Полный текст (55 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
فضل المدينة وآداب سكناها وزيارتها
إعداد: عبد المحسن بن حمد العباد البدر
الحمدُ لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شرورِ أنفسنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، وخليلُه وخِيرتُه من خلقِه، أَرسلَه الله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنِه وسراجاً منيراً، فدلَّ أُمَّتَه على كلِّ خيرٍ، وحذَّرها من كلِّ شرٍّ، اللَّهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابِه ومَن سَلَكَ سبيلَه واهتدى بهديِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعدُ:
стр. 2
فإنَّ مدينةَ الرَّسول الكريم ﷺ طَيْبةَ الطيِّبةَ مهبطُ الوحي ومتنزَّلُ جبريلَ الأمين على الرسول الكريم ﷺ ، وهي مأرزُ الإيمان، وملتقى المهاجرين والأنصار، وموطن الذين تبوؤوا الدارَ والإيمان، وهي العاصمة الأولى للمسلمين، فيها عُقدت ألويةُ الجهاد في سبيل الله، فانطلقت كتائبُ الحق لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومنها شعَّ النور، فأشرقت الأرض بنور الهداية، وهي دارُ هجرة المصطفى ﷺ ، إليها هاجر، وفيها عاش آخر حياته ﷺ ، وبها مات، وفيها قُبر، ومنها يُبعث، وقبره أول القبور انشقاقاً عن صاحبه، ولا يُقطع بمكان قبر أحد من الأنبياء سوى مكان قبره ﷺ .
وهذه المدينة المباركة شرَّفها الله وفضّلها، وجعلها خير البقاع بعد مكة، ويدل لتفضيل مكة على المدينة قولُ الرسول الكريم ﷺ لمّا أخرجه الكفار منها واتَّجه
стр. 3
إلى المدينة مهاجراً، قال مخاطباً مكة: "والله إنَّكِ لَخيْرُ أرضِ الله، وأَحبُّ أرضِ الله إلى الله، ولولا أنِّي أُخرجتُ منكِ ما خرجتُ"، رواه الترمذي، وابن ماجه، وهو حديثٌ صحيحٌ.
وأمَّا الحديثُ الذي يُنسبُ إلى الرَّسولِ ﷺ ، وهو:"أنَّ النبِيَّ ﷺ دعَا وقال: "اللَّهمَّ إنَّكَ أخْرَجْتَنِي مِن أَحَبِّ البلادِ إلَيَّ ـ يعني مكَّةَ ـ فَأَسْكِنِّي في أحبِّ البلادِ إليك ـ يعني المدينةَ ـ"، فهو حديثٌ موضوعٌ، ومعناه غيرُ مستقيم؛ لأنَّه يدلُّ على أنَّ الأحبَّ إلى الله غيرُ الأحبِّ إلى رسول الله ﵊، والأَحَبّ إلى الرَّسول غير الأحبِّ إلى الله، ومِن المعلومِ أنَّ مَحبَّةَ الرَّسولِ ﷺ تابعةٌ لِمحَبَّة الله ، ليس الأحب إلى الله غير الأحب إلى الرسول ﷺ .
стр. 4
وقد رأيتُ كتابةَ هذه الرسالةِ في فضل هذه المدينة المباركة وبيان آداب سُكناها وزيارتها، فأذكرُ فيها جملةً من فضائلِها، ثمَّ جملةً مِن آدابِ سُكناها، ثمَّ جملةً من آداب زيارتِها:
فمِن فضائلِ هذه المدينةِ المباركة: أنَّ الله تعالى جعلَها حَرَماً آمناً كما جعل مكَّةَ حَرماً آمناً، وقد جاء عن النَّبِيِّ الكريمِ ﷺ أنَّه قال: " إنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مكَّةَ، وإنِّي حرَّمتُ المدينةَ"، رواه مسلم، والمقصودُ من هذا التحريمِ المضافِ إلى محمدٍ ﷺ وإلى إبراهيمَ ﷺ هو إظهارُ التحريم، وإلاَّ فإنَّ التَّحريمَ مِن الله ، وهو الذي جعل هذا حَرَماً، وجعلَ هذا حَرَماً.
واختصَّ الله هاتيْن البلدَتَيْن بهذه الصِّفَةِ التي هي الحرمة دون سائر البلاد، ولَم يأتِ دليلٌ ثابتٌ يدلُّ على تحريمِ شيءٍ غير مكَّة والمدينة، وما شاعَ على أَلسِنَة كثيرٍ من النَّاسِ من أنَّ المسجدَ
стр. 5
الأقصَى ثالثُ الحَرمَيْن هو من الخطأ الشائعِ؛ لأنَّه ليس هناك للحرمين ثالثٌ، ولكنَّ التعبيرَ الصحيح أن يُقال: ثالث المَسجِدَيْن ـ أي المُشَرَّفيْن المُعظَّمَيْن ـ، والنبِيُّ ﷺ جاء عنه ما يدلُّ على فضلِ هذه المساجدِ الثلاثة وعلى قصدِها للصلاةِ فيها، حيث قال ﵊: "لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلاَّ إلى ثلاثةِ مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصَى"، رواه البخاري ومسلم.
ثمَّ إنَّ المقصودَ بالحَرَم في مكَّةَ والمدينة ما تُحيطُ به الحدود لكلٍّ منهما، هذا هو الحرَمُ، وما شاعَ من إطلاقِ الحرَمِ على المسجدِ النَّبَويِّ فقط فهو من الخطأ الشائع؛ لأنَّه ليس هو الحرمُ وحده، بل المدينة كلُّها حَرَمٌ ما بين عَيْرٍ إلى ثَوْر، وما بين لابَتَيْها، وقد قال ﵊: "المدينةُ حرَمٌ ما بين عَيْر إلى ثور"، رواه البخاري ومسلم.
стр. 6
وقال ﷺ : "إنَّي حرَّمتُ ما بين لابَتَيْ المدينة أن يُقطَع عِضاهُها، أو يُقتل صيدُها"، رواه مسلم.
ومِن المعلومِ أنَّ المدينةَ قد اتَّسَعت في هذا الزَّمان حتَّى خرَجَ جزءٌ منها عن الحَرَم، ولِهذا لا يُقال: إنَّ كلَّ المباني الموجودةَ في المدينة من الحَرَمِ، ولكن ما كان داخلَ حدودِ الحرم منها فهو حرمٌ، وما كان خارِجَ حدود الحَرَم فإنَّه يُطلقُ عليه أنَّه من المدينة، ولكن لا يُقال إنَّه من الحرم.
وقد جاء عن النَّبِيِّ الكريمِ ﷺ في بيان حدود حرَم المدينة أنَّ الحرَمَ ما بين اللاَّبتَين، أو ما بين الحرَّتين، أو ما بين الجَبلَين، أو ما بين عَيْرٍ إلى ثَور، ولا تنافيَ ولا اضطراب بين هذه الألفاظ؛ فإنَّ الأصغرَ داخلٌ في الأكبرِ، فما بين اللاَّبتين حَرَمٌ، وما بين الحرَّتين حَرَمٌ، وما بين عيْر إلى ثورٍ حرمٌ، وإذا اشتبه الأمرُ في شيءٍ يُحتمَل أن يكون من الحرَم، ويُحتمل أن يكون من
стр. 7
غيرِه، فإنَّ هذا أمثلُ ما يُقال فيه إنَّه من الأمور المشتبهات، والأمورُ المشتبهات بيَّن النَّبِيُّ الكريمُ ﵊ الطريقةَ التي تُسلَكُ فيها، وهي أن يُحتاط فيها، كما قال النبِيُّ ﷺ في حديث النُّعمان بن بَشير المتفق على صحَّته: "فمَن اتَّقى الشُّبهات فقد اسْتبرَأَ لدينِه وعِرضِه، ومَن وقع في الشُّبُهات وقعَ في الحرام".
ثمَّ إنَّ من الفضائلِ: التي جاءت في شأن هذه المدينة المباركةِ أنَّ النبِيَّ ﷺ سَمَّاها "طيبة"، و"طابة"، بل إنَّه ثبت في صحيح مسلم أنَّ اللهَ سَمَّاها "طابة"، قال النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّ اللهَ سَمَّى المدينةَ طابة"، وهذان اللَّفظان مُشتقَّان من الطيب، ويَدلاَّن على الطيب، فهما لفظان طيِّبان، أطلقَا على بُقعةٍ طيِّبة
стр. 8
ومِن فضائلِها: أنَّ الإيمانَ يَأْرِزُ إليها، كما قال ﷺ : "إنَّ الإيمانَ لَيَأْرِزُ إلى المدينة كما تَأْرِزُ الحَيَّةُ إلى جُحرِها"، رواه البخاريُّ ومسلم.
ومعنى ذلك أنَّ الإيمانَ يتَّجِه إليها ويكون فيها، والمسلمون يَؤُمُّونَها ويَقصِدونها؛ يدفعُهم إلى ذلك الإيمانُ ومَحبَّةُ هذه البُقعةِ المباركةِ التي حرَّمها الله .
ومِن فضائلها: ما جاء عن النَّبِيِّ ﵊ أنَّه وَصفَها بأنَّها قريةٌ تأكلُ القُرى، قال ﷺ : "أُمرتُ بقريةٍ تأكل القُرى [يعني أُمرَ بالهجرةِ إلى هذه القريةِ التي تأكلُ القُرى] يقولون لها: يَثْرِب، وهي المدينة"، رواه البخاري ومسلم.
فقولُه ﵊: " تأكُلُ القُرى" فُسِّرت بأنَّها تنتصرُ عليها، وتكون الغلبَةُ لَها على
стр. 9
غيرِها من القُرى، وفُسِّرت بأنَّها تُجلَبُ إليها الغنائم التي تَحصُلُ في الجهاد في سبيل الله، وتُنقَلُ إليها، وكلٌّ من هذين الأمرَين قد وَقَعَ وحَصَلَ، فحَصَلَ تغَلُّبُ هذه المدينة على غيرِها من المدن، بأَن انطلَقَ منها الهُداةُ المُصلِحون والغُزاةُ الفاتِحون، وأخرجوا النَّاسَ من الظُّلمات إلى النُّورِ بإذن ربِّهم، فدخل النَّاسُ في دِينِ الله ، وكلُّ خيرٍ حصل لأهل الأرضِ فإنَّما خرجَ من هذه المدينة المباركة، مدينة الرَّسول ﷺ ، فكونُها تأكل القرى يصدُقُ على كون الانتصار لَها على غيرِها من المدن، كما حصل ذلك في الصَّدر الأول، ومع الرَّعيل الأول من أصحاب رسول الله ﷺ والخلفاء الرَّاشدين ﵃ وأرضاهم، وكذلك أيضاً حصولُ الغنائم والإتيانُ بها
стр. 10
إليها، وهذا أيضاً قد حصلَ، فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخبَرَ عن إنفاقِ كنوزِ كِسرى وقيصر في سبيل الله ، وقد حصل ذلك، فقد أُتِيَ بهذه الكنوز إلى هذه المدينة المباركة، وقُسِّمت على يدِ الفاروق رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
ومن فضائلها: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حثَّ على الصَّبرِ على لأوائِها وجَهدِها وقال: "المدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون"، قال ذلك في حقِّ الذين فكَّروا في الانتقالِ من المدينة إلى الأماكنِ التي فيها الرَّخاء، وسَعَة الرِّزق، وكثرة المال، فالنَّبِيُّ ﷺ قال: "المدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون، لا يَدَعُها أحدٌ رغبةً عنها إلاَّ أبدَلَ اللهُ فيها مَن هو خيرٌ منه، ولا يثبُتُ أحدٌ على لأْوَائِها وجَهدِها إلاَّ كنتُ له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة"، رواه مسلم.
стр. 11
وهذا يدلُّنا على فضلِ هذه المدينة، وفضلِ الصَّبرِ على الشدَّة واللأوَى والجَهد والضَنْك إذا حصلَ لأحدٍ، فلا يكون ذلك دافعاً له إلى أن ينتقلَ منها إلى غيرِها يبحَثُ عن الرَّخاءِ وعن سَعَة الرِّزقِ، بل يصبر على ما يحصلُ له فيها، وقد وُعِدَ بهذا الأجرِ العظيم، والثَّوابِ الجزيلِ من الله .
ومن فضائلها: أنَّ النَّبِيَّ ﵊ بَيَّن عِظَمَ شأنِها وخطورةَ الإحداثِ فيها عندما بَيَّن حُرمتَها قال: "المدينةُ حَرَمٌ ما بين عَيْرٍ إلى ثَور، مَن أَحدَث فيها حَدَثاً أو آوَى مُحدِثاً فعليه لعنةُ الله والملائكةِ والنَّاسِ أجمعين، لا يَقبلُ اللهُ منه صَرْفاً ولا عَدْلاً"،رواه البخاري ومسلم.
ومِن فضائِلِها: ما جاء عن النَّبِيِّ ﷺ من الدُّعاءِ لَها بالبرَكَة، ومِن ذلك قولُه ﷺ : "اللَّهمَّ بارِك لَنا في
стр. 12
ثَمَرِنا، وبارِك لَنا في مدينَتِنا، وبارِك لنا في صاعِنا، وبارِك لَنا في مُدِّنا"، رواه مسلم.
ومِن فضائِلِها: أنَّها لا يدخُلُها الطَّاعونُ ولا الدَّجَّالُ، قال ﷺ : "على أنقابِ المدينة ملائكةٌ، لا يَدخُلُها الطَّاعونُ ولا الدَّجَّالُ"، رواه البخاري ومسلم.
والأحاديثُ في فضلِ المدينة كثيرةٌ جدًّا، وهذا الذي ذكرتُ جُملةٌ منها مِمَّا في الصحيحين أو أحدِهما.
ومِن أحسنِ ما أُلِّف في فضائل المدينة الكتاب الذي أعدَّه الشيخ الدكتور صالِح بن حامد الرفاعي لنيل درجة الدكتوراه في الجامعة الإسلامية بالمدينة بعنوان "الأحاديث الواردة في فضائل المدينة جمعاً ودراسةً"، وأُوصِي طلبةَ العلم بالرجوعِ إليه والاستفادةِ منه.
стр. 13
ومِمَّا اشتملت عليه هذه المدينةُ مسجدان عظيمان، هما: مسجد الرَّسول الكريم ﷺ ، ومسجد قباء.
أما مسجدُ الرَّسول الكريم ﷺ فقد جاء في فضلِه أحاديثُ منها قولُه ﵊: "لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلاَّ إلى ثلاثةِ مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى"، رواه البخاري ومسلم. ففي هذه المدينة أحدُ المساجد الثلاثة التي بناها أنبياء، وهي التي لا تُشَدُّ الرِّحال إلاَّ إليها.
وأيضاً جاء ما يدلُّ على فضل الصلاة فيه، وأنَّها خيرٌ من ألف صلاة، قال ﵊: "صلاةٌ في مسجدي هذا أفضلُ من ألف صلاة فيما سِواه إلاَّ المسجد الحرام"، رواه البخاري ومسلم. فهذا فضلٌ عظيمٌ وموسِمٌ من مواسم الآخرة، الأرباح فيه مضاعفةٌ، ليست بالعشرات ولا بالمئات، ولكن أكثر من الألف.
стр. 14
ومن المعلومِ أنَّ أصحابَ التِّجارات الدُنيوية إذا عَرَفوا أنَّ سِلعَهم تَروجُ في مكانٍ ما في وقتٍ من الأوقات، فإنَّهم يستعدُّون ويتهيَّئون لذلك الموسم، ولو كان الرِّبحُ النصفَ أو الضعفَ، ولكن كيف وهنا الرِّبح في الآخرة ليس عشرة أضعاف، ولا مائة ضعف، ولا خمسمائة، ولا ستمائة، بل أكثر من ألف؟!
ومِمَّا يُنبَّه عليه حول هذا المسجد المبارَك أمورٌ:
الأول: أنَّ التضعيفَ لأجرِ الصلاة فيه بأكثرَ من ألف ليس مقيَّداً بالفرضِ دون النَّفل، ولا بالنَّفلِ دون الفرض، بل لَهما جميعاً؛ لإطلاقِ قوله ﷺ : "صلاة"، فالفريضةُ بألف فريضة، والنَّافلةُ بألف نافلة.
الثاني: أنَّ التضعيفَ الواردَ في الحديثِ ليس مُختصًّا في البقعة التي هي المسجد في زمانه ﷺ ، بل لَها ولكلِّ ما أُضيفَ إلى المسجدِ من زياداتٍ، ويَدلُّ
стр. 15
على ذلك أنَّ الخليفَتَيْن الرَّاشدَين عمر وعثمان ﵄ زادا المسجد من الجهةِ الأماميَّة، ومِن المعلومِ أنَّ الإمامَ والصفوفَ التي تلِيه في الزيادة خارجُ المسجد الذي كان في زمنه ﷺ ، فلولا أنَّ الزيادةَ لَها حكمُ المزيد لَما زاد هذان الخليفتان المسجدَ من الجهةِ الأمامية، وقد كان الصحابةُ في وقتِهما متوافِرِين ولَم يعتَرِض أحدٌ على فِعلِهما، وهو واضحُ الدِّلالةِ على أنَّ التضعيفَ ليس خاصًّا بالبُقعةِ التي كانت هي المسجد في زمنِه ﷺ .
الثالث: في المسجد بُقعةٌ وَصَفها رسول الله ﷺ بأنَّها رَوضَةٌ من رياض الجَنَّةِ، وذلك في قولِه ﷺ : "ما بين بَيتِي ومِنبَري رَوضةٌ من رياض الجَنَّة"، رواه البخاري ومسلم، وتَخصيصُها بهذا الوصفِ دون غيرها من المسجدِ يدلُّ على فضلِها وتَميُّزِها، وذلك
стр. 16
يكون بأداء النَّوافِلِ فيها، وكذا ذِكر الله وقراءةُ القرآن فيها إذا لَم يَحصل إضرارٌ بأحدٍ فيها أو في الوصولِ إليها، أمَّا صلاةُ الفريضةِ فإنَّ أداءَها في الصفوفِ الأماميَّة أفضلُ؛ لقولِه ﷺ : "خيرُ صفوفِ الرِّجال أوَّلُها وشرُّها آخرُها"، رواه مسلم، وقوله ﷺ : "لو يَعلمُ الناسُ ما في النِّداءِ والصفِّ الأولِ، ثمَّ لَم يَجِدوا إلاَّ أن يسْتَهِموا عليه لاسْتهَموا عليه"، رواه البخاري ومسلم.
الرَّابع: إذا امتلأ المسجدُ النبويُّ بالمصلين، فلِمَن جاء متأخِّراً أن يُصلِّيَ في الشوارِعِ بصلاةِ الإمامِ في الجهات الثلاث غير الجهة الأمامية، ويكون له أجر صلاة الجماعة، أمَّا التضعيف بأكثرَ من ألف فإنَّه خاصٌّ بِمَن كانت صلاتُه في المسجد؛ لقول النَّبِيِّ ﷺ : "صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاةٍ فيما سواه إلاَّ المسجد الحرام"، ومَن صلَّى في
стр. 17
الشوارع لَم يكن مُصلِّياً في مسجدِه، فلا يَحصُلُ له هذا التضعيف.
الخامس: شاع عند كثيرٍ من الناس أنَّ مَن قَدِمَ إلى المدينة فعليه أن يُصلِّي أربعين صلاةً في مسجد الرَّسول ﷺ لحديثٍ في مسند الإمام أحمد عن أنس ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن صلَّى في مسجدي أربعين صلاةً لا تفوتُه صلاةٌ كُتبت له براءةٌ من النار ونَجاةٌ من العذابِ، وبَرِئَ من النفاق"، وهو حديثٌ ضعيفٌ لا تقومُ به الحُجَّةُ، بل الأمرُ في ذلك واسعٌ، وليس مَن قَدِمَ المدينةَ مُلزَماً بصلواتٍ معيَّنةٍ في مسجده ﷺ ، بل كلُّ صلاةٍ فيه خيرٌ من ألفِ صلاة، دون تحديدٍ أو تقييدٍ بصلواتٍ معيَّنة.
السادس: ابتُلِيَ كثيرٌ من المسلمين في كثيرٍ من الأقطارِ الإسلامية ببناء المساجد على القبورِ، أو دفن
стр. 18
الموتى في المساجد، وقد يتشبَّثُ بعضُهم لتسوِيغِ ذلك بوجود قبرِه ﷺ في مسجدِه، ويُجابُ عن هذه الشُّبهةِ بأنَّ النَّبِيَّ ﷺ هو الذي بنى المسجدَ أولَ قدومِه المدينة، وبنى بيوتَه التي تسكنُها أُمَّهاتُ المؤمنين بجوارِ مسجِدِه، ومنها بيت عائشة الذي دُفِن فيه ﷺ ، وبقيت هذه البيوتُ كما هي خارج المسجد في زمن الخلفاء الرَّاشدين ﵃ وزمن معاوية ﵁، وزمن خلفاء آخرين بعده، وفي أثناء خلافة بني أُميَّة وُسِّع المسجدُ وأُدخلَ بيتُ عائشةَ الذي قُبِرَ فيه ﷺ في المسجد، وقد جاء عن النَّبِيِّ ﷺ أحاديثُ مُحكمةٌ لا تَقبَلُ النسخَ تدلُّ على تحريمِ اتِّخاذِ القبور مساجد، منها حديثُ جندب بن عبد الله البجليِّ ﵁ الذي سمِعَه من رسول الله ﷺ قبل وفاتِه بخمسِ ليالٍ قال فيه: سَمِعتُ رسول الله ﷺ قبل أن يَموتَ بخمسٍ يقول: "إنَّي أبرَأ إلى الله أن يكون لي
стр. 19
منكم خليلٌ، فإنَّ اللهَ اتَّخذَنِي خليلاً كما اتَّخذَ إبراهيمَ خليلاً، ولو كنتُ متَّخَذاً من أُمَّتي خليلاً لاتَّخذتُ أبا بَكر خليلاً، ألاَ وإنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتَّخذون قبورَ أنبيائهم وصالِحيهم مساجد، ألاَ فلا تتَّخذوا القبورَ مساجدَ فإنِّي أنهاكم عن ذلك"، رواه مسلمٌ في صحيحه.
بل إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نزل به الموتُ حذَّرَ من اتِّخاذ القبور مساجد كما في الصحيحين عن عائشة وابن عباس ﵄ قالاَ: "لَمَّا نزل برسول الله ﷺ طَفِقَ يَطرحُ خميصةً على وجهه، فإذا اغتمَّ كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: "لعنةُ الله على اليهودِ والنصارى اتَّخذوا قبورَ أنبيائِهم مساجد، يُحذِّرُ ما صَنعُوا".
فهذه الأحاديثُ عن عائشة وابن عباس وجندب
стр. 20
رضي الله عنهم مُحكمةٌ لا تقبلُ النسخَ بحالٍ من الأحوالِ؛ لأنَّ حديثَ جندبٍ في آخر أيامه، وحديثَي عائشة وابن عباس في آخر لحظاتِه ﷺ ، فلا يجوزُ لأحدٍ من المسلمين أفراد أو جماعات تَركُ ما دلَّت عليه هذه الأحاديث الصحيحةُ المُحكَمة، والتعويلُ على عملٍ حصل في أثناء عهدِ بني أُمَيَّة، وهو إدخالُ القبر في مسجدِه ﷺ فيستدلُّ بذلك على جواز بناءِ المساجد على القبور أو دفن الموتَى في المساجد.
وأمَّا مسجدُ قُباء، فهو ثاني المسجدَين اللَّذَين لهما فضلٌ وشأنٌ في هذه المدينة وقد أُسِّسَا على التقوى من أوَّلِ يوم، وقد جاء عن النَّبِيِّ ﷺ مِن فعلِه وقولِه ما يدلُّ على فضلِ الصلاة في مسجدِ قباء.
أمَّا فعلُه فعَن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "كان النَّبِيُّ ﷺ يأتي مسجدَ قباء كلَّ سبتٍ ماشياً وراكباً فيُصلِّي فيه ركعتين"، رواه البخاري ومسلم.
стр. 21
وأمَّا قولُه فقد ثبت عن سَهل بن حُنيف ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن تطهَّرَ في بيتِه ثمَّ أتى مسجدَ قُباء فصلَّى فيه صلاةً كان له أجر عُمرة"، رواه ابن ماجه وغيرُه.
وقوله في هذا الحديث: "فصلَّى فيه صلاة" يشمَلُ الفرضَ والنَّفلَ.
ولَم يَرِد في السُّنَّة ما يدلُّ على فضلِ مساجد أخرى في المدينة غير هذين المسجدين.
وأمَّا الآدابُ المتعلِّقةُ بسُكنى المدينة: فإنَّ مَن وفَّقه الله لِسُكنى هذه المدينة المباركة طَيْبَة الطيِّبة عليه أن يستشعرَ أنَّه ظَفِرَ بنعمةٍ عظيمةٍ ومِنَّةٍ جسيمةٍ، فيشكر اللهَ على هذه النِّعمة، ويَحمدُه على هذا
стр. 22
آداب سكناها وزيارتها
...
وأمَّا الآدابُ المتعلِّقةُ بسُكنى المدينة: فإنَّ مَن وفَّقه الله لِسُكنى هذه المدينة المباركة طَيْبَة الطيِّبة عليه أن يستشعرَ أنَّه ظَفِرَ بنعمةٍ عظيمةٍ ومِنَّةٍ جسيمةٍ، فيشكر اللهَ على هذه النِّعمة، ويَحمدُه على هذا
стр. 23
الفضل والإحسان، وعليه أن يستشعرَ أنَّ كثيرين من سُكَّان المعمورَة يشتَدُّ شوقُهم إلى أن يظفَروا بالوصولِ إلى مكَّةَ والمدينة والبقاء فيهما ولو فترةً يسيرة، وفيهم مَن يجمَع النُّقودَ القليلة بعضها إلى بعض سنواتٍ طويلةٍ لتتحقَّقَ له هذه الأُمنيةَ، وأذكرُ أنَّ أحدَ علماء الهند ذكر أنَّ الحُجَّاجَ الهنودَ فيما مضى كانوا يأتون على السُّفُن الشراعية، ويَمكثون في البحرِ في طريقهم إلى مكَّةَ والمدينة مُدَّة طويلة، وأنَّ جماعةً منهم كانوا في سفينةٍ، فلَمَّا رأوا البَرَّ الذي فيه مكَّةَ والمدينة سَجَدوا لله شكراً على ظهرِ السفينةِ.
وإنَّ لسُكنى هذه المدينة آداباً منها:
أوَّلاً: أن يُحبَّ المسلمُ هذه المدينةَ لفضلِها، ولِمَحبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ إيَّاها، روى البخاريُّ في صحيحه عن أنسٍ ﵁: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذا قَدِمَ
стр. 24
من سَفرٍ فنظَرَ إلى جُدُراتِ المدينة أوضَعَ راحِلَتَه، وإن كان على دابَّةٍ حرَّكها من حُبِّها".
ثانياً: أن يَحرِصَ المسلمُ على أن يكون في هذه المدينة مستقيماً على أمر الله، مُلتَزِماً بطاعة الله وطاعةِ رسوله ﷺ ، شديدَ الحَذَرِ من أن يقعَ في البدَع والمعاصي، فإنَّ الحسناتِ في هذه المدينة لها شأنٌ عظيمٌ، والبِدع والمعاصي فيها ذاتُ خطرٍ كبيرٍ، فإنَّ من يعصي الله في الحَرَم ذنبُه أعظمُ وأشدُّ مِمَّن يعصيه في غير الحَرَم، والسيِّئات لا تُضاعَف فيه بكمِيَّاتِها، ولكنَّها تضخُم وتَعظُم بفعلها في الحرم.
ثالثاً: أن يَحرصَ المسلمُ في هذه المدينة على أن يكون له نصيبٌ كبيرٌ من تجارةِ الآخرة التي تكون الأرباحُ فيها أضعافاً مضاعفةً، وذلك بأن يُصلِّيَ ما أمكنه من الصلوات في مسجد الرَّسول ﷺ ؛ ليُحصِّلَ
стр. 25
الأجرَ العظيمَ الموعودَ به في قولِه ﷺ : "صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألفِ صلاةٍ فيما سِواه إلاَّ المسجد الحرام"، رواه البخاري ومسلم.
رابعاً: أن يكون المسلمُ في هذه المدينة المباركة قُدوةً حسنةً في الخير،؛ لأنَّه يُقيمُ في بلدٍ شَعَّ منه النورُ، وانطلقَ منه الهُداةُ المصلِحون إلى أنحاء المعمورة، فيَجدَ مَن يَفِدُ إلى هذه المدينة في ساكنيها القدوةَ الحسنةَ والاتِّصافَ بالصفاتِ الكريمة والأخلاقِ العظيمة، فيعود إلى بلدِه متأثِّراً مستفيداً لِمَا شاهدَه من الخيرِ والمحافظةِ على طاعةِ الله وطاعةِ رسولِه ﷺ ، وكما أنَّ الوافدَ إلى هذه المدينة يستفيدُ خيراً وصلاحاً بِمشاهدة القُدوة الحسنة في هذا البلد المبارك، فإنَّ الأمرَ يكون بالعكس عندما يُشاهدُ في المدينة مَن هو على خلاف ذلك، فبدلاً من أن يكون مستفيداً حامداً يكون مُتضرِّراً ذامًّا.
стр. 26
خامساً: أن يَتذكَّر المسلمُ وهو في هذه المدينة أنَّه في أرضٍ طيِّبة هي مَهْبَطُ الوحي ومَأرِزُ الإيمان ومَدْرَجُ الرسول الكريم ﷺ وصحابته الكرام من المهاجرين والأنصار، درَجوا على هذه الأرض وتحرَّكوا فيها على خير واستقامةٍ والتزام بالحقِّ والهدى، فيحذر أن يتحرَّك عليها تحرُّكاً يُخالف تحرُّكَهم بأن يكون تحرُّكُه فيها على وجهٍ يُسخِطُ الله ويعود عليه بالمضرَّة والعاقبة الوخيمةِ في الدنيا والآخرة.
سادساً: أن يحذرَ مَن وفَّقه الله لسُكنى المدينة أن يُحدثَ فيها حَدَثاً أو يُؤوي مُحدثاً فيتعرَّضَ للَّعن؛ لأنَّه ثبت عن الرسول ﷺ أنَّه قال: "المدينةُ حَرَمٌ، فمَن أَحدَث فيها حَدَثاً أو آوَى مُحدِثاً فعليه لعنةُ الله والملائكةِ والنَّاسِ أجمعين، لا يُقبل منه يوم القيامة
стр. 27
عَدْلٌ ولا صَرفٌ"، رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، وهو في الصحيحين من حديث علي ﵁.
سابعاً: أن لا يتعرَّض في المدينة لقطعِ شَجَرٍ أو اصطِيادِ صيدٍ؛ لِمَا وردَ في ذلك من الأحاديث عن الرسول ﷺ ، كقولِه ﷺ : "إنَّ إبراهيمَ حرَّم مكَّةَ، وإنِّي حرَّمتُ المدينةَ ما بين لابتيها، لا يُقطَع عِضاهُها، ولا يُصادُ صيدُها"، رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄، وروى مسلمٌ أيضاً من حديث سَعد بن أبي وقَّاص ﵁: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إنِّي أُحرِّم ما بين لابَتَي المدينة أن يُقطَع عِضاهُها، أو يُقتل صيدُها"، وفي الصحيحين عن عاصم بن سليمان الأحول قال: "قلتُ لأنسٍ: أَحَرَّم رسول الله ﷺ المدينةَ؟ قال: نعم، ما بين كذا إلى كذا لا يُقطَع شجرُها، مَن أحدث
стр. 28
فيها حدَثاً فعليه لعنةُ الله والملائكة والنَّاس أجمعين".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أنَّه كان يقول: "لو رأيتُ الظِّباءَ بالمدينة ترتَع ما ذَعَرتُها، قال رسول الله ﷺ : "ما بين لابتيْها حرامٌ".
والمرادُ بالشجر الذي يَحرُم قطعُه هو الذي أنبته الله ، أمَّا ما زرعه النَّاسُ وغرسوه فإنَّ لهم قطعَه.
ثامناً: أن يصبرَ المسلمُ على ما يحصُلُ له فيها من ضيقِ عيشٍ أو بلاءٍ أو لأواءٍ؛ لقوله ﷺ من حديث أبي هريرةَ ﵁: "لا يصبِرُ على لأواءِ المدينة وشِدَّتِها أَحدٌ من أُمَّتي، إلاَّ كنتُ له شفيعاً يوم القيامة أو شهيداً"، رواه مسلم.
وفي صحيح مسلم أيضاً أنَّ أبا سعيد مولى المَهْريِّ جاء أبا سعيدٍ الخُدري لياليَ الحرَّة، فاستشارَه في الجَلاءِ من المدينة، وشكا إليه أسعارَها وكثرةَ عيالِه،
стр. 29
وأخبرَه أن لا صبرَ له على جَهدِ المدينة ولأوائها، فقال له: "وَيْحَكَ! لا آمرُكَ بذلك، إنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يَصبِرُ أَحدٌ على لأوائها فيموت إلاَّ كنتُ له شفيعاً يوم القيامة، إذا كان مسلماً".
تاسعاً: أن يحذَرَ إيذاءَ أهلِها، فإنَّ إيذاء المسلمين في كلِّ مكانٍ حرامٌ، ولكنَّه في البلد المُقدَّس أشدُّ وأعظمُ، فقد روى البخاريُّ في صحيحه عن سَعد بن أبي وقَّاصٍ ﵁ قال: سمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يقول: "لا يَكيدُ أهلَ المدينة أحدٌ إلاَّ انْمَاعَ كما يَنماعُ المِلحُ في الماءِ".
وروى مسلمٌ في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن أراد أهلَ هذه البلدة بسوءٍ ـ يعني المدينةَ ـ أذابَه اللهُ كما يذوبُ المِلحُ في الماء".
стр. 30
عاشراً: أن لا يغتَرَّ ساكنُ المدينة بكونِه من سُكَّانها، فيقول: "أنا مِن سُكَّان المدينة، فأنا على خيرٍ"، فإنَّ مُجرَّدَ السُكنى إذا لَم يكن معها عملٌ صالِحٌ واستقامةٌ على طاعة الله ورسولِه ﷺ ، وبُعدٌ عن الذنوبِ والمعاصي لا يُفيدُه شيئاً، بل يعودُ عليه بالضَّرَرِ، وفي موطأ الإمام مالك أنَّ سَلمان الفارسيَّ ﵁ قال: "إنَّ الأرضَ لا تُقدِّسُ أحداً، وإنَّما يُقدِّسُ الإنسانَ عَملُه"، وسنده فيه انقطاع، لكن معناه صحيح، وهو خبَرٌ مطابقٌ للواقع، وقد قال الله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ، ومِن المعلومِ أنَّ المدينةَ في مُختَلَف العصور فيها الأخيار وفيها الأشرار، فالأخيارُ تنفعُهم أعمالُهم، والأشرارُ لَم تُقدِّسهم المدينةُ، ولَم ترفع من شأنِهم، وهذا كالنَّسَب، فمُجرَّد كون الإنسانِ نسيباً بدون عملٍ
стр. 31
صالِحٍ فإنَّ ذلك لا ينفعُه عند الله؛ لقولِه ﷺ : "ومَن بَطَّأَ به عملُه لَم يُسرِع به نسبُه"، رواه مسلمٌ في صحيحه، فمَن أخَّرَه عملُه عن دخول الجَنَّةِ لَم يكن نسبُه هو الذي يُسرعُ به إليها.
حادي عاشر: أن يَسْتَشعرَ المسلمُ وهو في هذه المدينة أنَّه في بلدٍ شَعَّ منه النُّور وانتشرَ منه العِلمُ النَّافع إلى أنحاء المعمورة، فيحرِصَ على تحصيل العلم الشرعيِّ الذي يسيرُ به إلى الله على بصيرةٍ ويدعو غيرَه إليه على بصيرةٍ، لا سيما إذا كان طلبُ العلم في مسجد رسول الله ﷺ ؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ أنَّه سَمِع رسول الله ﷺ يقول: "مَن دخل مسجدَنا هذا يتعلَّمُ خيراً أو يُعلِّمه كان كالمجاهدِ في سبيلِ الله، ومَن دخلَه لغير ذلك كان كالنَّاظرِ إلى ما ليس له"، رواه أحمد وابن ماجه وغيرُهما، وله شاهدٌ عند الطبراني من حديث سَهل بن سعد ﵁.
стр. 32
وكما أنَّ لسُكنى المدينة آداباً فإنَّ لزيارتها آداباً، وعلى زائر المدينة مراعاةُ آداب سُكنى المدينة التي تقدَّم جملةٌ منها، وينبغي أن يُعلم أنَّ المشروعَ في حقِّ مَن أراد القدومَ إلى المدينة أن يَقصِدَ بسفَرِه إليها زيارةَ مسجد الرسول ﷺ وشدَّ الرَّحل إليه؛ لقوله ﷺ : "لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلاَّ إلى ثلاثةِ مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصَى"، رواه البخاري ومسلم.
وهذا الحديث يدلُّ على منع شدِّ الرَّحل إلى أيِّ مكانٍ مسجدٍ أو غيرِه للتقرُّبِ إلى الله في تلك البُقعةِ الَّتِي يُسافر إليها؛ لِمَا في سنن النسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: "لقيتُ بَصْرَةَ بنَ أبي بَصْرَة الغِفاري ﵁ فقال: مِن أين جئتَ؟ قلت: من الطُّور، قال: لو لَقِيتُك مِن قَبل أن تَأتِيَه لَم تأتِه،
стр. 33
قلتُ له: ولِمَ؟ قال: إنِّي سَمعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا تُعمَلُ المَطِيُّ إلاَّ إلى ثلاثةِ مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد بيت المقدس"، وهو حديثٌ صحيحٌ، وفيه استدلالُ بَصرةَ بن أبي بَصرَة الغفاري ﵁ على مَنعِ شَدِّ الرَّحل إلى المساجد أو غيرِها سِوَى هذه المساجد الثلاثة.
ومَن وصل إلى هذه المدينة المبارَكة فَإنَّه يُشرَعُ له زِيارة مَسجدَين وثلاث مقابر.
أمّا المسجدان فهما: مسجدُ الرسول ﷺ ومسجد قُباء، وقد مرَّ بعضُ الأدلَّةِ على فضل الصلاة فيهما.
أمّا المقابر الثلاث التي يُشرَع زيارتُها فهي قَبْرُ الرسول ﷺ وقَبْرَا صاحِبَيْه أبي بَكر وعمر ﵄، ومَقبَرَةُ البَقِيع، ومقْبَرَةُ شُهداء أُحُد.
فإذا جاء الزائرُ إلى قَبْرِ الرَّسول ﷺ وقَبْرَيْ صاحِبيهِ
стр. 34
رضي الله عنهما فإنَّه يأتي مِن الجِهَةِ الأَمَاميَّة فيَستَقْبلُ القبْرَ، ويزورُ زيارةً شرعيَّةً، ويَحذَرُ مِن الزِّيارةِ البِدعية، فالزيارةُ الشرعيَّةُ أن يُسلِّمَ على النَّبِيِّ ﷺ ويدعو له بأَدَبٍ وخَفْضِ صوتٍ، فيقول: السلامُ عليكَ يا رسول الله ورحمةُ الله وبركاتُه صلّى اللهُ وسلَّم وبارك عليكَ، وجزاك أفضلَ ما جَزَى نَبِياًّ عن أُمَّته، ثمَّ يُسلِّم على أبي بَكرٍ ﵁ ويَدعو له، ثمَّ يُسلِّم على عمرَ ﵁ ويدعو له.
ومِمَّا يَنبَغِي أن يُعلم أنَّ هَذَين الرَّجُليْن العَظيمين والخَلِيفَتَيْن الرَّاشِدَيْن قد حَصَلَ لَهما إِكرامٌ مِن الله لَم يَحصُل مثلُه لغيرِهما، فأمَّا أبو بكر ﵁ فإنَّ الله لَمَّا بَعثَ رسولَه ﷺ بالحقِّ والهُدى كان أوَّلَ مَن آمَنَ به من الرِّجال، ولاَزَمَه في مكَّةَ بعد البِعثَةِ ثلاثة عشر عاماً، ولَمَّا أَذِن اللهُ لرسوله ﷺ بالهجرةِ إلى
стр. 35
المدينة رَافَقَه في الطريق إليها، وأَنزَلَ اللهُ في ذلك قرآناً يُتلَى، وهو قولُ الله : ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ، ولاَزَمَه في المدينة عَشرَ سِنين، وشَهِدَ المشاهِدَ كلَّها معه، ولَمَّا تُوفِيَّ رسولُ الله ﷺ وَلِيَ الخلافةَ مِن بَعدِه وقام بالأمرِ خيرَ قيامٍ، ولَمَّا توفَّاه الله أكرمَه اللهُ بالدَّفن بِجوارِ رسولِ الله ﷺ ، وإذا بُعث يكون معه في الجَنَّةِ، وذلك فضلُ الله يُؤتيه مَن يشاءُ واللهُ ذو الفضل العظيم.
وأمَّا عمر بن الخطاب ﵁ فقد سبقه إلى الإسلام ما يقربُ من أربعين رجلاً، وكان شديداً على المسلمين، فلمَّا هداه اللهُ إلى الإسلام كانت قوَّتُه
стр. 36
وشدَّتُه على الكافرين، وكان إسلامُه عِزًّا للمسلمين؛ كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: "ما زلنا أَعِزَّةً مُنذ أَسلَمَ عُمرُ" أخرجه البخاري في صحيحه.
ولازم النَّبِيَّ ﷺ في مكة وهاجَرَ معه إلى المدينة، وشَهِدَ المشاهدَكلَّها معه، ولَمَّا وَلِيَ أبو بكرٍ ﵁ مِن بعده كان عَضُدَه الأيمن، ثمَّ وَلِيَ الخلافةَ مِن بعد أبي بكرٍ، ومَكَثَ فيها أكثَرَ من عَشر سنوات، فُتحت فيها الفتوحات، واتَّسعَتْ رُقعةُ البلاد الإسلامية، وقُضِيَ على الدولتين العُظمَيَيْن في ذلك الزمان: دولتَي فارس والروم، وأُنفِقَت كنوزُ كِسرَى وقَيصَرَ في سبيل الله كما أخْبَرَ بذلك الصَّادقُ المصدوقُ ﷺ ، وكان ذلك على يَدَيْ الفاروق ﵁، ولَمَّا تُوُفِّيَ أكرَمَه اللهُ بالدَّفن بِجِوارِ رسولِ الله ﷺ ، وإذا بُعث يكون معه في الجَنَّةِ، وذلك
стр. 37
فضلُ الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفَضلِ العَظيمِ.
أَفَمِثل هذَين الرَّجلَين العَظيمَين اللَّذَيْن هذا شأنُهما وهذا فضْلُهما يَحقِدُ عليهما حاقِدٌ، أو يَذُمُّهما ذَامٌّ، نعوذ بالله من الخذلان.
ربَّنا اغفِر لنا ولإخوانِنا الذين سَبقونا بالإيمانِ ولا تَجعلْ في قلوبِنا غِلاًّ للَّذين آمنوا ربَّنا إنَّك رؤوفٌ رحيم.
ربَّنا لا تُزِغ قلوبَنا بعد إذْ هديتَنا وهَبْ لنا من لَدُنْك رحْمَةً إنَّك أنتَ الوهَّاب.
وقد نَقلَ ابنُ كثير ﵀ في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا﴾ ، عَن ابنِ أبي حاتم بإسنادِه إلى المغيرَة بنِ مِقْسَمٍ أنَّه قال: "كان يُقال: شَتْمُ أبي بَكر وعمر ﵄ من
стр. 38
الكبائِر"، ثم قال ابن كثير: "قلتُ: وقد ذهبَ طائِفةٌ من العلماء إلى تَكفيرِ مَن سَبَّ الصحابةَ، وهو روايةٌ عن مالك بنِ أنس ﵀، وقال محمد بن سيرين: ما أظُنُ أَحَداً يُبغِضُ أبا بكر وعُمر وهو يُحِبُّ رسولَ الله ﷺ ، رواه الترمذي".
وأمَّا الزيارَةُ البِدعية فهي التي تَشتَمِل على أمورٍ:
الأول: أن يَدعُوَ رسولَ الله ﷺ ويستغيثَ به ويَطلبَ منه قضاءَ الحاجات وكشفَ الكرُبات، أو غيرَ ذلك مِمَّا لا يُطلب إلاَّ من الله، فإنَّ الدعاءَ عبادةٌ، والعبادةُ لا تكون إلاَّ لله وحده، وقد قال ﷺ : "الدُّعاءُ هو العِبادةُ" وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود والترمذي وغيرُهما، وقال الترمذي: "حديثٌ حسن صحيح".
والعبادةُ حقُّ الله، ولا يَجوزُ صرفُ شيءٍ مِن حقِّ
стр. 39
الله إلى غير الله، فإنَّ ذلك شركٌ بالله، فاللهُ تعالى هو الذي يُرجى ويُدعى، والرَّسولُ ﷺ يُدْعَى له، ولا يُدْعَى، وكذلك غيرُه من أصحاب القبور يُدعَى لَهم، ولا يُدعون، ومن المعلومِ أنَّ الرسول ﷺ حيٌّ في قَبْرِه حياةً بَرْزَخِيَّةً أكمل من حياة الشُّهداء، وكيفيَّةُ هذه الحياةِ لا يعلَمُها إلاَّ الله، وهذه الحياةُ تَختَلِفُ عن الحياةِ قبلَ الموتِ والحياةِ بعدَ البعثِ والنُّشور، فلا يَجوزُ دعاؤُه ﷺ ولا الاستغاثةُ به؛ لأنَّ ذلكَ عبادةٌ، والعبادةُ لا تكون إلاَّ لله وحدَه كما تقدَّم.
الثاني: أن يضَعَ يدَيْهِ على صدرِه كهيئَةِ الصلاةِ فإنَّ ذلك لا يَجوزُ؛ لأنَّ هذه هيئةُ خضُوعٍ وذُلٍّ لله شُرعت في الصلاةِ حيث يكون المسلمُ قائماً في صلاتِه يُناجِي ربَّه، وقد كان أصحابُ رسول الله ﷺ في حياتِه إذا وَصَلُوا إليه لا يَضَعُون أيدِيهم على صدورِهم عندَ سلامِهم عليه، ولو كان خيراً لَسبَقُوا إليه.
стр. 40
الثالث: أن يَمسحَ على الجُدران والشَّبابيك التي حَول قبره ﷺ ، وكذا أيّ مكانٍ من المسجد أو غيره، فإنَّ ذلك لا يَجوز؛ لأنَّه لَم تأتِ به السُّنَّةُ، وليس من فِعل السَّلف الصالِحِ، وهو وسيلةٌ إلى الشِّرك، وقد يقول مَن يفعلُ ذلك: أنا أفعلُه مَحَبَّةً للنَّبِيِّ ﷺ ، ونقول: إنَّ مَحَبَّةَ النَّبِيِّ ﷺ يَجِبُ أن تكون في قلبِ كلِّ مسلمٍ أعظمَ من مَحَبَّتِه لوالِدَيْه وولده والنَّاسِ أجْمَعين، كما قال ﷺ : "لا يؤمِنُ أحدُكم حتى أَكونَ أَحَبَّ إليه من والِدِه ووَلَدِه والناس أَجْمَعِين" رواه البخاري ومسلم.
بل يَجِبُ أن تكون أعظمَ من مَحَبَّتِه لنفسِه كما ثبت ذلك في حديثِ عُمرَ ﵁ في صحيح البخاري، وإنَّما وَجَبَ أن تكون مَحَبَّتُه ﷺ أعظمَ من مَحَبَّة النَّفسِ والوَالِد والوَلَد فَلأنَّ النِّعمةَ التي ساقها
следующие страницы →