← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11232

فضل المدينة وآداب سكناها وزيارتها

عبد المحسن العباد

Полный текст (55 стр.). Показаны 36–55 · переход к 41.

стр. 36

وشدَّتُه على الكافرين، وكان إسلامُه عِزًّا للمسلمين؛ كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: "ما زلنا أَعِزَّةً مُنذ أَسلَمَ عُمرُ" أخرجه البخاري في صحيحه. ولازم النَّبِيَّ ﷺ في مكة وهاجَرَ معه إلى المدينة، وشَهِدَ المشاهدَكلَّها معه، ولَمَّا وَلِيَ أبو بكرٍ ﵁ مِن بعده كان عَضُدَه الأيمن، ثمَّ وَلِيَ الخلافةَ مِن بعد أبي بكرٍ، ومَكَثَ فيها أكثَرَ من عَشر سنوات، فُتحت فيها الفتوحات، واتَّسعَتْ رُقعةُ البلاد الإسلامية، وقُضِيَ على الدولتين العُظمَيَيْن في ذلك الزمان: دولتَي فارس والروم، وأُنفِقَت كنوزُ كِسرَى وقَيصَرَ في سبيل الله كما أخْبَرَ بذلك الصَّادقُ المصدوقُ ﷺ ، وكان ذلك على يَدَيْ الفاروق ﵁، ولَمَّا تُوُفِّيَ أكرَمَه اللهُ بالدَّفن بِجِوارِ رسولِ الله ﷺ ، وإذا بُعث يكون معه في الجَنَّةِ، وذلك

стр. 37

فضلُ الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفَضلِ العَظيمِ. أَفَمِثل هذَين الرَّجلَين العَظيمَين اللَّذَيْن هذا شأنُهما وهذا فضْلُهما يَحقِدُ عليهما حاقِدٌ، أو يَذُمُّهما ذَامٌّ، نعوذ بالله من الخذلان. ربَّنا اغفِر لنا ولإخوانِنا الذين سَبقونا بالإيمانِ ولا تَجعلْ في قلوبِنا غِلاًّ للَّذين آمنوا ربَّنا إنَّك رؤوفٌ رحيم. ربَّنا لا تُزِغ قلوبَنا بعد إذْ هديتَنا وهَبْ لنا من لَدُنْك رحْمَةً إنَّك أنتَ الوهَّاب. وقد نَقلَ ابنُ كثير ﵀ في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا﴾ ، عَن ابنِ أبي حاتم بإسنادِه إلى المغيرَة بنِ مِقْسَمٍ أنَّه قال: "كان يُقال: شَتْمُ أبي بَكر وعمر ﵄ من

стр. 38

الكبائِر"، ثم قال ابن كثير: "قلتُ: وقد ذهبَ طائِفةٌ من العلماء إلى تَكفيرِ مَن سَبَّ الصحابةَ، وهو روايةٌ عن مالك بنِ أنس ﵀، وقال محمد بن سيرين: ما أظُنُ أَحَداً يُبغِضُ أبا بكر وعُمر وهو يُحِبُّ رسولَ الله ﷺ ، رواه الترمذي". وأمَّا الزيارَةُ البِدعية فهي التي تَشتَمِل على أمورٍ: الأول: أن يَدعُوَ رسولَ الله ﷺ ويستغيثَ به ويَطلبَ منه قضاءَ الحاجات وكشفَ الكرُبات، أو غيرَ ذلك مِمَّا لا يُطلب إلاَّ من الله، فإنَّ الدعاءَ عبادةٌ، والعبادةُ لا تكون إلاَّ لله وحده، وقد قال ﷺ : "الدُّعاءُ هو العِبادةُ" وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود والترمذي وغيرُهما، وقال الترمذي: "حديثٌ حسن صحيح". والعبادةُ حقُّ الله، ولا يَجوزُ صرفُ شيءٍ مِن حقِّ

стр. 39

الله إلى غير الله، فإنَّ ذلك شركٌ بالله، فاللهُ تعالى هو الذي يُرجى ويُدعى، والرَّسولُ ﷺ يُدْعَى له، ولا يُدْعَى، وكذلك غيرُه من أصحاب القبور يُدعَى لَهم، ولا يُدعون، ومن المعلومِ أنَّ الرسول ﷺ حيٌّ في قَبْرِه حياةً بَرْزَخِيَّةً أكمل من حياة الشُّهداء، وكيفيَّةُ هذه الحياةِ لا يعلَمُها إلاَّ الله، وهذه الحياةُ تَختَلِفُ عن الحياةِ قبلَ الموتِ والحياةِ بعدَ البعثِ والنُّشور، فلا يَجوزُ دعاؤُه ﷺ ولا الاستغاثةُ به؛ لأنَّ ذلكَ عبادةٌ، والعبادةُ لا تكون إلاَّ لله وحدَه كما تقدَّم. الثاني: أن يضَعَ يدَيْهِ على صدرِه كهيئَةِ الصلاةِ فإنَّ ذلك لا يَجوزُ؛ لأنَّ هذه هيئةُ خضُوعٍ وذُلٍّ لله شُرعت في الصلاةِ حيث يكون المسلمُ قائماً في صلاتِه يُناجِي ربَّه، وقد كان أصحابُ رسول الله ﷺ في حياتِه إذا وَصَلُوا إليه لا يَضَعُون أيدِيهم على صدورِهم عندَ سلامِهم عليه، ولو كان خيراً لَسبَقُوا إليه.

стр. 40

الثالث: أن يَمسحَ على الجُدران والشَّبابيك التي حَول قبره ﷺ ، وكذا أيّ مكانٍ من المسجد أو غيره، فإنَّ ذلك لا يَجوز؛ لأنَّه لَم تأتِ به السُّنَّةُ، وليس من فِعل السَّلف الصالِحِ، وهو وسيلةٌ إلى الشِّرك، وقد يقول مَن يفعلُ ذلك: أنا أفعلُه مَحَبَّةً للنَّبِيِّ ﷺ ، ونقول: إنَّ مَحَبَّةَ النَّبِيِّ ﷺ يَجِبُ أن تكون في قلبِ كلِّ مسلمٍ أعظمَ من مَحَبَّتِه لوالِدَيْه وولده والنَّاسِ أجْمَعين، كما قال ﷺ : "لا يؤمِنُ أحدُكم حتى أَكونَ أَحَبَّ إليه من والِدِه ووَلَدِه والناس أَجْمَعِين" رواه البخاري ومسلم. بل يَجِبُ أن تكون أعظمَ من مَحَبَّتِه لنفسِه كما ثبت ذلك في حديثِ عُمرَ ﵁ في صحيح البخاري، وإنَّما وَجَبَ أن تكون مَحَبَّتُه ﷺ أعظمَ من مَحَبَّة النَّفسِ والوَالِد والوَلَد فَلأنَّ النِّعمةَ التي ساقها

стр. 41

الله للمسلمين على يَديْه ﷺ وهي نعمةُ الإسلام، نعمةُ الهداية للصِّراط المستقيم، نعمةُ الخروج من الظُّلمات إلى النُّورِ هي أجَلُّ النِّعَم وأعظمُها، لا يساويها نِعمةٌ ولا يُماثِلُها نِعمة. لكن ليس علامةُ هذه المَحبَّة المسحَ على الجُدرانِ والشَّبابيك، بل علامتُها اتِّباعُ الرَّسول ﷺ والعملُ بسُنَّتِه؛ فإنَّ دينَ الإسلام مَبْنِيٌّ على أمَرَيْن عظيمين: ـ أحدهما: ألاَّ يُعبد إلاَّ الله. ـ والثاني: أن لا يُعبد اللهُ إلاَّ وِفقاً لِمَا جاء به رسولُ الله ﷺ ، وهذا مُقتَضَى شهادةِ أن لا إله إلاَّ الله وشهادةِ أنَّ محمَّداً رسول الله ﷺ . وفي القرآن الكريم آيةٌ يُسمِّيها بعضُ العلماء آيةُ الامتِحان، وهي قولُ الله : ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ

стр. 42

وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ، قال الحسنُ البصريُّ وغيرُه من السّلف: "زَعَمَ قومٌ أنَّهم يُحبُّون اللهَ فابْتلاهم اللهُ بهذه الآية". ومعنى قولهم "ابتلاهم" أي: اختبَرَهم وامتحَنَهم ليَظهَرَ الصادقُ من الكاذب، فإنَّ مَن يَدَّعي مَحبَّةَ الله ورسولِه ﷺ عليه أن يُقِيمَ البيِّنةَ على دعواه، والبيِّنةُ هي اتِّباعُ الرسول ﷺ . قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: "هذه الآيةُ الكريمةُ حاكمَةٌ على كلِّ مَن ادَّعى مَحَبَّةَ الله وليس هو على الطريقَةِ المُحَمَّدِيَّة، فإنَّه كاذبٌ في نفس الأمرِ حَتَّى يتبع الشَّرعَ المُحَمَّدِيَّ والدِّينَ النَّبَوِيَّ في جَميع أقوالِه وأفعالِه، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "مَن عَمِلَ عَملاً ليس عليه أمْرُنا فهو ردٌّ"، ولهذا قال ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ أي: يَحصُلُ لكم فوقَ ما

стр. 43

طلبتم من مَحبَّتكم إيّاه وهو مَحَبَّتُه إيَّاكم وهو أعظمُ من الأوَّل، كما قال بعضُ العلماء الحكماء: لَيس الشّأنُ أن تُحِبَّ إنَّما الشَّأنُ أن تُحَبَّ". ثم ذَكَرَ كلامَ الحسن وغيرِه من السَّلف المتقدِّم. وقال النووِيُّ في المجموع شرح المهذَّب في شأن مَسح وتقبيلِ جِدار قبْرِه ﷺ : "ولاَ يُغْتَرَّ بِمخالفةِ كثيرينِ من العوام وفعلِهم ذلك، فإنَّ الاقتداءَ والعملَ إنَّما يكون بالأحاديثِ وأقوال العلماءِ، ولا يُلتفت إلى مُحدَثَات العوام وغيرِهم وجَهالاَتِهم، وقد ثبتَ في الصحيحين عن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَن أحدَثَ في دِينِنا هذا ما لَيس منه فهو ردٌّ"، وفي رواية لمسلم: "مَن عمِلَ عَمَلاً ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ"، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَجعَلوا قَبْرِي عيداً، وصلُّوا عليَّ، فإنَّ صلاتَكم تَبلُغُنِي حَيثمَا كنتم"، رواه

стр. 44

أبو داود بإسنادٍ صحيح، وقال الفضيلُ بنُ عِياض ﵀ ما معناه: "اتَّبِعْ طُرُقَ الهُدى ولا يَضُرَّكَ قِلَّةُ السَّالكين، وإيّاك وطُرُقَ الضَّلالَةِ ولا تَغْتَرَّ بكَثرةِ الهالكين"، ومَن خَطَرَ ببالِه أنَّ المسحَ باليد ونحوِه أبلغُ في البَركَةِ، فهو من جهالَتِه وغفلَتِه؛ لأنَّ البَرَكةَ إنَّما هي فيما وافقَ الشَّرعَ، وكيف يُبتغَى الفضلُ في مخالَفَةِ الصوابِ"، انتهى كلامُه ﵀. الرابع: أن يطوف الزائرُ بقبْرِه ﷺ فإنَّ ذلك حرامٌ؛ لأنَّ الله لَم يشرع الطوافَ إلاَّ حولَ الكَعبةِ المشرَّفة قال الله : ﴿وَلْيَطَّوَفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ ، فلا يُطاف في أيِّ مكان إلاَّ حولَ الكعبة المشرَّفة، ولهذا يُقال: كم للهِ مِن مصلٍّ في كلِّ مكان، وكذا يُقال: كم لله مِن متصدِّق، وكم لله مِن صائم، وكم لله مِن ذاكر، لكن لا يُقال كم لله مِن

стр. 45

طائف في كلِّ مكان؛ لأنَّ الطوافَ مِن خصائصِ البيت العتيقِ، قال شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد اتَّفق المسلمون على أنَّه لا يُشرَعُ الطوافُ إلاَّ بالبيتِ المعمور، فلا يَجوزُ الطوافُ بصَخرَةِ بيت المقدس، ولا بِحُجرَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، ولا بالقُبَّةِ الَّتِي في جبَلِ عرفات ولا غير ذلك". الخامس: أن يَرفعَ الصوتَ عند قَبْرِه ﷺ ، فإنَّ ذلك غير سائِغٍ؛ لأنَّ الله أَدَّب المؤمنين لَمَّا كان النَّبِيُّ ﷺ بين أظهرِهم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وهو ﷺ مُحتَرَمٌ في حياتِه وبعد وفاتِه.

стр. 46

السادس: أَن يَستقبِل القبرَ من مَكان بعيد سواء كان في المسجد أو خارجَه ويُسلِّمَ عليه ﷺ ، وقد قال شيخُنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في مَنسكه "وهو بهذا العملِ أقربُ إلى الجَفاءِ مِنه إلى الموالاة والصَّفَاء". ومِمَّا يُنبَّه عليه أنَّ بعضَ مَن يَقدُمُ إلى المدينة قد يُوصيه بعضُ أهلِه أو غيرُهم أن يبلِّغَ سلامَه للرَّسول ﷺ ، ولكونِه لَم يَرِدْ في السُّنَّةِ شيءٌ يدلُّ على ذلك فيَنبغي لِمَن طُلب منه ذلك أن يقول للطالب: أَكْثِر من الصلاة والسلام عليه ﷺ ، والملائكةُ تبلِّغُ ذلك إلى الرَّسول ﷺ لقوله ﷺ : "إنَّ لله ملائكةً سَيَّاحين يبلِّغونِي عن أُمَّتِي السلامَ" وهو حديثٌ صحيحٌ رواه النسائي وغيرُه، ولقوله ﷺ : "لا تَجعلُوا بيوتَكم قبوراً، ولا تَتَّخِذوا قبري عيدًا، وصَلُّوا عليَّ فإنَّ

стр. 47

صلاتَكم تَبلغنِي حيث كنتم" وهو حديثٌ صحيحٌ رواه أبو داود وغيره. ومِمَّا ينبغي أن يُعلم أنَّه لا تلازمَ بين الحج والعمرة وبين الزيارةِ، فيُمكن لِمَن جاء حاجًّا أو معتمراً أن يَعودَ إلى بلده دون أن يأتي إلى المدينةِ، ومَن جاء إلى المدينة من بلده يُمكِن أن يعودَ دون أن يَحُجَّ أو يَعتَمِر، ويُمكن أن يَجمع بين الحجِّ والعمرةِ والزيارة في سَفرةٍ واحدةٍ. وأما ما يُروى من أحاديث في زيارةِ قبره ﷺ ، مثل حديث: "مَن حَجَّ ولَم يَزُرْنِي فقد جَفانِي"، وحديث "مَن زارني بعد مَمَاتي فكأنَّمَا زارَني في حياتي"، وحديث "مَن زارني وزارَ أبي إبراهيم في عامٍ واحد ضَمِنْتُ له على الله الجَنَّةَ"، وحديث "مَن زار قَبري وَجَبتْ له شفاعَتِي"، فهذه الأحاديثُ

стр. 48

وأشباهُها لا تقوم بها حُجَّةٌ؛ لأنَّها موضوعةٌ أو ضعيفةٌ جدًّا كما نَبَّه على ذلك الحفاظُ كالدارقطني والعُقيلي والبيهقي وابن تيمية وابن حجر رحمهم الله تعالى. وأمَّا قولُ الله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ ، فلا دليلَ في الآية على قَصد القَبْرِ عند ظُلم النَّفسِ وطَلَبِ الاستغفارِ من النَّبِيِّ ﷺ ؛ لأنَّ سياقَ الآيات في المنافقين، والمجيءُ إليه ﷺ إنَّما يكون في حياتِه؛ لأنَّ الصحابةَ ﵃ وأرضاهم مَا كانوا يَأتون إلى قبره مُستغفرِين طالبين الاستغفَارَ، ولِهذا عَدَل عمر بنُ الخطاب ﵁ إلى التوَسُّلِ بدُعاء العباس عندما أصابهم الجَدْبُ، وقال: "اللَّهمَّ إنَّا كنَّا إذا أَجْدَبْنَا تَوَسَّلْنَا إليكَ بِنَبيِّنا فتَسْقِينَا، وإنَّا نَتَوسَّلُ

стр. 49

إليكَ بِعَمِّ نبيِّنا فاسْقِنَا، قال: فيُسقَوْنَ" أخرجه البخاري في صحيحه. فلو كان التَّوَسُّلُ به ﷺ بعد موتِه سائغاً لَمَا عَدَلَ عنه عمر ﵁ إلى التوسُّلِ بالعباس ﵁، ويدلُّ لذلك أيضاً ما رواه البخاريُّ في صحيحه في كتاب المرضى عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: "وا رَأساه! فقال رسولُ الله ﷺ : ذاكِ لو كان وأنا حَيٌّ فأستغفرَ لكِ وأدعوَ لكِ، فقالت عائشة: وا ثُكلياه! والله إنِّي لأظنُّكَ تُحِبُّ مَوتِي" الحديث. فلو كان يَحصلُ منه الدعاءُ والاستغفارُ بعد موته ﷺ لَم يكن هناك فرقٌ بين أن تَموتَ قبله أو يَموتَ قبلها ﷺ . وزيارةُ قبره ﷺ دَلَّت عليها الأحاديثُ الدالَّةُ على زيارة القبور، كقوله ﷺ : "زُورُوا القبورَ؛ فإنَّها

стр. 50

تذكِّرُكم الآخرةَ" أخرجه مسلم في صحيحه. لكن لا ينبغي إِطالةُ الوقوف عند قَبره ﷺ ولا الإكثارُ من الزيارة لِمَا في ذلك من الإفضاء إلى الغلُوِّ، وقد خَصَّ اللهُ نبيَّه ﷺ دون أُمَّته بأنَّ الملائكة تُبلِّغ السلامَ إليه من كلِّ مكانٍ؛ لقولِه ﷺ : "إنَّ لله ملائكةً سَيَّاحِين يُبلِّغوني عن أُمَّتي السلامَ"، ولقوله ﷺ : "لا تَجعلوا بيوتَكم قبورًا، ولا تَتَّخِذوا قبري عيدًا، وصلُّوا عليَّ فإنَّ صلاتَكم تَبلُغُنِي حيث كنتم"، فإنَّه ﷺ لَمَّا نَهَى عن اتِّخاذ قبره عيدًا أَرْشَدَ إلى ما يقومُ مقامَ ذلك بقوله: "وصَلُّوا عليَّ فإنَّ صلاتَكم تَبْلُغُنِي حيث كنتم" أي: بواسِطَةِ الملائكة. وأمّا زيارةُ قبور البقِيعِ وزيارةُ قبور شُهداء أُحُد فهي مُستَحَبَّةٌ إذا كانت على وجهٍ مشروعٍ، ومُحَرَّمةٌ إذا كانت على وجهٍ مبتدَعٍ.

стр. 51

فالزيارةُ الشرعيَّةُ هي التي يُؤتى بها وِفقاً لما جاء عن الرسول ﷺ ، مشتملةً على انتفاع الحيِّ الزائر، وانتفاع الميِّت المَزُورِ. فالحيُّ الزائرُ يستفيد ثلاثَ فوائد: الأولى: تذكُّرُ الموت؛ لِمَا يترتَّب عليه من الاستعدادِ له بالأعمال الصالِحَة؛ لقوله ﷺ : "زوروا القبورَ؛ فإنَّها تذكِّركم الآخرةَ" رواه مسلم. والثانية: فعلُه الزيارةَ، وهي سنَّةٌ سنَّها رسول الله ﷺ ، فيُؤجرُ على ذلك. والثالثة: الإحسانُ إلى الأمواتِ المسلمين بالدُّعاءِ لَهم، فيُؤْجَر على هذا الإحسان. وأمّا الميِّتُ المزور، فإنَّه يستفيد في الزيارة الشرعية الدعاءَ له والإحسانَ إليه بذلك؛ لأنَّ الأمواتَ يَستفيدون مِن دُعاء الأحياءِ.

стр. 52

ويُستحبُّ لزائر القبورِ أن يدعوَ لَهم بِما ثبتَ عن رسول الله ﷺ في ذلك، ومنه حديثُ بُرَيدَة بن الحُصَيب ﵁ قال: "كان رسولُ الله ﷺ يعلِّمهم إذا خرَجُوا إلى المقابر، فكان قائلُهم يقول: "السَّلامُ عليكم أهلَ الدِّيارِ مِن المؤمنين والمسلمين، وإنَّا إن شاء الله بكم لَلاَحِقونَ، أسأل اللهَ لنا ولكم العافِيةَ" رواه مسلم. وزيارةُ القبور مُستَحبَّةٌ في حقِّ الرِّجالِ، أمَّا زِيارةُ النساء للقبور، ففيها خلافٌ لأهل العلم، مِنهم مَن أجازَ ومِنهم مَن مَنع، وأظهرُ القولين المنعُ؛ لقوله ﷺ : "لَعنَ الله زَوَّاراتِ القبور" أخرجه الترمذي وغيرُه، وقال الترمذيُّ: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ". فإنَّ الأظهرَ في لفظِ "زَوَّارات" أنَّه للنِّسبَةِ، أي: نسبة الزِّيارة إليهنَّ، أو ذوات زيارة، نَظيرُ قوله

стр. 53

تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي: ليس بذِي ظُلم، أو بِمنسُوبٍ إليه الظُّلم، وليس للمبالغَةِ في الزيارة، كما ذكره بعضُ مَن أجازَ زيارةَ النِّساء للقبور، وأيضاً لِما في النِّساءِ مِن الضَّعف وقلَّة الصبرِ عن البُكاءِ والنِّياحَةِ. وأيضاً فإنَّ القولَ بالمنع أحوطُ؛ لأنَّ المرأةَ إذا تَركت الزيارةَ لَم يفُتْهَا إلاَّ أمرٌ مُستَحَبٌّ، وإذا حصلت مِنها الزيارةُ تعرَّضَت لِلَّعنَةِ. وأمّا الزيارةُ البدعيَّةُ: فهي التي يُؤتى بها على غير الوجهِ المشروعِ، كأن تُقصَدَ القبورُ لدعاء أهلِها والاستغاثَةِ بهم وطلبِ قضاء الحاجات منهم ونَحوِ ذلك، فإنَّ هذه الزيارةَ لا يَستَفيدُ منها الميِّت ويَتَضَرَّرُ بها الحيُّ، فالحيُّ يتضرَّرُ؛ لأنَّه فَعلَ أمراً لا يَجوزُ؛ إذ هو شركٌ بالله، والميِّتُ لا ينتَفِعُ؛ لأنَّه لم يُدْعَ له، وإنَّما

стр. 54

دُعي مِن دون الله، وقد قال شيخُنا الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀ في مَنسكه: "فأمّا زيارَتُهُم لقَصدِ الدُّعاءِ عند قبورهم، أو العكوفِ عندها، أو سؤالِهم قضاء الحاجات، أو شفاءَ المرضى، أو سؤالِ الله بهم أو بِجاههم ونحوِ ذلك، فهذه زيارةٌ بِدعيَّةٌ مُنكَرةٌ لَم يَشرَعْها اللهُ ولا رسولُه ولا فعلَها السّلفُ الصالِحُ ﵃، بل هي من الهُجْرِ الذي نَهى عنه الرسول ﷺ حيث قال: "زُورُوا القبورَ ولا تقولوا هُجرًا"، وهذه الأمورُ المذكورةُ تَجتَمِع في كونها بِدعة، ولكنها مُختَلِفَةُ المراتِب، فبعضُها بِدعةٌ ولَيس بشِركٍ، كدُعاء الله سبحانَه عند القبور وسؤالِه بِحقِّ الميِّت وجاهِهِ ونَحوِ ذلك، وبعضُها من الشِّركِ الأكبر كدُعاء الموتَى والاستعانةِ بهم ونحو ذلك".

стр. 55

هذا ما أردتُ إيرادَه، وأسألُ اللهَ أن يوفِّقنا وسَاكنِي هذه المدينة وزائِريها وسائِرَ المسلمين لِمَا تُحمد عاقبتُه في الدنيا والآخرة، وأن يرزقَنَا في هذا البلد الطيِّب طِيب الإقامة وحسنَ الأدب، وأن يُحسِنَ لنا الختام، وصلّى الله وسلَّم وبارَك على عبده ورسوله نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.