← Тараджим

Тараджим · id 11236

سؤالات أبي عبيد الآجري أبا داود السجستاني في الجرح والتعديل

أبو داود

Полный текст (365 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة ... شكر وتقدير الحمد لله فاطر القلوب على حب الخير وإقرار الجميل والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد الداعي إلى مكافأة صانع الجميل وبعد، فقد منّ الله عليّ بالانتهاء من إعداد هذه الرسالة فأرى من الواجب عليّ أن أتقدم بخالص شكري وبالغ تقديري لفضيلة أستاذي الدكتور محمود أحمد ميرة المشرف على الرسالة، والذي لم يدّخر جهداً في إبداء توجيهاته وملاحظاته السديدة، وتوفيره لي بعض المصادر ذات القيمة وقراءته لجزئيات الرسالة. كما أقدّم خالص شكري وامتناني لفضيلة الشيخ الدكتور محمّد أمين المصري ﵀ والذي كان له كل الفضل في إعدادي للخوض في هذا العلم في السَّنة التحضيرية، وتشجيعي لاختيار هذا الموضوع، سائلاً المولى أن يتغمّده بواسع رحمته. كما أقدّم شكري أيضاً لفضيلة الدكتور أكرم ضياء العمري وفضيلة الشيخ حماد الأنصاري لما بذلاه أيضاً من توجيهات قيّمة أيام الدراسة والتحضير. وفي الختام أقدّم شكري لكل من قدّم لي عوناً أيّاً كان من الأساتذة الكرام والأصدقاء والزملاء وأخصّ بالذكر الأخ الكريم مصطفى عبد لجليل أمين مكتبة الدراسات العليا وجزا الله الجميع كل خير.

стр. 2

تقديم: بقلم: الدكتور عبد الله بْن عبد الله الزائد نائب رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وبعد... فهذا كتاب (سؤالات أبي عبيد الآجري أبا داود السجستاني في الجرح والتعديل) نقدمه لرواد علوم الحديث الشريف، وللباحثين المعتنين بالرجوع إلى المصادر الأولى في اقتباساتهم، والواردين الموارد الأصلية في استفاداتهم. والكتاب أحد تلك الركائز القديمة في علم الجرح والتعديل لإمامٍ من أئمته الأوائل، هو الإمام أبو داود سليمان بْن الأشعث السجستاني (٢٠٢- ٢٧٥) أحد خاصة الإمام يحيى بن معين (١٥٨- ٢٣٣) والإمام أحمد بن حنبل (١٦٤-٢٤١) إمامي علم الجرح والتعديل في عصرهما، وأبرز من ورث علمهم رحمهم الله تعالى جميعاً. وكثيراً ما يتردد في ثنايا الكتب المطولة النقل عن أبي داود بواسطة تلميذه هذا: أبي عبيد مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عُثْمَانَ الآجري، أحد علماء القرن الرابع الهجري، فتتوق النفس إلى التعرّف على الآجري وكتابه الذي خزن في طواياه جانب النقد والجرح والتعديل عند الإمام أبي داود لأن هذا الإمام لم يشتهر إلاّ بكتابه (السنن) وهو كتاب ظاهره سرد المتون بأسانيدها دون أن تتجلى فيه شخصيته المتميّزة الناقدة. فإلى هؤلاء نقدم جزءاً من هذا الكنز الدفين: كتاب (سؤالات الآجري) وهو القسم الخاص برجال أهل الكوفة ورواتها، لنضع لبنة في زاوية من صرح

стр. 3

السؤالات، وبرهن في تحقيقه على قوة وجلد ونفاذ في حلّ مشكلاته، جزاه الله خيراً، ووفقه لمتابعة إخراج بقية الموجود من أجزاء الكتاب، وإخراج غيره من أمهات كتب السنة. وإنا نتوجه إلى الله بالحمد له والشكر على ما وفقنا إليه، ونسأله المزيد - ثم نتقدم بخالص الشكر إلى جلالة الملك خالد وسمو ولي عهده الأمير فهد، على رعايتهما هذه الجامعة الإسلامية، وتقديمهما يد العون لها، وعين الاهتمام بها، من حيث المادة والتطوير في مختلف مجالاتها النافعة للأمة الإسلامية. جزاهما الله كلّ خير. والله تعالى هو المسؤول أن يكلل أعمالنا بالتوفيق والفلاح، وييسرنا لخدمة دينه بإخلاص ودوام عمل، إنه أكرم مسؤول - وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 4

تمهيد: لا أظن أن الباحث الكريم بحاجة إلى التنويه بفائدة كتب الرجال على اختلاف أنواعها. فهذه الكتب تعتبر مصدرا رئيسياً يمكن الاعتماد عليه للوصول إلى حقيقة حال من ترجم لهم فيها، إضافة إلى ما تنفرد به تلك الكتب من مواد علمية جديدة. وقد بدأ المسلمون بالتصنيف في كتب الرجال في وقت مبكر، وأفردوا لكل نمط معين من الناس كتباً خاصة بهم، فنجد منها تلك التي اهتم مصنفوها بذكر رواة الحديث النبوي الشريف، ونجد أخرى اقتصرت على ذكر المفسرين، وتلك في البلغاء واللغويين، ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، بل تعداه إلى التصنيف في البخلاء والمغنين وما إلى ذلك. والواقع أن البدء المبكر في هذا النمط من التصنيف ليدل على ما تمتع به المسلمون الأوائل من وعي ثقافي، ومستوى علمي رفيع، على أن المحدثين كانوا أول من طرق هذا الباب، فأخذوا بتقييد أسماء الصحابة والتابعين، وتبيين أحوالهم على اعتبار أنهم نقلة السنّة المطهرة، الأمر الذي دعا من جاء بعدهم ليحذو حذوهم، فوصفوا رواة الحديث من بعد، وهكذا. وقد اتبع المصنفون في تواليفهم أساليب متعددة، فمنهم من صنف كتابه

стр. 5

علم الجرح والتعديل، الذي ما يزال الباحثون فيه يجدون أنفسهم واجمين أمام ثغرات كثيرة فيه، وما تزال هذه الثغرات تستنهض همم الباحثين وأهل التخصص والمراس، لإخراج الكتب الأولية الأصلية، والدواوين الزاخرة، وتقديمها للباحثين، لإرواء غلتهم وسد حاجاتهم. وذلك أن علم الجرح والتعديل من أهم علوم الإسلام، وأهميته بأهمية تخليص المصدر الثاني للإسلام - وهو السنَّة - من كل شائبة ودخيل. وإن كتابنا هذا واحد من تلك الكتب الأصلية فيه - فهذه مزية أولى له. وثانية مزاياه: أنه جاء على طريقة السؤال والجواب، وهي طريقة طريفة في تدوين العلم، سلكها كثير من علمائنا الأقدمين - وقد جمع المحقق في مقدمته للكتاب عدداً وفيراً من أسمائها - ولم يطبع إلاّ اليسير النادر منها. والمزية الثالثة: تتجلّى في المكانة العلمية للسائل، فتكون مسائله عن نقاط دقيقة، وقضايا علمية جديرة بالاهتمام والسؤال، وإذا ما عرضت له مشكلة في بحثه - وهو العالم المتمكن - وعجز عن حلها، أو أراد أن يتثبت من الحل الذي ارتآه - فزع إلى شيوخه، فسألهم، ودوّن ذلك عنهم١. على أن كتب المسائل - أو السؤالات - تجمع فوائد يسمعها جامع الكتاب من شيخه الذي يدوّن له أجوبته، ولو لم يكن سأله عنها. فهي - إذاً - معلمة فوائد، وديوان نوادر، يلتقطها العالم البصير من شيخه بسؤال يوجهه هو أو غيره إلى شيخه، أو أن يقول الشيخ فائدة عابرة دون سؤال سائل. وإن الآجري أحد علماء هذا الفن المتمكنين فيه، كما يظهر لقارئ كتابه، وإن كانت المصادر المتداولة في التراجم لا تعطينا أخباراً - بل ولا خبراً - عنه، وهذا لا يضيره، وكم من أئمة علماء غمرهم التاريخ أو غمروا أنفسهم فلم

стр. 6

يعرفوا! مع أنهم تركوا آثاراً أشبه بالموسوعات، مثل التبريزي صاحب (مشكاة المصابيح) والخزرجي صاحب (خلاصة تذهيب تهذيب الكمال) . ومنهم من كانت آثارهم الحجر الأساس في العلم، فما من طالب علم إلاّ وقرأ كتابه أو حفظه، ومؤلفه مغمور أو غير معروف الاسم!! مثل (متن الآجرومية) في علم النحو، و (متن البناء والأساس) في علم الصرف. والآجري من هؤلاء المغمورين إذ لم يتداول ذكره إلاّ بنسبته (الآجري) مقروناً باسم شيخه الإمام أبي داود. وإن اعتماد الأئمة الحفاظ على نقوله اعتماداً كبيراً يدل على رفيع رتبته عندهم، وقد قال شيخ حفاظ عصره أبو الحجاج المزي في مقدمة كتابه (تهذيب الكمال) : (وما لم يذكر إسناده فيما بيننا وبين قائله: فما كان من ذلك بصيغة الجزم فهو ما لا نعلم بإسناده عن قائله المحكي ذلك عنه بأساً) وتابعه على هذا المنهج والشرط الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) . وقد أورد المزي وابن حجر كلاهما أقوال أبي داود في الجرح والتعديل بصيغة الجزم من طريق الآجري في أكثر من سبعمائة موضع - كما أحصاه محقق الكتاب - وهذا هو شرطهما، فلا أدل من ذلك على علو رتبته وكمال ثقته وهما الحافظان الناقدان. ومن المعلوم إن أوسع كتب الجرح والتعديل تداولاً (تهذيب التهذيب) للحافظ ابن حجر، وأصله (تهذيب الكمال) للمزي الذي بدئ بطبعه من قريب، وهذان الكتابان الضخمان يجد فيهما القارئ كثرة النقول عن كتابنا هذا، كثرة تزيد على سبعمائة نقل، كما تقدم. ومن هنا تتجلّى أهمية نشر الكتاب وإخراجه إلى الناس، باعتباره أصلاً ومرجعاً لكثير من الكتب المتداولة، ولا سيما إذا كان الكتاب المتداول غير محقق ولا مخرج إخراجاً دقيقاً، كما هو حال (تهذيب التهذيب) فيكون من الضروري الرجوع إلى مصادره التي يستقى منها للتثبت من صحّة النصّ.

стр. 7

ومن الأمثلة التي توضح هذه الأهمية - وسيجد القارئ غير هذا المثال - ما جاء في فقرة ٢٢: "سئل أبو داود عَن أَبِي الجَحَّافِ؟ فَقَالَ: قَالَ سُفْيَان: ثنا، وكان مرضياً"، أي إن سفيان الثوري كان يحدث عن أبي الجحاف ويرضاه، فهذا توثيق له من الإمام الثوري. وكذلك جاء النص عند الحافظ المزي، لكنه جاء محرفاً في (تهذيب التهذيب) ٣: ١٩٦- ١٩٧ إلى "وكان مرجئاً"، وهو تحريف يسير، يترتب عليه اختلاف كبير وقد تكون الفائدة في هذا الكتاب بوجود معلومات فيه عن راوٍ ما، لا توجد في غيره من الكتب الكبيرة المعنية بذكر تلك المعلومات، ففي فقرة ١٤٢ يقول الآجري: "سألتُ أبا دَاوُد عَن أَبِي سَلَمة الصَّائغ، حدّث عَنْهُ وكيع، فَقَالَ: مَا سمعت إلا خيرًا" فأفادنا أن وكيعاً يروي عن أبي سلمة الصائغ، في حين أن ابن أبي حاتم - كما علق المحقق - لم يذكر عمن روى، ومن روى عنه، وهو من المهتمين بذكر شيوخ الرجل وتلامذته. وغير ذلك من الفوائد المنثورة في الكتاب، التي يقدر أهميتها المحتاج إليها، المتلقط لها بنافذ بصيرته. وقد صنف الآجري الرواة الذين يذكر أخبارهم وأحوالهم على حسب بلدانهم، فيذكر المدنيين - مثلاً - ثم المكيين، وهكذا، جاء كتابه في عدة أجزاء. وقد يسّر الله تعالى الوقوف على الجزء الثالث منها - وهو في رواة الكوفة والبصرة - وقام بأعباء تصحيح نصوصه وتحقيقها تحقيقاً علمياً دقيقاً، أحد طلاب شعبة السنّة من قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية، وهو الأستاذ السيّد محمد عليّ قاسم العمري - الأردني - وقدّم ذلك لنيل شهادة العالمية (الماجستير) . فبذل في ذلك الجهد المشكور، وقدّم للكتاب مقدمة علمية رصينة فيها تعريف موجز بالإمام أبي داود، وجلى من أمره ما يتصل بموضوع الكتاب وهو النقد والجرح والتعديل، وعرف بجامع الكتاب أبي عبيد الآجري، وبكتب

стр. 8

على الطبقات، وكان ابن سعد من الأوائل الذين استخدموا هذا الأسلوب بعد أستاذه الواقدي فأبدع وأجاد، ونجد آخرين صنفوا كتبهم على النسب سواء كان ذلك إلى القبيلة، أو المدينة، أو الصنعة. على أن بعضهم قد عمد إلى استخدام أكثر من أسلوب كما هو الحال عند خليفة ين خياط، حيث صنف كتابه على الأنساب، ولكن ضمن الطبقة الواحدة. وهناك مسلك آخر قد سلكه بعضهم، وهو التصنيف على المدن، فيذكرون في مصنفاتهم تراجم أهل بلد معين، سواء كانوا من أهلها أصلاً أو ممن دخلها من غير أهلها، ومن أشهر ما ألف في هذا تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ﵀. والذي يعنينا من هذا كله هو ما ألّف في تراجم رواة الحديث النبوي الشريف، وقد اتبع مصنفوها أيضاً مناهج متعددة تبعاً للأغراض المقصودة منها، فمنها ما يهتم بحياة صاحب الترجمة وأخباره، فيذكر سنة مولده ووفاته ويطيل في أخباره والمشاهد التي شهدها، ومعتقده والمناصب التي شغلها إن كان من ذوي الشأن، وما قيل فيه من جرح أو تعديل، إلى غير ذلك من معلومات، وقد مال بعضهم إلى الاختصار على ذكر ما قاله الأئمة من جرح وتعديل بعبارات مقتضبة. وهكذا تكاثرت الكتب المؤلفة في رجال الحديث، وتبعاً لذلك تشابهت الأسماء وأصبح من الصعب التمييز بين كثير منها، مما دفع بعضهم إلى تأليف كتب خاصة تهتم بضبط أسماء الرواة، وأخرى للتمييز بين الرواة بالقرائن إن كانوا من أهل بلدة واحدة، أو طبقة واحدة. إن المتتبع لما أُلف في الحديث النبوي الشريف على اختلاف علومه ليجد أن هذا العلم قد حظي بعناية بالغة حققت الأهداف المنشودة منه. ولم يكن

стр. 9

التأليف في هذا الفن مجرد تحقيق رغبة علمية فحسب، بل لما لهذا العلم من مساس بأحكام هذا الدين الحنيف، وخدمة السنة أمر واجب على أتباعها ولا يكون ذلك إلاّ بالإحاطة بأحوال نقلتها، ولهذا فقد اتبع علماء الإسلام من المحدثين أساليب علمية دقيقة سبقوا غيرهم باستخدامها في مجال البحث والتدقيق. سائلاً المولى جلّ وعلا أن يحفظ للإسلام مجده ولأهله العزة والسؤدد، وأن يجزي كل من أراد خدمة هذا الدين خير الجزاء، وهو نعم المولى ونعم النصير.

стр. 10

المقدّمة أبو داود السجستاني ﵀: نسبه: هو الإمام الجليل إمام عصره سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران أبو داود السجستاني١ صاحب السنن. مولده ووفاته: ذكر الآجري٢ صاحب السؤالات أن أبا داود ولد سنة ٢٠٢هـ، وكانت وفاته في السادس عشر من شوال سنة ٢٧٥هـ بالبصرة٣. ويكون بذلك قد عاش في هذه الدنيا ٧٣ عاماً قضاها في خدمة العلم وأهله..

стр. 11

أهم شيوخه: رحل أبو داود وطوف بالبلاد شرقاً وغرباً، وسمع خلقاً كثيراً من كبار المحدثين في مختلف البلاد، ومن أشهرهم: الإمام أحمد بن حنبل وابن معين وهما اللذان أخذ عنهما علم الحديث١. كما روى عن ابن المديني، ومسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وأبي الوليد الطيالسي، وقتيبة بن سعيد وغيرهم من الأئمة. أهم تلاميذه: روى عنه الأئمة، أمثال أبي عيسى الترمذي صاحب الجامع، وهو من أقرانه، وأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي صاحب السنن، وابنه عبد الله بن أبي داود الحافظ، وأبي عوانة يعقوب بن إسحاق الاسفراييني. وأبي بشر محمد بن أحمد بن سعيد الدولابي، وأبي عمرو أحمد بن علي بن الحسن البصري، وأبي بكر محمد بن داسة، وزكريا الساجي، وأبي عبيد الآجري، وغيرهم. توثيقه: اتفق أهل العلم على توثيق أبي داود ﵀ وسأقتصر في هذا المقام على ذكر أقوال بعض أهل العلم فيه: قال ابن حبان ﵀: "كان أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً ونسكاً وورعاً وإتقاناً، جمع وصنّف وذبّ عن السنن"٢.. وقال الهروي: "كان أحد حفاظ الإسلام، في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع"٣..

стр. 12

وقال النووي: "اتفق العلماء على الثناء على أبي داود، ووصفه بالعلم الوافر والإتقان والورع والدين والفهم الثاقب في الحديث وغيره"١. مكانته العلمية، وثناء أهل العلم عليه: عاش أبو داود ﵀ في بيئة علمية مكنته من ارتقاء أرفع مراتب المعرفة، وخاصة في علم الحديث النبوي الشريف، إلى جانب ما بذله من جهد شاق خلال رحلاته المتتالية وتتلمذه على من طارت شهرتهم في الآفاق، فكان من نتيجة هذه العوامل مجتمعة أن أصبح ﵀ عَلماً من أعلام الإسلام. وهذه طائفة من أقوال الأئمة والحفاظ فيه: قال أبو بكر الصاغاني: "ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود ﵇ الحديد"٢. وقال أبو عبد الله بن مندة: "الذين أخرجوا وميزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة: البخاري ومسلم، وبعدهما أبو داود والنسائي"٣. وقال أبو عبد الله الحاكم: "إمام أهل الدنيا في عصره بلا مدافعة"٤. وقال أبو بكر الخلال: "الإمام المقدم في زمانه لم يسبق إلى معرفته بتخريج العلوم وبصره بمواضعه، رجل ورع مقدم"٥. وقال موسى بن هارون: "خلق أبو داود في الدنيا للحديث وفي الآخرة للجنة"٦.

стр. 13

وكان إبراهيم الأصبهاني، وأبو بكر بن صدقة يذكرونه بما لا يذكرون أحدا في زمانه بمثله١. عقيدته: عاش ﵀ في فترة زمنية ظهر فيها العديد من الاتجاهات الفكرية، فكان في الكوفة المذهب الشيعي، وكانت بالبصرة موطن القدرية، والشام موطن الناصبة، إلى جانب بعض الطوائف الأخرى كالخوارج والجبرية والمرجئة والجهمية، والقائلين بالاعتزال. وقد كان التخاصم فيما بين تلك المذاهب من أهم العوامل في تنشيطها وسرعة انتشارها. وهكذا ابتلي بها الكثيرون من الساسة فضلاً عن عوام الناس، بل أن مذهب الاعتزال تربع على مقعد السلطة أيام المأمون، حتى صار يحكم بمبادئه، ويحارب ويذل من خالفه، ومسألة القول بخلق القرآن من أبرز الدلائل على ذلك. وبحكم ترحال أبي داود المستمر في البلاد فقد باشر ﵀ بنفسه أهل تلك الطوائف على اختلاف اتجاهاتهم، فعرف ما تنطوي عليه عقائدهم الفاسدة، الأمر الذي باعد بينه وبينهم، فسلك سبيلاً غير سبيلهم، سبيل الاستقامة والسلامة، ولا ريب أن تأثره بشيخه الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنّة والجماعة كان عاملاً هاماً في ثباته على مسلكه القويم، الذي ارتضاه السف الصالح لأنفسهم، فضلاً عن ذلك النوع من العلم الذي تخصص فيه ﵀ وفيه ما يعصم الإنسان من الوقوع في المهالك. وهكذا فقد عصمه الله تعالى، فكان إماماً من أكابر أهل السنّة والداعين إليها، وكثيراً ما نراه يحطّ من قدر أولئك المنحرفين باتباعهم مذاهب لا تقوم بها حجة شرعية وفي هذا الكتاب المحقق الكثير من الأدلة على ما نقول.

стр. 14

رحلاته: لما كانت السنّة النبوية ذات مكانة هامة في التشريع الإسلامي فقد بذل العلماء ما في وسعهم لخدمتها، فرحلوا المسافات البعيدة من أجل تقييد الحديث وجمعه والوقوف على أحوال رواته، وشعارهم في ذلك قوله ﷺ : "مَنْ سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة"١. وقد اعتبر كثير من العلماء الرحلة أمراً ضرورياً للمشتغل بالحديث. قال ابن معين ﵀: "أربعة لا يؤنس منهم رشداً... وذكر رجلاً يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث"٢. وكذلك كان أحمد ﵀ ممن يرى ضرورة الارتحال في طلب العلم٣. وهو مذهب جملة من العلماء كابن الصلاح٤. ولإدراك أبي داود لهذه الحقيقة فقد شرع منذ الصغر في رحلاته، فرحل إلى بغداد، وصادف ذلك وفاة عفان بن مسلم فقال: شهدت جنازته وصليت عليه٥. وكان ذلك سنة ٢٢٠هـ، وعليه فإن عمره كان حينئذ ثمانية عشر عاماً. وقد دخل بغداد غير مرة وكان آخرها سنة ٢٧٢هـ، وقدم الكوفة سنة ٢٢١هـ، ورحل إلى البصرة وسكنها، وفيها كانت وفاته. ولم يقتصر ﵀ في رحلاته على مراكز العلم في العراق، بل رحل إلى مصر والشام، وفيها كتب عن إسحاق بن إبراهيم الفراديسي، وإلى خراسان والحجاز والري٦، وغير ذلك من بلدان العالم الإسلامي. وقد أطلق عليه الحافظ ابن كثير ﵀ لقب الرحّال حيث قال: "أحد أئمة الحديث الرحّالين إلى الآفاق في طلبه"٧.

стр. 15

وقد ترتب على هذا الجهد المبذول أن صار أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً وفارساً من فرسان الحديث النبوي الشريف. أشهر مصنفاته: تقدم أن أبا داود ﵀ حظي بمكانة علمية عالية شهد له بها الجهابذة، حيث قضى حياته في طلب العلم وتحصيله، وما أن ترك الدنيا حتى خلف للمسلمين ثروة من مصنفاته التي تعد من أنفس كتب التراث الإسلامي ومن أهمها: كتاب السنن: وقد جمع فيه الأحاديث المتعلقة بالأحكام والأمور الفقهية، ورتبه على أبواب الفقه، وعدتها ثمانمائة وأربعة آلاف حديث، وذكر شرطه فيه فقال: "ذكرت فيه الصحيح، وما يشبهه، وما يقاربه، وما كان في كتابي هذا من حديث فيه وهن شديد بيّنته، وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح"١. وقد لاقى كتاب السنن إعجاباً بالغاً عند أهل العلم، بل كان ينافس الصحيحين منافسة قوية أول أمره، قال فيه الخطابي: "إنه لم يصنف في علم الدين مثله، وهو أحسن وصفاً وأكثر فقهاً من الصحيحين"٢. وقال ابن قيم الجوزية ﵀: "كتاب السنن لأبي داود من الإسلام بالموقع الذي خصه الله به بحيث صار حكماً بين أهل الإسلام، وفصلاً في موارد النزاع والخصام، فإليه يتحاكم المنصفون، وبحكمه يرضى المحققون، فإنه جمع شمل أحاديث الأحكام، ورتبها أحسن ترتيب ونظمها أحسن نظام مع انتقائها أحسن انتقاء، وإطراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء"٣. وقد اعتنى العلماء به عناية بالغة فشرحوه شروحاً متعددة٤..

стр. 16

كتاب المراسيل: وهو أحد أجزاء السنن الثمانية عشرة، وقد أفرده العلماء بجزء مستقل، ذكر فيه أبو داود ما يروى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ من المراسيل، منها ما لا يصح ومنها، ما يسند عند غيره وهو متصل صحيح١. كتاب مسائل أبي داود للإمام أحمد في الرواة٢: وقد رتبه على البلدان٣. كتاب مسائل أبي داود للإمام أحمد في الفقه٤. كتاب السؤالات، الذي بين أيدينا من جمع تلميذه الآجري. كتاب البعث والنشور٥. كتاب تسمية الإخوة الذين روي عنهم الحديث٦. الناسخ والمنسوخ٧. مسند مالك٨. دلائل النبوة٩. كتاب أصحاب الشعبي١٠. كتاب الرد على أهل القدر١١. وله مصنفات أخرى تدل على غزارة علمه في مختلف العلوم.

стр. 17

أبو داود إمام في الجرح والتعديل: إن علم الجرح والتعديل من أصعب علوم الحديث، فلا يقدم على الخوض فيه إلاّ من اتصف بسعة الاطلاع في الأخبار المروية ورواتها، عارفاً بأحوال أولئك الرواة ومقاصدهم، وطرق مروياتهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل أو الانحراف عند بعضهم، إضافة إلى معلومات حديثية أخرى، كمعرفة سنة ولادة الراوي، ووفاته وممن سمع ومن أخذ عنه، وكيف كانت كتبه هل هي صحيحة أولا، إلى غير ذلك مما لا بد منه في هذا الميدان. والناقد لا بد وأن يكون أيضاً ذا فهم حاد ويقظة، واعياً لكل ما ينطق به في هذا المجال، لا يستفزه غضب ولا يستميله هوى، ولا يتجاوز في حكمه على أحد فيصدر حكمه بأمانة علمية. وهذه المرتبة من العلم صعبة المرتقى وشائك سبيلها، لا ينالها إلاّ من سهل الله سبيل الوصول إليها، فلم يبلغها إلاّ الأفذاذ ممن بزوا أقرانهم، فكم من عالم لا يعوّل على ما يقوله في هذا الفن. قال ابن المديني ﵀: "أبو نعيم وعفان - يعني الفضل بن دكين، وعفان بن مسلم - لا أَقْبَلُ كَلامَهُمَا فِي الرِّجَالِ هَؤُلاءِ لا يَدْعُونَ أَحَدًا إِلا وقعوا فيه"١. وأبو نعيم وعفان من كبار المحدثين، وممن نالوا شهرة بالغة، ولكنهم مع ذلك لا يلتفت إلى تجريحهم أو تعديلهم في

стр. 18

الرواة على أن عبارة ابن المديني تفيد أنهما ممن أكثر في النقد، لكنا لا نجد مما قالوه في كتب هذا الفن إلاّ القليل النادر مع كثرتها، إذ أغفلت ما صدر عنهم. وقد نبغ في هذا الفن أناس يدين لهم به كل منصف أمين لما قدموه من خدمة بالغة الأهمية لا يستطيع غيرهم أن يسديها، فاستسهلوا من أجل ذلك الصعب بدافع ديني نبيل وفطري سليم، وكان من بين هؤلاء إمامنا الجليل أبو داود السجستاني ﵀ وقد نوّه الأئمة بفضل هؤلاء النقاد وأشادوا بجهدهم الكريم في مقدمات كتبهم التي ألفوها في هذا الميدان كابن أبي حاتم وابن عدي، والذهبي وغيرهم، وكم كان بودي أن أعثر على ذكر لأبي داود فيمن ذكر ليكون ذلك عوناً لي في بحثي هذا، ولكني لم أر من ذكره كناقد فيمن ذكر من ذوي الشأن، ولا أقول هذا اعتراضاً عليهم، فالقوم لم يلزموا أنفسهم بذكر سائر النقاد، ولكن قد يظن بعضهم أن عدم ذكر من هم مثل أبي داود في تعداد أولئك إنما هو للتقليل من شأنهم، أو لأنهم لم يبلغوا مرتبة في هذا الفن يستحق من أجلها أن يذكروا في مصاف النقّاد الكبار. الواقع غير ذلك، فإنني أستطيع الجزم بأن أبا داود من كبار النقاد ومن الذين شاركوا في إنشاء أسس هذا الفن، وليس من حقي أن أغمط كلاً من السخاوي والسبكي - رحمهما الله - حقه. ففي ذكرهما لطبقات النقّاد ذكرا أبا داود في الطبقة التي تلي طبقة الإمام أحمد١. وتجدر الإشارة إلى أنني لم أعثر على أي بحث مستقل حول أبي داود في النقد فيما اطلعت عليه. وأكبر الشواهد على إمامته وأكثرها وضوحاً هذا الكتاب الذي بين أيدينا الآن إذ يحتوي على الآلاف ممن تكلم فيهم أبو داود بجرح أو تعديل، أو غير ذلك سواء كان من اجتهاده، أو آثراً عن شيوخه، بالإضافة إلى معلومات حديثية أخرى. ولم يختصر ﵀ على نقد رواة أهل مصر معين، كلا، بل تكلم في رواة الحديث من سائر البلاد الإسلامية، وفي هذا الكتاب رواة الحديث من بغداد والكوفة، والبصرة ودمشق، والثغور وأيلة والجزيرة، وبلاد أخرى كثيرة، ولكم

стр. 19

أود أن يخرج هذا الكتاب بكامل أجزائه والتي أتصور أن تبلغ ثمانية كبار بما في ذلك المفقود. وقد تكلم أبو داود ﵀ في الرواة بلسان الناقد البصير، ولم أر في كلامه ما يدعو إلى الاستغراب، فلم يكن لينفرد بما لا يتابع عليه في أحكامه إضافة إلى ما يدعم به رأيه من أدلة إذا اقتضت الضرورة. وأبو داود ﵀ خاض غمار هذا الفن بعلمه واجتهاده، فلم يكن متبعاً، بل كان له رأيه المستقل، وقد قرأت كتاب السؤالات بأجزائه الثلاثة الموجودة، وتتبعت ما قاله باجتهاده وما نقله عن شيوخه، وأذكر هنا أن نسبة أقواله في هذا الجزء المحقق تزيد على ٩٠% من مجموع الآراء التي قيلت فيما احتواه من رجال. وقد يخالف رأي شيخه فها هو يوثق العوام بن حمزة، ورد على شيخه ابن معين، إذ ضعّفه بقوله: "مَا نعرف لَهُ حَدِيثًا منكرًا"١. وقال في نوح بن قيس: "ثقة"، بلغني أن يحيى ضعّفه. وقد أنكر على عفان بن مسلم إذ يروي عَن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن إِبْرَاهِيم صاحب العلاء، وقال: هو عندي منكر الحديث٢. ومثل هذا كثير. وهذه النماذج لا تدع مجالاً للشك في أن أبا داود من أهل الخبرة والاستقراء، والتثبت في النقد شديد الاحتياط في قبول الروايات. نقل العقيلي في ترجمة يعقوب بن كاسب عن زكريا بن يحيى الحلواني٣ قال: "رأيت أبا داود السجستاني قد جعل حديث يعقوب بن كاسب في وقايات٤ على ظهور كتبه، فسألته عنه فقال: رأينا في سنده أحاديث أنكرناها فطالبناه بالأصول فدافعنا، ثم أخرجها بعد فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيرة بخط طري، كانت مراسيل فأسندها وزاد فيها"٥.

стр. 20

إن البراعة النقدية التي تمتع بها أبو داود كما ترى يعجز الكثير من النقّاد عن بلوغها، وإنه لنقد علمي سليم، يقوم على نقد الكتابة والمخطوطات، وتقدير عمرها بالنظر في جديد الخط وقديمه، وقد علّق فضيلة الشيخ محمد الصباغ على هذا بقوله: إنه مجال سبق إليه أبو داود، ويحسب بعض الباحثين أنه جديد وأن الأقدمين لم يعرفوه١. وقد شهد الأئمة لأبي داود بإمامة عصره في الحفظ والإتقان، ومعرفة علل الحديث، والتبصر بأحوال الرواة، وها هو يسئل عن الأئمة الكبار، سأله الآجري قائلاً: "أيهما أعلم بالرجال يحيى أو علي؟ فقال: يحيى أعلم الرجال وليس عند علي من خبر أهل الشام شيء"٢. وحسب أبي داود اعتماد من جاء بعده على أقواله في هذا الفن إلى يومنا هذا، وأما ما قيل من أن أبا داود أكثر عناية بالمتون من الأسانيد فهذا لا يتعارض مع ما قلناه، وهذا في السنن إذ ضمنه من الأحاديث ذات الأحكام الفقهية ما لا يوجد في غيره من الكتب الستة، حتى قيل في سننه: "إنها أكثر فقهاً من الصحيحين"٣. على أن من يتتبع سننه يرى أنه يعقب على كثير من الأحاديث ببيان حال رواتها، وعما إذا كان هذا الحديث فرداً غريباً أو غير ذلك من أمور نقدية، فكان ﵀ عالماً بالمتون والأسانيد، ومن يطلع على ما ألفه في أحوال الرواة يظهر له الأمر جلياً، وقول ابن المديني يشهد لواقع أبي داود حيث قال: معرفة الرجال نصف العلم ومعرفة فقه الحديث نصف العلم٤.

стр. 21

مرتبة أبي داود بين النقّاد: سبق أن تكلمنا على إمامة أبي داود في النقد واعتماد الأئمة على أقواله وإخراجها في كتبهم، ولكن إلى أي طبقات النقد ينتمي إمامنا الجليل؟ وهنا أورد ما ذكره الذهبي في تقسيمه لطبقات النقاد ليتسنى للقارئ الكريم الوقوف على ماهية تلك الطبقات. قال السخاوي ﵀: قسم الذهبي من تكلم في الرجال أقساماً: ١- قسم تكلموا في سائر الرواة كابن معين وأبي حاتم. ٢- وقسم تكلموا في كثير من الرواة كمالك وشعبة. ٣- وقسم تكلموا في الرجل بعد الرجل كابن عيينة والشافعي. قلت: "واعتماداً على ما استخلصته من نتائج من خلال دراستي لكتاب السؤالات تبين لي أن أبا داود من القسم الأول - أعني الذين تكلموا في سائر الرواة. وقد أشرت مسبقاً إلى أنه تكلم في رواة الحديث على اختلاف بلدانهم وتبيانها". ثم تابع الذهبي قائلاً: والكل على ثلاثة أقسام: ١- قسم منهم متعنت في الجرح متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاثة، فهذا إذا وثق شخصاً فعضّ على قوله بنواجذك وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعّف رجلاً فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه، فإن وافقه ولم يوثق ذلك الرجل أحد من الحذاق فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا هو الذي قالوا فيه: لا يقبل الجرح فيه إلا مفسراً. يعني لا يكفي فيه قول ابن معين مثلاً ضعيف، ومثل هذا يختلف في تصحيح حديثه وتضعيفه. قال السخاوي: "ثم قال الذهبي وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال: لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن على توثيق ضعيف

стр. 22

ولا تضعيف ثقة، ولهذا كان مذهب النسائي، أن لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه". ٢- وقسم منهم متمسح كالترمذي والحاكم. ٣- وقسم معتدل كأحمد والدارقطني وابن عدي١. قلت: وبعد التمحيص والتدقيق في أقوال أبي داود في الرواة ومقارنتي لها بأقوال الأئمة أكاد أجزم بأن أبا داود كان من القسم الثالث، أعني من وصف بالاعتدال، فلم يكن ﵀ متشدداً في توثيق الرواة متساهلاً في تجريحهم، ولا ممن تعنت فجرح من كان ثقة، أو ممن تساهل فوثق من كان مجروحاً، بل راعى في أحكامه مناهج أهل الاعتدال. ولقد تأثر بمنهج شيخه الإمام أحمد تأثراً كبيراً ظهرت نتائجه في سمته وعلمه ومنهاجه. قد يسأل سائل فيقول: "فما مدى تأثره بمنهج شيخه ابن معين وهو من المتشددين في النقد؟ " أقول: إن ابن معين ﵀ قد شارك بقدر كبير في نشأة أبي داود العلمية، فلما بلغ أبو داود ﵀ مبلغاً علمياً رفيعاً مكنه من النظر في الأمور بدقة، نهج منهج أهل الاعتدال لأنه يستقيم مع معلوماته ودرايته، فكان قريباً كل القرب من منهج شيخه أحمد بن حنبل، وإن كان هذا لايمنعه من استعراض بعض آراء شيخه ابن معين والأخذ بها، وقد يتابعه فيما ينفرد فيه أحياناً وهذا قليل. وبين يديّ قضية أود أن أطرحها، وهي ما مدى اتفاق أقوال أبي داود مع أقوال الحافظ ابن حجر في التقريب؟ سؤال قد يبدو غريباً لأول وهلة، فأبو داود ممن شاركوا في وضع أسس هذا الفن، وإمام له اجتهاده الخاص في حين أن ابن حجر لم يكن كذلك، أقول هذا حق، ولكن ابن حجر في التقريب خرج بخلاصة أقوال الأئمة بعبارة ذات مدلول معين مراعياً في ذلك قول من عرف بالتعنت أو التساهل، ومن جرح ببينة أو مجرد قول قيل، فخرج بقول وسط

стр. 23

يحكم من خلاله على الرواة، فكأني أقول ما مدى موافقة أبي داود لخلاصة أقوال الأئمة؟ وهو ما فعله ابن حجر فكان قوله وسطاً على وجه التغليب. وقبل الإجابة على هذا السؤال أحب أن أشير إلى أن الأقدمين قد استخدموا عبارات لها مدلولات تختلف عما اصطلح عليه المتأخرون في العبارات ذاتها. فالثقة مثلاً عند المتقدمين أعم مما اصطلح عليه المتأخرون الذهبي وابن حجر مثلاً، فهي تشمل الصدوق عند المتأخرين أيضاً، فيراعى هذا، وقد قمت بتتبع عبارات أبي داود في هذا الجزء المحقق وقارنتها بقول ابن حجر، وقلما يخالف أحدهما الآخر. كما أنهما يتفقان في الغالب فيما يقال فيه ثقة، وأحياناً يكون ما هو ثقة عند أبي داود صدوقاً عند ابن حجر، وقد يكون ثبتاً أو ثقة حافظاً، وكثيراً ما يتفقان على ما يقال فيه لا بأس به أو صدوق. وهذا مما يوضح لنا مدى الاعتدال الذي نهجه أبو داود رحمه الله تعالى. منهج أبي داود في النقد: اتبع النقاد في نقدهم لرواة الحديث مناهج متعددة تمكنوا بواسطتها الكشف عن أحوال الرواة، والوقوف على صحيح مروياتهم من سقيمها، وقد شارك أبو داود ﵀ بنصيب كبير في تحديد المنهج النقدي عند المحدثين، ويمكن تلخيص منهجه في النقاط التالية: ١- النزاهة العلمية: تمتع أبو داود ﵀ بنزاهة علمية رفيعة ولا غرابة، فقد نشأ منذ نعومة أظفاره نشأة علمية سليمة، مبتغياً وجه الله تعالى، متمسكاً بما يمليه عليه دينه الحنيف من استقامة لا عوج فيها ولا انحراف، فما يصدر حكماً على راوٍ إلا لتحديد موقف الناس منه ببيان حقيقة أمره، فلا مجال لهوى يتبع، فلا يذكر الراوي إلا بما فيه إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، لا فرق في ذلك بين قريب وبعيد، وها هو ﵀ يجرح ابنه ويرميه بالكذب لأنه يرى أنه ليس أهلاً

стр. 24

لأن يؤخذ عنه الحديث الشريف، ولم يكن يقتصر على ذكر جانب السوء في الراوي فحسب أو العكس، بل كان يذكر فيه ما يحمد أو يذم من أجله. سأله الآجري عَن عَمرو بْن ثابت١ فَقَالَ: هو رجل سوء وجعل يذمه، لكنه قال: ليس حديثه يشبه حديث الشيعة، يعني أن أحاديثه مستقيمة. فذمه لأنه كان من غلاة الشيعة، لكنه لم ينكر أن أحاديثه مما يؤخذ بها فوصفها بالاستقامة، ومثله أيضاً ما قاله في يونس بن خباب٢ ووصفه بأنه شتّام للصحابة - رضوان الله عليهم -، لكنه أردف قائلاً: وليس في حديثه نكارة، وقال في أيوب بن عائذ٣: "ثقة إلا أنه مرجئ"، فالرجل عنده ثقة لكنه لم ينس أن يذكره بما عيب به وهو مخالفته لأهل السنة باتباعه سبيلاً غير سبيلهم. والأمثلة الدالة على نزاهته المتناهية لا عد لها ولا حصر ﵀. ٢- الدقة العلمية: إن المتتبع لما قاله أبو داود في الرجال ليجد أنه ذو وصف علمي دقيق لحالهم، فنراه يجري المقارنات فيمن هم من مرتبة واحدة كأن يكونوا ثقات أو غير ذلك، مما يفيد ويلزم عند التعارض والترجيح، فينزل كل راوٍ منزلته، ويعطي كل ذي حق حقه. كما ويذكر مواطن الرواة وسني ولادتهم ووفياتهم وعمن رووا سماعاً أو بالإرسال، بل ويحدد وقت لقي بعضهم ببعض، وأيهم المكثر من المقل، ووقت اختلاط بعض من اختلط منهم، ومن روى عنه قبل وبعد الاختلاط، وكم روى بعضهم عن بعض، ومن أثبتهم في راوٍ معين، وعلة تضعيف بعض الروارة، وغير ذلك مما يعجز عن وصفه الكثير من الحذاق في هذا الفن. ٣- الأمانة العلمية: كان أبو داود ﵀ أميناً صادقاً في حكمه على الرواة، فلا يُصدر

стр. 25

حكماً إلا بما يعلم، وإذا لم يجد من علمه ما يمكنه أن يُصدر حكمه أحال على غيره من شيوخه، وكم من مسألة سئل فيها فقال: "لا أدري". سأله الآجري عن عرفجة العمي١ فقال: "لا أعرفه". وعن سالم المرادي٢ فَقَالَ: "لَيْسَ لي بِهِ علم". وعن العلاء بْن خَالِد فَقَالَ: "مَا عندي من علمه شيء"٣. وسئل: هل سمع عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أَبِي ليلى من عمر ﵁ فقال: "قَدْ رَوَى ولا أدري يصح أم لا، وقد رأيت من يدفعه"٤. وقال في أبي إسرائيل الملائي وهو رافضي: "لم يكذب وليس في حديثه نكارة، حدّث عنه الثوري". إنها الأمانة العلمية التي حملته على قول الحق بكل صدق وإخلاص. ٤- الجرأة في قول الحق: لم يقدم النقاد على نقد الرجال إلا بدافع ديني يدعوهم إلى تنزيل كل راوٍ منزلته التي تليق به إقراراً للحق، وتلبية لنداء الفطرة، وفي هذا نصح للأمة، فأظهروا من هم أهلاً للرواية ممن ليسوا بأهل لها، ولم يخشوا في قول الحق أحداً. ذكر ابن مبارك رجلاً فقال: "يكذب"، فقيل: يا أبا عبد الرحمن تغتاب؟ قال: "اسكت، إذا لم نبين كيف يعرف الحق من الباطل٥؟ " وقال ابن عُلَّية في الجرح: "هذا أمانة ليس بغيبة"٦. وهذا أبو داود يقضي بأن ابن معين أعلم في الرجال من ابن المديني قائلاً: "يحيى أعلم بالرجال وليس عند علي من علم أهل الشام شيء". وقال في عليّ بن الجعد الجوهري: "رجل سوء لأنه كان من غلاة الشيعة" ومثله ما قاله في رياح بن عمرو القيسي ونسبه إلى الزندقة، وسأله الآجري عن الحسن بن ذكوان قائلاً: "زعم قومُ أَنَّهُ كَانَ فاضلًا"، فقال: "ما بلغني عنه فضل".

стр. 26

وقال محمد بن رجاء البصري: قلت لأبي داود: "لم أرك حدثت عن الرمادي١؟ قال: رأيته يصحب الواقفة٢ فلم أحدث عنه"٣. لقد كان الحق يجري على لسانه ﵀ في كل أمر يهم أمور المسلمين. ٥- موقف أبي داود من أهل الإبتداع: اختلف المحدثون في قبول الرواية عن أهل الإبتداع كالخوارج والرافضة والقدرية، فمنعته طائفة منهم مالك وابن عيينة وعلي بن حرب وغيرهم، ورخصت فيه طائفة إذا لم يتهموا بالكذب، وقال به ابن المديني وابن سعيد القطان. قال ابن المديني ﵀: "لو تركت أهل البصرة للقدر وأهل الكوفة للتشيع لخربت الكتب"٤، وذهب آخرون إلى منع الرواية عمن يدعو إلى بدعته دون غيره، ومن هؤلاء أحمد بن حنبل وابن معين. والمانعون للرواية مطلقاً ذهبوا إلى أن المبتدعة كفار على رأي من ذهب إلى تكفير المتأولين، أو فساق على رأي من لم يحكم بكفرهم، على أن بعضهم إنما عمد إلى ترك الرواية عنهم من باب العقوبة والإهانة، أو لأنه لا يؤمن جانب هؤلاء من الكذب. وعلى الرأي الأخير يستثنى من هؤلاء ما قاله أبو داود ﵀: "لَيْسَ فِي أَهْلِ الأَهْوَاءِ أَصَحُّ حَدِيثًا مِنَ الْخَوَارِجِ"ثُمَّ ذَكَرَ عِمْرَانَ بْنَ حِطَّانَ وَأَبَا حَسَّانٍ الأعرج٥. قلت: وعمران بن حطان، وأبو حسان الأعرج أخرج لهما أبو داود في سننه، والمتتبع لمن أخرج لهم أبو داود ﵀ في سننه يرى أنه يروي

стр. 27

الحديث عمن رمي ببدعة إذا كان أهلاً لأن يؤخذ عنه، فها هو يروي عن إسماعيل بن بشير بن منصور، ونعمان بن المنذر الغساني، وهما متهمان بالقدر، وعن حصين بن نمير الواسطي، ونعيم بن أبي هند، وهما ناصبيان، وعن خلاد بن يحيى السلمي، وعبد الحميد بن يحيى الحماني وهما من المرجئة، وعن الفضل بن دلهم١ وهو معتزلي، وعن إسماعيل بن موسى الفزاري، ويونس بن خباب، وجابر بن يزيد الجعفي وهم من الروافض. بل وقد ينفرد بالرواية عن أناس ممن تكلم فيهم ببدعة فيخرج لهم في سننه دون غيره، كروايته عن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن، ويونس بن راشد الحراني، فالأول قدري، والثاني مرجئ. ومثل هذا كثير، ولم ينفرد أبو داود ﵀ بهذا بل إن في البخاري ومسلم أعداداً ممن رمي ببدعة، فإذا كان المبتدع ثبت الأخذ والأداء، وغير داعية لبدعته، وليس في حديثه ما يعضد بدعته روى حديثه، وهذا ما جرى عليه أكثر الأئمة رضوان الله عليهم، وقد يكون في هؤلاء من هو داع لبدعته، لكن الأئمة كأبي داود وغيره أعلم بروايات هؤلاء من غيرهم فيروون ما يرون أنه مما يؤخذ به ويتركون ما عداه٢، والله أعلم. ٦- عدم قبول الجرح إلا مفسراً: شارك أبو داود ﵀ كثيراً من النقاد بهذا الرأي، وهذا بالطبع فيمن تعارض فيه الجرح والتعديل. قال الخطيب: "وهو مذهب حفاظ الحديث ونقاده مثل محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم، فالبخاري احتج بجماعة سبق من غيره الطعن فيهم، وهكذا فعل مسلم بن الحجاج، وسلك أبو داود هذه الطريق وغير واحد من بعده فدل ذلك على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إذا فسر سببه، وذكر موجبه"٣

стр. 28

وقد سلك النقاد مذاهب عدّة، وربما جرح بعضهم من لا يستحق الجرح أو جرح بما لا يكون جرحاً عند غيره، ولهذا فقد كان أبو داود ﵀ يخرج حديث من ضعف بالجملة. قال المنذري في مختصر السنن في حكايته عن ابن مندة أنه قال: إن شرط أبي داود إخراج حديث قوم لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال١, ولهذا فقد ذهب إلى توثيق العوام بن حمزة والذي ضعفه شيخه ابن معين فقال: لم نر له حديثاً منكراً أي يستوجب ضعفه، وهكذا قال في نوح بن قيس: ثقة بلغني أن يحيى ضعفه، أي بدون حجة.

стр. 29

أبو عبيد الآجرّي: دأب المحققون على ذكر ترجمة لمؤلف الكتاب - سواء كان ذلك الكتاب من تأليفه أصلاً أو من جمعه وتصنيفه كالآجرّي هنا - المحقَّق لما لذلك من أهمية، ولا شك أن كل قارئ لأي كتاب ما فأول ما يبدي اهتمامه بالمؤلف ليطمئن إلى ما يقرأ، بل إن الكثيرين يفضلون مؤلفات لمؤلفين أُعجبوا بهم أيما إعجاب، لما اتصفوا به من قدرة علمية تتيح للقارئ الوصول إلى النتائج المرجوة بأساليب جذابة. وإعجاب القارئ بالمؤلف يختلف باختلاف الأمر المقصود من القراءة فنرى مثلاً أن من أراد البحث في علل الحديث فأول ما يتبادر إلى ذهنه ما كتبه أهل هذا الفن كأحمد بن حنبل والدارقطني، ومن أراد الفقه فيتبادر ذهنه كتب الأئمة الأربعة. ومن هنا كان التعريف بالمؤلف وتسليط الأضواء على مختلف نواحي حياته العلمية أمراً ضرورياً، ليطمئن القارئ إليه في فنه المحقق. وقد يتصور القارئ الكريم بعد هذه النبذة البسيطة أني سوف أكشف له عن حياة الآجرّي وبإسهاب مستفيض، ولكني أتوقف قليلاً وأقدم لعزيزي القارئ أسفي الشديد إذ لم أتمكن من العثور على ترجمة هذا المؤلف - إن جاز

стр. 30

هذا التعبير - على الرغم من قدرته العلمية وخاصة في هذا الفن - أعني نقد الرواة ومروياتهم - ولقد أطلق عليه بعضهم لقب الحافظ١. والواقع أنني قمت بالبحث في كتب الرجال، وبطون الكتب التي يُظن أن تذكر عنه شيئاً، ولكني لم أجد شيئاً يمكن أن يصور لنا شخصية الرجل اللهم إلا بعض العبارات النادرة والمتناثرة في بطون الكتب كقولهم أبو عبيد الآجرّي الحافظ، وقولهم: صاحب أبي داود٢. مع أنني لمست منه قدرة علمية كبيرة في علم الحديث، ولا أعرف لم أكتنف الغموض حياة هذا الرجل مع أن كتب التراجم بأنواعها ترجمت لأناس هم دونه في المنزل بكثير بل ولا مقارنة ولعل أولى الكتب بذكره هو تاريخ بغداد، لأن الآجرّي إما أن يكون منسوباً لدرب الآجر وهي محلة ببغداد، أو إلى عمل الآجر وبيعه، إلى جانب أنه كان ملازماً لأبي داود، ومعلوم أن أبا داود سكن بغداد مدة من الزمن. وعلى أية حال فسأحاول جاهداً إعطاء القارئ صورة واضحة المعالم بعض الشيء بناء على ما تمكنت من استنتاجه من خلال تحقيقي ودراستي لكتابه السؤلاات وعلى ما وجدته من بعض العبارات بشأنه راجياً من الله أن أوفق في ذلك. نسبته ووفاته: هو أبو عبيد مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عُثْمَانَ الآجرّي٣ البصري٤ صاحب أبي داود السجستاني، أحد علماء القرن الثالث الهجري، والظاهر أن حياته أدركت

стр. 31

أوائل القرن الرابع الهجري، ودليل هذا أني وجدت أبا أحمد العسكري١ صاحب تصحيفات المحدثين يقول: ثنا أبو عبيد مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عُثْمَانَ الآجري في أكثر من موضع من كتابه المذكور٢. ومعلوم أن أبا أحمد العسكري ولد سنة ٢٩٣هـ وتأخرت وفاته إلى سنة ٣٨٢هـ مما جعلني أقطع بتأخر وفاته إلى ذلك الوقت. وقد أشار الدكتور فؤاد سزكين إلى تأخر وفاته لكنه لم يقم الدليل على ذلك، بل إن عبارته تفيد الاحتمال حيث قال ما نصه: وربما أدركت حياته أوائل القرن الرابع٣. ثقافته: إن عدم العثور على ترجمة الآجري كان له أثر كبير في اختفاء الجوانب الثقافية المختلفة لحياته، إذ لم يتيسر الكشف عن حدود ثقافته، بل ولا شيء منها سوى ما يمكن أن نلمسه من دراستنا للسؤالات. ومهما يكن من أمر فسأحاول البحث عن مدى ثقافته وفي الجانب الحديثي بالذات، لما له من علاقة بما نحن بصدده، معتمداً بالدرجة الأولى على بعض الأقوال النادرة فيه، ثم دراستي لكتابه الذي بين أيدينا. والذي ظهر لي أن الآجري ﵀ كان من العلماء النابهين حيث كان يلم بعلم حديثي غزير وخاصة في علم الرواة، مما جعل أهل العلم يطلقون عليه لقب الحافظ كما تقدم٤، وهذه الكلمة ذات مدلول علمي رفيع. ولعل أهم مقومات علمه أن عاش في عصر ازدهار العلوم، إلى جانب ملازمته لأبي داود ﵀ وهو العارف العالم بالصناعة الحديثية.

стр. 32

ومن هنا فقد ألم الآجري ﵀ بعلم الحديث إلماماً كبيراً نحكم من خلاله على مدى تمكنه فيه فنراه البادئ بالسؤال في جزئيات هذا الكتاب، بل وعن أمور ذات قيمة كبيرة في مجال النقد الحديثي، كما أن اختلاف طبيعة الأسئلة وتنوعها لدليل على غزارة علمه فيه، ولم يقتصر الآجري على البدء بالسؤال فحسب بل كان أحياناً يقوم بتفسير وتوضيح ما قد يشكل أو يصعب فهمه من عبارات أبي داود، وفي بعض الأحايين بدلي بما عنده من معلومات إذا اقتضت الحاجة، وهذه الأمور لا تصدر إلا عن عالم متمكن في هذا الفن. على أن هناك أمراً لا يمكن إغفاله، وهو تصنيف الآجري لكتاب السؤالات على البلدان ليكون بذلك سهل الاستخدام، الأمر الذي يدل بوضوح على إحاطته بفن التصنيف، وهو فن ذو أهمية كبرى، والآجري ليس مبتدعاً لهذا بل سبقه باستعماله آخرون، ولكن اختياره لهذا النوع من التصنيف إنما يدل على عقلية فذة وذوقٍ فنيٍ رفيع. توثيقه: لم أوفق في الحصول على عبارة صريحة في تعديل الآجري، إذ لم يترجم له أحد فيما أعلم حتى يذكر ما يفيد ذلك، إلا ما قاله الأئمة كالمزي والذهبي وابن حجر في ذكرهم لتلاميذ أبي داود حيث قالوا: وأبو عبيد الآجري الحافظ، وهذه الكلمة وإن كانت لا تدل على توثيق عند أئمة هذا الشأن فهي رتبة علمية رفيعة قل من يحصل عليها، ولكن إطلاق الحفاظ عليه لقب صاحب أبي داود ﵀، وهو الإمام الناقد المعتد بقوله ليفيد أن أبا داود قد رضي به في دينه وخلقه، واطمأن إليه لما وجد فيه من أهلية علمية تؤهله لأن يحتل هذه المكانة لديه. هذا بالإضافة إلى أن الأئمة اعتدوا بما نقله عن أبي داود وعملوا به على وجه التسليم، وعلى أية حال فمن الصعب أن أجزم بتوثيقه وإن كنت أشم رائحة ذلك.

стр. 33

شيوخه: ليس من السهل أن نتعرف على شيوخ الآجري قبل أن نعرف من هو بوضوح، وقد استطعت أن أعرف أربعة من شيوخه وهم: ١- الإمام أبو داود ﵀. ٢- محمد بن يونس الكديمي حيث ذكر الحافظ ابن حجر الآجري من تلاميذته١. ٣- محمد بن إسماعيل بن يوسف أبو إسماعيل الترمذي، كما تبين لي ذلك في السؤالات حول الكلام على مسلم بن إبراهيم الأزدي. ٤- الحسن بن علي بن عفان٢. تلاميذه: تمكنت بعد البحث من معرفة ثلاثة من تلامذته وهم: ١- أبو أحمد العسكري حيث كان يقول: ثنا أبو عبيد مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عُثْمَانَ الآجري٣. ٢- محمد بن عدي بن زحر المنقري، راوي كتاب السؤالات عنه٤. ٣- حسين بن محمد الشافعي ومن طريقه اقتبس الخطيب ٥٨ نصاً٥.

стр. 34

مؤلفاته وما روي من طريقه من كتب: لم أقف إلا على كتاب السؤالات الذي بين أيدينا، وقد روي من طريقة كتاب شيخه أبي داود: تسمية الإخوة الذين روى عنهم الحديث. علاقته بأبي داود ﵀: من خلال المقتطفات التي تمكنت من جمعها تبين لي أن الآجري كان ذا علاقة وطيدة بشيخه، ولعل هذا هو ما دعا المزي وغيره أن يطلقوا عليه لقب صاحب أبي داود. والظاهر أن الآجري ﵀ قد لازم أبا داود فترة طويلة من الزمن، حتى صار يعتد بما نقله عن أبي داود، بل إن كثيراً من أخبار أبي داود جاءت من طريقه، فنجد أنه ينقل لنا وقت ولادة أبي داود ووقت وفاته١، وكذا يروي ما يفيد أنه على علم تام به فيقول: كان أبو داود لا يروي عَن ابن الحماني٢ ولا عَن سويد٣ ولا عَن ابن كاسب٤. ومما يوضح هذا أيضاً أنه كان يحدد لنا بعض رحلاته فها هو يقول: دخل أبو داود الكوفة سنة إحدى وعشرين٥، فهذه الأمور لا تدع مجالاً للشك أنه كان من المقربين لديه، والله أعلم.

стр. 35

أهميّة كتاب السُّؤالات اهتم المؤلفون بعلم الرجال - وخاصة فيما يتعلق بالجرح والتعديل - بكتاب السؤالات اهتماماً بالغاً، حيث نقلوا منه أقوال أبي داود في هذا العلم. ومن الواضح أن هذا الكتاب يعد من الكتب القديمة التي تكلمت في الرجال، مما جعله أصلاً يعتمد عليه، وهذا ما نراه بوضوح في كثرة الافتباسات المتناثرة وبكثرة في كتب الرجال، ويمكن القول بأن كلاً من المزي والذهبي والخطيب البغدادي وابن حجر قد اعتمدوا عليه اعتماداً كبيراً في مختلف مصنفاتهم في الرجال، وهؤلاء أئمة النقد في عصورهم. وسيأتي الكلام على الكتب التي اعتمدت كتاب السؤالات كمصدر من مصادر النقد. ومما يزيد في فائدة هذا الكتاب تلك المقارنات الكثيرة بين الرجال فيه سواء كانت تلك المقارنات بين من هم من مرتبة واحدة كأن يكونوا ثقات مثلاً أو ضعفاء أو غير ذلك مما يلزم عند التعارض والترجيح، يضاف إلى ذلك ما اشتمل عليه الكتاب من علل حديثية، ومواد تاريخية.

стр. 36

موضوع الكتاب: بما أن هذا الكتاب يدور حول النقد وأحوال الرواة، فإني أرى من باب إتمام الفائدة أن أتكلم حول الموضوعات التالية وبإيجاز: أ- تعريف النقد. هو العلم الذي يبحث في تمييز الأحاديث الصحيحة من الضعيفة، والحكم على رواتها تجريحاً أو تعديلاً بألفاظ مخصوصة، وذات دلائل معلومة عند أهله. ب- مشروعية النقد: انعقد الإجماع على مشروعية الجرح والتعديل، إذ هو نصح للأمة، بل وعلى وجوبه إذا اقتضت الضرورة١. ج- دوافع النقد: منّ الله تعالى على هذه الأمة بحفظ دينها، ومعلوم أن أحكام ديننا لا تقتصر على القرآن، وإن كان هو المصدر الأول في التشريع، وقد تكفل الله بحفظه، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢. بل يضاف إليه السنة النبوية المطهرة من حيث الأهمية.

стр. 37

وبعد وفاته ﷺ كَانَ لا بد من نقل سنته خلفاً عن سلف إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وقد بذل الصحابة رضوان الله عليهم جهداً بالغاً في أداء هذا الواجب، فنقلوا لمن جاء بعدهم أقوال النَّبِيِّ ﷺ وأفعاله وما أقرَّ به، وكل ما له علاقة بهذا الدين، حتى غلب على الظن أنهم لم يتركوا شيئاً من سنته ﷺ إلا بيّنوها لتابعيهم. ولما فتحت الأمصار الإسلامية تفرق الصحابة رضوان الله عليهم، فمنهم من كان غازياً، ومنهم خرج في أرض الله هادياً ومرشداً. وقد كان لتفرقهم في البلاد، واختلاط الشعوب الإسلامية بغيرها أثر كبير، إذ مهّد هذا الأمر لأن ينال المغرضون من مكانة هذا الدين بتشويه معالم السنة بالتزوير واختلاق ما ليس منها. ولما كان الخطأ بالنسبة لبني الإنسان أمراً فطرياً، فقد أدخل في السنة ما ليس منها سواء كان الباعث على ذلك خطأ متعمداً أو غير ذلك١ مما دعا النابهين من علماء الحديث إلى القيام بنقد الحديث النبوي الشريف نقداً علمياً يتبين من طريقه الكشف عن صحيح الحديث من ضعيفه أو مختلقه. د- ميادين النقد: استخدم العلماء النقد كأسلوب من أساليب البحث العلمي الدقيق في مختلف مجالات الحياة العلمية. فقد استخدمه أهله في علم الاجتماع، والأدب وغير ذلك من العلوم، ولكن برز أثر استخدام هذا المنهج بجلاء ووضوح تام في الحديث النبوي الشريف٢. ولما كان المسلم معنياً بدراسة السنة النبوية دراسة واعية، كان لا بد من التثبت مما ينسب إلى صاحب التشريع ﷺ ، لذا توجه العلماء إلى استخدام هذا الفن بدقة علمية نالت إعجاب الباحثين.

стр. 38

هـ- مهمة الناقد: إن مهمة الناقد هي الحكم على الحديث من حيث الصحة أو الضعف، وذلك بعد جمع طرقه المتعددة، ومقارنتها والكشف عن أحوال رجالها. و نشأة النقد وتاريخه: بدأ النقد بادئ ذي بدء في عهده ﷺ ، ومن ذلك قوله: "ما أظن فلانا وفلاناً يعرفان من ديننا الذي نحن عليه" ١. وقوله ﷺ فِي أحدهم٢: "بئس أخو العشيرة" ٣. وقد كان النقد آنذاك على نطاق ضيق إذ لم تكن إليه حاجة، وما قيل من نقد إنما كان من باب الحيطة والتثبت. فضلاً عن وجود المشرع بين ظهرني الصحابة وتنزه هؤلاء عن الكذب وداوعيه. وبعد وفاته ﷺ ازداد اهتمام الصحابة بالحديث والتأكد من ثبوت نسبته إلى النَّبِيِّ ﷺ ، وكان أبو بكر الصديق ﵁ أول من احتاط في قبول الروايات حتى قال فيه الحافظ الذهبي: "إليه المنتهى في التحري والقبول"٤. وقصة تثبته في ميراث الجدة مشهورة٥. ثم جاء دور عمر بن الخطاب ﵁. قال ابن حبان: "إن عمر وعلياً كانا أول من فتشا عن الرجال وبحثا عن النقل في الأخبار"٦. ويمكن تفسير هذا بأن عمر وعلياً قد توسعا في التثبت والبحث عن أحوال الرجال توسعاً لم يكن معهوداً من قبل. وهكذا قام الصحابة من بعد بدور بالغ الأهمية في هذا المجال، وممن عرف بذلك عائشة ﵂ وأنس بن مالك وآخرون.

стр. 39

ثم جاء دور التابعين ليشاركوا في هذا المجال، فبرع فيهم الكثيرون أمثال محمد بن سيرين، وهو أول من تكلم في الرجال من التابعين١، ولم ميدان النقد مقصوراً على المدينة باعتبارها مهد الدولة الإسلامية، بل انتشر هذا المنهج في سائر البلاد الإسلامية فبرع بالكوفة النقّاد العظام ولهم في البصرة نظائر، وكذا في بغداد وبلاد فارس وغيرها، وذلك بفضل انتشار العلم وأهله في البلاد الإسلامية. وما أن أطل القرن الثالث الهجري حتى ظهر هذا الفن بصورته المميّزة كعلم من علوم الحديث، وقد برع فيه فرسانه الذين تكلموا في الرواة كابن المديني وابن معين، ولم يزل المسلمون يتناقلون هذا العلم جيلاً بعد جيل إلى يومنا هذا، ولكل جيل نقاده. ز- تدوين النقد ومراحل تطوره: لقد ساير تطور النقد منذ البدء تطوراً في تدوينه، إذ كان النقد في أول أمره عبارة عن أقوال تقال في الرواة وعلل الحديث، وملاحظات حديثية عابرة، أو تصويبات واستدراكات تكتب في الهوامش. وقد كان هذا بداية لما عرف بعد بالمسانيد المعللة، وكانت هذه المسانيد تشمل على معلومات حديثية متباينة، ولعل هذه المسانيد كانت أول كتب النقد نشأة٢. ثم نمت تلك المعارف من جديد وأخذت تنفصل عن كتب الحديث بمسميات مختلفة، فكان منها ما يسمى بالسؤالات، والتي جاء على نمطها المخطوط الذي أقوم بتحقيقه الآن، حيث كان التلاميذ يدوّنون ما يلتقطونه من إجابات شيوخهم على الأسئلة الموجهة إليهم سواء كانت الأسئلة منهم أو من زملائهم. ومن الواضح أن كتب السؤالات هذه احتفظت بمادة علمية دقيقة في

стр. 40

النقد فضلاً عن سعة تلك المادة وتباينها، وما أكثر النقاد الذين قيدت أقوالهم في النقد، ولكنها لم تصل إلينا على كثرتها، وسأذكر بعضاً منها في عنوان مستقل إن شاء الله. وفي نفس الوقت انصرف المحدثون إلى تأليف كتب مستقلة في علل الحديث والرواة وأحوالهم، فمنهم ما كان كتابه يبحث في الرواة ووصفهم، بالإضافة إلى ذكر علل الأحاديث المروية من طريقهم، ومن ذلك العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد، ومنهم من نهج نهجاً آخر فجعل كتابه أصلاً في الأحاديث وعللها ضمنها مادة نقدية في الرجال، ومنها كتاب المسند المعلل ليعقوب بن شيبة١. وكذلك توجه النقّاد إلى إفراد علل الحديث بكتب خاصة، وإفراد الرواة بمثلها، ويمثل هذا الاتجاه ابن أبي حاتم في كتبه، فألف في الرجال الجرح والتعديل، وفي علل الحديث الكتاب المعروف بهذا الاسم، على أن آخرين ممن عاصروا ابن أبي حاتم قد جمعوا بين الأسلوبين في مصنف واحد وهذا ما فعله ابن حبان في المجروحين٢. وقد دأب النقّاد فيما مضى على إيراد النصوص من مصادرها بأسانيدها المتعددة، فلما تجمع عند المتأخرين مادة علمية وفيرة ومن طرق متعددة، عمد هؤلاء إلى حذف تلك الأسانيد والاقتصار على ذكر المادة النقدية فقط، وممن فعل هذا المزي والذهبي وابن حجر وغيرهم، وفياقتباسهم لما في سؤالات الآجري لدليل واضح بيّن، وكانت هذه آخر مراحل تدوين النقد٣. ح- أهم كتب النقد: تنقسم الكتب المؤلفة في النقد إلى قسمين:
следующие страницы →