فلو كان لابد من كلام يوجد مع الكتابة لأجل الفائدة الحاصلة بها لوجب ذلك في جميع ما ذكرناه وذلك محال لا يحسن الخلاف فيه. ومما يدل على أن التلاوة للقرآن لا يوجد معها شيء آخر: أن القائل بسم الله الرحمن الرحيم متعوذاً بها غير قاصد إلى تلاوة القرآن يوجد الكلام من فعله فلو كان إذا قصد حاكياً لكلام الله تعالى وجد كلام آخر لكان إذا قصد حكاية كلام كل من تلا القرآن يوجد كلامهم أجمع عند قصده فيقوى إدراكنا للكلام من حيث نسمع كلاماً كثيرا في هذه الحال وفي غيرها شيئا واحدا وهذا واضح الفساد. وقد تعلق أبو علي وأبو الهذيل فيما ذهبا إليه بأنه: لو كان القارئ لا يسمع منه إلا ما فعله دون كلام الله تعالى لبطل التحدي وخرج من كونه معجزاً لأنه لو كانت الحكاية غير المحكي وهي مثله لكان كل من فعل القرآن قد أتى بمثله على الحقيقة والتحدي يضمن أنهم لا يأتون بمثله على الحقيقة.
والجواب عن هذا: أن التحدي إنما وقع بفعل مثل القرآن على الابتداء دون الاحتذاء والتالي للقرآن قد أتى بمثله محتذياً فلا يكون بذلك معارضاً. وعلى هذا أيضاً كان يقع التحدي من العرب بعضها بعضا بالأشعار على سبيل الابتداء والأمر في هذا واضح.
وتعلق أبو علي فيما ذهب إليه ثانياً: بأن القرآن ليس بقبيح على وجه من الوجوه وقد ثبت أن قراءته تقبح من الجنب والحائض ودل ذلك على أن القراءة شيء والقرآن شيء. والجواب عن هذا أن معنى قولنا إن القرآن ليس بقبيح بوجه من الوجوه هو أن ما فعله تعالى وأنزله على رسوله ﷺ هذه صفته ولا يمنع أن تكون التلاوة التي هي فعل التالي والحكاية التي هي فعل الحاكي. ويسمى بالتعارف قرآناً في بعض الأحوال ويرجع القبح إلى أفعال العباد دون القرآن على الحقيقة.
وقد أعتمد أبو الهذيل وأبو علي أيضا على قوله ﵎: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ١
стр. 37
ولا خلاف بين الأمة أن المسموع في المحاريب كلام الله تعالى على الحقيقة. والجواب عن هذا: أن إضافة الكلام إلى المتكلم أن كان الأصل فيها أن يكون من فعله فقد صار بالتعارف يضاف إليه إذا وردت مثل صورة كلامه. ولهذا يقولون فيما نسمعه الآن هذه قصيدة امرئ القيس وأن كان الفاعل لذلك غيره. وقد صار هذا بالتعارف حقيقة حتى لا يقدم أحد على أن يقول ما سمعت شعر امرئ القيس على الحقيقة. وقد تخطى ذلك إلى أن صاروا يشيرون إلى ما في الدفتر ويقولون: هذا علم فلان وهذا كلام فلان. لما كان مثل هذه الصورة ١.
стр. 38
فصل في اللغة:
اللغة عبارة عما يتواضع القوم عليه من الكلام أو يكون توقيفاً: يقال في لغة العرب: أن السيف القاطع حسام. أي تواضعوا على أن سموه هذا الاسم. وتجمع لغة على لغات ولغين ولغون. وقد قيل في اشتقاقها أنها مشتقة من قولهم: لغيت بالشيء إذا أولعت به وأغريت به.
وقيل: بل هي مشتقة من اللغو وهو النطق. ومنه قولهم سمعت لواغي القوم أي أصواتهم.
ولغوت أي تكلمت. وأصلها على هذا لغوة على مثال فعله. فأما قولهم: في لغة بني تميم كذا وفي لغة أهل الحجاز كذا فراجع إلى ما ذكرناه. والمعنى أن بني تميم تواضعوا على ذلك ولم يتواضع أهل الحجاز عليه.
والصحيح أن أصل اللغات مواضعة وليس بتوقيف وإنما أوجب
стр. 39
ذلك لأن توقيفه تعالى يفتقر إلى الاضطرار إلى قصده والتكليف يمنع من ذلك. وإنما افتقر إلى الاضطرار إلى قصده لأنه أن أحدث كلاماً لم يعلم أنه قد أراد بعض المسميات دون بعض ولو اقترن بهذا الكلام إشارة إلى مسمى دون غيره. لأنا لا نعلم توجه الكلام إلى ما توجهت الإشارة إليه وإنما يعلم ذلك بعضنا من بعض بالاضطرار إلى قصده وتخصص الإشارة بجهة المشار إليه لا يعلم بها هل الاسم للجسم أو للونه أو لغير ذلك من أحواله. وأما إذا تقدمت المواضعة بيننا وخاطبنا القديم تعالى بها علمنا مراده لمطابقة تلك اللغة. وقد يجوز فيما يعد أصل اللغات أيكون توقيفاً منه تعالى لتقدم لغة عن التوقيف يفهم بها المقصود. وقد حمل أهل العلم قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ١على مواضعة تقدمت بين آدم ﵇ وبين الملائكة على لغة سالفة ممن خاطبه الله تعالى على تلك اللغة وعلمه الأسماء ولولا تقدم لغة لم يفهم عنه عز أسمه.
وقد ظن قوم أن المواضعة بيننا تحتاج إلى إذن سمعي ولا وجه لهذا القول إذ الدواعي إلى التخاطب وتعريف بعضنا مراد بعض قوية والانتفاع بذلك ظاهر. ولا وجه فيه من وجوه القبح قبحت حسنه كالتنفس في الهواء. وكما تحسن من أحدنا الإشارة في بعض الأوقات إلى ما يريده من غير إذن سمعي فكذلك المواضعة على كلام يدل عليه. ومن فرق بينهما فمقترح. وإنما فزع العقلاء إلى الحروف في المواضعة لأنها أسهل وأوسع ومع التأمل لا يوجد ما يقوم مقامها.
فأما ما نحن بصدده من ذكر اللغة العربية فلا خفاء بميزاتها على سائر اللغات وفضلها.
أما السعة فالأمر فيها واضح. ومن. تتبع جميع اللغات لم يجد فيها على ما سمعته لغة تضاهي اللغة العربية في كثرة الأسماء للمسمى الواحد. على أن اللغة الرومية بالضد فإن الاسم الواحد يوجد فيها
стр. 40
للمسميات المختلفة كثيراً. وقد كان بعض اللغويين حصر أسماء السيف والأسد في لغة العرب فكانت أورقاً عدة. وهي مع هذه السعة والكثرة أخصر اللغات في إيصال المعاني وفي النقل إليها يبين ذلك. فليس كلام ينقل إلى لغة العرب إلا ويجيء الثاني أخصر من الأول مع سلامة المعاني وبقائها على حالها. وهذه بلا شك فضيلة مشهورة وميزة كبيرة. لأن الغرض في الكلام ووضع اللغات بيان المعاني وكشفها. فإذا كانت لغة تفصح عن المقصود وتظهره مع الاختصار والاقتصار فهي أولى بالاستعمال وأفضل مما يحتاج فيه إلى الإسهاب والإطالة. وقد خبرني أبو داود المطران - وهو عارف باللغتين العربية والسريانية - أنه إذا نقل الألفاظ الحسنة إلى السرياني قبحت وخست. وإذا نقل الكلام المختار من السرياني إلى العربي إزداد طلاوة وحسناً. وهذا الذي ذكره صحيح يخبر به أهل كل لغة عن لغتهم مع العربية. وقد حكى أن بعض ملوك الروم وأظنه نقفور سأل عن شعر المتنبي فأنشد له:
كأن العيس كانت فوق جفني ... مناخات فلما ثرن سالا١
وفسر له معناه بالرومية فلم يعجبه.
وقال كلاما معناه: ما أكذب هذا الرجل كيف يمكن أن يناخ جمل على عين إنسان وما أحسب أن العلة فيما ذكرته عن النقل إلى اللغة العربية منها وتباين ذلك إلا أن لغتنا فيها من الاستعارات والألفاظ الحسنة الموضوعة ما ليس مثله في غيرها من اللغات. فإذا نقلت لم يجد الناقل ما يتوصل به إلى نقل تلك الألفاظ المستعارة بعينها وعلى هيئتها لتعذر مثلها في اللغة التي تنقل إليها. والمعاني لا تتغير
стр. 41
فنقلها ممكن من غير تبديل فكأن ما ينقل من اللغة العربية يتغير حسنه لهذه العلة وما ينقل إليها يمكن الزيادة على طلاوته لأن ناقله يجد ما يعبر به في العربية أفضل مما يريد وأبلغ مما يحاول.
وهذا وجه يمكن ذكر مثله ويجب أن يتأمل وينظر فيه لأني لا أعرف لغة سوى العربية.
وإنما ذهبت إليه ظناً وحدسا. وقد تصرف في هذه اللغة بما لم أظنه تصرف في غيرها من اللغات فلم توجد إلا طيعة عذبة في كل ما استعمل فيه نظماً ونثراً وهي إلى الآن لا تقف على غاية في ذلك ولا تصل إلى نهاية كما قال أبو تمام في هذا المعنى:
ولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب
وقد بينت فضلها بسعتها وما فيها من الاختصار في العبارة عن المعاني وذكرت وجه التفضيل بالاختصار مما لا شبهة فيه.
فأما السعة فالأمر فيها أيضا واضح لأن الناظم أو الناثر إذا حظر عليه موضع إيراد لفظة وكانت اللغة التي ينسج منها ذات ألفاظ كثيرة تقع موقع تلك اللفظة في المعنى أخذ ما يليق بالموضع من غير عنت ولا مشقة وهذا غير ممكن لولا السعة في كثرة الأسماء للمسمى الواحد وتلك فائدة حاصلة بلا خلاف. على أنه ربما عرض في وضع الأسماء المشتركة فائدة في بعض المواضع مثل أن يحتاج الناطق إلى كلام يؤثر أن يكنى فيه ولا يصرح فيقول لفظة ويوهم بها معنى قد قصد غيره. وهذا وإن قل الداعي إليه إلا في اليسير من المواضع فلم تجعل اللغة العربية خالية منها بل فيها أسماء مشتركة. كقولهم عين وما أشبهها
وههنا لها فضيلة أخرى وهي أن الواضع لها أن كانت مواضعة تجنب في الأكثر كلما يثقل على الناطق تكلفه والتلفظ به كالجمع بين الحروف المتقاربة في المخارج وما أشبه ذلك. واعتمد مثل هذا في الحركات أيضاً
стр. 42
فلم يأت إلا بالسهل الممكن دون الوعر المتعب ومتى تأملت الألفاظ المهملة لم تجد العلة في إهمالها إلا هذا المعنى وليس غيرها من اللغات كذلك كلغة الأرمن والزنج وغيرهم.
ومما يدل على فضل هذه اللغة العربية أيضاً وتقدمها على جميع اللغات أن أربابها وأصحابها هم العرب الذين لا أمة من الأمم تنازعهم فضائلهم ولا تباريهم في مناقبهم ومحاسنهم وإن كانوا تواضعوا على هذه اللغة فلم يكن تنتج أذهانهم الصقيلة وخواطرهم العجيبة إلا شيئا خليقاً بالشرف وأمراً جديرا بالتقدم. وأن كانت توفيقاً من الله تعال لهم ومنة من بها عليهم فلم يكن بد لهم من العناية بشأنهم والتشييد من ذكرهم حتى ركبهم على حميد الخلال وطبعهم على جميل الأخلاق إلا على غاية لا يتعلق بشأوها ورتبة يقصر الطالبون عن بلوغها. ولست في هذه النتيجة ممن يدعى مقدمتها عصبية ولا يذهب إليها حمية بل سأبين في هذا الفصل صحة ما أقوله من تفضيل العرب بحسب ما يليق به ولا يفضل عن قدر الحاجة فيه فإني لو رمت إيضاح ذلك بجملته وإيراده بجميع أدلته خرجت عن المقصود في هذا الكتاب وأخذت في تفضيل العرب على الأمم وهو يحتاج إلى جزء مميز وكتاب مفرد.
وجه تفضيل هؤلاء القوم على غيرهم.
إن الخصال المحمودة توجد فيهم أكثر وفي غيرهم أقل وعلى هذا الحد يقع التمييز بين القبيلتين وأهل البلدين ومتى تأمل المنصف حال العرب علم ما ذكرته حقيقة.
أما الكرم فالأمر فيه واضح لأننا لم نجد أمة من الأمم ولا شعباً من الشعوب رأى قرى الضيف واجباً ومساواة الجار فريضة إلا هذه
стр. 43
الأمة من العرب حتى صرحوا بذلك في أشعارهم ودونوه في المأثور عنهم وتساوى فيه موسرهم ومعسرهم وغنيهم وفقيرهم. هذا وهم في الأكثر أهل جدب وفاقة وضيق وعسر ونصب في انتجاع الرزق وكد التعرض للكسب ثم بلغ من حبهم الجود وصبابتهم إلى جميل الذكر أن سمحوا بنفوسهم ورأوا البخل بها مذموماً كالبخل بأموالهم وكان من كعب بن مامة الأيادي في ذلك ما هو مشهور معروف لا تزيد الأيام ذكره إلا بقاء ولا يؤثر فيه بعد العهد الأجدة ووضوحاً. ولم نر في الهند والزنج والحبش والترك من إدعى مثل هذه السجية ولا إنتسب إلى هذه الخلة. فأما الفرس والروم فالبخل عليهم غالب وحب الغنى مركز في طباعهم ليس عندهم في ذلك كبير عار ولا يلحقون أنفسهم به منقصة.
وأما الوفاء فمن دينهم الذي كانوا يرونه لازما ومذهبهم الذي كانوا يعتقدونه حتما حتى صار من تمسك بجوارهم أو تعلق ببعض أطنابهم تبذل النفوس دونه وتراق الدماء في المنع منه فكم قتل الرجل منهم في ذلك أقرب الناس إليه نسباً وأمسهم به رحماً وكم من وقعة عظيمة وحرب جليلة طويلة جرها ضيم نزيل أو التعرض لسب جار كالحال في حرب البسوس التي ساقها ما علم من قتل كليب لناقة جارة جساس واستفحال ذلك وتماديه حتى شهدته الأجنة شيباً.
فأما السموءل ورضاه بقتل ابنه دون الدروع التي كانت وديعة عنده وأبو دؤاد الأيادي في قود ولده بجاره فمما هو متداول لإخفاء بتقصير جميع الأمم عنه.
وأما البأس والنجدة وطاعة الغضب والحمية وأدراك الثأر وطلب الأوتار فأخبارهم بذلك معروفة وسيرهم فيه بذلك متداولة لا يخص به الرجل دون المرأة ولا الغلام دون الهم المسن بل يوجد عند نسائهم من الصبر والشجاعة والتحريض على الحرب والقساوة مالا يساويه المذكورون
стр. 44
بالنجدة في غيرهم والمنسوبون إلى البأس من سواهم كأسماء١ ومن يجري مجراها ممن خبره مشهور معروف. هذا وفي طباع النساء اللين وشيمتهن الضعف واليهن تنسب رقة القلوب وعنهن يؤخذ انتكاس العزائم.
ثم هم أصحاب السرى والتأويب وإليهم يعزى جوب القفار وقطع المهامة والحروب عادتهم والغارة صناعتهم وبصيرتهم بها وآراؤهم فيها تدلك على اهتمامهم بهذا الشأن وإرهاف أفكارهم فيه وشحذ خواطرهم لتدبيره. ولا حجة فيما ذكرناه أبين ولا دليل عليه أوضح من اجتزائهم عن جميع المعايش غيره واقتصارهم من سائر المكاسب عليه. إذ لم يروضوا شماسهم بذلة المهن ولا مرنوا نخواتهم على معاناة الحرف لا يسأل أحدهم الرزق الأغرار سيفه ولا يستنجد على نفي الضيم إلا بسنان رمحه.
وأما العقول الصحيحة والأذهان الصافية فالأمر في تفضيلهم بها واضح وذلك أنهم لم يكونوا أهل تعليم ودرس ولا أصحاب كتب وصحف ولا يعرفون كيف التأديب والرياضة ولا يعلمون وجه اقتباس العلم والرواية. وفي كلامهم من الحكم العجيبة والأمثال الغريبة والحث على محاسن الأخلاق والأمر بجميل الأفعال ما إذا تأملته غض عندك ما يروى عن حكماء اليونانيين وسهل الأمر عليك فيما حكاه الناس عنهم. ووجدت تلك الفصول اليسيرة والفقر القليلة تسند إلى جليل من الحكماء وتضاف إلى رئيس من العلماء وأمثالها وأضعافها في شعر راع جلف ومن كلام عبد غمر ينشئها طبعه بلا تثقيف ويسمح بها خاطره عن غير صقال.
стр. 45
ثم لما صار هؤلاء القوم إلى الدين وتمسكوا بالشريعة وعادوا أصحاب كتاب يدرس ومذهب يروى ظهر لعمري من دقيق أفهامهم وعجيب كلامهم ما هو موجود لا يخفى على أحد جالس العلماء وخالط الكتب سبقهم إليه ومعجزهم فيه وأنهم فرعوا من المذاهب وولدوا من العلوم ما كان من قبلهم كان ممنوعاً منه ومصروفاً عنه.
وأما حب الذكر وجميل الثناء والفرق من الذم وسوء القول فمما هو معلوم من عادتهم معروف من شيمتهم. حتى كانوا إذا أسروا شاعراً شدوا لسانه بن سعة خوفاً من أن يسبقهم ببيت يشرد أو يعجلهم بقول يؤثر. وقد قال أبو عثمان الجاحظ: لأمر ما قال حذيفة بن بدر لأخيه والرماح شوارع في صدره إياك والكلام المأثور. وقال هذا مذهب فرعت فيه العرب جميع الأمم وهو مذهب جامع لأصناف الخير.
وأما الغيرة والأنفة والصبر والجلد فمعلوم منهم حتى نسبوا إلى الفظاظة وذكروا بالقساوة وعلل ذلك بإكثارهم أكل لحوم الإبل وإدمانهم التقوت بها وزعموا أن في طباعها قسوة القلوب ومن عادتها غلظ الأكباد. هذا وهم متى هب في أحدهم نسيم الصبابة ودبت في مفاصله نشوة الهوى لانت تلك المعاطف ورقت تلك الشمائل وعاد ذلك العز ذلاً وفرقاً وصارت تلك النخوة توسلا وخضوعاً لكنه مع العفاف من الريب والبعد من التهم والمساواة بين الباطن والظاهر والاتفاق بين الغائب والبادي. وأشعارهم وأخبارهم بهذا كله مملوءة حتى كان هذا الحي من عذرة١ قوماً إذا نظروا عشقوا وإذا عشقوا ماتوا.
стр. 46
وأما مراعاة الأنساب وحفظها وذكر الأصول والبحث عنها فباب تفردت به العرب فلم يشاركها فيه مشارك ولا ماثلها فيه مماثل وفوائده في الانتصار للعشيرة والحمية للأهل وغير ذلك معروفة ليس هذا موضع ذكرها وتقصى الكلام عليها.
هذه شيمهم وأخلاقهم وفيهم من بعد كتاب الله خير الكتب ورسوله سيد الرسل ودينه ناسخ الأديان. وفي جميع ما ذكرناه من أشعارهم ما يدل على صحته لكن المختار منه يأتي في الكلام على الفصاحة من هذا الكتاب بمشيئة الله تعالى فلذلك لم نورده هنا خوفاً من الإعادة وفراراً من التكرار.
ونعود إلى الكلام في اللغة قالوا مما إختصت به لغة العرب من الحروف وليس هو في غيرها حرف الظاء وقال آخرون حرف الظاء والضاد. ولذلك قال أبو الطيب المتنبي:
وبهم فخر كل من نطق الضاد
يريد وبهم فخر جميع العرب. وقد ذهب قوم إلى أن الحاء من جملة ما تفردت به لغة العرب وليس الأمر كذلك لأني وجدتها في اللغة السريانية كثيراً. وحكى أنها في الحبشية والعبرانية.
وأما العين والصاد والطاء والتاء والقاف فقد تكلم بها غير العرب إلا أنها قليل.
وقد خلت اللغة العربية من حروف توجد في غيرها من اللغات لا سيما لغة الأرمن فإنها على ما قيل ستة وثلاثون حرفاً إلا أنك إذا تأملتها وجدت بعض الحروف التي فيها يتشابه ببعض كثيراً على حد تشابه الظاء والضاد في لغة العرب. فإن هذين الحرفين متقاربان لأجل ذلك احتاج الناس إلى تصنيف الكتب في الفرق بينهما ولم يتكلفوا ذلك في غيرهما من الحروف.
стр. 47
فأما الأعراب فقل من رأيت من فضحائهم اليوم من يفرق بينهما في كلامه وهذا يدلك على شدة التشابه وقوة التماثل ولست أقول هذا على وجه الأحتجاج بكلامهم فإنهم الآن محتاجون إلى أقتباس اللغة من الحضر وإصلاح المنطق بأهل المدر. إلا أنهم قل ما يتفق منهم العدول عن النطق بحرف من الكلام إلى حرف آخر إلا والشبه فيهما قوى على ما قدمت ذكره.
ووقوع المهمل من هذه اللغة على ما قدمته لك في الأكثر من اطراح الأبنية التي يصعب النطق بها لضرب من التقارب في الحروف فلا يكاد يجىء في كلام العرب ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة لحزونة ذلك على ألسنتهم وثقله. وقد روى أن الخليل ابن أحمد قال: سمعنا كلمة شنعاء وهي الهغجع وأنكرنا تأليفها. وقيل إن إعرابياً سئل عن ناقته فقال: تركتها ترعى الهغجع فلما كشف عن ذلك وسئل الثقات من العلماء عنه أنكروه ودفعوه وقالوا: نعرف الخعخع وهذا أقرب إلى تأليفهم لأن الذي فيه حرفان حسب. وحروف الحلق خاصة مما قل تأليفهم لها من غير فصل يقع بينهما كل ذلك أعتماداً للخفة وتجنباً للثقل في النطق. فأما القاف والكاف والجيم فلم تتجاوز في كلامهم البتة لم يأت عنهم قج ولا جق ولا كج ولا جك ولا قك ولا كق وكل ذلك فراراً مما ذكرناه إلا أن هذه الحروف قد تكررت في بعض الكلام قال رؤبة بن العجاج:
لو أحق الأقراب فيها كالمقق١
ونحو ذلك. والعلة فيه على ما ذكر أصحاب هذه الصناعة أن المكرر معرض في أكثر أحواله للإدغام لأنك تقول فرس أمق والحرفان
стр. 48
المتجاوران لا يمكن إدغام أحدهما في الآخر حتى يتكلف قبله إلى لفظه ثم يدغم فكانت المشقة فيه أغلظ فرفض لذلك. وهذا وجه صالح.
وقد قسم تأليف الحروف ثلاثة أقسام فالأول تأليف الحروف المتباعدة وهو الأحسن المختار والثاني تضعيف هذا الحرف نفسه وهو يلي هذا القسم في الحسن والثالث تأليف الحروف المتجاورة وهو إما قليل في كلامهم أو منبوذ رأساً لما قدمناه والشاهد على ما ذكرناه الحس فإن الكلفة في تأليف المتجاور ظاهرة يجدها الإنسان من نفسه حال التلفظ ومن الحروف التي لم يتركب في كلامهم بعضها مع بعض الصاد والسين والزاي ليس في كلام العرب مثل سص ولا صس ولا سز ولا زس ولا زص ولا صز والعلة في هذا كله واحدة.
وهذه جملة مقنعة في هذا الفصل لمن وقف عليها بعون الله تعالى.
стр. 49
الكلام في الفصاحة:
الفصاحة الظهور والبيان ومنها أفصح اللبن إذا انجلت رغوته وفصح فهو فصيح قال الشاعر:
وتحت الرغوة اللبن الفصيح
ويقال أفصح الصبح إذا بدا ضوءه وأفصح كل شيء إذا وضح وفي الكتاب العزيز: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ ١وفصح النصارى عيدهم وقد تكلمت به العرب.
قال حسان بن ثابت:
ودنا الفصح فالولائد ينظمن ... سراعا أكلة المرجان
ويجوز أن يكون ذلك لاعتقادهم أن عيسى ﵇ ظهر فيه
стр. 50
وسمي الكلام الفصيح فصيحاً كما أنهم سموه بياناً - لأعرابه عما عبر به عنه وإظهاره له إظهاراً. جلياً. روي عن النبي ﵌ أنه قال: "أنا أفصح العرب" ١ بيد أني من قريش.
والفرق بين الفصاحة والبلاغة أن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ والبلاغة لا تكون إلا وصفاً للألفاظ مع المعاني. لا يقال في كلمة واحدة لا تدل على معنى يفضل عن مثلها بليغة وإن قيل فيها إنها فصيحة. وكل كلام بليغ فصيح وليس كل فصيح بليغاً كالذي يقع فيه الإسهاب في غير موضعه.
وقد حد الناس البلاغة بحدود إذا حققت كانت كالرسوم والعلائم وليست بالحدود الصحيحة فمن ذلك قول بعضهم لمحة دالة وهذا وصف من صفاتها فأما أن يكون حاصرا لها وحداً يحيط بها فليس ذلك بممكن لدخول الإشارة من غير كلام يتلفظ به تحت هذا الحد. وكذا قال آخر والبلاغة معرفة الفصل من الوصل لأن الإنسان قد يكون عارفاً بالفصل والوصل عالما بتمييز مختار الكلام من مطرحة وليس بينه وبين البلاغة سبب ولا نسب ولا يمكنه أن يؤلف ما يختاره من تأليف غيره والحدود لا يحسن فيها التأول وإقامة المعاذير وغرابة ألفاظ تدل على المقصود لأنها مبنية على الكشف الواضح موضوعة للبيان الظاهر والغرض بها السلامة من الغامض فكيف يوقع في غامض بمثله. وكذلك قول الآخر: البلاغة أن تصيب فلا تخطيء وتسرع فلا تبطئ لأن هذا يصلح لكل الصنائع وليس بمقصور على صناعة البلاغة وحدها ثم إنما سئل عن بيان الصواب في هذه الصناعة من الخطأ فجعل جواب السائل نفس سؤاله. وبهذا أيضاً يفسد قول من ادعي أن حدها الإيجاز من غير عجز والإطناب من غير خطل. وقول من قال: البلاغة اختيار الكلام
стр. 51
وتصحيح الأقسام. لأن هذين إنما سئلا عن حد يبين الكلام المرفوض من المختار والخطأ من الصواب ويوضح كيف يكون الإيجاز مختاراً ومتى يقع الإطناب مرضيا محموداً فأحالا على ما السؤال فيه باق وعدم العلم معه موجود حاصل.
وفي البلاغة أقوال كثيرة غير خارجة عن هذا النحو وإذا كانت الفصاحة شطرها وأحد جزئيها فكلامي على المقصود وهو الفصاحة غير متميز إلا في الموضع الذي يجب بيانه من الفرق بينهما على ما قدمت ذكره فأما ما سوى ذلك فعام لا يختص وخليط لا ينقسم. وسأذكر بمشيئة الله ما يخطر لي ويسنح بفكري في موضعه.
وأقول قبل ذلك إن الناس قد أكثروا من الدلالة على شرف الفصاحة وعظم قدر البيان والبلاغة ونبهوا بطرق كثيرة وألفاظ مختلفة. وقد قال عز اسمه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ١ولم يكن تعالى يذكر البيان ها هنا إلا وهو من عظيم النعم على عبيده وجميل البلاء عندهم لا جرم وقد قرن ذلك بذكر خلقهم فجعله مضافا إلى المنة بخروجهم من العدم إلى الوجود ومن جانب النفي إلى الإثبات.
وأنا أقول قولا مختصرا كافيا: قد ثبت أن الفرق الواضح بين الحيوان الناطق والصامت هو النطق وبه وقع التمييز في الحد المنسوب إلى الحكيم٢وأن كان يفسره أصحابه بغير هذا الظاهر فالشرف منه يؤخذ والفضل به يقع. ولا خلاف في أن الصمت أفضل من مطرح الكلام ومنبوذه وأوفق للسامع من كلف ذلك. فقد صار مع هذا
стр. 52
التخريج الفصل المميز والفضل اللائح إنما هو للإفصاح والبيان والبلاغة وحسن النطق دون ما يسمى كلاماً فقط. ووجب على من أراد أن يخرج من حيز ذلك الصامت الناطق١سلوك الطريق الذي به توجد الفضيلة وعنه تدرك الميزة باجتهاده إن كان لا دربة له وتكلفه أن كان لا طبع عنده. وليعلم أن من شارك الناطق بالصورة وخالفه بالمعنى الموجب للشرف أسوأ حالاً وأقبح صفة من الصامت المخالف في الأمرين معا. لأن هذا غريب في الموضع الذي وجد فيه آهلا ووحيد في المكان الذي خلق به آنساً.
وما أحسن ما قال إبراهيم بن محمد المعروف بالإمام٢يكفى من حظ البلاغة أن لا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق ولا الناطق من سوء فهم السامع. وهذا كلام مختار في تفضيل البلاغة.
وقال سهل بن هرون الكاتب٣: العقل رائد الروح والعلم رائد العقل والبيان ترجمان العلم.
وأولى من هذا بالحجة قول النبي ﷺ للعباس وقد سأله فيم الجمال فقال: "في اللسان".
стр. 53
وقالوا لما دخل ضمرة بن ضمرة١ على النعمان بن المنذر احتقره لما رأى من دمامته وقال: تسمع بالمعيدي٢ خير من أن تراه. فقال: أبيت اللعن أن الرجال لا تكال بالقفزان وليست تستقي فيها وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه إن صال صال بحنان وأن نطق نطق بلسان.
وأنشدوا لأبي الأعور السلمى:
كائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم٣
وهذان البيتان قد ذكرتهما فيما تقدم حكاية عن أبي طالب العبدي لكن هذا موضعهما.
وقيل لزيد بن علي ﵉: الصمت أفضل أم الكلام فقال أخزى الله المساكتة فما أفسدها للسان وأجلبها للحصر والله إن المماراة على ما فيها لأقل ضرراً من السكتة التي تورث أدواء أيسرها العي.
وأنت إذا سمعتهم يمدحون الصمت وينظمون القريض في مدحه ويذكرون جنايات اللسان وكلومه ويروون عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: "وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم" ويقولون لو كان الكلام من فضة كان الصمت من ذهب. وأشباه هذا ونظائره.
стр. 54
فإنما يريدون الكلام الذي ليس بجميل واللفظ الذي لا يستحسن.
فأما أن يكون الحسن يتواتر حتى يصير قبيحاً والقبيح يتضاعف حتى يكون حسناً فهذا شيء خارج عن حد العقل ونظامه وليس هذا المذهب مما يمكن وقوع الخلاف فيه فيحتاج إلى إطالة في بيانه وقد أوردنا لمحة يستدل بها على غيرها وأن المذكور في هذا النحو لا ينحصر ولا تستوفي غايته.
وأقول قبل كلامي في الفصاحة وبيانها إنني لم أر أقل من العارفين بهذه الصناعة والمطبوعين على فهمها ونقدها مع كثرة من يدعي ذلك ويتحلى به وينتسب إلى أهله ويماري أصحابه في المجالس ويجاري أربابه في المحافل وقد كنت أظن أن هذا شيء مقصور على زماننا اليوم ومعروف في بلادنا هذه حتى وجدت هذا الداء قد أعيا أبا القاسم الحسن بن بشر الآمدي وأبا عثمان عمرو بن بحر الجاحظ قبله وأشكاهما حتى ذكراه في كتبهما. فعلمت أن العادة به جارية والرزية فيه قديمة. ولما ذكرته رجوت الانتفاع به من هذا الكتاب وأملت وقوع الفائدة به إذ كان النقص فيما أبنته شاملا والجهل به عاما والعارفون حقيقته قرحة الأدهم١بالإضافة إلى غيرهم والنسبة إلى سواهم.
ونبتدئ الآن بالكلام فيما أجرينا القول إليه ونقول إن الفصاحة على ما قدمنا نعت للألفاظ إذا وجدت على شروط عدة ومتى تكاملت تلك الشروط فلا مزيد على فصاحة تلك الألفاظ.
وبحسب الموجود منها تأخذ القسط من الوصف وبوجود أضدادها تستحق الأطراح والذم.
وتلك الشروط تنقسم قسمين فالأول منها يوجد في اللفظة الواحدة على انفرادها من غير أن ينضم إليها شيء من الألفاظ وتؤلف معه والقسم الثاني يوجد في الألفاظ المنظومة بعضها مع بعض.
стр. 55
فأما الذي يوجد في اللفظة الواحدة فثمانية أشياء:
الأول: أن يكون تأليف تلك الفظة من حروف متباعدة المخارج على ما ذكرناه في الفصل الرابع١ وعلة هذا واضحة وهي أن الحروف التي هي أصوات تجرى من السمع مجرى الألوان من البصر ولا شك في أن الألوان المتباينة إذا جمعت كانت في المنظر أحسن من الألوان المتقاربة ولهذا كان البياض مع السواد أحسن منه مع الصفرة ولقرب ما بينه وبين الأصفر وبعد ما بينه وبين الأسود وإذا كان هذا موجودا على هذه الصفة لا يحسن النزاع فيه كانت العلة في حسن اللفظة المؤلفة من الحروف المتباعدة هي العلة في حسن النقوش إذا مزجت من الألوان المتباعدة وقد قال الشاعر في هذا المعنى:
فالوجه مثل الصبح مبيض ... والفرع مثل الليل مسود
ضدان لما استجمعا حسنا ... والضد يظهر حسنه الضد
وهذه العلة يقع للمتأمل وغير المتأمل فهمها ولا يمكن منازعا أن يجحدها.
ومثال التأليف من الحروف المتباعدة كثير جل كلام العرب عليه فلا يحتاج إلى ذكره.
فأما تأليف الحروف المتقاربة فقد قدمنا في الفصل الرابع مثالا حكى منه وهو الهفخع ولحروف الحلق مزية في القبح إذا كان التأليف منها فقط وأنت تدرك هذا وتستقبحه كما يقبح عندك بعض الأمزجة من الألوان وبعض النغم من الأصوات.
والثاني أن تجد لتأليف اللفظة في السمع حسناً ومزية عل غيرها وإن تساويا في التأليف من الحروف المتباعدة كما أنك تجد لبعض النغم
стр. 56
والألوان حسناً يتصور في النفس ويدرك بالبصر والسمع دون غيره مما هو من جنسه كل ذلك لوجه يقع التأليف عليه ومثاله في الحروف ع ذ ب فإن السامع يجد لقولهم العذيب اسم موضع وعذيبة اسم امرأة وعذب وعذاب وعذب وعذبات مالا يجده فيما يقارب هذه الألفاظ في التأليف وليس سبب ذلك بعد الحروف في المخارج فقط ولكنه تأليف مخصوص مع البعد ولو قدمت الذال أو الباء لم تجد الحسن على الصفة الأولى في تقديم العين على الذال لضرب من التأليف في النغم يفسده التقديم والتأخير وليس يخفى على أحد من السامعين أن تسمية الغصن غصناً أوفنناً أحسن أحسن من تسميته عسلوجاً. وأن أغصان البان أحسن من عساليج الشوحط١ في السمع ويقال لمن عساه ينازعنا في ذلك لو حضرك مغنيان وثوبان منقوشان مختلفان في المزاج هل كان يجوز عليك الطرب على صوت أحد المغنيين دون صاحبه وتفضيل أحد الثوبين في حسن المزاج على الآخر! فإن قال لا يصح أن يقع لي ذلك خرج عن جملة العقلاء وأخبر عن نفسه بخلاف ما يجد وأن اعترف بما ذكرناه قيل له فخبرنا ما السبب الذي أوجب عليه ذلك فإنه لا يجد أمراً يشير إليه إلا ما قلناه في تفضيل إحدى اللفظتين على الأخرى وقد يكون هذا التأليف المختار في اللفظة على جهة الاشتقاق فيحسن أيضاً كل ذلك لما قدمته من وقوعه على صفة يسبق العلم بقبحها أو حسنها من غير المعرفة بعلتها أو بسببها ومثال ذلك مما يختار: قول أبي القاسم الحسين بن علي المغربي في بعض رسائله ورعوا هشيما تأنفت روضه فإن تأنفت كلمة لإخفاء بحسنها لوقوعها الموقع الذي ذكرته وكذلك قول أبي الطيب المتنبي:
إذا سارت الأحداج فوق نباته ... تفاوح مسك الغانيات ورنده
стр. 57
فإن تفاوح كلمة في غاية من الحسن. وقد قيل إن أبا الطيب أول من نطق بها على هذا المثال وإن وزير كافور الأخشيدي سمع شاعرا نظمها بعد أبي الطيب: فقال أخذتموها!
ومثال ما يكره قول أبي الطيب أيضا:
مبارك الاسم أغر اللقب ... كريم الجر شي شريف النسب١
فإنك تجد في الجرشي تأليفاً يكرهه السمع وينبو عنه.
ومثل ذلك قول زهير بن أبي سلمى:
تقي نقي لم يكثر غنيمةً ... بنهكة ذي قربى ولا بحقلد٢
الحقلد - كلمة توفي على قبح الجرشي وتزيد عليها.
والثالث- أن تكون الكلمة كما قال أبو عثمان الجاحظ غير متوعرة وحشية كقول أبي تمام:
لقد طلعت في وجه مصر بوجهه ... بلا طائر سعد ولا طائر كهل
فإن كهلاها هنا من غريب اللغة وقد روى أن الأصمعي لم يعرف هذه الكلمة وليست موجودة إلا في شعر بعض الهذليين٣ وهو قوله:
فلو كان سلمى جاره أو أجاره ... رياح بن سعد رده طائر كهل
стр. 58
وقد قيل: إن الكهل الضخم وكهل لفظة ليست بقبيحة التأليف لكنها وحشية غريبة لا يعرفها مثل الأصمعي.
ومن ذلك أيضاً ما يروى عن أبي علقمة النحوي من قوله: ما لكم تتكأكؤون على تكأكؤكم على ذي جنة افرنقعوا عني. فإن تتكأكؤون وافرنقعوا - وحشي وقد جمع لعمري العلتين مع قبح التأليف الذي يمجه السمع والتوعر وما أكثر ما تجتمع العلتان في هذا الجنس ومن الأمثلة قول أبي تمام:
بنداك يوسى كل جرح يعتلى ... رأب الأساء بدردبيس قنطر١
وكذلك قوله:
قدك اتئد أربيت في الغلواء٢
فإن هذه الألفاظ كما ترى وحشية. ويوجد هذا الجنس في شعر العجاج وابنه رؤبة كثيراً ومنه قول بعضهم:
فشحا جحافلة جراف هبلع٣
وقال الآخر:
غرباً جروراً وجلالا خزخز٤
стр. 59
وقال غيره في صفة اللبن:
وآخذ طعم السقاء سامط ... وخاثر عجلط عكالط١
وقول الآخر:
يأكلن من قراص ... وحمصيص واص٢
وفي هذه الألفاظ ما جمع الصفتين معاً على ما ذكرناه.
وقد روى أن أبا العتاهية قال لمحمد بن مناذر: إن كنت أردت بشعرك شعر العجاج ورؤبة فما صنعت شيئاً وإن كنت أردت أهل زمانك فما أخذت مأخذنا. أرأيت قولك:
ومن عاداك لاقي المرمريسا٣
أي شيء المرمريس؟
ولهذا كله أعتمد الحذاق من الشعراء على اختيار أسماء المنازل والنساء في الغزل وتجنبوا ما لا يحسن لفظه للشروط التي ذكرناها وعابوا قول جرير بن عطية:
وتقول بوزع قد دببت على العصا ... هلا هزئت بغيرنا يا بوزع
وذكروا أن الوليد بن عبد الملك. قال: له أفسدت شعرك ببوزع
стр. 60
وهجنوا اتباع الخليل بن أحمد١ له في هذا الاسم حين قال:
أم البنين وأسماء ... والرباب وبوزع
واستقبحوا قول أبي تمام:
يقول أناس في حبينآء عاينوا ... عمارة رحلى من طريف وتالد
وقالوا: ما الفائدة في ذكر حبينآء وليس أبو تمام مضطراً إلى ذكر الموضع الذي قيل له فيه هذا.
وقد ذكروا أن الفرزدق أنكر على مالك بن أسماء بن خارجة وقد أنشده:
حبذا ليلتي بتل بوني
وقال أفسدت شعرك بذكر بوني قال له ففي بوني كان ذلك قال: وإن كان. وأما قول أبي عبادة البحتري:
وأنا الشجاع وقد رأيت مواقفي ... بعقرقس والمشرفية شهدي
فله في ذكر عقرقس عذر واضح لأنه الموضع الذي شاهد الممدوح به قتاله. وليس يحسن أن يذكر موضعاً غيره ولم يحمد فيه. وهذا ليس بموجب حسن اللفظة. ولكنه يبسط عذر ناظمها حسب.
ومن هذه الألفاظ المذكورة قول عنترة:
стр. 61
شربت بماء الدحرصين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم١
ولعل عنترة أراد ذكر الماء المشروب على الحقيقة وإلا لو أمكنه أن يذكر اسم مورد من الموارد الذي يجري هذا المجرى كان أحسن وأليق. وأما قول الكميت:
وأدنين البرود على خدود ... يزين الفداغم بالأسيل٢
فإن الفداغم كلمة رديئة كما ترى.
ومن الوحشي قول امرىء القيس بن حجر:
وسن كسنيق سنآء وسنما٣
فإن هذا على ما ذكر لم يعرفه الأصمعي ولا أبو عمرو وقال: هو بيت مسجدي يريد من عمل أهل المسجد. وقال غيرهما شنيق جبل وسنم هي البقرة فأما السن فالثور.
ومن هذا أيضاً قول العجاج:
وفاحماً ومرسناً مسرجاً
فإن المرسن الأنف والمسرج لا يعرف حتى خرج له أنه أراد
стр. 62
بالمسرج المحدد من قولهم للسيوف السريجيات منسوبة إلى قين يعرف بسريج. وهذا القصد على ما تراه وحشى غريب.
وما زال أهل العلم بالشعر يكرهون قول ذي الرمة:
عصا عسطوس لينها وإعتدالها
وفي عسطوس ضروب من العيوب المذكورة وقيل إنه الخيزران. وقد كان يمكن ذا الرمة أن يقول: عصا خيزران.
وإن كان هؤلاء الشعراء أرادوا الإغراب حتى يتساوى في الجهل بكلامهم العامة وأكثر الخاصة فما أقبح ما وقع لهم. وقد رأيت أنا جماعة يتعمدون هذا فقلت لهم: إن سررتم بمعرفتكم وحشى اللغة فيجب أن تغتموا بسوء حظكم من البلاغة. وجرى بين أصحابنا في بعض الأيام ذكر شيخنا أبي العلاء بن سليمان١ فوصفه واصف من الجماعة بالفصاحة واستدل على ذلك بأن كلامه غير مفهوم لكثير من الأدباء فعجبنا من دليله وان كنا لم نخالفه في المذهب. وقلت له: إن كانت الفصاحة عندك بالألفاظ التي يتعذر فهمها فقد عدلت عن الأصل أولا في المقصود بالفصاحة التي هي البيان والظهور ووجب عندك أن يكون الأخرس أفصح من المتكلم لأن الفهم من إشاراته بعيد عسير. وأنت تقول كلما كان أغمض وأخفى كان أبلغ وأفصح.
وعارضه أبو العلاء صاعد بن عيسى الكاتب وقال: صدقت إننا لا نفهم عنه كثيراً مما يقول إلا أن على قياس قولك يجب أن يكون ميمون الزنجي الذي نعرفه أفصح من أبي العلاء لأنه يقول ما لا نفهمه نحن ولا أبو العلاء أيضاً! فأمسك.
وأنا أكره من قول كثير بن عبد الرحمن صاحب عزة:
стр. 63
وما روضة بالحزن طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها
ذكر الجثجاث لأنه اسم غير مختار. ولو أمكنه ذكر غيره كان عندي أليق وأوفق.
ولا أحب أيضاً تسمية أبي تمام صاحبه علاثة ونداءه بالترخيم في قوله:
قف بالطلول الدارسات علاثاً ... أضحت حبال قطينهن رثاثا
وإن كان الروى قاده إلى ذلك فليت شعري من حظر عليه القوافي واقتصر به على الثآر دون غيرها من الحروف! وليس يؤثر منه إلا الشعر الحسن على أقرب الوجوه وأسهل السبل دون ما يتكلف المشقة في نظمه والعناء في تأليفه وليس يغفر للشاعر لأجل ما يلزم به نفسه ذنب ولا يغفل له عن خطأ إذ كان حظر المباح وحرم الحلال وأعتمد تكلف النصب طوعاً واختياراً وهوى وقصداً. لكنه لعمري إذا أتانا بالسليم من الزلل البعيد من التكلف والخطل. وكان كذلك في مأخذ صعب ومسلك وعر حمدناه الحمد الكامل ووصفناه الوصف التام.
ومن الألفاظ التي ذكرناها قول أبي عبادة البحتري:
فلا وصل إلا أن يطيف خيالها ... بنا تحت جؤشوش من الليل مظلم١
فليس بقبح جؤشوش خفاء. هذا على إنني لم أعرف شاعراً قديماً ولا حديثاً أحسن سبكاً من أبي عبادة ولا أحذق في اختيار الألفاظ وتهذيب المعاني.
стр. 64
ومن ذلك أيضاً قول أبي تمام:
صهصلق في الصهيل تحسبه ... اشرج حلقومه على جرس
وقول القطامي:
إلى حيزبون توقد النار بعد ما ... تصوبت الجوزاء قصد المغارب١
فهل تعرف أوعر من صهصلق أو حيزبون؟
وعلى كل حال فالبدوي صاحب الطبع في هذا الفن أعذر من القروي المتكلف. لأن هذا لا يعرف هذه إلا بعد البحث والطلب وتجشم العناء في التصفح. وعلى قد ذلك يجب لومه والإنكار عليه.
والرابع: أن تكون الكلمة غير ساقطة عامية كما قال أبو عثمان أيضاً. ومثال الكلمة العامية قول أبي تمام:
جليت والموت مبد حر صفحته ... وقد تفرعن في أفعاله الأجل
فإن تفرعن مشتق من اسم فرعون. وهو من ألفاظ العامة. وعادتهم أن يقولوا: تفر عن فلان إذا وصفوه بالجبرية.
ومنه قول أبي نصر عبد العزيز ابن نبانة:
أقام قوام الدين زيغ قناته ... وأنضج كي الجرح وهو فطير
فتأمل لفظة فطير تجدها عامية مبتذلة إن كانت لعمري قد وقعت
стр. 65
هنا موقعاً لو كانت فصيحة هجنها وأذهب طلاوتها. كيف وهي على ما تراه. فأما قول أبي الطيب المتنبي:
إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها
فلا شيء أقبح من ذكر السراويلات وما أعرف كناية أشهد الله أن التصريح أجمل منها ووصف عفة سلوك لريب والنهم أحسن من التلفظ بها إلا كناية أبي الطيب هذه ونعته عفافه هذا النعت.
ومن الألفاظ العامية أيضاً قوله:
خلوقية في خلوقيها ... سويداء من عنب الثعلب١
فإن عنب الثعلب مما أقول إن العامة لو نظمت شعراً لترفعت عن ذكره.
وليس ايرادي هذه الأمثلة على جهة الطعن على هؤلاء الشعراء الفضلاء والغض منهم.
وكيف يكون ذلك وسأورد من غرائبهم وبدائع كلامهم ما يعلم معه أننا تحت تقصير عن شأوهم ويقع العجز عن أدراك القريب من غاياتهم. لكني إذا أحتجت إلى إيراد الأمثلة في المختار والمنبوذ والمحود والمذموم فلا معدل لي عن أشعارهم وتصفح نظمهم وأخذ ما أريده منها وإيراده عنها في الصنفين معاً.
ومن الألفاظ العامية أيضا قول أبي تمام في رواية أبي القاسم:
لو كان كلفها عبيد حاجة ... يوماً لزنى شدقماً وجديلا٢
стр. 66
فزنى في القبح يوفي على كل قبيح.
فأما قول زهير بن أبي سلمى في قصيدته المختارة:
وأقسمت جهداً بالمنازل من مني ... وما سحقت فيه المقادم والقمل١
فإن القمل من الألفاظ التي تجري هذا المجرى.
وقول أبي تمام:
قد قلت لما لج في صده ... أعطف عل عبدك يا قابري
غاية في السخافة! لأن قابري من ألفاظ عوام النساء وأشباههن.
وليس لأحد أن يتخيل أن العذر في إيراد هذه الألفاظ وأمثالها تعذر ما يقع موقعها في النظم كما يظن ذلك بعض المتخلفين في هذه الصناعة. وذلك أنه ليس يجب على الانسان أن يكون شاعراً ولا كاتباً ولا صاحب كلام يؤثر ولفظ يروى ولا يجب عليه لو وجب هذا أن ينظم تلك القصيدة التي وردت فيها هذه اللفظة ولا البيت من القصيدة. فكيف نعذره إذا أورد لفظة قبيحة جارية مجرى ما ذكرناه وهو قادر على حذف البيت كله واطراح ذكر جميعه إن لم يكن قادراً على تبديل كلمة منه.
ونعود إلى ذكر الألفاظ العامية ونقول من الأمثلة قول أبي نصر ابن نباتة:
فقد رفعت أبصارها كل بلدة ... من الشوق حتى أوجعتها الأخادع
فإن أوجعتها من أشد ألفاظ العامة ابتذالا. وإن كانت الأخادع قبيحة.
ومنها قول أبي تمام:
стр. 67
ليزدك وجدا بالسماحة ما ترى ... من كيمياء المجد تغن وتغنم
وكيمياء من ألفاظ العوام المبتذلة وليست من ألفاظ الخاصة ولا يحسن نظم مثلها. وكذلك أيضاً قول أبي الطيب المتنبي:
تستغرق الكف فوديه ومنكبه ... وتكتسى منه ريح الجورب الخلق١
والجورب مما يكره ايراد مثله لما ذكرته.
وأمثال هذا كله في الأشعار المطرحة كثير. ولو تأملت قصيدة واحدة من شعر من يدعى القريض في هذا العصر وجدت فيها عدة أمثلة لكل ما أكرهه وأنكره إلا أني أعتمد على التمثيل بأشعار هؤلاء الفحول المتقدمين في هذه الصناعة لأمور: أولها صيانة هذا الكتاب عن تهجينه بذكر غيرهم. وثانيها أن اللفظة التي تكره في نظم هؤلاء الحذاق تقع فريدة وحيدة يظهر مباينتها لكلامهم فالعلم بها واضح وكشفها جلي. وقد قال حبيب بن أوس:
وكذاك لم تفرط كآبة عاطل ... حتى يجاورها الزمان بحال
وقال غيره قبله:
الجهل في الجاهل المغمور مغمور ... والعيب في الكامل المذكور مذكور
كفوفة الظفر تخفي من مهانته ... وبعضها في سواد العين مشهور٢
وليس مكانها في أشعار غيرهم كذلك.
بل هي منظومة مع غيرها في القبح وأشكالها. وثالثها إيثاري أن أعلمك أن مقدمي الفصاحة سامحوا
стр. 68
نفوسهم وأصبحوا في طاعة أهوائهم ليتحقق أن الزلل في طباع البشر موجود. والعصمة عن أكثرهم بائنة هذا على مالي في طلب ذلك من الكلفة والنصب إذ كان قليلا في كلامهم مغموراً بمحاسنهم وكنت أفتقر إلى تأمل الديوان الكامل حتى أظفر منه بالكلمات اليسيرة فأوردها مثالا.
فأما اقتصاري في أكثر ما أمثل به على المنظوم دون المنثور مع أن كلامي عليهما واحد فإنما أقصد ذلك لكثرة المنظوم واشتهاره ورغبتي في أن يسهل الوزن عليك حفظ ما أذكره فإنه داع قوى وسبب وكيد.
والخامس: أن تكون الكلمة جارية على العرف العربي الصحيح غير شاذة ويدخل في هذا القسم كل ما ينكره أهل اللغة ويرده علماء النحو من التصرف الفاسد في الكلمة. وقد يكون ذلك لأجل أن اللفظة بعينها غير عربية. كما أنكروا على أبي الشيص قوله:
وجناح مقصوص تحيف ريشه ... ريب الزمان تحيف المقراض
وقالوا: ليس المقراض من كلام العرب.
وتبعه أبو عبادة فقال:
وأبت تركي الغديات والآ ... صال حتى خضبت بالمقراض
فعابوه عليهما معاً. وقد تكون الكلمة عربية إلا أنها قد عبر بها عن غير ما وضعت له في عرف اللغة كما قال أبو تمام:
حلت محل البكر من معطى وقد ... زفت من المعطى زفاف الأيم١
стр. 69
وقال أبو عبادة:
يشق عليه الريح كل عشية ... جيوب الغمام بين بكر وأيم
فوضع الأيم مكان الثييب وليس الأمر كذلك. ليس الأيم الثيب في كلام العرب إنما الأيم التي لا زوج لها بكراً كانت أو ثيباً. قال الله : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ ١ وليس مراده تعالى نكاح الثيبات من النساء دون الأبكار وإنما يريد النساء اللواتي لا أزواج لهن. وقال الشماخ بن ضرار:
يقر بعيني أن أحدث أنها ... وإن لم أنلها أيم لم تزوج
وليس يسره أن تكون ثيباً. وقد حكى أن بعض كبار الفقهاء وهو محمد بن إدريس الشافعي٢ غلط في ذلك والصحيح ما ذكرناه.
ومثال هذا أيضا قول أبي تمام:
ما مقرب يختال في أشطانه ... ملآن من صلف به وتلهوق٣
يريد بالصلف هنا الكبر والتيه وهذا مذهب العامة في استعمال هذه
стр. 70
اللفظة. وأما العرب فتقول: صلفت المرأة عند زوجها إذا لم تحظ عنده وصلف الرجل أيضاً كذلك إذا كرهته. قال جرير:
إني أواصل من أردت وصاله ... بحبال لاصلف ولا لوام
والصلف الذي لا خير عنده. ومن أمثالهم رب صلف تحت الراعدة١.
ومن ذلك أيضاً قول أبي عبادة:
شرطي الأنصاف إن قيل اشترط ... وصديقي من إذا صافي قسط
وأراد بقسط عدل. لأن الأمر عليه وليس الأمر كذلك وإنما يقال أقسط: إذا عدل وقسط: إذا جار. قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ ٢.
وقد يكون ما ذكرناه على جهة الحذف من الكلمة كما قال رؤبة ابن العجاج:
قواطناً مكة من ورق الحما
يريد الحمام. كقول خفاف بن ندبة:
كنواح ريش حمامة نجدية ... ومسحت باللثتين عصف الإثمد٣
يريد كنواحي وكما قال غيره هو مضرس بن ربعي:
وطرت بمنصلي في يعملات ... دوامي الأيد يخبطن السريحا٤
стр. 71
والوجه الأيدي.
ومن ذلك قول النجاشي:
قلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك أسقني أن كان ماؤك ذا فضل
أراد ولكن اسقني وقال الآخر:
أو معبر الظهر ينبي عن وليته ... ما حج ربه في الدنيا ولا اعتمرا١
يريد ما حج ربه. وقال مالك بن حريم الهمداني:
فإن يك غثاً أو سميناً فانني ... سأجعل عينيه لنفسه مقنعا
يريد لنفسه. وقال أبو الطيب المتنبي:
تعثرت به في الأفواه ألسنها ... والبرد في الطرق والأقلام في الكتب٢
وقد يكون على وجه الزيادة في الكلمة مثل أن يشبع الحركة فيها فتصير حرفا كما قال:
وأنت على الغواية حين ترمى ... وعن عيب الرجال بمنتزاح٣
أي بمنتزح. وقال غيره:
стр. 72
وانني حيثما يسرى الهوى بصري ... من حيث ما نظروا أدنوا فانظور١
يريد أدنو فانظر. وقال الآخر:
تنفي يداها الحصا في كل هاجرة ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف٢
يريد الدراهم والصيارف.
وقد يكون إيراد الكلمة على الوجه الشاذ القليل وهو أردأ اللغات فيها لشذوذه.
والكثير أبداً خفيف كما يقول النحويون في خفة الأسماء لكثرتها. ومن هذا قول البحتري:
متحيرين فباهت متعجب ... مما يرى أو ناظر متأمل
فقوله باهت لغة رديئة شاذة. والعربي المستعمل بهت الرجل يبهت فهو مبهوت ومنه قول المتنبي:
وإذا الفتى طرح الكلام معرضاً ... في مجلس أخذ الكلام اللذعنا٣
فإن اللذ في الذي لغة شاذة قليلة. ومنه قوله أيضاً:
ايفطمه التوراب قبل فطامه ... ويأكله قبل البلوغ إلى الأكل٤
فالتوراب لغة في التراب شاذة غير كثيرة.
стр. 73
وقد يكون لأن الكلمة بخلاف الصيغة في الجمع أو غيره كما قال الطرماح:
وأكره أن يعيب على قومي ... هجاي الأرذلين ذوي الحنات
فجمع إحنة على غير الجمع الصحيح لأنها إحنة وإحن ولا يقال حنات.
وقد روى أبو بصير أن عبد الملك بن قريب الأصمعي قال: كنا نظن أن الطرماح شيء حتى سمعنا قوله هذا البيت. وكما قال الآخر:
من نسج داود أبي سلام
يريد أبا سليمان.
ومن هذا الفصل أيضا أن يبدل حرف من حروف الكلمة بغيره كما قال الشاعر هو رجل من بني يشكر:
لها أسارير من لحم متمرة ... من الثعالي ووخز من أرانيها١
يريد من الثعالب وأرانبها. وقال الآخر:
ومنهل ليس له حوازق ... ولضفادي جمة نقانق
يريد ولضفادع.
ومنه أيضا إظهار التضعيف في الكلمة مثل قول الشاعر: هو قعنب بن أم صاحب٢
стр. 74
مهلا أعاذل قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوام وأن ضننوا
وأما صرف ما لا ينصرف كقول حسان بن ثابت:
وجبريل أمين الله فينا ... وروح القدس ليس له كفآء
ومنع الصرف مما ينصرف كما أنشدوا قول العباس بن مرداس:
وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان كرداس في مجمع
وكما قال البحتري:
هزج الصهيل كأن في نغماته ... نبرات معبد في الثقيل الأول
فمنعا الصرف عن مرداس ومعبد.
وقصر الممدود كقول الآخر:
والقارح العدا وكل طمرة ... ما إن تنال يد الطويل قذالها١
ومد المقصور على ما روى بعضهم:
سيغنيني الذي أغناك عني ... فلا فقر يدوم ولا غناء
وحذف الأعراب للضرورة مثل قول امرىء القيس بن حجر:
فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل
وتأنيث المذكر على بعض التأويل كقول الشاعر:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم
стр. 75
وتذكير المؤنث كما قال الآخر: هو عامر بن جوين الطائي:
فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها
فإن هذا وأشباهه وما يجري مجراه وإن لم يؤثر في فصاحة الكلمة كبير تأثير فإنني أوثر صيانتها عنه لأن الفصاحة تنبىء عن اختيار الكلمة وحسنها وطلاوتها. ولها من هذه الأمور صفة نقص فيجب اطراحها. على أن ما ذكرته يختلف قبحه في بعض المواضع دون بعض على قدر التأويل فيه وحكمه.
فأما إدخال الألف واللام على الفعل في نحو قول الشاعر١:
يقول الخنا وأبغض العجم ناطقا ... إلى ربنا صوت الحمار اليجدع
وتشديد الكلمة المخففة مثل قول الشاعر:
كأن مهواها على الكلكل٢
وقول الآخر: هو رؤبة:
ضخم يحب الخلق الأضخما
وتحريك الياء التي تقع قبلها كسرة في الرفع والجر مثل قول الشاعر:
ما إن رأيت ولا أرى في مدتي ... كجواري يلعبن في الصحراء
فإن هذا كله داخل في باب الزيادة التي ذكرناها وأشرنا إليها وهي مكروهة على ما تقدم.