قال ابن عبد البر"وهذا معناه والله أعلم أن المرء يعتاد ما يراه من أفعال من صحبه، والدين العادة فلهذا أمر ألا يصحب إلا من يرى منه ما يحل ويجمل فإن الخير عادة.
وفي معنى هذا الحديث قول عدي بن زيد:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن مقتدى
وقول أبي العتاهية:
من ذا الذي يخفى عليك ... إذا نظرت إلى خدينه
وهذا كثير جدا، والمعنى في ذلك ألا يخالط الإنسان من يحمله على غير ما يحمد من الأفعال والمذاهب، وأما من يؤمن منه ذلك فلا حرج فيه صحبته"١.
وقال أبو سليمان الخطابي"قوله:"المرء على دين خليله" لا معناه لا تخالل إلا من رضيت دينه وأمانته، فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه ومذهبه، ولا تغرر بدينك ولا تخاطر بنفسك فتخالل من ليس مرضياً في دينه ومذهبه.
قال سفيان بن عيينة: وقد روى في هذا الحديث انظروا إلى فرعون
стр. 247
معه هامان، انظروا إلى الحجاج معه يزيد بن أبي مسلم شر منه، انظروا إلى سليمان بن عبد الملك صحبه رجاء بن حيوة فقومه وسدده.
ويقال: إن الخلة مأخوذة من تخلل المودة القلب وتمكنها منه: وهي أعلى درج الإخاء، وذلك أن الناس في الأصل أجانب، فإذا تعارفوا ائتلفوا فهم أوداء، وإذا تشاكلوا فهم أحباء، فإذا تأكدت المحبة صارت خلة"١.
وقد قيل:"الناس كأسراب القطا"لما جبلوا عليه من تشبه بعضهم ببعض ومحاكات بعضهم لأفعال بعض. ولهذا كان المبتديء بالخير وبالشر له مثل، من تبعه من الأجر والوزر٢.
قال بعض الحكماء:"عمادة المودة المشاكلة، ركل ود عن غير تشاكل فهو سريع التصرم"٣.
قلت: وإنما جاء النهي عن مخالطة قرناء السوء والتحذير من مجالستهم، لأن طباع الإنسان مجبولة على الإقتداء والتشبه بمن يقارن، فمجالسة طلاب العلم تحرك في النفس الحرص على طلب العلم، ومجالسة الزهاد تزهد في الدنيا، ومجالسة المبتدعة وأهل الأهواء تردي في مهاوي البدع، ومجالسة الحريص على الدنيا تحرك في النفس الحرص على الدنيا، وهكذا.
فلهذا لزم المرء أن يختار من القرناء والخلطاء من يكون له في خلطتهم خير ونفع، وأن يحذر أشد الحذر من قرناء السوء.
стр. 248
ومن تأمل حال السلف وتدبر سيرهم علم ذلك، ورأى شدة حذرهم وتحذيرهم من رفقاء السوء من فساق ومبتدعة وغيرهم١.
قال أبو الدرداء:"من فقه الرجل مدخله وممشاه وألفه"ثم قال أبو قلابة: بعد أن روى هذا الأثر عن أبي الدرداء: ألا ترى إلى قول الشاعر:
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فإن القرين بالمقارن يقتدي٢
وقال الأصمعي عن هذا البيت:"لم أر بيتا أشبه بالسنة منه"٣.
وجاء عن عبد الله بن مسعود أنه قال:"اعتبروا الناس بأخدانهم فإن المرء لا يخادن إلا من يعجبه".
وعن الأعمش قال:"كانوا لا يسألون عن الرجل بعد ثلاث: ممشاه ومدخله وألفه من الناس".
وقال سفيان:"ليس شيء أبلغ في فساد رجل وصلاحه من صاحب"
وقال قتادة:"إنا والله ما رأينا الرجل يصاحب من الناس إلا مثله وشكله فصاحبوا الصالحين من عباد الله لعلكم أن تكونوا معهم أو مثلهم".
وقال الفضيل:"ليس للمؤمن أن يقعد مع كل من
стр. 249
شاء ... "١.
والآثار في هذا كثيرة جدا يطول ذكرها، وإنما انتقيت منها ما فيه البلغة والكفاية، فمن تأمل هذه الآثار المذكورة وغيرها عرف ما في مقارنة أهل السوء والفسق والفجور من الخطر على الدين والخلق، فأنت قد ترى الرجل مستقيما عفيفا صالحاً، فإذا قارن وخالط أهل السوء والفسق وصحبهم أصبح فاسقاً فاجراً مثلهم، وهذه سنة الله في خلقه.
فخلطة الفساق وأهل السوء من أعظم أسباب نقص الإيمان وضعفه بل وربما اضمحلاله وتلاشيه، وذلك بحسب حال هؤلاء في السوء وبحسب خلطته لهم.
стр. 250
الفصل الرابع
في الإسلام هل يزيد وينقص ؟
قبل الشروع في المراد، لا بد أولاً من تعريف الإسلام، ثم على ضوء التعريف يتم بيان هذه المسألة.
فالإسلام لغة: الانقياد والإذعان. وأما في الشرع: فلإطلاقه حالتان:
الحالة الأولى: أن يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإيمان، فهو حينئذ يراد به الدين كله أصوله وفروعه من اعتقاداته وأقواله وأفعاله، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام﴾ ١ وقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ ٢ وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ٣ وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ ٤ ونحو ذلك من الآيات.
الحالة الثانية: أن يطلق مقترنا بالإيمان، فهو حينئذ يراد به الأعمال والأقوال الظاهرة، كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ
стр. 251
الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ١ الآية، وكقوله ﷺ لما قال له سعد ﵁: مالك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمناً فقال ﷺ "أو مسلماً"٢ يعني أنك لم تطلع على إيمانه وإنما اطلعت على إسلامه من الأعمال الظاهرة، وغير ذلك من الآيات والأحاديث٣.
ووجه هذا الجمع والتفريق بين الإسلام والإيمان حال الاجتماع والافتراق يتضح بتقرير أصل عظيم وهو"أن من الأسماء ما يكون شاملاً لمسميمات متعددة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قرن ذلك الاسم بغيره صار دالا على بعض تلك المسميات والاسم المقرون به دال على باقيها"٤.
فبناء على هذا الأصل يقال: إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ، وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق. وعليه فهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، فاجتماعهما في الذكر يقتضي افترقهما في المعنى وافترقهما في الذكر يعنى اجتماعهما فى المعنى.
"والتحقيق في الفرق بينهما أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته، والإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده له فيكون حينئذ المراد بالإيمان جنس تصديق القلب، وبالإسلام جنس العمل، ومن هنا قال المحققون من العلماء كل مؤمن مسلم فإن من حقق الإيمان ورسخ في قلبه قام بأعمال الإسلام فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام، وليس كل مسلم مؤمناً، فإنه قد يكون
стр. 252
الإيمان ضعيفاً فلا يتحقق القلب به تحققاً تاماً مع عمل جوارحه أعمال الإسلام، فيكون مسلمًا، وليس بمؤمن الإيمان التام"١.
فالإسلام على ضوء هذا التعريف المتقدم يزيد كما يزيد الإيمان وينقص كما ينقص، أما على الإطلاق الأول فظاهر، لأنه أصبح مرادفاً للإيمان فله حكمه تمامًا من حيث قبول الزيادة والنقصان، وأما على الإطلاق الثاني حال اجتماعه مع الإيمان حيث يكون المراد بالإسلام الأعمال الظاهرة، فالزيادة والنقصان في هذا لا إشكال فيهما ألبتة، لأن الأعمال تزيد وتنقص وتقل وتكثر وتتفاضل، وهذا الأمر ظاهر لكل أحد عياناً بياناً.
ويدل على ذلك قول النبي ﷺ :"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" ٢ فالألف واللام في قوله:"المسلم"للكمال، نحو زيدٌ الرجل أي الكامل في الرجولية، وإثبات اسم الشيء على معنى إثبات الكمال له مستفيض في كلام العرب٣.
قال النووي ﵀ في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم:" ... قالوا: معناه المسلم الكامل، وليس المراد نفي أصل الإسلام عن من لم يكن بهذه الصفة، بل هذا كما يقال: العلم ما نفع أو العالم زيد أي الكامل أو المحبوب، وكما يقال الناس العرب والمال الإبل، فكله على التفضيل لا للحصر، ويدل على ما ذكرناه من معنى الحديث قوله أي المسلمين خير قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده" ٤.
стр. 253
وقد بوب النووي لهذا الحديث في صحيح مسلم بـ"باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل". ودلالة الحديث للباب ظاهرة.
وأورد في الباب نفسه حديث عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل رسول الله ﷺ أي الإسلام خير؟ قال:"تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" ١.
فإطعام الطعام، وبذل السلام الواردان في هذا االحديث، وكف الأذى الوارد في الحديث الذي قبله كلها من أعمال الإسلام ومن خصاله الواجبة والإسلام يزيد بزيادتها وينقص بنقصها، فهذا ونحوه مما يدل على أن الإسلام يزيد وينقص.
وكذلك قول النبي ﷺ :"بنى الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان" ٢ يدل على تفاضل الإسلام، فإن من وفى بهذه الأعمال وأتى بها على الوجه أكمل كمل إيمانه، ومن نقص منها شيئاً نقص إيمانه، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀ في مناقشته لمحمد بن نصر المروزي فيما ادعاه من ترادف الإسلام والإيمان في كل حال:
"وأما ما ذكره من أن الإسلام ينقص كما ينقص الإيمان فهذا أيضاً حق كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة فإن من نقص من الصلاة والزكاة أو الصوم أو الحج شيئاً فقد نقص من إسلامه بحسب ذلك"٣.
وبالمقابل من كمل هذه الأمور وأتى بها على وجهها زاد إسلامه
стр. 254
وكمل.
والكلام المتقدم مبني على أعدل الأقوال وأصوبها في تعريف الإسلام وإلا فالناس في مسمى الإسلام صاروا إلى ثلاثة أقوال.
١- طائفة جعلت الإسلام هو الكلمة.
٢- وطائفة أجابوا بما أجاب به النبي ﷺ في حديث جبريل ﵇ فجعلوا الإسلام الأعمال الظاهرة، والإيمان الاعتقادات الباطنة.
٣- وطائفة جعلوا الإسلام مرادفاً للإيمان١.
والقول بزيادة الإسلام ونقصانه بناء على التعريفين الثاني والثالث للإسلام ظاهر، وإن كانت دعوى الترادف بين الإسلام والإيمان غير صحيحة. لكن على قول من قال إن الإسلام هو الكلمة، وهذا منقول عن الزهري ﵀ حيث قال:"فنرى أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل"وقال بقوله هذا من العلماء حماد بن زيد، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وأحمد بن حنبل رحمهم الله٢ فعلى هذا القول الإسلام لا يقبل الزيادة والنقصان، كما قال شيخ الإسلام ﵀"فالإسلام الذي لا يستثنى فيه الشهادتان باللسان فقط فإنها لا تزيد ولا تنقص فلا استثناء فيها"٣.
لكن ينبغي التنبه إلى أن الزهري ﵀ وكذلك من قال بقوله- لم يرد بذلك أن الإسلام الواجب هو الكلمة وحدها فإنه أجل
стр. 255
من أن يرى ذلك، وإنما قال ما قال؛ لأن كل من أتى بالشهادتين صار مسلماً متميزاً عن اليهود والنصارى تجزي عليه أحكام الإسلام التي تجري على المسلمين.
ولهذا فإن من أخذ قول الزهري هذا ليحتج به على أن الإسلام لا يقبل الزيادة والنقصان فهو غالط في قوله مخطىء في قصده. قال شيخ الإسلام:"ومن قال إن الإسلام هو الكلمة فقط وأراد بذلك أنه لا يزيد ولا ينقص فقوله خطأ" بل هو أشبه بأقوال المرجئة القائلين بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
وخلاصة القول في هذه المسألة أن الإسلام يقبل الزيادة والنقصان، ويتفاضل الناس فيه كتفاضلهم في الإيمان سواء والله أعلم.
стр. 256
الباب الثاني: في الأقوال المخالفة لقول أهل السنة والجماعة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه
*
الفصل الأول: قول من قال الإيمان يزيد وتوقف في النقصان
...
الفصل الأول
قول من قال الإيمان يزيد وتوقف في النقصان
لقد جاء عن الإمام مالك رحمه الله تعالى في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه روايتان، قال في إحداهما: إن الإيمان يزيد أما النقصان فتوقف فيه وطلب من السائل أن يكف عن السؤال عنه، لأنه لم يجد عليه دليلاً من كتاب الله.
أما الرواية الأخرى: فقد جاءت عنه من طرق متعددة صحيحة، قال فيها: إن الإيمان يزيد وينقص، كقول أهل السنة والجماعة سواء.
ولهذا خصصت هذا الفصل لدراسة الرواية الواردة عنه ﵀ في أن الإيمان يزيد مع التوقف في النقصان، وذكر ما قاله أهل العلم من تعليلات لقوله هذا، وبيان الصواب منها، مع ذكر الروايات الأخرى الثابتة عنه في أن الإيمان يزيد وينقص.
ولنبدأ أولاً بالرواية الأولى التي فيها قوله أن الإيمان يزيد وتوقف في النقصان، فهذه الرواية جاءت عنه من ثلاث طرق:
الأولى- من طريق عبد الله بن وهب
قال: سئل مالك بن أنس عن الإيمان؟ فقال: قول وعمل، قلت أيزيد وينقص؟ قال: قد ذكر الله سبحانه في غير آي من القران أن الإيمان يزيد، فقلت له: أينقص؟ قال: دع الكلام في نقصانه وكف عنه. فقلت
стр. 257
بعضه أفضل من بعض؟ قال: نعم١.
الثانية- من طريق ابن القاسم٢:
قال ابن عبد البر:"وقد يزيد، روى ابن القاسم عن مالك أن الإيمان ووقف في نقصانه"٣.
ونقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية٤.
وقال القاضي عياض:"قال ابن القاسم: كان مالك يقول: الإيمان يزيد، وتوقف عن النقصان، وقال: ذكر الله زيادته في غير موضع فدع الكلام في نقصانه وكف عنه"٥.
стр. 258
ونقله عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء١.
الثالثة- من طريق إسماعيل بن أبي أويس٢:
قال: سئل مالك عن الإيمان يزيد وينقص؟ فقال: يزيد (وينقص) ٣ وذلك في كتاب الله، فقيل له: وينقص يا أبا عبد الله؟ قال: ولا أزيد أن أبلغ هذا٤.
فهذا ما وقفت عليه مما نقل عنه ﵀ في أن الإيمان يزيد مع التوقف في النقصان، ولم أقف فيما أطلعت عليه من روايات عن الإمام أنه جزم بعدم نقص الإيمان، وإنما الذي ورد عنه في بعض الروايات التوقف في القول بنقص الإيمان، وفرقٌ بين الجزم بنفي الشيء، وبين التوقف فيه. وبهذا يتبين خطأ قول الزبيدي عندما أورد قول مالك هذا (أي: توقفه في النقصان) ثم أورد بعده ما روي عن أبي حنيفة من طريق غسان وجماعة من أصحابه أنه قال:"الإيمان يزيد ولا ينقص". ثم قال الزبيدي:"وهو بعينه قول مالك"٥.
قلت: فهذا خطأ بين إذ إن مالكاً ﵀ إنما جاء عنه التوقف
стр. 259
بالنقصان لا الجزم بعدمه، والفرق بين الأمرين ظاهر.
فهو ﵀ كان متوقفاً في القول بنقص الإيمان لعدم بلوغ النص إليه، ثم لما بلغه ذلك جزم بنقص الإيمان، كما هو ثابت عنه من طرق متعددة.
أما توقفه في النقصان في هذه الرواية فقد ذكر له أهل بعض التعليلات:
ا- فقيل إنه توقف في بعض الروايات عن القول بالنقصان، لأن التصديق بالله تعالى ورسوله ﷺ لا ينقص؟ إذ لا يجوز نقصان التصديق، لأنه إذا نقص صار شكاً وخرج عن اسم الإيمان، قاله ابن بطال١.
وقال بعض أهل العلم: إنما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان خشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب٢.
٣- وقيل: إنه توقف في ذلك لأنه وجد ذكر الزيادة في القرآن ولم يجد ذكر النقص.
قال شيخ الإسلام:"وكان بعض الفقهاء من أتباع التابعين لم يوافقوا في إطلاق النقصان عليه. لأنهم وجدوا ذكر الزيادة في القران، ولم يجدوا ذكر النقص، وهذا إحدى الروايتين عن مالك"٣.
стр. 260
فهذا جملة ما وقفت عليه من تعليلات لهذه الرواية، والذي أراه صواباً من هذه التعليلات الثالث منها، وهو أنه توقف عن القول بالنقص لعدم وقوفه على النص، لأمور:
أولاً: أن هذا هو اللائق به ﵀ والأنسب لمقامه، فما وجده في الكتاب والسنة قال به، وما لم يجده لم يقل به، وهذا هو شأن العلماء المحققين من أهل السنة والجماعة لا يصدرون في أقوالهم وأعمالهم إلا عن كتاب أو سنة، وكثيراً ما كان يتمثل ﵀ بقول الشاعر:
وخير أمور الدين ما كان سنة ... وشر الأمور المحدثات البدائع١
ثانياً: أن هذا هو منصوصه ﵀، فقد نص في جميع الروايات المتقدمة أنه إنما قال بالزيادة لوجودها في القرآن، ولما لم يجد للنقص ذكراً توقف عنه. ففي رواية ابن وهب قال:"قد ذكر الله سبحانه في غير آي من القران أن الإيمان يزيد".
وفي رواية ابن القاسم قال:"قد ذكر الله زيادته في غير موضع، فدع الكلام في نقصانه وكف عنه".
وفي رواية ابن أبي أويس قال:"وذلك في كتاب الله".
فظاهر من هذه الروايات أنه إنما قال بالزيادة لورود النص فيها، أما النقص فتوقف عن القول به لعدم وقوفه على نص فيه.
ثالثاً: يؤكد ذلك أنه ورد عنه روايات متعددة صحيحة يأتي ذكرها
стр. 261
قريباً فيها القول بزيادة الإيمان ونقصانه، فلعل هذا بعد أن تبين له النص في النقص كحديث:"ما رأيت من ناقصات
عقل ودين" أو وقف على بعض الآثار الكثيرة عن الصحابة والتابعين، والتي فيها التصريح بالزيادة والنقصان، أو غير
ذلك، فصار يقول به لوقوفه على النص فيه.
رابعاً: أن هذا ما رآه شيخ الإسلام ابن تيمية ذو الفهم الثاقب، والإطلاع الواسع والعناية الفائقة بأقوال السلف، فهو من أعلم الناس بأقوالهم وأفهمهم لها، وإن النفس لتطمئن كثيراً وغالباً لما يختاره ويراه لدقة فهمه وشدة تحريه، وقد تقدم من قوله ﵀ تعليل رواية مالك هذه بأنه توقف لأنه لم يجد التنصيص على النقصان في القران.
أما التعليل الأول والثاني فأرى أنهما غير سديدين.
أما الأول: وهو أنه توقف في النقص لأن التصديق لا ينقص فغير صحيح بل باطل، لأن التصديق يعتريه النقص كما تعتريه الزيادة، وقد سبق أن ذكرت في أوجه زيادة الإيمان ونقصانه أن الإيمان يزيد وينقص من جهة التصديق، ودللت على ذلك، ونقلت عن أهل العلم كالنووي وابن تيمية وابن حجر وغيرهم ما يؤيده، فأغنى عن إعادته هنا.
فقول أن نقصان التصديق شك ليس من قول أهل السنة والجماعة في شيء، فغير لائق أن يتأول قول مالك ﵀ على هذا القول الباطل، ويترك السبب الذي جاء عنه هو في تعليل تركه للقول بنقصان الإيمان.
أما الثاني: وهو أنه توقف حتى لا يفهم منه موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب، فبعيد جداً.
стр. 262
لأن القول بنقص الإيمان لا يفهم منه البتة كفر من نقص إيمانه إلا على مذهب الخوارج وغيرهم من القائلين بأن الإيمان كل واحد لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله، وهو قول باطل بلا ريب ترده نصوص الكتاب والسنة.
أما أهل السنة والجماعة فالإيمان عندهم له أجزاء وأبعاض وشعب والناس متفاوتون في القيام بها، فهو يزيد بزيادتها وينقص بنقصها، فإماطة الأذى عن الطريق إيمان كما في حديث الشعب، وترك إماطته نقص في كمال الإيمان المستحب ولا يقال إن فعله هذا كفر لتركه شيئاً من أمور الإيمان، ولا يفهم هذا منه.
ثم لو فهم هذا ممن انحرفت فطرهم وسادت فيهم البدع والخرافات، فلا يليق أن ينسب إليه ﵀ أنه ترك ما جاء الدليل مصرحاً به حتى لا يفهم كلامه على غير مراده، فلو كان ذلك كذلك وطرد هذا الأمر على بقية أمور الإعتقاد لضاع الدين.
فهل يترك القول بأن الله سميع بصير عليم خبير وأنه مستو على عرشه وأن له يداً وقدماً وغير ذلك من أوصاف كماله حتى لا يقال مجسمة؟!
أو يترك العناية بالأحاديث وتتبع الآثار والتنقيب عنها وفهمها حتى لا يقال حشوية؟!
أو يترك الاستثناء في الإيمان بأن يقول أنا مؤمن أو أنا مؤمن حقاً حتى لا يقال شكاكاً؟! وغير ذلك مما يطول ذكره.
وهل لا نروي قول النبي ﷺ :"لا يؤمن أحدكم كذا" في أحاديث كثيرة حتى لا يفهم من ذلك أنا نرى ما يراه الخوارج وغيرهم من خروج
стр. 263
مرتكب الكبيرة من الإيمان؟!
ولقد فهم المبتدعة من كلام الله في كتابه وكلام رسوله ﷺ في الثابت عنه ما يوافق مذاهبهم، وليس العيب في النص تنزه كلام الله ورسوله عن ذلك، بل العيب في فهمهم على حد قول الشاعر:
وكم من عائب قولاً صحيحاً
وآفته من الفهم السقيمٍ
ولم يمنع فهمهم من نص شرعي موافقة مذهبهم أن يتلى النص ويبلغ ويتداول.
وعليه فإني أرى أنه ليس من اللائق أبداً أن يؤول قول الإمام على ذلك وأن يفهم من قوله هذا الفهم الفاسد، ولو كان ﵀ يخشى ما فهمه هؤلاء لقال بما جاء به النص:"الإيمان يزيد وينقص"ثم بيّن للسائل أنه لا يلزم من القول بنقصه أنه يكفر، إذ لا تلازم بينهما، أو نحو هذا مما يبين السبيل ويزيل الإشكال إن وجد. والله أعلم.
وعلى كل فالإمام ﵀ نص على أنه ترك القول بالنقص لعدم ورود النص، فلا حاجة بنا بعد إلى مثل هذه التعليلات.
وأيضاً فالإمام ثبت عنه القول بزيادة الإيمان ونقصانه وترك قوله الأول، بل إن قوله الأخير هو المعروف عنه عند أهل العلم كما قال أحمد بن القاسم تذاكرنا من قال الإيمان يزيد وينقص فعد الإمام أحمد غير واحد ثم قال: ومالك بن أنس يقول: يزيد وينقص، فقلت له إن مالكاً يحكون عنه أنه قال: يزيد ولا ينقص١.
стр. 264
فقال: بلى قد روي عنه يزيد وينقص كان ابن نافع يحكيه عن مالك، فقلت له: ابن نافع يحكيه عن مالك؟ قال: نعم١.
والروايات الواردة عنه ﵀ في أن الإيمان يزيد وينقص كثيرة، وفيما يلي أسوق ما وقفت عليه منها:
أولاً- رواية عبد الرزاق:
قال عبد الرزاق:"سمعت معمراً وسفيان الثوري ومالك بن أنس، وابن جريج وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص"٢.
وقال:"لقيت اثنين وستين شيخاً منهم معمر.... ومالك بن أنس ... كلهم يقولون:"الإيمان قول وعمل يزيد وينقص"٣.
ثانياً- رواية إسحاق بن محمد الفروى٤:
قال:"كنت عند مالك بن أنس فسمعت حماد بن أبي حنيفة يقول لمالك يا أبا عبد الله إن لنا رأياً نعرضه عليك فإن رأيته غير ذلك كففنا
стр. 265
عنه، قال: رما هو؟ قال يا أبا عبد الله لا نكفر أحداً بذنب، الناس كلهم مسلمون عندنا.
قال: ما أحسن هذا، ما بهذا بأس. فقام إليه داود بن أبي زنبر وإبراهيم بن حبيب وأصحاب له فقاموا إليه فقالوا: يا أبا عبد الله إن هذا يقول بالإرجاء، قال ديني مثل دين جبريل وميكائيل والملائكة المقربين، قال: لا والله: الإيمان يزيد وينقص ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ١ وقال إبراهيم ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ٢ فطمأنينة قلبه زيادة في إيمانه"٣.
ثالثاً- رواية ابن نافع:
قال: كان مالك بن أنس يقول:"الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص"٤.
رابعاً- رواية معن بن عيسى٥:
стр. 266
أشار إليها ابن عبد البر في التمهيد١ ونقلها عنه شيخ الإسلام٢، ولم أقف عليها مسندة.
خامساً- رواية أبي عثمان سعيد بن داود بن أبي زنبر الزنبري٣:
قال كان مالك يقول:"الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص"٤.
سادساً- رواية سويد بن سعيد بن سهل الهروي:
قال:"سمعت مالك بن أنس وحماد بن زيد.. وجميع من حملت عنهم العلم يقولون: الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص ... "٥.
فالقول بأن الإيمان يزيد وينقص ثابت عنه ﵀ من طرق متعددة، ولذا قال ابن عبد البر في التمهيد بعد أن أشار إلى رواية ابن القاسم عنه في أن الإيمان يزيد مع التوقف في النقصان، قال:"وروى عنه عبد الرزاق، ومعن بن عيسى، وابن نافع، وابن وهب أنه يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وعلى هذا مذهب الجماعة من أهل الحديث والحمد لله"٦.
стр. 267
وقال القاضي عياض:"قال غير واحد: سمعت مالكاً يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وبعضه أفضل من بعض"١.
وخلاصة الكلام في هذا الفصل أن مالكاً ﵀ كان يقول إن الإيمان يزيد ولا يقول ينقص متوقفاً في ذلك لا منكراً له، ثم بان له بعد ذلك وظهر من خلال تأمله للنصوص وإعادة النظر فيها أنه ينقص، مستدلاً على ذلك بنصوص القرآن المصرحة بالزيادة نفسها، إذ إن ما دل على الزيادة تصريحاً يدل على النقصان لزوما.
قال ابن رشد:"وقد روي عن مالك ﵀ أنه كان يطلق القول بزيادة الإيمان وكف عن إطلاق نقصانه، إذ لم ينص الله تعالى إلا على زيادته، فروي عنه أنه قال عند موته لابن نافع وقد سأله عن ذلك: قد أبرمتموني إني تدبرت هذا الأمر فما من شيء يزيد إلا وينقص، وهو الصحيح والله أعلم"٢.
قلت: وقول ابن رشد هذا فيه تحرير جيد لموقف مالك من هذه المسألة، ألا أن قوله عنه أنه قال ذلك عند موته فيه نظر عندي، إذ إن الروايات المتقدمة عنه ﵀ في أن الإيمان يزيد وينقص من طريق غير واحد من أصحابه لا تفيد ذلك وليس فيها تصريح به، سيما رواية ابن نافع المعينة هنا وقد تقدمت معنا ولفظها:"كان مالك يقول
стр. 268
الإيمان يزيد وينقص"فليس فيها ما يفيد أن ذلك إنما كان عند موته ﵀، ثم إن تعدد الروايات عنه في ذلك من طريق عبد الرزاق ومعمر وابن نافع وغيرهم من أصحابه تفيد أن قوله إن الإيمان يزيد وينقص لم يكن قال به عند موته فقط بل قبل ذلك، فلست أدري على ماذا أستند ابن رشد في قوله هذا؟ والذي أراه أنه لا مستند له، فجميع الذين رووه من طريق نافع ممن تقدم ذكرهم في التخريج لم يذكر أحد منهم ما أشار إليه ابن رشد، ثم إن الروايات الأخرى عنه في أن الإيمان يزيد وينقص تدل على عدم صحة هذا كما هو ظاهر مما تقدم، والله أعلم.
وعلى كل فهذا القول أعني قول مالك ﵀:"الإيمان يزيد وينقص، هو الأخير من أقواله وهو المشهور عنه عند أصحابه وغيرهم لا الأول، أما قول الزبيدي:
"وتوقف مالك عن القول بنقصانه، هذا هو المشهور من مذهبه"١.
فغير صحيح، إلا إن كان يعني بالشهرة شهرته عند أهل البدع فنعم، فهم يتتبعون ما وافق أهواءهم من النصوص وأقوال أهل العلم ويأخذون به ويعدونه صحيحاً مشهوراً ويدعون ما سواه.
فالمشهور عن مالك هو القول بأن الإيمان يزيد وينقص، ولهذا لما عدد الإمام أحمد من قال الإيمان يزيد وينقص من أهل العلم عد منهم مالكاً ﵀ مع علمه أنه روي عنه القول بأن الإيمان يزيد مع التوقف في النقصان.
стр. 269
ولما عدد عبد الرزاق ﵀ القائلين بأن الإيمان يزيد وينقص عد منهم مالكاً ﵀، وهكذا صنع أبو عبيد وغيرهم من أهل العلم، وما ذاك إلا لأنه المشهور عن مالك ﵀.
ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد أن أشار إلى توقف مالك في النقصان:"والرواية الأخرى عنه، وهو المشهور عند أصحابه كقول سائرهم أنه يزيد وينقص".
رواية غريبة:
وقد ذكر القاضي عياض في ترتيب المدارك رواية غريبة عن مالك في ذلك فقال:"قال زهير بن عباد: قلت لمالك ما قولك في صنفين عندنا بالشام اختلفوا في الإيمان فقالوا: يزيد وينقص؟ قال بئس ما قالوا ... "إلى آخر سياق هذه الرواية وهو طويل.
قلت: وهذا غريب جدا، بل لا يثبت عن مالك ﵀ لاسيما أن القاضي عياض ذكره مرسلاً هكذا. ولم يذكر من خرجه ولم يذكر له سندا، فعلى هذا لا يكون صحيحاً، ولا تصح نسبته إليه، كيف وهو مخالف للصحيح الثابت عنه ﵀، اللهم إلا أن يكون في الرواية تحريف أو سقط، والله أعلم.
стр. 270
الفصل الثاني
قول من قال الإيمان يزيد ولا ينقص، والرد عليه
لقد كان الحديث في الفصل السابق عمن قال الإيمان يزيد وتوقف في النقصان، أما الحديث في هذا الفصل فسيكون إن شاء الله عمن خالف قول أهل السنة والجماعة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، فقال: إن الإيمان يزيد ولا ينقص.
وجملة من وقفت على أنه قال بذلك بعد التتبع والنظر في كتب الفرق والمقالات وغيرها، مما تيسر لي الوقوف عليه هم:
ا- طائفة من الأشاعرة.
٢- رواية عن أبي حنيفة.
٣- الغسانية.
٤- النجارية.
٥- الإباضية.
وتفصيل ذلك كما يلي:
أما قول الطائفة من الأشاعرة فقد أشار إليه البغدادي في "أصول الدين"فقال: "وأما من قال: إنه التصديق١ بالقلب فقد منعوا من النقصان فيه، واختلفوا في زيادته فمنهم من منعها ومنهم من أجازها"٢.
стр. 271
وذكر نحو قوله هذا العيني في عمدة القارئ١.
وقال البيجوري في شرحه لقول اللقاني في جوهرة التوحيد:
ورجحت زيادة الإيمان ... بما تزيد طاعة الإنسان
ونقصه بنقصها وقيل لا ... وقيل لا خلف كذا قد نقلا
قال في الشرح: "ويحتمل في أن يكون النفي في كلام المصنف راجعاً إلى أقرب مذكور وهو قوله: "ونقصه بنقصها"فكأنه قال: وقيل لا ينقص فيكون مراده بهذا القيل أن الإيمان يزيد ولا ينقص ... "٢.
فمن خلال ما تقدم يظهر أن بعض الأشاعرة ذهبوا إلى أن الإيمان يقبل الزيادة دون النقصان، ولهم على ذلك أدلة يأتي ذكرها ونقضها قريباً.
وأما الرواية عن أبي حنيفة أن الإيمان يزيد ولا ينقص، فقد ذكرها غير واحد ممن كتب في المقالات، من طريق غسان وغيره عن أبي حنيفة ﵀.
قال الأشعري: "فأما غسان وأكثر أصحاب أبي حنيفة فإنهم يحكون عن أسلافهم أن الإيمان هو الإقرار والمحبة لله والتعظيم له والهيبة منه وترك الاستخفاف بحقه وأنه يزيد ولا ينقص"٣.
وقال الزبيدي: "وحكى غسان وجماعة من أصحاب أبي حنيفة أنه
стр. 272
يزيد ولا ينقص"١.
ونقله عن الكشميري الحنفي في "فيض الباري"٢، ونقل نحوه الكاندهلوي الحنفي في "تحفة القارئ"وقال: "وروى عن أبي حنيفة ومالك يزيد ولا ينقص"٣.
قلت: سبق أن بينت أن مالكاً لم يقل إن الإيمان يزيد ولا ينقص، وإنما قال: يزيد وتوقف في النقصان، وفرقٌ بين الأمرين.
ثم إن الكشميري والكندهلوي لما ذكرا نسبة هذا القول لأبي حنيفةلم يتكلما بشيء حول عدم صحة هذه النسبة إليه، بل إن الأول منهما أخذ يوجه هذا القول، فكأن هذا إقرار منه بصحة النسبة.!
وعلى كل ففي صحة نسبة هذا القول لأبي حنيفة نظر.
فقد ذكر البغدادي عن الغسانية، وهم اتباع غسان المرجئ أن من أقوالهم أن الإيمان يزيد ولا ينقص، ثم قال: "وزعم غسان هذا في كتابه أن قوله في هذا الكتاب كقول أبي حنيفة"٤.
ثم خطأه في ذلك فقال: "وهذا غلط منه عليه، لأن أبا حنيفة قال: إن الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله تعالى ورسله وبما جاء من الله تعالى ورسله في الجملة دون التفصيل، وأنه لا يزيد ولا ينقص، ولا يتفاضل الناس فيه، وغسان قد قال: بأنه يزيد ولا ينقص"٥.
стр. 273
فالبغدادي يرى أن نسبة هذا القول لأبي حنيفة غلط عليه، وهذا ظاهر لأن المشهور والمعروف عنه نفي الزيادة والنقصان معاً.
لذا قال الإسفرايني: "كان يقول أي غسان الإيمان إقرار بالله ومحبة لله تعالى وتعظيم له، وهو يقبل الزيادة ولا يقبل النقصان على خلاف ما قاله أبو حنيفة ﵀ حيث قال: لا يزيد ولا ينقص"١.
قلت: فلعل الغسانية نسبة هذا القول لأبي حنيفة ترويجاً لمذهبهم، وإشهاراً له، ولا غرابة في هذا، فإن هذا سجية لأهل البدع وطبيعة لهم ينحلون الأئمة ما لم يقولوه ليروج باطلهم وينتشر وخصوصاً أبا حنيفة، فقد نحل ﵀ من عقائد الجهمية والمعتزلة والماتريدية وغيرهم شيء كثير لم يقل به وإنما نسبه إليه أهل الباطل باطلاً٢.
هذا بشكل عام، أما قول أبي حنيفة في هذه المسألة بخصوص فهو أشد من قول هؤلاء، وأكثر بعداً عن الصواب، إذ إن المشهور عنه ﵀، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك قريبا، هو نفي الزيادة والنقصان كليهما وسيأتي الكلام على مذهبه هذا موسعاً في الفصل القادم إن شاء الله، وإنما الذي قصدت بيانه هنا هو عدم صحة نسبة هذا القول - أعني أن الإيمان يزيد ولا ينقص- إليه.
وأما الغسانية فالقول بأن الإيمان يزيد ولا ينقص مشتهر عنهم، وقد
стр. 274
نسبه إليهم غير واحد ممن كتب في المقالات والفرق١.
وأما النجارية٢، فلهم أصول باطلة جانبوا فيها الحق وفارقوه منها: قولهم إن الاسمان يزيد ولا ينقص، وقد حكى ذلك عنهم غير واحد ممن كتب في مقالات الفرق كالأشعري والأسفرايني والبغدادي وغيرهم٣.
وأما الإباضيه٤، فلم أقف على قولهم إن الإيمان يزيد ولا ينقص في كتب المقالات وإنما ذكر أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي من الاباضية٥ في كتابه مشارق أنوار العقول: "الإيمان بالمعنى الشرعي الذي هو أداء الواجبات مطلقاً ليس ينقص نظراً إلى إيمان كل مؤمن فإنه
стр. 275
في ذاته غير متفاوت بالنسبة إلى إيمان غيره"١.
فقال المعلق على الكتاب وهو من الإباضية المعاصرين: "ذهب أصحابنا ﵏ إلى أن الإيمان يزيد ولا ينقص، وهذا المذهب إذا تؤمل له أصالته في العقيدة سواء حملنا الإيمان على حقيقته اللغوية أو حقيقته الشرعية..
إلى أن قال: وإذا اعتقد ما لزمه اعتقاده ولم يحضره فرض قولي أو عملي كان مؤمناً كامل الإيمان، وإذا وجب عليه شيء من الأقوال أو الأفعال وأداه كما وجب عليه ازداد إيمانه وإذا أخل بهذا الواجب انهدم إيمانه كله"٢.
وكما ترى قد وافق هذا أسلافه الخوارج بقوله: "وإذا أخل بهذا الواجب انهدم إيمانه كله".
فهم يخرجون من أخل بشيء من الأعمال عن الإيمان، لأن الإيمان عندهم كل لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله، وهذه الشبهة هي التي أفسدت على هؤلاء وعلى غيرهم عقيدتهم في الإيمان، كما قال شيخ الإسلام ﵀:
"ولهذه الشبهة والله أعلم امتنع من امتنع من أئمة الفقهاء أن يقول بنقصه، كأنه ظن إذا قال ذلك يلزم ذهابه كله بخلاف ما إذا زاد"٣.
قلت: وهذه الشبهة باطلة معلومة الفساد، وسيأتي نقضها في الفصل القادم.
стр. 276
فهذا ما تيسر لي الوقوف عليه ممن قال بهذا القول، ولهؤلاء أدلة يحتجون بها، فيما يلي أسوقها، ثم أتبع ذلك بمناقشتها وبيان بطلانها:
أدلتهم:
١- بنوا قولهم هذا على تعريفهم للإيمان:
فالإيمان عندهم هو التصديق، والتصديق عندهم لا يقبل النقص لأنه إذا قبله صار شكاً، لكنه يقبل الزيادة بناء على أن الشخص يؤمن إجمالاً ثم يزيد تصديقه بالتفاصيل١.
وقد تقدم معنا قول البغدادي: "وأما من قال إنه التصديق بالقلب فقد منعوا من النقصان فيه ".
وقال العيني: "وقال اخررن إنه لا يقبل النقصان لأنه لو نقص لا يبقى إيماناً، ولكن يقبل الزيادة لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ ٢ ونحوها من الآيات"٣.
٢- احتجوا بحديث الإسلام يزيد ولا ينقص:
قال الكشميري "وروي عن إمامنا الأعظم رحمه الله تعالى أن الإيمان يزيد ولا ينقص، وكأنه مأخوذ مما روي عند أبي داود في كتاب الفرائض عن معاذ بن جبل: "أنه ورث المسلم عن الكافر ولم يورثه من المسلم وقال الإسلام يزيد ولا ينقص"قيل في شرحه أي يعلو ولا
стр. 277
يعلى"١.
وقال الفرهاري في النبراس: "ومن العجب أن بعضهم استدل بما روى عن معاذ بن جبل ﵁ أنه كان يورث المسلم من الكافر ولا يورث الكافر من المسلم ويقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الإيمان يزيد ولا ينقص" وخفي عليهم أن هذه الزيادة والنقصان معنى آخر على نحو الإسلام يعلو ولا يعلى"٢.
٣- واحتجوا بأن المعاصي لا تحبط الطاعات وإذا لم تحبطها فلا نقصان يلحق الإيمان:
قال الحليمي: "ومن ذهب إلى أن الإيمان يزيد ولا ينقص فإنه يقول أصله يتكثر بفروعه، وفروعه تتكثر بعضها، والمعاصي لا تحبط الطاعات، وإذا لم تحبطها فلا نقصان يلحق الإيمان.
والدليل على صحة ذلك أن فروع الإيمان متأيدة بأصلها، فما لا يحبط أصلها لا يحبطها، لأن الفروع لا تتميز عن أصلها، فإذا لم يجز وجود الكفر مع الإيمان، لم يجز وجود فروعه مع الإيمان، ولأن طاعات المؤمن إنما كانت فروع الإيمان لوجودها في الإيمان المحرك عليها، كذلك معاصي الكافر فروع للكفر لأن كفره هو المحرك له عليها، وقد علمنا أن الأفعال الحسنة في أنفسها إذا وجدت من الكافر لم تكن فروع الإيمان، ولأن طاعات المؤمن لما كانت فروع الإيمان كانت إيمانا، فلو كانت سيئاته فروع الكفر فلتكن كفراً"٣.
стр. 278
فهذا ما وقفت عليه من أدلة لهؤلاء، ولهم شبه أخرى يوافقون فيها من قال إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فيأتي ذكرها ونقضها هناك.
والرد على هذه الأدلة من وجهين مجمل ومفصل:
أما المجمل:
١- فيقال: إن زيادة الإيمان ثابتة في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، وهم يقولون بها، فإذا ثبتت الزيادة، فالنقصان ثابت باللزوم، لأن الزيادة تستلزم النقص، ولأن قبول الشيء للزيادة يستدعى قبوله للنقص، ولأن الزيادة لا تكون إلا عن نقص، وسبق أن نقلت عن أهل العلم الإمام أحمد وابن حزم وابن بطال والبيهقي وأبن حجر وغيرهم ما يؤيد هذا، فأغنى عن إعادته هنا١.
فالزيادة إن كانت ثابتة من نص القرآن منطوقاً فهي ثابتة من نصه مفهوماً، بل إن بعض أهل العلم يرى أنها ثابتة من نصه منطوقاً.
ولهذا لما قال الكشميري "وليعلم أن القرآن لا يدل بمنطوقه إلا على زيادة الإيمان، أما على نقصانه فلا، إلا أن يؤخذ عنه بالزوم، ويقال إن الإيمان إذا ثبتت فيه الزيادة أمكن فيه النقصان أيضاً"٢.
تعقبه الشيخ ابن عبد الحق النورفوري بقوله: "إن دلالة اللفظ على ما وضع له، أو جزئه، أو لازمه المتأخر عبارة إن سيق له، وإلا فإشارة، وعلى لازمه المتقدم اقتضاء، ولا ريب أن هذه الثلاث من المنطوق.
قال في إرشاد الفحول في الباب الثامن من المقصد الرابع منه:
стр. 279
"والحاصل أن الألفاظ قوالب للمعاني المستفادة منها، فتارة تستفاد منها من جهة النطق تصريحاً، وتارة من جهته تلويحاً، فالأول المنطوق، والثاني المفهوم، والمنطوق ينقسم إلى قسمين:
الأول: ما لا يحتمل التأويل، وهو النص.
والثاني: ما يحتمله، وهو الظاهر.
والأول أيضاً ينقسم إلى قسمين، صريح إن دلل عليه اللفظ بالمطابقة أو التضمن، وغير صريح إن دل عليه بالالتزام، وغير الصريح ينقسم إلى دلالة اقتضاء وإيماء وإشارة، فدلالة الاقتضاء هي إذا توقف الصدق أو الصحة العقلية أو الشرعية عليه مع كون ذلك مقصود التكلم ... إلخ"١.
والاستثناء في قوله- أي الكشميري-: "أما على نقصانه فلا إلا أن يؤخذ عنه باللزوم"متصل، فظهر أن القرآن يدل على النقصان بمنطوقه، كما يدل على الزيادة بمنطوقه، إلا أن دلالته على الزيادة من قبيل العبارة، وعلى النقصان من باب الاقتضاء أو الإشارة، فالحق أن الإيمان إذا ثبت فيه الزيادة ثبت فيه النقصان البتة لا كما قال: أمكن فيه النقصان"٢.
قلت: وهذا تعقب محرر جداً، ورجه آخر في الرد وهو ما جاء عن ابن عيينة رحمه الله تعالى قال: "نطق القرآن بزيادة الإيمان ونقصانه، قوله تعالى: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ وقوله تعالى:
стр. 280
﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رجسهم﴾ فهذا نقصان الإيمان"١.
والمقصود أن القرآن الكريم كما أنه دل على زيادة الإيمان فهو يدل على نقصه، ومن أخذ بدلالته على الزيادة وترك دلالته على النقص فقد عطل القران عن دلالاته، وتناقض فيما يأتي ويذر.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي بعد أن ذكر جملة من الآيات المصرحة بزيادة الإيمان: "وهذه الآيات المذكورة نصوص صريحة في أن الإيمان يزيد مفهوم منها أنه ينقصه أيضاً، كما استدل بها البخاري ﵀ على ذلك، وهي تدل عليه دلالة صريحة لا شك فيها، فلا وجه معها للاختلاف في زيادة الإيمان ونقصه كما ترى، والعلم عند الله"٢.
٢- ويقال أيضاً إن النقص مصرح به في السنة، كما في الحديث الصحيح الثابت عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال للنساء "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن" ٣.
فهذا الحديث نص في نقصان الإيمان، فالحديث حجة قاصمة لظهر كل من قال إنه لا ينقص وشجاً في حلقه إلا أن يدع قوله، قال ابن حزم: "وقد جاء النص بذكر النقص، وهو قول رسول الله ﷺ المشهور المنقول نقل الكواف أنه قال للنساء: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أسلب للب الرجل الحازم منكن" ٤.
стр. 281
وأيضاً: ثبت عنه ﷺ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ١.
فقوله ﷺ : "وذلك أضعف الإيمان "صريح أن الإيمان يضعف وضعفه نقصان بلا ريب؛ ولذا احتج به أهل العلم على زيادة الإيمان ونقصانه كما سبق بيانه.
قلت: فلا مجال بعد قوله ﷺ لعقل ولا رأي إلا القبول ع والتسليم، لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فهو ﷺ يخبر بصريح العبارة أن الإيمان يضعف وينقص، فلا يجوز لمن كأن يؤمن به أن يقول لا ينقص، معارضاً برأيه قول رسول الله الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ .
٣- وأيضاً يقال: إن القول بزيادة الإيمان ونقصانه هو قول أهل السنة والجماعة الصحابة وتابعيهم بإحسان، وقد نقلت فيما سبق عن غير واحد منهم التصريح بأن الإيمان يزيد وينقص، فمن الصحابة عن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن رواحة وأبي الدرداء وأبي هريرة وجندب بن عبد الله البجلي وعمير بن حبيب الخطمي وغيرهم رضي الله عن الصحابة أجمعين، ومن السلف عموماً عن علقمة بن قيس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد بن جبر والأوزاعي والثوري وحماد بن زيد ومالك وابن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم خلق كثير لا يحصون، هذا هو الثابت عنهم لا قول لهم غيره، وهذا هو السبيل الذي يعضده الدليل من الكتاب والسنة، والله يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ
стр. 282
الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ... ﴾ ١.
وكان شيخ الإسلام ﵀ يقول: "من فارق الدليل ضل السبيل، ولا دليل إلا بما جاء به الرسول"٢.
بلى لقد جاء عن بعض السلف عد هذا القول من أقوال المرجئة المذمومة، كما جاء عن الإمام أحمد ﵀ أنه سئل عمن قال الإيمان قول بلا عمل وهو يزيد ولا ينقص قال هذا قول المرجئة.
وسئل ما المرجئة؟ قال الذين يقولون الإيمان قول، قيل: فالذي يقول الإيمان يزيد ولا ينقص قال ما أدري ما هذا.
قلت: أي أنه قول منكر لم يعهد عن أحد من علماء السنة. وهذان الأثران عن الإمام ﵀ رواهما عنه الخلال في السنة في باب الرد على المرجئة قولهم إن الإيمان يزيد ولا ينقص٣.
فعلم من جميع ما تقدم أن القول بأن الإيمان يزيد ولا ينقص قول محدث لا دليل عليه من الكتاب والسنة ولم يقل به أحد من سلف هذه الأمة، فمن قال به وترك قول أهل السنة فقد فارق السبيل وترك الجادة التي عليها أئمة الهدى ومصابيح الدجى الذين هم أعلم وأحكم بمسائل العلم والدين.
ويحسن أن أنقل هنا ما نقله شيخ الإسلام عن الشافعي ﵀ في سياق آخر قال: "وما أحسن ما قاله الشافعي ﵁ في رسالته
стр. 283
"هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل، وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا"١.
فإذا كانوا بهذه المثابة والمنزلة وهم كذلك، وقد اتفقوا على أن الإيمان يزيد وينقص، ومستندهم في ذلك الكتاب والسنة، فلا يجوز لأحد أن يعدل عن قولهم لشبه عقلية وخيالات وهمية٢، ما هي إلا ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ ، هذا على سبيل الإجمال.
أما التفصيل، فهو في نقد حججهم السالفة الذكر، ونقضها شبهة شبهة.
أولاً - قولهم: إن الإيمان لا ينقص:
لأنه هو التصديق، والتصديق إذا صار شكاً، لكنه يزيد.
قلت: وهذا قول باطل مناقض للحق والواقع، أما الحق: فقد بينت في مبحث أوجه زيادة الإيمان ونقصانه أن الحق الذي لا ريب فيه في التصديق أنه يزيد وينقص ويقوى ويضعف، ولا يلزم من ضعفه أن يكون شكاً أو كفراً حاشا وكلا، بل يضعف تصديق الشخص عن درجة اليقين الكامل إلى درجة أضعف دون أن يكون ذاهب التصديق كلية، أو مرتاباً
стр. 284
في الأمر شاكاً فيه.
وإبراهيم الخليل ﵇ لما قال: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ وأراه الله، زاد تصديقه وإيمانه، وبلغ درجة الاطمئنان ولم يكن شاكاً قبل ذلك حاشاه ﵇ فلا تلازم بين الشك والنقص، فقد يوجد أحدهما دون أن يلزم من ذلك وجود الآخر، وقد نقلت فيما سبق عن أهل العلم ما يدل على أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان دون أن يقتضي ذلك الشك والريب فليراجع في محله١.
وأما مناقضته للواقع: فإن الواقع يشهد لبطلان ذلك، فإن من الناس من يكون تصديقه قوياً معتمداً على الحجج والبراهين، بالغاً أعلى درجات اليقين، لا تزعزعه الشبهات ولا تصرفه، ومنهم من يكون تصديقه ضعيفاً بحيث تزعزعه الشبه وتصرفه، فإن سلم منها بقي على تصديقه الضعيف ولا يعد شاكاً، فشتان بين هذا وذاك.
ثم إن هذا أمر يحسه كل أحد من نفسه، فإن المرء أحياناً يكون تصديقه قوياً، وأحياناً يكون ضعيفاً، وهو في كلا الحالين مصدق، وما ذاك إلا لأن التصديق يقبل التفاضل والزيادة والنقصان في الشخص الواحد، وكذلك يتفاضل من شخص لآخر، فمن كان تصديقه أكمل فهو أفضل من الآخر الذي تصديقه أنقص، والمقصود أن التصديق كما أنه يزيد فهو ينقص بلا ريب.
أقول ما تقدم جدلاً على فرض أن الإيمان هو التصديق، أما الإيمان فهو وراء ذلك، بل هو التصديق والقول والعمل كما هو مقرر في عقيدة أهل السنة والجماعة، فالإيمان ينقص بنقص العمل وبفعل
стр. 285
المعاصي وبغير ذلك، ولا يلزم من نقصه في ذلك أن يكون شكاً أو كفراً، بل بحسب المعصية فإن كانت المعصية المرتكبة كفراً كفر، وإن كانت كبيرة نقص كمال إيمانه الواجب، وإن كانت مستحباً تَرْكُها نقص كمال إيمانه المستحب، فلا يلزم من ارتكاب المعصية كفر المرتكب، إلا على مذهب الخوارج؟.
ثم يقال لهؤلاء إن كان التصديق على قولكم يقبل الزيادة ولا يقبل النقصان أخبرونا عن حاله قبل حصول الزيادة أكان ناقصاً أو كاملاً؟
فإن كان كاملاً فما وجه الزيادة فيه وهو كامل، وإن كان ناقصا وهو كذلك خصمتم، وبهذا يظهر تناقضهم، وتهافت قولهم، وبالله التوفيق.
ثانيا- أما إحتجاجهم بحديث الإسلام يزيد ولا ينقص:
فمنتقص من وجهين:
الأول:
أن الحديث ضعيف لا يحتج به، فقد أخرجه أبو داود وأحمد والطيالسي والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن، والجورقاني في الأباطيل١ كلهم من طريق عمرو بن حكيم عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الدؤلي عن معاذ بن جبل أنه أتي في ميراث يهودي وارثه مسلم، فقال سمعت النبي ﷺ يقول: "الإسلام يزيد ولا ينقص" فورثه منهم.