← Акыда

Акыда · id 11234

زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (532 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أوتوا العلم من أهل الكتاب: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ ١. فإخبار سبحانه بزيادة الخشوع دليل على زيادة الإيمان، لأن الخشوع من الإيمان كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ٢، وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ ٣. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أأعمال القلوب مثل محبة الله ورسوله، وخشية الله تعالى ورجاؤه، ونحو ذلك، هي كلها من الإيمان، كما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفاق السلف، وهذا يتفاضل الناس فيه تفاضلاً عظيماً"٤. قال ابن جرير في بيان معنى ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ ٥"أي: ويزيدهم ما في القرآن من المواعظ والعبر خشوعاً، يعني خضوعاً لأمر الله وطاعته، واستكانة له"٦. وقال ابن كثير:"أي: إيماناً وتسليماً كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ " ٧.

стр. 37

رابعاً- إخباره سبحانه بتفضيله بعض المؤمنين على بعض: كما في قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ ١، وقوله: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٤، ونحوها من الآيات. فهذه من أوضح الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهله فيه فبعضهم أقوى إيماناً من بعض، وتفضيل الله لهم وتمييزه بينهم إنما هو بإيمانهم وطاعتهم له لا بحسن صورهم أو كثرة أموالهم أو غير ذلك مما قد يكون معياراً للتفضيل عند الناس. قال ابن بطة ﵀ في إبانته بعد أن ذكر بعض هذه الآيات: (فقد علم أهل العلم والعقل أن السابق أفضل من المسبوق والتابع دون

стр. 38

المتبوع، وأن الله لم يفضل الناس بعضهم على بعض برشاقة الأجسام ولا بصباحة الوجه، ولا بحسن الزي وكثرة الأموال، ولو كانوا بذلك متفاضلين لما كانوا به عنده ممدوحين، لأن ذلك ليس هو بهم ولا من فعلهم فعلمنا أن العلو في الدرجات والتفاضل في المنازل إنما هو بفضل الإيمان وقوة اليقين والمسابقة إليه بالأعمال الزاكية والنيات الصادقة من القلوب الطاهرة.. فهذا وأشباهه في كتاب الله يدل على زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل المؤمنين بعضهم على بعض وعلوهم في الدرجات.. ولو كان الإيمان كله واحداً لا نقصان له ولا زيادة لم يكن لأحد على أحد فضل"١. ثم قال ﵀:"وبذلك فضل الله أوائل هذه الأمة على أواخرها ولو لم يكن للسابقين بالإيمان فضل على المسبوقين للحق آخر هذه الأمة أولها في الفضل ولتقدمهم، إذ لم يكن لمن سبق إلى الله فضل على من أبطأ عنه، ولكن بدرجات الإيمان قدم السابقون، وبالإبطاء عن الإيمان أخّر المقصرون.. إلى أن قال: ألا ترى يا أخي رحمك الله كيف ندب الله المؤمنين إلى الاستباق إليه فقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٢ الآية وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ ٣ الآية، فبدأ بالمهاجرين الأولين على درجاتهم في السبق ثم ثنى بالأنصار على سبقهم ثم ثلث بالتابعين لهم بإحسان فوضع كل قوم على درجاتهم ومنازلهم عنده.. إلى أن قال: فهذه درجات الإيمان ومنازله تفاضل الناس بها عند الله واستبقوا إليه بالطاعة بها فالإيمان هو الطاعة، وبذلك فضل الله

стр. 39

المهاجرين والأنصار، لأنهم أطاعوا الله ورسوله.. إلى أن قال: فالإيمان يا أخي -رحمك الله- هو القول والعمل هو الطاعة، والقول تبع للطاعة والعمل، والناس يتفاضلون فيه على حسب مقادير عقولهم ومعرفتهم بربهم وشدة اجتهادهم في السبق بالأعمال الصالحة إليه"١. وقال أبو عبد الله محمد بن أبي زمنين:"ومن قول أهل السنة أن الإيمان درجات ومنازل يتم ويزيد وينقص، ولولا ذلك استوى الناس فيه ولم يكن للسابق فضل على المسبوق، وبرحمة الله وبتمام الإيمان يدخل المؤمنون الجنة، وبالزيادة يتفاضلون في الدرجات: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ ٢، ومثل هذا في القرآن كثير"٣. والآيات المتقدمة في صدر هذا النوع دلّت بمنطوقها على تفاضل أهل الإيمان فيه، وليس فيها تصريح بزيادة الإيمان ونقصانه فوجه دلالة الآيات على زيادة الإيمان ونقصانه يؤخذ من مفهوم الآيات دون منطوقها إذ إن فيها إخباراً بتفاضل أهل الإيمان فيه، وقد سبق بيان أن تفاضلهم إنما يكون بالإيمان دون غيره، فيفهم من هذا أن الإيمان بزيد وينقص، فمن زاده الله إيماناً أفضل ممن هو دونه في الإيمان، فالتفاضل بينهم في الإيمان حصل لكون إيمانهم يزيد وينقص والله أعلم. قال ابن عبد البر: (الإيمان مراتب بعضها فوق بعض، فليس الناقص فيه كالكامل) ٤.

стр. 40

خامساً- إخباره سبحانه بتفاضل درجات المؤمنين في الجنة: فهذا مما يدل على زيادة الإيمان، فتفاضلهم في درجات الجنة سببه تفاضلهم في الإيمان، فمن كان إيمانه أشد وأقوى كان أعلى درجة وأرفع من غيره، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ١، وقال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ ٢، وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ٣، وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ٤ وذكر بعض أوصافهما، ثم قال: ﴿َمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ ٥، وذكر بعض أوصافهما، وذكر سبحانه نحو هذا في سورة الواقعة، وجاء في السنة نحو هذا كثير، فهذا وأشباهه من أعظم الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه، وقد ميز الله بين درجات الجنة، وجعلها درجات بعضها أرفع من بعض، لأن المؤمنين ليسوا سواء في إيمانهم بالله، بل بعضهم أعظم وأشد وأقوى إيماناً من بعض، قال ابن حبان ﵀:"فمن أتى بالإقرار الذي هو أعلى شعب الإيمان، ولم يدرك العمل ثم مات أدخل الجنة، ومن أتى بعد الإقرار من الأعمال قل أو كثر أدخل الجنة، جنة فوق تلك الجنة، لأن من كثر عمله علت درجاته وارتفعت، لا أن الكل من المسلمين يدخلون جنة واحدة، وإن تفاوتت أعمالهم وتباينت، لأنها

стр. 41

جنان كثيرة، لا جنة واحدة"١. وقال شيخ الإسلام:"فدرجة المؤمن القوي في الجنة أعلى وإن كان كل منهم كمل ما وجب عليه"٢. وقال الشيخ حافظ حكمي في معارج القبول:"وكما أخبر الله ﵎ عن تفاوتهم في الإيمان في دار التكليف كذلك جعل الجنة التي هي دار الثواب متفاوتة الدرجات مع كون كل منهم فيها.. إلى أن قال: وأهل الجنة متفاوتون في الدرجات حتى إنهم يتراءون أهل عليين يرون غرفهم من فوقهم كما يرى الكوكب في الأفق الشرقي أو الغربي، ومتفاوتون في الأزواج، ومتفاوتون في الفواكه من المطعوم والمشروب، ومتفاوتون في الفرش والملبوسات ومتفاوتون في الملك، ومتفاوتون في الحسن والجمال والنور، ومتفاوتون في قربهم من الله ، ومتفاوتون في تكثير زيارتهم إياه، ومفاوتون في مقاعدهم يوم المزيد، ومتفاوتون تفاوتاً لا يعلمه إلا الله ... "٣. وما هذا التفاوت بينهم إلا لأنهم متفاوتون في الإيمان والتوحيد قوة وضعفاً زيادة ونقصاً. سادساً- إخباره سبحانه بإكمال الدين: وذلك في قوله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ ٤.

стр. 42

فهذه الآية تعد دليلاً واضحاً على زيادة الإيمان ونقصانه، وذلك لأن فيها التنصيص على إكمال الدين، وترك شيء من الكمال يعد نقصاً، وإذا ثبت النقص، فالنقص يستلزم حصول الزيادة.. وممن استدل بهذه الآية على زيادة الإيمان ونقصانه البخاري في صحيحه حيث عقد ﵀ باباً في زيادة الأيمان ونقصانه أورد تحته ثلاث آيات منها هذه الآية، ثم أعقبها بقوله:"فإذا ترك شيئاً من الكمال فهو ناقص"١. قال ابن حجر:".. وأما الكمال فليس نصاً في الزيادة، بل هو مستلزم للنقص فقط، واستلزامه للنقص يستدعي قبوله للزيادة"٢ وبهذا يظهر وجه استدلال البخاري بها. وقد وقع لسفيان ابن عيينة من قبل الاستدلال بهذه الآية بنظير ما أشار إليه البخاري رحمهما الله، فقد قال رجل لسفيان: يا أبا محمد ما تقول الإيمان يزيد وينقص؟ قال: يزيد ما شاء الله وينقص حتى لا يبقى معك منه شيء، وعقد بثلاثة أصابع وحلق بالإبهام والسبابة، فقال الرجل: فإن قوماً يقولون الإيمان كلام، قال: قد كان القول قولهم قبل أن تنزل أحكام الإيمان وحدوده، بعث الله النبي ﷺ إلى الناس أن يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها حقنوا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله.. فذكر بقية الأركان، الصلاة والزكاة والحج ثم قال: فلما علم الله ما تتابع عليهم من الفرائض ومثولهم لها، قال له: قل لهم:

стр. 43

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ ١، فمن ترك شيئاً من ذلك كسلاً أو مجوناً أدبناه عليه، وكان عندنا ناقص الإيمان ومن تركها عامداً كان بها كافراً، هذه السنة أبلغ عني من سألك من المسلمين"٢. وقد روي عن ابن عباس ﵁ نظير هذا الاستدلال بالآية، فقد أخرج الطبري بسنده عن ابن عباس ﵁ في قول الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ٣ أنه قال:"إن الله جل ثناؤه بعث نبيه محمداً ﷺ بشهادة ألا إله إلا الله فلما صدقوا بها زادهم الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها زادهم الحج، ثم أكمل لهم دينهم، فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ ٤، فأوثق إيمان أهل الأرض وأهل السموات وأصدقه وأكمله شهادة ألا إله إلا الله، ٥ إلا أن في إسناد هذا الأثر انقطاعاً، لأنه من رواية علي بن أبي طلحة٦ عن

стр. 44

ابن عباس، وعلى هذا لم ير ابن عباس فروايته عنه مرسله وضعفه جماعه من أهل العلم. واستدل بهذه الآية أيضاً أبو عبيد في كتاب الإيمان فقال:"فذكر الله جل ثناؤه إكمال الدين في هذه الآية، وإنما نزلت فيما يروى قبل وفاة النبي ﷺ بإحدى وثمانين ليلة.. فلو كان الإيمان كاملاً بالإقرار، ورسول الله ﷺ بمكة أول النبوة.. ما كان للكمال معنى، وكيف يكمل شيئاً قد استوعبه وأتى على آخره"١. وقال محمد بن نصر المروزي في كتابه تعظيم قدر الصلاة بعد أن ذكر هذه الآية:"فأخبر الله تبارك أنه أكمل للمؤمنين دينهم في ذلك اليوم، ولو كان قبل ذلك اليوم مكملاً تاماً لم يكن لإكمال ما كمل وتم معنى"٢. قال ابن بطال:"هذه الآية حجة في زيادة الإيمان ونقصانه: لأنها نزلت يوم كملت الفرائض والسنن واستقر الدين، وأراد الله قبض نبيه فدلت هذه الآية أن كمال الدين إنما يحصل بتمام الشريعة فتصور كماله يقتضي تصور نقصانه"٣.

стр. 45

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"فأكمل الله الدين بإيجابه لما أوجبه من الواجبات التي آخرها الحج، وتحريمه للمحرمات المذكورة في هذه الآية، هذا من جهة شرعه، ومن جهة الفعل الذي هو تقويته وإعانته ونصره، يئس الذين كفروا من ديننا، وحج النبي ﷺ حجة الإسلام، فلما أكملوا الدين قال عقب ذلك: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ إلى قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ١ فكان إحلاله الطيبات يوم أكمل الدين، فأكمله تحريماً وتحليلاً لمَّا أكملوه امتثالاً"٢. وظاهر كلام شيخ الإسلام يدل على أنه يرى أن الآية دليل على تفاضل الإيمان في قلوب المؤمنين، يظهر هذا من قوله:"فلما أكملوا الدين"وقوله:"لما أكملوه امتثالاً"، والإكمال كما هو معلوم لا يكون إلا عن نقص، والنقص يقتضي قبول الزيادة. وقال في شرحه للعقيدة الأصفهانية:"إن الإيمان الذي أوجبه الله تعالى يزيد شيئاً فشيئاً كما إن القرآن كان ينزل شيئاً فشيئاً، والدين يظهر شيئاً فشيئاً حتى أنزل الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... ﴾ ٣. فالآية ظاهرة الدلالة على زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهله فيه، وقد اعترض على استدلال البخاري المتقدم بهذه الآية بأنه يلزم منه أن من مات من الصحابة قبل نزول الآية كان إيمانه ناقصاً.

стр. 46

فأجاب عن هذا الاعتراض القاضي أبو بكر ابن العربي، ونقله عنه الحافظ ابن حجر: (بأن النقص أمر نسبي، لكن منه ما يترتب عليه الذم ومنه ما لا يترتب، فالأول ما نقصه بالاختيار كمن علم وظائف الدين ثم تركها عمداً، والثاني ما نقصه بغير اختيار كمن لم يعلم أو لم يكلف، فهذا لا يذم بل يحمد من جهة إن كان قلبه مطمئناً بأنه لو زيد لقبل ولو كلف لعمل وهذا شأن الصحابة الذين ماتوا قبل نزول الفرائض"١. قال ابن حجر:"ومحصله أن النقص بالنسبة إليهم صوري نسبي، ولهم فيه رتبة الكمال من حيث المعنى، وهذا نظير قول من يقول إن شرع محمد أكمل من شرع موسى وعيسى لاشتماله من الأحكام على ما لم يقع في الكتب التي قبله، ومع هذا فشرع موسى في زمانه كان كاملاً، وتجدد في شرع عيسى بعده ما تجدد، فالأكملية أمر نسبي كما تقرر"٢. وقال البيهقي: (وأما قول الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وما ورد في معناه، فإنه لا يمنع من قولنا بزيادة الإيمان ونقصانه، لأن معنى قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أي: أكملت لكم وضعه، فلا أفرض عليكم من بعد ما لم أفرض عليكم إلى اليوم، ولا أضع عنكم بعد اليوم ما قد فرضته قبل اليوم، فلا تغليظ من الآن ولا تخفيف ولا نسخ ولا تبديل، وليس معناه أنه أكمل لنا ديننا من قبل أفعالنا، لأن ذلك لو كان كذلك لسقط عن المخاطبين بالآية الدوام على الإيمان، لأن الدين قد كمل وليس بعد الكمال شيء، فإذا كان الدوام على الإيمان مستقبلاً وهو إيمان فكذلك الطاعات الباقية التي تجب شيئاً فشيئاً كلها إيمان، والكمال راجع

стр. 47

إلى إكمال الشرع والوضع لا إلى إكمال أداء المؤدين له وقيام القائمين به والله أعلم"١. وبما تقدم تعلم أن دلالة الآية على زيادة الإيمان ونقصانه ظاهرة ظهوراً واضحاً لا خفاء فيه، ومع هذا فقد تعقب السندي في حاشيته على سنن النسائي على استدلال النسائي بها على زيادة الإيمان ونقصانه فقال:"وفيه نسبة الإكمال للدين، وأخذ منه المصنف القول بزيادة الإيمان وفيه خفاء لا يخفى"٢. قلت: بل هو ظاهر لا خفاء فيه، وما تقدم كاف في الإجابة على هذا الاعتراض. سابعاً- إخباره عن طلب نبيه إبراهيم ﵇ اطمئنان القلب: وهذا زيادة في الإيمان، وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ... ﴾ ٣. قال ابن بطة ﵀:"يريد لازداد إيماناًً إلى إيماني، بذلك جاء التفسير"٤.

стр. 48

قال سعيد بن جبير: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ١:"ليزداد إيماني". وفي رواية:"أي: ازداد إيماناً مع إيماني"وفي رواية:"أي ليزداد يقيني"وهي ألفاظ متقاربة المعنى٢. وقال مجاهد في تفسيرها:"أي: أزداد إيماناً إلى إيماني"٣وروى ابن جرير ﵀ نحو هذا التفسير للآية عن جماعة من السلف منهم: الضحاك، وقتادة، والربيع بن أنس، وإبراهيم النخعي٤. ولهذا احتج البخاري بها في صحيحه على زيادة الإيمان ونقصانه، فأوردها في باب قول النبي ﷺ :"بني الإسلام على خمس" وهو قول وعمل ويزيد وينقص. قال الحافظ ابن حجر في الشرح."أشار إلي تفسير سعيد بن جبير ومجاهد وغيرهما لهذه الآية، فروى ابن جرير بسنده الصحيح إلى سعيد قال: قوله: ﴿ليطمئن قلبي﴾ ، أي: يزداد يقيني، وعن مجاهد قال لأزداد إيماناً إلى إيماني، وإذا ثبت ذلك عن إبراهيم ﵇ مع أن نبينا ﷺ قد أمر باتباع ملته، كأنه ثبت عن نبينا ﷺ ذلك"٥. وقال الحليمي في المنهاج مبيناً وجه دلالة الآية على زيادة الإيمان

стр. 49

ونقصانه:"ومعلوم أن طمأنينة القلب بصدق وعْد الله، أو بقدرته على ما أخبر أنه فاعله إيمان فإنما يسأل الله تعالى ما يزيده إيماناً على إيمان، فثبت بذلك أن الإيمان قابل للزيادة"١. وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: (وأما قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى ... ﴾ فمن أعظم الأدلة على تفاوت الإيمان ومراتبه حتى الأنبياء فهذا طلب الطمأنينة مع كونه مؤمناً، فإذا كان محتاجاً إلى الأدلة التي توجب له الطمأنينة فكيف بغيره"٢. ثامناً- أمره سبحانه المؤمنين بالإيمان: كما في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ... ﴾ ٣ الآية. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ... ﴾ ٤ الآية. فهذا ظاهر في الدلالة على أن الإيمان يزيد، فالله سبحانه أمرهم بالإيمان بعد أن وصفهم به، ومراده سبحانه بذلك أن يستكثروا من الأعمال الصالحة ويزدادوا إيماناً وإخلاصاً ويقيناً. قال ابن بطة في إبانته بعد أن أورد الآية دليلاً على زيادة الإيمان ونقصانه:"فلو لم يكونوا مؤمنين لما قال لهم يا أيها الذين آمنوا، وإنما أراد بقوله دوموا على أيمانكم وازدادوا إيماناً بالته وطاعته واستكثروا من

стр. 50

الأعمال الصالحة التي تزيد في إيمانكم وازدادوا يقيناً وبصيرة ومعرفة بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وقد يقول الناس بعضهم لبعض مثل ذلك في كل فعل يمتد ويحتمل الازدياد فيه، كقولك لرجل يأكل: كل تريد زد أكلك، ولرجل يمشي: امش تريد أسرع في مشيك، ولرجل يصلي أو يقرأ: صل أو أقرأ تريد زد في صلاتك. ولما كان الإيمان له بداية بغير نهاية، والأعمال الصالحة والأقوال الخالصة تزيد المؤمن إيماناً جاز أن يقال: يا أيها المؤمن آمن، أي: ازدد في إيمانك، ولا يجوز أن يقال ذلك في الأفعال المتناهية التي لا زيادة على نهايتها، كما لا تقول للقائم قم، ولا لرجل رأيته جالساً اجلس، لأن ذلك فعل قد تناهى فلا مستزاد فيه فهذا يدل على زيادة الإيمان لأنه كلما ازداد بالله علماً وله طاعة ومنه خوفاً كان ذلك زائداً في إيمانه"١: وقال أبو عبيد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... ﴾ ٢:"فلولا أن هناك موضع مزيد، ما كان لأمره بالإيمان معنى"٣. وقال ابن كثير في تفسيره:"يأمر تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه كما يقول المؤمن في كل صلاة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: بصرنا فيه

стр. 51

وزدنا هدى وثبتنا عليه"١. قلت: وهذا يوضح ما جاء عن السلف قولهم:"تعالوا بنا نؤمن ساعة"أي: نردد إيماناً، وسيأتي قريباً إن شاء الله. وقال ابن سعدي في تفسيره:"اعلم أن الأمر إما أن يوجه إلى من لم يدخل في الشيء ولم يتصف بشيء منه، فهذا يكون أمراً له في الدخول فيه وذلك كأمر من ليس بمؤمن بالإيمان، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ﴾ ٢ الآية. وإما أن يوجه إلي من دخل في الشيء، فهذا يكون أمره ليصحح ما وجده منه ويحصل ما لم يوجد، ومنه ما ذكره في هذه الآية٣ من أمر المؤمنين بالإيمان، فإن ذلك يقتضي أمرهم بما يصحح إيمانهم من الإخلاص والصدق وتجنب المفسدات والتوبة من جميع المنقصات، ويقتضي أبضاً الأمر بما لم يوجد من المؤمن من علوم الإيمان وأعماله، فإنه كلما وصل إليه نص وفهم معناه واعتقده فإن ذلك من المأمور به، وكذلك سائر الأعمال الظاهرة والباطنة، كلها من الإيمان كما دلّت على ذلك النصوص الكثيرة وأجمع عليه سلف الأمة.. إلى أن قال: وأمره هنا بالإيمان به وبرسله وبالقرآن وبالكتب المتقدمة، فهذا كله من الإيمان الواجب الذي لا يكون العبد مؤمناً إلا به، إجمالاً فيما لم يصل إليه تفصيله، وتفصيلاً فيما علم من ذلك بالتفصيل، فمن آمن هذا الإيمان

стр. 52

المأمور به فقد اهتدى وأنجح"١. تاسعاً- تقسيمه سبحانه المؤمنين إلى ثلاث طبقات: وذلك في قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ ٢، ثم أخبر أنهم جميعاً في الجنة فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ ٣. فهذا فيه دلالة ظاهرة على زيادة الإيمان ونقصانه، قال الشيخ عبد الرحمن ابن سعدى ﵀:"ومن زيادته ونقصانه. أي: الإيمان: أن قسم المؤمنين إلى ثلاث طبقات: سابقون بالخيرات، وهم الذين أدوا الواجبات والمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات فهؤلاء هم المقربون، ومقتصدون وهم الذين أدوا الواجبات وتركوا المحرمات وظالمون لأنفسهم وهم الدين تجرأوا على بعضي المحرمات وقصروا في بعض الواجبات مع بقاء أصل الإيمان معهم فهذا منا أكبر البراهين على زيادة الإيمان ونقصه، فما أعظم التفاوت بين! هؤلاء الطبقات"٤.

стр. 53

وقال شارح العقيدة الواسطية:"ومن الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه أن الله فسم المؤمنين ثلاث طبقات فقال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فالسابقون بالخيرات هم الذين أدوا الواجبات والمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات، وهؤلاء هم المقربون والمقتصدون هم الذين اقتصروا على أداء الواجبات وترك المحرمات، والظالمون لأنفسهم هم الذين اجترأوا على بعض المحرمات وقصروا في بعض الواجبات مع بقاء أصل الإيمان معهم"١. وقد اختلف أهل التفسير في الظالم لنفسه هل هو من هذه الأمة أو لا؟ وأصح ما قيل أنه منهم ومن المصطفين علي ما فيه من تقصير، قال ابن كثير بعد أن أشار إلى هذا الخلاف:"والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة، وهذا اختيار ابن جرير، كما هو ظاهر الآية، وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ من طرق يشد بعضها بعضاً"٢ ثم ذكر ما تيسر من الأحاديث والآثار الدالة على ذلك. قلت: لكنه قد يعاقب على ظلمه وتقصيره وتفريطه بخلاف السابق بالخيرات والمقتصد فإنهما لا يعاقبان. قال شيخ الإسلام:"والمقتصد والسابق كلاهما يدخل الجنة بلا عقوبة، بخلاف الظالم لنفسه"٣.

стр. 54

عاشراً- أمره سبحانه بامتحان المؤمنات المهاجرات:. وذلك في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ ١الآية. استدل بهذه الآية على زيادة الإيمان ونقصانه أبو عبيد في كتابه الإيمان، فقال: ومما يبين لك تفاضله في القلب قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ . ألست ترى أن ها هنا منزلاً دون منزل ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ ٢. حادي عشر- إثباته سبحانه في القرآن إسلاماً بلا إيمان: وذلك في قوله: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٣. فهؤلاء الأعراب مسلمون، إلا أنهم لم يصلوا إلى درجة ما ادعوه وهو الإيمان، فلهذا نفاه الله عنهم وأثبت لهم الإسلام وحده. قال شيخ الإسلام:"لم يأتوا بالإيمان الواجب، فنفى عنهم لذلك وإن كانوا مسلمين، معهم من الإيمان ما يثابون عليه"٤. وقال ابن رجب:"وأما إذا نفي الإيمان عن أحد وأثبت له الإسلام

стр. 55

كالأعراب الذين أخبر الله عنهم، فإنه ينتفي رسوخ الإيمان في القلب، وتثبت لهم المشاركة في أعمال الإسلام الظاهرة مع نوع إيمان يصحح لهم العمل، إذ لولا هذا القدر من الإيمان لم يكونوا مسلمين، وإنما نفى عنهم الإيمان لانتفاء ذوق حقائقه ونقص بعض واجباته وهذا مبني على أن التصديق القائم بالقلوب يتفاضل وهذا هو الصحيح ... "١. فالآية فيها دليل على أن الإيمان مراتب وأنه يتفاضل، فإذا كان كذلك فهو يزيد وينقص، ويزيد المسلم فيه حتى يبلغ أعلى درجات الدين، وينقص حتى لا يبقى منه شيء، والله أعلم. ثاني عشر- إخباره سبحانه بأن الذنوب تذهب الإيمان شيئاً فشيئاً حتى يطبع على القلب ويختم عليه من كثرة الذنوب. كما في قوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٢ وبهذا جاء التفسير لهذه الآية عن رسول الله ﷺ . ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:"إن المؤمن إذا أذنب ذنباً نكت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل منها قلبه، فإن زاد زادت حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي قال الله : ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٣.

стр. 56

وقد جاء تفسير الآية بذلك عن جمع من السلف: منهم حذيفة بن اليمان، وابن عمر، ومجاهد، والحسن، وإبراهيم التيمي، وقتادة، وغيرهم١. قال حذيفة ﵁:"القلب هكذا مثل الكف فيذنب الذنب فينقبض منه ثم يذنب الذنب فينقبض منه حتى يختم عليه فيسمع الخير فلا يجد له مساغاً.. يجمع فإذا اجتمع طبع عليه، فإذا سمع خيراً دخل في أذنيه حتى يأتي القلب فلا يجد فيه مدخلاً فذلك قوله: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ٢. وقال مجاهد: كانوا يرون القلب مثل الكف، وذكر مثله٣. وقال أيضاً في قوله: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ... ﴾ قال:"العبد يعمل بالذنوب فتحيط بالقلب ثم ترتفع، حتى تغشى القلب"٤. وقال الحسن في الآية"الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت"٥.

стр. 57

وقال إبراهيم التيمي في الآية:"إذا عمل الرجل الذنب نكت في قلبه نكتة سوداء ثم يعمل الذنب بعد ذلك فينكت في قلبه نكتة سوداء، ثم كذلك حتى يسود عليه.."١. ويشبه هذه الآية سواء قول الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٢. ولهذا قال مجاهد:"وهي مثل الآية التي في سورة البقرة فذكرها"٣: قلت: ويؤيد هذا المعنى المتقدم للآية من حيث الجملة ما ثبت في صحيح مسلم من حديث حذيفة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مرباداً، كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب هواه" ٤. وهذا الحديث ذكره شيخ الإسلام في كتابه الإيمان محتجاً به على زيادة الإيمان ونقصانه٥.

стр. 58

المبحث الثاني أدلة زيادة الإيمان ونقصانه من السنة لقد ثبت عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة فيها دلالة ظاهرة على زيادة الإيمان ونقصانه، بل إن بعضها فيه التصريح بذلك. وفي هذا المبحث أورد بعض ما جاء عنه ﷺ مما يدل على ذلك إما تصريحاً أو تضمناً، مع بيان وجه دلالته، وأتبع ذلك بذكر بعض أقوال أهل العلم ممن احتج بهذه الأحاديث على الزيادة والنقصان. وليعلم قبل مطالعة هذه الأدلة أن كل دليل على زيادة الإيمان فهو دليل على نقصانه، وكذا العكس، لأن الزيادة تستلزم النقص ولأن قبول الشيء للزيادة دليل على قبوله للنقص، وقد سبق التنبيه على هذا في صدر المبحث الأول بأوسع من هنا فليراجع. وفيما يلي أورد أدلة من السنة على زيادة الإيمان ونقصانه مستمداً العون من الله وحده: ١- حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن) ١.

стр. 59

فالمراد بهذا الحديث نفي كمال الإيمان الواجب عمن اقترف هذه المعاصي وأنه"لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره، كما يقال لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة، ومما يدل على هذا التأويل حديث أبي ذر وغيره:"من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق" ١، وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور أنهم بايعوه ﷺ على ألا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا، إلى آخره، ثم قال:"فمن وفى فأجره على الله ومن فعل شيئاً من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته، ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه" ٢. فهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح مع قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣، مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك بل هم مؤمنون ناقصوا الإيمان إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولاً، وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة"٤.

стр. 60

قال ابن عبد البر١ بعد أن ذكر حديث أبي هريرة:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" وبين أن مراد النبي ﷺ بقوله وهو مؤمن: أي مستكمل الإيمان، قال:"ولم يرد نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك، بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر إذا صلوا للقبلة وانتحلوا دعوة الإسلام من قرابتهم المؤمنين الذين آمنوا بتلك الأحوال. وفي إجماعهم على ذلك مع إجماعهم على أن الكافر لا يرث المسلم أوضح الدلائل على صحة قولنا: إن مرتكب الذنوب ناقص الإيمان بفعله ذلك، وليس بكافر كما زعمت الخوارج في تكفيرهم المذنبين"٢. ودلالة الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه ظاهرة مما- تقدم، فالمؤمن قد يرتكب هذه المعاصي فينقص إيمانه فيكون مؤمناً ناقص الإيمان، معه مطلق الإيمان وانتفى عنه الإيمان المطلق، فإذا تاب وأقلع عن هذه المعاصي زاد إيمانه. وقد احتج جماعة من أهل العلم بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه، منهم إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀. قال إسحاق بن إبراهيم٣: سألت أبا عبد الله عن الإيمان ونقصانه

стр. 61

قال: نقصانه قول النبي ﷺ "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق وهو مؤمن" ١. وقال المروذي٢: سمعت أبا عبد الله يقول:."الإيمان قول وعمل يزبد وينقص وقال: الزيادة من العمل، وذكر النقصان إذا زنى وسرق٣. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: سمعت أبي ﵀ وسئل عن الإرجاء فقال: نحن نقول الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص إذا زنى وضرب الخمر نقص إيمانه٤. وممن احتج به أبو داود فقد خرّجه في سننه في باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه٥ وقال ابن القيم ﵀ في تهذيبه للسنن بعد أن أضاف إلى هذا الحديث جملة من الأحاديث الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه:"وكل هذه النصوص صحيحة صريحة لا تحتمل التأويل في أن

стр. 62

نفس الإيمان القائم بالقلب يقبل الزيادة والنقصان"١. واحتج به البيهقي فقد أخرجه في باب القول في زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهل الإيمان في إيمانهم من كتابه الشعب ثم قال بعده:"وإنما أراد- والله تعالى أعلم-"وهو مؤمن"مطلق الإيمان، لكنه ناقص الإيمان بما ارتكب من الكبيرة، وترك الانزجار عنها، ولا يوجب ذلك تكفيراً بالله .."٢واحتج به الخلال٣ والآجري٤ وابن بطة٥ وابن مندة٦ وغيرهم من أهل العلم. ٢- حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" ٧. ففي هذا الحديث"بيان أن الإيمان الشرعي اسم لمعنى ذي شعب وأجزاء، له أعلى وأدنى، فالاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق- بكلها، والحقيقة تقتضي جميع شعبها وتستوفي جملة أجزائها، كالصلاة الشرعية لها شعب وأجزاء، والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها"٨.

стр. 63

وهذه الشعب متفاوتة ليست على درجة واحدة في الفضل، بل بعضها أفضل من بعض، كما هو ظاهر لفظ الحديث في قوله:"أعلاها "وقوله:"أدناها"، فشعب الإيمان منها ما يزول الإيمان بزوالها إجماعاً كشعبة الشهادتين، ومنها ما لا يزول بزوالها إجماعاً كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتاً عظيماً منها ما يقرب من شعبة الشهادتين، ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى"١. وجميع هذه الشعب والخصال متفرعة، إما عن أعمال القلب، أو أعمال اللسان أو أعمال الجوارح، ونصيب العبد من الإيمان بحسب نصيبه من هذه الشعب قلة وكثرة، قوة وضعفاً، تكميلاً وتقصيراً، تماماً ونقصاً، ولا شك أن الناس متفاوتون في ذلك تفاوتاً عظيماً فقيامهم بهذه الشعب والخصال ليس على درجة واحدة، بل بعضهم أكمل من بعض، فمنهم المحسن ومنهم المسيء، فهذا من أوضح الدلائل على زيادة الإيمان ونقصانه، وتفاضل أهله فيه. وقد استدل به الترمذي على زيادة الإيمان ونقصانه، فخرجه في باب"ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه"، من سننه٢. وبوب له ابن حبان في صحيحه بقوله:"ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص"٣ثم ذكر حديث أبي هريرة. وقال ابن مندة بعد ذكره لحديث الشعب في كتابه الإيمان:"والعباد

стр. 64

يتفاضلون في الإيمان على قدر تعظيم الله في القلوب والإجلال له والمراقبة لله في السر والعلانية، وترك اعتقاد المعاصي، فمنها قيل الإيمان يزيد وينقص"١. وقال الخطابي:"وفي هذا الباب إثبات التفاضل في الإيمان، وتباين المؤمنين في درجاته"٢. وقال صديق حسن خان بعد أن ذكر حديث الشعب:"وفي هذا دليل على أن الإيمان فيه أعلى وأدنى وإذا كان كذلك كان قابلاً للزيادة والنقصان"٣. وقال الشيخ العلامة ابن سعدي بعد ذكره لحديث أبي هريرة:"وهذا صريح في أن الإيمان يزيد وينقص بحسب زيادة هذه الشرائع والشعب، واتصاف العبد بها أو عدمه، ومن المعلوم أن الناس يتفاوتون فيها تفاوتاً كثيراً، فمن زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فقد خالف الحس، مع مخالفته لنصوص الشرع كما ترى"٤. وقال الشيخ الهراس في شرحه للواسطية:"ومن ذهب إلى أن الإيمان غير قابل للزيادة أو النقصان فهو محجوج بقوله ﷺ "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" فالإيمان المطلق مركب من الأقوال والأعمال والاعتقادات، فهي ليست كلها بدرجة

стр. 65

واحدة"١. ثم إن في الحديث دلالة أخرى على زيادة الإيمان ونقصانه، وذلك بجعل النبي ﷺ في هذا الحديث، الحياء من الإيمان، ومن المعلوم المسلم به عظم اختلاف الناس في القيام بهذه الخصلة وتفاوتهم فيها، لذا قال ابن حبان في صحيحه بعد أن ذكر الحديث:" ... فمن الناس من يكثر ذلك فيه"أي الحياء"، ومنهم من يقل ذلك فيه، وهذا دليل صحيح على زيادة الإيمان ونقصانه، لأن الناس ليسوا كلهم على مرتبة واحدة في الحياء، فلما استحال استواؤهم على مرتبة واحدة فيه صح أن من وجد فيه أكثر كان إيمانه أزيد، ومن وجد فيه منه أقل كان إيمانه أنقص"٢. ومما يدل على تفاضل الناس في الحياء قوله ﷺ في حديث آخر "الحياء من الإيمان وأحيا أمتى عثمان" ٣. قلت: وفي هذا أيضاً أبين دلالة على أن الزيادة والنقصان في الإيمان كما أنها شاملة لأعمال الجوارح الظاهرة فهي كذلك شاملة لأعمال القلوب الباطنة. ٣- حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"لا إيمان لمن لا أمانة له" ٤.

стр. 66

فهذا الحديث دليل على أن من لا أمانة له، فقد نقص فيه شيء من واجبات هذا الدين، فيذهب عنه كمال الإيمان الواجب وتمامه، ويكون بذلك مؤمناً ناقص الإيمان١. يوضح الاستدلال بهذا الحديث ويبينه ما جاء عن عروة بن الزبير ﵀ أنه قال:"ما نقصت أمانة عبد قط إلا نقص إيمانه"٢، فنقص الأمانة في العبد دليل على نقص الإيمان وضعفه فيه ولهذا لما سئل الإمام أحمد ﵀ مرة عن نقصان الإيمان احتج بهذا، قال الفضل بن زياد٣ سمعت أبا عبد الله وسئل عن نقص الإيمان فقال: حدثنا وكيع عن سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه قال:"ما انتقصت أمانة رجل إلا نقص إيمانه"٤. وقاد الشيخ عبد الرحمن بن حسن حفيد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵏:"إذا عرفت أن كلاً من الأعمال الظاهرة والباطنة من مسمى الإيمان شرعاً، فكل ما نقص من الأعمال التي لا يخرج نقصها

стр. 67

من الإسلام فهو نقص قي كمال الإيمان الواجب كما في قوله ﷺ "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" فالمنفي في هذا الحديث كمال الإيمان الواجب، فلا يطلق الإيمان على مثل أهل هذه الأعمال إلا مقيداً بالمعصية أو بالفسوق، فيقال مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته"١. ٤- حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير وبخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير" ٢. فهذا الحديث، ومثله حديث الشفاعة الطويل٣ ونحوهما من الأحاديث الدالة على أن القائلين"لا إله إلا الله"متفاوتون في إيمانهم، وأن منهم من يدخل النار بتفريطه وتقصيره في الطاعة إلا أنه لا يخلد فيها لوجود أصل الإيمان معه، فيها دلالة واضحة على زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهل الإيمان فيه. فلا يسوى في الإيمان بين من منعه إيمانه من دخول النار كلية، وبين من لم يمنعه إيمانه من دخولها لتفريطه وكثرة معاصيه، وكذلك لا يسوى بين من استوجبت له معاصيه أن يمكث فترة قصيرة في النار، وبين من استوجبت له أن يمكث فترة أطول.

стр. 68

فالحديث من أظهر الأدلة وأوضحها على زيادة الإيمان ونقصانه، وهو أحد أدلة أهل السنة والجماعة الكثيرة على زيادة الإيمان ونقصانه. قال أبو بكر الأثرم١: قيل لأبي عبد الله: فنقول الإيمان يزيد وينقص فقال:"حديث النبي ﷺ يدل على ذلك قوله"أخرجوا من في قلبه كذا، أخرجوا من كان في قلبه"فهذا يدل على ذلك"٢. وقال عبد الملك بن عبد الحميد٣ سمعت أبا عبد الله: ذكر نقصان الإيمان واستدل له بحديث:" يخرج من النار من في قلبه حبة" وحديث:"لا يزنى الزاني" ٤. وقد احتج البخاري في جامعه الصحيح بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه، فخرجه في"باب زيادة الإيمان ونقصانه من كتاب الإيمان٥.

стр. 69

وكذلك احتج به ابن خزيمة في كتابه التوحيد حيث قال:"باب ذكر الأخبار المصرحة عن النبي ﷺ أنه قال إنما يخرج من النار من كان في قلبه في الدنيا إيمان دون من لم يكن في قلبه في الدنيا إيمان ممن كان يقر بلسانه بالتوحيد خالياً من الإيمان مع البيان الواضح أن الناس يتفاضلون في إيمان القلب، ضد قول من زعم من غالية المرجئة أن الإيمان لا يكون في القلب، وخلاف قول من زعم من غير المرجئة أن الناس إنما يتفاضلون في إيمان الجوارح الذي هو كسب الأبدان فإنهم زعموا أنهم متساوون في إيمان القلب الذي هو التصديق وإيمان اللسان الذي هو الإقرار ... "١. ثم أورد بعض الأحاديث في الباب، منها حديث أنس بن مالك ﵁. وقال البيهقي بعد أن ذكر الحديث وغيره محتجاً بها على زيادة الإيمان ونقصانه:"والأحاديث في ... أن الإيمان يزيد وينقص سوى ما ذكرنا كثيرة"٢. وقال أبو حامد الغزالي"وقد ظهر أن ما قاله السلف من زيادة الإيمان ونقصانه حق، وكيف لا وفي الأخبار"أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان"وفي بعض المواضع في خبر آخر"مثقال دينار"فأي معنى لاختلاف مقاديره إن كان ما في القلب لا يتفاوت"٣. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:" ... وأما الصحابة وأهل السنة والحديث فقالوا: إنه يزيد وينقص، كما قال النبي ﷺ :"يخرج من النار

стр. 70

من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان" ١. واحتج به الذهبي في السير٢ وابن القيم كما في تهذيبه لسنن أبي داود٣. وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم بعد هذا الحديث:"وفي هذا الحديث دلالة لمذهب السلف وأهل السنة ومن وافقهم من المتكلمين في أن الإيمان يزيد وينقص، ونظائره في الكتاب والسنة كثيرة"٤. وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀:"قوله سبحانه في الحديث"أخرجوا من النار من في قلبه مثقال ذرة"إلى آخره، يوافق ما ذكرناه٥ فإن الإيمان أعلى من الإسلام، فيخرج الإنسان من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الكفر، فيخرج الإنسان من الإيمان إلى الإسلام الذي ينفعه وإن كان ناقصاً"٦. ٥- حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً" ٧.

стр. 71

فهذا الحديث فيه دلالة على أن حسن الخلق من الإيمان، وأن المسلم كلما ازداد منه زاد إيمانه وارتقى إلى الكمال، وأن النقص منه نقص من الإيمان، فهو يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بحسن الخلق وينقص بنقصه، كما أنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. قال ابن عبد البر:"ومعلوم أنه لا يكون هذا أكمل، حتى يكون غيره أنقص"١. وقد احتج بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه أبو داود، فخرجه في"باب زيادة الإيمان ونقصانه". والترمذي فخرجه في"باب ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه"، من سننهما. وقال الحليمي٢:"فدل هذا القول على أن حسن الخلق إيمان، وأن عدمه نقصان إيمان، وأن المؤمنين متفاوتون في إيمانهم، فبعضهم أكمل إيماناً من بعض"٣. وقال شيخ الإسلام:"والإيمان عندهم- أي أهل السنة- يتفاضل،

стр. 72

لأن الترك هنا تكليف، وإن كانت مع ذلك توصف بنقص الدين. وليس المراد هنا بوصف النساء بنقص الدين تثريبهن ولومهن على ذلك، لأن هذا من أصل الخلقة، وإنما المراد بذلك هو التنبيه على ذلك تحذيراً من الافتتان بهن، ولهذا رتب العذاب على ما ذكر من الكفران وغيره لا على النقص١. وهذا الحديث هو أحد الدلائل القوية لأهل السنة والجماعة على زيادة الإيمان ونقصانه، إذ فيه التصريح بنقص الدين، وأما الزيادة فمصرح بها في القرآن، كما تقدم. ولهذا فقد احتج به غير واحد من أهل العلم على ذلك. فقد خرجه أبو داود في سننه في،"باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه"٢، وخرجه الترمذي في"باب ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه"٣. قال البغوي مبيناً عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان:"وقالوا إن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، على ما نطق به القرآن في الزيادة، وجاء في الحديث بالنقصان في وصف النساء"٤ يشير إلى حديثنا هذا. وقال أبو محمد بن حزم:"وقد جاء النص بذكر النقص وهو قول رسول الله ﷺ المشهور المنقول نقل الكواف أنه قال للنساء (ما رأيت من

стр. 73

ناقصات عقل ودين أسلب للب الرجل الخازم منكن" ١. وبوب له النووي في شرحه لمسلم"باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات ... ) ٢، وقال:"وفيه بيان زيادة الإيمان ونقصانه"٣. وقال الحليمي في المنهاج"ومما يدل على أن الإيمان يزيد وينقص قول النبي ﷺ للنساء أإنكن ناقصات عقل ودين ... "..."٤. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية"والقرآن نطق بالزيادة في غير. موضع، ودلت النصوص على نقصه كقوله"لا يزنى الزاني حين يزني وهو مؤمن"لكن لم يعرف اللفظ إلا في قوله في النساء"ناقصات عقل ودين"وجعل من نقصان دينها أنها إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي، وبهذا استدل غير واحد على أنه ينقص"٥. ٧- حديث أبي أمامة الباهلي ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال:"مَن أحبّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان" ٦.

стр. 74

ففي هذا الحديث بيان أن المسلم"إذا كان حبه لله ومنعه لله وهما عمل قلبه، وعطاؤه لله ومنعه لله وهما عمل بدنه، دل على كمال محبته لله، ودل ذلك على كمال الإيمان، وذلك أن كمال الإيمان أن يكون الدين كله لله، وذلك بعبادة الله وحده لا شريك له، والعبادة تتضمن كمال الحب وكمال الذل، والحب مبدأ جميع الحركات الإرادية، ولا بد لك من حب وبغض، فإذا كانت محبته لمن يحبه الله، وبغضه لمن يبغضه الله، دل ذلك على صحة الإيمان في قلبه، لكن قد يقوى ذلك وقد يضعف بما يعارضه من شهوات النفس وأهوائها، الذي يظهر في بذل المال الذي هو مادة النفس، فإذا كان حبه لله وعطاؤه لله ومنعه لله، دلّ على كمال الإيمان باطناً وظاهراً"١. فالحديث بهذا من أوضح الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه، لتفاوت الناس في عمل القلب وعمل الجوارح المذكورين في الحديث تفاوتاً عظيماً، بل إن الفرد المسلم تختلف أحواله من وقت لآخر من جهة القيام بهذه الأعمال. ثم إن قوله ﷺ في الحديث:"فقد استكمل الإيمان" ظاهر الدلالة على زيادة الإيمان ونقصانه، لأن الاستكمال لا يكون إلا عن نقص، وإذا ثبت النقص فإنه مستلزم للزيادة. فالإيمان يزيد حتى يصل إلى درجة الكمال، وينقص حتى لا يبقى منه شيء. وقد احتج أبو داود في سننه بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه فخرجه في"باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه"، وكذا البيهقي في

стр. 75

كتاب الاعتقاد ثم قال بعد أن ذكره مع غيره من الأحاديث الدالة على ذلك:"والأحاديث في ... أن الإيمان يزيد وينقص سوى ما ذكرنا كثيرة، وفيما ذكرنا هنا كفاية) ١. ٨- حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون، قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول: (إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا) ٢. فقد أفاد هذا الحديث أن الناس متفاضلون في معرفة الله وتقواه وهما من أعظم أعمال الإيمان، وأن أفضل الناس وأتقاهم لله وأعظمهم معرفة به هو رسول الله ﷺ . ودلالة الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه واضحة، لأن الإنسان كلما ازداد معرفة بالله وتقوى له ازداد إيماناً. قال ابن حجر في شرحه للحديث:"وفيه دليل على زيادة الإيمان ونقصانه، لأن قوله ﷺ : "أنا أعلمكم بالله" ظاهر في أن العلم بالله درجات، وأن بعض الناس فيه أفضل من بعض، وأن النبي ﷺ منه في أعلى الدرجات، والعلم بالله يتناول ما بصفاته وما بأحكامه وما يتعلق بذلك فهذا هو الإيمان حقاً"٣. وقد بوب البخاري لهذا الحديث في كتاب الإيمان من صحيحه بـ"باب قول النبي ﷺ "وأنا أعلمكم بالله"وأن المعرفة فعل القلب". واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ
следующие страницы →