← Акыда

Акыда · id 11234

زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (532 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وأيضاً: ثبت عنه ﷺ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ١. فقوله ﷺ : "وذلك أضعف الإيمان "صريح أن الإيمان يضعف وضعفه نقصان بلا ريب؛ ولذا احتج به أهل العلم على زيادة الإيمان ونقصانه كما سبق بيانه. قلت: فلا مجال بعد قوله ﷺ لعقل ولا رأي إلا القبول ع والتسليم، لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فهو ﷺ يخبر بصريح العبارة أن الإيمان يضعف وينقص، فلا يجوز لمن كأن يؤمن به أن يقول لا ينقص، معارضاً برأيه قول رسول الله الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ . ٣- وأيضاً يقال: إن القول بزيادة الإيمان ونقصانه هو قول أهل السنة والجماعة الصحابة وتابعيهم بإحسان، وقد نقلت فيما سبق عن غير واحد منهم التصريح بأن الإيمان يزيد وينقص، فمن الصحابة عن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن رواحة وأبي الدرداء وأبي هريرة وجندب بن عبد الله البجلي وعمير بن حبيب الخطمي وغيرهم رضي الله عن الصحابة أجمعين، ومن السلف عموماً عن علقمة بن قيس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد بن جبر والأوزاعي والثوري وحماد بن زيد ومالك وابن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم خلق كثير لا يحصون، هذا هو الثابت عنهم لا قول لهم غيره، وهذا هو السبيل الذي يعضده الدليل من الكتاب والسنة، والله يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ

стр. 282

الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ... ﴾ ١. وكان شيخ الإسلام ﵀ يقول: "من فارق الدليل ضل السبيل، ولا دليل إلا بما جاء به الرسول"٢. بلى لقد جاء عن بعض السلف عد هذا القول من أقوال المرجئة المذمومة، كما جاء عن الإمام أحمد ﵀ أنه سئل عمن قال الإيمان قول بلا عمل وهو يزيد ولا ينقص قال هذا قول المرجئة. وسئل ما المرجئة؟ قال الذين يقولون الإيمان قول، قيل: فالذي يقول الإيمان يزيد ولا ينقص قال ما أدري ما هذا. قلت: أي أنه قول منكر لم يعهد عن أحد من علماء السنة. وهذان الأثران عن الإمام ﵀ رواهما عنه الخلال في السنة في باب الرد على المرجئة قولهم إن الإيمان يزيد ولا ينقص٣. فعلم من جميع ما تقدم أن القول بأن الإيمان يزيد ولا ينقص قول محدث لا دليل عليه من الكتاب والسنة ولم يقل به أحد من سلف هذه الأمة، فمن قال به وترك قول أهل السنة فقد فارق السبيل وترك الجادة التي عليها أئمة الهدى ومصابيح الدجى الذين هم أعلم وأحكم بمسائل العلم والدين. ويحسن أن أنقل هنا ما نقله شيخ الإسلام عن الشافعي ﵀ في سياق آخر قال: "وما أحسن ما قاله الشافعي ﵁ في رسالته

стр. 283

"هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل، وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا"١. فإذا كانوا بهذه المثابة والمنزلة وهم كذلك، وقد اتفقوا على أن الإيمان يزيد وينقص، ومستندهم في ذلك الكتاب والسنة، فلا يجوز لأحد أن يعدل عن قولهم لشبه عقلية وخيالات وهمية٢، ما هي إلا ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ ، هذا على سبيل الإجمال. أما التفصيل، فهو في نقد حججهم السالفة الذكر، ونقضها شبهة شبهة. أولاً - قولهم: إن الإيمان لا ينقص: لأنه هو التصديق، والتصديق إذا صار شكاً، لكنه يزيد. قلت: وهذا قول باطل مناقض للحق والواقع، أما الحق: فقد بينت في مبحث أوجه زيادة الإيمان ونقصانه أن الحق الذي لا ريب فيه في التصديق أنه يزيد وينقص ويقوى ويضعف، ولا يلزم من ضعفه أن يكون شكاً أو كفراً حاشا وكلا، بل يضعف تصديق الشخص عن درجة اليقين الكامل إلى درجة أضعف دون أن يكون ذاهب التصديق كلية، أو مرتاباً

стр. 284

في الأمر شاكاً فيه. وإبراهيم الخليل ﵇ لما قال: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ وأراه الله، زاد تصديقه وإيمانه، وبلغ درجة الاطمئنان ولم يكن شاكاً قبل ذلك حاشاه ﵇ فلا تلازم بين الشك والنقص، فقد يوجد أحدهما دون أن يلزم من ذلك وجود الآخر، وقد نقلت فيما سبق عن أهل العلم ما يدل على أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان دون أن يقتضي ذلك الشك والريب فليراجع في محله١. وأما مناقضته للواقع: فإن الواقع يشهد لبطلان ذلك، فإن من الناس من يكون تصديقه قوياً معتمداً على الحجج والبراهين، بالغاً أعلى درجات اليقين، لا تزعزعه الشبهات ولا تصرفه، ومنهم من يكون تصديقه ضعيفاً بحيث تزعزعه الشبه وتصرفه، فإن سلم منها بقي على تصديقه الضعيف ولا يعد شاكاً، فشتان بين هذا وذاك. ثم إن هذا أمر يحسه كل أحد من نفسه، فإن المرء أحياناً يكون تصديقه قوياً، وأحياناً يكون ضعيفاً، وهو في كلا الحالين مصدق، وما ذاك إلا لأن التصديق يقبل التفاضل والزيادة والنقصان في الشخص الواحد، وكذلك يتفاضل من شخص لآخر، فمن كان تصديقه أكمل فهو أفضل من الآخر الذي تصديقه أنقص، والمقصود أن التصديق كما أنه يزيد فهو ينقص بلا ريب. أقول ما تقدم جدلاً على فرض أن الإيمان هو التصديق، أما الإيمان فهو وراء ذلك، بل هو التصديق والقول والعمل كما هو مقرر في عقيدة أهل السنة والجماعة، فالإيمان ينقص بنقص العمل وبفعل

стр. 285

المعاصي وبغير ذلك، ولا يلزم من نقصه في ذلك أن يكون شكاً أو كفراً، بل بحسب المعصية فإن كانت المعصية المرتكبة كفراً كفر، وإن كانت كبيرة نقص كمال إيمانه الواجب، وإن كانت مستحباً تَرْكُها نقص كمال إيمانه المستحب، فلا يلزم من ارتكاب المعصية كفر المرتكب، إلا على مذهب الخوارج؟. ثم يقال لهؤلاء إن كان التصديق على قولكم يقبل الزيادة ولا يقبل النقصان أخبرونا عن حاله قبل حصول الزيادة أكان ناقصاً أو كاملاً؟ فإن كان كاملاً فما وجه الزيادة فيه وهو كامل، وإن كان ناقصا وهو كذلك خصمتم، وبهذا يظهر تناقضهم، وتهافت قولهم، وبالله التوفيق. ثانيا- أما إحتجاجهم بحديث الإسلام يزيد ولا ينقص: فمنتقص من وجهين: الأول: أن الحديث ضعيف لا يحتج به، فقد أخرجه أبو داود وأحمد والطيالسي والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن، والجورقاني في الأباطيل١ كلهم من طريق عمرو بن حكيم عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الدؤلي عن معاذ بن جبل أنه أتي في ميراث يهودي وارثه مسلم، فقال سمعت النبي ﷺ يقول: "الإسلام يزيد ولا ينقص" فورثه منهم.

стр. 286

وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قال الألباني حفظه الله: "لكنه معلول بالانقطاع، فقد أخرجه أبو داود من طريق عبد الوارث عن عمرو بن أبي حكيم الواسطي: ثنا عبد الله بن بريدة أن أخوين اختصما إلى يحيى بن يعمر: يهودي ومسلم، فورث المسلم منهما وقال: حدثني أبو الأسود أن رجلاً حدثه أن معاذاً حدثه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره، فورث المسلم. فهذا يدل على أن أبا الأسود لم يسمعه من معاذ، بينهما رجل لم يسم، فهو مجهول، فهو علة الحديث، وبه أعله البيهقي، فقال بعد أن ساقه من طريق أبي داود: "وهذا رجل مجهود، فهو منقطع"، وقال الحافظ في الفتح (١٢/٤٣) بعد ما ذكر تصحيح الحاكم له: "وتعقب بالانقطاع بين الأسود ومعاذ، لكن سماعه منه ممكن، وزعم الجورقاني أنه باطل، وهي مجازفة". قلت: الذي يبدو لي أن حكم الجورقاني عليه بأنه باطل، إنما هو باعتبار ما فيه من توريث المسلم من اليهودي الكافر، فإن الأحاديث الصحيحة على خلاف ذلك كقوله ﷺ : "لا يتوارث أهل ملتين شتى"وهو مخرج مع غيره مما في معناه في كتابي إرواء الغليل"اهـ١. والحديث أعله المناوي بالانقطاع٢. وأخرجه الجورقاني في الأباطيل٣ من طريق أخرى عن محمد بن المهاجر البغدادي قال حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا حماد بن سلمة

стр. 287

عن خالد الحذاء عن عمرو بن كردي عن يحيى بن يعمر عن معاذ بن جبل: فذكره. قال الجورقاني: هذا باطل. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات١، واتهم بوضعه محمد بن المهاجر، وقال: قال ابن حبان: كان يضع الحديث، وقد رواه فغير إسناده ولفظه. ونازعه في ذلك السيوطي في اللآلىء٢، وذكر طريقه المتقدمة وطريقاً أخرى وليس فيهما محمد بن المهاجر. وعلى كل فالحديث ضعيف لا يحتج به. الوجه الثاني: وعلى فرض صحته، فإن الحديث معناه على غير ما فهمه هؤلاء من أنه يدل على أن الإيمان يزيد ولا ينقص، وإنما هو في باب آخر غير هذا، كما هو واضح من بيان أهل العلم للحديث. فقد قيل في معناه: "أي: أن حكم الإسلام يغلب ومن تغليبه أن يحكم للولد بالإسلام بإسلام أحد أبويه"٣ قاله عبد الوارث بن سعيد. وقال البيهقي"وإن صح الخبر فتأويله غير ما ذهب إليه- يعني: معاذ في توريثه للمسلم من الكافر محتجاً لذلك بهذا الحديث- إنما أراد أن الإسلام في زيادة ولا ينقص بالردة"٤.

стр. 288

وقيل "أي: يزيد بما يفتح من البلاد، ولا ينقص بما غلب عليه الكفرة منها"١. أما ما فهمه معاذ ﵁ من الحديث على فرض صحته من أنه يدل على أن المسلم يرث من الكافر من غير عكس فهو معارض بالأحاديث الصحيحة الثابتة في أنه لا يتوارث أهل ملتين فلا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر. ففي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد ﵄ أن رسول الله قال: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" ٢. وما ذهب إليه بعض أهل العلم: أنا نرث أهل الكتاب ولا يرثونا، كما يحل النكاح فيهم ولا يحل لهم، وبه قال مسروق وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وإسحاق. فمردود بأنه قياس في معارضة النص وهو صريح في المراد ولا قياس مع وجوده، بهذا أجاب الجمهور. وعلى كل فالحديث ليس نصاً في المراد بل هو محمول على أنه يفضل غيره من الأديان، ولا تعلق له بالإرث٣. فالحديث لا يدل على توريث المسلم من الكافر، ولا يدل على أن الإيمان يزيد ولا ينقص على المعنى الذي فهمه هؤلاء، بل المراد به أن الإسلام له الغلبة دائما وأنه يعلو ولا يعلى.

стр. 289

وهذه اللفظة "الإسلام يعلو ولا يعلى"ثابتة عن النبي ﷺ كما بين ذلك الألباني في الإرواء فقد استوفى طرق الحديث ثم قال: "وجملة القول أن الحديث حسن مرفوعاً بمجموع طريقي عائذ ومعاذ، وصحيح موقوفاً، والله أعلم"١. قلت: فعلى هذا المعنى يحمل حديث معاذ إن صح، والله أعلم. وبهذا ينتقض احتجاجهم به. ولله الحمد. ثالثاً- احتجاجهم بأن المعاصي لا تحبط الطاعات وإذا لم تحبطها فلا نقصان يلحق الإيمان..الخ. وقولهم هذا باطل، فهو في جملته يعارض الحق الثابت في الكتاب والسنة في الإيمان وأنه يقبل النقصان كما يقبل الزيادة، ومفاد هذه التعليلات إبطال ذلك وتقرير أن الإيمان يقبل الزيادة فقط دون النقصان. وهذا تحكم في نصوص الشرع، وإدلاء بالعقل في مقابل النص! فهل تكفي مثل هذه التعليلات العقلية حجة في أمر يناقض الكتاب والسنة ويخالفهما؟؟ ثم إن قولهم هذا متضمن في ثناياه أموراً باطلة عدة منها: قولهم: "المعاصي لا تحبط الطاعات"فهذا القول هكذا ليس على إطلاقه فإن من المعاصي الشرك الأكبر وهو يحبط الطاعات بيقين، والمعصية إذا أطلقت تشمل الكفر وغيره، والله لم يجعل شيئا يحبط جميع الحسنات إلا الكفر، فكان ينبغي أن يستثنى الشرك الأكبر من هذا

стр. 290

الإطلاق. ثم أمر آخر وهو أن هناك من المعاصي ما هو دون الشرك إلا أنه ببطل بعض الطاعات كالذي يتبع صدقاته بالمن والأذى كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ... ﴾ . قال ابن كثير: "فأخبر أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى كما تبطل صدقة من راءى بها الناس فأظهر لهم أنه يريد وجه الله ... ". فالصدقة طاعة والمن والأذى معصية، والذي يتبع صدقاته بالمن والأذى تبطل طاعته، فالمعصية إذن قد تبطل بعض الطاعات، ولهذا فإن قولهم المتقدم ليس على إطلاقه وتحريره أن يقال: "المعاصي التي دون الشرك لا تحبط جميع الطاعات"فإذا تبين لك فساد مقدمتهم علمت فساد نتيجتها. وكذلك قولهم: "إذا لم تحبطها فلا نقصان يلحق الإيمان". قلت: فهذه نتيجة باطلة مبنية على مقدمة فاسدة، ثم إنه لا تلازم بين الأمرين فإن المعاصي وإن لم تحبط الطاعات فقد تؤثر على الإيمان بالنقص كما هو معلوم. وعلى كل فنقصان الإيمان ثابت شرعاً واقع عرفاً ولا سبيل إلى رده بمثل هذه التخرصات والشبه التي لا تغني من الحق شيئاً.

стр. 291

الفصل الثالث: قول من قال الإيمان لا يزيد ولا ينقص سيكون الحديث في هذا الفصل، بعون الله عن القائلين بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص مع ذكر من قال بذلك وعرض أدلتهم ومناقشتها، وبيان موقفهم من النصوص الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه، وأختم ذلك بوقفات مع بعض المتأخرين من القائلين بهذا القول، وقد جعلت هذا في ثلاثة مباحث وهي: المبحث الأول: في ذكر القائلين بهذا القول. المبحث الثاني: في ذكر أدلتهم وشبههم، والرد عليهم. المبحث الثالث: في بيان موقفهم من النصوص الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه.

стр. 292

المبحث الأول ذكر القائلين بهذا القول لقد قاد بهذا القول طوائف كثيرة من أهل الكلام والإرجاء١، والتجهم، وطلباً للاختصار فإني سأكتفي بعرض أشهر من قال بذلك. أولاً- أبو حنيفة وأصحابه: لقد اشتهر عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى وغفر له أنه يقول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، واستفاض هذا عنه، بحيث لا يدع مجالاً للشك أو التردد في نسبته إليه، ويمكن أن أبرز أهم الأسباب المؤكدة لصحة نسبة هذا القول إليه في النقاط التالية: ١- إن عامة كتب الفرق والمقالات تنسب هذا القول إليه، كالمقالات لأبي الحسن الأشعري، والفَرْق بين الفِرَق

стр. 293

للبغدادي، والمِلَلْ والنِحَلْ للشهرستاني، وغيرها. يقول الأشعري في مقالاته: "وزعم أن الإيمان لا يتبعض ولا يزيد ولا ينقص، ولا يتفاضل الناس فيه"١. ويقول البغدادي عن أبي حنيفة أنه قال في الإيمان: "أنه لا يزيد ولا ينقص، ولا يتفاضل الناس فيه"٢. ويقول الشهرستاني: "وعده كثير من أصحاب المقالات من جملة المرجئة ولعل السبب فيه أنه لما كان يقول الإيمان هو التصديق بالقلب وهو لا يزيد ولا ينقص، ظنوا أنه يؤخر العمل عن الإيمان"٣. ولم أقف مع هذا على قول لأحد ممن كتب في المقالات حاول فيه تبرئة أبي حنيفة من هذا القول، أو نفاه عنه. ٢- إن الكتب المؤلفة في العقيدة والمنسوبة إلى أبي حنيفة ﵀ تذكر هذا القول، كالفقه الأكبر، وكتاب العالم والمتعلم، والوسيطين الصغير والكبير والوصية ورسالته إلى البتي٤. وهذه الكتب إن لم يصح نسبتها جميعاً إليه، فلا بد أن يصح نسبة بعضها أو واحد منها على أقل تقدير إليه، وعلى كل إن لم يصح لا هذا ولا ذاك فإن هذه الكتب مطبوعة متداولة، وقد احتفى بها الأحناف شرحاً ونشراً ونقلاً، فهي عند عامتهم مسلم بما فيها، وقد شرح بعضها شروحاً

стр. 294

مطولة عديدة، ونقل منها نقولٌ متكاثرة، واعتمد على ما فيها من عقائد. وفيما يلي أنقل أقواله في هذه المسألة من بعض الكتب المشار إليها آنفاً وأبداً أولاً بأبرز هذه الكتب وأشهرها نسبة إليه وهو كتاب الفقه الأكبر. (أ) قال في الفقه الأكبر: "والإيمان هو الإقرار والتصديق، وإيمان أهل السماء والأرض لا يزيد ولا ينقص من جهة المؤمن به، ويزيد وينقص من جهة اليقين، والمؤمنون مستوون في الإيمان والتوحيد، متفاضلون في الأعمال"١. هكذا وجدت كلامه في بعض النسخ من الفقه الأكبر، وغير خاف ما في هذا الكلام من تناقض وتعارض، ففيه أن الإيمان يزيد وينقص من جهة اليقين، ثم فيه بعد ذلك أن أهل الإيمان مستوون في الإيمان والتوحيد، وأن التفاضل بينهم إنما هو في الأعمال التي هي عندهم خارجة من مسمى الإيمان. ومن المعلوم أيضا أنهم لا يقولون بزيادة التصديق ونقصانه لما يقتضيه في نظرهم من الشك في الإيمان، وإنما يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه من جهة المؤمن به فحسب، والكلام هنا على خلاف ذلك وبعكسه. والذي يظهر أن كلام أبي حنيفة هنا حصل فيه قلب من قبل بعض نساخ الكتاب فكان أصل كلامه هكذا: "وإيمان أهل السماء والأرض يزيد وينقص من جهة المؤمن به، ولا يزيد ولا ينقص من جهة اليقين

стр. 295

والتصديق ... "ثم قلب من بعض النساخ بتقديم وتأخير، فأصبح كما ترى متناقضاً متعارضاً مخالفاً للمشهور عن أبي حنيفة أن التصديق لا يقبل الزيادة والنقصان. ويدل على ذلك عدة أمور: أحدها: أن نص العبارة ذكر في بعض نسخ الفقه الأكبر هكذا: "وإيمان أهل السماء والأرض لا يزيد ولا ينقص"١ بدون ذكر للمؤمن به أو التصديق، وهذا يرجح أن هذا الموضع دخله تحريف من قبل نساخ الكتاب إما بحذف أو تقديم وتأخير. الثاني: أن شارح الفقه الأكبر على القارىء تال في شرح هذه العبارة: "أي: من جهة المؤمن به نفسه، لأن التصديق إذا لم يكن على جهة التحقيق يكون في مرتبة الظن والترديد، والظن غير مفيد في مقام الاعتقاد عند أرباب التأييد"٢. وهذا يدل على أن مفهوم عبارة أبي حنيفة عنده أنها تدل على عدم زيادة الإيمان ونقصانه من جهة التصديق، خلافاً للنص المتقدم عن أبي حنيفة في أن الإيمان يزيد وينقص من جهة التصديق. الثالث: أن الملا حسين الحنفي شارح الوصية لأبي حنيفة نقل نص العبارة المتقدمة من الفقه الأكبر هكذا: "إيمان أهل السماء والأرض لا يزيد ولا ينقص والمؤمنون مستوون في درجة

стр. 296

الإيمان والتوحيد متفاضلون في الأعمال"١. وهذا يؤكد ما سبق ذكره في رقم واحد من أن هذا الموضع اعتراه بعض التغيير من قبل نساخ الكتاب. الرابع: أن الملا حسين الحنفي ذكر في شرحه للوصية ما أورد عليهم مثل قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً﴾ مما يدل على زيادة الإيمان، ثم قال: "أجيب عن ذلك بأن ذلك في حق الصحابة ﵃ لأن القرآن كان ينزل في كل وقت فيؤمنون به فيكون زيادة على الأول، وأما في حقنا فلا لإنقطاع الوحي. وروي عن ابن عباس- ﵄ وأبي حنيفة ﵀: أنهم كانوا آمنوا بالجملة ثم يأتي فرض بعد فرض فيؤمنون بكل فرض خاص فزادهم إيماناً بالتفصيل مع إيمانهم بالجملة، فيكون زيادة الإيمان باعتبار المؤمن به لا في أصل التصديق"٢. وهذا فيه التصريح أنه الزيادة إنما هي باعتبار المؤمن به فحسب، لا باعتبار التصديق. الخامس: ما ذكره شيخ الإسلام عن المرجئة الذين قالوا إن الإيمان تصديق القلب وقول اللسان، والأعمال ليست منه، ومنهم أبو حنيفة ﵀، أنهم قالوا: "نحن نسلم أن الإيمان يزيد بمعنى أنه كلما أنزل الله آية وجب التصديق بها،

стр. 297

فانضم هذا التصديق إلى الذي كان قبله، لكن بعد كمال ما أنزل الله ما بقي الإيمان يتفاضل عندهم، بل إيمان الناس كلهم سواء إيمان السابقين الأولين كأبي بكر وعمر، وإيمان أفجر الناس كالحجاج وأبي مسلم الخرساني وغيرهما"١. فالزيادة التي قالوا بها هنا هي باعتبار زيادة المؤمن به فحسب، فلما كمل التشريع وتم لم يعد هناك مجال لزيادة الإيمان عندهم، وهذا خلاف النص المتقدم عن أبي حنيفة الذي فيه أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص من جهة المؤمن به. السادس: سيأتي في النقول الأخرى عن كتب أبي حنيفة ما يؤكد ذلك ويؤيده. فمما تتقدم يتبين أن أبا حنيفة ﵀ يرى ن الإيمان لا يزيد ولا ينقص من جهة التصديق واليقين، ويزيد وينقص من جهة المؤمن به، ثم بعد كال التشريع لم يعد هناك مجال لزيادته أو نقصانه. (ب) وفي الفقه الأبسط قال أبو مطيع: "قال أبو حنيفة ﵀ ينبغي أن يقول أنا مؤمن حقاً لأنه لا يشك في إيمانه، قلت: أيكون إيمانه كإيمان الملائكة؟ قال: نعم"٢. (ج) وقال في رسالته إلى عثمان البتي: "ومما يعرف به اختلافهما- أي الإيمان والعمل- أن الناس يختلفون في التصديق ولا يتفاضلون فيه، وقد يتفاضلون في العمل وتختلف فرائضهم، ودين أهل السماء ودين

стр. 298

الرسل واحد"١. (د) وفي كتاب الجوهرة المنيفة في شرح وصية الإمام أبي حنيفة لمؤلفه الملا حسين الحنفي يقول: "قال المصنف أبو حنيفة ﵁: "الإيمان لا يزيد ولا ينقص"أقول: هذا عند أبي حنيفة وأصحابه ﵃، وقال ﵀: "لأنه لا يتصور نقصانه إلا بزيادة الكفر، ولا يتصور زيادته إلا بنقصان الكفر، وكيف يجوز أن يكون الشخص الواحد في حالة واحدة مؤمناً وكافراً" استدل الإمام ﵁ على هذا بأن زيادة الإيمان لا يتصور إلا بنقصان الكفر، ونقصانه لا يتصور إلا بزيادة الكفر، واجتماعهما في ذات واحدة في حالة واحدة محال، وهذا لأن الكفر ضد الإيمان، وهو تكذيب وجحود"٢. فجميع هذه النقول المتقدمه عنه ﵀ تتفق في الدلالة على أنه يرى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأنه لا يتفاضل. ٣- إن عامة كتب الأحناف المؤلفة في العقيدة تذكر هذا القول، وتنسبه إلى أبي حنيفة ﵀، ولم أقف على قول لأحدهم يبرىء فيه أبا حنيفة من هذا القول، سوى محاولة ضعيفة من الكشميري صاحب فيض الباري خرج منها بأن تأكد من صحة نسبة هذا لأبي حنيفة، وعلى حد تعبيره، قال: "وكيف ما كان سلمت القول المذكور"٣.

стр. 299

وفيما يلي أشير إلى بعض من نسب هذا القول لأبي حنيفة من علماء الأحناف. قال ابن الهمام في المسايرة "قال أبو حنيفة وأصحابه لا يزيد الإيمان ولا ينقص ... "١. وقال الفرهاري: "مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ والمتكلمين من أهل السنة لا يزيد ولا ينقص.."٢. وقال الزبيدي: "وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يزيد ولا ينقص.. "٣. قلت: ولم يكتف هؤلاء بتسليم صحة القول لأبي حنيفة ﵀ فحسب، بل جهدوا في تأويل نصوص الشرع المصرحة بزيادة الإيمان، وتعسفوا في صرفها عن ظاهرها لأجله. ولهذا يقول محمد رشيد رضا: "فمن العجب بعد هذا أن تنقل هفوة لبعض العلماء أنكر فيها زيادة الإيمان بالمعنى المصدري لشبهة نظرية، ويجعل مذهباً يقلد صاحبه فيه تقليداً، وتؤول غلايات والأحاديث لأجله تأويلاً"٤. ويقول: "وهذه المسألة من أغرب مسائل عصبيات المذاهب عند النظار الجدليين ومقلديهم، وما كان ينبغي لمسلم أن يجعل هذا موضع خلاف لبحث بعض من ينتسب إليهم في مفهوم لفظ الإيمان الذي يتحقق

стр. 300

باعتقاده الدخول في الملة هل يقبل الزيادة والنقصان في ذاته؟.. "١. ٤- أنه سيق في بعض كتب السنة روايات مسندة في بعضها تصريح من بعض علماء السنة بأن أبا حنيفة يقول بذلك، وفي بعضها ما يدل عليه. فمنها: (أ) ما رواه الخطيب بسنده إلى شريك القاضي قال: " ... أبو حنيفة أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص"٢. قلت: وشريك معاصر لأبي حنيفة رحمهما الله. (ب) وساق عبد الله بن الإمام أحمد في السنة بسنده إلى أبي إسحاق الفزاري قال: "كان أبو حنيفة يقول: إيمان إبليس وإيمان أبي بكر الصديق ﵁ واحد، قال أبو بكر: يا رب، وقال: إبليس: يا رب "٣. ثم قال أبو إسحاق: ومن كان من المرجئة ثم لم يقل هذا، انكسر عليه قوله. قلت: ولعل هذا ليس قولاً لأبي حنيفة وإنما هو لازم قوله كما يفيد

стр. 301

ذلك قول أبي إسحاق. (ج) وساق بسنده إلى أبي عبد الرحمن المقرىء قال: "كان والله أبو حنيفة مرجئاً، ودعاني إلى الرجاء فأبيت عليه"١. (د) وساق بسنده إلى يحيى بن معين قال: "كان أبو حنيفة مرجئاً، وكان من الدعاة.. "٢. (هـ) وساق الخطيب بسنده إلى يحيى بن ادم قال: "ذكر لأبي حنيفة هذا الحديث أن النبي ﷺ : "الوضوء نصف الإيمان" ٣. قال: لتتوضأ مرتين حتى تستكمل الإيمان"٤. وهذه الروايات تدل على أنه ﵀ كان من أهل الإرجاء، وهو التأخير لأنه كان يخرج العمل من مسمى الإيمان، وتدل أيضاً على أنه يرى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل. قلت: وهو ﵀ قد تأثر في هذا بقول شيخه حماد بن أبي سليمان، فقد نقل عن حماد إنكار دخول العمل في الإيمان، وإنكار تفاضله، كما قال شيخ الإسلام ﵀: "وأنكر حماد بن أبي سليمان ومن اتبعه تفاضل الإيمان ودخول الأعمال فيه والاستثناء فيه، وهؤلاء من مرجئه الفقهاء، وأما إبراهيم النخعي إمام أهل الكوفة شيخ حماد بن أبي

стр. 302

سليمان، وأمثاله ومن قبله من أصحاب ابن مسعود كعلقمة والأسود فكانوا من أشد الناس مخالفة للمرجئة، وكانوا يستثنون في الإيمان، لكن حماد بن أبي سليمان خالف سلفه، واتبعه من اتبعه ودخل نجي هذا طائف من أهل الكوفة ومن بعدهم"١. وشيخ الإسلام في اجر كلامه يشير إلى أبي حنيفة وغيره من علماء الكوفة ممن نحا منحى حماد في هذه المسألة، ونص شيخ الإسلام في موضع آخر أن أبا حنيفة تابعٌ في مقالته في الإيمان لشيخه حماد بن أبي سليمان٢. ٥- لم أقف في حدود ما اطلعت عليه من مؤلفات تعرضت لهذا الموضوع على كلام لأحد الأحناف أو غيرهم يبرئ فيه أبا حنيفة من هذا القول وينفيه عنه، سوى محاولة الكشميري متقدمة الذكر، وقد خبرت نتيجتها. وبكل الإنصاف في هذا والحق يقال: أن هذه تعد فهوة لأبي حنيفة ﵀ وغفر له وزلة قدم، وليس هو بالمعصوم، ولكنها مغمورة إن شاء الله في بحر علمه وورعه وتحريه للخير والصواب. فهذا هو الحق إذا ما وزنت الأمور بميزان الكتاب والسنة، وابتعد عن العواطف الجياشة، والعصبيات المطغية، والأهواء المضلة، عصمنا الله من ذلك وحمانا بمنه وكرمه. ثم إن أقوال أبي حنيفة ﵀ مبنية على اجتهاد وتحر للصواب ولا يخفى أن المجتهد عرضةٌ للخطأ والزلل، فإن أخطأ فما ينبغي لأتباعه

стр. 303

أن يتعصبوا لخطئه، ويعرضوا عن نصوص الوحي المخالفة له؛ لأن المحقق والباحث عن الصواب لا يهوله اسم معظم عن الحق المحتم، فالحق لا يعرف بالرجال، بل من عرف الحق عرف أهله. والأمر كما قال شيخ الإسلام: "كل قائل إنما يحتج لقوله لا به، إلا الله ورسوله"١. سيما والأئمة أنفسهم قد حذروا أتباعهم ومن تأثر بهم من التقليد الأعمى والتعصب المقيت، حتى أبي حنيفة ﵀ فقد أثر عنه في هذا الشيء الكثير. يقول الألباني حفظه الله ونفع بعلمه: "وقد روى عنه أصحابه أقوالاً شتى وعبارات متنوعة كلها تؤدي إلى شيء واحد، وهو وجوب الأخذ بالحديث وترك تقليد آراء الأئمة المخالفة له: ١- "إذا صح الحديث فهو مذهبي". ٢- "لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه"وفي رواية: "حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي"زاد في رواية) فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غداً (وفي أخرى) ويحك يا يعقوب (هو أبو يوسف) لا تكتب كل ما تسمع مني، فإني قد أرى الرأي اليوم وأتركه غداً، وأرى الرأي غدا وأتركه بعد غد". ٣- إذا قلت قولاً يخالف كتاب الله تعالى وخبر الرسول ﷺ فاتركوا

стр. 304

قولي"١. قلت: يرحمك الله فهذا عين العدل والإنصاف، ولكن أين عقول أقوام من فهم هذا وقبوله؟! فإن قول أبي حنيفة في مسألتنا هذه- زيادة الإيمان ونقصانه- مخالفٌ للنص قطعاً وعلى الضد له تماماً، فإن نصوص الكتاب والسنة صريحة في أن الإيمان يزيد وينقص، وأن أهله متفاضلون فيه، وأنهم ليسوا فيه سواء على درجة واحدة، وأما أقوال أبي حنيفة المأثورة عنه في هذا فصريحة بعكس ذلك. ثم هو ﵀ لم يتعمد الخطأ فيما أخطأ فيه، ولم يتعمد مخالفة الرسول ﷺ في هذا، وإنما هذا ما أداه إليه اجتهاده وبلغ إليه علمه، كيف وقد قيل له أتخالف النبي ﷺ ؟. فقال: "لعن الله من يخالف رسول الله ﷺ به أكرمنا الله وبه استنقذنا"٢. قال شيخ الإسلام ﵀: "ومن ظن بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره فقد أخطأ عليهم وتكلم إما بظن وإما بهوى، ... وقد بينا هذا في رسالة (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) ، وبينا أن أحداً من أئمة الإسلام لا يخالف حديثاً صحيحاً بغير عذر، بل لهم نحو من عشرين عذراً ... "٣.

стр. 305

ولهذا كان ينبغي على الراغب في الخير والمتحري للحق أن يترك قول أبي حنيفة هذا ويعرض عنه، اتباعاً لأبي حنيفة في قوله المتقدم:"إذا قلت قولاً يخالف كتاب الله تعالى وخبر الرسول ﷺ فاتركوا قولي". بل قد ورد في بعض الروايات عن أبي حنيفة ما يشعر أنه رجع عن قوله هذا وتركه تسليماً منه بما جاء في النصوص الصريحة المخالفة لقوله. فقد روى ابن عبد البر في التمهيد بسنده إلى حماد بن زيد قال كلمت أبا حنيفة في الإرجاء فجعك يقول وأقول. ثم روى له حماد حديث: "أي الإسلام أفضل؟ "إلى أخره وقال له: ألا تراه يقول: أي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان، ثم جعل الهجرة والجهاد من الإيمان، قال: فسكت أبو حنيفة، فقال بعض أصحابه: ألا تجيبه يا أبا حنيفة؟ قال: لا أجيبه وهو يحدثني بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم١. قلت: وهذا هو موقف الأئمة جميعهم من النصوص، أبي حنيفة وغيره، القبول والرضى والتسليم التام، ولعل في هذه القصة ما يدل على تراجع الإمام أبي حنيفة ﵀ عما قال. فليترك قوله هذا المخالف للنصوص، والذي يحتمل أنه قد رجع عنه، وليتمسك بما جاء في كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ فهذا الذي يدعو إليه أبو حنيفة وغيره من الأئمة يرحمهم الله. ومع هذا لم يفتأ أقوام من تعصب مقيت وغلو مفرط لقول أبي حنيفة هذا، بدت آثاره في جوانب مختلفة وفي مواقف متعددة، وهي بحق تدعو

стр. 306

للعجب والإستغراب. ولعلي أعرض هنا بعض ما وقفت عليه من مظاهر الغلو في هذه المسألة على الخصوص إذ هي محل بحثنا، وإن كانت مظاهر الغلو قد تكاثرت في مجالات أخرى عديدة. ١- عد بعض المتعصبة في بعض الكتب الفقهية من الأمور المكفرة التي يكفر قائلها القول بأن الإيمان يزيد وينقص، كما فعل ذلك ابن نجيم الحنفي في كتابه البحر الرائق، فقد عدّ من الأمور التي يرتد المسلم بقولها القول بزيادة الإيمان ونقصانه١. ولهذا يقول السندي- وهو حنفي- بعد أن بين الحق في هذه المسألة وهو أن الإيمان يزيد وينقص بدلالة الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة: "وبهذا ظهر أن ما وقع في بعض كتب الفقه من عد القول بالزيادة والنقصان من كلمات الكفر هفوة عظيمة نسأل الله العفو والعافية"٢. فالقول بزيادة الإيمان ونقصانه هو صريح الكتاب والسنة وليس مفهومهما فحسب، ومع هذا عد كفراً!! ٢- وأعظم من هذا، وأشد غلوا، وأوغل في الإفراط أن بعض هؤلاء كذبوا على رسول الله ﷺ أحاديث كثيرة فيها التصريح بعدم زيادة الإيمان ونقصانه، وأن زيادته كفر ونقصانه شرك، وأن من قال إنه يزيد وينقص فقد خرج من أمر الله، وأنهم براء من رسول الله ﷺ ، وأن رسول الله ﷺ بريء منهم، وأنهم أعداء الرحمن وفارقوا الدين، وأن من يقول إنه يزيد وينقص ولم يتب تضرب عنقه بالسيف، إلى غير ذلك من

стр. 307

الهراء السمج، والقول البغيض، والكذب الفاضح والذي لا تنفثه إلا نفوس رديئة وقلوب مريضة. وستقف على هذه الأحاديث في موضعها من هذا البحث إن شاء الله١. ٣- عدّ بعض هؤلاء من يقول بزيادة الإيمان ونقصانه مبتدعاً، مع أن القائلين بذلك هم الصحابة وتابعوهم بإحسان، خير أمة محمد ﷺ وأفضلهم، بل هو بإجماعهم كما سبق نقل ذلك وبيانه. يقول ابن الحكيم السمرقندي: "ينبغي أن يعلم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص لأن من يرى الزيادة والنقصان في الإيمان فهو مبتدع ... إلى أن قال: ولم يقل أحد من العلماء والصالحين أن الإيمان يزيد وينقص.."٢. وتأمل كيف أوغل في الخطأ، فجمع في كلامه هذا بين تبديع السلف من جهة، وتجاهل أقوالهم من جهة أخرى، فالله المستعان. ثم كرر قوله هذا مرة أخرى فقال: "واعلم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ومن قال يزيد وينقص فهو مبتدع وهذا كفاية للعاقل"٣ إضافة إلى هذا فقد احتج ببعض الأحاديث المكذوبة على النبي ﷺ في ذلك. وعدّ من علامة السواد الأعظم الذين هم عنده أهل السنة والجماعة أن يكون متصفاً باثنين وستين خصلة، منها: "أن يرى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص"٤. ٤- من يطالع غالب كتبهم المؤلفة في العقيدة عند الكلام على هذه

стр. 308

المسألة، يجد فيها من التأويلات المستكرهة والتعطيل الصريح لنصوص الوحي الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه الشيء الكثير، فهم يوردون النصوص لا للاستدلال بها، وإنما لتعطيلهما وتأويلها على ما يوافق ما رأوه وما أثر عن أسلافهم، فتجدهم عندما يوردون النصوص المخالفة لأقوالهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيفما كان، وبأي صورة وطريقة كانت، بخلاف منهج السلف أهل السنة والجماعة القائم على الاعتصام بالكتاب والسنة في كل حال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والمقصود هنا أن السلف كان اعتصامهم بالقرآن والإيمان، فلما حدث في الأمة ما حدث من التفرق والاختلاف صار أهل الفرق شيعاً، صار هؤلاء عمدتهم في الباطن ليست على القرآن والإيمان، ولكن على أصول ابتدعها شيوخهم، عليها يعتمدون في التوحيد والصفات والقدر والإيمان بالرسول وغير ذلك، ثم ما ظنوا أنه يوافقها من القرآن احتجوا به، وما خالفها تأولوه، فلهذا تجدهم إذا احتجوا بالقران والحديث لم يعتنوا بتحرير دلالتهما، ولم يستقصوا ما في القرآن من ذلك المعنى، إذ كان اعتمادهم في نفس الأمر على غير ذالك، والآيات التي تخالفهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيف أمكن، ليس مقصوده أن يفهم مراد الرسول، بل أن يدفع منازعه عن الاحتجاج بها"١. قلت: ومن يتأمل كلام شيخ الإسلام هذا ويسبر غوره ويتعمق في مكنونه مريداً للخير طالباً للحق يسلم من الوقوع في هوة سحيقة ومزلة عميقة تردى بها كثيرون من أهل التفرق والاختلاف وحادوا عن الجادة السوية والطريقة المرضية، ولهذا فإنك عندما تقرأ كتب أهل الأهواء

стр. 309

المؤلفة في الاعتقاد تستغرب عندما لا تجد فيها ذكر الأدلة من الكتاب والسنة إلا النادر القليل، ثم هذا النادر القليل ذكر لا ليحتج به وإنما ذكر للشروع في تعطيله وتأويله. ثم قال شيخ الإسلام: "والمقصود أن كثيراً من المتأخرين لم يصيروا يعتمدون في دينهم لا على القرآن، ولا على الإيمان الذي جاء به الرسول، بخلاف السلف، فلهذا كان السلف أكمل علماً وإيماناً، وخطؤهم أخف وصوابهم أكثر"١. قلت: هم القدوة وأهل السلامة الذين جمع الله لهم بين كمال العلم وقوة الإيمان وفقنا الله لإتباعهم، وألحقنا بهم، حشرنا في زمرتهم، وهدى ضال المسلمين للتأسي بهم، والسير على نهجهم. ٥- ومن طريف تعصبهم أن أحدهم حلف بطلاق زوجته، إن كان الإيمان يزيد وينقص، وذلك في زمن المعتصم، فسئل عن ذلك كمال الدين أبو الحسين بن أبي بكر الشهراياني البغدادي، فأفتى بوقوع طلاقه، وبسط الكلام في هذه المسألة في جزء مفرد٢. وما تقدم هو قول من تعصب منهم وغلا، وغير خاف أن كثيراً من هؤلاء انحرفوا أيضاً عن بقية أقوال إمامهم الأخرى الصحيحة كإثبات العلو وإثبات الصفات وغير ذلك إلى التجهم والإعتزال والتصوف والتشيع وغيرها٣. أما من أنصف منهم في هذه المسألة فله موقف آخر وطريق ثان يتسم

стр. 310

بالعدل والإنصاف وتحري الحق المطابق للكتاب والسنة وإن خالف رأى الإمام، واختصاراً اكتفي بذكر أربعة أمثلة لأهل هذا الموقف: ١- فمن هؤلاء أحمد بن عمران الليموسكي الإستراباذي الحنفي المتوفي سنة ٣٣١ هـ. فقد ذكر في ترجمته أنه يقول: "الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص"١. قال السمعاني في الأنساب: " ... وكان على اعتقاد أهل السنة مجانباً لأهل البدع"٢. ٢- ومنهم الإمام القاضي علي بن علي بن محمد أبي العز الدمشقي الحنفي المتوفى سنة ٧٩٢ هـ ٣ صاحب الكتاب العظيم والمؤلف القيم "شرح العقيدة الطحاوية"والذي نهج فيه منهج أهل السنة والجماعة، مقرراً الحق بدليله، بأسلوب بليغ، وعبارات جامعة، تشهد للمؤلف بحسن إلمامه وسعة إطلاعه وجوده تصنيفه. فقد خالف أبا حنيفة في هذه المسألة، وأورد النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة، الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه. قال ﵀: "والأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب والسنة والآثار السلفية كثيرة جداً.. فأورد جملة منها ثم قال: وفي هذا

стр. 311

المقادر كفاية، وبالله التوفيق"١. ٣- ومنهم جلال الدين بن أحمد بن يوسف التبريزي المعروف بالتباني الحنفي المتوفى سنة ٧٩٣ هـ٢ وصف بحب السنة، وحسن العقيدة، وبغض البدع والمبتدعة. قال ابن حجر: "برع في العلوم مع الدين والخير.. وكان محياً في السنة (كذا) حسن العقيدة شديداً على الإتحادية والمبتدعة"٣. وقال الشوكاني: "كان محباً للحديث، حسن الاعتقاد، شديداً على الاتحادية والمبتدعة، وانتهت إليه رئاسة الحنفية"٤. فقد ذكر أن له رسالة في زيادة الإيمان ونقصانه٥، ولم أقف عليها، إلا أن عنوانها يشعر أنها مؤلفة للتدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، والاحتجاج لذلك بالسنن والآثار، ثم تأكد لي ذلك لما رأيت ابن حجر والشوكاني ذكرا في ترجمته أن له تصنيفاً في أن الإيمان يزيد وينقص، ففي كلامهما التنصيص على أنها مؤلفة في أن الإيمان يزيد وينقص، فإذا انضم لهذا ما ذكر عنه أنه حسن الاعتقاد محب للسنة يتحقق من ذلك أنه إنما ألف رسالته لبيان أن الإيمان يزيد وينقص، وللرد على من قال بخلاف

стр. 312

ذلك من أصحابه وغيرهم. ٤- ومنهم أبو الثناء شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي الحنفي الشهير بـ (الألوسي الكبير) ، المتوفى سنة ١٢٧٠ هـ ١ صاحب التفسير المشهور الموسوم بـ "روح المعاني في تفسير القران والسبع المثاني ". فقد ذهب إلى القول بزيادة الإيمان ونقصانه؛ لأنه رأى نصوص الكتاب والسنة صريحة بذلك. قال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ ٢ ".. وهذا أحد أدلة من ذهب إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وهو مذهب الجم الغفير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، وبه أقول لكثرة الظواهر الدالة على ذلك من الكتاب والسنة من غير معارض لها عقلاً، بل قد احتج يعضهم بالعقل أيضاً، وذلك أنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمكين في الفسق والمعاصي مساوياً لإيمان الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام، واللازم باطل فكذا الملزوم"٣. وألمح في موضع آخر من تفسيره إلى أنه يقول بهذا القول وإن كان القائل بخلافه إمام يعتد بقوله وكلامه. قال: "وقبول التصديق نفسه الزيادة والنقص والشدة والضعف مما

стр. 313

قال به جمع من المحققين وبه أقول لظواهر الآيات والأخبار ... ومن لم يقبل قبوله للزيادة ولم يدخل الأعمال في الإيمان قال: إن زيادته بزيادة متعلقه والمؤمن به ... وفيه نظر وإن قاله من تعقد عليه الخناصر وتعتقد بكلامه الضمائر"١. بل وصرح أنه خالف في هذه المسألة إمامه أبا حنيفة لأنه وجد الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه لا تحصى. قال: "وما عليَّ إذا خالفت في بعض المسائل مذهب الإمام الأعظم أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه للأدلة التي لا تكاد تحصى فالحق أحق بالإتباع، والتقليد في مثل هذه المسائل من سنن العوام"٢. قلت: صدق والله، وإنما يوفق لمثل هذا من ابتعد عن العواطف والأهواء، واحتكم إلى الوحيين الكتاب والسنة، عملاً بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ٣ وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ ٤. فمن كان كذلك هدي ولم يضل، ومن لم يكن كذلك فقد تنكب الصراط وحاد عن الجادة وتلقفته الأهواء، ولا تسأل عن هلكته، والله الهادي والموفق.

стр. 314

ثانياً- الجهمية: ومن القائلين بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص إن لم يكونوا أصل نشأته ومبدأ حدوثه- الجهمية أتباع الجهم بن صفوان أس الضلالة وركيزة الانحراف ورأس الابتداع، الذي تلقى عقيدته وأخذ دينه عن الجعد بن درهم، وجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي ﷺ ، فأصل مقالات الجهمية وأساس نشأتهم مرتبط باليهود١. ولا أدل من هذا على خبث هذه الفرقة وتأصل الشر والفساد فيها، ولهذا كان ذم السلف للجهمية من أعظم الذم بل نصوا على زندقتهم وكفرهم وأنهم ليسوا من أهل القبلة قال أبو سعيد الدارمي ﵀: "ناظرني رجل ببغداد منافحاً عن هؤلاء الجهمية فقال: بأية حجة تكفرون هؤلاء الجهمية وقد نهي عن إكفار أهل القبلة؟ بكتاب ناطق تكفرونهم، أم بأثر، أم بإجماع؟ فقلت: ما الجهمية عندنا من أهل القبلة، وما نكفرهم إلا بكتاب مسطور، وأثر مأثور، وكفر مشهور.."٢. ثم ساق من نصوص الكتاب والسنة وآثار سلف الأمة ما يدل على كفرهم وخروجهم من ملة الإسلام. وكان ابن المبارك ﵀ لا يعدهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم٣، ويرى

стр. 315

أن كلامهم شر من كلام اليهود والنصارى، يقول: "لأن أحكي كلام اليهود والنصارى أحب إلى من أن أحكي كلام الجهمية"١. قال الدارمي: "وصدق ابن المبارك إن من كلامهم ... ما هو أوحش من كلام اليهود والنصارى"٢. وقال الإمام البخاري ﵀ مبيناً كفر الجهمية وخبث أقوالهم: "نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس فما رأيت أضل في كفره منهم، وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم"٣. ومن مقولاتهم الفاسدة وآرائهم المنحرفة زعمهم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل أهله فيه. قال الأشعري: "وزعمت الجهمية.. أن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه"٤. وقال الشهرستاني: "قال أي الجهم: والإيمان لا يتبعض أي لا ينقسم إلى عقد وقول وعمل، قال: ولا يتفاضل أهله فيه، فإيمان الأنبياء وإيمان الأمة على نمط واحد، إذ المعارف لا تتفاضل "٥. وقال ابن القيم في نونيته٦ حاكياً بعض عقائد هؤلاء:

стр. 316

قالوا وإقرار العباد بأنه ... خلاقهم هو منتهى الإيمان والناس في الإيمان شيء واحد ... كالمشط عند تماثل الأسنان وجهم وأتباعه إنما قالوا بهذا القول لأن الإيمان عندهم مجرد التصديق، فمن صدق بقلبه فهو عندهم مؤمن كامل الإيمان وإن تكلم بالكفر، وسب الله ورسوله ﷺ وسخر بالدين، وأحل المحرمات، وفعل غير ذلك من الأمور التي هي كفر بواح. والتصديق عندهم يتساوى فيه العباد، ولا يقبل الزيادة والنقصان فهو إما أن يعدم وإما أن يوجد، ولا يقبل التبعض، فإذا ذهب بعضه ذهب كله، ولا يتفاضل الناس فيه، فإيمان الملائكة والأنبياء والصديقين وإيمان فساق الأمة وأهل الخنا والفجور سواء١. وقولهم هذا فاسد ظاهر البطلان وفساده معلوم من دين الله بالاضطرار ويظهر هذا من وجوه متعددة: أحدها: أنهم أخرجوا ما في القلب من حب الله وخشيته والإنابة إليه والتوكل عليه ونحو ذلك من الأعمال القلبية من أن يكون من نفس الإيمان. ثانيها: أنهم جعلوا ما علم أن صاحبه كافر، مثل إبليس وفرعون واليهود وأبي طالب وغيرهم، أنه إنما كان كافراً لأن ذلك مستلزم لعدم تصديقه في الباطن وهذا مكابرة للعقل والحس، وكذلك جعلوا من يبغض الرسول ويحسده كراهة دينه مستلزماً لعدم العلم بأنه صادق ونحو ذلك.

стр. 317

ثالثها: أنهم جعلوا ما يوجد من التكلم بالكفر من سب الله ورسوله والتثليث وغير ذلك قد يكون مجامعاً لحقيقة الإيمان الذي في القلب، ويكون صاحب ذلك مؤمنا عند الله حقيقة، سعيداً في الدار الآخرة، وهذا يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام. رابعها: أنهم جعلوا من لا يتكلم بالإيمان قط، مع قدرته على ذلك، ولا أطاع الله طاعة ظاهرة مع وجوب ذلك عليه وقدرته، يكون مؤمناً بالله تام الإيمان سعيداً في الدار الآخرة. خامسها: أنهم قالوا: إن العبد قد يكون مؤمناً تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء والصديقين ولو لم يعمل خيرا لا صلاة ولا صلة ولا صدق حديث، ولم يدع كبيرة إلا ركبها فيكون الرجل عندهم إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أئتمن خان، وهو مصر على دوام الكذب والخيانة ونقض العهود لا يسجد لله سجدة، ولا يحسن إلى أحد حسنة، ولا يؤدي أمانة، ولا يدع ما يقدر عليه من كذب وظلم وفاحشة إلا فعلها، وهو مع ذلك مؤمن تام الإيمان، مثل إيمان الأنبياء. سادسها: أنه يلزمهم أن من سجد للصليب والأوثان طوعا، وألقى المصحف في الحش عمدا، وقتل النفس بغير الحق، وقتل كل من رآه يصلي، وسفك دم كل من يراه يحج البيت، وفعل ما فعلته القرامطة بالمسلمين، يجوز أن يكون مع ذلك مؤمناً ولياً لله، إيمانه مثل إيمان النبيين والصديقين؛ لأن الإيمان الباطن إما أن يكون منافياً لهذه الأمور، وإما أن لا

стр. 318

يكون منافياً، فإن لم يكن منافياً أمكن وجودها معه فلا يكون وجودها إلا مع عدم الإيمان الباطن. وإن كان منافياً للأيمان الباطن كان ترك هذه من موجب الإيمان ومقتضاه ولازمه، فلا يكون مؤمناً في الباطن الإيمان الواجب إلا من ترك هذه الأمور فمن لم يتركها دل ذلك على فساد إيمانه الباطن، وإذا كانت الأعمال والتروك الظاهرة لازمه للإيمان الباطن كانت من موجبه ومقتضاه، وكان من المعلوم أنها تقوى بقوته، وتزيد بزيادته، وتنقص بنقصانه، فإن الشيء المعلوم لا يزيد إلا بزيادة موجبه ومقتضيه، ولا ينقص إلا بنقصان ذلك، فإذا جعل العمل الظاهر موجب الباطن ومقتضاه لزم أن تكون زيادته لزيادة الباطن فيكون دليلاً على نقص الباطن، وهو المطلوب. وهذه الأمور، كلها إذا تدبرها المؤمن بعقله تبين له أن مذهب السلف هو المذهب الحق الذي لا عدول عنه، وأن من خالفهم لزمه فساد معلوم بصريح المعقول وصحيح المنقول كسائر ما يلزم الأقوال المخالفة لأقوال السلف والله أعلم١. ثم إن سلفنا الصالح قد نقل عنهم أقوال كثيرة في رد مقولة هؤلاء الخبيثة، وبيان فسادها وشدة ضررها على الإسلام وأهله، وفيما يلي أسواق بعض ما نقل عنهم في ذلك: ١- قيل لعبد الله بن أبي مليكة: يا أبا محمد إن ناساً يجالسونك يزعمون أن إيمانهم كإيمان جبريل، فغضب ابن أبي مليكة، فقال: والله ما رضي الله لجبريل حتى فضله بالثناء عدى محمد ﷺ فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ

стр. 319

بِمَجْنُونٍ﴾ ١ يعني محمداً ﷺ . أفأجعل إيمان جبريل وميكائيل كإيمان فهدان، لا والله ولا كرامة. قال نافع راوي الأثر: وقد رأيت فهدان كان رجلا لا يصحو من الشراب٢. قال الآجري معلقاً على هذا الأثر بعد روايته له.: "من قال هذا فلقد أعظم الفرية على الله، وأتى بضد الحق، وبما ينكره جميع العلماء لأن قائل هذه المقالة يزعم أن من قال: لا إله إلا الله لم تضره الكبائر أن يعملها، ولا الفواحش أن يرتكبها، وأن عنده أن البار التقي الذي لا يباشر من ذلك شيئاً والفاجر يكونان سواء، هذا منكر قال الله : ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٣، وقال : ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ ٤. فقل لقائل هذه المقالة المنكرة: يا ضال يا مضل إن الله لم يسو بين الطائفتين من المؤمنين في أعمال الصالحات حتى فضل بعضهم على بعض درجات، قال الله : ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاَّ

стр. 320

وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ١ فوعدهم الله كلهم الحسنى بعد أن فضل بعضهم على بعض وقال : ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ ثم قال ﴿وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ٢ وكيف يجوز لهذا الملحد في الدين أن يسوي بين إيمانه وإيمان جبريل وميكائيل، ويزعم أنه مؤمن حقاً"٣. ٢- وقال ابن أبي مليكة: إن فهدان يزعم أنه يشرب الخمر، ويزعمون أن إيمانه على إيمان جبريل وميكائيل٤. ٣- ومر ميمون بن مهران بجويرية وهي تضرب بالدف وهي تقول: وهل عليَّ من قول قلته من كنود. فقال: أترون إيمان هذه كإيمان مريم بنت عمران؟ قال: والخيبة لمن يقول إيمانه كإيمان جبريل٥. ٤- وقال الوليد بن مسلم: سمعت أبا عمرو الأوزاعي ومالكاً وسعيد بن عبد العزيز يقولون: ليس للإيمان منتهى هو في زيادة أبداً، ويقولون على من يقول أنه مستكمل الإيمان وأنه إيمانه كإيمان جبريل، قال الوليد قال سعيد بن عبد العزيز: هو أن يكون إذا أقدم على هذه المقالة إيمانه كإيمان إبليس لأنه أقر بالربوبية وكفر بالعمل، فهو أقرب إلى ذلك
следующие страницы →