← Адаб

Адаб · id 11239

سر الفصاحة

ابن سنان الخفاجي

Полный текст (286 стр.). Показаны 281–286 · переход к 286.

стр. 281

فذلك لا يتفق إلا في كلام يقصد به الشعر وإن كان يريد بالبيتين مثل ما استشهد به من قول العامة: زمارة مليحة بقطعة صحيحة فقد يتفق من هذا الجنس ثلاثة أبيات في كلام لا يقصد به الشعر فالذي ذكره دعوى لا دليل عليها. وإذا كان هذا بيناً فالفرق بين الشعر والنثر بالوزن على كل حال وبالتفقية إن لم يكن المنثور مسجوعاً على طريق القوافي الشعرية والوزن هو التأليف الذي يشهد الذوق بصحته أو العروض. أما الذوق فلأمر يرجع إلى الحس وأما العروض فلأنه قد حصر فيه جميع ما عملت العرب عليه من الأوزان فمتى عمل شاعر شيئاً لا يشهد بصحته الذوق وكانت العرب قد عملت مثله جاز له ذلك كما ساغ له أن يتكلم بلغتهم. فأما إذا خرج عن الحسن وأوزان العرب فليس بصحيح ولا جائز لأنه لا يرجع إلى أمر يسوغه والذوق مقدم على العروض فكل ما صح فيه لم يلتفت إلى العروض في جوازه ولكن قد يفسد فيه بعض ما يصح بالعروض على المعنى الذي ذكرناه كالزحافات المروية في أشعار العرب المذكورة في كتب العروض وهو الأصل الذي عملت العرب الأول عليه. وإنما العروض استقراء للأوزان حدث بعد ذلك بزمان طويل. وأما التفضيل بين النظم والنثر فالذي يصلح أن يقوله من يفضل النظم أن الوزن يحسن الشعر ويحصل للكلام به من الرونق ما لا يكون للكلام المنثور ويحدث عليه من الطرب في إمكان التلحين والغناء به ما لا يكون للكلام المنثور ولهذه العلة ساغ حفظه أكثر من حفظ المنثور حتى لو اعتبرت أكثر الناس لم تجد فيهم من يحفظ فصلاً من رسالة غير القليل ولا يجد فيهم من لا يحفظ البيت أو القطعة إلا اليسير ولولا ما انفرد به من الوزن الذي تميل إليه النفوس بالطبع لم يكن لذلك وجه ولا سبب.

стр. 282

ونقول إن الشعر يدخل في جميع الأغراض كالنسيب والمديح والذم والوصف والعتب والنثر لا يدخل في جميع ذلك فإن التشبيب لا يحسن في غير الشعر وكذلك غيره من الأغراض وما صلح لجميع ضروب الكلام وصنوفه أفضل مما اقتصر على بعضه. وأما الذي نقوله من تفضيل النثر على النظم: فهو أن النثر يعلم فيه أمور لا تعلم في النظم كالمعرفة بالمخاطبات وبينة الكتب والعهود والتقليدات وأمور تقع بين الرؤساء والملوك يعرف بها الكاتب أمورهم ويطلع على خفي أسرارهم وأن الحاجة إلى صناعة الكتابة ماسة والانتفاع بها في الأغراض ظاهر. والشعر فضل يستغنى عنه ولا تقود ضرورة إليه وأن منزلة الشاعر إذا زادت وتسامت لم ينل بها قدراً عالياً ولا ذكراً جميلان والكاتب ينال بالكتابة الوزارة فما دونها من رتب الرياسة وصناعة تبلغ بها إلى الدرجة الرفيعة أشرف من صناعة لا توصل صاحبها إلى ذلك وأن أكثر النظم إذا كشف وجد لا يعبر عن جد ولا يترجم عن حق وإنما الحذق فيه الإفراط في الكذب والغلو في المبالغة وأكثر النثر شرح أمور متيقنة وأحوال مشاهدة وكثر فيه الجد والتحقيق أفضل مما كثر فيه المحال والتقريب وقد يتسع الكلام فيما لا يخرج عن هذا الفن وهذه الجملة كافية في مثل هذا الموضع.

стр. 283

فصل فيما يحتاج مؤلف الكلام إلى معرفته الذي يحتاج مؤلف الكلام إليه من معرفة اللغة التي هي لغة العرب قدر ما يعرف كل شئ باسمه الذي وضعته له. ويجب أن يكون ذلك

стр. 284

الاسم أفصح أسمائه إن كانت له عدة أسماء وقد بينا الطريق إلى معرفة الفصيح فيما مضى من كتابنا هذا فإذا عرف ما ذكرته من اللغة احتاج إلى معرفة ما يتصرف ذلك الاسم عليه من جمع وتثنية وتذكير وتأنيث وتصغير وترخيم ليورده على جميع ما يتصرف فيه صحيحا غير فاسد ولهذا افتقر إلى علم النحو وسأذكر قدر ما يحتاج منه فإذا علم ما أشرت إليه افتقر إلى معرفة عدة أسماء لما يقع استعماله في النظم والنثر كثيراً ليجد إذا ضاق به موضع أو حظر عليه وزن إيراد اسم العدول إلى غيره. ويحتاج في علم النحو إلى معرفة أعراب ما يقع له في التأليف حتى لا يذكر لفظة إلا موضوعة حيث وضعتها العرب من إعراب أو بناء على حسب ما وردت عنهم وليس لأحد أن يظن أن هذا هو معرفة النحو كله والاشتمال على جميع علمه لأن الكثير من النحو علم تقدير مسائل لا تقع اتفاقا في النظم ولا في النثر وكذلك التصرف من علم النحو لا يكاد مؤلف الكلام يحتاج إلا إلى الشئ اليسير منه فأما أن يكثر منه حتى يسوغ له أن يبنى من الدال في قد مثل عصفور وغير ذلك من مسائل قد وضعت في هذا الجبس فما لا أرى النحوي يفتقر إلى معرفته فضلا عن غيره. ويحتاج الشاعر خاصة إلى معرفة الخمسة عشر بحرا التي ذكرها الخليل ابن أحمد وما يجوز فيها من الزحاف ولست أوجب عليه المعرفة بها ولينظم بعلمه فإن النظم مبنى على الذوق ولو نظم بتقطيع الأفاعيل جاء شعره متكلفاً غير مرضى وإنما أريد له معرفة ما ذكرته من العروض لأن الذوق ينبو عن بعض الزحافات وهو جائز في العروض وقد ورد للعرب مثله فلولا علم العروض لم يفرق بين ما يجوز من ذلك وبين ما لا يجوز.

стр. 285

يفتقر أيضاً من العلم بالقوافي إلى معرفة الحروف والحركات التي يلزم إعادتها وما يصلح أن يكون روياً أو ردفاً مما لا يصح. ويحتاج أيضاً إلى معرفة المشهور من أخبار العرب وأحاديثها وأنسابها وأمثالها ومنازلها وسيرها وصفة الحروب التي كانت لها وما له قصة مشهورة وحديث مأثور فإنه قد يفتقر في النظم إلى ذكر شئ منه ويكون للمعنى به تعلق شديد وإذا ورد استحسن. ويحتاج الكاتب إلى جميع هذا أيضاً ويختص بما يفتقر إليه من معرفة المخاطبات وفنون المكاتبات والتوقيعات ورسوم التقليدات مع الاطلاع على كتاب الله تعالى وشريعته وحديث رسول الله ﷺ وسنته فإنه مدفوع إلى تقليد الولاة وعهود القضاة والتوقيعات في المظالم والمكاتبة في ضروب الحوادث. وبالجملة أن مؤلف الكلام لو عرف حقيقة كل علم واطلع على كل صناعة لأثر ذلك في تأليفه ومعانيه وألفاظه لأنه يدفع إلى أشياء يصفها فإذا خبر كل شئ وتحققه كان وصفه له أسهل ونعته أمكن إلا أن المقصود في هذا الموضع بيان ما لا يسعه جهله دون ما إذا علمه أثر عنده علمه فإن ذلك لا يقف على غاية. والوصية لهما لهما ترك التكلف والاسترسال مع الطبع وفرط التحرز وسوء الظن بالنفس ومشاورة أهل المعرفة وبغض الإكثار والإطالة وتجنب الإسهاب في فن واحد من فنون الصناعة فإن كلام الإنسان ترجمان عقله ومعيار فهمه وعنوان حسه والدليل على كل أمر لولاه لخفي منه وبحسب ذلك يحتاج إلى فضل التثقيف واجتماع اللب عند النظم والتأليف. وإذ قد انتهى بنا القول إلى هذا الموضع فالواجب أن نختم الكتاب.

стр. 286

لأنا قد وفينا بجميع ما شرطناه في أوله وقد كنا عزمنا على أن نصله بقطعة مختارة من النظم والنثر يتدرب بالوقوف عليها في فهم ما ذكرناه من أحكام البلاغة وكشفناه من أسرار الفصاحة لكنا فرقنا من الإطالة والتثقيل على الناظر فيه بالملل والسآمة فعد لنا إلى وضع ذلك في كتاب مفرد. ونحن تستغفر الله من خطل القول كما تستغفر من خطأ العمل ونسأله أن يمن علينا بالهداية والعصمة والسلامة في الدنيا والآخرة أنه سميع مجيب. وكان الفراغ من تأليفه يوم الأحد الثاني من شعبان سنة أربع وخمسين وأربعمائة- ٤٥٤هـ. تم الكتاب.