← Язык

Язык · id 11235

فقه اللغة وسر العربية

أبو منصور الثعالبي

Полный текст (264 стр.). Показаны 246–264 · переход к 251.

стр. 246

فشبه الدمع بالدُّر والعين بالنرجس والخدّ بالورد والأنامل بالعنَّاب من غير أن يذكر الدّمع والعين والخدّ والأنامل ومن غير أن استعان بأداة من أدوات التشبيه وهي: كأنّ وكاف التشبيه وحَسِبتُهُ كذا وفلان حسن ولا القمر وجوادٌ ولا المطر. وقد زاد أبو الفرج الوَأوَاءُ على أبي نواس فخمَّس ما ربَّعَهُ بقوله: [من البسيط] وأمطَرَتْ لُؤلُأً من نَرْجِسٍ وسَقَتْ ... وَرْداً وعَضَّتْ على العُنَّابِ بالبرَدِ. والزِّيادة في تشبيه الثَّغر بالبرَد. ومن هذا الباب: قول أبي الطّيب المتنبي: [من الوافر] بدَت قَمراً ومالَتْ خُوطَ بان ... وفاحَتْ عَنْبَراً ورَنَتْ غَزالا. وقول أبي القاسم الزّاهي: [من الطويل] سَفَرْنَ بُدوراً وانْتَقَبْنَ أهِلَّةً ... ومِسْنَ غُصوناً والتَفَتْنَ جَآذِرا. وقول أبي الحسن الجوهري الجُرجاني في الشَّراب: [من الطويل] إذا فُضَّ عنه الخَتمُ فاحَ بَنَفْسَجاً ... وأشْرَقَ مِصباحاً ونَوَّرَ عُصْفُرا. وقول مؤلف الكتاب: [من الوافر] رَنا ظَبياً وغَنَّى عَنْدَليبا ... ولاحَ شَقائقاً ومَشى قَضيبا. وقوله أيضاً: [من المتقارب] وفيك لنا فِتَنٌ أرْبَعٌ ... تَسُلُّ علينا سُيوفَ الخَوارِجِ. لِحاظُ الظِّباءِ وطَوقُ الحَمام ... ومَشيُ القِباجِ١ وزَيُّ التَّدارِجِ٢. ومن هذا الباب قول ابن سكّرة: [من الكامل] الخَدُّ ورْدٌ والصَّدغ عاليةٌ ... والرِّيقُ خَمْرٌ والثَّغْرُ من بَرَدِ. وقول القاضي عبد العزيز في المدح: [من الطويل] لِحاظُكِ أقْدارٌ وكَفُّكِ مُزْنَةٌ ... وعَزْمُكِ صمصام وربعك غيل٣. الفصل الرابع والستون: في إقامة العم مقام الأب والخالة مكان الأم . قال الله تعالى حكاية عن بني يعقوب: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ

стр. 247

لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ١ وإسماعيل عم يعقوب فجعله أبا. وقال في قصة يوسف: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٢ يعني أباه وخالته وكانت أمه قد ماتت فجعل الخالة أما. الفصل الخامس والستون: في تقارب اللفظين واختلاف المعنيين . حرِجَ فلان: إذا وقع في الحَرَج وتَحَرَّج: إذا تباعد عن الحَرَج. وكذلك أثِمَ وتَأَثَّمَ. وَهَجَدَ: إذا نام وتّهَجَّدَ: إذا سَهِرَ. وفَزِعَ فلان: إذا أتاه الفَزَع وفُزِّعَ عنه إذا نُحِّي عنه الفَزَع وفي كتاب الله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ ٣ أي أُخرِجَ الفَزَعُ عنها. ويقال: امرأةٌ نَذُور أي مُتصوِّنة عن الأقذار واللفظ يشبه ضدّ ذلك. الفصل السادس والستون: في وقوع فعل واحد على عدة معان . من ذلك قولهم: قَضى بمعنى حَتَمَ كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ ٤ وقَضى بمعنى آمرَ كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ٥ أي أمر ويكون قضى بمعنى صنع كقوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ ٦ أي فاصْنَع ما أنت صانع. ويكون قضى بمعنى حَكَمَ كما يقال للحاكم قاض. وقضى بمعنى أعلم كقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ ٧ أي أعلمناهم. ويقال للميت: قضى إذا فَرِغَ من الحياة. وقضاء الحاجة معروف ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ ٨. ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٩ أي الصلاة المعروفة. وقوله : ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ ١٠ أي ادعُ لهم. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ

стр. 248

عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ١ فالصلاة من الرحمة ومن الملائكة الاستغفار ومن المؤمنين الثَّناء والدُّعاء والصلاة: الدِّين من قوله تعالى في قصة شعيب٢: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ ٣ أي دينك. والصلاة: كنائس اليهود وفي القرآن: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ ٤. الفصل السابع والستون: في كلمة واحدة من الألفاظ تختلف معانيها باختلاف مصدرها وليس للعرب كلمة مثلها . هي قولهم: وَجَدَ كَلِمَةً مُبْهَمَةً فإذا صُرِّفَت قيل في ضد العدم: وُجوداً وفي المال: وُجْداً وفي الغَضَبِ: مَوْجِدَة وفي الضَّالَةِ: وِجْداناً وفي الحزن: وجدا. الفصل الثامن والستون في وقوع اسم واحد على أشياء مختلفة . من ذلك: عين الشمس وعين الماء ويقال لكل واحد منهما: العين. والعين: النَّقد من الدّراهم. والعين: الدَّنانير. والعين: السَّحابة من قِبَل القبلة. والعين: مطر أيَّام لا يُقلع. والعين: الدَّيدَبان والجاسوس والرَّقيب وكلهم قريب من قريب. ويقال في الميزان: عين إذا رجحت إحدى كفتيه على الأخرى. والعين: عين الرَّكيَّة. وعين الشيء: نفسه. وعين الشيء: خياره. والعين: الباصِرة. والعين: مصدر عانه عَينا. ومن ذلك الخال: أخو الأم ونوع من البرود والاختيال والغيم وواحد الخيلان. ومن ذلك الحميم يقع على الماء الحارِّ والقرآن ناطق به٥. قال أبو عمرو: والحميم: الماء البارد وأنشد: [من الوافر] فساغَ ليَ الشَّرابُ وكُنتُ قَبْلاً ... أكادُ أغَصُّ بالماء الحميم. الحميم: الخاصُّ يقال: دُعينا في الحامَّة لا في العامَّةِ. والحميم: العَرق. والحميم: الخيارُ من الإبل ويقال: جاء المُصَدِّقُ فأخَذ حَميمها أي خيارها. ومن ذلك المولى

стр. 249

هو السيد والمُعْتِق والمُعْتَقْ وابن العم والصِّهر والجار والحليف. ومن ذلك العدل هو الفدية من قوله تعالى: ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا﴾ ١ أي فدية والمثل من قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ ٢. والعدل: القيمة والرِّجل الصَّالح والحقُّ: وضِدُّ الجَور. ومن ذلك المرض. المرض في القلب: هو الفتور عن الحقِّ وفي البدن: فتور الأعضاءِ وفي العين: فتور النّظر. الفصل التاسع والستون: في الإبدال . من سنن العرب إبدال الحروف وإقامة بعضها مكان بعض في قولهم: مَدَحَ وَمَدَهَ وَجَدَّ وَجَذَّ وخَرَمَ وخَزَمَ وصَقَعَ الدِّيكُ وسَقَعَ وفاضَ أي ماتَ وفاظَ وفَلَقَ الله الصُّبحَ وفَرَقَهُ. وفي قولهم: صِراط وسِراط ومُسيطِر ومصيطر ومكّة وبكّة. الفصل السبعون: في القلب . من سنن العرب القلب في الكلمة وفي القصَّة. أما في الكلمة فكقولهم: جَذَبَ وجَبَذَ وضَبَّ وبَضَّ وبَكَلَ ولبكَ وطَمَسَ وطَسَمَ. وأما القصَّة فكقول الفرزدق: [من الكامل] كما كانَ الزَّناءُ فريضَةَ الرَّجْم. أي كما كان الرَّجمُ فريضَة الزّنا. وكما قال: [من الطويل] ونركب خيلا لا هوادة بينها ... وتَشْقى الرِّماحُ بالضَّياطِرَةِ الحمر. أي وتشقى الضَّياطِرَةُ الحُمْرُ بالرماح. وكما يقال: أدْخَلْتُ الخاتَمَ في إصْبَعي وإنَّما هو إدخال الأصبع في الخاتم. وفي القرآن: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ ٣ وإنَّما العصبة أولُوا القوَّة تَنوء بالمفاتيح. الفصل الحادي والسبعون: في تسمية المتضادين باسم واحد . هي من سنن العرب المشهورة كقولهم:. الجَوْنُ: للأبيض والأسْوَد. والقُروء: للأطهار

стр. 250

والحَيض. والصَّريم: للَّيل والصُّبح. والخَيلولة: للشَّكِّ واليَقين. قال أبو ذؤيب: [من الكامل] فَبَقيتُ بَعْدَهُمُ بِعَيْشٍ ناصِبٍ ... وَإِخالُ أنِّي لاحِقٌ مُسْتَتْبَع. أي وأتيَقَّن. والنَّدُّ: المِثلُ والضِّدُّ. وفي القرآن: ﴿وَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ ١ على المعنيين. والزَّوج: الذَّكر والأنثى. والقانِعُ: السَّائل والذي لا يسأل. والنَّاهل: العَطْشان والرَّيان. الفصل الثاني والسبعون: في الإتباع . هو من سنن العرب وذلك أن تتبع الكلمة الكلمة على وزنها ورَوِيِّها إشباعاً وتوكيداً اتِّساعاً كقولهم: جائع نائع وساغِب لاغِب وعَطشان نَطْشان وصَبَّ ضَبَّ وخَراب يَباب. وقد شاركت العرب العجم في هذا الباب. الفصل الثالث والسبعون: في إشتقاق نعت الشيء من اسمه عند المبالغة فيه . ذلك من سنن العرب كقولهم: يَوم أيْوَم ولَيل ألْيَل ورَوض أَرْيَض وأسَد أسِيد وصُلب صَليب وصَديق صَدوق وظِلٌّ ظَليلٌ وحِرز حَريز وكن كنين وداء دويّ. الفصل الرابع والسبعون: في إخراج الشيء المحمود بلفظ يوهم ضد ذلك . كما يقال: فلان كريم غير أنَّه شريف ولئيم غير أنّه خَسيس وكما قال النّابغة الذّبياني: [من الطويل] ولا عَيْبَ فيهِمْ غَيرَ أنَّ سُيوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلولٌ من قِراعِ الكَتائبِ. وكما قال النَّابِغَة الجَعديّ: [من الطويل] فتىً كَمَلَت أخْلاقُهُ غَيرَ أنَّهُ ... جَوادٌ فما يُبقي من المال باقيا. وقال بعض البلغاء: فلان لا عَيب فيه غير أن لا عيب فيه يَرُدُّ عين الكمال عن معاليه. الفصل الخامس والسبعون: في الشيء يأتي بلفظ المفعول مرة وبلفظ الفاعل مرة والمعنى واحد . تقول العرب: مُدَجَّج ومُدَجِّج وعبدٌ مُكاتَبٌ ومُكاتِبٌ وشأوٌ مُغَرَّب ومغرّب ومكان

стр. 251

عامر ومَعمور. وآهِلٌ ومَأهول ونُفِسَتْ المرأة ونَفِسَتْ وعُنِيتُ بالشيء وعَنَيتُ به وسَعِد فلانٌ وسُعِدَ وزَهِيَ علينا وزها. الفصل السادس والسبعون: في التكرير والإعادة . هي من سنن العرب في إظهار العناية بالأمر كما قال الشاعر: [من البسيط] مَهْلاً بَني عَمِّنا مَهْلاً مَوالِينا. كما قال الآخر: [من الرجز] كَمْ نِعْمَتٍ كانت لَكُمْ كَمْ كَمْ وكَمْ. فكرر لفظ "كم" للعناية بتكثير العدد. ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ ١. ولهذا جاء في كتاب الله التكرير كقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ٢ وقوله : ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ٣. الفصل السابع والسبعون: في إجراء غير بني آدم مجراهم في الإخبار عنه . من سنن العرب أن تجري الموات وما لا يعقل في بعض الكلام مجرى بني آدم فتقول في جميع أرض أرضون وتقول: لَقيتُ مِنهُمُ الأمَرَّين وربَّما يَتَعَدَّى هذا إلى أكثر منه كما قال الجعدي: [من الطويل] تَمَزَّزْتها والدِّيكُ يدعو صَباحه ... وأمَّا بَنو نعْشٍ٤ دَنوا فَتَصَوَّبوا. وكما قال الله : ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٥ وقال عزّ اسمه: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ٦ وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ٧ وقال: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ٨

стр. 252

وأكبر من قول الجعدي قول عبدة بن الطّبيب: [من البسيط] إذا أشْرَفَ الدِّيكُ يَدْعو بَعْضَ أُسْرَتِهِ ... إلى الصَّباحِ وهُمْ قَوْمٌ مَعازيلُ. فجعل للدِّيك أسرة وسمَّهم قوم. الفصل الثامن والسبعون: في خصائص من كلام العرب . للعرب كلام تَخُصُّ به معاني في الخير والشَّرِّ وفي الليل والنهار وغيرهما فمن تلك التتابع والتَّهافُت لا يكونان إلا في الشَّرِّ. وهاج الفحل والشَّر والحرب والفتنة. ولا يُقال: هاج لِما يؤدي إلى الخير. وظَلَّ يفعل كذا إذا فعله نهارا وبات يفعل كذا إذا فعله ليلا. والتَّأويب: سير النَّهار لا تَعْريج فيه. والإسْئادُ: سيرُ الليل لا تَعريس فيه. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ ١ أي مَثَّلنا بهم ولا يُقال: جُعِلوا أحاديثَ إلا في الشَّرِّ. ومن ذلك: التأبين: لا يكون إلا مدحا للميت. والمساعاة: لا تكون إلا للزنا بالإماء دون الحرائر. ويُقال نَفَشَتِ الغَنَمُ لَيلاً وهَمَلَتْ نهاراً. وخُفِضَتِ الجاريةُ ولا يُقال: خُفِضَ الغُلام. ولَقَمَهُ بِبَعْرَةٍ إذا رماه بها ولا يقال ذلك في غيرها. الفصل التاسع والسبعون: يناسبه في الرّيح والمطر . لم يأت لفظ الرِّيح في القرآن إلا في الشَّرِّ والرِّياح إلا في الخير. قال عزَّوجلَّ: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ, مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ ٢ وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ, تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ ٣ وقال ﷻ : ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ ٤ وقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٥ وعن عبد الله بن عمر: الرِّياح ثمان فأربع رحمة وأربع عذاب. فأمَّا التي للرَّحمة: فالمُبَشِّرات والمُرْسَلات والذَّرِيات والنَّاشِرات وأما التي للعذاب: فالصَّرصَرُ والعَقيمُ وهما في البرِّ والعاصِفُ والقاصِفُ وهما في البحر ولم يأتِ لفظُ الإمطار في القرآن إلا

стр. 253

للعذاب كما قال عزّ من قائل: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ١ وقال : ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٣. الفصل والثمانون: في اقتصارهم على بعض الشيء وهم يريدون كله . ذلك من سنن العرب في قولهم: قَعَدَعلى ظهر راحلته وقول الشاعر: [من الكامل] الواطِئينَ على صُدورِ نِعالِهِمْ. وقول لبيد: [من الكامل] تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يَرْتَبِطْ بَعْضَ النفوسِ حِمامُها. أراد: كلَّ النفوس وفي القرآن: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ٤ و "من" هذه للتبعيض والمراد: يَغُضُّوا أبصارهم كلَّها. وقال عزَّ ذكره: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ ٥ وقال الشاعر: امَّا أتى خَبَرُ الزُّبَيرِ تَواضَعَتْ ... سُورُ المَدينةِ والجِبالُ الخُشَّعُ. يعني أسوار المدينة. الفصل الحادي والثمانون: في الاثنين يُعبَّر عنهما مرَّة وبأحدهما مرَّة . قال الفرَّاء: تقول العرب: رأيتُ بِعَيني ورأيتُ بِعَينَيَّ والدّارُ في يَدِي وفي يَدَيَّ. وكلُّ اثنين لا يكاد أحدهما ينفرد فهو على هذا المثال كاليدين والرجلين. قال الفرزدق: [من الوافر] ولو بَخِلَتْ بهِ وَضَنَّتْ ... لَكان عَلَيَّ لِلقَدَرِ الخِيارُ. فقال "ضنَّت" بعد قوله يدايَ. وقال الآخر: [من الكامل] وكأنَّ في العَينَينِ حَبَّ قَرَنْفُل ... أو سُنْبُلاً كُحِلَتْ به فانهلَّتِ.

стр. 254

فقال كُحِلَت به بعد قوله "في العينينِ" وقال به. وقد ذكر القَرَنفُلَ والسُّنْبُلَ. وقال آخر: [من الطويل] إذا ذَكَرَتْ عَيْني الزَّمانَ الذي مَضى ... بِصَحْراءَ فَلْجٍ ظَلَّتا تَكِفانِ. وقال بعض المحدّثين: [من الطويل] فَدَتْكَ بِعَيْنَيها المعالي فإنَّها ... بِمَجْدِكَ والفَضْلِ الشَّهير كَحيلُ. ويقال: وقعت عينه عليه أي عيناه وفلان حسن الحاجب أي الحاجبين وأخذ بيده أي بيديه وقام على رجله أي رجليه. الفصل الثاني والثمانون: في الجمع الذي لا واحد له من لفظه . النِّساءُ والنَّعَم والغَنَمُ والخَيل والإبل والعالَم والرَّهطُ والنَّفَرُ والمَعْشَرُ والجُندُ والجَيشُ والثُّلَّةُ والعوذُ والمساوي والمحاسن ومُراقُ البَطنِ والمسامّ والحواسّ. الفصل الثالث والثمانون: في الاثنين اللذين لا وحد لهما من لفظهما . كِلا وكِلتا واثنان واثنتان والمِذرَوَان١ والمَلَوَان٢ وجاء يَضْرِبُ أصْدَرَيْهِ ولبَّيك وسَعديك وحنانَيك وحوالَيك. وقد قيل: إن واحدَ حنانيك: حنان. الفصل الرابع والثمانون في أفعل لا يراد به التَّفضيل . جرى له طائرٌ أشْأم وقال الفرزدق: [من الكامل] بَيْتاً دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ. وفي القرآن: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ٣ والله أعلم. الفصل الخامس والثمانون: للعرب فعل لا يقوله غيرهم . تقول: عاد فلانٌ شيخاً وهو لم يكن قطُّ شيخاً وعادَ الماء آجنا وهو لم يكن كذلك. قال الهذليّ:

стр. 255

أطَعتُ العِرْسَ في الشَّهواتِ حتى ... أعادَتْني أَسِيفاً عَبْدَ عَبْدِ. وهو لم يكن قبل أسيفاً حتى يعود إلى تلك الحال وفي كتاب الله : ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ ١ وهم لم يكونوا في نور من قبل ومثله قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ ٢ وهم لم يبلُغوا أرذلَ العمر فيُرَدُّوا إليه. الفصل السادس والثمانون: في النَّحت . العرب تَنْحِتُ من كلمتين وثلاث كلمة واحدة وهو جنس من الاختصار كقولهم: رجلٌ عبْشَميٌ منسوب إلى عبد شمس وأنشد الخليل: [من الوافر] أقولُ لَها ودَمْعُ العَينِ جارٍ ... ألَمْ تَحْزُنْكِ حَيْعَلَةُ المُنادي؟ من قولهم: حَيَّ على الصَّلاة وقد تقدَّم فصل شافٍ في حكاية أقوال متداولة من هذا الجنس. وأما قولهم صَهْصَلِق فهو من صَهَلَ وصَلَقَ والصَّلْدَم من الصَّلْدِ والصّدم. الفصل السابع والثمانون: في الإشباع والتأكيد . العرب تقول: عشّرَة وعَشَرَة فتلك عشرون كاملة. ومنه قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ ٣ ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ ٤ وإنما ذكر الجناحين لأنَّ العَرَب قد تُسَمِّي الإسراع طَيَرانا كما قال النبي ﷺ : "كلَّما سَمِعَ هَيْعَةً طارَ إِلَيْها" ٥. وكذلك قال الله : ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ٦ فذكر الألسنة لأنَّ الناس يقولون: قال في نفسه وقلت في نفسي وفي كتاب الله : ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ ٧ فاعلم أنَّ ذلك القول باللسان دةن كلام النفس. الفصل الثامن والثمانون: في إضافة الشيء إلى من ليس له لكن أضيف إليه لاتصاله به . هو من سنن العرب كقولهم: سرْج الفرس وزِمام البَعير وتَمْرُ الشَّجَر وغَنَمُ الراعي.

стр. 256

قال الشاعر: [من الوافر] كما يحدوا قلائصه١ الأجير. الفصل التاسع والثمانون: في الفرق بين ضدَّين بحرف أو حركة . ذلك من سنن العرب كقولهم: دَوِيَ: من الدَّاء وتَداوى: من الدواء. وأخْفَرَ: إذا أجارَ وخَفَرَ: إذا نقض العهد. وقَسَط: إذا جار وأقسَطَ: إذا عدل. واقْذى عينه: إذا ألقى فيها القذى وقذاها: إذا نزع عنها القذى. وما كان فرقه بحركة كما يقال: رجُلٌ لُعَنَةٌ: إذا كان كثير اللَّعن ولُعْنَة: إذا كان يُلْعَن وكذلك ضُحَكة وضحكة. الفصل التسعون: في زيادة المعنى حُسنا بزيادة لفظ . هي من سنن العرب كما تقول: زَيْدٌ لَيْثٌ إنَّما شَبَّهْتَهُ بليثٍ في شَجاعته. فإذا قال: زيدٌ كاللَّيثِ الغَضبان فقد زاد المعنى حُسناً وكسا الكلامَ رونقا كما قال الشاعر: [من الهزج] شَدَدْنا شِدَّةَ اللَّيثِ ... عَدا واللَّيثُ غَضبانُ. وكما قال امرؤ القيس: [من الطويل] مهفهفة٢ بيضاء غير مفاضة٣ ... تَرائِبُها مَصْقولَةٌ كالسِّجَنْجَلِ. فلم يزد على تشبيهها بالمرآة. وذكر ذو الرُّمَّة أخرى فزاد في المعنى حيث قال: [من الطويل] لها أذن حشر وذفرى أسيلة ... ووَجْهٌ كمِرآةِ الغَريبةِ أسْجَحُ٤. لأنَّ الغريبة لا يكون لها من يُعْلمها مَحاسِنها من مَساويها فهي تحتاج إلى أن تكون مِرآتُها أصفى وأنقى لِتُريها ما تحتاج إلى رؤيته من محاسِن وَجهِها ومساويه. ومن هذا المعنى قول الأعشى: [من الطويل] تروح على آلِ المُحَلِّق جَفْنَةٌ ... كَجابِيَةِ الشَّيخ العِراقيِّ تَفْهَقُ. فَشَبَّهَ الجَفْنَةَ بالجابية وهو الحوض وقيَّدها بذكر العِراقيِّ لأنَّ العِراقيّ إذا كان بالبرّ ولم

стр. 257

يعرِف مواضع الماء ومواقع الغيث فهو على جمع الماء الكثير أحْرصُ من البَدوي العارف بالمناقِع والأحْساء. وقال ابن الروميّ: [مِنْ الخفيف] مِنْ مُدامٍ كأنَّها دَمْعَةُ ... المَهجُورِ يَبْكي وعَيْنُهُ مَرْهاءُ. فَشَبَّهها بدمعة المهجور في الرِّقَّةِ وزاد في الرَّفَّة بأن وصف عينه بالمَرَه وهو طول العهد بالكحل لِيكون الدَّمع مع رِقَّتِهِ أصْفى وأسلم مما يَشوبُهُ وهذا من لطائف الشعراء. الفصل الحادي والتسعون: في الجمع الذي ليس بينه وبين واحده إلا الهاء . هذا الجمع يذكَّر ويؤنث وهو كقولهم: تَمرٌ وتَمْرَةٌ وسحاب وسحابة وصَخرٌ وصَخْرَةٌ وروضٌ وروضَةٌ وشَجَرٌ وشَجَرةٌ ونَخلٌ ونَخلَةٌ. وفي القرآن العزيز: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ ٢ وقال: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٣ فذكَّر. وقال في مكان آخر: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً﴾ ٤ فأنَّث ثم قال: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ ٥ فردّه إلى أصل التذكير. الفصل الثاني والتسعون: في التصغير . من سنن العرب: تصغير الشيء على وجوه:. فمنها: تصغيره تحقيره كقولهم: رُجَيل ودُوَيرَة. ومنها: تصغير تكبير كقولهم: عُيَيْرُ وحْدِهِ وجُحَيْشُ وحدِهِ وكقول الأنصاري: أنا جُذَيْلُها٦ المُحَكَّكُ وعُذَيْقُها المُرَجَّبُ. وكقول لبيد: [من الطويل] وكلُّ أناسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بَيْنَهُمْ ... دُوَيْهِيَهٌ تَصْفَرُّ مِنْها الأنامِلُ. ومنها: تصغير تنقيص كما يقال: لم يبق من بيت المال إلا دُنَيْنيرَات ومن بني فلان إلا بُيَيْت. ومنها: تصغير تقريب كقول امرؤ القيس: [من الطويل] ضليع إذا ما استدبرته سد فرجه ... بِضافٍ فُوَيْقَ الأرضِ لَيْسَ بِأعْزَلِ. وكقولك: أنا راحلٌ بُعَيدَ العيد وجاءني فلان قُبَيلَ الظُّهر. ومنها: تصغير إكرام ورحمة

стр. 258

كقولهم: يا بُنَيَّ ويا أُخَيَّ ويا أُخَيَّة ويا بُنَيَّة وكقول النبي ﷺ لعائشة: "يا حُمَيراء"١. ومنها: تصغير الجمع كقولك: دُرَيْهِمات ودُنَيْنِرات وأُغَيْلِمَةَ وكقول عيسى بن عمرو: والله إن كانت إلا أُثَيَّاباً في أسيفاط. الفصل الثالث والتسعون: في الاستعارة . ذلك من سنن العرب. هي أن تستعير للشيء ما يليق به ويضعوا الكلمة مستعارة له من موضع آخر. كقولهم في استعارة الأعضاء لما ليس من الحيوان: رأسُ الأمرِ رأسُ المال وجهُ النَّار عين الماءِ حاجِبُ الشَّمس أنفُ الجبل أنفُ الباب لِسانُ النَّارِ رِيقُ المُزْنِ يَدُ الدَّهرِ جَناحُ الطَّريقِ كَبِدُ السَّماءِ ساقُ الشَّجَرَةِ. وكقولهم في التَّفرُّق: انْشَقَّتْ عَصاهُمْ شالَت نَعامَتهم مرُّوا بين سنع الأرض وبَصرِها فَسا بينَهم الظِّربان٢. وكقولهم في اشتداد الأمر: كَشَفَتِ الحَرْبُ عن ساقِها أبدى الشَّرُّ عن ناجِذَيه حَمِيَ الوَطيسُ٣ دارَتْ رحى الحَربُ. وكقولهم في ذكر الآثار العُلويَّة: افتَرَّ الصُبْحُ عن نواجِذَهُ ضَرَبَ بِعَموده سُلَّ سَيفُ الصُّبْحِ من غِمد الظَّلام نَعَرَ الصُّبحُ في قفا الليل باحَ الصُّبحُ بِسرِّهِ وهي نطاق الجوزاء انحَطَّ قِنْديلُ الثُرَيَّا ذّرَّ قرْن الشَّمس ارتَفع النَّهار ترحَّلت الشَّمس رَمَتِ الشَّمس بِجَمَرات الظَّهيرَةِ بَقَلَ وجهُ النَّهار خَفَقَتْ راياتُ الظَّلام نَوَّرت حدائِقُ الجوِّ شابَ رأسُ الليل لَبِسَت الشَّمس جِلبابها قام خَطيب الرَّعد خَفَقَ قَلب البَرق انحَلَّ عِقْدُ السَّماء وَهَى عِقد الأنداد انْقَطَعَ شِريان الغَمام تَنفَّسَ الرَّبيع تَعَطَّرَ النَّسيمُ تَبَرَّجَت الأرضُ قَوِيَ سلطان الحرِّ آنَ أن يَجيشَ مِرْجَلُهُ ويثورَ قَسْطُلُه انْحَسَرَ قِناع الصَّيف جاشَت جُيوشُ الخَريفِ حَلَّت الشَّمس الميزان وعَدَل الزَّمان دبَّت عَقاربُ البردِ أقدمَ الشِّتاء بِكَلْكَلِه شابَت مَفارِقُ الجِبالِ يوم عبوسٌ قَمْطَرير كشَّرَ عن نابِ الزَّمْهَرير. وكقولهم في محاسن الكلام: الأدَبُ غِذاءُ الرُّوح الشَّباب باكورَةُ الحَياةِ الشَّيب عنوان الموت النَّار فاكهة الشِّتاء العِيال سوسُ المال النَّبيذُ كيمْياء الفَرَح الوحدة قَبر الحيِّ الصَّبر مفْتاحُ الفَرَج الدَّين داء الكرم النَّمَّام جسرُ الشرِّ الإرجافُ

стр. 259

زَندُ الفِتنةِ الشُّكرُ نسيمُ النَّعيم الرَّبيع شبابُ الزَّمان الولَدُ ريحانَةُ الروحِ الشَّمس قَطيفَةُ المساكين الطِّيب لسان المروءة. الفصل الرابع والتسعون: من استعارات القرآن: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ ١ ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ٢ ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ ٣ ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ ٤ ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ ٥ ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ ٦ ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ ٧ ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ ٨ ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ٩ ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ ١٠ وآية ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ ١١ ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ ١٢ ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ ١٣. ومن الاستعارات في الأشعار العربية قول امرئ القيس: [من الطويل] وليل كموج البحر أرخى سدوله ... على بأنواع الهموم ليبتلي فقلْتُ لهُ لمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ ... وأرْدَفَ أعْجازاً وناءَ بِكَلْكَلِ١٤. وقول زهير:. [من الطويل] صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وَعُرَّى أفراسُ الصِّبا ورواحِلُهْ. وقول لبيد: [الكامل]

стр. 260

وغداة ريح قد وزعت وقرة ... إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زِمامُها. فأما أشعار المُحدَثينَ في الاستعارات فأكثر من أن تحصى. الفصل الخامس والتسعون: في التجنيس . هو أن يجانس اللفظ في الكلام والمعنى مختلف كقول الله : ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١ وكقوله: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ ٢ وكقوله: ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ ٣ وكقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ ٤ وكقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ ٥ وكقوله : ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ ٦ وكقوله تعالى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ ٧. وكما جاءَ في الخَبَر: "الظُّلم ظُلُمات يوم القِيامة"٨. "آمِنٌ مَنْ آمَنَ بِاللهِ". "إنَّ ذا الوجهَينِ لا يَكونُ وجيهاً عندَ الله"٩. ولم أجد التجنيس في شعر الجاهليَّة إلا قَليلاً كقول الشّنفرى: [من الطويل] وبِتْنا كأَنَّ النَّبْتَ حُجِّرَ فَوقَنا ... بِريحابَةٍ ريحَتْ عِشاءً وطُلَّتِ. وقول امرئ القيس: [من الطويل] لقد طَمَحَ الطَّمَّاحُ من بُعْدِ أرْضِهِ ... لِيُلْبِسَني من دائِهِ ما تلبّسا. وقوله: [من الطويل] ولكنَّما أسْعى لِمَجدٍ مُؤَثَّلٍ ... وقد يُدْرِكُ المَجدَ المؤَثَّلَ أمْثالي. وفي شعر الإسلاميين المتقدمين كقول ذي الرّمّة: [من الطويل] كأنَّ البُرى١٠ والعاجَ عيجَتْ١١ مُتونُهُ. ... على عشر نهى به السيل أبطح.

стр. 261

كقول رجل من بني عبس: [من البسيط] وذلكمْ أنَّ ذُلَّ الجارِ حالَفَكم ... وأنَّ أنْفَكُمُ لا يَعْرِفُ الأنَفا. فأما في شعر المُحدثين فأكثر من أن يحصى. الفصل السادس والتسعون: في الطِّباق . هو الجمع بين ضدين كما قال تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً﴾ ١ وكما قال : ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ ٢ وكما قال : ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ﴾ ٣ وكما قال عزَّ من قائل: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ٤. ومما جاء في الخبر عن سيِّد البشر ﷺ : "حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمكارِهِ والنَّارُ بِالشَّهوات" ٥ "النَّاسُ نِيام فإذا ماتوا انتَبَهوا" ٦ "كفى بالسَّلامَة داءً" ٧ "إنَّ اللهَ يُبْغِضُ البَخيلَ في حَياتِهِ والسَّخيَّ بَعْدَ موته" ٨ "جُبِلَتْ القُلوبُ على حُبِّ من أحْسَنَ إلَيها وبُغْضِ من أساءَ إلَيها" ٩ "احذَروا من لا يُرْجى خَيْرُهُ ولا يؤْمَنُ شَرُّهُ". ومما جاء في الشعر قول الأعشى: [من الطويل] تَبيتونَ في المَشتى مِلاءً بُطونُكُمْ ... وجاراتكم غَرْثى يَبِتْنَ خَمائِصا. وقول عبد بني الحسحاس: [من البسيط] إن كنتُ عبداً فَنَفسي حُرَّةٌ كَرَماً ... أو أسْوَدَ الخَلقِ إني أبيض الخلق. وقول الفرزدق: [من الكامل] والشَّيبُ يَنْهُضُ في الشَّبابِ كأنَّهُ ... ليل يصيح بجانبيه نهار.

стр. 262

وكقول البحتري: [من البسيط] وأمَّةٌ كان قُبْحُ الجَوْرِ يُسْخِطها ... دَهراً فأصْبَحَ حُسْنُ العَدْلِ يُرْضيها. الفصل السابع والتسعون: في الكناية عما يُستقبح ذكره بما يستحسن لفظه . هي من سنن العرب. وفي القرآن: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ﴾ ١ أي فُرُوجَهم. وقال تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ ٢ فكنى عن الحدث. وقال تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ٣ وقال : ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ ٤ فكنى عن الجِماع والله كريم يكني. وقال النبي ﷺ لِقائد الإبل التي عليها نِساؤه: "رِفْقاً بالقَوارير" ٥ فكنى عن الحُرَم. وقال ﵊: "اتقوا المَلاعِنَ" ٦ أي لا تُحْدِثوا في الشَّوارع فَتُلْعَنوا. ومن كنايات البُلَغاء: بِهِ حاجَةٌ لا يَقْضيها غَيرُه كناية عن الحدث. وذكر ابن العميد مُحْتَشِما حلَفَ بالطَّلاق فقال: آلى يميناً ذكرَ فيها حرائره. وذكر ابن مُكرَّم سائلاً فقال: هو من قرَّاء سورة يوسف يعني أنَّ السُّؤال يستكثرون من قراءة هذه السورة في الأسواق والمجامع والجوامع وكنى ابن عائشة عمَّن به الأبْنَة بقوله: هو غراب يعني أنَّه يواري سَوءَةَ أخيه. وكنّى غيره عن اللقيط: بتربية القاضي. وعن الرَّقيب: بثاني الحبيب. وكان قابوس بن وشْمِكير إذا وصف رجلاً بالبلَه قال: هو من أهل الجنَّة يعني قول النبي ﷺ : " أكثر أهل الجنَّة البُله "٧. ومن كناياتهم عن موت الرُّؤساء والأجِلَة والملوك: انتَقَلَ إلى جِوارِ رَبِّه استأثَرَ الله به. الفصل الثامن والتسعون: في الإلتفات . هو أن تذكر الشيء وتتمَّ معنى الكلام به ثم تَعودَ لذكْره كأنَّك تلتَفِتُ إليه كما قال أبو

стр. 263

الشّغب: [من البسيط] فارَقْتُ شَغْبا وقد قُوِّسْتُ من كِبَرٍ ... لَبئْسَتِ الخَلَّتانِ الثُّكلُ والكِبَرُ. فذكر مصيبته بابنه مع تقوُّسه من الكبر ثم التفتَ إلى معنى كلامه فقال: لبئست الخلَّتان. وكما قال جرير: [من الوافر] : أتَذْكُرُ يَومَ تَصْقُلُ عارِضَيها ... بِعودِ بَشَامَةٍ سُقِيَ البَشامُ. وكما قال الله : ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ ١ فنهى عن الإفتراء ثم وعد عليه فقال: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ . الفصل التاسع والتسعون: في الحشْو . العرب تقيم حشْو الكلام مقام الصلة والزِّيادة وتُجريه في نظام الكلمة وهو على ثلاثة أضْرُب: ضَرب منها رديء مذموم كقول الشاعر: [من المجزوء الوافر] ذَكَرْتُ أخي فَعاوَدَني ... صُداعُ الرَّأسِ والوَصَبُ. فَذَكَر الرَّأس وهو حشو مُسْتَغنى عنه لأن الصُّداع مُخْتَصٌ بالرَّأس فلا معنى لذكره معه. وكقول الآخر: [من المنسرح] صُدودُكُمْ والدِّيارُ دانيَةٌ ... أهْدى لِرأسي ومِفْرَقي شَيبا. فقوله: مفرقي مع ذكر الرأس حشو بَغيض. وكقول الآخر: [من الطويل] إذا لَمْ يَكُنْ للمَرْءِ في دولة امرئٍ ... نَصيبٌ ولا حظٌّ تَمَنَّى زَوالَها. والنَّصيب والحظ بمعنى واحد. وأما الضرب الأوسط فكقول امرئ القيس: [من الطويل] ألا هل أتاها والحوادِثُ جَمَّة ... بِأنَّ امرأ القيسِ بن تمْلكَ بَيْقَرا٢. فقوله: والحوادثُ جَمَّة حشو مُستغنى عنه ولكن لا بأس به في موضعه. وكقول النَّابغة: [من الطويل] لَعَمْري وما عَمري عليَّ بِهَيِّنً ... لَقَد نَطَقَتْ بُطْلاً على الأقارِعُ. فقوله: وما عمري عليَّ بِهَيِّنٍ حشو يتم الكلام بدونه ولكنه محمود لما فيه من تفخيم اللفظ وتأكيد المراد. وأما الضَّرب الثالث فهو الحشو الحسن اللطيف كقول

стр. 264

عوف بن محلم: [من السريع] إنَّ الثَّمانينَ وبُلِّغْتَها ... قد أحْوَجَتْ سَمعي إلى تَرْجُمانْ. فقوله: وبُلِّغْتُها حشو مُسْتَغنى عنه في نظم الكلام ولكنه حسن في مكانه وأوقع في المعنى المقصود. وكان بن عبّاد يسمِّي هذا الحشو: حشو اللوزينج لأن حشو اللوزينج خير من خُبْزَتِهِ. ومن هذا الضَّرب قول طَرَفَة: فَسَقى دِيارَكَ غَيرَ مُفْسِدِها ... صوبُ الرَّبيعِ وديمَةٌ تَهْمي. فقوله: غير مفسدها حشو ولكن ما لحسنه نهاية. ومن ذلك قول عديّ: [من الوافر] فَلَو كنتَ الأسيرَ ولا تَكُنْهُ ... إذن عَلِمَتْ مَعَدٌّ ما أقولُ. فقوله: ولاتكُنهُ حشو لا يخفى حسنه وبراعته. ومن ذلك قول البحتري: [من الكامل] إنَّ السَّحابَ أخاكَ جادَ بِمِثلِ ما ... جادَتْ يَداكَ لو أنَّهُ لَمْ يَضْرُرِ. فقوله: أخاكَ حشو ولكن ما لِحُسنه غاية. ومن ذلك قول ابن المعتز: [من الخفيف] إنْ يحيي لا زال يحيا صديقي ... وخَليلي من دونِ هذي الأنامِ. فقوله: لا زال يحيا حشو يُربى على حشو اللوزينج ومن ذلك قول أبي الطِّيب المتنبي: [من الطويل] ويَحْتَقِرُ الدُّنيا احْتِقارَ مُجَرِّبٍ ... يَرى كلَّ ما فيها وحاشاه فانِيا فقوله: وحاشاه حشوٌ يجمع الحُسن والطّيب. دومن ذلك قول ابن عبّاد: [من السريع] قُلْ لأبي القاسم إن جِئْتَهُ ... هُنِّيت ما أُعْطِيتَ هُنِّيتَهُ. كلُّ جَمالٍ فائق رَائقٍ ... أنتَ بِرَغْمِ البَدْرِ أوتيتَهُ. فقوله: برغم البدْرِ حشو يقطر منه ماء الظَّرفِ. ومن ذلك قول أبي محمد الخازن الأصبهانيّ ﵀ للصّاحب: [من الوافر] فَإيهِ طَرْبَةً للعفوِ إنَّ ... الكريم وأنتَ مَعْناهُ طَروبُ. فقوله: وأنت مَعناه حشو يَعجِزُ الوصفُ عن حُسنه وحلاوته. وكان ابن عباد يقول: إذا سمع قول يحيى بن أكثم للمأمون وقد سأله عن شيء: "لا وأيَّدَ الله أميرَ المؤمنين" هذه الواو أحسن من واوات الأصداغ في خدود المرد الملاح.