زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه
بقلم: عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
ال مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ٢.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ٣.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى
стр. 2
محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد، فإن مباحث الإيمان ومسائله هي أهم المسائل على الإطلاق، لأنها أهم مباحث الدين وأعظم أصول الحق واليقين، بل إن كل خير في الدنيا والآخرة متوقف على الإيمان الصحيح. وكم للإيمان الصحيح من الفوائد المغدقة، والثمار اليانعة، والجنى اللذيذ، والأكل الدائم، والخير المستمر، أمور لا تحصى، وفوائد لا تستقصى عاجلة وآجلة.-
وبالإيمان يحيى العبد حياة طيبة في الدارين، وينجو من المكاره والشرور والشدائد، ويدرك جميع الغايات والمطالب، وينال ثواب الآخرة فيدخل جنة عرضها كعرض السماء والأرض، فيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وينجو من نار عذابها شديد وقعرها بعيد، وأعظم من ذلك كله أن يفوز برضى الرب سبحانه فلا يسخط عليه أبداً، ويتلذذ بالنظر إلى وجهه الكريم، وما ثمة مطلقاً نعيم أعظم ولا أكمل من هذا النعيم.
وبالجملة فالخير كله فرع عن الإيمان ومترتب عليه، والهلاك والدمار والشر كله إنما يكون بفقد الإيمان ونقصه.
فلا غرو إذن أن تكون مباحثه أهم المباحث وأعظمها وأولاها بالعناية والاهتمام، وأجدرها بصرف الهمم والأوقات، وشرف العلم من شرف معلومه، وليس هناك أشرف من الإيمان وعلومه، التي يتحقق بتحققها كل خير ويصرف كل شر، بل لا صلاح للعباد ولا فلاح ولا حياة طيبة ولا سعادة في الدارين، ولا نجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة إلا بالإيمان الصحيح علماً وتطبيقاً، فالعلم والإيمان هما أفضل
стр. 3
هبات الرحمن وأجل عطياته.
قال ابن القيم ﵀: "أفضل ما اكتسبته النفوس، وحصلته القلوب، ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة، هو العلم والإيمان، ولهذا قرن بينهما سبحانه في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ ١، وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ٢.
وهؤلاء هم خلاصة الوجود ولبه، والمؤهلون للمراتب العالية، ولكن أكثر الناس غالطون في حقيقتهما، حتى إن كل طائفة تظن أن ما معها من العلم والإيمان هو الذي به تنال السعادة، وليس كذلك، بل أكثرهم ليس معهم إيمان ينجى ولا علم يرفع، بل قد سدوا على نفوسهم طرق العلم والإيمان اللذين جاء بهما الرسول ﷺ ودعا إليهما الأمة، وكان عليهما هو وأصحابه من بعده وتابعوهم على منهاجهم وآثارهم ... "٣.
ولو ذهبنا نتتبع المفاهيم الخاطئة، والاعتقادات المنحرفة في كلمتي علم وإيمان لطال المقام ولوقفنا على العجب العجاب، إذ إن كل صاحب هوى وبدعة، وكل صاحب طريقة ونحلة يدعي أن ما عنده هو العلم النافع والإيمان الصحيح، والحق أن الإيمان وراء هذه الدعاوى والتخرصات، وفوق هذه الأباطيل والادعاءات فلا علم ولا إيمان إلا ما جاء به الرسول ﷺ ، وما سوى ذلك فهذيان مزوق وبهتان مبهرج٤
стр. 4
﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ١.
فلما كان أمر الإيمان بهذه المنزلة، وحاله بين أهله على هذا الوصف، صار واجباً على أهل العلم وطلابه أن يبينوا الإيمان الصحيح لذويه وأهله، ويوضحوا الحق المبين لراغبيه وطلابه، حتى يظهر الحق ويرتفع سنامه، وينقمع الباطل وتتهدم أركانه، ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ٢، ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ٣، فتقام الحجة وتتضح المحجة ويستبين السبيل، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٤.
ولما من الله عليّ وأكرمني بالتوجه لطلب العلم الشرعي وسلوك طريقه، ومواصلة التلقي والدراسة في رياض هذه الجامعة المباركة- إن شاء الله- وكان لازماً على كل طالب في مرحلتها العالمية العالية أن يقدم- بحثاً علمياً في مجال تخصصه، رأيت أن يكون بحثي حول بعض مسائل الإيمان المهمة، فوقع اختياري على مسألتين هما من كبار مسائل الإيمان ومن أهم مباحثه ألا وهما مسألتا "زيادة الإيمان ونقصانه "و"حكم الاستثناء فيه"، ويرجع اختياري لهاتين المسألتين دون غيرهما من مسائل الإيمان إلى أسباب عديدة أهمها ما يلي:
стр. 5
أولاً: أنهما من أهم وأكبر مسائل الإيمان، وبخاصة مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، وقد رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية يصفها بأنها مسألة كبيرة تحتاج إلى البسط والإطناب١، وهذا مما يدل على أهميتها وأهمية البحث فيها.
ثانياً: أن هاتين المسألتين لم تفردا ببحوث علمية مستقلة، تستوفي أطرافهما وتجمع شتاتهما، وإن كانتا قد كتب فيهما ضمناً في ثنايا الكتب، وألف فيهما رسائل صغيرة مفردة لكنها لا تفي بالمقصود٢، وهي بالرغم من ذلك في حكم المفقود، وفي هذا أعظم دافع لإفرادهما ببحث مستقل.
ثالثاً: أن للسلف في هذين الموضوعين أقوالاً كثيرة نافعة، وهي متناثرة في بطون الكتب، فمن الجدير حقاً أن تجمع ويعتنى بها وتنسق وتصنف في مكان واحد ليتم الانتفاع بها، وتتسنى الاستفادة التامة منها.
رابعاً: أن هذين الموضوعين متعلقان بأهم مطلب وأعظم غاية وهو الإيمان، الذي فيه عزة الأمة ورفعتها وكمالها وسؤددها،
стр. 6
ومتى ما تخلت عنه وضعف فيها هانت وذلت، وتكالبت عليها الشرور، وأشرفت على المهالك، وتداعى عليها الأعداء من كل جانب، ومن تدبر حال الأمة في هذه الأزمان ورأى ضعفها وهوانها علم ذلك، فلا بد من بيان الإيمان الذي هو سبب العزة وإيضاحه، ولا بد من بيان أسباب زيادته وقوته ونمائه، وأسباب ضعفه ونقصه وزواله، تبصيراً للأمة وتحذيراً.
خامساً: أن المبتدعة أهل الأهواء المخالفين لأهل السنة في مسألتينا كثر، ولهم دلائل مختلفة وشبه متنوعة، يخالفون بها الحق ويثيرون الشكوك حوله، فيجب تعريتها وبيان زيفها، وكشف باطلها، لئلا يلتبس الحق بالباطل، وإن من الصدقات المبرورة والأعمال المقبولة إماطة أنواع الأذى الحسية والمعنوية عن جادة المسلمين وسابلتهم.
لهذه الأسباب ولغيرها فضلت الكتابة حول هاتين المسألتين المهمتين، وإني لأرجو الله الكريم أن يكون ما كتبته وافياً نافعاً محققاً للمنشود.
هذا وقد قسمت بحثي هذا إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة أبواب وخاتمة:
أما المقدمة: فهي هذه وقد بينت فيها أهمية الموضوع وأسباب اختياره وخطة السير فيه.
وأما التمهيد: فجعلت فيه مبحثين:
المبحث الأول: في تعريف الإيمان لغة وشرعاً وأقوال الطوائف فيه.
المبحث الثاني: في تعريف الزيادة والنقصان من حيث اللغة.
стр. 7
وأمّا الباب الأول: فتحدثت فيه عن قول أهل السنة والجماعة إن الإيمان يزيد وينقص.
وهو يتكون من أربعة فصول:
الفصل الأول: في أدلتهم من الكتاب والسنة ونقل بعض أقوالهم.
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: أدلتهم من القرآن الكريم.
المبحث الثاني: أدلتهم من السنة النبوية.
المبحث الثالث: ذكر بعض النقول عنهم في ذلك.
الفصل الثاني: أوجه زيادة الإيمان ونقصانه.
الفصل الثالث: أسباب زيادة الإيمان ونقصانه.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: أسباب زيادة الإيمان.
المبحث الثاني: أسباب نقصان الإيمان.
الفصل الرابع: في الكلام على الإسلام عندهم هل يزيد وينقص.
وأمّا الباب الثاني: فتحدثت فيه عن الأقوال المخالفة لقول أهل السنة والجماعة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه.
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: قول من قال الإيمان يزيد وتوقف في النقصان.
الفصل الثاني: قول من قال الإيمان يزيد ولا ينقص.
стр. 8
الفصل الثالث: قول من قال الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في ذكر القائلين بهذا القول.
المبحث الثاني: في ذكر أدلتهم وشبههم والرد عليهم.
المبحث الثالث: في بيان موقفهم من النصوص الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه.
الفصل الرابع: في سبب الخلاف في هذه المسألة ونشأته وهل هو حقيقي أو لفظي.
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في ذكر سبب نشوء الخلاف في هذه المسألة.
المبحث الثاني: في الكلام على الخلاف في هذه المسألة هل هو عائد إلى الخلاف في تعريف الإيمان أو لا.
المبحث الثالث: في بيان هل الخلاف في هذه المسألة لفظي أو حقيقي.
أما الباب الثالث: فتحدثت فيه عن حكم الاستثناء في الإيمان.
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في بيان مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة.
وفيه أربعة مباحث.
المبحث الأول: بيان قول أهل السنة والجماعة في الاستثناء
стр. 9
ومأخذهم فيه وأدلتهم عليه.
المبحث الثاني: نقل أقوالهم في الاستثناء مع التوفيق بينها.
المبحث الثالث: ما ورد عنهم من تبديع السؤال بـ "أمؤمن أنت".
المبحث الرابع: في حكم الاستثناء في الإسلام.
الفصل الثاني: في بيان قول من قال بوجوب الاستثناء وذكر أدلتهم والرد عليها.
الفصل الثالث: في بيان قول من قال بعدم جواز الاستثناء وذكر أدلتهم والرد عليها.
أما الخاتمة: فقد تحدثت فيها عن خلاصة هذا البحث وأبرز النقاط التي توصلت إليها فيه.
ثم إني في الختام لأشكر الله العلي القدير على توفيقه وامتنانه وجوده وإحسانه حيث يسر لي إتمام هذا البحث، وأسأله سبحانه أن يجعله لوجهه خالصاً ولسنة نبيه ﷺ موافقاً ولعباده نافعاً إنه جواد كريم.
ثم أشكر جميع من أسهم معي في هذا البحث بالرأي والمشورة والنصح والتوجيه. وأخص بالذكر والدي الكريم حفظه الله ورعاه الشيخ عبد المحسن العباد فقد قرأت عليه هذا البحث واستفدت من توجيهاته القيمة وإرشاداته السديدة المفيدة، فجزاه الله عني خير الجزاء ورفع مكانته وأجزل مثوبته وأعلى في الجنة درجته إن ربي لسميع الدعاء.
ثم أشكر شيخي الفاضل الأستاذ على بن ناصر فقيهي على ما بذله لي من نصح وحسن توجيه ورحابة صدر طيلة مدة الإشراف على هذه الرسالة.
стр. 10
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلاة الله وسلامه على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه عبد الرزاق البدر
في ٢٣/٥/١٤١١هـ
стр. 11
تمهيد
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريف الإيمان لغة وشرعاً وأقوال الطوائف فيه.
المبحث الثاني: تعريف الزيادة والنقصان.
стр. 12
المبحث الأول: تعريف الإيمان لغة وشرعاً وأقوال الطوائف فيه
الإيمان لغة: مصدر آمن يؤمن إيماناً فهو مؤمن١، وأصل آمن أأمن بهمزتين لينت الثانية٢، وهو من الأمن ضد الخوف٣.
قال الراغب: "أصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف "٤.
وقال شيخ الإسلام: ".. فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والإنقياد٥.
وقد عرف الإيمان في اللغة بعدة تعريفات: فقيل هو التصديق، وقيل هو الثقة، وقيل هو الطمأنينة، وقيل هو الإقرار.
وقد اختار شيخ الإسلام في تعريف الإيمان اللغوي أنه بمعنى الإقرار، لأنه رأى لفظة أقر أصدق في الدلالة على معنى الإيمان من غيرها من الألفاظ التي فسر بها الإيمان، لأمور وأسباب ذكرها ﵀
стр. 13
يأتي الإشارة لبعضها. ثم إنه ناقش باستفاضة وافية وبتحقيق متين قول من ادعى أن الإيمان مرادف للتصديق، وذكر فروقاً بين التصديق والإيمان تمنع دعوى الترادف بينهما، ثم خلص من ذلك إلى أن أولى تفسير لغوي للإيمان هو الإقرار.
ويمكن أن نجمل الأمور التي ذكرها شيخ الإسلام في- دفع دعوى الترادف بين الإيمان والتصديق في النقاط التالية:
ا- أن لفظة آمن تختلف عن لفظة صدق من جهة التعدي، حيث إن آمن لا تتعدى إلا بحرف إما الباء أو اللام كما في قوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ ١، وقوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
فيقال آمن به وآمن له، ولا يقال آمنه، بخلاف لفظة صدق فانه يصح تعديتها بنفسها فيقال صدقه.
٢- أنه ليس بينهما ترادف في المعنى، فإن الإيمان لا يستخدم إلا في الأمور التي يؤتمن فيها المخبر مثل الأمور الغيبية، لأنه مشتق من الأمن، أما الأمور المشاهدة المحسوسة فهذه لا يصلح أن يقال فيها آمن وإنما يقال صدق، لأن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة صدقت كما يقال كذبت، أما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن غائب.
٣- أن لفظة إيمان في اللغة لا تقابل بالتكذيب، فإذا لم يصدق المخبر في خبره يقال كذبت، وإذا صدق يقال صدقت فيقال:
стр. 14
صدقناه: أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر آمنا له أو كذبناه، ولا يقال أنت مؤمن له أو مكذب له، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، يقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق لكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك، لكان كفره أعظم، فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط، علم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط.
٤- أن الإيمان في اللغة مشتق من الأمن الذي هو ضد الخوف، فآمن أي صار داخلاً في الأمن، فهو متضمن مع التصديق معنى الائتمان والأمانة كما يدل عليه الاستعمال والاشتقاق، ولهذا قال إخوة يوسف لأبيهم ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ أي لا تقر بخبرنا ولا تثق به ولا تطمئن إليه ولو كنا صادقين، لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك، فلو صدقوا لم يأمن لهم. أما التصديق فلا يتضمن شيئاً من ذلك.
فهذه الأمور تدفع دعوى الترادف بين الإيمان والتصديق، كما يظنه طائفة من الناس، وبناء عليها فالإيمان ليس هو التصديق فحسب، وإنما هو تصديق وأمن أو تصديق وطمأنينة، وهو متضمن للالتزام بالمؤمن به سواء كان خبراً أو إنشاء، بخلاف لفظ التصديق المجرد، فمن أخبر غيره بخبر لا يتضمن طمأنينة إلى المخبر لا يقال فيه آمن له بخلاف الخبر الذي يتضمن طمأنينة إلى المخبر، والمخبر قد يتضمن خبره طاعة المستمع له وقد لا يتضمن إلا مجرد الطمأنينة إلى صدقه، فإذا تضمن طاعة المستمع لم يكن مؤمناً للمخبر إلا بالتزام طاعته مع تصديقه، فإن صدقه دون التزام بطاعته، فهذا يسمى تصديقاَ ولا يسمى
стр. 15
إيماناً١.
ولهذا فإن اللفظ المطابق لآمن من جهة اللغة هو لفظ أقر، لتوافقه مع لفظ آمن في الأمور المتقدمة، فإن الإيمان مأخوذ من الأمن الذي هو الطمأنينة كما أن لفظ الإقرار مأخوذ من يقر، وهو قريب من آمن يؤمن، لكن الصادق يطمئن إلى خبره والكاذب بخلاف ذلك كما يقال الصدق طمأنينة، والكذب ريبة، فالمؤمن دخل في الأمن كما أن المقر دخل في الإقرار، ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام ثم إنه يكون على وجهين:
أحدهما: الإخبار، وهو من هذا الوجه كلفظ التصديق والشهادة ونحوهما، وهذا الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار.
والثاني: إنشاء الالتزام كما في قوله تعالى: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٢ وليس هو هنا بمعنى الخبر المجرد فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ فهذا الالتزام للإيمان والنصر للرسول وكذلك لفظ الإيمان فيه إخبارٌ وإنشاءٌ والتزامٌ بخلاف لفظ التصديق المجرد٣.
ولذا فالإيمان لغة هو الإقرار، لأن التصديق إنما يطابق الخبر فقط، وأما الإقرار فيطابق الخبر والأمر ولأن قر وآمن متقاربان، فالإيمان دخول
стр. 16
في الأمن، والإقرار دخول في القرار١.
لهذه الأسباب ولغيرها رأى شيخ الإسلام ﵀ أن أصلح تعريف للإيمان من جهة اللغة هو الإقرار.
قال ﵀: "ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق وعمل القلب الذي هو الانقياد) ٢.
وقال ﵀: " ... فكان تفسيره بلفظ الإقرار أقرب من تفسيره بلفظ التصديق، مع أن بينهما فرقاً"٣.
فالمختار إذا أن لفظة آمن لغة بمعنى أقر، والإيمان لغة هو الإقرار
القلبي، وهذا الإقرار مشتمل على أمرين:
١- اعتقاد القلب وهو تصديقه بالأخبار.
٢- عمل القلب وهو إذعانه وانقياده للأوامر.
هذا من جهة اللغة.
أما شرعاً: فهو عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض بيانه لعقيدة أهل السنة والجماعة وأصولهم التي اتفقوا عليها:
"ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان،- وعمل القلب واللسان والجوارح٤.
стр. 17
فهذه خمسة أمور اشتمل عليها مسمى الإيمان عند أهل السنة والجماعة: قول القلب، وعمله، وقول اللسان، وعمله، وعمل الجوارح. والأدلة على دخول هذه الأمور في مسمى الإيمان كثيرة وفيرة وفيما يلي ذكر بعضها:
أولاً: قول القلب، وهو تصديقه وإيقانه، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ ٣ وقال تعالى في المرتابين الشاكين ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ٤.
وفي حديث الشفاعة "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن شعيرة"٥، وغير ذلك من الأدلة.
ثانياً: قول اللسان وهو النطق بالشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والإقرار بلوازمهما، قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى
стр. 18
وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٥، وقال ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأنى رسول الله.. "٦ وما في معنى هذا من النصوص.
ثالثاً: عمل القلب، وهو النية والإخلاص والمحبة والإنقياد والإقبال على الله والتوكل عليه ولوازم ذلك وتوابعه، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ٧ وقال: ﴿مَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ ٨، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٩،
стр. 19
وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ ١، وغير ذلك من النصوص الدالة على وجوب التوكل والخوف والرجاء والخشية والخضوع والإنابة وغير ذلك من أعمال القلوب، وهي كثيرة جداً في الكتاب والسنة.
رابعاً: عمل اللسان، وهو العمل الذي لا يؤدى إلا به كتلاوة القرآن وسائر الأذكار من التسبيح والتحميد والتكبير والدعاء والاستغفار وغير ذلك من الأعمال التي تؤدى باللسان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ ٢، وقال: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ ٣، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ ٤. وقال: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥. وغير ذلك من نصوص الشرع الدالة على أعمال اللسان والطاعات التي تؤدى به.
خامساً: عمل الجوارح، وهو العمل الذي لا يؤدى إلا بها مثل القيام والركوع والسجود والمشي في مرضاة الله كنقل الخطا إلى المساجد وإلى الحج والجهاد في سبيل الله، وغير ذلك من الأعمال التي تؤدى بالجوارح، قال الله
стр. 20
تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً* وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ ٣، والنصوص في هذا كثيرة جداً٤.
قال محمد بن حسين الآجري في باب "القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمناً إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث "قال: "اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح.
ثم اعلموا أنه لا تجزىء المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقاً، ولا تجزىء معرفة القلب ونطق اللسان حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمناً، دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين.."٥.
ثم ساق من النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، والآثار السلفية ما يدل على ذلك ويؤيده.
стр. 21
هذا هو تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة، أما الطوائف الأخرى فيمكن تقسيم قولهم في الإيمان إلى قسمين: قسم يدخلون العمل في الإيمان ويجعلونه شرطاً في صحة الإيمان، وقسم يخرجون العمل من الإيمان وهم أقسام ويجمعهم وصف الإرجاء.
أما أهل القسم الأول فهم الخوارج والمعتزلة، يقولون: إن الإيمان قول واعتقاد وعمل، لكن الإيمان عندهم كل واحد لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله فمن أخل بالأعمال ذهب إيمانه باتفاق الطائفتين، وهو كافر عند الخوارج وفي منزلة بين المنزلتين عند المعتزلة١.
وفساد هذا القول ظاهر، فإن نصوص الكتاب والسنة الدالة على تبعض الإيمان وتفاضله وزيادته ونقصانه كثيرة جداً، وسيأتي بسطها إن شاء الله في هذا البحث.
وأما أهل القسم الثاني وهم المرجئة، فهؤلاء ثلاثة أصناف:
١- صنف يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب وهم أكثر المرجئة، ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم ومن اتبعه.
٢- وصنف يقولون: هو مجرد قول اللسان وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية.
٣- وصنف يقولون: هو تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم ٢.
стр. 22
وأخبث هذه الأقوال وأكثرها فساداً قول جهم ومن اتبعه أن الإيمان مجرد المعرفة القلبية فإن لازم هذا القول أن يكون إبليس وفرعون وغيرهما من رءوس الضلال مؤمنين كاملي الإيمان، ثم يليه في الفساد قول الكرامية أن الإيمان هو قول اللسان فقط، ويلي هذا القول قول مرجئة الفقهاء أن الإيمان اعتقاد في القلب وقول باللسان.
وجميع هذه الأقوال مباينة للحق مخالفة للصواب الوارد في الكتاب والسنة، والمنقول عن سلف الأمة في تعريف الإيمان وأنه شامل للأقوال والاعتقادات والأعمال، وقد ذكرت من أدلتهم على ذلك آنفاً ما يكفي في بيان المقصود ويفي ببيان المنشود، فإذا علم أن قولهم هو الحق الذي لا ريب فيه يعلم أن قول غيرهم هو الباطل الذي لا ريب فيه، وبطلانه وفساده يكون بحسب بعده عن الحق الوارد في الكتاب والسنة.
ثم ليعلم في ختام هذا القول المقتضب في أقوال الناس في تعريف الإيمان أن الخطأ في اسم الإيمان ليس كالخطأ في اسم محدث ولا كالخطأ في غيره من الأسماء، لأن أحكام الدنيا والآخرة متعلقة باسم الإيمان والإسلام والكفر والنفاق١، وهذا يؤكد وجوب فهم الإيمان فهماً صحيحاً مستمداًً من الكتاب والسنة دون إفراط أو تفريط، وقد أثبت فيما سبق أنه لا صواب في ذلك غير قول أهل السنة والجماعة، وبالله التوفيق.
стр. 23
المبحث الثاني: تعريف الزيادة والنقصان
قبل الشروع في ذكر ما يتعلق بزيادة الإيمان ونقصانه من أقوال وأدلة يحسن أن أعرف بمعناهما من حيث اللغة، فأقول:
الزيادة: هي مصدر زاد يزيد زيداً وزيادة، فازداد.
يقولون: زدته أزيده زيداً وزيادة، فازداد.
وهو أصل يدل على: الفضل، وقيل: النمو وهو الزيادة على الشيء من جنسه، أي أن ينضم إلى ما عليه الشيء في نفسه شيء آخر، وهي نوعان:
زيادة محمودة: كزيادة العلم والإيمان والصحة ومنه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ١، وقوله: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ ٢ أي أعطاه من العلم والجسم قدراً زائداً على ما أعطى أهل زمانه.
وزيادة مذمومة: كالزيادة على الكفاية، كالزائد على الكفاية كزائد الأصابع، والزوائد في قوائم الدابة، وزيادة الكبد، ومن هذا النوع قول الله تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ ٣، وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ
стр. 24
مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ ١، فهذه زيادة فيما لا خير فيه فهي مذمومة٢.
النقصان: هو مصدر نقص ينقص نقصاً ونقصاناً، والنون والقاف والصاد كلمة واحدة يراد بها خلاف الزيادة، أو الخسران في الحظ.
والنقصان يكون مصدراً، ويكون قدر الشيء الذاهب من المنقوص، وهو اسم له.
فتقول: نقصان الشيء، كذا، أي: قدر الذاهب منه.
مما جاء في التنزيل من هذه المادة، قوله تعالى: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَاْلأَنْفُسِ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ ٤، أي: وافياً كاملاً٥.
التفاضل: سترد هذه الكلمة كثيراً في هذا البحث فمن المناسب تعريفها هنا فالتفاضل: هو مصدر: فضل يفضل فضلاً، والفاء والضاد
стр. 25
والنون أصل صحيح يدل على زيادة في شيء وهو ضد النقص.
وهو ضربان: محمود كفضل العلم والحلم، ومذموم كفضل الغضب على ما يجب أن يكون عليه، والفضل في المحمود أكثر استعمالاً، والفضول في المذموم.
وتفاضل: اسم مفاعلة من فضل، ومعناه حصول الشيء وتزايده تدريجاً١.
стр. 26
الباب الأول: في قول أهل السنة والجماعة إن الإيمان يزيد وينقص
الفصل الأول: أدلتهم من الكتاب والسنة على زيادة الإيمان ونقصانه ونقل بعض أقوالهم في ذلك
المبحث الأول: أدلة زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب
...
المبحث الأول أدلة زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب
لقد جاء في كتاب الله نصوص كثيرة تدل على زيادة الإيمان ونقصانه وأن أهله متفاضلون فيه بعضهم أكمل إيماناً من بعفر، منهم السابق بالخيرات، ومنهم المقتصد، ومنهم الظالم لنفسه، منهم المحسن، ومنهم المؤمن، ومنهم المسلم، ليسوا في الدين سواء في مرتبة واحدة، بل فضل الله بعضهم على بعض ورفع بعضهم فوق بعض درجات.
وقبل الشروع في ذكر هذه الأدلة القرآنية الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه أودّ التنبيه على نقطة هامة، وهي:
أن كل دليل دلّ على زيادة الإيمان فهو يدل على نقصانه، وكذا العكس، فما دل على نقصان الإيمان فهو يدل على زيادته، فالآيات التي أوردها هنا وظاهرها الدلالة على زيادة الإيمان فقط، فهي تدل على نقص الإيمان باللزوم، وذلك لأن الزيادة تستلزم النقص، ولأن ما جاز عليه الزيادة جاز عليه النقص، ولأن الزيادة لا تكون إلا عن نقص.
ولهذا فإنا نجد أهل العلم كثيراً ما يستشهدون بأدلة زيادة الإيمان على نقصانه وكذا العكس للأسباب المتقدمة، وتأمل- مثالاً على ذلك- صنيع البخاري في صحيحه فقد أورد بعض الآيات المصرحة بزيادة الإيمان في باب زيادة الإيمان ونقصانه مستدلاً بها على الزيادة والنقصان معاً.
стр. 27
قال ابن حجر في شرحه لهذا الباب:".. ثم شرع المصنف يستدل لذلك بآيات من القرآن مصرحة بالزيادة، وبثبوتها يثبت المقابل، فإن كل قابل للزيادة قابل للنقصان ضرورة"١.
وقال في موضع آخر مبيناً أن الزيادة مستلزمة للنقص"والاستدلال بهما- أي: الآيتين في الباب- نص في الزيادة وهو يستلزم النقص٢.
وقال الكرماني مجيباً على ما قد يستشكل من: استدلال البخاري بالآيات على الزيادة والنقصان معاً مع أنها نص في الزيادة فقط:".. فإن قلت: هذه الآيات دلّت على الزيادة فقط، والمقصود بيان الزيادة والنقصان كليهما، قلت: كل ما قبل الزيادة لا بد وأن يكون قابلاً للنقصان ضرورة"٣.
أما النقول عن أهل العلم في هذا فكثيرة.
قال الإمام أحمد ﵀:"إن كان قبل زيادته- أي الإيمان- تاماً فكما يزيد كذا ينقص"٤.
وقال أبو محمد بن حزم في فِصَله: (فإذ قد وضح وجود الزيادة في الإيمان ... فبالضرورة ندري أن الزيادة تقتضي النقص ضرورة ولا بد، لأن معنى الزيادة إنما هي عدد مضاف إلى عدد، وإذا كان ذلك فذلك العدد المضاف إليه هو بيقين ناقص عند عدم الزيادة
стр. 28
فيه.."١.
وقال ابن بطال في شرحه لبعض الآيات الدالة على زيادة الإيمان نصاً:
"فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص"٢.
وقال البيهقي بعد أن ذكر جملة من الآيات المصرحة بزيادة الإيمان:"فثبت بهذه الآيات أن الإيمان قابل للزيادة، وإذا كان قابلاً للزيادة فعدمت الزيادة كان عدمها نقصاناً"٣.
وقال:"وإذا قبل الزيادة قبل النقص"٤.
وقال أبو الفضل التميمي٥ في رسالته التي أملاها في ذكر معتقد الإمام أحمد٦. وإن كان قد غلط في مواضع منها فيما نسبه للإمام. قال:" ... وما جاز عليه الزيادة جاز عليه النقص"٧.
وقال البغدادي بعد أن ذكر الآيات المصرحة بزيادة الإيمان:".. ففي هذه الآيات الست تصريح بأن الإيمان يزيد، وإذا صحت الزيادة
стр. 29
فيه كان الذي زاد إيمانه قبل الازدياد أنقص إيماناً منه في حال الازدياد"١.
ومن علماء عصرنا يقول العلامة الشيخ محمد العثيمين حفظه الله:
"وكل نص يدل على زيادة الإيمان فإنه يتضمن الدلالة على نقصه وبالعكس، لأن الزيادة والنقص متلازمان لا يعقل أحدهما بدون الآخر"٢.
وبهذا يعلم أن كل دليل أورده هنا وهو نص في زيادة الإيمان، يعد دليلاً على الزيادة والنقصان معاً لزوماً وكذا العكس وبالله التوفيق.
وفيما يلي أسوق بعض ما جاء في كتاب الله من أدلة على زيادة الإيمان ونقصانه مع بيانها، وبيان وجه دلالتها على المقصود، وهي على أنواع:
أولاً- آيات فيها التصريح بزيادة الإيمان:
جاء في كتاب الله في ستة مواضع منه، التصريح بزيادة الإيمان، وذلك في قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٣، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ
стр. 30
يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ١، وقوله: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ ٢، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ ٣، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ ٤.
فهذه ستة مواضع من كتاب الله صرح فيها سبحانه بزيادة الإيمان، وهذا من أوضح الأدلة وأظهرها على زيادة الإيمان، بل لا أدل منه على ذلك.
وقد استدل بهذه الآيات على زيادة الإيمان ونقصانه علماء المسلمين من أهل السنة والجماعة.
قيل لسفيان بن عيينة الإيمان يزيد وينقص قال: أليس تقرأون: ﴿فزادهم إيماناً﴾ ٥، ﴿وزدناهم هدى﴾ ٦ في غير موضع، قيل: فينقص؟ قال: ليس شيء يزيد إلا وهو ينقص٧.
وعقد البخاري في صحيحه باباً في زيادة الإيمان ونقصانه أورد فيه
стр. 31
بعض هذه الآيات١.
قال ابن بطال عند شرحها:"مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والحجة على زيادته ونقصانه ما أورده البخاري من الآيات أي المصرحة بزيادة الإيمان ثم قال: فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص"٢.
وقال ابن كثير عند تفسير للآية الثانية من سورة الأنفال:".. وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب كما هو مذهب جمهور الأمة، بل قد حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد كما بينا ذلك مستقصى في أول شرح البخاري"٣.
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً ... ﴾ ٤"وهذه الآية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص كما هو مذهب أكثر السلف والخلف من أئمة العلماء"٥.
وممن استدل بهذه الآيات من أهل العلم الآجري في الشريعة حيث عقد باباً في ذكر ما دل على زيادة الإيمان ونقصانه أورد فيه جملة من الأحاديث والآثار الدالة على ذلك ثم قال:"كل هذه الآثار تدل على
стр. 32
زيادة الإيمان ونقصه، وسنذكر من القرآن ما يدل على ما قلنا.، وهذا طريق من أراد الله الكريم به خيراً ... فذكر جملة من هذه الآيات ثم قال: وهذا في القرآن كثير"١.
وعقد اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة باباً في سياق ما جاء في القرآن والسنة من أدلة على زيادة الإيمان ونقصانه أورد فيه جملة من هذه الآيات٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"والزيادة قد نطق بها القرآن في عدة آيات، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ ٣، وهذه زيادة إذا تُليت عليهم الآيات أي: وقت تُليت ليس هو تصديقهم بها عند النزول، وهذا أمر يجده المؤمن إذا تليت عليه الآيات زاد في قلبه بفهم القرآن ومعرفة معانيه من علم الإيمان ما لم يكن، حتى كأنه لم يسمع الآية إلا حينئذ، ويحصل في قلبه من الركبة في الخير والرهبة من الشر ما لم يكن، فزاد علمه بالله ومحبته لطاعته، وهذه زيادة الإيمان، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٤، فهذه الزيادة عند تخويفهم بالعدو لم تكن عند آية نزلت فازدادوا يقيناً وتوكلاً على الله، وثباتاً على الجهاد وتوحيداً بألا يخافوا المخلوق، بل يخافون الخالق وحده، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً
стр. 33
وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ* وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ ١، وهذه الزيادة ليس مجرد التصديق بأن الله أنزلها بل زادتهم إيماناً بحسب مقتضاها، فإن كانت أمراً بالجهاد أو غيره ازدادوا رغبة، وإن كانت نهيا عن شيء انتهوا عنه فكرهوه، ولهذا قال: ﴿وهم يستبشرون﴾ والاستبشار غير مجرد التصديق ... وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ٢، وهذه نزلت لما رجع النبي ﷺ وأصحابه من الحديبية فجعل السكينة موجبة لزيادة الإيمان، والسكينة طمأنينة في القلب غير علم القلب وتصديقه.."٣.
وقال ابن سعدى عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ ٤، وفي هذا دليل على زيادة الإيمان ونقصه كما قاله السلف الصالح ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ ٥، ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ ٦، ويدل عليه أيضاً الواقع فإن الإيمان قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح، والمؤمنون متفاوتون في هذه الأمور أعظم تفاوت"٧.
وقال الألوسي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ ،"وهذا
стр. 34
أحد أدلة من ذهب إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وهو مذهب الجم الغفير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين وبه أقول، لكثرة الظواهر الدالة على ذلك من الكتاب والسنة من غير معارض لها عقلاً، بل قد احتج عليه بعضهم بالعقل أيضاً، وذلك أنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمكين في الفسق والمعاصي مساوياً لإيمان الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام واللازم باطل فكذا الملزوم"١.
ثانياً- آيات فيها التصريح بزيادة الهدى:
والهدى من الإيمان وقد جاء ذلك في القرآن في ثلاثة مواضع، وهي:
قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً﴾ ٢. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ٣، وقوله في أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ ٤.
فهذه الآيات فيها تصريح الحق سبحانه بزيادة الهدى، والهدى من الإيمان كما دل على ذلك كتاب الله في نحو قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ٥، وقوله: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ ٦، وقوله: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح
стр. 35
صدره للإسلام﴾ ١ وغيرها من الآيات.
فإخبار الله سبحانه بزيادة الهدى دليل على زيادة الإيمان، ولهذا استدل أهل العلم بهذه الآيات على زيادة الإيمان ونقصانه. كما قال ابن كثير ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ ٢:"واستدل بهذه الآية وأمثالها غير واحد من الأئمة كالبخاري وغيره ممن ذهب إلى زيادة الإيمان وتفاضله وأنه يزيد وينقص"٣.
وهذه الآيات الدالة على زيادة الهدى هي نظير الآيات المتقدمة الدالة على زيادة الإيمان، قال ابن جرير الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ ٤:"يقول تعالى ذكره: ويزيد الله من سلك قصد المحجة واهتدى لسبيل الرشد، فآمن بربه، وصدق بآياته، فعمل بما أمره به، وانتهى عما نهاه عنه، هدي بما يتجدد له من الإيمان بالفرائض التي يفرضها عليه، ويقر بلزوم فرضها إياه ويعمل بها، فذلك زيادة من الله في اهتدائه بآياته هدى على هداه، وذلك نظير قوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ٥"٦.
ثالثاً- إخباره سبحانه بزيادة الخشوع:
وذلك في موضع واحد من كتابه، وهو قوله تعالى في وصف الذين
стр. 36
أوتوا العلم من أهل الكتاب: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ ١.
فإخبار سبحانه بزيادة الخشوع دليل على زيادة الإيمان، لأن الخشوع من الإيمان كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ٢، وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ ٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أأعمال القلوب مثل محبة الله ورسوله، وخشية الله تعالى ورجاؤه، ونحو ذلك، هي كلها من الإيمان، كما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفاق السلف، وهذا يتفاضل الناس فيه تفاضلاً عظيماً"٤.
قال ابن جرير في بيان معنى ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ ٥"أي: ويزيدهم ما في القرآن من المواعظ والعبر خشوعاً، يعني خضوعاً لأمر الله وطاعته، واستكانة له"٦.
وقال ابن كثير:"أي: إيماناً وتسليماً كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ " ٧.
стр. 37
رابعاً- إخباره سبحانه بتفضيله بعض المؤمنين على بعض:
كما في قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ ١، وقوله: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٤، ونحوها من الآيات.
فهذه من أوضح الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهله فيه فبعضهم أقوى إيماناً من بعض، وتفضيل الله لهم وتمييزه بينهم إنما هو بإيمانهم وطاعتهم له لا بحسن صورهم أو كثرة أموالهم أو غير ذلك مما قد يكون معياراً للتفضيل عند الناس.
قال ابن بطة ﵀ في إبانته بعد أن ذكر بعض هذه الآيات: (فقد علم أهل العلم والعقل أن السابق أفضل من المسبوق والتابع دون
стр. 38
المتبوع، وأن الله لم يفضل الناس بعضهم على بعض برشاقة الأجسام ولا بصباحة الوجه، ولا بحسن الزي وكثرة الأموال، ولو كانوا بذلك متفاضلين لما كانوا به عنده ممدوحين، لأن ذلك ليس هو بهم ولا من فعلهم فعلمنا أن العلو في الدرجات والتفاضل في المنازل إنما هو بفضل الإيمان وقوة اليقين والمسابقة إليه بالأعمال الزاكية والنيات الصادقة من القلوب الطاهرة.. فهذا وأشباهه في كتاب الله يدل على زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل المؤمنين بعضهم على بعض وعلوهم في الدرجات.. ولو كان الإيمان كله واحداً لا نقصان له ولا زيادة لم يكن لأحد على أحد فضل"١.
ثم قال ﵀:"وبذلك فضل الله أوائل هذه الأمة على أواخرها ولو لم يكن للسابقين بالإيمان فضل على المسبوقين للحق آخر هذه الأمة أولها في الفضل ولتقدمهم، إذ لم يكن لمن سبق إلى الله فضل على من أبطأ عنه، ولكن بدرجات الإيمان قدم السابقون، وبالإبطاء عن الإيمان أخّر المقصرون.. إلى أن قال: ألا ترى يا أخي رحمك الله كيف ندب الله المؤمنين إلى الاستباق إليه فقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٢ الآية وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ ٣ الآية، فبدأ بالمهاجرين الأولين على درجاتهم في السبق ثم ثنى بالأنصار على سبقهم ثم ثلث بالتابعين لهم بإحسان فوضع كل قوم على درجاتهم ومنازلهم عنده.. إلى أن قال: فهذه درجات الإيمان ومنازله تفاضل الناس بها عند الله واستبقوا إليه بالطاعة بها فالإيمان هو الطاعة، وبذلك فضل الله
стр. 39
المهاجرين والأنصار، لأنهم أطاعوا الله ورسوله.. إلى أن قال: فالإيمان يا أخي -رحمك الله- هو القول والعمل هو الطاعة، والقول تبع للطاعة والعمل، والناس يتفاضلون فيه على حسب مقادير عقولهم ومعرفتهم بربهم وشدة اجتهادهم في السبق بالأعمال الصالحة إليه"١.
وقال أبو عبد الله محمد بن أبي زمنين:"ومن قول أهل السنة أن الإيمان درجات ومنازل يتم ويزيد وينقص، ولولا ذلك استوى الناس فيه ولم يكن للسابق فضل على المسبوق، وبرحمة الله وبتمام الإيمان يدخل المؤمنون الجنة، وبالزيادة يتفاضلون في الدرجات: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ ٢، ومثل هذا في القرآن كثير"٣.
والآيات المتقدمة في صدر هذا النوع دلّت بمنطوقها على تفاضل أهل الإيمان فيه، وليس فيها تصريح بزيادة الإيمان ونقصانه فوجه دلالة الآيات على زيادة الإيمان ونقصانه يؤخذ من مفهوم الآيات دون منطوقها إذ إن فيها إخباراً بتفاضل أهل الإيمان فيه، وقد سبق بيان أن تفاضلهم إنما يكون بالإيمان دون غيره، فيفهم من هذا أن الإيمان بزيد وينقص، فمن زاده الله إيماناً أفضل ممن هو دونه في الإيمان، فالتفاضل بينهم في الإيمان حصل لكون إيمانهم يزيد وينقص والله أعلم.
قال ابن عبد البر: (الإيمان مراتب بعضها فوق بعض، فليس الناقص فيه كالكامل) ٤.
стр. 40
خامساً- إخباره سبحانه بتفاضل درجات المؤمنين في الجنة:
فهذا مما يدل على زيادة الإيمان، فتفاضلهم في درجات الجنة سببه تفاضلهم في الإيمان، فمن كان إيمانه أشد وأقوى كان أعلى درجة وأرفع من غيره، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ١، وقال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ ٢، وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ٣، وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ٤ وذكر بعض أوصافهما، ثم قال: ﴿َمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ ٥، وذكر بعض أوصافهما، وذكر سبحانه نحو هذا في سورة الواقعة، وجاء في السنة نحو هذا كثير، فهذا وأشباهه من أعظم الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه، وقد ميز الله بين درجات الجنة، وجعلها درجات بعضها أرفع من بعض، لأن المؤمنين ليسوا سواء في إيمانهم بالله، بل بعضهم أعظم وأشد وأقوى إيماناً من بعض، قال ابن حبان ﵀:"فمن أتى بالإقرار الذي هو أعلى شعب الإيمان، ولم يدرك العمل ثم مات أدخل الجنة، ومن أتى بعد الإقرار من الأعمال قل أو كثر أدخل الجنة، جنة فوق تلك الجنة، لأن من كثر عمله علت درجاته وارتفعت، لا أن الكل من المسلمين يدخلون جنة واحدة، وإن تفاوتت أعمالهم وتباينت، لأنها