Полный текст (82 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار! ". رواه مسلم. والنبي ﷺ ذكر هذا ترغيباً في هذا السجود، فدل على أن هذا السجود مأمور به، كما كان السجود لآدم؛ لأن كلاهما أمر، وقد سن السجود عقبه، فمن سجد كان متشبهاً بالملائكة، ومن أبي، تشبه بابليس، بل هذا سجود للَّه، فهو أعظم من السجود لآدم.
وهذا الحديث كاف في الدلالة على الوجوب، وكذلك الآيات التي فيها الأمر المقيد، والأمر المطلق أيضاً.
وأيضاً، فإن النبي ﷺ لما قرأ: ﴿والنجم﴾ ، سجد وسجد معه المسلمون والمشركون، والجن والإنس. كما ثبت ذلك في الصحيح عن ابن عباس.
стр. 37
وفي الصحيح عن ابن مسعود: أنهم سجدوا إلا رجلا من المشركين أخذ كفا من حصا، وقال: يكفيني هذا. قال: فلقد رأيته بعد قتل كافرا. وهذا يدل على أنهم كانوا مأمورين بهذا السجود، وأن تاركه كان مذموماً، وليس هو سجود الصلاة، بل كان خضوعا للَّه، وفيهم كفار، وفيهم من لم يكن متوضيا، لكن سجود الخضوع إذا تلي كلامه.
كما أثنى على من إذا سمعه سجد، فقال: ﴿إِذَا تُتْلَي عليهمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] ، وقال: ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَي عليهمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ ١٠٩] ، وهذا وإن قيل: إنه متناول سجود الصلاة، فإنهم إذا سمعوا القرآن ركعوا وسجدوا، فلا ريب أنه متناول سجود القرآن بطريق الأولى؛ لأن هناك السجود بعض الصلاة، وهنا ذكر سجوداً مجرداً على الأذقان، فما
стр. 38
بقي يمكن حمله على الركوع؛ لأن الركوع لا يكون على الأذقان.
وقوله: ﴿لِلأَذْقَانِ﴾ أي: على الأذقان. كما قال: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أي: على الجبين. وقوله: ﴿لِلأَذْقَانِ﴾ ، يدل على تمام السجود، وأنهم سجدوا على الأنف مع الجبهة حتى التصقت الأذقان بالأرض، ليسوا كمن سجد على الجبهة فقط، والساجد على الأنف قد لا يلصق الذقن بالأرض، إلا إذا زاد انخفاضه.
وأما احتجاج من لم يوجبه بكون النبي ﷺ لم يسجد لما قرأ عليه زيد [النجم] ، وبقول عمر: لما قرأ على المنبر سورة النحل حتى جاء السجدة فنزل فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأها حتى جاء السجدة. قال: يا أيها الناس، إنا نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، وفي لفظ: فلما كان في الجمعة الثانية تشرفوا
стр. 39
فقال: إنا نمر بالسجدة ولم تكتب علينا، ولكن قد تشوفتم، ثم نزل فسجد.
فيقال: تلك قضية معينة، ولعله لما لم يسجد زيد لم يسجد هو، كما قال ابن مسعود: أنت إمامنا، فإن سجدت سجدنا. وقال عثمان: إنما السجدة على من جلس إليها، واستمع. وهذا يدل على أنها تجب على المستمع، ولا تجب على السامع، وكذلك حديث ابن مسعود يدل على أنها لا تجب إذا لم يسجد القارئ.
وقد يقال: كان للنبي ﷺ عذر عند من يقول: إن السجود فيها مشروع. فمن الناس من يقول: يمكن
стр. 40
أنه لم يكن على طهارة، ولكن قد يرجح جواز السجود على غير طهارة.
وقد قيل: إن السجود في [النجم] وحدها منسوخ، بخلاف [اقرأ] و [الانشقاق] ، فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه سجد فيهما، وسجد معه أبو هريرة، وهو أسلم بعد خيبر. وهذا يبطل قول من يقول لم يسجد في المفصل بعد الهجرة، وأما سورة النجم.
بل حديث زيد صريح في أنه لم يسجد فيها،
стр. 41
قال هؤلاء: فيكون النسخ فيها خاصة، لا في غيرها، لما كان الشيطان قد ألقاه حين ظن من ظن أنه وافقهم، ترك السجود فيها بالكلية سداً لهذه الذريعة. وهي في الصلاة تأتي في آخر القيام، وسجدة الصلاة تغني عنها، فهذا القول أقرب من غيره. والله أعلم.
وأما حديث عمر: فلو كان صريحاً لكان قوله وإقرار من حضر، وليسوا كل المسلمين. وقول
стр. 42
عثمان وغيره يدل على الوجوب.
ثم يقال: قد يكون مراد عمر أنه لم يكتب علينا السجود في هذه الحال، وهو إذا قرأها الإمام على المنبر. يبين ذلك أن السجود في هذه الحال ليس كالسجود المطلق؛ لأنه يقطع فيه الإمام الخطبة، ويعمل عملا كثيراً. والسنة في الخطبة الموالاة، فلما تعارض هذا وهذا صار السجود غير واجب؛ لأن القارئ يشتغل بعبادة أفضل منه، وهو خطبة الناس وإن سجد جاز.
ولهذا يقول مالك وغيره: إن هذا السجود لا يستحب، قال: وليس العمل عندنا على أن يسجد الإمام إذا قرأ على المنبر، كما أنه لم يستحب السجود في
стр. 43
الصلاة لا السر ولا الجهر. وأحمد في إحدى الروايتين، وأبو حنيفة وغيرهما يقولون: لا يستحب في صلاة السر، مع أن أبا حنيفة يوجب السجود، وأحمد في إحدى الروايتين يوجبه في الصلاة، ثم لم يستحبوه في هذه الحال، بل اتصال الصلاة عندهم أفضل، فكذلك قد يكون مراد عمر أنه لم يكتب في مثل هذه الحال، كما يقول من يقول، لا يستحب -أيضاً- في هذه الحال.
وهذا كما أن الدعاء بعرفة لما كانت سنته الاتصال
стр. 44
لم يقطع بصلاة العصر، بل صليت قبله، فكذلك الخاطب يوم الجمعة مقصوده خطابهم وأمرهم ونهيهم، ثم الصلاة عقب ذلك، فلا يجب أن يشتغلوا عن هذا المقصود، مع أن عقبه يحصل السجود.
وهذا يدل على أن سجود التلاوة يسقط لما هو أفضل منه. ألا تري أن الإنسان لو قرأ لنفسه يوم الجمعة، قد يقال: إنه لم يستحب له أن يسجد دون الناس، كما لا يشرع للمأموم أن يسجد لسهوه؟ لأن متابعة الإمام أولى من السجود، وهو مع البعد. وإن قلنا يستحب له أن يقرأ، فهو كما يستحب للمأموم أن يقرأ خلف إمامه. ولو قرأ بالسجدة، لم يسجد بها دون الإمام. وما أعلم في هذا نزاعا. فهنا محافظته على متابعة الإمام في الفعل الظاهر أفضل من سجود التلاوة، ومن سجود السهو، بل هو منهي عن ذلك، ويوم الجمعة إنما سجد الناس لما سجد عمر، ولو لم يسجد لم يسجدوا حينئذ. فإذا كان حديث عمر قد يراد به أنه لم يكتب علينا في هذه الحال، لم يبق فيه حجة، ولو كان مرفوعاً.
وأيضاً، فسجود القرآن هو من شعائر الإسلام الظاهرة، إذا قرئ القرآن في الجامع سجد الناس كلهم للَّه رب العالمين، وفي ترك ذلك إخلال بذلك؛ ولهذا
стр. 45
رجحنا أن صلاة العيد واجبة على الأعيان، كقول أبي حنيفة وغيره، وهو أحد أقوال الشافعي، وأحد القولين في مذهب أحمد.
стр. 46
وقول من قال: لا تجب، في غاية البعد، فإنها من أعظم شعائر الإسلام، والناس يجتمعون لها أعظم من الجمعة، وقد شرع فيها التكبير، وقول من قال: هي فرض على الكفاية، لا ينضبط، فإنه لو حضرها في المصر العظيم أربعون رجلاً لم يحصل المقصود، وإنما يحصل بحضور المسلمين كلهم، كما في الجمعة.
وأما الأضحية، فالأظهر وجوبها -أيضاً- فإنها من
стр. 47
أعظم شعائر الإسلام، وهي النسك العام في جميع الأمصار، والنسك مقرون بالصلاة. في قوله: ﴿إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] ، وقد قال تعالى: ﴿فصل لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] ، فأمر بالنحر كما أمر بالصلاة. وقد قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤] ، وقال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عليها صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَن يَنَالَ اللَّهَ
стр. 48
لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٦، ٣٧] . وهي من ملة إبراهيم الذي أمرنا باتباع ملته، وبها يذكر قصة الذبيح، فكيف يجوز أن المسلمين كلهم يتركون هذا لا يفعله أحد منهم، وترك المسلمين كلهم هذا أعظم من ترك الحج، في بعض السنين.
وقد قالوا: إن الحج كل عام فرض على الكفاية؛ لأنه من شعائر الإسلام، والضحايا في عيد النحر كذلك، بل هذه تفعل في كل بلد هي والصلاة، فيظهر بها عبادة الله وذكره، والذبح له، والنسك له، ما لا يظهر بالحج، كما يظهر ذكر الله بالتكبير في الأعياد. وقد جاءت الأحاديث بالأمر بها. وقد خرج وجوبها قولاً في مذهب أحمد، وهو قول أبي حنيفة، وأحد القولين في مذهب مالك، أو ظاهر مذهب مالك.
ونفاة الوجوب ليس معهم نص، فإن عمدتهم قوله ﷺ : " من أراد أن يضحي ودخل العشر، فلا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره ".
стр. 49
قالوا: والواجب لا يعلق بالإرادة. وهذا كلام مجمل، فإن الواجب لا يوكل إلى إرادة العبد. فيقال: إن شئت فافعله، بل قد يعلق الواجب بالشرط لبيان حكم من الأحكام. كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ﴾ [المائدة: ٦] ، وقد قدروا فيه: إذا أردتم القيام، وقدروا: إذا أردت القراءة فاستعذ، والطهارة واجبة، والقراءة في الصلاة واجبة. وقد قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٧،٢٨] ، ومشيئة الاستقامة واجبة.
وأيضاً، فليس كل أحد يجب عليه أن يضحي، وإنما تجب على القادر، فهو الذي يريد أن يضحي. كما قال: " من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد تضل الضالة، وتعرض الحاجة ". والحج فرض على
стр. 50
المستطيع. فقوله: " من أراد أن يضحي "، كقوله: " من أراد الحج فليتعجل " ووجوبها حينئذ مشروط بأن يقدر عليها فاضلا عن حوائجه الأصلية. كصدقة الفطر.
ويجوز أن يضحي بالشاة عن أهل البيت صاحب المنزل ونسائه وأولاده، ومن معهم كما كان الصحابة يفعلون. وما نقل عن بعض الصحابة من أنه لم يضح، بل اشتري لحماً، فقد تكون مسألة نزاع. كما تنازعوا في وجوب العمرة، وقد يكون من لم يضح لم يكن له
стр. 51
سعة في ذلك العام، وأراد بذلك توبيخ أهل المباهاة الذين يفعلونها لغير الله، أو أن يكون قصد بتركها ذلك العام توبيخهم، فقد ترك الواجب لمصلحة راجحة. كما قال ﷺ : " لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أنطلق معي برجال، معهم حزم حطب إلى قوم لايشهدون الصلاة، فأُحَرِّق عليهم بيوتهم بالنار، لولا ما في البيوت من النساء والذرية ". فكان يدع الجمعة والجماعة الواجبة؛ لأجل عقوبة المتخلفين، فإن هذا من باب الجهاد الذي قد يضيق
стр. 52
وقته، فهو مقدم على الجمعة والجماعة.
ولو أن ولي الأمر كالمحتسب وغيره تخلف بعض الأيام عن الجمعة لينظر من لا يصليها فيعاقبه، جاز ذلك. وكان هذا من الأعذار المبيحة لترك الجمعة. فإن عقوبة أولئك واجب متعين لا يمكن إلا بهذا الطريق، والنبي ﷺ قد بين أنه لولا النساء والصبيان، لحرق البيوت على من فيها، لكن فيها من لا تجب عليهم جمعة ولا جماعة من النساء والصبيان، فلا تجوز عقوبته. كما لا ترجم الحامل حتى تضع حملها؛ لأن قتل الجنين لا يجوز. كما في حديث الغامدية.
стр. 53
فصل: [سجود القرآن لا يشرع فيه تحريم ولا تحليل]
وسجود القرآن لا يشرع فيه تحريم ولا تحليل:
стр. 54
هذا هو السنة المعروفة عن النبي ﷺ ، وعليه عامة السلف، وهو المنصوص عن الأئمة المشهورين. وعلى هذا، فليست صلاة، فلا تشترط لها شروط الصلاة، بل تجوز على غير طهارة. كما كان ابن عمر يسجد على غير طهارة، لكن هي بشروط الصلاة أفضل، ولا
стр. 55
ينبغي أن يخل بذلك إلا لعذر.
فالسجود بلا طهارة خير من الإخلال به؛ لكن قد يقال: إنه لا يجب في هذه الحال، كما لا يجب على السامع، ولا على من لم يسجد قارئه، وإن كان ذلك السجود جائزاً عند جمهور العلماء.
وكما يجب على المؤتم في الصلاة تبعاً لإمامه بالاتفاق، وإن قالوا: لا يجب في غير هذه الحال، وقد حمل بعضهم حديث زيد على أن النبي ﷺ لم يكن متطهراً، وكما لا تجب الجمعة على المريض، والمسافر، والعبد، وإن جاز له فعلها، لاسيما وأكثر العلماء لا يجوزون فعلها إلا مع الطهارة، ولكن الراجح أنه يجوز فعلها للحديث. والمروي فيها عن النبي ﷺ تكبيرة واحدة، فإنه لا ينتقل من عبادة إلى عبادة. وعلى هذا ترجم
стр. 56
البخاري فقال: [باب سجدة المسلمين مع المشركين] ، والمشرك نجس ليس له وضوء. قال: وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء، وذكر سجود النبي ﷺ بالنجم لما سجد، وسجد معه المسلمون والمشركون. وهذا الحديث في الصحيحين من وجهين: من حديث ابن مسعود، وحديث ابن عباس. وهذا فعلوه تبعاً للنبي ﷺ لما قرأ قوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] .
ومعلوم أن جنس العبادة لا تشترط له الطهارة، بل إنما تشترط للصلاة. فكذلك جنس السجود يشترط لبعضه، وهو السجود الذي للَّه كسجود الصلاة، وسجدتي السهو، بخلاف سجود التلاوة، وسجود الشكر، وسجود الآيات.
ومما يدل على ذلك: أن الله أخبر عن سجود السحرة لما آمنوا بموسي على وجه الرضا بذلك السجود، ولا ريب أنهم لم يكونوا متوضئين، ولا يعرفون الوضوء. فعلم أن السجود المجرد للَّه مما يحبه
стр. 57
الله ويرضاه، وإن لم يكن صاحبه متوضئاً، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، وهذا سجود إيمان، ونظيره الذين اسلموا فاعتصموا بالسجود، ولم يقبل ذلك منهم خالد فقتلهم، فأرسل النبي ﷺ عليا فوداهم بنصف دية، ولم ينكر عليهم ذلك السجود،
стр. 58
ولم يكونوا بعد قد أسلموا، ولا عرفوا الوضوء، بل سجدوا للَّه سجود الإسلام، كما سجد السحرة.
ومما يدل على ذلك، أن الله أمر بني إسرائيل أن
стр. 59
يدخلوا الباب سجداً، ويقولوا: حطة. ومعلوم أنه لم يأمرهم بوضوء، ولا كان الوضوء مشروعا لهم، بل هو من خصائص أمة محمد، وسواء أريد السجود بالأرض، أو الركوع، فإنه إن أريد الركوع فهو عبادة مفردة يتضمن الخضوع للَّه، وهو من جنس السجود. لكن شرعنا شرع فيه سجود مفرد، وأما ركوع مفرد ففيه نزاع، جوزه بعض العلماء بدلا عن سجود التلاوة.
стр. 60
وأيضاً، فقد أخبر الله عن الأنبياء بالسجود المجرد، في مثل قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عليهم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عليهمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] ، ولم يكونوا مأمورين بالوضوء فإن الوضوء من خصائص أمة محمد، كما جاءت الأحاديث الصحيحة: أنهم يبعثون يوم القيام غراً محجلين من آثار الوضوء، وأن الرسول يعرفهم بهذه السيماء فدل على أنه لا يشركهم فيها غيرهم. والحديث الذي رواه ابن ماجه وغيره أنه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً، وقال: " هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء قبلي ". حديث ضعيف عند أهل العلم
стр. 61
بالحديث، لا يجوز الاحتجاج بمثله، وليس عند أهل الكتاب خبر عن أحد من الأنبياء أنه كان يتوضأ وضوء المسلمين، بخلاف الاغتسال من الجنابة فإنه كان مشروعاً، ولكن لم يكن لهم تيمم إذا عدموا الماء، وهذه الأمة مما فضلت به التيمم مع الجنابة، والحدث الأصغر، والوضوء.
فإن قيل: أولئك الأنبياء إنما سجدوا على غير وضوء؛ لأن الصلاة كانت تجوز لهم بغير وضوء.
стр. 62
قيل: لم يقص الله علينا في القرآن أن أحداً منهم صلي بغير وضوء، ونحن إنما نتبع من شرع الأنبياء ما قصه الله علينا، وما أخبرنا به نبينا ﷺ ، فإنه قص ذلك علينا لنعتبر به. وقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] ، وكذلك ذكر عن الذين أوتوا العلم من قبله: أنهم ﴿إِذَا يُتْلَى عليهمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ ١٠٩] .
وقد أوجب الله تعالى الطهارة للصلاة كما أمر بذلك في القرآن، وكما ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: " لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ". أخرجاه في الصحيحين. وفي الصحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: " لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول "، وقد
стр. 63
أجمع المسلمون على وجوب الطهارة للصلاة.
يبقي الكلام في مسمي [الصلاة] فإن الذين أوجبوا الطهارة للسجود المجرد، اختلفوا فيما بينهم. فقالوا: يسلم منه، وقال بعضهم: يكبر تكبيرتين: تكبيرة للافتتاح، وتكبيرة للسجود، وقال بعضهم: يتشهد فيه، وليس معهم لشيء من هذه الأقوال أثر، لا عن النبي صلي الله عليه وسلم، ولا عن أحد من الصحابة، بل هو مما قالوه برأيهم، لما ظنوه صلاة.
وقال بعضهم: لا تكون الصلاة إلا ركعتين، وما دون ذلك لا يكون صلاة، إلا ركعة الوتر. واحتج بما في السنن عن ابن عمر أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " صلاة الليل والنهار مثني مثني "، وهذا القول قاله ابن حزم،
стр. 64
ولم يشترط الطهارة لما دون ذلك، لا لصلاة الجنازة، ولا لغيرها. وهذا أيضاً ضعيف. فإن الحديث ضعيف. والحديث الذي في الصحاح الذي رواه الثقاة قوله: " صلاة الليل مثني مثني ". وأما قوله: و " النهار "، فزيادة انفرد بها البارقي،
стр. 65
وقد ضعفها أحمد، وغيره. والمرجع في مسمي الصلاة إلى الرسول.
وفي السنن حديث على عن النبي صلي الله عليه وسلم: " مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم ".
стр. 66
وهذا محفوظ عن ابن مسعود من قوله: فهذا يبين أن [الصلاة] : التي مفتاحها الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم. وهذا يتناول كل ما تحريمه التكبير، وتحليله التسليم: كالصلاة التي فيها ركوع وسجود، سواء كانت مثني أو واحدة، أو كانت ثلاثاً متصلة، أو أكثر من ذلك. وهو يتناول صلاة الجنازة، فإن تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم.
стр. 67
والصحابة أمروا بالطهارة لما فرقوا بينها وبين سجود التلاوة، وهو الذي ذكره البخاري في صحيحه. فقال في [باب سنة الصلاة على الجنازة] : وقال النبي
стр. 68
صلي الله عليه وسلم: " من صلي على الجنازة " وقال: " صلوا على صاحبكم " وقال: " صلوا على النجاشي "، سماها صلاة، وليس فيها ركوع ولا سجود، ولا يتكلم فيها، وفيها تكبير وتسليم، وكان ابن عمر لا يصلي إلا طاهراً، ولا يصلي
стр. 69
عند طلوع الشمس، ولا غروبها، ويرفع يديه.
стр. 70
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] ، وفيها صفوف وإمام.
وهذه الأمور التي ذكرها كلها منتفية في سجود التلاوة، والشكر، وسجود الآيات. فإن النبي صلي الله عليه وسلم لم يسم ذلك صلاة ولم يشرع لها الاصطفاف، وتقدم الإمام، كما يشرع في صلاة الجنازة وسجدتي السهو بعد السلام، وسائر الصلوات. ولا سن فيها النبي صلي الله عليه وسلم سلاما، لم يرو ذلك عنه لا بإسناد صحيح، ولا ضعيف، بل هو بدعة. ولا جعل لها تكبير افتتاح، وإنما روي عنه أنه كبر فيها إما للرفع، وإما للخفض، والحديث في السنن.
وابن عباس جوز التيمم للجنازة عند عدم الماء،
стр. 71
وهذا قول كثير من العلماء، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، فدل على أن الطهارة
стр. 72
تشترط لها عنده، وكذلك هذه الصفات منتفية في الطواف، فليس فيه تسليم، والكلام جائز فيه، وليس فيه اصطفاف وإمام، وقد قرن الله في كتابه وسنة رسوله بين الطائف والمصلي، ولم يرد عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه أمر بالطهارة للطواف، لكنه كان يطوف متطهراً هو والصحابة، وكانوا يصلون ركعتي الطواف بعد الطواف، ولا يصلي إلا متطهراً، والنهي إنما جاء في طواف الحائض فقال: " الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت ".
وقد قيل: إن ذلك لأجل المسجد.
وقيل لأجل الطواف.
стр. 73
وقيل: لهما.
والله تعالى قال لإبراهيم ﵇: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] ، فاقتضي ذلك تطهيره من دم الحيض وغيره.
وأيضا، فإبراهيم والنبيون بعده، كانوا يطوفون بغير وضوء، كما كانوا يصلون بغير وضوء، وشرعهم شرعنا إلا فيما نسخ، فالصلاة قد أمرنا بالوضوء لها، ولم يفرض علينا الوضوء لغيرها، كما جعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً، فحيث ما أدركت المسلم الصلاة، فعنده مسجده وطهوره، وإن كان جنباً تيمم وصلي، ومن قبلنا لم يكن لهم ذلك، بل كانوا ممنوعين من الصلاة مع الجنابة حتى يغتسلوا، كما يمنع الجنب من اللبث في المسجد، ومن قراءة القرآن.
ويجوز للمحدث اللبث في المسجد معتكفا، وغير معتكف. ويجوز له قراءة القرآن، والمروي فيها عن النبي صلي الله عليه وسلم تكبيرة واحدة،
стр. 74
فإنه لم ينتقل من عبادة إلى عبادة.
стр. 75
فصل: [سجود التلاوة قائما أفضل من قاعدا]
وسئل شَيْخ الإسْلاَم ﵀ عن الرجل إذا كان يتلو الكتاب العزيز بين جماعة، فقرأ سجدة، فقام على قدميه وسجد. فهل قيامه أفضل من سجوده وهو قاعد أم لا؟ وهل فعله ذلك رياء ونفاق؟
فأجاب:
بل سجود التلاوة قائما أفضل منه قاعدا، كما ذكر ذلك من ذكره من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، وكما نقل عن عائشة، بل وكذلك
следующие страницы →