← Адаб

Адаб · id 11239

سر الفصاحة

ابن سنان الخفاجي

Полный текст (286 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

خطبة الكتاب وبيان الخفاجي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه أثق الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. لقد جاءت رسل ربنا بالحق الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. لقد جاءت رسل ربنا بالحق صلوات الله عليهم وعلى سيدهم محمد والأبرار من عترته الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. أما بعد: فإني لما رأيت الناس مختلفين في مائية١الفصاحة وحقيقتها أودعت كتابي هذا طرفاً من شأنها وجملة من بيانها وقربت ذلك على الناظر وأوضحته للمتأمل. ولم أمل بالاختصار إلى الإخلال ولا مع الإسهاب إلى الإملال ومن الله تعالى أستمد المعونة والتوفيق. اعلم أن الغرض بهذا الكتاب معرفة حقيقة الفصاحة والعلم بسرها فمن الواجب أن نبين ثمرة ذلك وفائدته لتقع ونقده فيه فنقول: أما العلوم الأدبية فالأمر في تأثير هذا العلم فيها واضح لأن الزبدة منها والنكتة نظم الكلام على اختلاف تأليفه ونقده ومعرفة ما يختار منه مما يكره. وكلا الأمرين٢متعلق بالفصاحة بل هو مقصور على المعرفة

стр. 2

بها. فلا غنى للمنتحل الأدب عما نوضحه ونشرحه في هذا الباب. وأما العلوم الشرعية فالمعجز الدال على نبوة محمد نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو القرآن والخلاف الظاهر فيما به كان معجزا على قولين: أحدهما أنه خرق العادة بفصاحة١وجرى ذلك مجرى قلب العصا حية٢وليس للذاهب إلى هذا المذهب مندوحة عن بيان ما الفصاحة التي وقع التزايد فيها موقعا خرج عن مقدور البشر, والقول الثاني: أن وجه الإعجاز في القرآن صرف العرب عن المعارضة٣ مع أن فصاحة القرآن كانت في مقدورهم لولا الصرف وأمر القائل بهذا يجري مجرى الأول في الحاجة إلى تحقق الفصاحة ما هي؟ ليقطع على أنها كانت في مقدورهم ومن جنس فصاحتهم ونعلم أن مسيلمة وغيره لم يأت بمعارضة على الحقيقة لأن الكلام الذي أو رده خال من الفصاحة التي وقع التحدي بها في الأسلوب المخصوص وإذا ثبت بما ذكرناه الغرض بهذا الكتاب وفائدته فالدواعي إلى معرفة ذلك قوية والحاجة ماسة شديدة. ونحن نذكر قبل الكلام في معنى الفصاحة نبدأ من أحكام الأصوات والتنبيه على حقيقتها ثم نذكر تقطعها على وجه يكون حروفا متميزة ونشير إلى طرف من أحوال الحروف في مخارجها ثم ندل على أن الكلام ما انتظم منها ثم نتبع ذلك بحال اللغة العربية وما فيها من الحروف وكيف يقع المهمل فيها والمستعمل وهل اللغة في الأصل مواضعة أو توقيف ثم نبين هذا كله وأشباهه مائية الفصاحة. ولا نخلى ذلك الفصل من شعر فصيح وكلام غريب بليغ يتدرب بتأمله على فهم مرادنا فإن الأمثلة توضح وتكشف وتخرج من اللبس إلى البيان ومن جانب

стр. 3

الإبهام إلى الإفصاح فإذا أعان الله تعالى ويسر تمام كتابنا هذا كان مفرداً بغير نظير من الكتب في معناه. وذلك أن المتكلمين وأن صنفوا في الأصوات وأحكامها وحقيقة الكلام ما هو فلم يبينوا مخارج الحروف وانقسام أصنافها وأحكام مجهورها ومهموسها وشديدها ورخوها. وأصحاب النحو وأن أحكموا بيان ذلك فلم يذكروا ما أوضحه المتكلمون الذي هو الأصل والأس. وأهل نقد الكلام١فلم يتعرضوا لشيء من جميع ذلك وإن كان كلامهم كالفرع عليه. فإذا جمع كتابنا هذا كله وأخذ بحظ مقنع من كل ما يحتاج الناظر في هذا العلم إليه فهو مفرد في بابه غريب في غرضه. وفق الله تعالى ذلك ويسره بلطفه ومنه.

стр. 4

فصل في الأصوات . الصوت مصدر صات الشيء يصوت صوتاً فهو صائت وصوت تصويتا فهو مصوت. وهو عام ولا يختص. يقال: صوت الإنسان. وصوت الحمار. وفي الكتاب الكريم: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ ١ وقال الراجز: كأنما أصواتها في الوادي ... أصوات حج من عمان غاد٢ وقال جرير بن عطية: لما تذكرت بالديرين أرقني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس

стр. 5

والصوت مذكر لأنه مصدر كالضرب والقتل وقد ورد مؤنثاً على ضرب من التأول. قال رويشد بن كثير الطائي: يا أيها الراكب المهدي مطيته ... بلغ بني أسد ما هذه الصوت فأراد الاستغاثة. كما حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه سمع بعض العرب يقول وذكر إنسانا: فقال فلان لغوب١ جاءته كتابي فاحتقرها فقال له: أتقول جاءته كتابي! قال: نعم أليست بصحيفة؟ وفي كتاب سيبويه: إذا بعض السنين تعرقتنا ... كفى الأيتام فقد أبى اليتيم٢ لأن بعض السنين سنة. ويقال: رجل صات أي شديد الصوت. كما يقال: رجل نال أي كثير النوال. وقولهم: لفلان صيت إذا انتشر ذكره من لفظ الصوت إلا أن واوه انقلبت ياءاً لسكونها وانكسار ما قبلها. كما قالوا: قيل من القول. والصوت معقول لأنه يدرك ولا خلاف بين العقلاء في وجود ما يدرك. وهو عرض ليس بجسم ولا صفة لجسم. والدليل على أنه ليس بجسم أنه مدرك بحاسة السمع والأجسام متماثلة والإدراك إنما يتعلق بأخص صفات الذوات. فلو كان جسما لكانت الأجسام جميعها مدركة بحاسة السمع وفي علمنا ببطلان ذلك دليل على أن الصوت ليس بجسم. وهذه الجملة تحتاج إلى أن نبين أن الأجسام متماثلة وأن الإدراك إنما يتعلق بأخص صفات الذوات لأن كون الصوت مدركا بالسمع

стр. 6

والأجسام غير مدركة بالسمع مما لا يمكن دخول شبهة فيه ولا منازعة. والذي يدل على تماثل الأجسام: أنا ندرك الجسمين المتفقى اللون فيلتبس أحدهما علينا بالآخر لأن من أدركهما ثم أعرض عنهما وأدركهما من بعد يجوز أن يكون كل واحد منهما هو الآخر بأن نقل إلى موضعه ولم يلتبسا على الإدراك إلا لآشتراكهما في صفة تناولها الأدراك وقد بينا أن الإدراك إنما يتناول أخص صفات الذات وهو ما يرجع إليها وسندل على ذلك. وإذا كان الجسمان مشتركين فيما يرجع إلى ذاتيهما فهما متماثلان لأن هذا هو المستفاد بالتماثل. فإن قيل: دلوا على أنهما لم يلتبسا إلا للاشتراك في صفة ثم بينوا أن تلك الصفة مما يتناوله الآدراك. قلنا: الوجوه التي يقع فيها الالتباس معقولة وهي المجاورة أو الحلول. كالتباس خضاب اللحية بالشعر من حيث المجاورة. وكما التبس على من ظن أن السواد الحال في الجسم صفة له من حيث الحلول. وكذلك من اعتقد أن صفة المحل للحال. حتى ذهب إلى أن للسواد حيزاً وكلا الأمرين منتف في التباس الجسمين لأنه لا حلول بينهما ولا مجاورة بل يقع الالتباس مع العلم بتغايرهما. فدل ذلك على ما ذكرناه. فأما الدليل على أن الصفة التي اقتضت الالتباس مما يتناوله الإدراك فهو أن الأمر لو كان بخلاف ذلك لما التبسا على الإدراك وفي التباسهما عليه دلالة على تعلق الإدراك بما التبسا لأجله ولأن المشاركة فيما لا يتعلق الإدراك به لا يقتضى الاشتباه على المدرك. ألا ترى أن السواد لا يشبه البياض ويلتبس به عند المدرك وأن اشتركا في الوجود من حيث كان الإدراك لا يتعلق بالوجود. وليس لأحد أن يقول: إذا أستدللتم على أن الأجسام متماثلة بالتباسها على الإدراك فقولوا: إن الأجسام التي لا تلتبس كالأبيض والأسود غير

стр. 7

متماثلة لفقد الالتباس. وذلك أن هذا مطالبة بالعكس في الأدلة وليس ذلك بمعتبر. وإثبات المدلول مع ارتفاع الدليل جائز غير ممتنع لأن الدليل غير موجب للمدلول وإنما هو كاشف عنه لكن المنكر ثبوت الدليل وارتفاع المدلول. على أن الالتباس في الجسمين المذكورين حاصل أيضاً لأن المدرك لهما ربما يجوز أن يكون أحدهما الآخر وإنما تغير لونه. أما الدليل على أن الإدراك يتعلق بأخص صفات الذوات وأن كلامنا كله متعلق به فهو أنه لا يخلو من أن يكون يتعلق بالصفة الراجعة إلى الفاعل أو الراجعة إلى العلة أو الراجعة إلى الذات. والذي يرجع إلى الفاعل من الصفات هو الوجود. ولو تناوله الإدراك لم يخل من أن يتعداه إلى ما يرجع إلى الذات أو لا يتعداه فإن لم يتعد وجب ألا يحصل الفصل بين المختلفين بالإدراك لاشتراكهما في الوجود الذي لم يتناول الإدراك غيره. وإن تعداه إلى الصفة العائدة إلى الذات فيجب أن يفصل بين المختلفين بالإدراك من حيث افترقا في الصفة التي يتعلق بها وأن يلتبس أحدهما بالآخر من حيث اشتركا في الوجود الذي تعلق الإدراك به أيضاً وذلك محال فأما ما يرجع إلى العلل من صفات الجسم والذي يمكن أن يدخل شبهة في تناول الإدراك له كونه كائنا في جهة. والذي يوضح أن الإدراك لا يتناول ذلك أنه لو تناوله لفصل بالإدراك بين كل صفتين ضدين منه وذلك غير مستمر. وأحدنا لو أدرك جوهراً في بعض الجهات ثم أعرض عنه جوز أن يكون انتقل إلى أقرب الأماكن إليه والتبس عليه الأمر فيه. ولا يلتبس أمره لو اسود بعد بياض، فبان أن الإدراك لا يتناول إلا أخص صفات الذوات، دون صفات العلل وما بالفاعل. ويمكن الدلالة على أن الصوت ليس بجسم إذا ثبت أن الأجسام متماثلة من وجه آخر وذلك أنا ندرك الأصوات مختلفة. فالراء مخالفة للزاي. وكذلك سائر الحروف المختلفة فإذا كانت الأجسام متماثلة والأصوات

стр. 8

تدرك مختلفة فليست بأجسام. وإذا كنا دللنا على أن الصوت ليس بجسم فالذي يدل على أنه ليس بصفة لجسم بل هو ذات مخالفة له أن الصوت لو كان صفة لم يخل من أن يكون صفة ذاتية أو غير ذاتية. ولا يجوز أن يكون صفة ذاتية لتجدده وأن دوامه غير واجب. ولا يجوز أن يكون صفة غير ذاتية لما بيناه من أن الأدراك لا يتناول إلا الصفات الذاتية والصوت مدرك بلا خلاف. ومع الدلالة على أن الأصوات أعراض ففيها المتماثل والمختلف وقد ذهب أبو هاشم عبد السلام بن محمد الجبائي: إلى أن المختلف منها متضاد. وتوقف علم الهدى المرتضى١ نضر الله وجهه عن القطع على ذلك. فأما أبو هاشم فإنه اعتمد في تضادها على طريقين أحدهما: أن حمل الصوت على اللون من حيث كان إدراك كل واحد منهما مقصوراً على حاسة واحدة فلما قطع على تضاد المختلف من الألوان قال بمثل ذلك في الأصوات. والطريق الثاني: أن الصوت مدرك فهو هيئة للمحل إذا أوجب مختلفة هيئتين استحال اجتماعهما للمحل في حالة واحدة كما يستحيل ذلك في الألوان. وليس بعد امتناع اجتماعهما في المحل الواحد في الوقت الواحد إلا التضاد. ولقائل أن يقول على ما ذكره أولا: ما أنكرت من أن تكون الأصوات والألوان وإن اتفقت في إدراك كل واحد منهما بحاسة واحدة تختلف فيكون المختلف من الألوان متضاداً دون الأصوات ولا يوجب الاتفاق في قصر الإدراك على حاسة واحدة التساوي في جميع الأحكام. كما أنها وإن اتفقت عندك في ذلك فلم تتفق في أن الأصوات تبقى كما أن الألوان تبقى ولا في أن الأصوات يضادها ما يحدث بعدها كما كان ذلك في الألوان. وإذا جاز مع التساوي فيما ذكرته من قصر الإدراك على حاسة واحدة. الاختلاف في أحكام كثيرة فأحر أن يكون المختلف من

стр. 9

الأصوات غير متضاد وإن كان المختلف من الألوان متضاداً. ويقال له فيما ذكره ثانياً: إن الصوتين المختلفين ليس محلهما واحداً فيقطع على تضادهما لامتناع اجتماعهما فيه في ذلك الوقت الواحد. بل محال الحروف المتغايرة متغايرة وإذا كان المحلان مختلفين فلا سبيل إلى القطع على التضاد بإستحالة اجتماعهما في المحل. لأن كل واحد من الصوتين المختلفين لا يصح أن يحل محل الآخر. وقد أشار القاضي أبو الحسن١ عبد الجبار بن أحمد الهمذاني ﵀: إلى أن الأصوات غير متضادة لأنها غير باقية والمنافاة إنما تصح في المتضاد الباقي. كأنه أراد أن عدم أحد الضدين إذا كان واجبا لأنه مما لا يبقى فليس لوجود ضده حكم يخالف عدمه. فأما الكلام في تماثلها واختلافها فالدلالة على ذلك ما قدمناه من الإدراك لها. وبيانه في الحروف فأن الراء تدرك ملتبسة بالراء ومخالفة للزاي وقد بينا أن الإدراك يتناول أخص صفات الذات ولا يجوز وجود الصوت إلا في محل أما من أثبت حاجة جميع الأعراض إلى المحال من حيث كان عرضا وأما من أجاز وجود بعض الأعراض في غير محل بدلالة أنه يتولد عن اعتماد الجسم ومصاكته لغيره ولأنه يختلف باختلاف حال محله فيتولد من الصوت في الطست خلاف ما يتولد في الحجر فيقول قد ثبت وجود بعض الأصوات في غير محل فإذا ثبت ذلك في بعضه ثبت في جميعه لأن الأصوات متفقة في أنها لا توجب حالا لمحل ولا جملة ٢.

стр. 10

وقد ذهب أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي١: إلى أن جنس الصوت يحتاج مع المحل إلى هيئة وحركة. وقال أبو هاشم أخيراً: أنه لا يحتاج إلا إلى المحل. وعلى هذا القول أكثر أصحابه. وله نصر الشريف المرتضى ﵁. واستدلوا على نفي حاجته إلى غير المحل بأنه مما لا يوجب حالاً لغيره فجرى مجرى اللون في أنه لا يحتاج إلى سوى محله. وقالوا: أن الصوت من فعلنا إنما احتاج إلى الحركة لأنها كالسبب فيه من حيث كنا لا نفعله إلا متولداً عن الاعتماد على وجه المصاكة والاعتماد يولد الحركة فلهذا جرى مجرى السبب. فليس يمتنع أن يفعل الله تعالى الصوت مبتدأ من غير حركة كما يفعله غير متولد عن الاعتماد وكما يفعل ما وقع منا بآلة من غير آلة. وجعلوا هذا هو العلة في انقطاع طنين الطست بتسكينه. وأجازوا وجود القليل من الصوت مع السكون عند تناهيه وانقطاعه ومنعوا من وجوده من فعلنا مع السكون من فعلنا حالا بعد حال٢ لما ذكرناه. والأصوات تدرك بحاسة السمع في محالها ولا تحتاج إلى انتقال محالها وانتقالها وكونها أعراضا منع من انتقالها. وقد استدل على ذلك بأنها لو انتقلت لجاز أن تنتقل إلى بعض الحاضرين دون بعض حتى يكون مع التساوي في القرب والسلامة يسمع الصوت بعضهم دون بعض وأن يجوز إختلاف انتقال الحروف حتى يدرك الكلام مختلفا. واستدل على ذلك أيضاً بأنه: لو احتيج في إدراك الأصوات إلى انتقال المحال لما وقع الفرق مع السلامة بين جهة الصوت والكلام مكانهما كما أنه لا يعرف في أي جهة

стр. 11

انتقل إلى محل ما يلاقيها من الأجسام التي يدرك منها الحرارة والبرودة. وقد سئل على هذا المذهب عن العلة في مشاهدة القصار من بعد يضرب الثوب على الحجر ثم يسمع الصوت بعد مهلة فيسبق النظر السمع. وأجيب عن ذلك: بأن الصوت يتولد في الهواء والبعد المخصوص مانع من إدراكه فإذا تولد فيما يقرب أدرك في محله وإن ما يتصل بحاسة السمع والذي يدرك بعد مهلة هو غير الصوت الذي تولد عن الصكة الأولى لأن ذلك إنما لا يدرك لبعده. قيل: فكذلك يدرك الصوت في جهة الريح أقوى لأنه يتولد فيها حالا بعد حال فيكون إلى إدراكه أقرب. وإذا كانت الريح في خلاف جهة الصوت ضعف إدراكه وربما لم يدرك لأنه يتولد فيما يبعد عنه البعد المانع من إدراكه. ولا يجوز البقاء على الأصوات أما من أثبت البقاء معنى كالبغداديين من المعتزلة فإنه يمنع من بقاء جميع الأعراض لأن البقاء الذي هو عرض عنده لا يصح أن يحل العرض. وأما من لم يثبت البقاء معنى - وهو الصحيح - ويجوز على بعض الأعراض البقاء ويقطع على بعض فإنه يعتل في المنع من بقاء الأصوات بأنها لو بقيت لاستمر إدراكنا لها مع السلامة وارتفاع الموانع ومعلوم خلاف ذلك. ولو كان الصوت مدركا على الاستمرار لم يقع عنده فهم الخطاب لأن الكلمة كانت حروفها تدرك مجتمعة فلا يكون زيد أولى من يزد أو غير ذلك مما ينتظم من حروف زيد. ولو كان الكلام أيضاً باقيا لكان لا ينتفي إلا بفساد محله لأنه لا ضد له من غير نوعه. ولا تقع الأصوات من فعل العباد إلا متولدة. ويدلك على ذلك أيضا تعذر إيجادها عليهم إلا بتوسط الاعتماد والمصاكة ولأنها تقع بحسب ذلك فيجب أن تكون مما لا يقع إلا متولداً كالآلام. والصوت يخرج مستطيلا ساذجا حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده فيسمى المقطع أينما عرض له حرفا. وسنبين ذلك.

стр. 12

فصل في الحروف الحرف في كلام العرب يراد به حد الشيء وحدته. ومن ذلك حرف السيف إنما هو حده وناحيته. وطعام حريف: يراد به الحدة. ورجل محارف أي محدود عن الكسب. وقولهم: انحرف فلان عن فلان أي جعل بينه وبينه حدا بالبعد. وفسر أبو عبيدة معمر بن المثنى١ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ ٢ أي لا يدوم. وفسره أبو العباس أحمد بن يحيى٣ أي على شك. وكلا التأويلين على ما قدمناه لأن المراد أنه غير ثابت على دينه ولا مستحكم البصيرة فيه فكأنه على حرفه أي غير واسط منه. وسميت الحروف حروفاً لأن الحرف حد منقطع الصوت. وقد قيل: إنها سميت بذلك لأنها جهات للكلام ونواح كحروف الشيء وجهاته. فأما قولهم في القراءة: حرف أبي عمرو من القراء وغيره فقد قيل فيه: إن المراد أن الحرف كالحد ما بين القراءتين. وقيل أيضاً: أن الحرف في هذا القول المراد به الحروف كما قال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ ٤ أي والملائكة. وكقولهم: أهلك الناس الدينار والدرهم أي

стр. 13

الدنانير والدراهم ١. والمعنى: أن القارىء يؤدي حروف أبي عمر وبأعيانها من غير زيادة ولا نقصان. وقد اختلفوا في تسمية الناقة الضامر حرفاً. فقال قوم: أي أنها قد حددت أعطافها بالضمر. وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: لأنها انحرفت عن السمن. وقال غيره: شبهت بحرف الجبل في الشدة والصلابة. وزعم بعضهم: أنها شبهت بحرف السيف في مضائه. وقال آخرون: شبهت بالهاء من الحروف لدقتها وتقويسها. وكل هذا راجع إلى ما تقدم. ومنه سمى مكسب الرجل حرفة لأنه الجهة التي انحرف إليها. وسموا الميل محرافاً لدقته. وأنشد أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد: كما زل عن رأس الشجيج المحارف٢ والتحريف في الكلام الميل والانحراف. قال الله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ ٣. أما تسمية أهل العربية أدوات المعاني نحو: من وقد حروفا فإنهم زعموا أنهم سموها بذلك لأنها تأتي في أول الكلام وآخره فصارت كالحروف والحدود له. وقد قال بعضهم: إنما سميت حروفاً لانحرافها عن الأسماء والأفعال. وهي عندنا نحن كلام لأنها منتظمة من حرفين فصاعداً. وأما قولهم للحروف التي في لغة العرب حروف المعجم فليس بصفة للحروف لأن ذلك يفسد من وجهين أحدهما: امتناع وصف

стр. 14

النكرة بالمعرفة١ والثاني: إضافة الموصوف إلى صفته والصفة عند النحويين هي الموصوف في المعنى ومحال أن يضاف الشيء إلى نفسه٢. إلا أن أبا العباس المبرد ذهب في ذلك إلى أن المعجم بمنزلة الإعجام كما تقول: أدخلته مدخلا أي إدخالا. وكما حكى أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش: أن بعضهم قرأ: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ ٣ بفتح الراء أي من إكرام. فكأنهم قالوا - على هذا الوجه: حروف الإعجام. ولم يجز أبو الفتح عثمان بن جنى أن يكون قولهم: حروف المعجم بمنزلة قولهم صلاة الأولى ومسجد الجامع. قال: لأن معنى ذلك: صلاة الفريضة الأولى ومسجد اليوم الجامع فهما صفتان حذف موصوفاهما وأقيما مقامهما وليس كذلك حروف المعجم لأنه ليس معناه حروف الكلام المعجم ولا حروف اللفظ المعجم. وليس يبعد عندي ما أنكره أبو الفتح بل يجوز أن يكون التقدير: حروف الخط المعجم لأن الخط العربي فيه أشكال متفقة لحروف مختلفة عجم بعضها دون بعض ليزول اللبس. وقد يتفق في غيرها من الخطوط أن تختلف أشكال الحروف فلا يحتاج إلى النقط فوصف الخط العربي بأنه معجم لهذه العلة. وقيل: حروف المعجم أي حروف الخط المعجم كما يقال: حروف العربي أي حروف الخط العربي وليس يمكن أن يعترض على هذا القول بأن يدعى أن وضع كلام العرب قبل خطهم وأن التسمية كانت لحروفه بحروف المعجم من حين تكلم به لأن قائل هذا يحتاج إلى إقامة الدلالة على ذلك وهي متعذرة لبعد العهد وفقد الطرق التي يتوصل بها إلى معرفة ذلك لا سيما إثبات التسمية لهذه الحروف بأنها حروف المعجم

стр. 15

قبل وضع الخط وكلما يروى من ابتداء وضعه وأنه خرج على ما قيل من الأنبار وما يجري هذا المجرى فليس يثمر إلا الظن. فإذا قيل أعجمت الكتاب فمعناه ازلت ابهامه كما يقال اشكيته إذا إذا أزلت ما يشكوه. لأن هذه اللفظة في كلام للابهام والخفاء. ومنه: رجل أعجم. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "جرح العجماء جبار" ١ يريد البهيمة. وعجم الزبيب وغيره أي المستتر فيه. وسموا صلاتي الظهر والعصر: عجماوين لأنه لا يفصح بالقراءة فيهما. والحروف تختلف بأختلاف مقاطع الصوت حتى شبه بعضهم الحلق والفم بالناي لأن الصوت يخرج منه مستطيلاً ساذجاً فإذا وضعت الأنامل على خروقه ووقعت المزاوجة بينها سمع لكل حرف منها صوت لا يشبه صاحبه فكذلك إذا قطع الصوت في الحلق والفم بالإعتماد على جهات مختلفة سمعت الأصوات المختلفة التي هي حروف. ولهذا لا يوجد في صوت الحجر وغيره لأنه لا مقاطع فيه للصوت وليس يحتاج إلى حصر الحروف التي يتعلق بها. وإنما الغرض ذكر ما في اللغة العربية التي كلامنا عليها لأن في غيرها من اللغات حروفاً ليست فيها كلغة الأرمن وما جرى مجراها. فحروف العربية تسعة وعشرون حرفا وهي: الهمزة والألف والهاء والعين والحاء والغين والخاء والقاف والكاف والضاد والجيم والشين والياء واللام والراء والنون والطاء والدال والتاء والصاد والزاي والسين والظاء والذال والثاء والفاء والباء والميم والواو. فهذا ترتيبها على المخارج. وكان أبو العباس محمد بن يزيد المبرد٢ لا يعتد بالهمزة ويجعل

стр. 16

الحروف ثمانية وعشرين حرفاً. وقوله هذا عند النحويين مرفوض واعتلاله بأن الهمزة لا صورة لها مستكره غير مرضى١ لأن الاعتبار باللفظ دون الخط وهي ثابتة فيه. ولو أن العرب خط لها كغيرها من الأمم لم يمنع ذلك من الاعتداد بجميع هذه الحروف المذكورة. فأما الألف التي هي ساكنة أبداً فقد قالوا: إن واضع الخط ولا ى أتى بلا على وزن ما لأن الألف ساكنة لا يصح الابتداء بها فجاء بحرف قبلها ليمكن النطق بها ويقع تمثيل ذلك. وليس غرضه أن يبين كيف يتركب بعض هذه الحروف من بعض كما يقول المعلمون: لام ألف. ولو أراد أن يبين التركيب لبينه في سائر الحروف ولم يقتصر على الألف مع اللام. وقد قال أبو الفتح عثمان بن جتى٢: أنهم إنما اختاروا لها حرف اللام دون غيره من الحروف لأن واضع الخط أجراه في هذا على اللفظ لأنه أصل للخط والخط فرع عليه. فلما رآهم قد توصلوا إلى النطق بلام التعريف بان قدموا قبلها الفا نحو الغلام والجارية لما لم يمكن الابتداء باللام الساكنة كذلك أيضاً قدم قبل الألف في لا لا ما توصلا إلى النطق بالألف الساكنة. وكان في ذلك ضرب من المعارضة بين الحرفين. ويمكن عندي أن يعترض على هذا القول بأن يقال: أن التي مع اللام

стр. 17

في الرجل والجارية هي الهمزة وليست الألف الساكنة التي جاءت اللام معها في لا فكيف تجعل العلة في ورود اللام هنا مع الألف ورود الهمزة هناك مع اللام وليس بين الموضعين تناسب ولا معارضة كما ذكرت وهل يصح أن يقال: إن الألف الساكنة التي لا يمكن أن يبتدأ بها في النطق بل يحتاج إلى حرف قبلها يتوصل بها إلى النطق بلام التعريف التي هي ساكنة مثلها وكل من الحرفين يحتاج إلى ما يحتاج إلى ما يحتاج إليه الآخر؟ فإن قيل: إن الهمزة التي مع اللام في الرجل هي ألف على الحقيقة وهي التي بعد اللام في قولهم: لا وإن كانت ساكنة هناك قيل له فما وجه إنكارك وإنكار أصحابك على أبي العباس المبرد أنه لم يعتد بالهمزة في الحروف بل جعلها ثمانية وعشرين حرفا فقط١ أو ليس هذا منكم إنكار للهمزة رأسا وليس يحظر أن يجاب عن هذا الكلام إلا بأن كافة النحويين يطلقون على الهمزة التي مع لام التعريف أنها ألف ومثل هذا لا يقنع لأن التعليل فيما ذكره أبو الفتح إذا قصر على الشبه في الاسم ضعف جداً واطرح. ثم الكلام عليهم أيضاً باق في قولهم أن الهمزة في نحو الرجل ألف على الإطلاق مع اعتقادهم أن الألف هي الحرف الساكن أبداً في نحو كتاب وغيره والهمزة حرف غيره وإنكارهم على أبي العباس المبرد ما ذكرناه. فأما نحن إذا سئلنا عن العلة في إيراد اللام مع الألف للتوصل بحرف متحرك دون غيرها من الحروف فمن جوابنا أن الغرض كان إيراد حرف متحرك للتوصل به والعادة جارية في مثل هذا الموضع بمجيء همزة الوصل كما جاءت في نحو اذهب وغيره فمنع من ذلك ما ذكره أبو الفتح

стр. 18

من أنها تأتي مكسورة ولو جاءت قبل الألف مكسورة لانقلبت الألف ياء لانكسار ما قبلها وانتفض الغرض. فلما خرجت الهمزة بهذه العلة التي ذكرها كانوا في غيرها من الحروف بالخيار أي حرف متحرك ورد صح به الغرض فأتوا باللام لغير علة كما خص واضع الخط بعض الحروف بشكل دون بعض لغير سبب. وأمثال هذا الذي لا يعلل كثيرة لا تحصى. ويلحق هذه الحروف التي ذكرناها حروف بعضها يحسن استعماله في الفصيح من الكلام وبعضها لا يحسن فالتي تحسن ستة أحرف وهي: النون الخفيفة التي تخرج من الخيشوم والهمزة المخففة وألف الإمالة وألف التفخيم وهي التي بها ينحا نحو الواو وذلك كقولهم في الزكاة: الزكاوة والصاد التي كالزاي نحو قولهم في مصدر مزدر والشين التي كالجيم نحو قولهم في أشدق أجدق. والحروف التي لا تستحسن ثمانية وهي الكاف التي بين الجيم والكاف نحو كلهم عندك والجيم التي كالكاف نحو قولهم للرجل ركل والجيم التي كالشين نحو قولهم خرشت والطاء التي كالتاء كقولهم طلب والضاد الضعيفة كقولهم في أثرد أضرد والصاد التي كالسين في قولهم صدق والظاء التي كالثاء كقولهم ظلم والفاء التي كالباء كقولهم فرند١. ومخارج هذه الحروف ستة عشر مخرجاً: ثلاثة في الحلق فأولها من أقصاه مخرج الهمزة والألف والهاء وهذا على ترتيب سيبويه. وزعم أبو الحسن الأخفش أن الهاء مع الألف لا قبلها ولا بعدها. ثم يليه من وسط الحلق مخرج العين والحاء. ثم من فوق ذلك مع أول الفم مخرج الغين والخاء. ثم من أقصى اللسان مخرج القاف. ومن أسفل ذلك وأدنى إلى

стр. 19

مقدم الفم مخرج الكاف. ومن وسط اللسان ذلك بينه وبين الحنك الأعلى مخرج الجيم والشين والياء. ومن أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس مخرج الضاد. ومن حافة اللسان من أدناها إلى منتهى طرفه بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى مخرج اللام. ومن طرف اللسان بينه وبين ما فوق الثنايا مخرج النون. ومن مخرج النون غير أنه ادخل في ظهر اللسان مخرج الراء. ومما بين طرف اللسان وأصول الثنايا مخرج الطاء والتاء والدال. ومما بين الثنايا وطرف اللسان مخرج الصاد والزاي والسين. ومما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا مخرج الظاء والثاء والذال. ومن باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا مخرج الفاء ومن بين الشفتين مخرج الباء والميم والواو ومن الخياشيم مخرج النون الخفيفة. ومن هذه الحروف المجهور والمهموس ومعنى الجهر في الحرف أنه أشبع الاعتماد في موضعه ومنع النفس أن يجري معه حتى ينقضى الاعتماد ويجري الصوت. ومعنى الهمس فيه أن يضعف الاعتماد في الصوت حتى يجري معه النفس. والحروف المهموسة عشرة أحرف وهي الهاء والحاء والخاء والكاف والسين والصاد والتاء والشين والثاء والفاء ويجمعها في اللفظ ستشحثك خصفه وجمعت أيضا: سكت فحثه شخص وما سوى هذه الحروف هو المجهور. ومنها أيضا الرخو والشديد والذي بين الشديد والرخو فالشديد الحرف الذي يمنع الصوت أن يجري فيه. وهي ثمانية أحرف: الهمزة والقاف والكاف والجيم والطاء والدال والتاء والباء ويجمعها في اللفظ أجدك قطبت. والتي بين الشديد والرخو ثمانية أحرف وهي: الألف والعين والراء واللام والياء والنون والميم والواو ويجمعها في اللفظ: لم يروعنا. والرخوة الحروف التي لا تمنع الصوت أن يجري فيها وهي ما سوى هذين القسمين المذكورين.

стр. 20

ومنها أيضاً المنطبقة والمنفتحة ومعنى الأطباق أن يرفع المتلفظ بهذه الحروف لسانه ينطبق بها الحنك الأعلى فينحصر الصوت بين اللسان والحنك. وهي أربعة أحرف: الصاد والضاد والطاء والظاء. وما سواها من الحروف مفتوح غير منطبق. ومن الحروف أيضاً حروف الاستعلاء. وحروف الانخفاض ومعنى الاستعلاء: أن تصعد في الحنك الأعلى وهي سبعة أحرف: الحاء والغين والقاف والضاد والظاء والصاد والطاء. وما سوى ذلك من الحروف منخفض. ومنها حروف الذلاقة ومعنى الذلاقة أن يعتمد عليها بذلق اللسان وهو طرفه وذلق كل شيء حده. وهي ستة أحرف: اللام والراء والنون والفاء والباء والميم. وما سواها من الحروف فهي المصمتة. وللحروف أيضاً انقسام إلى الصحة والاعتلال والزيادة والأصل والسكون والحركة وغير ذلك مما أكثر علقته بالنحو ولو ذكرناه في هذا الكتاب أطلناه. وعدلنا عن الغرض في تقريبه. وإنما أربنا ذكر مالا يستغنى عنه طالب معرفة الفصاحة التي لها يقصد وإليها ينحو. فأما ما سوى ذلك فاللمحة تقنع منه واللمعة تغنى فيه. وفيما أردناه من أقسام الحروف وأحكامها في هذا الفصل مقنع ولا يليق به الزيادة عليه والإسهاب لأنه كالطريق الذي يجتاز فيه إلى مرادنا ونتوصل بسلوكه إلى مقصدنا فالليث به غير واجب والريث فيه غير محمود ١.

стр. 21

فصل في الكلام . الكلام اسم عام يقع على القليل والكثير. وذكر السيرافي أنه مصدر والصحيح أنه اسم للمصدر والمصدر التكليم قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ ١ ولعل أبا سعيد تسمح في إيراد ذلك وقاله مجازاً. فأما الكلم فإنه اسم يدل على الجنس هكذا مذهب أهل النحو في الأسماء التي يكون فيها الاسم على صورتين تارة بالهاء وتارة بطرحها نحو تمرة وتمر وبسره وبسر وما أشبه ذلك. على أن بعضهم قد جعل الكلم جمع كلمة لكن الأحرى على مذهبهم ما ذكرناه. والكلمات جمع كلمة وقد حكى كلمة وجمعها كلم. وروى أبو زيد أن العرب تقول الرجلان لا يتكالمان يريد: لا يتكلمان ٢. وقد استدل على أن الكلام ليس بمصدر بأن الفعل المستعمل منه إنما هو كلمت وفعلت يأتي مصدره في القياس على مثال التفعيل نحو: كسرت تكسيرا ولا يأتي مصدره في القياس على مثال التفعيل نحو: كسرت تكسيرا ولا يأتي على لفظ آخر. والكلام عندنا على ما انتظم من هذه الحروف التي ذكرناها أو غيرها على ما بيناه من أننا لا نذكر إلا حروف اللغة العربية دون غيرها من اللغات. وحده ما انتظم من حرفين فصاعداً من الحروف المعقولة إذا وقع ممن تصح منه أو من قبيله الإفادة. وإنما شرطنا الانتظام لأنه لواتي بحرف ومضى زمان وأتى بحرف آخر لم يصح وصف فعله بأنه كلام. وذكرنا الحروف المعقولة لأن أصوات بعض الجمادات ربما تقطعت على وجه يلتبس بالحروف. ولكنها لا تتميز وتتفصل كتفصيل الحروف التي ذكرناها. واشترطنا وقوع ذلك ممن يصح منه أو من قبيله الإفادة لئلا يلزم عليه أن يكون ما

стр. 22

يستمع من بعض الطيور كالببغاء وغيرها كلاما وقلنا القبيل دون الشخص لأن ما يسمع من المجنون يوصف بأنه كلام وأن لم تصح منه الفائدة وهو بحاله لكنها تصح من قبيله وليس كذلك الطائر. فأما الدليل على صحة هذا الحد فهو: أن الشروط التي ذكرناها فيه متى تكاملت صح الوصف بأنه كلام ومتى إختل بعضها لم يوصف بذلك. وفيما ذكرناه تسمح وهو قولنا لو أتى بحرف ومضى زمان وأتى بحرف آخر لم يصح وصف فعله بأنه كلام. وكذلك النطق بحرف واحد متعذر غير ممكن إذ لابد من الإبتداء بمتحرك والوقوف على ساكن وما يمكن ذلك في أقل من حرفين الأول منهما متحرك والثاني ساكن وهو الذي يسميه العروضيون سبباً خفيفاً. وبهذا أجاب أصحابنا من ألزمهم على هذا الحد الذي ذكرناه أن يكون: ق وع في الأمر ليس بكلام لأنه حرف واحد. وقالوا: إن المنطوق به في هذا القول حرفان والغنة التي وقف عليها عند السكت هي حرف١. وإن لم يثبت في الخط. وبينوا أن النطق بحرف واحد غير ممكن للعلة التي ذكرناها. وبهذا الجواب غنوا عما قاله أبو هاشم: من أن الأصل في هاتين اللفظتين عند الأمر أوق وأوع وإنما حذف ذلك لضرب من التصريف والمحذوف مقدر في الكلام مراد فعاد الأمر إلى أن الحرف الواحد لا يفيد. وإذا كنا قد بينا التسمح فيما ذكرناه فوجه العذر فيه أنه لو أمكن فرضا وتقديراً أن ينطق بحرف واحد لم يكن كلاما وإن كان الصحيح أن ذاك غير ممكن لما بيناه. وقد ألزمنا على هذا الحد الذي ذكرناه أن يكون الأخرس متكلما لأنه قد يقع منه حرفان. والتزم أصحابنا ذلك وقالوا: إن الأخرس يمكن

стр. 23

أن يقع منه أقل قليل للكلام. وفيهم من احترز من ذلك وقال في أصل الحد ما إنتظم من حرفين مختلفين. وادعى أن الأخرس لا يقع منه ذلك. وطعن على هذا القول بأنه: غير ممتنع أن يقع من الأخرس حرفان مختلفان. والمعتمد التزام ذلك والقول بجوازه. وليس يجوز أن يشترط في حد الكلام كونه مفيداً على ما يذهب إليه أهل النحو ومضى في بعض كلام أبي هاشم وذلك أنا وجدنا أهل اللغة قد قسموا الكلام إلى مهمل ومستعمل. والمهمل ما لم يوضع في اللغة التي أضيف أنه مهمل إليها لشيء من المعاني والفوائد والمستعمل هو الموضوع لمعنى أو فائدة. فلو كان الكلام هو المفيد عندهم وما لم يفد ليس بكلام لم يكونوا قسموه إلى قسمين بل كان يجب أن يسلبوا ما لم يفد اسم الكلام رأسا لا أن يجعلوه أحد قسميه. على أن الكلام إنما يفيد بالمواضعة. وليس لها تأثير في كونه كلاما كما لا تأثير لها في كونه صوتاً وأي دليل على أن اسم الكلام عندهم غير مقصور على المفيد أو كد من تسميتهم للهذيان الواقع من المجنون وغيره كلاما. وليس يمكن دفع ذلك عنهم ولا إنكاره. وقد وجدت أبا طالب أحمد بن بكر العبدي النحوي ينصر في كتابه الموسوم بالبرهان في شرح الإيضاح ما يذهب إليه النحويون في هذا المسألة. فلما تأملته وأنعمت النظر فيه لم أجده معتمداً فيما أدعوه. وأنا أحكيه وأتبعه ببيان عدم الدلالة منه. قال أبو طالب: وهذا اللفظ من الكلام فإنه يكون واقعا على المفيد منه لا على غيره ألا ترى أن سيبويه ﵀ قال: واعلم إن قلت إنما وقعت في كلام العرب على أن يحكى بها ما كان كلاما لا قولا وفسر معنى هذا القول. ثم قال فإن قلت: ألست تقول لمن نطق وأظهر كلمة واحدة قد تكلم وإن لم يكن ما ذكره جملة. قيل قال

стр. 24

أقول تكلم ولا أقول قال كلاما لأن الكلام ما وقع على الجمل من حيث ذكرت أن كلاما إنما وقع على أن يكون اسما للمصدر ونائباً عنه. وذلك المصدر١ موضوع للمبالغة والتكثير. ألا ترى أنك تقول فعلت كذا وكذا. ولفظ هذا يحتمل أن يكون كثيرا وأن يكون قليلا. وبابه القلة. وإذا قال فعلت بتشديد العين لم يكن إلا للتكثير وزال عنه معنى القلة من أجل التشديد. فإذا كان الأمر على هذا وكان الكلام جاريا على لفظ فعل للمبالغة وجب أن يراد به التكثير وأقل أحوال التكثير والتكرير أن يكون واقعاً على جملة. فإن قيل فإن الفعل المستعمل من هذا اللفظ لا يكون على وجهين إذا أريد التقليل كان خفيفا وإذا أريد التكثير ثقل كما نجد ذلك في ضرب وضرب وذلك أنه لم يجىء فيه إلا كلمت البتة. قيل: أليس قد تقرر أن لفظ فعل للتكثير والتكرير فينبغي أن يوفى حق لفظها. وكونها على حالة واحدة عندي أبلغ في المعنى حتى صارت عندهم لفظة لا تستعمل إلا للمبالغة من حيث كان الكلام أجل ما يوصف به الإنسان. حتى قال الشاعر: ٢ لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم وقال قبل هذا البيت: وكائن ترى من ساكت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم ولآخر: ٣ ومما كانت الحكماء قالت ... لسان المرء من خدم الفؤاد ويقال لأهل الدين والكلام عليه: فلان متكلم. فلولا أنها شيمة

стр. 25

شريفة وصفة مبالغة لما وصف بذلك. ثم يقال للإنسان الذي يورد ما تقل فائدته: هذا ليس بكلام. فقد بان بما ذكرته موضع المبالغة في قولهم: فلان متكلم. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إن من البيان لسحرا ". فأما ما جاء من قوله: فصبحت والطير لم تكلم. وقوله: عجبت لها أني يكون غناؤها ... فصيحاً ولم تفغر بمنطقها فما فمجاز لا حقيقة له. كما قيل: إلى ملك أظلافه لم تشقق١ وكما أنشد سيبويه: وداهية من دواهي المنون ... ترهبها الناس لا فالها٢ فجعل للداهية فما استعارة. وكشف هذا شاعر محدث فقال٣: وسألت من لا يستجيب فكنت في استخباره ... كمجيب من لا يسأل ويكشف هذا المعنى للمتأمل أن العرب لشرف الكلام عندهم وأن القليل المفيد منه عندهم كثير أنهم يقولون: وقال فلان في كلمته. إنما يريدون القصيدة. وكشف هذا المتأخر ما أريد فقال:

стр. 26

ورسائل قطع العداة سحاءها ... فرأوا قناً وأسنة وسنوراً ١ وهل هو إلا كلام وقد ترى تفصيله إياه بالقنا والسنور وقد قال الأول: والقول ينفذ مالا تنفذ الإبر وقال آخر٢: فإن القوافي يتلجن موالجا ... تضايق عنها أن تولجها الإبر وهذا كله إنما أوردته نصرا لنطقهم بتكلم مثقل العين على لفظ المبالغة ولم يستعملوه على وجهين مخففاً ومثقلاً. فيقال لأبي طالب. إن كنت أوردت ما ذكرته عن سيبويه على وجه الإستدلال به فلا حجة فيه لأنا لسنا نخالفك في هذه المسألة وحدك وإنما نخالف فيها سيبويه وغيره من النحويين الذين ذهبوا إلى أن الكلام هو المفيد دون غيره. وكيف يكون قول خصومنا علينا حجة من غير أن يعتمدوا إلا على نفس الدعوى فإن ذهب إلى أن قول سيبويه وأمثاله في هذا وأمثاله حجة واستكره الإفصاح بخلافه. قلنا: إن كان هذا لحسن الظن به فذلك أليق بالمتكلمين الذين هم أصحاب التحقيق والكشف عن أسرار المعلومات وغوامض الأشياء وعللهم هي الصحيحة المستمرة الجارية على منهج واضح وسبيل مستقيم. وإنما غيرهم بالإضافة إليهم خابط عشواء وحاطب ليل. فإن جاز الاعتصام بتقليد سيبويه كان الاعتصام بالدخول في شعب هؤلاء أحرى وأولى. وأن قيل أن أتباع النحويين في مثل هذا الباب أسوغ لأنهم أهل هذا الشأن وأرباب هذه الصناعة قلنا: إنما يجب إتباعهم فيما

стр. 27

يحكونه عن العرب ويروونه وليس هذه المسألة من قبيله بل العرب مجمعون معنا على تسمية الكلام المفيد وغير المفيد بأنه كلام. وليس يمكن جحد ذلك عنهم. فأما طريقة التعليل فإن النظر إذا سلط على ما يعلل النحويون به لم يثبت معه إلا الفذ الفرد بل ولا يثبت شيء البتة. ولذلك كان المصيب منهم المحصل من يقول هكذا قالت العرب من غير زيادة على ذلك فربما اعتذر المعتذر لهم بأن عللهم إنما ذكروها وأوردوها لتصير صناعة ورياضة ويتدرب بها المتعلم ويقوى بتأملها المبتدئ. فإما أن يكون ذلك جاريا على قانون التعليل الصحيح والقياس المستقيم فذلك بعيد لا يكاد يذهب إليه محصل. على أنه قد يمكن أن يقال: إن المتقدمين من أهل النحو تواضعوا في عرفهم على أن سموا الجمل المفيدة كلاما دون ما لم يفد لا أن ذلك على سبيل التحقيق. كما أنهم سموا هذه الحوادث الواقعة كضرب وقتل أفعالا. ولو عدلنا إلى التحقيق ورفض عرفهم كانت أسماء لما وقع من الحوادث. أما تسليمه أن كل من نطق بكلمة واحدة يقال له تكلم ولا يقال قال كلاماً. واعتلاله بأن كلاماً وقع اسما لمصدر ونائباً وذلك المصدر موضوع للتكثير فيجب أن يوفي حقه فمن طريف ما يعتمد عليه. وذلك أن التكثير موجود في لفظ تكلم وقد أجازه مع القلة فكيف لم يجز ذلك مع المصدر الذي ليس في لفظه التكثير. وإنما هو نائب عن ذلك في لفظه. فإذا جاز هذا في الأصل فهو فيما ينوب أسوغ وأليق. وأما قولهم أنهم لم ينطقوا في الكلام إلا بفعل التي هي للتكثير لشرف الكلام عندهم فذلك هو الحجة في إطلاق لفظ الكلام وتكلم على القليل الذي ليس بمفيد لما ذكره من الشرف والمبالغة. وأما استدلاله على شرف الكلام عندهم بالأبيات التي ذكرها فمما يمكن إيراد مثله إلا أن ذكره:

стр. 28

ومما كانت الحكماء قالت ... لسان المرء من خدم الفؤاد١ لا أعلم موقع الدلالة منه على شرف الكلام وهو بالدلالة على تشريف الفؤاد والوضع من اللسان بأنه خادمه أليق. وأما قوله أنهم يقولون للإنسان الذي يورد ما تقل فائدته: هذا ليس بكلام قلنا ذلك وأمثاله إنما يورد على سبيل الجواز والإسراف في المبالغة. كما يقال للرجل البليد: ليس بإنسان والفرس البطيء ليس بفرس لا أن ذلك على الحقيقة. وهذا مما لا تدخل في مثله شبهة. وأما قوله إن العرب لشرف الكلام عندهم وأن القليل المفيد منه كثير. يقولون: قال فلان في كلمته يريدون القصيدة فذلك كله هو وأمثاله هو الوجه في اقتصارهم على لفظ التكثير في الكلام أفاد أو لم يفد دون الألفاظ التي لم توضع للتكثير. وقد حد الكلام بحدود غير صحيحة كحد بعض النحويين له بأنه فعل المتكلم وذلك ينتقض بجميع أفعاله الحادثة منه في حال كلامه كالضرب وما أشبهه على أن من عقل كونه متكلما عقل الكلام ولم يحتج إلى حده. وكذلك حد بعض المتكلمين له بأنه: ما أوجب كون المتكلم متكلما. وقول غيره: ما يقوم بذات المتكلم لأن هذا كله فرع على عقل المتكلم وتحققه وذلك لا يتم إلا بعد المعرفة بالكلام وما يقوم بذات المتكلم ينتقض بكل ما يقوم به من العلم والقدرة والحياة. ثم السؤال فيه باق لأنه إذا قيل فهذا الذي أوجب كون المتكلم متكلماً أو قام بذاته ما هو فلابد من الرجوع إلى ما قدمنا من حده. وإذا كان كلامنا مبنياً على أن الكلام هو الصوت الواقع على بعض الوجوه وكان أبو علي الجنائي يذهب إلى أن جنس الكلام يخالف جنس الصوت فلا بد من بيان ما ذهبنا إليه وفساد ما عداه. والذي يدل على أن

стр. 29

الكلام هو الصوت الواقع على بعض الوجوه أنه لو كان غيره لجاز أن يوجد أحدهما مع عدم الآخر على بعض الوجوه لأن هذه القضية واجبة في كل غيرين لا تعلق بينهما ولما استحال أن توجد الأصوات المقطعة على وجه مخصوص ولا تكون كلاماً أو الكلام من غير صوت مقطع دل على أنه الصوت بعينه. فأما من ذهب إلى أن الكلام معنى في النفس من المجبرة فإن الذي حملهم على هذا المذهب الواضح الفساد ظهور أدلة نظار المسلمين١ على حدوث هذا الكلام المعقول وتقديم بعض حروفه على بعض فلم يتمكنوا من الاعتراف بأنه من جنس الأصوات المقطعة مع القول بأن كلام الله عز اسمه قديم فادعوا لذلك أن الكلام غير هذا الصوت المسموع وأنه معنى قائم في النفس ليسوغ لهم قدمه على بعض الوجوه فلجأوا من الاعتراف بالحق والانقياد بزمامه إلى محض الجهل وصرف الضلال. ولو تجنب خطابهم على هذا القول وعول في إفساده على حكاية مذهبهم لأغني ذلك عند كافة المحصلين ولم يفتقر إلى استئناف دليل عليهم غي التأمل لما يدعونه والعجب مما يلتزمونه ويصرحون به وحمد الله تعالى على ما أنعم به من الإرشاد ومنحه من الهداية. لكن قد جرت عادة أهل العلم معهم بإيضاح الحق وإن كان غير خاف والتنبيه على الصواب وأن كان ليس بمشكل في جميع المذاهب التي تفردوا بها وإن جرت في البعد مجرى هذا المذهب فنحن نستدرك عليهم في هذه المسألة على طريقة أصحابنا ونذكر ما قالوه وإن كنا غير محتاجين إلى ذلك. والذي يدل على أن الكلام ليس بمعنى في النفس أنه لو كان معنى زائداً على المعاني المعقولة الموجودة في القلب كالعلم وغيره لوجب أن يكون إلى معرفته طريق من ضرورة أو دليل. ولو كان ضرورة لوجب اشتراك العقلاء

стр. 30

في المعرفة ولم يحسن الخلاف بينهم فيه والمعلوم غير ذلك ولو كان عليه دليل لكان من ناحية حكم يظهر له ويتوصل به إلى إثباته كما يتوصل بأحكام الذوات إلى إثباتها ومعلوم أنه لا حكم يمكن أن يشار إليه في هذا الباب. فإن قيل: الصوت المسموع طريق إلى إثبات الكلام القائم في النفس قلنا: ليس يخلو من أن يكون طريقاً إليه بأن يعلم عنده أو يستدل به عليه فإن كان الأول وجب أن يعلم كل من سمع الكلام الذي هو الصوت الواقع على بعض الوجوه شيئاً آخر عنده ومعلوم خلاف ذلك وأن كان يستدل به عليه فالكلام المسموع إنما يدل على ما لولاه لما حدث وهو القدرة أو ما لولاه لم يقع على بعض الوجوه وهو العلم والإرادة. فأما ما سوى ذلك فلا دلالة عليه لنفي التعلق. فإن قيل: كل عاقل يجد في نفسه عند الكلام أمراً يطابقه ويدبر في نفسه ما يريد أن يتكلم به حتى يخطب الخطبة وينشد القصيدة من غير أن يحرك لشيء من ذلك جارحة بحال من الأحوال وذلك يبين أن الكلام معنى قائم في النفس: قلنا: كل أمر يجده الإنسان من نفسه عند الكلام معقول وهو العلم بكيفية ما يوقعه منه أو الظن له أو إرادة ذلك والداعي إلى فعل الكلام أو الفكر والروية في إيقاعه وكيفية فعله. فإن أشير إلى بعض ما ذكرناه بالكلام صح المعنى وعاد الخلاف إلى عبارة. وأن أريد غيره فليس بمعقول. وههنا جواب آخر: وذلك أن الإنسان يفعل كلاماً خفياً في داخل صدره ويقطعه بالنفس فيكون كلاماً بالحقيقة وأن كان غير مسموع له. ثم إن أحدنا قد يحدث نفسه بنسج ثوب أو بناء دار فيظن لها أن ذلك مصور في نفسه قبل الفعل وليس يجب لذلك أن يكون البناء أو النساجة معنى في النفس بل ذلك علم بكيفية أيقاع كل واحد منهما حسب ما بيناه في الكلام. فأما تعلقهم بجنس قول القائل في نفسي

стр. 31

كلام ففاسد لأنه توصل إلى إثبات المعاني بالعبارات ولا يعول على ذلك محصل. على أن من يطلق هذا القول لا يخلو من أن يكون أطلقه عن علم أو عن غير علم فإن كان أطلقه عن غير علم فلا حجة في إطلاقه وإن كان عن علم لم يخل أن يكون ضرورياً أو مكتسباً. فإن كان ضرورياً وجب اشتراك العقلاء فيه ولم يحسن الخلاف بينهم وليس الأمر كذلك وإن كان مستدلاً عليه فالواجب إيراد الدليل الذي اقتضى إطلاق هذا العبارة ليقع النظر فيه. وبعد فإن الإنسان قد يطلق أيضاً فيقول في نفسي بناء دار ونسج ثوب. كما يقول في نفسي كلام فهل يدل ذلك على أن البناء والنساجة معنيان في النفس كما دل عندهم على أن الكلام معنى فيها. ثم أن لقول القائل في نفسي كلام وجهاً صحيحاً وذلك أن المعنى إني عازم عليه ومريد له ولهذا لو أبدلوا هذا اللفظ مما ذكر لقام مقامه في الفائدة. وأما تعلقهم بأن الساكت يقال فيه أنه متكلم فليس بصحيح لأن المراد بذلك إمكان الكلام منه أو إضافته إليه على طريق الصناعة كما يقال للصائغ - في حال هو لا يصوغ فيها - إنه صائغ. وكذلك سائر الصناع ثم هو مع ذلك استدلال بالمعاني على العبارات وقد بينا فساد ذلك فيما تقدم. والكلام مما لا يوجب حالاً للمتكلم إذ لا طريق إلى إثبات ذلك من ضرورة أو استدلال. ولا فرق بين من ادعى في الكلام أنه يوجب حالاً وبين من ادعى ذلك في جميع الأفعال كالضرب وغيره. وأيضاً فإن الكلام يوجد في الصدا ونكون نحن المتكلمين به. ومن شأن ما ينفصل عن الحي أن لا يوجب لح حالاً لأن كل ما أوجب للحي حالاً لا يصح وجوده في محل لا حياة فيه كالعلم والقدرة. والكلام يتعلق بالمعاني والفوائد بالمواضعة لا لشيء من أحواله وهو قبل المواضعة إذ لا اختصاص له ولهذا جاز في الاسم الواحد أن تختلف مسمياته لاختلاف اللغات. وهو بعد وقوع التواضع

стр. 32

يحتاج إلى قصد المتكلم به واستعماله فيما قررته المواضعة ولا يلزم على هذا أن تكون المواضعة لا تأثير لها لأن فائدة المواضعة تمييز الصيغة التي متى أردنا مثلاً أن نأمر قصدناها. وفائدة القصد أن تتعلق تلك العبارة بالمأمور وتؤثر في كونه أمراً له. فالمواضعة تجري مجرى شحذ السكين وتقويم الآلات والقصد يجري مجرى استعمال الآلات بحسب ذلك الإعداد. والكلام على ضربين مهمل ومستعمل: فالمهمل هو الذي لم يوضع في اللغة التي قيل له مهمل فيها لشيء من المعاني والفوائد. والمستعمل هو الموضوع لمعنى أو فائدة. وينقسم إلى قسمين: أحدهما ماله معنى صحيح وأن كان لا يفيد فيما سمى به كنحو الألقاب مثل قولنا: زيد وعمرو. وهذا القسم جعله القوم بدلاً من الإشارة. والفرق بينه وبين المفيد أن اللقب يجوز تبديله بغيره وتغييره واللغة على ما هي عليه والمفيد لا يجوز ذلك فيه. والقسم الثاني هو المفيد وهو على ثلاثة أضرب: أحدها أن يبين نوعاً من نوع كقولنا: كون ولون. وثانيهما أن يبين جنساً من جنس كقولنا: جوهر وسواد. وثالثها أن يبين عيناً من عين كقولنا: عالم وقادر. والمفيد من الكلام ينقسم إلى قسمين: حقيقة ومجاز. فاللفظ الموصوف بأنه حقيقة هو ما أريد به ما وضع لإفادته. والمجاز هو اللفظ الذي أريد به مالم يوضع لإفادته. والكلام المفيد يرجع كله إلى معنى الخبر. ومتى اعتبرت ضروبه وجدت لا تخرج عن ذلك في المعنى. أما الجحود والتنبيه والقسم والتمني والتعجب فالأمر في كونها أخباراً في المعنى ظاهر وأما الأمر فيفيد كون الأمر مريداً للفعل فمعناه معنى الخبر. والنهي يفيد أنه كاره فهو أيضاً كذلك. والسؤال والطلب والدعاء يجري هذا المجرى. والعرض فهو سؤال على الحقيقة فأما النداء فقد اختلف فيه فقيل معنى: يا زيد أدعو زيداً وهذا على الحقيقة خبر. وقيل

стр. 33

المراد به: أقبل يا زيد وعلى هذا المعنى فهو داخل في قسم الأمر. وأما التخصيص فهو في معنى الأمر لأنه يغبىء عن إرادة المخصص للفعل. وإذ كنا قد بينا حد الكلام وحقيقته فينبغي أن نذكر حقيقة المتكلم فنقول: إن المتكلم من وقع الكلام الذي بينا حقيقته بحسب أحواله من قصده وإرادته واعتقاده وغير ذلك من الأمور الراجعة إليه حقيقة أو تقديراً والذي يدل على ذلك أن أهل اللغة متى علموا أو اعتقدوا وقوع الكلام بحسب أحوال أحدنا وصفوه بأنه متكلم ومتى لم يعلموا ذلك أو يعتقدوه لم يصفوه فجرى هذا الوصف في معناه مجرى وصفهم لأحدنا بأنه ضارب ومحرك ومسكن وما أشبه ذلك من الأفعال. ومن دفع ما ذكرناه في الكلام وإضافته إلى المتكلم تعذر عليه أن يضيف شيئاً على سبيل الفعلية لأن الطريقة واحدة. ولا يلزم على ما ذكرناه إضافة كلام النائم والساهي إليهما وإن لم يقع بحسب المقصود وذلك أننا لم نقتصر على ذكر المقصود والدواعي دون جملة الأحوال. والكلام يقع من النائم والساهي بحسب قدرتهما ولغتهما. واللثغة العارضة في لسانهما وغير ذلك من أحوالهما. على أنا قد احترزنا بذكر التقدير في كلامنا لأن من المعلوم أن كلام النائم لو كان قاصداً لوقع بحسب قصده وأنه مخالف لكلام غيره. ويدل على ما ذكرناه أيضاً أنهم يضيفون الكلام المسموع من المصروع إلى الجني لما اعتقدوا تعلقه بقصده وإرادته. وهذا وأن كان خطأ منهم وجهلا فلا يغير دلالتنا منه لانا إنما استدللنا باستعمالهم على وجه لا فرق فيه بين الفاسد والصحيح لأن عبارتهم تابعة لاعتقاداتهم ولا فرق بين أن تكون تلك الاعتقادات علماً أو جهلاً. كما يستدل على أن لفظة إله في لغتهم موضوعة لمن يحق له العبادة بوصفهم للأصنام بأنها آلهة لما اعتقدوا أن هذه العبادة تحب لها وأن كان هذا الاعتقاد منهم في الأصنام فاسدا. فإن قالوا: إنهم إنما أضافوا الكلام المسموع من المصروع إلى الجني لما اعتقدوا أن الجني قد سلكه

стр. 34

وخالطه وأن الكلام حال في الجني دونه فيعود الأمر إلى أن المتكلم بالكلام من حله. قلنا له ليس يعتقدون أن آلة المصروع ولسانه قد صار للجني دونه لأنهم لا يضيفون إلى الجني كل كلام يسمع من المصروع كالتسبيح والقراءة وما يجري مجراهما مما يعتقدون أن الجني لا يقصده. وإنما يضيفون إليه ما يعتقدون أنه لا يكون من مقصود غير الجني. فدل هذا على أنهم لا يضيفون الكلام إلا إلى من وقع بحسب أحواله وقصوده على ما قدمناه. ويدل أيضاً على ما ذهبنا إليه أن الكلام يوجد في الصدأ ويستحيل أن يكون كلاماً له أو للقديم تعالى لأنه ربما كان كذبا أو عبثاً وهو عز اسمه ينزه عن ذلك. أو كلاماً لا لمتكلم به فيجب أن يكون كلاماً لمن فعل أسبابه ووجد بحسب دواعيه وقصوده. وليس لهم أن يمتنعوا من وجود الكلام في الصدا لأنه عندهم معنى في النفس لانا قد بينا أن الكلام هو هذه الأصوات المخصوصة فيما تقدم ولا شبهة في وجودها في الصدا. فأما حدهم للمتكلم بأنه من له كلام فإحالة على مبهم والسؤال باق لأنه يقال: فكيف صار الكلام له ابأن حله أو بأن فعله. فلا بد من التفسير. وهذه اللفظة أعني قولهم: أن له كذا تحتمل أموراً مختلفة المعاني: منها إضافة البعض إلى الكل كقولهم: له يد ورجل. ومعنى الملك كقولهم: له دار وغلام. ومعنى الفعلية كقولهم: له إحسان ونعمة. ومعنى الحلول كما يقال: له طعم ولون. وما يحتمل أموراً مختلفة لا يجوز أن يحد به في الموضع الذي يقصد فيه التمييز وكشف الغرض. ولما كنا قد ذكرنا طرفاً من القول في حقيقة الكلام والمتكلم فيحتاج إلى نبذ من الكلام في الحكاية والمحكي ليكون هذا الفصل مقنعا فيما وضع له. والذي كان يذهب إليه أبو الهذيل محمد بن الهذيل١. وأبو علي

стр. 35

محمد بن عبد الوهاب١ أن الحكاية هي المحكي وأن التالي للقرآن يسمع منه كلام الله على الحقيقة وأن البقاء يجوز على الكلام ويوجد في الحال الواحدة في الأماكن الكثيرة فيوجد مع الصوت مسموعاً ومع الكتابة مكتوباً ومع الحفظ محفوظاً. ويجري في وجوده في الأماكن الكثيرة مجرى الأجسام ويزيد على الأجسام بأنه يوجد في الأماكن الكثيرة في الوقت الواحد والأجسام إنما توجد في الأماكن على البدل. ثم قال أبو علي بعد ذلك: إن التالي للقرآن يوجد مع تلاوته كلامان أحدهما من فعله والآخر هو كلام الله تعالى. والذي كان يقوله أبو هاشم وقد ذهب إليه قبله جعفر بن حرب وجعفر بن مبشر أن الكلام هو الصوت الواقع على بعض الوجوه ولا يجوز عليه البقاء ولا يوجد إلا في المحل الواحد والحكاية غير المحكي وإن كانت مثله. والقارئ لا يسمع منه إلا ما فعله والقراءة غير المقروء والكتابة غير الكلام وإنما هي إمارات للحروف والحفظ هو العلم بكيفية الكلام ونظمه. وعلى هذا القول أكثر الشيوخ وهو الصحيح الذي لا شبهة فيه والذي يدل عليه أننا قد بينا فيما تقدم أن الكلام هو الصوت الواقع على بعض الوجوه بما لا فائدة في إعادته. والصوت فلا شبهة في أنه غير باق لما بيناه أيضاً. وإذا كان الكلام هو الصوت والصوت لا يجوز عليه البقاء فكيف يقال أنه يوجد في قراءة كل قارئ ومع الكتابة وغيرها. ويدل أيضاً على أن الكتابة لا يوجد معها كلام وإنما هي أمارات الحروف بالمواضعة أن الاستفادة بالكتابة كالاستفادة بعقد الأصابع والإشارة وغيرهما من الأفعال التي تقع المواضعة عليها

стр. 36

فلو كان لابد من كلام يوجد مع الكتابة لأجل الفائدة الحاصلة بها لوجب ذلك في جميع ما ذكرناه وذلك محال لا يحسن الخلاف فيه. ومما يدل على أن التلاوة للقرآن لا يوجد معها شيء آخر: أن القائل بسم الله الرحمن الرحيم متعوذاً بها غير قاصد إلى تلاوة القرآن يوجد الكلام من فعله فلو كان إذا قصد حاكياً لكلام الله تعالى وجد كلام آخر لكان إذا قصد حكاية كلام كل من تلا القرآن يوجد كلامهم أجمع عند قصده فيقوى إدراكنا للكلام من حيث نسمع كلاماً كثيرا في هذه الحال وفي غيرها شيئا واحدا وهذا واضح الفساد. وقد تعلق أبو علي وأبو الهذيل فيما ذهبا إليه بأنه: لو كان القارئ لا يسمع منه إلا ما فعله دون كلام الله تعالى لبطل التحدي وخرج من كونه معجزاً لأنه لو كانت الحكاية غير المحكي وهي مثله لكان كل من فعل القرآن قد أتى بمثله على الحقيقة والتحدي يضمن أنهم لا يأتون بمثله على الحقيقة. والجواب عن هذا: أن التحدي إنما وقع بفعل مثل القرآن على الابتداء دون الاحتذاء والتالي للقرآن قد أتى بمثله محتذياً فلا يكون بذلك معارضاً. وعلى هذا أيضاً كان يقع التحدي من العرب بعضها بعضا بالأشعار على سبيل الابتداء والأمر في هذا واضح. وتعلق أبو علي فيما ذهب إليه ثانياً: بأن القرآن ليس بقبيح على وجه من الوجوه وقد ثبت أن قراءته تقبح من الجنب والحائض ودل ذلك على أن القراءة شيء والقرآن شيء. والجواب عن هذا أن معنى قولنا إن القرآن ليس بقبيح بوجه من الوجوه هو أن ما فعله تعالى وأنزله على رسوله ﷺ هذه صفته ولا يمنع أن تكون التلاوة التي هي فعل التالي والحكاية التي هي فعل الحاكي. ويسمى بالتعارف قرآناً في بعض الأحوال ويرجع القبح إلى أفعال العباد دون القرآن على الحقيقة. وقد أعتمد أبو الهذيل وأبو علي أيضا على قوله ﵎: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ١

стр. 37

ولا خلاف بين الأمة أن المسموع في المحاريب كلام الله تعالى على الحقيقة. والجواب عن هذا: أن إضافة الكلام إلى المتكلم أن كان الأصل فيها أن يكون من فعله فقد صار بالتعارف يضاف إليه إذا وردت مثل صورة كلامه. ولهذا يقولون فيما نسمعه الآن هذه قصيدة امرئ القيس وأن كان الفاعل لذلك غيره. وقد صار هذا بالتعارف حقيقة حتى لا يقدم أحد على أن يقول ما سمعت شعر امرئ القيس على الحقيقة. وقد تخطى ذلك إلى أن صاروا يشيرون إلى ما في الدفتر ويقولون: هذا علم فلان وهذا كلام فلان. لما كان مثل هذه الصورة ١.

стр. 38

فصل في اللغة: اللغة عبارة عما يتواضع القوم عليه من الكلام أو يكون توقيفاً: يقال في لغة العرب: أن السيف القاطع حسام. أي تواضعوا على أن سموه هذا الاسم. وتجمع لغة على لغات ولغين ولغون. وقد قيل في اشتقاقها أنها مشتقة من قولهم: لغيت بالشيء إذا أولعت به وأغريت به. وقيل: بل هي مشتقة من اللغو وهو النطق. ومنه قولهم سمعت لواغي القوم أي أصواتهم. ولغوت أي تكلمت. وأصلها على هذا لغوة على مثال فعله. فأما قولهم: في لغة بني تميم كذا وفي لغة أهل الحجاز كذا فراجع إلى ما ذكرناه. والمعنى أن بني تميم تواضعوا على ذلك ولم يتواضع أهل الحجاز عليه. والصحيح أن أصل اللغات مواضعة وليس بتوقيف وإنما أوجب

стр. 39

ذلك لأن توقيفه تعالى يفتقر إلى الاضطرار إلى قصده والتكليف يمنع من ذلك. وإنما افتقر إلى الاضطرار إلى قصده لأنه أن أحدث كلاماً لم يعلم أنه قد أراد بعض المسميات دون بعض ولو اقترن بهذا الكلام إشارة إلى مسمى دون غيره. لأنا لا نعلم توجه الكلام إلى ما توجهت الإشارة إليه وإنما يعلم ذلك بعضنا من بعض بالاضطرار إلى قصده وتخصص الإشارة بجهة المشار إليه لا يعلم بها هل الاسم للجسم أو للونه أو لغير ذلك من أحواله. وأما إذا تقدمت المواضعة بيننا وخاطبنا القديم تعالى بها علمنا مراده لمطابقة تلك اللغة. وقد يجوز فيما يعد أصل اللغات أيكون توقيفاً منه تعالى لتقدم لغة عن التوقيف يفهم بها المقصود. وقد حمل أهل العلم قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ١على مواضعة تقدمت بين آدم ﵇ وبين الملائكة على لغة سالفة ممن خاطبه الله تعالى على تلك اللغة وعلمه الأسماء ولولا تقدم لغة لم يفهم عنه عز أسمه. وقد ظن قوم أن المواضعة بيننا تحتاج إلى إذن سمعي ولا وجه لهذا القول إذ الدواعي إلى التخاطب وتعريف بعضنا مراد بعض قوية والانتفاع بذلك ظاهر. ولا وجه فيه من وجوه القبح قبحت حسنه كالتنفس في الهواء. وكما تحسن من أحدنا الإشارة في بعض الأوقات إلى ما يريده من غير إذن سمعي فكذلك المواضعة على كلام يدل عليه. ومن فرق بينهما فمقترح. وإنما فزع العقلاء إلى الحروف في المواضعة لأنها أسهل وأوسع ومع التأمل لا يوجد ما يقوم مقامها. فأما ما نحن بصدده من ذكر اللغة العربية فلا خفاء بميزاتها على سائر اللغات وفضلها. أما السعة فالأمر فيها واضح. ومن. تتبع جميع اللغات لم يجد فيها على ما سمعته لغة تضاهي اللغة العربية في كثرة الأسماء للمسمى الواحد. على أن اللغة الرومية بالضد فإن الاسم الواحد يوجد فيها

стр. 40

للمسميات المختلفة كثيراً. وقد كان بعض اللغويين حصر أسماء السيف والأسد في لغة العرب فكانت أورقاً عدة. وهي مع هذه السعة والكثرة أخصر اللغات في إيصال المعاني وفي النقل إليها يبين ذلك. فليس كلام ينقل إلى لغة العرب إلا ويجيء الثاني أخصر من الأول مع سلامة المعاني وبقائها على حالها. وهذه بلا شك فضيلة مشهورة وميزة كبيرة. لأن الغرض في الكلام ووضع اللغات بيان المعاني وكشفها. فإذا كانت لغة تفصح عن المقصود وتظهره مع الاختصار والاقتصار فهي أولى بالاستعمال وأفضل مما يحتاج فيه إلى الإسهاب والإطالة. وقد خبرني أبو داود المطران - وهو عارف باللغتين العربية والسريانية - أنه إذا نقل الألفاظ الحسنة إلى السرياني قبحت وخست. وإذا نقل الكلام المختار من السرياني إلى العربي إزداد طلاوة وحسناً. وهذا الذي ذكره صحيح يخبر به أهل كل لغة عن لغتهم مع العربية. وقد حكى أن بعض ملوك الروم وأظنه نقفور سأل عن شعر المتنبي فأنشد له: كأن العيس كانت فوق جفني ... مناخات فلما ثرن سالا١ وفسر له معناه بالرومية فلم يعجبه. وقال كلاما معناه: ما أكذب هذا الرجل كيف يمكن أن يناخ جمل على عين إنسان وما أحسب أن العلة فيما ذكرته عن النقل إلى اللغة العربية منها وتباين ذلك إلا أن لغتنا فيها من الاستعارات والألفاظ الحسنة الموضوعة ما ليس مثله في غيرها من اللغات. فإذا نقلت لم يجد الناقل ما يتوصل به إلى نقل تلك الألفاظ المستعارة بعينها وعلى هيئتها لتعذر مثلها في اللغة التي تنقل إليها. والمعاني لا تتغير
следующие страницы →