Полный текст (82 стр.). Показаны 71–82 · переход к 76.
стр. 71
وهذا قول كثير من العلماء، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، فدل على أن الطهارة
стр. 72
تشترط لها عنده، وكذلك هذه الصفات منتفية في الطواف، فليس فيه تسليم، والكلام جائز فيه، وليس فيه اصطفاف وإمام، وقد قرن الله في كتابه وسنة رسوله بين الطائف والمصلي، ولم يرد عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه أمر بالطهارة للطواف، لكنه كان يطوف متطهراً هو والصحابة، وكانوا يصلون ركعتي الطواف بعد الطواف، ولا يصلي إلا متطهراً، والنهي إنما جاء في طواف الحائض فقال: " الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت ".
وقد قيل: إن ذلك لأجل المسجد.
وقيل لأجل الطواف.
стр. 73
وقيل: لهما.
والله تعالى قال لإبراهيم ﵇: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] ، فاقتضي ذلك تطهيره من دم الحيض وغيره.
وأيضا، فإبراهيم والنبيون بعده، كانوا يطوفون بغير وضوء، كما كانوا يصلون بغير وضوء، وشرعهم شرعنا إلا فيما نسخ، فالصلاة قد أمرنا بالوضوء لها، ولم يفرض علينا الوضوء لغيرها، كما جعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً، فحيث ما أدركت المسلم الصلاة، فعنده مسجده وطهوره، وإن كان جنباً تيمم وصلي، ومن قبلنا لم يكن لهم ذلك، بل كانوا ممنوعين من الصلاة مع الجنابة حتى يغتسلوا، كما يمنع الجنب من اللبث في المسجد، ومن قراءة القرآن.
ويجوز للمحدث اللبث في المسجد معتكفا، وغير معتكف. ويجوز له قراءة القرآن، والمروي فيها عن النبي صلي الله عليه وسلم تكبيرة واحدة،
стр. 74
فإنه لم ينتقل من عبادة إلى عبادة.
стр. 75
فصل: [سجود التلاوة قائما أفضل من قاعدا]
وسئل شَيْخ الإسْلاَم ﵀ عن الرجل إذا كان يتلو الكتاب العزيز بين جماعة، فقرأ سجدة، فقام على قدميه وسجد. فهل قيامه أفضل من سجوده وهو قاعد أم لا؟ وهل فعله ذلك رياء ونفاق؟
فأجاب:
بل سجود التلاوة قائما أفضل منه قاعدا، كما ذكر ذلك من ذكره من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، وكما نقل عن عائشة، بل وكذلك
стр. 76
سجود الشكر، كما روي أبو داود في سننه عن النبي صلي الله عليه وسلم من سجوده للشكر قائما، وهذا ظاهر في الاعتبار، فإن صلاة القائم أفضل من صلاة القاعد.
وقد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه كان أحياناً يصلي
стр. 77
قاعداً فإذا قرب من الركوع فإنه يركع ويسجد وهو قائم، وأحياناً يركع ويسجد وهو قاعد، فهذا قد يكون للعذر، أو للجواز، ولكن تحريه مع قعوده أن يقوم ليركع ويسجد وهو قائم، دليل على أنه أفضل. إذ هو أكمل وأعظم خشوعا لما فيه من هبوط رأسه وأعضائه الساجدة للَّه من القيام.
ومن كان له ورد مشروع من صلاة الضحي، أو قيام ليل، أو غير ذلك، فإنه يصليه حيث كان، ولا ينبغي له أن يدع ورده المشروع لأجل كونه بين الناس، إذا علم الله من قلبه أنه يفعله سراً للَّه مع اجتهاده في سلامته من الرياء، ومفسدات الإخلاص؛ ولهذا قال
стр. 78
الفضيل بن عياض: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك. وفعله في مكانه الذي تكون فيه معيشته التي يستعين بها على عبادة الله خير له من أن يفعله حيث تتعطل معيشته، ويشتغل قلبه بسبب ذلك، فإن الصلاة كلما كانت أجمع للقلب، وأبعد من الوسواس، كانت أكمل.
ومن نهى عن أمر مشروع بمجرد زعمه أن ذلك رياء، فنهيه مردود عليه من وجوه:
أحدها: أن الأعمال المشروعة لا ينهى عنها خوفاً من الرياء، بل يؤمر بها، وبالإخلاص فيها، ونحن إذا رأينا من يفعلها أقررناه، وإن جزمنا أنه يفعلها رياء، فالمنافقون الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء: ١٤٢] ، فهؤلاء كان النبي صلي الله عليه وسلم والمسلمون يقرونهم على ما يظهرونه من الدين، وإن كانوا مرائين، ولا ينهونهم عن الظاهر؛ لأن الفساد في ترك إظهار المشروع أعظم من الفساد في إظهاره رياء، كما أن فساد ترك إظهار الإيمان
стр. 79
والصلوات أعظم من الفساد في إظهار ذلك رياء؛ ولأن الإنكار إنما يقع على الفساد في إظهار ذلك رئاء الناس.
الثاني: لأن الإنكار إنما يقع على ما أنكرته الشريعة، وقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أن أشق بطونهم ". وقد قال عمر بن الخطاب: من أظهر لنا خيرا أحببناه، وواليناه عليه وإن كانت سريرته بخلاف ذلك. ومن أظهر لنا شراً أبغضناه عليه، وإن زعم أن سريرته صالحة.
الثالث: أن تسويغ مثل هذا يفضي إلى أن أهل الشرك والفساد ينكرون على أهل الخير والدين إذا رأوا من يظهر أمراً مشروعا مسنوناً، قالوا: هذا مراء، فيترك أهل الصدق والإخلاص إظهار الأمور المشروعة، حذرا من لمزهم وذمهم، فيتعطل الخير، ويبقي لأهل الشرك
стр. 80
شوكة يظهرون الشر، ولا أحد ينكر عليهم، وهذا من أعظم المفاسد.
الرابع: أن مثل هذا من شعائر المنافقين، وهو يطعن على من يظهر الأعمال المشروعة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ اليمٌ﴾ [التوبة: ٧٩] . فإن النبي صلي الله عليه وسلم لما حض على الإنفاق عام تبوك جاء بعض الصحابة بِصُرَّة كادت يده تعجز من حملها، فقالوا: هذا مراء، وجاء بعضهم بصاع، فقالوا: لقد كان الله غنياً عن صاع فلان، فلمزوا هذا وهذا، فأنزل الله ذلك، وصار عبرة فيمن يلمز المؤمنين المطيعين لله ورسوله. والله أعلم.
стр. 81
[هل يجوز سجود التلاوة بغير وضوء ؟]
وسئل عن الرجل إذا تلي عليه القرآن فيه سجدة سجد على غير وضوء، فهل يأثم أو يكفر، أو تطلق عليه زوجته؟
فأجاب:
لا يكفر، ولا تطلق عليه زوجته، ولكن يأثم عند أكثر العلماء، ولكن ذكر بعض أصحاب أبي حنيفة أن من صلي بلا وضوء فيما تشترط له الطهارة بالإجماع. كالصلوات الخمس، أنه يكفر بذلك، وإذا كفر كان مرتداً. والمرتد عند أبي حنيفة تبين منه زوجته، ولكن تكفير هذا ليس منقولاً عن أبي حنيفة نفسه، ولا عن صاحبيه وإنما هو عن أتباعه، وجمهور العلماء على أنه يعزر، ولا يكفر إلا إذا استحل ذلك، واستهزأ بالصلاة.
стр. 82
وأما سجدة التلاوة، فمن العلماء من ذهب إلى أنها تجوز بغير طهارة، وما تنازع العلماء في جوازه لا يكفر فاعله بالاتفاق، وجمهور العلماء على أن المرتد لا تبين منه زوجته، إلا إذا انقضت عدتها، ولم يرجع إلى الإسلام. والله أعلم.