس»؛ وذلك لأن «الرئيس» و «الرئيسة» صفة على وزن «فعيل»، مثل «شريف» و «نجيب» و «كبير» و «كريم» … إلخ، ومن غير المألوف أن نضيف ياء النسب التي تفيد الصفة إلى ما هو صفة أصلًا: فنحن لا نقول: للشريف شريفي، وللعجيب عجيبي، وللكبير كبيري، فذلك كما يقول د. جواد «عبث باللغة فظيع، قال الشريف الرضي في كتابه
стр. 147
المجازات النبوية: «لأن القلب سيد الأعضاء الرئيسة والأحناء الشريفة»، وقال أبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة: «ولكل واحد من الحيوان ثلاثة أرواح في ثلاثة أعضاء رئيسة»، وذكر ابن النديم في الفهرست كتابًا اسمه «سير العضو الرئيس من بدن الإنسان»، وذكر الخوارزمي في مفاتيح العلوم «الأعضاء الرئيسة في الإنسان» … وقال الصاغاني في كتابه مجمع البحرين «الأعضاء الرئيسة عند الأطباء أربعة … » … وقد رأيت هذا الخطأ، أعني استعمال النسبة بغير باعث عليها ولا ملجئ إليها، في كلام القلقشندي (وأما استيفاء الدولة فهي وظيفة رئيسية) … والصواب «وظيفة رئيسة» كما قدمناه، واستعمل الأتراك العثمانيون هذا الغلط في عباراتهم فقد كانوا يقولون «رئيسي جمهور» بمعنى «رئيس جمهورية» وسرى الخطأ من الجهتين إلى الكتاب حتى أعثرنا الله تعالى على الصواب.» (١)
هذا تحليل تاريخي (دياكروني) يعنيه تخريج الخطأ، و «من طلب شيئًا وجده»، ولكن هل صحيح أن صفة «رئيسي» منسوبة إلى صفة؟ أي منسوبة إلى صفة الرياسة التي على وزن فعيل (رئيس)؟ الحق أن صفة «رئيسي» هي صفة منسوبة ل «اسم ذات» (الرئيس: أي كبير القوم وسيدهم)، و «الرئيس» بهذا المعنى هو اسم ذات وليس صفة، والمعروف أن كثيرًا من أسماء الذات يبدأ استعمالها تاريخيًّا كصفات ثم تتحول دلالتها إلى اسم ذات: مثل «شاعر»، «كاتب»، «أديب»، «عامل» … إلخ، وثمة ما يشير بقوة إلى أن «الرئيس» (سيد القوم) مشتق من «الرأي» وأنه كان في الأصل صفة تحولت إلى اسم ذات وشاع استخدامها بهذه الدلالة، ومن ثم اشتقوا منه اسم النسب «رئيسي»، وقد جاء في «معجم الصواب اللغوي» أن الرئيسي هو «المنتمي إلى مفهوم رئيس (سيد القوم) وكأنه فرد من أفراده؛ وعلى ذلك فرئيسي فصيح والوصف به غير الوصف برئيس (صفة الرياسة)، وقد أقره مجمع اللغة المصري بشرط أن يكون المنسوب إليه أمرًا من شأنه أن يندرج تحته أفراد متعددة … وقد ورد عن العرب كلمات مثل: أكثري، أولي، أساسي، عرضي، ظاهري، باطني.» (٢)
стр. 148
جيب
أهمية هذا اللفظ أنه يمثل كلمة لم ترد بمعناها في كلام العرب؛ لسبب بسيط هو أنهم لم تكن لديهم جيوب في ملابسهم! فالجيب عند العرب هو طوق الثوب عند النحر، أي فتحة الثوب عند الرقبة، والجيب أيضًا الصدر أو القلب، وقد كانت العرب تضع الأشياء الثمينة في صدور ثيابها، وفي الذكر الحكيم: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ (النمل: ١٢)، ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (النور: ٣١)، أي صدورهن أو موضع القطع في القميص حيث يدخل الرأس.
لم تكن للعرب جيوب في ملابسهم. حسن، ولكن ماذا عن جيوبنا نحن التي في ملابسنا؟ ماذا نسميها؟ أين غطاؤها الرمزي؟ ما أظن أن هذا السؤال يعني المتزمت الذي وقف الزمن عنده في القرن الثاني أو الثالث الهجري.
لعب دورًا
مثل: «لعب دورًا مهمًّا في السياسة الخارجية.»
أدرجنا هذا المثال لأنه يثير قضيتين أو يطرح مبدأين: (١)(١) التطور الدلالي الحثيث لبعض الألفاظ. (٢) ضرورة الإذعان في بعض الأحيان لضغط اللغة الأجنبية.
يخطِّئ البعض هذا الاستعمال لأن معناه اللهو وهو معنًى غير مناسب في هذا المقام، يقول الأستاذ العقاد في كتاب «أشتاتٌ مجتمعاتٌ في اللغة والأدب»، بصدد ترجمة المفردات أو العبارات: «ومن ذلك قولهم: إن هذا أو ذاك، يلعب دورًا خطيرًا في السياسة أو التاريخ أو شئون الحياة العامة»، وقد يقبح الذوق في اختيار المواضع لهذه العبارة حتى يقول القائل: «إن الدين يلعب دورًا جديًّا في المسائل الاقتصادية»، أو يقول قائلهم: «إن ذاك البطل العظيم لعب دورًا هامًّا في تشريع زمانه» إلى أمثال هذا السخف الذي يتحرج منه أصحاب اللغة الأجنبية أنفسهم عند استخدام هذه العبارات، ولو أنهم أخذوا مادة «اللعب» بحرفها كما وضعت أصلًا لم يكن لهذا الموقع المعيب عند سامعيها من
стр. 149
العارفين بمعانيه؛ لأن أصل المادة عندهم يشمل «الاشتغال» ويشمل «الحركة» التي تحمل الإنسان وراء مشيئته، ومنها جاءت حركة الرقص وحركات اللعب والطرب، وأشباه هذه الحركات التي تدخل فيها حركة اللعب الهازل وغير الهازل، ولكن الأصل في مادة «اللعب عندما يرجع إلى المهازل الصبيانية ويأتي، على ما نرجح، من قولهم «لعب الصبي أي سال لعابه» ولعب فلان أي صنع صنيع الصبيان، وليست الكلمة على معنًى من معانيها الأصلية أو الطارئة بالتي تصلح للاقتران بمعاني التقديس ومعاني الخطر والتعظيم.» (١)
كتب الأستاذ العقاد ﵀ هذا الكلام منذ أكثر من نصف قرن، وقد كان على حق في وقته، غير أن نصف قرن من السنين حدثت فيه تحولات وجرت مياهٌ كثيرة، وتطورت دلالة «اللعب» تطورًا عظيمًا، وأصبحت في جميع الثقافات معادلًا للأداء والممارسة، واتشحت بوشاح «الجد»، ودخل أنالوجي (مماثلة) «اللعب» في نظريات فلسفية كثيرة، وحتى الألعاب الرياضية أصبحت مؤسسات محلية ودولية هائلة، لديها تمويلات طائلة وفعاليات خطيرة.
قناعة
لديه قناعة بهذا الموضوع.
هذا شيء لا يمس قناعاته.
هذه أيضًا لفظة راجت كثيرًا في أحاديث المثقفين ومناقشاتهم بمعنى الرأي الذي يقبله المرء ويضمره ويتبناه، ويخطِّئها البعض لأن هذا المعنى يختلف عن معنى القناعة في العربية، وكلُّنا يعرف «القناعة» ويعرف أنها كنزٌ لا يفنى؛ ولهذا السبب نفسه فإن بوسعنا أن نتبنى الاستعمال الجديد ونحن بمأمن من اللبس؛ فالكلمة حقًّا مرنة لينة أسيلة، وجمعها خفيف سائغ (قناعات Convictions)، وهي حقًّا مسعفة وسعيدة في سياقات كثيرة، وما هكذا ضرتها الثقيلة «اقتناع».
هذا من جهة الوظيفة الدلالية والجمالية، فماذا عن الصواب المعجمي؟ «عندي قناعة بالموضوع» صحيحة: يمكن تخريج العبارة على أن «قناعة» اسم مصدر للفعل
стр. 150
«اقتنع» لأنها ينطبق عليها تعريف اسم المصدر، أو أنها مصدر للفعل قنع بمعنى رضي، فقد ذكرت المعاجم اقتنع بالشيء وقنع وتقنع، ومعنى هذا إمكانية استعمال الفعلين قنع واقتنع بالتبادل، وحيث صح هذا في الفعل صح كذلك في المصدر، وقد ذكرتها بعض المعاجم الحديث كالأساسي، والمنجد.» (١)
هل «كذا» أم «كذا»؟
يقولون: لا تقل هل كذا أم كذا؛ لأن «هل» لا تأتي بعدها «أم» المتصلة (وإنما تأتي بعدها «أو»).
هذه أيضًا قاعدة تعلمناها، وما أسهل تعلُّمها، فأورثتنا ثقلة في الأسلوب والتباسًا مجانيًا كان منه بد. أكتب: (٢) «هل معنى هذا أن نهادن أو ننتظر لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا؟ وأكتب: «هل عندك طالبٌ أو طالبان؟»، «هل معك درهم أو دراهم؟»، «هل أستدعي محمدًا أو عليًّا ليساعدنا؟» … إلخ، فلا تدري أقصدت تعيين أحد الشيئين أم ألحقت أحدهما بالآخر وأردفته وماثلته!»
والحقيقة أن اللغة العربية ذاتها بريئة من اللبس هنا لأن الأصل أن تختص «هل» بطلب التصديق الإيجابي، فلا تستخدم لطلب تعيين أحد الشيئين؛ ولذا لا تقع بعدها «أم» المتصلة التي يطلب بها وبأداة الاستفهام التعيين؛ «وذلك لأن الهمزة هي الأصل في الاستفهام، قال الزمخشري في المفصل: «والهمزة أعم تصرفًا في بابها من أختها «هل»، تقول: أزيدٌ عندك أم عمرو؟» فإذا استعملنا حرف العطف «أم» للتعيين بعد الاستفهام وجب أن نستعمل معها همزة الاستفهام ولا نستعمل «هل»، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ … » (٣)
غير أن استعمال «هل» لطلب التعيين قد شاع وانتشر بحيث لا يمكن رده، ويستخدمون بعدها «أو» لتجنب الخطأ، ولكن «أو» توقع في الالتباس وهو الخطأ بعينه! ولا حل لهذه العقدة إلا باتباع «ما ذهب إليه بعض النحاة من أن «هل» قد تكون بمعنى
стр. 151
«الهمزة» فيعطف ب «أم» بعدها: جاء في الحديث الشريف: «هل تزوجت بكرًا أم ثيبًا؟» وقال الشاعر:
هل اللهُ عافٍ عن ذنوبٍ كثيرةٍ … أم اللهُ إن لم يعفُ عنها يعيدها؟ (١)
بمثابة
يقولون: لا تقل «كان لي فلان بمثابة الأخ»، والصواب «كان لي كالأخ» أو «مثل الأخ»؛ «لأن المثابة تعني: المنزل، والملجأ، والمرجع، ومجتمع الناس بعد تفرقهم، ومبلغ تجمع ماء البئر، وما أشرف من الحجارة حول البئر، والجزاء.» (٢) وأقول: لماذا نخسر هذا اللفظ المهم في معناه الجديد المولَّد الذي يفوق الكاف و «مثل» في قوة الدلالة ورشاقة التعبير في سياقات معينة؟ يقول الأستاذ العقاد: « … إن هذه القضية بمثابة خطر دائم على السلام.» (٣) وقد جاء في «معجم الصواب اللغوي»: «ذكرت المعاجم أن المثابة هي البيت والملجأ والمنزل، ولما كانت هذه المعاني يجمعها معنى المكان صح أن يقال: أنت لي بمكان الأخ، أو بمثابة الأخ، وليس هذا الاستعمال حديثًا، فقد ذكر دوزي أنه ورد في الأحكام السلطانية للماوردي، ومقدمة ابن خلدون.» (٤)
كرَّس تكريسًا
يقولون: لا تقل «كرَّس نفسه للعلم»، والصواب «وقف نفسه للعلم، أو على العلم»؛ لأن «كرَّس» هنا لفظة دخيلة على العربية (يونانية)، أما في العربية فإن للفعل «كرَّس» معاني أخرى: كرس الأشياء: ضم بعضها إلى بعض، كرس البناء: أسسه، كرس اللآلئ والخرز: نظمها في خيوط، فهي مكرسة.
وأقول: إذا كانت كلمة «التكريس» Devotion يونانية تكون كلمة مولَّدة مهمة في سياقات كثيرة، ولا يصح التنازل عنها، ولا بأس في هذه الحالة بأن نقترض من اللغات
стр. 152
الأجنبية ونذعن لضغطها إذا كان من شأنه أن يزيد العربية ثراءً ودلالة. وإذا كانت «كرس» عربية، بمعنى جمع وضم أجزاء الشيء بعضها إلى بعض، يكون تعبير «كرس حياته للعلم» صحيحًا، وكأن من يكرس حياته للعلم يجمع أوقات حياته كلها لأجل العلم. وقد أوردت بعض المعاجم الحديثة كمحيط المحيط والأساسي الفعل «كرس» بهذا المعنى، كما تردد كثيرًا في كتابات المعاصرين مثل ميخائيل نعيمة وتوفيق الحكيم. (١)
حار/ احتار
يقولون لا تقل: «احتار في أمره»، والصواب «حار في أمره»؛ لأن الفعل «احتار» لم تتفوه به العرب، (٢) وأقول: لماذا لا نشتقها اشتقاقًا صحيحًا من «حار» (افتعل من فعل)، ولماذا لا نجيزها بالشيوع ونماشي المحكية ما دام اللفظ خفيفًا سائغًا تستريح له الآذان وتقبله السليقة؟ ولم يخذلنا «معجم الصواب اللغوي» واعتبر «احتار» صحيحة «استنادًا إلى اشتهاره وجريانه على القياس الصحيح، ويراد بهذه الزيادة حينئذٍ المبالغة في الحيرة، وقد أثبتته بعض المعاجم الحديثة كالأساسي وتكملة المعاجم العربية … وسمى أحد الفقهاء كتابه ب «دليل المحتار» (٣) (محتار اسم فاعل من احتار).
بواسل
يقولون: لا تقل هؤلاء الضباط البواسل، وقل: البسلاء والباسلون؛ لأن «بواسل» جمع لغير العاقل وللمؤنث، تقول أسد باسل وأسود بواسل، وفتاة باسلة وفتيات بواسل، أي باسلات … والجمع الآخر «بُسل» … كتب د. مصطفى جواد: «قال العقاد: إن بعض الفرسان البواسل، وإنما البواسل جمع باسلة للمرأة وباسل للحيوان كالأسد، وللرجال يقال البسلاء والباسلون.» (٤) والحقيقة أن «فاعل» يجمع قياسًا على «فواعل» إذا كان اسمًا أو وصفًا لمؤنث عاقل أو وصفًا لمذكرٍ غير عاقل، أما إذا كان وصفًا لمذكرٍ عاقل
стр. 153
فلا يجمع عادةً على «فواعل»، «ويدعون أن العرب لم تجمع من صفات المذكر العاقل على «فواعل» سوى ثلاث كلمات، هي: هالك وفارس وناكس، فتصبح: هوالك وفوارس ونواكس، ولكن بعض الباحثين المعاصرين اهتدى في الكلام الفصيح إلى جموع كثيرة جاوزت الثلاثين، وكل واحد منها وصف لمذكر عاقل، منها: سابق سوابق، سابح سوابح، حاسر حواسر، قارئ قوارئ، كاهن كواهن … » (١) وقبل ذلك وقف العلامة عبد القادر البغدادي … عند قول الفرزدق «نواكس الأبصار» فعرض أمثلة من هذا الجمع جاوزت العشرة، ثم وصلت بعده إلى ما يربي على الثلاثين، وذكر الفيومي في المصباح المنير والزبيدي في تاج العروس أمثلة أخرى، وقال الزبيدي «إذا كان قوارئ جمع قارئ فلا مخالفة للسماع ولا للقياس فإن فاعلًا يجمع على فواعل.» (٢)
من الأفضل بالطبع ألا نجمع فاعلًا المذكر العاقل على فواعل إلا للكلمات الشهيرة الرائجة، حتى نحتفظ بفواعل للمؤنث العاقل (حوامل، عوانس، طوالق … ) ونحفظ للغة فصاحتها ودقتها، وإنما ركزنا على هذه التخطئة لأنها تكشف لنا أن الادعاء بأن العرب لم تقل كذا فيه مجازفة، وتهيب بنا ألا نسارع بتخطئة الناس. وقد حسم المجمع هذا الأمر ف «أجاز جمع فاعل، وصفًا لمذكر عاقل، على فواعل؛ وذلك لما ورد من أمثلته الكثيرة في فصيح الكلام، وقد ورد الجمع «فواعل» في شعر أورده ديوان الحماسة كقول الفرزدق:
وإذا الرجالُ رأوا يزيدَ رأيتَهم … خُضعَ الرقابِ نواكسَ الأبصارِ
كما ورد في المعاجم الحديثة كالوسيط والأساسي والمنجد.» (٣)
كَلَل
كلنا يقول على السجية: «دون كلل» أو «لا يعرف الكلل»، ولا يخطر له أن هناك من يخطئون هذه الكلمة لأنها لم ترد في المعاجم القديمة، والمستعمل في العربية: الكلال
стр. 154
والكلالة، أما الكلل والكِلَّة فمعناها الحالة، فيقال: بات فلان بكلل سوء، أي بحالة سوء، غير أن «السليقة» العربية تبقى غير مقتنعة: لماذا يجوز لي أن أقول «ملل» ولا يجوز أن أقول «كَلَل»، والمبدأ يقول: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب؟! لماذا يحظر علينا أن نقول: «دون كللٍ أو ملل»، ذلك التعبير السلس الرفيق المسعف؟
وقد حسم مجمع اللغة المصري هذه المسألة، واعتبر هذا الاستعمال صحيحًا «اعتمادًا على سَنَدين: (١) أن مصادر الثلاثي أغلبها سماعي. (٢) عملًا بقرار مجمعي سابق بإجازة تكملة فروع مادة لغوية لم تذكر بقيتها في المعاجم.» (١)
ولعلها فرصة للحديث عن قضيةٍ عامة هي أن ألفاظًا عربيةً كثيرةً لا تذكرها المعاجم اللغوية ولكن عدم ذكرها لها لا ينفي عربيتها وأصالتها، وبالتالي تنتفي حجة من يخطئ اللفظ لمجرد أنه لم يرد عن العرب أو لم يرد في المعاجم، يقول المعري في «عبث الوليد»: «لا يمكن أن يحاط بجميع ما لفظت به القبائل؛ إذ كان ذلك غاية ليست بالمدركة»، ويقول أبو عمرو بن العلاء: «ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علمٌ وشعرٌ كثير.» (٢) ذلك أن العرب انشغلوا عن الشعر زمنًا بالجهاد وغزو فارس والروم، «فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب في الأمصار، راجعوا رواية الشعر فلم يئولوا إلى ديوان مدوَّن، ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك وذهب عنهم كثيره.» (٣) وهذا ابن فارس أحد أصحاب المعاجم الكبيرة يعقد في كتابه «الصاحبي» فصلًا عنوانه «باب القول على لغة العرب وهل يجوز أن يحاط بها» ويصدِّره بقوله: قال بعض الفقهاء: كلام العرب لا يحيط به إلا نبي، «وإذا كانت اللغة بهذه السعة، وقد ضاع مع ذلك كثير من شعر أصحابها على ما يقرره ابن سلام كذلك؛ فالقول بعدم إحاطة المعاجم باللغة صحيح، والقول بأن من اللغة ما ليس في المعاجم صحيح، والقول بأن في الإمكان تقرير عربية كلمة وأصالتها ولو لم ترد في المعاجم صحيح.» (٤) ولا يفوتنا أن نحيل القارئ إلى بحث الأستاذ أمين ظاهر خير الله «الرأي الحاسم في الكلام الذي خلت منه المعاجم»
стр. 155
الذي سبقت الإشارة إليه في حديثنا عن المعايير التي يستند إليها المخطئون، تحت العنوان الفرعي «اللحن».
نوايا
يقولون: لا تقل «نوايا»، والصواب «نيات»، وأقول: نعم، جمع «نية» على «نوايا» فيه شذوذ ولم تقل به العرب، ولكن «نوايا» شائعة وسلسة (نفترض حسن النوايا) وميزانها الصرفي والعروضي مختلف عن «نيات»، فلماذا نتنازل عنها وهي تزيد من ثراء العربية التعبيري والموسيقي، لماذا نقطع هذه النبتة اللفظية الجميلة؟
وهنا أيضًا لا يتخلى عنا المجمع، فقد أجاز جمع «نية» على «نوايا» حملًا لها على «طوايا» في جمع «طَوِيَّة» التي ترتبط بكلمة «نية» في الدلالة، وحملًا أيضًا على نظائر أخرى كثيرة جمعت فيها «فِعْلَة» على «فعائل»، وقد أجاز عددٌ من المعاجم الحديثة هذا الجمع كالأساسي والمنجد.» (١)
صدفة
يقولون: لا تقل «قابلته صدفةً»، والصواب «مصادفة»؛ لأن «صدفة» لم ترد عن العرب، و «صادفه» وجده أو لقيه أو قابله، وهي لا تحمل معنى المفاجأة، تقول «صادف نجاحًا عظيمًا» أي لقي نجاحًا وإن كان متوقعًا، واستخدامها بمعنى اللقاء على غير موعد هو استخدام جديد مولَّد، أما الفعل «صَدَفَه» فمعناه «صَرَفَه»، و «صَدَفَ» عنه: أعرض، وصَدَفَه عن كذا أي أمال وعدل به «وفي الذكر الحكيم: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٧)، أي: يُعرِضون.»
هذه النبتة أيضًا لماذا نقطعها؟ اللفظة خفيفة على اللسان (وأخف ظلًّا من ضرتها وأسلس نغمًا)، (٢) شائعة مستتبة، محكية رائجة، ودلالتها مهمة كثيرة التوارد، وبمأمنٍ تام من اللبس، وفي تفصيحها تقريب حميد بين العامية والفصحى نريد أن نستنَّه.
стр. 156
ولم يخذلنا المجمع في نبتتنا: «قابلته صُدفة - صحيحة: يصح استخدام «صدفة» على اعتبارها مصدرًا مستحدثًا من الفعل «صدف» للدلالة على المعنى الجديد أو على اعتبارها اسم مصدر من «صادف» وقد أقر مجمع اللغة المصري استعمالها بهذا المعنى، وقد وردت الكلمة في عدد من المعاجم الحديثة كالمنجد والأساسي.» (١)
مستديم/ مستدام
كلمة «مُستدام» من الألفاظ التي تسهم في توسيع الفجوة بين الفصحى والمحكية دون مقابل. فكنتا درجنا على استخدام كلمة «مستديم»، كما في «مرض مستديم»، «عاهة مستديمة»، «عجز مستديم»، ولم نصادف في ذلك مشكلة، ولم نسبب لأحد مشكلة، حتى خرج علينا من يقول «مستدام» ويلح في قولها، فوقر في ظن الجميع أنها الصواب، بحكم قاعدة (تقر في أعماق الجميع) بأن الغريب أصوب من المألوف.
وتُحقق في الأمر علميًّا فتجد أن الفعل «استدام» (الذي استعملته العرب في الغالب متعديًا بمعنى طلب الدوام وعليه يكون اسم المفعول «مستدام» فصيحًا بمعنى «مطلوب دوامه» - هذا الفعل قد ورد أيضًا لازمًا بمعنى «دام»، فتكون مستديم بمعنى «دائم»، وهي صحيحة وأفضل من «مستدام»: أولًا لأنها آلف منها وأساس، وثانيًا لأنها اسم فاعل ولذا يليق استعمالها في جميع الأغراض دون حرج: ف «التنمية المستديمة» هي التنمية الدائمة، و «العجز المستديم» هو العجز الدائم، ولا يصح أن يقول أحد «عجز مستدام» لأن العجز لا يُطلب دوامه!
وصفوة القول أننا إذا شئنا تيسير الاستخدام اللغوي ووضع الإصر عن مستخدمي اللغة فمن الأسلم والآمن أن نعمم «مستديم»؛ لأنها صائبة في كل مقام، و «مستدام» صائبة في مقام الخير وحده.
المباشَر/ المباشِر
من تقاليع النطق أيضًا هذه الأيام قول المذيعين «البث المباشَر»، و «الاتصال المباشَر»، فما الخطب؟!
стр. 157
الفعل «باشر» في اللغة يعني «لامَسَ البَشرَة»، ويفيد الاتصال بلا واسطة، باشر زوجه: غشيها، يقول تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، وباشر الأمر: تولاه بنفسه، وباشر الفعل: فعله من غير وساطة، وباشره النعيم: بدا عليه أثره، وباشر الشيء مباشرة: جعله ملاصقًا له، وفي الحديث: «اللهم إني أسألك إيمانًا تباشر به قلبي.» (١) وفي المعجم الأساسي أن «مباشر» صفة للدلالة على ما ينجز حالًا أو بدون واسطة، وحين يقول المذيع «البث المباشر» (اسم مفعول) فقوله صحيح بمعنى البث المباشر من قبل المذيع الذي يكون هو (أي المذيع) مباشِرًا له.
ولكن هل هذا، بعَيْشِ أبيك، هو المعنى الذي يقصده المذيع؟ الأغلب أن البث هو الذي «يباشِر» هنا، أي يباشر المشاهدين أو المستمعين، ويتصل بهم حالًا بدون واسطة، وأن المذيع لا يقصد غير هذا: البث مباشِر للجمهور فكأنه يلامس بشرتهم لأنه يتم بدون واسطة، ويتم حالًا؛ وعليه فإن «مباشِر» بكسر الشين أصح وأسلم في عامة الأحوال من «مباشَر».
مُفاد/ مَفاد
يقولون: لا تقل «مَفاد الأمر» وقل «مُفاده»، ولا تقل «بَرقية مَفادُها كذا»، وقل «مُفادها»؛ وذلك لأنك تقول أفادت البرقية كذا، أي جاءت بفائدة خبرية هي كذا، والمصدر الميمي من الرباعي «أفاد» هو «مُفاد» بضم الميم، وعلى وزن اسم المفعول، والمفاد هو المحتوى والمضمون والفحوى والفائدة الخبرية، مثل: المصاب، المُخرَج، المُدخَل، المُراد، المُراغَم … إلخ. «أما «المَفاد» فهو مصدر ميمي لفعل من الأضداد، من معانيه حصول الفائدة والحياد، والموت والتبختر، وفي استعماله التباس كثير، فضلًا عن بعده عن المراد.» (٢)
وليس يخفى أن «مَفاد» بفتح الميم أخف نطقًا وأعم استخدامًا، ولكن هل هي حقًّا خطأ صرفي ومعجمي وفي استعمالها التباس كثير؟
ولنبدأ بالالتباس: لا يقاس الالتباس بكم المشترك، بل بإمكان التشابه في السياقات المختلفة، ولا نظن أن حصول الفائدة يشتبه مع الحياد أو الموت أو التبختر! وما دمتَ آمنًا من الاشتباه فقل وثِقْ بفهم المخاطب.
стр. 158
وأما من جهة الصرف والمعجم فإن «مَفاد» بالفتح صحيحة فصيحة، فهي «مصدر ميمي من «فاد» الثلاثي المجرد، الذي يدل على حدوث الفائدة، وفي اللسان: «الفائدة» ما استفدت من علم أو مال، تقول منه: فادت له فائدة.» (١)
تساءل/ سأل
يقولون: لا تقل «تساءل الرجل عن الأمر» أو «تساءلت عن هذا الأمر»، وقل «سأل» و «سألت»؛ لأن «تساءل» تقتضي المشاركة، مثل «تساءل الرجلان أو الرجال عن الأمر» أي سأل بعضهم بعضًا، فصيغة «تفاعل» تدل على المشاركة وهي غير متحققة هنا.
ويبقى الذوق غير مستريح: ففي سياقات معينة أريد أن أقول «كنت أتساءل» ولا أقول «كنت أسأل» (وما أسهلها وأبردها)، وخاصة حين أريد أن أبرز معنى التحير والتقليب والتداول مع كيان آخر (ربما كياني نفسه!). وما زادت «تساءل» عن «سأل» إلا لزيادة هذا المعنى بالذات، وفي هذه الحالة تكون «سأل» ناقصة قاصرة، وفاترة كسولًا غير مسعِفة.
نخلص من ذلك إلى أن «تساءلت عن الأمر» صحيحة، وأن «استخدام صيغة «تفاعل» بمعنى «فعل» أو «أفعل» كثير في لغة العرب، كما في تراءى بمعنى رأى، وتداعى بمعنى دعا، وتساقط بمعنى سقط، ويمكن كذلك اعتبارها صحيحة على افتراض وجود طرف ثانٍ هو النفس، فيكون المعنى: تساءل فلان: سأل نفسه، وفي الأساسي: تساءل: سأل نفسه.» (٢)
ساهم/ أسهم
وقريب من «تساءل وسأل» لفظا «ساهم وأسهم»، يقولون: لا تقل «ساهم في مناقشة القضية» أو «ساهم في تأسيس الجمعية»؛ لأنها لم ترد في المعاجم القديمة بهذا المعنى، وقل «أسهم»، ووجه الأمر أن كلا اللفظين صحيح فصيح، فقد شاع استخدام الفعلين بمعنى «شارك» في اللغة المعاصرة، وأجاز المجمع المصري كلمة «ساهم» لورودها في
стр. 159
مقدمة معجم لسان العرب، بالإضافة إلى وروده في شعرٍ لزهير، وقد ورد في المعاجم الحديثة كالوسيط والمنجد والأساسي.» (١)
داهَمَ/ دَهَمَ
يقولون: لا تقل «داهمنا العدو» أو «داهم رجال الشرطة وكر اللصوص» أو «الوقت يداهمنا»؛ لاستخدام صيغة «فاعل» بمعنى «فعل»، وقل «دهَمَنا يدهمنا دهمًا».
ونقول: بل قل دهم وداهم وفقًا لذوقك، ووفقًا لنغم الجملة، ووفقًا لما تحس له وقعًا في نفسك؛ «لأن مزيدات الأفعال قياسيةٌ لا تحتاج إلى ورود بالمعاجم، وأصول اللغة لا تمنع من استخدام «فاعل» بمعنى «فعل»، فهو كثير شائع في لغة العرب، مثل: «حافظ»، و «بادر»، و «حاذر»، و «شاهد»، و «راقب»، و «دافع»، وقد ورد الفعل «داهم» في بعض المعاجم الحديثة كالأساسي.» (٢)
اعتذر عن الحضور
لا تقل «اعتذر عن الحضور» وقل «اعتذر عن عدم الحضور»؛ لأن عدم الحضور، أو الغياب، هو المعتذَر عنه، وليس الحضور، نعلم ذلك، ولا أظن أن أحدًا لم يسمع بهذا الخطأ الشائع وتصويبه.
غير أن طبيعة الظاهرة اللغوية ليست دائمًا منطقية أرسطية على هذه الشاكلة، وكلنا يقول «أعتذر عن الحضور» إذا ترك نفسه لسليقته، أو يتعمَّل ويقول «عن عدم الحضور» وفي النفس شيء من هذا التصويب، وكأن لجنة الألفاظ والأساليب بالمجمع قد آنست شيئًا من ذلك فأجازت التعبير المرفوض، «على اعتبار «عن» للمجاوزة، فالمعتذِر يعتذر لأنه تجاوز الحضور الذي ينبغي له ألا يتجاوزه، بينما رفض مجلس المجمع ومؤتمره قرار اللجنة.» (٣)
стр. 160
يقول العقاد في كتابه «أنا»: «كما لاحظ بحق أحد أصدقائي، حين علم مرةً باعتذاري من تلبية الدعوة إلى كثير من السياحات، وبعضها بغير نفقةٍ على الإطلاق.» (١) حين كتب العقاد: «اعتذاري من تلبية الدعوة» وليس «اعتذاري من عدم تلبية الدعوة»، كان يطير بجناحٍ مضري يعبر كل لفظٍ نافلٍ، ويكره الثقل النغمي وكثرة المضافات، ويثق في فطنة سامِعِه، ويحذف كل ما دلَّت عليه القرينة، بينما ظل هواة قل ولا تقل يعثرون عِثارًا أرضيًّا ويَعكزون على عُكَّازاتٍ أرسطيةٍ ويدبُّون دبيبًا!
نلعب في الوقت الضائع
إذا كانت اللغات جميعًا لغاتٍ تمشي فإن العربية لغةٌ تطير!
قريب من ذلك أيضًا تعبير «يلعب في الوقت الضائع»، ونعلم جميعًا أن الصواب «يلعب في الوقت بدل الضائع»، بعد تدخل المعالجة «المنطقية» للمسألة، وإفسادها لجمال التعبير الأصلي «في الوقت الضائع» الذي نحسُّ له وقعًا شعريًّا مؤثرًا، (٢) تقف الذائقة غير قريرة: ثمة قيمةٌ أهدرت … شيءٌ من قلب اللغة قد احتُرِش … شيء من سر العربية أُهين، لكأن الكيان المجازي قد لم متاعه ورحل!
قال تعالى: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾، لا بدله أو نتاجه بل هو، ولقد أهدرنا وقتًا (ضائعًا) وها نحن نلعبه (واحتذاءً بالآية: هذا ما أضعتم من وقتٍ فالعبوا ما أضعتموه)، بل انظر إلى قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ ولم يقل «عنبًا» (باعتبار ما سيكون).
لكي نفهم الظاهرة اللغوية فإن علينا أولًا أن نتعوَّذ من وسواس المنطق: اللغة التي تجيز أن نقول: «عامر»، ونعني «معمور»، و «فاقد» ونعني «مفقود»، ونقول: «لا عاصم»، ونعني «معصوم»، ونقول: «كاسية» ونعني «مكسوة»، ونقول: «لا غني ولا فقير»، و «لا حلو ولا حامض»، و «لا شرقية ولا غربية»، ونقول لصبينا: اذهب إلى السوق وهات عنبًا حامضًا، ونقول: أكل المال، شرب الكأس، قتل الوقت (لهوًا)، قتل الأمر (بحثًا)، تركت
стр. 161
لمن «كان» بعدي، والموعد الله - مثل هذه اللغة لا تؤتى بالمنطق الأرسطي ولا الإقليدي، بل بمنطقها، هي لغةٌ تتكئ على فهم المخاطب وتلتئم بمعقوله وتثق في ذكائه. يقول الجاحظ: «للعرب إقدامٌ على الكلام، ثقةً بفهم المخاطب من أصحابهم عنهم.»
كم ذا أضرَّ باللغة وآذاها هواة قُلْ ولا تقل، وها هو حصاد زرعهم: ناسٌ طيبون أصابهم القنوط، فانفضوا عن العربية (وفي القلب ثأرٌ كظيم)، ولم يعودوا يقدرون على صواب ولا على خطأ.
يقول د. محمد كامل حسين «إن اللغويين يخطئون حين يظنون أن الإضافة إلى اللغة إضعاف لها، وأن المحافظة عليها بتقييدها، والمحافظة على لغة ما لا تكون إلا بجعلها مطابقة لتفكير أهلها، وترك الحرية لكتابها أن يزيدوا ما دلهم عليه الذوق والحاجة، وخطِئ اللغويون في إسرافهم في تخطئة الناس، وجدلهم حول ما هو خطأ، والجدل حول صحة كلمة «افتكر» و «احتار» و «اعتاد» لا داعي له، فكلها صحيحة، والكاتب المتأنق يختار «تفكَّر» و «حار» و «تعود» حين يقتضي مستوى أسلوبه أن يختار أرشق الألفاظ وأفصحها، ويجب أن نقدر أن عهد تحكم الأجرومية في اللغة العربية قد انقضى أو كاد، وأن علينا أن نسارع إلى تنظيمٍ يوائم عصرنا، والتفكير اللغوي الحديث قوامه الوضوح والدقة، فإن لم نفعل فسيقوم عهد اللغة الجديد على الفوضى والاضطراب وتحكم من لا ذوق لهم ومن لا علم لهم بأصول اللغات والأساليب.» (١)
ورحم الله شيخنا أمين الخولي، القائل في خاتمة بحثه «لسان العرب اليوم» أمام المجمع: «وقد بدا من واقع التاريخ أن تتبع الصواب وإعلانه أجدى من تتبع الخطأ وإعلانه، وإلى هذا التصويب صار الأمر أخيرًا، كما رأينا فهو سبيل التقريب أو التوحيد، ورحم الله أبا حنيفة، في قياسه مع حجامه، حين قال له الحجَّام: إن تتبع الأبيض من الشعر يكثره، فقال أبو حنيفة: تتبع مواضع السواد لعله يكثر، وقد تتبعوا مواضع الغلط فاستفحل الأمر فيه، فهلا نتتبع مواضع الصواب فيشيع ويغلب، وذلك ما تشهد به تجارب المصلحين والمربين … تلك مواقف عملية، إن وافقتم عليها فبها، وإلا فواقع الحياة أغلب.» (٢)
стр. 162
الفصل السابع
ازدواجيتنا اللغوية «العامية والفصحى»
ليس لهذه الأدواء القومية التي تمتص من مصر حيويتها، من علة إلا هذه اللغة المتآكلة التي لا تساير مطالب الجماعة الناهضة.
محمد العلاني
مقدمة «فن القول» لأمين الخولي
كتب الأستاذ العقاد في أبريل ١٩٢٧ م: «إن في كل أمةٍ لغة كتابةٍ ولغة حديث، وفي كل أمةٍ لهجة تهذيبٍ ولهجة ابتذال، وفي كل أمة كلام (١) له قواعد وأصول وكلام لا قواعد له ولا أصول، وسيظل الحال على هذا ما بقيت لغة وما بقي ناسٌ يتمايزون في المدارك والأذواق.» (٢) وفي الأربعينيات من القرن الماضي كتب د. علي عبد الواحد وافي: «فاختلاف لغة
стр. 163
الكتابة عن لغة التخاطب ليس إذن أمرًا شاذًّا حتى نلتمس علاجًا له، بل هو السُّنة الطبيعية في اللغات، ولن تجد لسُنة الله تبديلًا.» (١)
كان هذا الرأي حول الازدواجية اللغوية، الذي تلخصه فقرتا الأستاذ العقاد والدكتور وافي، سائدًا بين الكثير من النخبة المثقفة في النصف الأول من القرن العشرين، إذ كانت «النهضة» في أوجها و «التنوير» يمضي في عنفوانه مطمئنًا إلى نتائجه واثقًا من مآله، (٢) وأقرب ما ننعت به هذا الرأي المتفائل هو أنه «يحل المشاكل بإنكارها»، نعم، في كل أمةٍ لغةٌ عامية ولغة فصحى، ولكن الفجوة بين العامية والفصحى في لغتنا ليست كنظيراتها في اللغات، إن بين عاميتنا وفصحانا فروقًا صوتية ونحوية وصرفية ومعجمية تجعل منهما، بقليل من التجوز، لغتين منفصلتين، (٣) كان هذا واضحًا حتى لابن خلدون (في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي) الذي يقول في «المقدمة»: «اعلم أن عرف التخاطب في الأمصار وبين الحضر ليس بلغة مُضر القديمة ولا بلغة أهل الجيل، بل هي لغةٌ أخرى قائمة بنفسها بعيدة عن لغة مضر وعن لغة هذا الجيل العربي الذي لعهدها، وهي عن لغة مضر أبعد، فأما أنها لغةٌ قائمة بنفسها فهو ظاهر، يشهد له ما فيها من التغاير الذي يعد عند صناعة أهل النحو لحنًا.» (٤) ثمة نسقان نحويان متعارضان في قلب العربية: النسق الإعرابي المرن في الفصحى، ونسق إسقاط الإعراب والاعتماد على الترتيب المقيد لعناصر الجملة في العامية، يمثل هذان النسقان مرحلتين نحويتين في تطور اللغة. وثمة فروقٌ أخرى كبيرة: تخفيف الصوامت الثقيلة في النطق، إلغاء الحروف الأسنانية
стр. 164
(الظاء والذال والثاء)، تقديم الفاعل على الفعل، الاستفهام دون حرف استفهام اعتمادًا على تغيير مواضع النبر … إلخ.
في بحثٍ بعنوان «لسان العرب اليوم» المقدم إلى مجمع اللغة العربية عام ١٩٦١، يعرض الأستاذ أمين الخولي لتاريخ الصراع بين الفصحى والعامية عبر الزمن، ويخلص إلى مواقف عملية في تقريب اللغتين وصولًا للوحدة، ومنها الأخذ من فصيح العامية وتعميم استعماله، وأخذ المجمع من الحياة وعدم الاكتفاء بإعطائها، وفي مناقشات الأعضاء للبحث يعقِّب الدكتور إبراهيم مدكور بقوله: « … لغة التخاطب تختلف نوعًا ما عن لغة الكتابة في كل أمة وفي كل حضارة … أما توحيد هاتين اللغتين فلا محل له بحال، ولا يتفق مع علم اللغات المقارن في شيء … » وفي تعقيب الأستاذ أمين الخولي على التعقيب يقول: « … الصحيح أن الفرق هو بين لغة الأدب ولغة الحديث، أما الفرق (بين لغة الكتابة ولغة الحديث) في اللغات الأجنبية فمعدوم أو كالمعدوم … » ويكفي أن يقارن المرء بين لغة فيلم إنجليزي ولغة نشرة إنجليزية ليدرك صواب الشيخ أمين الخولي فيما ذهب إليه: فليس بين عامية الإنجليز وفصحاهم فرقٌ نوعيٌّ يذكر.
(١) تجربة من مختبر الحياة
معيار اللهجة إمكان التفاهم: فمحك التفرقة بين اختلاف اللهجتين واختلاف اللغتين هو إمكان الفهم المتبادل، بمعنى أن صاحبي اللهجتين المختلفتين يفهم أحدهما الآخر، بعكس صاحبي اللغتين المختلفتين. إذا كان هذا هو المحك فإن لدينا دليلًا حيًّا على أن عاميتنا وفصحانا هما لغتان منفصلتان، وهو أن دارسي العربية الفصحى من الأجانب لا يفهمون شيئًا إذا أنت حدثتهم بالعامية الخالصة، يعرف ذلك كل من أتيح له هذا المشهد الطريف وتعامل مع أشخاص أجانب ممن درسوا العربية في جامعاتهم وأتقنوها. ولسوف يضطر إلى التخاطب معهم بالفصحى، حتى في أمور الحياة اليومية؛ لكي يفهموا عنه! هذه تجربة سديدة بوسعك إجراؤها في مختبر الحياة و «إعادة إجرائها» Replication كما تشاء. فهذا الأجنبي يتقن العربية الفصحى وقد درسها أكاديميًّا مثلما درسناها في مدارسنا، غير أنه، بحكم ظروفه الجغرافية، لم يعرف العامية ولم يتعرض لها قط، أي أنه خلوٌ من الازدواجية اللغوية (الفصحى/ العامية) التي نتحلى بها، إنه يمثل «الفصحى الخالصة» أو المحضة التي لا تتوافر لأي منا من حيث إننا ثنائيون تعرضنا لكل من الفصحى والعامية. مثل هذا الشخص هو وحده من يخبرنا أتكون الفصحى والعامية «لهجتين» أم «لغتين».
стр. 165
(٢) ثنائية إفقار لا إثراء
ازدواجنا اللغوي إذن ليس كغيره من ضروب الازدواج (لغة الكتابة/ لغة الكلام) في اللغات الأخرى، غير أن «ذلك الازدواج لا يعني امتيازًا يتمثل في امتلاك لغتين، بل يعني الافتقار إلى لغةٍ واحدة منسجمة مكتملة الحلقات كلغة، بكل ما تعنيه حالة أمةٍ بلا لغة، أو حالة أمةٍ ذات لغة تعاني من الازدواج والانشطار والتشوه.» (١) «العامية ليست لغةً مكتملة الحلقات كما أن الفصحى ليست لغة مكتملة الحلقات، ذلك أن الفصحى عاجزة منذ قرون وقرون عن الاستمرار كلغة كلام وحياة يومية. وهي بذلك لغةٌ ناقصة، كما أن هذا النقص، هذا الانفصال عن الحياة اليومية، يفقرها ويحرمها من حيوية الحياة ويجرِّدها من القدرة على التعبير عنها بالحيوية المطلوبة … والعامية رغم كل التطور الذي حققته والمكاسب التي أحرزتها تظل محرومة من ثروة خبرات الفصحى في التعبير عن الثقافة العربية، فالفصحى هي حامل هذه الثقافة القومية. وهكذا نجد العامية عاجزة، بحكم عدم الممارسة، وبحكم وقف النمو المفروض عليها، عن أن تكون لغة الفكر والفلسفة والأدب … إلخ، وبهذا يتضح أن الازدواج يعني عدم اكتمال حلقات الحياة اللغوية، وضرب التمكن والإتقان في الصميم، وبالتالي حرمان اللغتين (الفصحى والعامية) من اكتمال صفة الفصاحة الضرورية لكل لغة لتكون لغةً بالمعنى الصحيح والكامل للكلمة.» (٢) وإذا كانت اللغة هي الفكر أو «دالة الفكر» (دي لاكروا)، وإذا كانت كل أمة تتكلم كما تفكر وتفكر كما تتكلم (هردر)، فإن العقل العربي المشطور بين الفصحى والعامية مهدَّد بالتشوش والاضطراب وانعدام الوضوح والدقة.
يستهل الأستاذ أمين الخولي كتابه «مشكلات حياتنا اللغوية» بالحديث عن ظاهرة «الازدواج اللغوي» التي تجعل المجتمعات العربية «تحيا وتشعر وتتعامل وتتواصل بلغة يومية مرنة نامية متطورة مطاوعة، ثم هي تتعلم وتتدين وتحكم بلغةٍ مكتوبة محدودة غير نامية، لا تطوع بها الألسنة، وتتعثر فيها الأقلام، وهذا الازدواج اللغوي القهري يُصدِّع وحدتها الاجتماعية ويفرِّقها طبقات ثقافية وعقلية، وبهذه الوحدة المرضوضة
стр. 166
الواهنة تمارس الحياة العملية وهي خائرة التماسك فاترة التعاون إن لم تكن فاقدته … اللغة التي هي وسيلة كسب المعرفة قد صارت هي نفسها مادةً صعبة التعلم سيئة النتائج … وإذا الكثرة الكاثرة تحيا حياةً تئود كل تقدمٍ وتعوق كل نهوض، بسببٍ من اللغة.» (١)
للأستاذ محمد العلائي، وهو من «الأمناء» - تلامذة الشيخ أمين الخولي - نظراتٌ تشخيصية ثاقبة لأدواء العربية، منشئها وأعراضِها ومخاطرِها المحتملة. يقول في تقديمه لكتاب أستاذه «فن القول»: «لقد كان لطبيعة الشخصية المصرية هذه منذ القدم نتائجها في استقبال المجتمع للغة المفروضة، وفيما يأخذ به نفسه من المداراة والمصانعة، حين يتناول اللغة الوافدة على أنها ضرورية، ويظل يلتوي بها وينحرف، حتى ينتزع من كيانها لباب دلالتها، واضعًا مكان هذا اللباب ما يلتئم مع الفطرة المصرية، ويلتقي بملابساتها الإقليمية، مفهومًا وإحساسًا. ومن أعراض هذه الحكمة المصرية ما حدث للعربية الفصيحة، حين جاءت المصريين محفوفة بسلطان الدين، وسيف السياسة، فتناولتها الروح المصرية المستترة بالملاطفة والمسايرة، حتى أفقدتها خصائصها الجذرية، وأفعمتها من ذات شخصيتها وأجوائها؛ ما أدى إلى انشعاب العربية إلى لغتين: عاميةٍ وفصيحة، وانزواء الفصيحة مكتفيةً بظاهر من الحياة في أجواء البيئة التعليمية، وفي الرسميات المفروضة على الملكات والألسنة، تاركةً للعامية خصائصها المرهفة، في رصد الأعماق الشعبية، وفي تسجيل النزعات المتراجعة إلى هذه الأعماق، بما تحمل من آلامٍ وآمال، وجعلت أمواج العامية والفصيحة تلتقي وتتنافر، وتتقارب وتتدافع، حتى أصبح الكيان المصري، في هذه الحالة الأخيرة، على وضعٍ فني ممسوخ، لا يتميز بلونٍ ولا طعم ولا رائحة، وأصبح الفن القومي على وضعه ذلك يستقبل الحياة من نوافذ العقل بلغةٍ تغاير كل المغايرة وتختلف كل الاختلاف مع هذه اللغة التي يضطر إليها حين يعبر عما استقبل من نوافذ الحياة، وتلك هي المحنة القومية البالغة، التي أمسكت بالفن المصري وأصابته بالتيبس والجمود، وحالت بينه وبين أسباب النشاط، التي من شأنها أن تعمل على خلق الإحساس بالكرامة القومية، وتنمية العقيدة التي تحمي هذه الكرامة،
стр. 167
وتتكفل بتنظيم وسائلها، وتشخيص مقوماتها، وتكون مسئولةً أمام الوعي الجماعي عن استرخاء الملكات الفنية وميوعة الضمير.» (١)(٣) انسداد طرق التطور
لا نحن نحيي الفصحى بالاستعمال والتعريب، ولا نحن نترك العامية تنمو وتكتمل وتُنحِّيها.
إن حالنا في الثنائية اللغوية أشبه بحال أصحاب اللغات الرومانية Romance languages (الفرنسية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية ولغة رومانيا) في نهاية العصور الوسطى وفي عصر النهضة وبداية العصر الحديث، فقد كان هؤلاء ثنائيين: لغة كتابتهم لاتينيةٌ ولغة حياتهم عامياتٌ تنمو على ظهر اللاتينية، وكانت عاميتهم مختلفة عن اللاتينية اختلافًا جوهريًّا في أصواتها ومفرداتها ودلالاتها وقواعدها، «حتى إن الفرنسي مثلًا الذي لم يكن قد تعلم اللاتينية ما كان يستطيع أن يفهم شيئًا يعتدُّ به من اللغة التي كان يكتب بها الناس في بلده وهي اللاتينية. وقد ظلت اللاتينية القديمة لغة كتابةٍ حتى نضجت لهجات محادثاتهم وكمل نموها؛ فاستطاعت أن تنحِّي اللاتينية عن وظيفتها وتحتل مكانها، فأصبحت الفرنسية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية ولغة رومانيا، التي كانت لهجاتٍ عاميةً تستخدم في المحادثة العادية فحسب، أصبحت لغات كتابة وآداب، وقد تم ذلك حوالي القرن السابع عشر الميلادي.» (٢) ثم بدأت لغة الكتابة هذه تتباعد رويدًا رويدًا عن لهجات الحديث، ولكنا نرى أنها لا تختلف حتى الآن اختلافًا نوعيًّا عن اللهجات، ولا نحسبها تختلف في المستقبل المنظور نظرًا لارتفاع نسبة التعليم ومستواه في هذه البلاد، وبالنظر إلى ثورة الاتصالات التي تحول دون انعزال اللهجات وتحوُّلها.
غير أن د. وافي سار بتقديراته في طريقٍ آخر، ولا ننسى أنه كتب هذا الكتاب عام ١٩٤٥، فهو يرى أن الهوة بين عاميتهم وفصحاهم ستزداد اتساعًا «حتى تصل هذه الأمم إلى حالةٍ شبيهةٍ بالحالة التي كانت عليها وقت أن كانت لغة الكتابة فيها هي
стр. 168
اللاتينية. فاختلاف لغة الكتابة عن لغة التخاطب ليس إذن أمرًا شاذًّا حتى نتلمس علاجًا له، بل هو السُّنة الطبيعية في اللغات، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.» ولعل من الواضح الآن أن حديث الدكتور وافي، في أحسن تقدير، لم يكن متسقًا مع ذاته، فهو من جهة يقول إن الانشعاب وانفصال العاميات إلى لغات كتابة هو مآلٌ محتومٌ تفرضه سُنة التطور، ومن جهة أخرى يحذِّر من كوارث الكتابة بالعامية، وينعى عليها اضطرابها وفقرها: «فاللغة العامية التي يرى هؤلاء استخدامها في الشئون التي تستخدم فيها الآن العربية الفصحى لغةٌ فقيرة كل الفقر في مفرداتها، ولا يشتمل متنها على أكثر من الكلمات الضرورية للحديث العادي، وهي إلى ذلك مضطربة كل الاضطراب في قواعدها وأساليبها ومعاني ألفاظها وتحديد وظائف الكلمات في جملها وربط الألفاظ والجمل بعضها ببعض، وأداةٌ هذا شأنها لا تقوى مطلقًا على التعبير عن المعاني الدقيقة، ولا عن حقائق العلوم والآداب والإنتاج الفكري المنظم.» (١) وإننا لنضطر اضطرارًا في أحاديثنا العادية إلى اتخاذ الفصحى كلما احتجنا إلى التعبير عن حقائق منظمة وأفكار مسلسلة لا تسعفنا فيها مفردات العامية ولا قواعدها، «فإذا لم نجد أمامنا لا قدر الله إلا اللغة العامية نستخدمها في جميع شئون تفكيرنا وتعبيرنا لتقطعت بنا أسباب الثقافة ونكصنا إلى الوراء قرونًا عديدة، وقُضي على نشاطنا الفكري قضاءً مبرمًا؛ لأن الفكر إذا لم تسعفه أداةٌ مواتية في التعبير خمدت جذوته، وضعف شأنه، وضاق نطاقه، واقتصر نشاطه على توافه البحوث وسفساف التأملات، فاللغة هي القالب الذي يُصَبُّ فيه التفكير: فكلما ضاق هذا القالب واضطربت أوضاعه ضاق نطاق الفكر واختل إنتاجه.» (٢)
ويمضي د. وافي في رصد الكوارث التي يمكن أن تُلحِقها الكتابة بالعامية، فيذكر منها انعزال الأجيال القادمة عن تراث أمتها وعجزها عن فهمه والانتفاع به، والضرر القومي البليغ المتمثل في تشرذم الأمة إلى جماعات لكل منها لغته الخاصة التي لا تفهمها الجماعات الأخرى، كما أن العامية نفسها في كل بلد غير ثابتة على حال واحدة بل عرضة للتطور السريع في أصواتها ومفرداتها ودلالاتها وقواعدها، وسرعان ما نجد أنفسنا أمام المشكلة نفسها التي التجأنا في حلها إلى اتخاذ العامية لغة كتابة، «وذلك أن لغة الحديث سوف تتطور وسوف ينالها كثيرٌ من التغير في أصواتها ودلالاتها وقواعدها وأساليبها،
стр. 169
ولن تزال كذلك حتى تبعد بعدًا كبيرًا عن لغة الكتابة؛ فنصبح وإذا بنا نكتب بلغةٍ ونتخاطب بلغةٍ أخرى، فإذا صبرنا على هذا الازدواج ذهب كل ما عملناه في هذا السبيل أدراج الرياح، وإذا أخذنا على أنفسنا العمل على القضاء عليه كلما ظهر باستخدام الوسيلة نفسها التي استخدمناها في المرة الأولى، كان معنى ذلك أننا نضطر على رأس كل خمسين سنة أو كل قرن على أكثر تقدير إلى تغيير لغة الكتابة بلغةٍ أخرى: وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه الفوضى في شعب إنساني.» (١) يضاف إلى هذا كله أن العامية تختلف داخل الشعب الواحد إلى عاميات بعدد المناطق والطوائف، فالقضاء على الازدواج لا يكون إلا بأن تصطنع كل منطقة لغة كتابة تتفق مع لغة حديثها، «وبذلك يصبح في البلاد العربية آلافٌ من لغات الكتابة بمقدار ما فيها من مناطق ومدن وقرى، ولا أظن عاقلًا ينصح بمثل هذه الفوضى.»
ويرى د. وافي أن حل الازدواجية بالصعود بلهجة الحديث إلى العربية الفصحى هي أمنيةٌ غالية ولكنها غير ممكنة التحقيق؛ وذلك لسببين: الأول أن لغة المحادثة لا تُفرَض فرضًا ولا يمكن النكوص بها إلى الوراء لأن من سنتها التطور والتبدل وفقًا لنواميس قاهرة لا تخضع لإرادة الأفراد، والسبب الثاني أننا حتى لو افترضنا جدلًا أننا نجحنا في تعميم الفصحى وجعلنا كل العرب يتحدثون بالفصحى، فإن هذه اللغة المفترضة لا تلبث بعد تداولها على الألسنة أن تخضع لجميع القوانين التي تخضع لها اللغات الطبيعية، وسرعان ما تختلف هذه اللغة من جماعة إلى أخرى وفقًا للظروف الجغرافية والاجتماعية والجينية الخاصة بكل منها، وسرعان ما تختلف من جيل إلى جيل، وسرعان ما تنشعب هذه الفصحى الخيالية إلى لهجات وتتسع الهوة بين هذه اللهجات «ولا بد أن تسير في المراحل نفسها التي سارت فيها العربية الفصحى من القرن السابع الميلادي إلى الوقت الحاضر، وتنتهي إلى النتيجة نفسها التي انتهت إليها. وهكذا لن يمضي زمن قصير أو طويل حتى تنبعث مرةً أخرى المشكلة نفسها التي حاولنا القضاء عليها، وحتى نرى الناس يتحدثون بلهجات تبعد بعدًا كبيرًا عن لغة الكتابة.» (٢)
تعاني تنظيرات د. وافي من عدم اتساقٍ واضح؛ فقد أسهب في تبيان قوانين التطور وحتميته، وحدد اتجاهه: من لغة كتابة تنشعب عنها عاميات ما تلبث أن تنضج وتنحي
стр. 170
الفصحى القديمة وتحل محلها … ثم يحذر في الوقت نفسه من تبنِّي العامية كلغة كتابة لأن مآلها التطوري معلومٌ ووخيم! ومن البيِّن أنه بذلك يسد الطرق أمام اللغة، ويتركنا في موقفٍ أشبه بالتوقف اللغوي: فلا نحن نملك إحياء الفصحى وتعميمها، ولا نحن ننصح بتبني العامية وإنضاجها والكتابة بها!
وهناك موقفٌ آخر يبدو متناقضًا للوهلة الأولى ولكنه في الحقيقة متسقٌ (مع ذاته على أقل تقدير)، وهو موقف د. رمضان عبد التواب إذ أسهب في كتابيه «التطور اللغوي» و «بحوث في فقه اللغة» في تبيان نواميس التطور وحتميته: «تلك سنة الحياة، وتاريخ اللغات يشهد بهذا، ولا نعرف لغةً على ظهر الأرض جمدت على شكلٍ واحد مئات السنين»، ثم يعود ويستثني العربية من هذه السنن لأن لها «ظرفًا خاصًّا لم يتوفر لأية لغة من لغات العالم، وهذا الظرف يجعلنا نرفض ما ينادي به بعض الغافلين، عن حسن نية أو سوء نية أحيانًا، من ترك الحبل على الغارب للعربية الفصحى، لكي تتفاعل مع العاميات، تأخذ منها وتعطي، كما يحدث في اللغات كلها … لأنها ارتبطت بالقرآن منذ أربعة عشر قرنًا، ودوِّن بها التراث العربي الضخم … » (١) ويدعم د. عبد التواب رأيه بقوله: «هذا هو السر الذي يجعلنا لا نقيس العربية الفصحى بما يحدث في اللغات الحية المعاصرة، فإن أقصى عمر هذه اللغات، في شكلها الحاضر، لا يتعدى قرنين من الزمان، فهي دائمة التطور والتغير، وعرضة للتفاعل مع اللغات المجاورة، تأخذ منها وتعطي، ولا تجد حرجًا؛ لأنها لم ترتبط في فترة من فترات حياتها بكتابٍ مقدَّس، كما هو الحال في العربية.» (٢) ويزيد د. عبد التواب موقفه قوةً واتساقًا (ذاتيًّا) بقوله: «إن العربية تحمل في طبيعة تكوينها عنصر التجدد والحياة، إن أفاد أهلها من منهجها العظيم في القياس، والاشتقاق، والنحت، والتعريب.» (٣)
غير أن الاحتضار المشهود للفصحى اليوم ربما ينال من «الاتساق الخارجي» لنظرية د. عبد التواب، ويتركها بحاجة إلى اكتمال، ونحن نخشى أن تكون الغيرة المفرطة على الفصحى عاطفةً انتحارية أفضت إلى هذا الاحتضار المشهود. ويبدو أننا قد تجاوزنا مرحلة الكراهة والبغض للفصحى إلى مرحلة السخرية والضحك، وهل تعد حيةً لغةٌ
стр. 171
يضحك منها أهلها ولا يفهمونها ولا يتحدثون بها في جدٍّ ولا هزل؟ أرى أن الفصحى في موقفٍ لا يحتمل أي نعرة أو تصلب أو نرجسية جريحة، ويليق بنا أن نأخذ أمرها بشيءٍ من اللين والحصافة والقصد.
لقد استنفد المحافظون جهدهم طوال قرنٍ في مهاجمة العامية (١) وتتبع لحن العامية والتنديد به، بينما كانت العامية «تلقى هذا كله بقوةٍ خفية، توشك أن تكون سحرية، هي قوة الحياة، وقوة المجتمع، فهي من الحياة وفي الحياة، وهي تستجيب لسنن الاجتماع مرنةً طيعة، فلا تتأثر بتلك المهاجمة، بل مضت تنمو نموًّا مطردًا، فتثري في مفرداتها، وتزيد طاقاتها الفنية، فتتخذ أوزانًا للفن القولي جديدة، غير تلك التي عرفتها الفصحى، وبهذه القوة تقدمت فألْزمت الفصحى مكانها المحدود، في الحياة الرسمية، دينيةً وحكوميةً، ومبلغ أمرها، في أحسن تصوير، أنها لغة القلم، والعامية لغة اللسان، وإنما اللغات صناعة الألسنة.» (٢)(٤) دانتي وفصاحة العامية
قلنا: إن حالنا في الازدواجية اللغوية أشبه بحال أصحاب اللغات الرومانية (الرومانسية/ الشعبية) Romance languages في عصر النهضة، وكان دانتي واحدًا من هؤلاء. في بداية القرن الرابع عشر كتب دانتي دراسة (لم يكملها ولم تصدر إلا بعد قرنين من كتابتها) بعنوان «في فصاحة العامية» De Vulgari Eloquentia (٣) مدح فيها مزايا اللغات المحكية التي يتعلمها الطفل تلقائيًّا وبشكل لا شعوري، وقابل بينها وبين اللاتينية المكتوبة التي تُكتسَب بشكلٍ واعٍ في المدارس عن طريق الأحكام القواعدية
стр. 172
بوصفها لغةً ثانية. لقد تمت دراسة التغيرات الصوتية وتم التعامل مع ظاهرة التغير اللغوي بطريقةٍ منهجية، وربما كانت هذه هي البداية الحقيقية لعلم اللغة التاريخي كما نفهمه اليوم. لم تكن العاميات الرومانية مجردَ لاتينية فاسدة بل لغاتٍ ذات جدارة وقائمةً بذاتها، ومرتبطة تاريخيًّا باللاتينية بطرق مثيرة. تمت مناقشة هذا التغير اللغوي، وقد عزاه الكتاب إلى عوامل الاحتكاك والاختلاط اللغوي، وإلى التغيرات التدريجية المستقلة التي تحدث مع انتقال اللغة المنطوقة من جيل إلى جيل. (١)
يقول دانتي في كتابه «في فصاحة العامية»: «إنني أعرف العامية بأنها اللغة التي يكتسبها الأطفال ممن حولهم عندما يبدءون في نطق الكلمات، وباختصار أكبر، هي اللغة التي نتعلمها بدون أي قواعد على الإطلاق من خلال تقليدنا لمربياتنا.» (٢)
ويقارن دانتي هذا النوع من اللغة ب «النحو» (٣) الذي يعني به اللغة الرسمية؛ لغة الكتابة، وهو ما يصطلح عليه الآن باللغة الفصحى أو المعيارية (اللاتينية في زمن دانتي): «ولدينا بعدئذٍ كلامٌ ثانويٌّ آخر، سماه الرومان النحو، وإن لدى اليونانيين وغيرهم أيضًا هذا الشكل الثانوي للغة … ولكن قلما يكتسبها أحد لأن التمكن من قواعدها وفنها يتطلب وقتًا طويلًا ودراسة مثابِرة.» وبين اللغتين (العامية والفصحى) يعتبر دانتي أن العامية هي الأنبل: «والآن بين اللغتين فالأنبل العامية: أولًا لأنها اللغة الأولى التي نطق بها الجنس البشري، وثانيًا لأن العالم كله يستخدمها وإن بضروبٍ متباينة من النطق والشكل، وثالثًا لأنها طبيعية بالنسبة لنا، بينما الأخرى أكثر اصطناعًا وتعمُّلًا.»
وإن اللاتينية هي لغة الكنيسة، وهي لغة مقدسة، وسيبدو أقرب إلى الهرطقة إذا ما اقترحنا أن اللغة العامية هي الأنبل، ولكن دانتي يعرب عن إعجابه بما هو «طبيعي» في مقابل ما هو «اصطناعي»، أي كل ما يصنعه الفن (٤) … فالفن إنساني في جوهره، في
стр. 173
حين أن الطبيعة إلهية في مصدرها. وفي كتابه «المأدبة» Il Convito الذي كتبه في نفس الفترة التي كتب فيها «في فصاحة العامية»، يدعو دانتي إلى أن يستعمل الناس لغتهم الخاصة لأن ذلك هو الأقرب والأوقع.
والحق أن العامية مغبونة، حتى في اسمها، الذي يومئ إلى تدنيها وسوقيَّتها، بينما هي في الواقع «فصحى الحياة»، ويغلب الاعتقاد بأنها «انحراف» عن اللغة المعيارية، أو تدهور لها أو فساد، بينما هي في أحيان كثيرة «تطور» نحو المرونة والسهولة والاقتصاد والنجاعة الاتصالية، يقول الشيخ أمين الخولي: «كلما بذلت محاولة لتمكين العربية من ابتلاع العاميات قيل إننا ندعو إلى العامية، وبناء على هذا تضيع جهود التيسير وتبقى الفصحى في عزلتها عن لغة الحياة وتبتلعها العامية.» (١) لقد آن لنا أن نفرق بين ما هو عبث وتحلل لغوي و «لحن»، وما هو ارتقاء وإبداع وحيوية … أن نقاوم العبث والتحلل ونشجع الابتكار والتجديد، ونواكب كل ذلك بالتنظير اللغوي الحصيف، وإلى جانب تيار «لحن العوام» و «قل ولا تقل» نشجع أيضًا تيار «صواب العامة» و «رفع الإصر» و «بحر العوام»، (٢) فلا نتحرج من اعتماد الألفاظ المولدة واستلهام العامية واسترفادها والإفادة مما صح منها وفصح وساغ، وأن ننزل هذا العامي الفصيح في معاجم رسمية مصدَّقة معتمدة، (٣) وندرجه في مناهج اللغة بالمدارس؛ حتى يحس أبناؤنا أنهم لا يتعلمون لغةً أجنبية بل لغة حياتهم المألوفة لهم الرفيقة بهم، وتزول تلك الجفوة العتيدة بين الدرس والدارس، ويصير التعلم جهدًا ممتعًا ولا يعود كابوسًا ثقيلًا وعذابًا نكرًا، هنالك تكون هذه العامية المزدراة هي حبل نجاة الفصحى ومجددة دمائها وباعثتها إلى الحياة من جديد!
стр. 174
الفصل الثامن
تعريب العلم
تعليم الأمة بلغتها ينقل العلم بكليته إليها، أما تعليمها إياه بلغة غيرها فإنه ينقل أفرادًا منها إلى العلم.
الشيخ علي يوسف
تعليم المرء بغير لغته أمرٌ شاذٌّ بالغ الشذوذ، ومضاد لطبيعة الأشياء، ومضاد للبيولوجيا، ولا تلجأ إليه الأمم إلا اضطراريًّا، ومرحليًّا. ليس في العالم، شرقه وغربه، أمةٌ تُعلِّم العلم بغير لغتها القومية، باستثناء شعوبٍ بدائية اللغة كالغجر والإسكيمو والأفريقيين، وشعوبٍ متعددة اللغات كالهنود. جميع دول العالم على اختلاف حجمها، وتعدادها، وعائلتها اللغوية، ودرجة تقدمها، تُعلِّم العلم بلغتها: ألبانيا، تركيا، بلغاريا، هولندا، فنلندا، اليونان، إيطاليا، روسيا، الصين، كوريا، اليابان، إيران، إسرائيل … «يروي د. إسحاق الفرحان عضو مجمع اللغة العربية الأردني أنه كان بصحبة وزير التربية الأردني يحضران حفلًا للسفارة الكورية في عمان، فسأل وزيرُ التربية السفيرَ الكوري: بأي لغة تدرسون الطب والهندسة والعلوم في بلادكم؟ فلم يجبه السفير، ولما كررتُ عليه أنا السؤال نظر إليَّ السفير قائلًا: وهل هذا سؤالٌ يُسأل؟ بالكورية طبعًا!» (١)
لم يفهم الرجل السؤال أول مرة، وظن أن في الأمر «لعبة»؛ فالسؤال غريبٌ عنده غرابة التعريب عندنا! لقد نشأنا نرى العلم يُدَّرس عندنا بالإنجليزية فحَسبْنا ذلك أمرًا طبيعيًّا، وما هو بالطبيعي، وإنما «أعمانا الإلف فلم نعد نرى في الغريب غرابته»
стр. 175
باستعارة تعبير د. زكي نجيب محمود (في مقامٍ آخر)، و «اكتسب المؤقت والاستثنائي (عندنا) ديمومةً بل شرعية» باستعارة تعبير د. مفيد أبو مراد. يبدو أن في جِبلَّة العقل البشري، بوصفه رهين الثقافة وصنيعتها، أن يعبر «فجوة هيوم» وثبًا؛ فيقفز مما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون، ويميل إلى أن يرى أوضاعه التي نشأ عليها، مهما بلغت من سوءٍ وشذوذ، لا كمجرد أوضاعٍ معطاةٍ «للوصف» و «النقد» و «التغيير»، بل كمقاييس للصواب والسواء والخير و «معايير» للقيمة. هذا ما جعل أستاذًا في الطب مثل د. نادر عبد الدايم يصف دعوة تعريب الطب ب «النكبة» و «الكارثة»، وكأن تسمية «الهارت» ب «القلب» ستصيبه بأزمة، أو أن تسمية «الأَبْدومِن» ب «البطن» ستحول دون فتحه!
الحق أن ما نحن فيه هو النكبة، وليتها نكبةٌ واحدة أو ذات بُعدٍ واحد، ولكنها نكبةٌ تَساقطُ نكباتٍ، نكبة مركبة مطبِقة ذات أبعاد أربعة، ذلك أن التعريب (١) (التعريب بحد ذاته) ضرورةٌ قومية، وضرورة علمية، وضرورة نفسية/ اجتماعية، وضرورة لغوية!
(١) التعريب ضرورة قومية
لغة الأمة هي وعيها وضميرها، وكبرياؤها وعرضها، والأمة التي لا تصون لغتها من العبث والتحلُّل لن يبقى لها شيءٌ تصونه.
كان من روابط وحدة اليونانيين في مقاومة الغزاة الفرس أن المجتمع اليوناني بأكمله تربطه صلة الدم الواحد واللسان الواحد.
هيرودوت
من شأن التعريب أن يقوي الشعور بالانتماء والنخوة القومية، ويعزز الثقة بالنفس والاعتزاز بالهوية. يقول د. كمال بشر: «ليس من المقبول شكلًا وموضوعًا أن يظل العلم (أو بعض فروعه) في البلاد العربية أسيرًا للغاتٍ أجنبية تفكيرًا وتناولًا وتحصيلًا حتى هذه اللحظة، ذلك أن إيثار اللغات الأجنبية على لغتنا القومية فيه تقليلٌ لشأنها
стр. 176
وإضعافٌ لمنزلتها بين الناس، وربما يؤدي ذلك في النهاية إلى خلق جوٍّ علمي ثقافي مضطرب لا هو إلى الأجنبي ينتمي، ولا إلى العروبة ينتسب، وإنما هو جوٌّ فاقد الهوية مشتَّت السمات مشرد القسمات، ليس له حدود ضابطة ولا أصول ثابتة، وهذا هو الضياع القومي والانهيار الفكري الذي ينذر بمحو روح الانتماء التي تُعدُّ اللغة قطبها الذي يتجمع وتتمثل فيه كل القيم والمُثل وأنماط السلوك الفارقة بين قوم وقوم والمميزة لأمة عن أخرى.» (١)
ويقول د. محمود فوزي المناوي: « … وتعليم أجنبي بلغةٍ يزهو بها أصحابها وتزيد من تغريب شبابنا وعدم انتمائه. إن العرب يعيشون الآن مرحلة العولمة وهم يعانون الضعف والوهن الواضح، إننا أمام تحدٍّ خطير، فنحن في الوقت الذي نتطلع فيه إلى المستقبل بأمل المشاركة الفعالة في الحضارة الإنسانية نضع أيدينا على قلوبنا خشية ضياع هويتنا، والخوف كل الخوف من عدم استعمال الأسلوب العلمي في مواجهة العولمة، وأن يكون رد الفعل عندنا يفتقر إلى العقلانية فيتحه إما إلى تطرفٍ يتبنى الثقافة الغربية (التغريب) أو تطرفٍ ينحو نحو الانغلاق ورفض التعامل، وكلاهما كارثتان محققتان.» (٢)
تلك أصداءٌ معاصرة لنذرٍ تاريخيةٍ أقدم: يقول ابن حزم في «الإحكام»: «وأما من تلفتْ دولتهم وغلب عليهم عدوهم، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم، فمضمونٌ منهم موت الخواطر، وربما كان ذلك سببًا لذهاب لغتهم.» (٣) وفي «المقدمة» يقول ابن خلدون: « … وربما بقيت اللغة العربية المضرية بمصر والشام والأندلس بالمغرب لبقاء الدين طلبًا لها، فانحفظت بعض الشيء، وأما في ممالك العراق وما وراءه فلم يبق له أثرٌ ولا عين، حتى إن كتب العلوم (٤)
مهدَّدون نحن بالذوبان في عصر العولمة إذا لم نُحكِم قبضتنا على جمرة اللغة.
стр. 177
لم يعُد الاحتلال احتلال أرضٍ أو موارد ماديةٍ، إذن لكان الخلاص منه أيسر بما لا يقاس، الاحتلال اليوم هو احتلال العقل، احتلال الوعي، يتأتى بالمعلومة وبالمخترَع وباللغة، ولا يتم الاحتلال اليوم بالقهر والإرغام، وإنما بالرضا والوفاق وطيب الخاطر، وربما برغبةٍ من المهزوم ولهفةٍ وولوع. لم تعد كلمة «محتل» اسمَ فاعل بل اسم مفعول. يذكرنا هذا الاحتلال الجديد بقصر اللابرنت الذي صنعه ديدالوس لمينوس ملك كريت، ومن خصائصه أن من دخله لا يستطيع أن يجد منه مخرجًا. في رواية «ثيسيوس» لأندريه جيد، يقول ديدالوس مخاطبًا ثيسيوس: «وقد قدَّرتُ أن ليس هناك سجنٌ يستطيع أن يمتنع على رغبة السجين في الفرار، وأن ليس هناك أسوار ولا خنادق تستعصي على الجراءة والعزم، فرأيت أن الخير أن أقيم البناء وأنظمه بحيث لا يكون مُعجِزًا لساكنه عن الهرب بل مانعًا له من التفكير في الهرب، فجمعت في هذا البناء ما يستجيب لشهوات الناس على اختلافها … وكان يجب أيضًا بل قبل كل شيء أن أُضعِف إرادتهم … فاتخذت مواقد لا تخمد نارها في ليل أو في نهار … والأبخرة التي تصاعد منها لا تنيم الإرادة وحدها، ولكنها تشيع سكرًا خلَّابًا، وتدفع إلى فنون من الخطأ المغري، وإلى ضروب من النشاط الفارغ … ولكن أشد من هذا كله غرابةً أن هذه العطور إذا استنشقها الإنسان حينًا لم يستطع أن يستغني عنها؛ لأن الجسم والعقل قد اتخذ منها متاعًا لا قيمة بإزائه للحياة الواقعة ولا رغبة في العودة إليها، وإنما هو البقاء المتصل باللابرنت.» (١) والاستهلاك والتغريب.
كان غاندي يولي أهمية عظمى لقضية اللغة الوطنية، وينظر إليها باعتبارها رمزًا سياسيًّا، «وكان مما أعلنه غاندي عام ١٩٢٠ أن الأمة قد عانت كثيرًا من استخدام اللغة الإنجليزية؛ مما حرم الأجيال من اكتساب الخبرات المتراكمة بلغة وطنية، وضرب غاندي مثلًا باليابان التي لا توجد بها لغة أجنبية تحل محل اللغة الوطنية في البحث والتعليم؛
стр. 178
مما مكنها من تقديم كل شيءٍ منافس للغربيين بلغتهم اليابانية، وقد تطلَّب منهم ذلك ترجمة المفيد إلى اللغة الوطنية فحولوا التراث الغربي بذلك إلى تراث وطني.» (١)
ومن نكد الدنيا على الحر أن يعظه خصمُه، ويهديه عدوُّه سُبلَ الرشاد: فها هي اللغة العبرية تكشف إصداراتها من الكتب عن اعتزاز باللغة الوطنية: فمن بين ١١٤٧ عنوانًا طبعت عام ٨٦ - ٨٧ ظهر ٨٤? منها ابتداءً بالعبرية، و ١٦? ترجمة إلى العبرية، دون إصدار شيء بلغةٍ أخرى. (٢) «لم تحقق اللغة العبرية ما حققته من مكانة عن طريق القسر أو الضغط أو الإكراه من أفراد أو مؤسسات، وإنما قامت من مرقدها، ودبَّت فيها الحياة في الأعوام الأخيرة لتكون اللغة الوطنية لإسرائيل نتيجةً لتنامي الشعور الوطني، والإرادة الجماعية لليهود سواءٌ المتكلمون منهم باللغة العبرية أو المتكلمون بغيرها من المهاجرين الجدد، والاعتزاز بالذات من أفراد المجتمع الذي يستخدمها. وما يلفت النظر في التجربة اليهودية السرعةُ المذهلة في تنفيذها، وفاعليتها وشمولها بدرجة جعلت هذه اللغة شبه الميتة - في وقت قصير لا يزيد على مائة سنة - هي لغة الحياة، ووسيلة الاتصال داخل الدولة الحديثة، ووافية بالمراد لكل الأفراد من كل الجنسيات، ولجميع الأغراض، سواء كانت اجتماعية أو تقنية في مجتمع متقدم. وقد تم إحياء اللغة العبرية من خلال إرادة جماعة المتكلمين بها، وليس من خلال القرارات المجمعية (أنشئت أكاديمية اللغة العبرية في إسرائيل عام ١٩٥٣)، أو المراسيم الحكومية، أو سياسة الأمر الواقع. وحين كانت اللغة العبرية تصادف بعض المقاومة، كان الانتصار لها يأتي من الأفراد، ومن ضغط الرأي العام الذي يتحيز للغة العبرية، ويعتبرها جزءًا أساسيًّا من كيانه ووجوده، وقد حدث هذا عند إنشاء «معهد التكنولوجيا» في حيفا، فقد ثار جدلٌ حول استخدام اللغة الألمانية في البحث والتدريس فيه، ولكن انتصرت اللغة العبرية لا بتشريع، ولا بقوة قانون، ولكن بقوة الضغط الجماهيري، وبخاصة ضغط «اتحاد المعلمين».» (٣)
стр. 179
يخلص د. يحيى الرخاوي في مقاله «اللغة العربية وتشكيل الوعي القومي» إلى أن «لسان كل أمة هو تاريخها الحيوي المتراكم في عمق وجودها الآني، ولغتها بالتالي هي منطلق معارفها في مجال ما هو ظاهرة بشرية معرفية/ وجدانية. إن اللغة الأصل (اللغة العربية هنا) في حركيتها الموحية، لا تميز لساننا فحسب، بل تسهم بفاعلية أولية في تحديد طريقة تواجدنا في الحياة، وطريقة منهجنا للمعرفة، وطريقة تشكيلنا للوعي. إن اللغة الأصل هي المسئولة، من واقع صحتها وحركيتها، عن الإسهام الحقيقي في إبداعٍ متميز لأي مجموعة من البشر. إن اللغة العربية، بإيحاءاتها المنهجية يمكن أن تحتل مركزها المحوري في أي محاولة للتعرف على حركية نمونا وإمكانية بعثنا، وبالتالي تصبح البدايات منها (لا مجرد الترجمة إليها) هي أكبر إلزام مفروض على ضمائرنا ومحرك لفعل معرفتنا، وعلينا أن نتوقع إذا أحسنَّا استلهامها أن تقف في مواجهة اللغات الأخرى والمناهج الأخرى، في حوارٍ حضاري يعود على الجميع بالتكامل المحتمل بل الحتمي.» (١)
في كتابه «الشعرية العربية» يقول أدونيس: «والمشكلة هنا هي أن هذه اللغة التي ينظر إليها بوصفها جوهر الكائن العربي، تبدو في الممارسة العملية ركامًا من الألفاظ: هذا لا يتقنها، وذاك يهجرها إلى لغةٍ أخرى عامية أو أجنبية، وذلك لا يعرف أن يستخدمها إبداعيًّا، فكأنها «مستودعٌ» ضخم، ينفر منه بشكلٍ أو آخر، بحجةٍ أو أخرى، كلُّ من يدخل إليه ويغترف حاجته منه، فهناك مسافةٌ بينها وبين من ينطق بها. وهذا يعني أن ما كان غايةً يبدو الآن مجرد وسيلة، وكيف يمكن التوفيق بين ماضٍ يجعل من اللغة جوهر الإنسان، وحاضرٍ لا يرى فيها إلا أداة، ولا يتردد في الدعوة إلى تغيير بنائها، وإحلال العاميات محلها؟ وإذا تذكرنا صلتها في الوعي العربي الأصلي بالمقدس، وتحديدًا بالقرآن - أفلا نرى أن في جهلها أو الدعوة إلى تغيير بنائها وإحلال العاميات محلها، نوعًا من القول بوعيٍ آخر وهويةٍ مغايرة؟» (٢)
стр. 180
(٢) التعريب ضرورة علمية
كذلك لغة المرء هي الأقرب إليه؛ لأنها الألصق به إذ هي اللغة التي تحضر وحدها، وقبل كل الأخريات، في عقله.
دانتي: المأدبة
إني لأعجب لمن يريد أن يتضلع في الفلسفة والعلم وهو لا يعرف العربية.
روجر بيكون (القرن ١٣)
إن التعليم بلغة أجنبية لا تحصل منه الفائدة المنشودة، ولا ينتج عنه توطين العلم أو تعميم نفعه.
كلوت بك
من الحقائق المقررة في العلم (١) نفسه أن التعليم المثالي ينبغي أن يكون باللغة الأم؛ اللغة التي تشكل بها العقل وصُبَّتْ بها مقولات الفهم؛ وذلك لكي يكتمل الفهم والاستيعاب، والهضم والتمثل، بدقةٍ وسهولة واقتصاد ذهني، وحتى تعمل ملكة التحليل والجدل والنقد والتساؤل في أعلى مستوى لها، وحتى يمكن إحالة المادة المدروسة إلى الكيان العضوي للمرء بما يسمح بالإضافة إليها والإبداع فيها، تقول الأستاذة ليلى الشربيني الباحثة في معهد الإحصاء في اللغويات الكمية، جامعة القاهرة: «اللغة هي نظام الترميز داخل الذاكرة، وهي التي تعطي بنيةً داخل الذهن البشري، والإبداع هو إعادة تنظيم المعلومات داخل الذاكرة. نخلص من ذلك إلى أن من يملك لغته امتلاكًا جيدًا تتاح له فرصة الإبداع حيث هي أول من ولد في ذهنه نظامًا له بنية.» (٢)
وقد قام عددٌ من خبراء منظمة اليونسكو بإعداد تقرير شامل عن قضية استخدام اللغات الوطنية في التعليم، يوصي باستخدام اللغة الأم في التعليم لأعلى مرحلة ممكنة،