فأسبلت لؤلؤا من نرجس وسقت ... ورداً وعضت على العناب بالبرد
وقول أبي إسحاق الصابي يصف الطير التي تصاد بالبندق محمولة على حكم الكفار إذ يقتلون ومصيرهم إلى النار.
ومما يحتاج إليه التشبيه: أن يكون الأمر المشبه به واقعاً مشاهداً معروفاً غير مستنكر ليوافق ذلك المقصود بالتشبيه والتمثيل من الإيضاح والبيان ولهذا عاب نصيب على الكميت قوله:
كأن الغطامط من غليها ... أراجيز أسلم تهجو غفارا١
وقال له: أخطأت ما هجت أسلم غفارا قط وأراد نصيب من الكميت أن يكون شبه بشئ واقع معروف وهذا كما يقال: كان مناقضة فلان وفلان مناقضة جرير والفرزدق. فيكون هذا الكلام صحيحاً. ولو قيل: كأن مناقضتهما مناقضة الأحوص وعمر بن أبي ربيعة لم يكن ذلك التشبيه صحيحاً. إذ كان المشبه به لم يقع وعلى هذا أكره قول علقمة ابن عبدة:
كأن إبريقهم ظبى على شرف ... مقدم بسبا الكتان ملثوم٢
على أن يكون مقدم من صفة الظبي لأن الظبي لا يكون مقدماً بسب الكتان ملثوما فكأن التشبيه وقع بما لا يشاهد ولا يعرف وإن كان المقدم راجعاً إلى الإبريق فذلك صحيح.
стр. 247
وكذلك قول الحكم لعله عبد الرحمان بن الحكم وليحقق:
كانت بنو غالب لأمتها ... كالغيث في كل ساعة يكف
فإن العادة لم تجر بأن الغيث يكف في كل ساعة وإن كان هذا البيت يحتمل من التأويل أن يكون معناه كان هؤلاء القوم كالغيث إلا أنه غيث يكف كل ساعة وإن لم يدل لفظه على هذا المعنى دلالة واضحة.
ومن هذا الفن. قول أيمن: ١
فإننا قد وجدنا أم بشر ... كأم الأسد مذكاراً ولودا
لأن أم الأسد ليست كذلك.
وأما ردى التشبيه فكقول المرار:
وخال على خديك يبدو كأنه ... سنا البدر في دعجاء باد دجونها٢
لأن الخدود بيض والمتعارف أن يكون الخال أسود فتشبيه الخدود بالليل والخال بضوء البدر تشبيه ناقض للعادة.
فإن قيل: قد مضى في كلامكم أن المشبه به يجب أن يكون معروفاً واضحاً أبين من الشئ الذي يشبه فما تقولون في قوله تعالى في شجرة الزقوم: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ ٣ ورؤوس الشياطين غير مشاهدة.
قيل: إن الزقوم غير مشاهد ورؤس الشياطين غير مشاهدة إلا أنه قد استقر في نفوس الناس من قبح الشياطين بما صار بمنزلة المشاهد كما استقر في
стр. 248
نفوسهم من حسن الحور العين ما صار بمنزلة المشاهد حتى أنهم إذا شبهوا وجهاً بوجه الحور كان تشبيها صحيحاً وإن كانت الحور لم تشاهد ولم يستقر في نفوسهم قبح طلع الزقوم كما استقر في نفوسهم قبح رؤوس الشياطين فكأن المشبه به أوضح وفي رؤوس الشياطين أيضاً من المبالغة في القبح ما ليس في طلع الزقوم. وقد قيل في بعض التفاسير: إن الشياطين هنا الحيات.
وعلى هذا القول يسقط السؤال لأن الحيات مشاهدة.
ومن ظريف التشبيه قول ابن هرمة:
وإن وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زناداً شحاحا١
كتاركة بيضها بالعر اء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
وقول الفرزدق:
وإنك إذ تهجو تميما وترتشى ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم٢
كمهريق ماءٍ بالفلاة وغره ... سارب أذاعته رياح السمائم٣
فإن بيت ابن هرمة الثاني يليق بييت الفرزدق الأول وبيت الفرزدق الثاني يليق ببيت ابن هرمة الأول حتى أن ابن هرمة لو قال:
وإني وتركي ندى الأكرم ... ين وقدحي بكفي زناداً شحاحاً
كمهريق ماء بالفلاة وغره ... سراب أذاعته رياح السمائم
والفرزدق لو قال:
وإنك إذ تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أوسحوق العمائم
стр. 249
كتاركة بيضها بالعر ... اء وملبسة بيض أخرى جناحا
لكان كل واحد منهما قد شبه تشبيهاً واضحاً صحيحاً فأما والشعر على ما هو عليه فإن التشبيه بعيد.
ومن الصحة: صحة الأوصاف في الأعراض وهو أن يمدح الإنسان بما يليق به ولا ينفر عنه فيمدح الخليفة بتأييد الدين وتقويه أمره ومحبة الناس وطاعتهم والتقى والورع والرحمة والرأفة وإقامة العدل وشرف الحسب وحسن السياسة والتدبير والاضطلاع بالأمور والحلم والعفو والعلم وحفظ الشرع والجمال والبهاء والهيبة والشجاعة وكرم الأخلاق ولينها وما يجري هذا المجرى. ويمدح الوزير والكاتب وبالعقل والحلم وسداد الرأي وحسن التدبير والبلاغة وتثمير الأموال والعدل والكرم وما يلحق بهذا. ويمدح الأمير وقائد الجيش بالشجاعة والمعرفة بالحرب وحسن النقيبة والظفر والصبر وسداد التدبير وما أشبه ذلك وعلى هذا السبيل يجرى الأمر في النسيب فيذكر فيه صدق الهوى والمحبة وشدة الوجد والصبابة وكتمان الأسرار ومخالفة العذال وما يتفرع عن ذلك ويلحق به. وكذلك في كل غرض من الأغراض الشعرية من هجاء وفخر وعتاب ووصف وغير ذلك حتى يكون كل شئ موضوعا في المكان الذي يليق به.
فأما النثر فيجرى على هذا المنهاج ويحتاج فيه إلى معرفة المواضعات في الخطاب والاصطلاحات فإن للكتب السلطانية من الطريقة ما لا يستعمل في الإخوانيات وللتوقيعات من الأساليب ما لا يحسن في التقاليد وهذا الباب أعنى المواضعة والاصطلاح في الخطاب يتغير بحسب تغير الأزمنة والدول فإن العادة القديمة قد هجرت ورفضت والتسجد الناس عادة بعد عادة حتى أن الذي يستعمل اليوم في الكتب غير ما
стр. 250
كان يستعمل في أيام أبي إسحاق الصابي مع قرب زمانه منا وإذا كان الأمر على هذا جارباً فليس يصح لنا أن نضع رسموماً نوجب اقتفاءها لأنا نحن في هذا الزمان قد غيرنا الرسم المتقدم لمن قبلنا وكذلك ربما جرى الأمر فيما بعدنا.
لكن أصول الأغراض في الأوصاف والمعاني مما لا تتبدل ولا تتغير فليكن الائتمام بها واقعا والاجتهاد في جريها على قانون السداد والصواب حاصلا فقد عيب أبو عبادة في مديحه الخليفة بقوله:
لا العدل يردعه ولا التعنيف ... عن كرم يصده
وقيل: من هو الذي يجسر على عذل الخليفة وتعنيفه وليس هذا المدح مما يصلح للملوك والأمراء فضلا عن الأئمة والخلفاء.
وعيب أبو ذؤيب الهذلي في قوله يصف الفرس:
قصر الصبوح لها فشرج لحمها ... بالتي فهي تثوخ فيها الإصبع١
وقيل: وصف لحمها باللين وإنما يحمد صلابة لحم الفرس.
وعيب قول أبي عبادة:
ذنب كما سحب الرداء يذب عن ... عرف وعرف كالقناع المسبل
وقول امرئ القيس قبله:
لها ذنب مثل ذيل العرو ... من تسد به فرجها من دبر
стр. 251
وقيل: المحمود من ذنب الفرس أن يكون طويلاً ولا ينال الأرض كما قال امرؤ القيس:
كميت إذا استدبرته سد فرجه ... بضاف فويق الأرض ليس بأعزل١
وعيب جميل في قوله:
رمى في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح
وقيل: ليس هذا كلام صادق المحبة بل هذا دعاء مبغض قد تجاوز قدر السلوة.
وعيب عبد الرحمن القس في قوله:
سلام ليت لساناً تنطقين به ... قبل الذي نالني من صوته قطعا٢
وقيل: هذا غاية الغلظ والجفاء والمخالفة لعادة أهل الهوى.
وسمع أبو السائب المخزومي قول إسحاق الأعرج:
فلما بدالي ما رابني ... نزعت نزوع الأبي الكريم
فقال: قبحه الله والله ما أحبها ساعة قط.
وعيب على جرير قوله في بشر ابن مروان:
стр. 252
قد كان حقك أن تقول لبارق ... يا آل بارق فيما سب جرير١
وقال بشر: أما وجد ابن اللخناء رسولا غيري.
وعيب على أبي نواس قوله في الفضل بن يحيى:
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواها لعل الفضل يجمع بيننا
وقال له الفضل: ما زاد على أن جعلني قوادا.
وعيب عل الأخطل قوله يهجو سويد بن منجوف:
وما جذع سوء خرب السوس وسطه ... لما حملته وائل بمطيق
وقال سويد له: أردت هجائي فمدحتني جعلت وائلا كلها حملتني أمرها وما طمعت في بني تغلب فضلا عن بكر وزدتني بني تغلب.٢
وعيب عليه أيضاً قوله يمدح سماكا الأسدي وهو من قوم يلقبون القيون.
قد كنت أحسبه قيناً وأنبأه ... فاليوم طير عن أثوابه السرر٣
وقال سماك: يا أخطل أردت مدحي فهجوتني كان الناس يقولون قولا فحققته.
وعيب عليه أيضاً قوله:
стр. 253
وقد جعل الله الخلافة فيكم ... لأزهر لا عاري الخوان ولا جدب
وقيل: ليس يليق هذا بمدح الخلفاء إنما يصلح للطبقة السفلى من الناس.
وعيب على كثير قوله:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل
وقيل: لم أرد أن ينسى ذكرها حتى تتمثل له.
وعيب عليه قوله أيضاً:
فما روضة بالجون طيبة الثرى ... يمجح الندى جثجاثها وعرارها
بأطيب من أردان عزة موهناً ... وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها١
وقيل: لو أن زنجية بخرت بمندل رطب لكانت أردانها طيبة وعيب على ذي المرة قوله في الناقة:
تصغى إذا شدها بالكور جانحة ... حتى إذا ما استوى في غرزها تثب٢
وقيل: إذا كانت كما وصف رمت الراكب قبل أن يستوي على ظهرها.
стр. 254
وعيب على الأحوص قوله:
يقر بعيني ما يقر بعينها ... وأفضل شئ ما به العين قرت
وقيل له: إنه يقر بعينها أن تنكح افيقر ذلك بعينك؟.
وعيب عليه أيضاً قوله:
فإن تصلى أصلك وإن تبيني ... بهجر بعد وصلك لا أبالي
وقيل له: لو كنت فحلا لباليت.
وعيب على الفرزدق قوله:
بأي رشاء يا جرير وماتح ... تدليت في حومات تلك القماقم١
وقيل: جعل جرير أعلى من الفرزدق وقومة حين قال: إنه تدلى عليهم.
وعيب على جرير قوله:
وأوثق عند المردفات عشية ... لحاقاً إذا ما جرد السيف لامع
وقيل: جعلن قد سبقن بالغداة ولحقن بالعشى.
وعيب عليه أيضاً قوله:
طرقتك صائدًة القلوب وليس ذا ... وقت الزيادرة فارجعي بسلام
تجرى السواك على أغر كأنه ... برد تحدر من متون غمام
وقيل: أي وقت لا تصلح فيه زيارة الحبيب ولما طردها لم وصفها؟.
стр. 255
وعيب على زهير قوله في الضفادع:
يخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الغم والغرقا
وقيل: الضفادع لا تخرج من الماء خوف الغم والغرق.
وعيب على أبي العتاهية قوله:
إني أعوذ من التي شغفت ... من الفؤاد بآية الكرسي
وقيل: إنما يستعاذ بآية الكرسي من الشياطين.
وعيب على أبي الطيب المتنبي قوله:
لو استطعت ركبت الناس كلهم ... إلى سعيد بن عبد الله بعرانا
وقيل: من جملة الناس أمه فكان ينبغي أن يركبها.
وعيب عليه أيضاً قوله:
ليت أنا إذا ارتحلت لك الخيل ... وأنا إذا نزلت الخيام
وقيل: الخيام تعلو على الممدوح.
وعيب على امرئ القيس قوله:
وقيل: كثرة شعر الناصية مذموم في الفرس وهو الغمم.
وعيب عليه أيضاً قوله:
أغرك منى أن حبك قاتلي ... وإنك مهما تأمري القلب يفعل
وقيل: إذا كان هذا لا يغر فماذا الذي يغر؟.
стр. 256
وعيب على أبي نواس قوله في الأسد:
كأنما عينه إذا نظرت ... نادرة الجفن عين مخنوق
وقيل: الأسد لا يوصف بجحوظ العين إنما يوصف بغؤورها. وعيب على عبد الله بن السمط قوله:
أضحى أمام الهدى المأمون مشتغلاً ... بالدين والناس بالدنيا مشاغيل
وقيل: ما زاد على أن جعله عجوزاً في محرابها وإذا كان مشتغلاً عن الدنيا فمن القائم بها وهو الخليفة؟
وعيب على كعب بن زهير قوله:
ضخم مقلدها فعم مقيدها ... في خلقها عن بنات الفحل تفضيل١
وقيل: إنما توصف النجائب بدقة المذبح.
وعيب على المسيب قوله:
وقد أتناسى الهم عند احتضاره ... بناج عليه الصيعرية مكدم٢
وقالوا: الصيعرية للنوق لا للفجول وسمعه طرفة بن العبد وهو صبي فقال: استنوق الجمل:
وعيب على المرقش الأصغر قوله:
صحا قلبه عنها سوى أن ذكرة ... إذا خطرت دارت به الأرض قائماً
стр. 257
وقيل: هذا من المتناقض لآن من يكون إذا ذكرت دارت به الأرض قائما ليس بصاح.
وعيب على عدى بن زيد قوله في صفة الخمر:
والمشرف الهندي يسقى به ... أخضر مضموماً بماء الخريص١
وقيل: وصف الخمر بالخضرة وما وصفها أحد بذلك.
وعيب على الفرزدق قوله:
أبنى غدانة إنني حررتكم ... فوهبتكم لعطية بن جعال
لولا عطية لاجتدعت أنوفكم ... من بين ألأم لحية وسبال
وقيل: كيف يهبهم له وهو يهجو بهذا الهجاء.
وقال عطية حين بلغه هذا الشعر ما أسرع ما ارتجع أخي في هبته.
وعيب على أبي تمام قوله:
رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه ... بكفيك ما ماريت في أنه برد
وقيل: وصف الحلم بالرقة وإنما يوصف بالعظم والثقل والرزانة.
وعيب عليه أيضاً قوله:
الود للقربى ولكن عرفه ... للأبعد الأوطان دون الأقرب
وقيل: لم منع ذوى القربى من عرفه وجعله في الأبعدين ودنهم؟ وهلا كان عطاؤه عاماً للقريب والعيد.
وعيب عليه أيضا قوله:
стр. 258
لو كان في عاجل من آجل بدل ... لكان وعده من رفده بدل
وقيل: ولم لا يكون في العاجل من الآجل بدل. والناس كلهم على اختيار العاجل وإيثاره.
وعيب عليه أيضاً قوله:
يقظ وهو أكثر الناس إغضاء ... على نائل له مسروق
وقيل: هذا هجوا لأنه جعل نائله يؤخذ منه وجه السرقة.
وعيب على الفرزدق قوله:
ومن يأمن الحجاج والطير تتقى ... عقوبته إلا ضعيف العزائم
وقال له الحجاج: الطير تتقى الثوب وتتقى الصبي.
وأمثال هذا أكثر من أن تحصى مما وقع فيه فساد الأغراض والصفات.
وقد كان أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب يذهب إلى أن المدح بالحسن والجمال والذم بالقبح والدمامة ليس بمدح على الحقيقة ولا ذم على الصحة ويخطئ كل من يمدح بهذا ويذم بذاك ويستدل بانكار عبد الملك بن مروان على عبد الله بن قيس الرقيات قوله فيه:
يأتلفق التاج فوقه مفرقه ... على جبين كأنه الذهب
وقوله له: تقول في هذا وتقول لمصعب:
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء
وقد أنكر هذا المذهب على أبي الفرج أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي. وقال إنه خالف فيه مذاهب الأمم كلها عربيها وأعجميتها
стр. 259
لأن الوجه الجيل يزيد في الهيبة ويتيمن به ويدل على الخصال المحمودة وهذا الذي ذكره أبو القاسم صحيح. ولو لم يكن في ذلك إلا ما قد جبلت النفوس عليه من الميل إلى الوجوه الحسان لكفى وأغنى فإن كان قدامة يعتقد أن ذاك ليس بفضيلة لما كان الإنسان قد خلق عليه فهذا حكم جميع الفضائل النفسانية فإن الكريم قد خلق كريما والشجاع شجاعا والعاقل عاقلا وكما لا يقدر القبيح الوجه على أن يستبدل صورة غير صورته كذلك لا يقدر الجاهل على أن يستفيد عقلاً فوق عقله. ويلزم قدامة لآن لا يجيز المدح بشرف النفس النسب وكرم الأصل لأن ذلك أيضاً يجرى مجرى الصور. ولا صنيع للممدوح في شئ منهما والأمر في هذا ظاهر.
فأما إنكار عبد الملك بن مروان على ابن قيس الرقيات مدحه له بالتاج فإنما أنكره لأن التيجان كانت من زي ملوك العجم ولم يكن خلفاء العرب يعرفونها فقال له: تمدحني كما تمدح ملوك الأعاجم وتمدح مصعباً كما تمدح الخلفاء. والأمر على ما قال عبد الملك لأن مدح الخليفة بأنه شهاب من الله تعالى أبلغ من مدحه باعتدال التاج فوق مفرقه. وهذا كما أنكر على كثير قوله فيه:
على ابن أبي العاصي دلاص حصينة ... أجاد المسدي نسجها فأذالها١
وقال قول الأعشى:
كنت المقدم غير لابس جنة ... بالسيف تضرب معلماً أبطالها٢
أحسن من قولك فأراد عبد الملك في الموضعين المبالغة ومدحه بالأفضل والأحسن.
стр. 260
ومن الصحة: صحة المقابلة في المعاني وهو أن يضع مؤلف الكلام معاني يريد التوفيق بين بعضها وبعض والمخالفة فيأتي في الموافق بما يوافق وفي المخالف بما يخالف على الصحة والأصل في هذه المناسبة فإن لها تأثيراً قوياً في الحسن ومن أمثله ذلك في النظم قول الطرماح:
أسرناهم وأنعمنا عليهم ... وأسقينا دماءهم الترابا
فما صبروا لبأس عند حرب ... ولا ادوا لحسن يد ثوابا
وهذه مقابلة صحيحة
ومن ذلك أيضاً قول الآخر:
جزى الله خيراً ذات بعل تصدقت ... على عزب حتى يكون له أهل
فإنا سنجزيها بمثل فعالها ... إذا ما تزوجنا وليس لها بعل
وهذه أيضاً مقابلة صحيحة.
لأنه جعل في مقابلة أن تكون المرأة ذات بعل وهو لا زوج له أن يكون هو ذا زوج وهي لا بعل لها وقابل حاجته وهو عزب بحاجتها وهي عزبة.
ومن أمثلة ذلك في النثر قول أبي إسحاق الصابي: وأن يخلد في بطون الصحائف غلطنا وغلطك في إحساننا وإساءتك وحفظنا وإضاعتك وكتب بعضهم في كتاب له: ولو أن الأقدار إذ رمت بك من المراتب إلى أعلاهنا بلغت من أفعال السؤدد إلى ما وازاها فوازيت بمساعيك مراقيك وعادلت النعمة بك بالنعمة فيك ولكنك قابلت سمو الدرجة بدنو الهمة ورفيع الرتبة بوضيع الشيمة فعاد علوك بالاتفاق إلى حال دنوك بالاستحقاق وصار جناحك في الانتهاض إلى مثل ما
стр. 261
عليه قدرك في الانخفاض ولا لوم على القدر أذنت فيك وأناب وغلط فعاد إلى الصواب وهذا كلام معانيه متقابلة على الصحة ومن ذلك قول هند بنت النعمان: شكرتك يد نالتها خصاصة بعد نعمة ولا ملكتك يد نالت ثروة بعد فاقة.
فأما فساد المقابلة فكقول أبي عدى القرشي:
يا ابن خير الأخيار من عبد شمس ... أنت زين الدنا وغيث الجنود
فليس غيث الجنود مقابلاً لزين الدنيا ولا موافقاً.
ومن الصحة: صحة النسق والنظم وهو أن يستمر في المعنى الواحد وإذا أراد أن يستأنف معنى آخر أحسن التخلص إليه حتى يكون متعلقاً بالأول وغير منقطع عنه ومن هذا الباب خروج الشعراء من النسيب إلى المدح فإن المحدثين أجادوا التخلص حتى صار كلامهم في النسيب متعلقاً بكلامهم في المدح لا ينقطع عنه فأما العرب المتقدمون فلم يكونوا يسلكون هذه الطريقة وإنما كان أكثر خروجهم من النسيب إما منقطعاً وإما مبنياً على وصف الإبل التي ساروا إلى الممدوح عليها ومما يستحسن من خروج المحدثين قول أبي عبادة البحتري يصف الروض:
شقائق يحملن الندى فكأنه ... دموع التصابي في خدود الخرائد
كأن يد الفتح بن خاقان أرفلت ... تليها بتلك البارقات الرواعد١
وقوله:
ولو أنني أعطيت فيهن المنى ... لسقيتهن بكف إبراهيما٢
стр. 262
وقول محمد بن وهيب:
ما زال يلثمني مراشفه ... ويعلني الإبريق والقدح١
حتى استرد الليل خلعته ... وبدا خلال سواده وضح
وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح
وقال الفرزدق:
وركب كأن الريح تطلب عندهم ... لهاترة من جذبها بالعصائب
سروا يخبطون الليل هي تلفهم ... إلى شعب الأكوار من كل جانب
إذا آنسوا ناراً يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب٢
ومن الخروج إلى الذم قول إسحاق بن إبراهيم:
فأما الخروج المنقطع فكقول أبي عبادة أيضاً:
تأبى رباه أن تجيب ولم تكن ... مستخبر ليجيب حتى يفهما
الله جار ابن المدبر كلما ... ذكر المكارم ما أعف وأكرما٣
وقول أبي تمام:
стр. 263
لو رأى الله أن في الشيب فضلا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا
كل يوم تبدى صروف الليالي ... خلقاً من أبي سعيد غريبا
وأمثال هذا للمتقدمين كثير.
وأما إذا ابتدىء بالمديح أو بغيره من الأغراض فالأحسن أن يكون الابتداء دالاً على المعنى المقصود كما ابتدأ أبو الطيب المتنبي قصيدته التي مدح بها سيف الدولة واعتذر له عن ظفر الروم بجيشه وقتلهم وأسرهم جماعة منهم فقال:
غيري بأكثر هذا الناس ينخدع ... إن قاتلوا جبنوا وحدثوا شجعوا
فابتدأ بغرضه من أول القصيدة.
ومن الصحة التفسير وهو أن يذكر مؤلف الكلام معنى يحتاج إلى تفسيره فيأتي به على الصحة من غير زيادة ولا نقص كقول الفرزدق:
لقد جئت قوماً لو لجأت إليهم ... طربد دم أو حاملا ثقل مغرم
لألفيت فيهم معطيا ومطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج المقوم١
وهذا تفسير للأول موافق.
فأما فساد التفسير فكقول بعضهم:
وفيا أيها الحيران في ظلم الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغى من العدى
تعال إليه تلق من نور وجهه ... ضياء ومن كفيه بحراً من الندى
стр. 264
فإن هذا الشاعر لما قدم في البيت الأول الظلم وبغى العدى كان الوجه في التفسير أن يأتي في البيت الثاني بما يليق به فأتى بالضياء بإزاء الظلم وذلك صواب وكان يجب أن يأتي بازاء بغى العدى بالنصرة أو العصمة أو ما جرى مجرى ذلك فلما جعل مكانه ذكر الندى كان التفسير فاسداً. وأما كمال المعنى: وهو أن تستوفي الأحوال التي تتم بها صحته وتكمل جودته وذلك مثل قول نافع بن خليفة الغنوي:
رجال إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه لاذوا بالسيوف القواضب
فتمم المعنى بقوله: ويعطوه لأنه لو اقتصر على قوله إذا لم يقبل الحق منهم عاذوا بالسيوف كان المعنى ناقصاً.
ومن أمثلة ذلك في النثر قول بعضهم: فحلقت به أسباب الجلالة غير مستشعر فيها النخوة وترامت به أحوال الصرامة غير مستعمل معها السطوة هذا مع دماثة في غير حصر ولين جانب من غير خور. فكمل المعنى في هذا الكلام لأن من كمال الجلالة أن تزول عنها النخوة وكمال الصرامة أن تسلم من السطوة وتمام الدماثة أن تكون بغير حصر ولين الجانب أن يكون من غير خور ومن هذا الجنس قول عمر بن الخطاب ﵁ في الوالي: يجب أن يكون معه شدة في غير عنف ولين في غير ضعف.
وأما المبالغة في المعنى والغلو: فإن الناس مختلفون في حمد الغلو وذمه فمنهم من يختاره ويقول أحسن الشعر أكذبه ويستدل بقول النابغة وقد سئل من أشعر الناس فقال: من استجيد كذبه وأضحك رديئة.
وهذا هو مذهب اليونانيين في شعرهم. ومنهم من يكره الغلو والمبالغة التي تخرج إلى الإحالة ويختار ما قارب الحقيقة ودانى الصحة ويعيب قول أبي نواس:
стр. 265
وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق
لما في ذلك من الغلو والإفراط الخارج عن الحقيقة والذي أذهب إليه المذهب الأول في حمد المبالغة والغلو لأن الشعر مبنى على الجواز والتسمح لكن أرى أن يستعمل في ذلك كاد وما جرى في معناها ليكون الكلام أقرب إلى حيز الصحة كما قال أبو عبادة:
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا ... من الحسن حتى كاد أن يتكلما
وقال أبو الطيب:
يطمع الطير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع
فهذان البيتان تضمنا غلواً لكن لما جاءت فيهما كاد قربتهما إلى الصحة.
وأما المبالغة بغير كاد فكقول أبي العلاء وأحمد بن عبد الله بن سليمان:
ونبالة من بحتر لو تعمدوا ... بليل أناسي النواظر لم يخطوا١
وقول النمر يصف السيف:
تظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادي٢
وقول النابغة:
تقد السلوقي المضاعف نسجه ... ويوقدن بالصفاح نار الحباحب٣
стр. 266
وقول ابن هاني الأندلسي:
أمديرها من حيث دار لشد ما ... زاحمت تحت ركابه جبريلا
وأما استعمال الغلو الخارج إلى الإحالة في النثر فقليل وأكثر ما يستعمل فيه المبالغة التي تقارب الحقيقة كقول بعضهم: لهم جود كرام استعت أحوالها وبأس ليوث تتبعها أشبالها وهمم ملوك انفسحت آمالها وفخر صميم شرفت أعمامها وأخوالها فبالع لما جعل لهم جود الكرام مع اتساع الحال وبأس الليوث مع اتباع الأشبال وكذلك ما بعده من الكلام.
ومن المبالغة قول النابغة الذبياني:
وإنما كان هذا الاستثناء من المبالغة في المدح لأنه قد دل به على أنه لو كان فيهم عيب غيره لذكره وأنه لم يقصد إلا وصفهم بما فيهم على الحقيقة.
ومنه أيضاً قول أبي هفان:
ولا عيب فينا غير أن سماحنا ... أضر بنا والبأس من كل جانب
فأفنى الردى أعمارنا غير ظالم ... وأفنى الندى أموالنا غير عائب
أبونا أب لو كان للناس كلهم ... أباً واحداً أغناهم بالمناقب
ومنه قول النابغة الجعدي:
فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا
وأما التحزر مما يوجب الطعن: فأن يأتي بكلام لو استمر عليه لكان فيه طعن فيأتي بما يتحرز به من ذلك الطعن كقول طرفة:
стр. 267
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمى١
فلو لم يقل: غير مفسدها لظن به أنه يريد توالي المطر عليها وفي ذلك فساد للديار ومحو لرسومها كما عابوا قول ذي الرمة:
ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ... ولا زال منهلاً بجرعائك القطر
وقالوا: إذا لم يزل القطر منهلا عليها عفى آثارها ودرس معالمها فاحترز طرفة بقوله: غير ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ولأجل هذا الغرض قال الرضى ﵀ في وصف المطر المستسقى به القبر وذكر السحابة:
تجرى وذاك الرمس غير مروع ... منها وذاك الترب غير مثار
واستقبح قول أبي الطيب المتنبي في مثله:
لساحيه على الأجداث حفش ... كأيدي الخيل أبصرت المخالي٢
ومن الاحتراز أيضاً قول عبد الله بن المعتز بالله في صفة الخيل:
صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل
فإنه لو يقل: ظالمين لكان للمعترض عليه أن يقول: إنما
стр. 268
ضربت هذه الخيل لبطئها كما عابوا قول امرئ القيس:
فللزجر الهوب وللساق درة ... وللسوط منها وقع أخرج مهذب١
وقالوا: إذا أحوج إلى هذا كله فليس بسريع فقال عبد الله: ظالمين تحرزاً من هذا الطعن.
ومن هذا أيضا قول أبي عبادة:
أقمنا أكلنا أكل استلاب ... هناك وشربنا شرب بدار
وكأنه خاف أن يقال هذا الذي فعلتم سخف فقال:
وأما الاستدلال بالتمثيل: فإن يزيد في الكلام مغنى يدل على صحته بذكر مثال له نحو قول أبي العلاء:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر
فدل على أن الزيادة فيما يطلب ربما كانت سبباً للامتناع منه بتمثيل ذلك بالماء الذي لا يشرب لفرط برده وإن كان البرد فيه مطلوباً محمودا.
ومنه أيضاً قول أبي تمام:
أخرجتموه بكره من سجيته ... والنار قد تنتضي من ناضر السلم
стр. 269
وقوله:
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت ... أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
وقوله:
وكنا نرجيه على السخط والرضا ... وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع
وقول أبي عبادة:
ويحسن دلها والموت فيه ... وقد يستحسن السيف الصقيل
وقوله:
مواهب ما تكلفنا السؤال لها ... إن الغمام قليب ليس يحتفر١.
وأما قول أبى عبادة أيضاً:
ورجال جاروا خلائقك الغر ... وليست يلامق من دروع٢
فليس بتمثيل جيد لأن السبق في الجري لا يليق تمثيله بتفضيل الدروع على اليلامق وغنما كان يحسن ذلك لو قال: ورجال جاروك في كونهم عصمة لي أو جنة دوني أو ما جرى هذا المجرى.
فيكون تمثيل ذلك بالدروع واليلامق موافقاً فأما على الوجه الذي ذكره فإن ذلك من رديء الاستدلال بالتمثيل:
стр. 270
ومن الاستدلال بالتمثيل على الوجه الصحيح قول النابغة الذبياني يخاطب النعمان:
ولكنني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب
ملوك وإخوان إذا ما لقيتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا
فاستدل النابغة على أنه لا يستحق اللوم بمدحه آل جفنة وقد أحسنوا إليه بما مثله من القوم الذين أنعم النعمان عليهم فلما مدحوه لم يكونوا عنده ملومين.
وأما الاستدلال بالتعليل فكقول أبي الحسن التهامي:
لو لم يكن ريقته خمرة ... لما تثنى عطفه وهو صاح
وقوله:
لو لم يكن اقحواناً ثغر مبسمها ... ما كان يزداد طيباً ساعة السحر
وقول أبي عبادة:
ولو لم تكن ساخطاً لم أكن ... أذم الزمان وأشكو الخطوبا
وقول ابن هانئ الأندلس:
ولو لم تصافح رجلها صفحة الثرى ... لما كنت أدرى علة للتيمم
وقول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ١ جار هذا المجرى.
стр. 271
فهذا مبلغ ما نقوله في المعاني مما يستدل به على غيره لأن حصرها مما لا سبيل إليه على ما بيناه وقد قدمنا ذكره.
стр. 272
فصل في ذكر الأقوال الفاسدة في نقد الكلام
ذهب قوم من الرواة وأهل اللغة إلى تفضيل أشعار العرب المتقدمين على شعر كافة المحدثين ولم يجيزوا أن يلحقوا أحداً ممن تأخر زمانه بتلك الطبقة وإن كان عندهم محسنا واختلفوا في علة ذلك. فزعمت طائفة من جهالهم أن العلة فيه هي مجرد التقدم في الزمان واستمر في الترتيب فجعلوا الشعراء طبقات بحسب تواريخ أعصارهم. وقال قوم منهم: السبب في ذلك أن المتقدمين سبقوا إلى المعاني في أكثر الألفاظ المؤلفة وفتحوا طريق الشعر وسلك الناس فيه بعدهم وجروا على آثارهم فلهم فضيلة السبق التي لا توازيها فضيلة ولا توازنها مرتبة وإذا كان غيرهم قد استفاد منهم وأخذ ألفاظهم وأكثر معانيهم فلن يكون في الرتبة لأعقابهم وإذا كان مقصراً عنهم فشعره دون أشعارهم. وقالت طائفة أخرى: إن العلة في تفضيل أشعار المتقدمين على أشعار المحدثين أن هذه الأشعار المتقدمة كانت تقع من قائلها بالطبع من غير تكلف ولا تصنع والأشعار المحدثة تقع بتكلف وتعمل وما وقع بالطبع أفضل مما صدر عن التكلف.
قالوا: ولهذه العلة استدل بأشعار المتقدمين دون أشعار المحدثين واحتاج هؤلاء كلهم في نقد الشعر إلى معرفة قائله قبل أن يظهر لهم مذهب فيه حتى رووا عن ابن الأعرابي انه أنشد أرجوزة أبي تمام التي أولها:
وعاذل عذلته في عذله ... فظن أني جاهل من جهله
على إنها لبعض العرب فاستحسنها وأمر بعض أصحابه أن يكتبها له.
стр. 273
فلما فعل قال إنها لأبي تمام. فقال: خرق خرق فخرقها.
وعن لأصمعي أن إسحاق بن إبراهيم الموصلي أنشد:
هل إلى نظرة إليك سبيل ... فيروى الصدى ويشفى الغليل
إن ما قل منك يكثر عندي ... وكثير ممن يحب القليل
فقال له الأصمعي: لمن تنشدني فقال لبعض الأعراب فقال هذا والله هو الديباج الخسرواني قال: فإنهما لليلتهما قال: لا حرم والله إن آثار الصنعة والتكلف بين عليهما.
وذهب غير هؤلاء من أهل العلم بالشعر فقال: إن الطرق في نقد الشعر ما قدمناه من نعوت الألفاظ والمعاني فأما قائله وتقدم زمانه أو تأخره فلا تأثير له في ذلك لأن القديم كان محدثاً والمحدث سيصير قديما والتأليف على ما هو عليه لا يتغير وفي المحدثين من هو أشعر من جماعة من المتقدمين وفي المتقدمين من هو أشعر من جماعة من المحدثين. وإلى هذا كان يذهب أبو عثمان الجاحظ وأبو العباس المبرد وأبو عبادة البحتري وأبو العلاء بن سليمان آنفاً وهو الصحيح الذي لا يعترض العاقل فيه شك ولا شبهة وسنتكلم على ما تعلقت به تلك الطائفة من الشبه الفاسدة.
أما من ذهب إلى تفضيل المتقدم بمجرد تقدم زمانه فإنه لم يذهب في ذلك إلى علة غير مجرد الدعوى فلو قال له قائل: شعر المحدثين أفضل لتأخر زمانهم لم يكن بين القولين فرق ثم يقال له: ما عندك في امرئ القيس أهو عندك في الطبقة الأولى من الشعراء أم ليس في الطبقة الأولى فإن قال هو في الطبقة الأولى قيل له ولم وقد كان قبله جماعة من الشعراء معروفين أحدهم ابن حذام الذي قيل إنه أول من بكى على الديار وذكره امرؤ القيس في شعره فقال:
стр. 274
عوجا على الطلل المحيل لعلنا ... تبكى الديار كما بكى ابن خذام١
وإذا كان زمان امرئ القيس قد تأخر عن زمان جماعة من الشعراء فيجب تفضيلهم عليه لأنك قلت إنما يفضل بتقدم الزمان فقط. فإن قال ليس امرؤ القيس في الطبقة الأولى بل من كان قبله أشعر وأحق بالتقدم قيل أولاً إن هذا خلاف لكافة من يفضل أشعار المتقدمين على المحدثين لأنهم ما اختلفوا في أن امرأ في الطبقة الأولى.
ثم خبرنا عن الطبقة التي امرؤ القيس منها أعرفت أن مواليدهم في وقت واحد حتى قطعت على أنهم طبقة لنساويهم في زمان الوجود فاق قال نعم! كذب لأن في تلك الطبقة قوماً لم يلحق أحد منهم زمان الآخر وقد جعل الأعشى فيهم وهو بعد امرئ القيس بمدة طويلة وإن قال لا يراعى في تفضيل المتقدمين على المحدثين قليل الزمان وإنما المؤثر في ذلك الزمان الكثير. قيل له: فحبرن عن من بينه وبين الأعشى من الزمان مثل ما بين الأعشى وامرئ القيس أيجوز أن يجعل شعره في طبقة شعر الأعشى. فإن قال: لا قيل له ولم وأنت قد ألحقت الأعشى بامرئ القيس وبينهما مثل ذلك من الزمان واعتللت بأنه لا يؤثر. فكيف صار بعد الأعشى مؤثراً في إلحاق من بعده به. وإن قال: يجوز أن يجعل في طبقة الأعشى من كان بعده بمثل الزمان الذي بينه وبين امرؤ القيس. قيل: أيجوز أن يجعل في طبقة هذا الشاعر من كان بعده بمثل الزمان الذي بين الشاعر الأول والأعشى فإن قال لا يسأل عن السبب في ذلك. وقيل له ما قيل في الشاعر الأول ولا سبيل له إلى الفرق وإن قال نعم ألزم أن يكون شعر بعض شعرائنا اليوم في طبقة امرئ القيس بهذا الترتيب والنسق وأن يجعل الشعر في طبقة ما
стр. 275
هو قبله والأول في طبقة طبقة ما هو قبله حتى يكون بعض شعرائنا اليوم وامرؤ القيس في طبقة واحدة هذا خلاف ما يذهبون إليه.
ويقال له: خبرنا عنك لو أنك في زمان امرئ القيس ووقفت على شعره أكان رأيك فيه هو رأيك اليوم فإن قال نعم قيل له ولم وأنت إنما تختاره اليوم وتفضله بقدمه فإن كان في ذلك الوقت محدثاً عندك فحكمه حكم المحدث اليوم. وإن قال: بل كنت أذهب فيه إلى غير ما أذهب اليوم قيل له فهل تأليفه على ما كان عليه أم تغير عما كان عليه. فإن قال: تغير قيل فهو إذاً غير ما ألفه امرؤ القيس وهذا ما لا يقوله أحد وإن قال بل هو بحاله في الأكثر. قيل له: فيجب أن يكون بحاله على صفة ثم يصير هو بحاله على صفة أخرى من غير أن يزيد شيئاً ولا يعقل فيه غير ما يوجب ذلك وهذا خارج عن المعقول ومعدود في كلام أهل الوسواس.
وأما من ذهب إلى تفضيل أشعار المتقدمين من حيث سبقوا إلى المعاني والألفاظ ونزل الناس بعد على سكناتهم١ فإنه يقال له: هذا لو ثبت لدل على فضل المتقدمين على المحدثين ولم يدل على فضل شعر هؤلاء على هؤلاء لأنه ليس كل من كان أفضل وجب أن يكون شعره أحسن وهذا الخليل هو الغاية في الذكاء والفطنة بعلوم العرب وشعره في إنزال طبقة وكذلك غيره من العلماء بهذه اللغة والأمر في هذا واضح لا يحتاج إلى دليل.
ثم يقال له: ما تريد بالمعاني التي سبقوا إليها أتريد جميع معاني أشعار المحدثين أو بعضها فإن قال: جميعها قيل هذا جحد العيان لأن الأمر في تفرد المحدثين بمعان استبطوها لم تخطر للعرب المتقدمين على
стр. 276
بال أظهر من كل ظاهر وإن قال بعض المعاني. قيل: إن تلك المعاني التي سبق المتقدمون إليها وأخذها منهم المحدثون لا يخلو الأمر فيها من أن يكونوا نظموها بحالها أو زادوا عليها أو نقصوا منها فإن كانوا زادوا فلهم فضيلة الزيادة كما كان لاؤلئك فضيلة السبق وإن كانوا نقصوا فالمتقدمون في تلك المعاني خاصة أفضل منهم وإن كانوا نقلوها بحالها فتلك هي معاني المتقدمين لا يستحق المحدثون عليها حمداً ولا ذماً أكثر مما يجب في الأخذ والنقل. وهذا كله يرجع إلى الشعراء دون نفس الشعر لأن المعنى في نفسه لا يؤثر فيه أن يكون غريباً مخترعاً ولا منقولاً متداولاً ولا يغيره حال ناظمه المبتدئ المبتدع أو المحتذى المتبع وإنما هذا شئ يرجع إلى تفضيل السابق إلى المعنى على من أخذ منه.
فأما الألفاظ فإن كان يريد الألفاظ المفردة فتلك ليست لأحد والمحدث فيها والمتقدم واحد وإن كان يريد الألفاظ المؤلفة فإن المحدثين إذا أخذوا ألفاظاً قد ألفها ناظم قبلهم لم يؤثر فيها أخذهم لها حتى يقال إنها في شعر الأول أحسن منها في شعر الآخر بل تكون بمنزلة قصيدة شاعر ينتحلها آخر فلا يقال إن الانتحال أثر فيها.
فإن كان هذا واضحاً فمن أين يدل سبق المتقدمين إلى بعض المعاني على فضل أشعارهم على أشعار المحدثين الذين سبقوا إلى أضعاف تلك المعاني لولا عدم التوفيق وفرط الجهل.
وأما من ذهب إلى تفضيل أشعار المتقدمين على أشعار المحدثين من حيث كانوا لم يتكلفوا أشعارهم وإنما نظموها بالطبع والمحدثون بخلاف ذلك فإنه يقال له: ما الدليل على أن أشعار المتقدمين كانت تقع من غير تكلف. فإن قال بهذا جاءت الروايات عنهم قيل: الأمر بخلاف ذلك والمروى عن زهير بن أبي سلمى أنه عمل سبع قصائد
стр. 277
في سبع سنين وكان يسميها الحوليات ويقول خير الشعر الحولي المحكك والرواة كلهم مجمعون على هذا غير مختلفين فيه وإذا فضلوا شعر زهير قالوا: كان يختار الألفاظ ويجتهد في إحكام الصنعة. وإذا وصفوا الحطيئة شبهوا طريقته في الشعر بطريقة زهير ويروون زهيراً كان يعمل نصف البيت ويتعذر عليه كماله فيتمه كعب ابنه.
وهذا كله بمعزل عن الطبع وسهولة النظم ولو لم يدل على ذلك إلا قلة أشعارهم - فإن ديوان بعض هؤلاء المحدثين مثل أشعار جماعة من المتقدمين في الكثرة - لكفى ذلك في تكلفهم للشعر ونصبهم فيه.
ثم يقال له: خبرنا عن هذا التكلف الذي ذكرته أهو ببن موجود في الشعر أو غير بين موجود فيه فإن قال: ليس بموجود فيه قيل: فلا تفضل أشعار المتقدمين على أشعار المحدثين بشئ غير موجود فيها وإن قال بل هو موجود في أشعار المحدثين دون المتقدمين. قيل: أتذهب إلى أن التكلف موجود في جميع أشعارهم أو في بعضها فإن قال في جميعها كابر لأن من يزعم أن جميع أشعار المحدثين مع السهولة في أكثرها والتيسر متكلفة وجميع أشعار المتقدمين مع التوعر في أكثرها غير متكلفة فهو جاحد للضرورة لا تحسن مناظرته وإن قال: بعض أشعار المحدثين متكلفة وبعضها غير متكلف قيل: وكذلك أشعار المتقدمين فقد تساووا عندك في هذه القضية وبطل تفرد المحدثين بالتكلف الذي ذكرته.
فأما الاستشهاد بأشعار هؤلاء المتقدمين فقد بينا فيما مضى من هذا الكتاب سببه وقلنا أن تقدم الزمان غير موجب لذلك وإنما موجبه أن العرب الذين يتكلمون باللغة العربية ولا يخالطون أحداً ممن يتكلم بغير لغتهم هم الذين أقوالهم حجة في اللغة والعرب الذين خالطوا غيرهم من
стр. 278
العجم وفسدت لغاتهم بالمخالطة لا يستدل بكلامهم فلما كان العرب المتقدمون قبل الإسلام وفي الصدر الأول منه لا يخالطون في الأكثر غيرهم كانت أقوالهم في اللغة حجة ولما صاروا بالملك والدولة يخالطون غيرهم ويحضرون ويسكنون المدن لم يستدل بلغتهم. ولهذا السبب كان أبو عمرو بن العلاء يعيب جريراً والفرزدق بطول مقامهما في الحضر وأبطل الرواة الاحتجاج بشعر الكميت بن زيد والطرماح لأنهما كانا حضريين على هذا فلوم فرضنا اليوم أن في بعض القفار النائية عن العمارة قوماً من العرب لا يخالطون غيرهم وكانوا قد أخذوا اللغة عن مثلهم وكذلك إلى حين ابتداء الوضع لوجب أن يكون قولهم حجة كأقوال المتقدمين وإن كانوا محدثين. وإذا كان هذا مفهوماً فليس يوجب صحة الكلام بالعربية حسن النظم لأن ذلك لو وجب لكان كل عربي شاعراً والأمر بخلاف ذلك والشعراء من العرب المتقدمين بالإضافة إلى من ليس بشاعر جزء من ألوف ألوف.
وقد ذكرت في نقد الكلام أن لا يكون المعنى فاحشاً وعيب شعر أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن الحجاج بنا تضمنه من فحش المعاني وليس الأمر عندي على ذلك لأن صناعة التأليف في المعنى الفاحش مثل الصناعة في المعنى الجميل ويطلب في كل واحد منها صحة الغرض وسلامة الألفاظ على حد واحد وليس لكون المعنى في نفسه فاحشاً أو جميلا تأثير في الصناعة ولهذا ذهب قوم إلى استحسان المعنى الغريب وليس للأختراع في المعنى نفسه تأثير إلا كما للمتداول وقد أومأنا إلى هذا فيما تقدم وبينا أنه شئ لا يرجع إلى الشعراء دون المعاني والشبهة في مثل هذا ضعيفة جداً.
وذهب قوم أيضاً إلى حسن الترديد وهو أن يعلق الشاعر لفظة في البيت بمعنى ثم يرددها فيه بعينها ويعلقها بمعنى آخر كما قال زهير:
стр. 279
من يلق يوماً على علاته هرماً ... يلق السماحة منه والندي خلقاً
وقال أبو نواس:
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسته سراء
وهذا عندي لا تعلق له بالنقد لأن التأليف في هذا الترديد كسائر التأليف في الألفاظ التي لا يستحق به حمداً ولا ذماً ولا يكسبها حسناً ولا قبحا.
وقد صنف قوم في نقد الشعر رسائل ذكروا فيها أبواباً من الصناعة لا تخرج عما ذكرناه في كتابنا هذا إلا أنهم ربما جعلوا للمعنى الواحد عدة أسماء كالترصيع الذي يسمونة ترصيعاً وموازنة وتسميطا وتسجيعاً وهو كله يرجع إلى شئ واحد وإذا وقف على ما صنفوه في هذا الباب وجد الأمر فيما قلنا ظاهراً والتكرير بينا واضحا.
وقد يذهب كثير ممن يختار الشعر إلى تفضيل ما يوافق طباعه وغرضه ويذهب قوم إلى اختيار ما لم يتداول منه حتى يكون للوحشي الذي لم يشتهر مزية عندهم على المعروف المحفوظ ويخالفهم آخرون فيختارون ساير الشعر على خاملة ومشهورة على مجهولة ويستحسن قوم الشعر لأجل قائله فيختارون أشعاره السادات والشارف ورؤساء الحروب ومن يوافقهم في النحلة والمذهب ويمت إليهم بالمودة أو النسب وهذه كلها أقوال صادرة عن الهوى ومقصورة على محض الدعوى من غير دليل يعضدها ولا حجة تنصرها والطريق الذي يؤدى إلى المقصود من معرفة المختار الألفاظ والمعاني هو ما ذكرناه ونبهنا عليه ومن تأمله علم الإصابة فيه بمشيئة الله وعونه.
стр. 280
فصل في ذكر الفرق بين المنظوم والمنثور وما يقال في تفضيل أحدهما على الآخر .
أما حد النثر: فهو حد الكلام الذي ذكرناه في هذا الكتاب وأما حد الشعر فهو كلام موزون مقفى يدل على معنى وقلنا: كلام ليدل على جنسه. وقلنا: موزون لنفرق بينه وبين الكلام المنثور الذي ليس بموزون وقلنا: مقفى لنفرق بينه وبين المؤلف الموزون الذي لا قوافي له. وقلنا: يدل على معنى لنحترز من المؤلف بالقوافي الموزون الذي لا يدل على معنى.
وسمى شعراً من قولهم شعرت بمعنى فطنت والشعر الفطنة كأن الشاعر عندهم قد فطن لتأليف الكلام وإذا كان هذا مفهوماً ما فأ قل ما يقع عليه اسم الشعر بيتان لأن التقفية لا تمكن في أقل منهما ولا تصح في البيت الواحد لأنها مأخذوة من قفوت الشيء إذا تلوته وقد ذهب العروضيون إلى أن أقل ما يطلق عليه اسم الشعر ثلاث أبيات وليس الأمر على ما ذهبوا إليه لأن الحد الصحيح قد ذكرناه وهو يدل على أن البيتين شعر فأما اعتلال بعضهم بأن البيتين قد يتفقان في كلام لا يقصده قائله الشعر ولا يتفق ثلاثة أبيات فيما لا يقصد مؤلفه الشعر فاعتلال فاسد لأنه إن كان يريد بالبيتين مثل قول امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما سنجته من جنوب وشمأل١
стр. 281
فذلك لا يتفق إلا في كلام يقصد به الشعر وإن كان يريد بالبيتين مثل ما استشهد به من قول العامة: زمارة مليحة بقطعة صحيحة فقد يتفق من هذا الجنس ثلاثة أبيات في كلام لا يقصد به الشعر فالذي ذكره دعوى لا دليل عليها.
وإذا كان هذا بيناً فالفرق بين الشعر والنثر بالوزن على كل حال وبالتفقية إن لم يكن المنثور مسجوعاً على طريق القوافي الشعرية والوزن هو التأليف الذي يشهد الذوق بصحته أو العروض. أما الذوق فلأمر يرجع إلى الحس وأما العروض فلأنه قد حصر فيه جميع ما عملت العرب عليه من الأوزان فمتى عمل شاعر شيئاً لا يشهد بصحته الذوق وكانت العرب قد عملت مثله جاز له ذلك كما ساغ له أن يتكلم بلغتهم. فأما إذا خرج عن الحسن وأوزان العرب فليس بصحيح ولا جائز لأنه لا يرجع إلى أمر يسوغه والذوق مقدم على العروض فكل ما صح فيه لم يلتفت إلى العروض في جوازه ولكن قد يفسد فيه بعض ما يصح بالعروض على المعنى الذي ذكرناه كالزحافات المروية في أشعار العرب المذكورة في كتب العروض وهو الأصل الذي عملت العرب الأول عليه. وإنما العروض استقراء للأوزان حدث بعد ذلك بزمان طويل.
وأما التفضيل بين النظم والنثر فالذي يصلح أن يقوله من يفضل النظم أن الوزن يحسن الشعر ويحصل للكلام به من الرونق ما لا يكون للكلام المنثور ويحدث عليه من الطرب في إمكان التلحين والغناء به ما لا يكون للكلام المنثور ولهذه العلة ساغ حفظه أكثر من حفظ المنثور حتى لو اعتبرت أكثر الناس لم تجد فيهم من يحفظ فصلاً من رسالة غير القليل ولا يجد فيهم من لا يحفظ البيت أو القطعة إلا اليسير ولولا ما انفرد به من الوزن الذي تميل إليه النفوس بالطبع لم يكن لذلك وجه ولا سبب.
стр. 282
ونقول إن الشعر يدخل في جميع الأغراض كالنسيب والمديح والذم والوصف والعتب والنثر لا يدخل في جميع ذلك فإن التشبيب لا يحسن في غير الشعر وكذلك غيره من الأغراض وما صلح لجميع ضروب الكلام وصنوفه أفضل مما اقتصر على بعضه.
وأما الذي نقوله من تفضيل النثر على النظم: فهو أن النثر يعلم فيه أمور لا تعلم في النظم كالمعرفة بالمخاطبات وبينة الكتب والعهود والتقليدات وأمور تقع بين الرؤساء والملوك يعرف بها الكاتب أمورهم ويطلع على خفي أسرارهم وأن الحاجة إلى صناعة الكتابة ماسة والانتفاع بها في الأغراض ظاهر. والشعر فضل يستغنى عنه ولا تقود ضرورة إليه وأن منزلة الشاعر إذا زادت وتسامت لم ينل بها قدراً عالياً ولا ذكراً جميلان والكاتب ينال بالكتابة الوزارة فما دونها من رتب الرياسة وصناعة تبلغ بها إلى الدرجة الرفيعة أشرف من صناعة لا توصل صاحبها إلى ذلك وأن أكثر النظم إذا كشف وجد لا يعبر عن جد ولا يترجم عن حق وإنما الحذق فيه الإفراط في الكذب والغلو في المبالغة وأكثر النثر شرح أمور متيقنة وأحوال مشاهدة وكثر فيه الجد والتحقيق أفضل مما كثر فيه المحال والتقريب وقد يتسع الكلام فيما لا يخرج عن هذا الفن وهذه الجملة كافية في مثل هذا الموضع.
стр. 283
فصل فيما يحتاج مؤلف الكلام إلى معرفته
الذي يحتاج مؤلف الكلام إليه من معرفة اللغة التي هي لغة العرب قدر ما يعرف كل شئ باسمه الذي وضعته له. ويجب أن يكون ذلك
стр. 284
الاسم أفصح أسمائه إن كانت له عدة أسماء وقد بينا الطريق إلى معرفة الفصيح فيما مضى من كتابنا هذا فإذا عرف ما ذكرته من اللغة احتاج إلى معرفة ما يتصرف ذلك الاسم عليه من جمع وتثنية وتذكير وتأنيث وتصغير وترخيم ليورده على جميع ما يتصرف فيه صحيحا غير فاسد ولهذا افتقر إلى علم النحو وسأذكر قدر ما يحتاج منه فإذا علم ما أشرت إليه افتقر إلى معرفة عدة أسماء لما يقع استعماله في النظم والنثر كثيراً ليجد إذا ضاق به موضع أو حظر عليه وزن إيراد اسم العدول إلى غيره.
ويحتاج في علم النحو إلى معرفة أعراب ما يقع له في التأليف حتى لا يذكر لفظة إلا موضوعة حيث وضعتها العرب من إعراب أو بناء على حسب ما وردت عنهم وليس لأحد أن يظن أن هذا هو معرفة النحو كله والاشتمال على جميع علمه لأن الكثير من النحو علم تقدير مسائل لا تقع اتفاقا في النظم ولا في النثر وكذلك التصرف من علم النحو لا يكاد مؤلف الكلام يحتاج إلا إلى الشئ اليسير منه فأما أن يكثر منه حتى يسوغ له أن يبنى من الدال في قد مثل عصفور وغير ذلك من مسائل قد وضعت في هذا الجبس فما لا أرى النحوي يفتقر إلى معرفته فضلا عن غيره.
ويحتاج الشاعر خاصة إلى معرفة الخمسة عشر بحرا التي ذكرها الخليل ابن أحمد وما يجوز فيها من الزحاف ولست أوجب عليه المعرفة بها ولينظم بعلمه فإن النظم مبنى على الذوق ولو نظم بتقطيع الأفاعيل جاء شعره متكلفاً غير مرضى وإنما أريد له معرفة ما ذكرته من العروض لأن الذوق ينبو عن بعض الزحافات وهو جائز في العروض وقد ورد للعرب مثله فلولا علم العروض لم يفرق بين ما يجوز من ذلك وبين ما لا يجوز.
стр. 285
يفتقر أيضاً من العلم بالقوافي إلى معرفة الحروف والحركات التي يلزم إعادتها وما يصلح أن يكون روياً أو ردفاً مما لا يصح. ويحتاج أيضاً إلى معرفة المشهور من أخبار العرب وأحاديثها وأنسابها وأمثالها ومنازلها وسيرها وصفة الحروب التي كانت لها وما له قصة مشهورة وحديث مأثور فإنه قد يفتقر في النظم إلى ذكر شئ منه ويكون للمعنى به تعلق شديد وإذا ورد استحسن.
ويحتاج الكاتب إلى جميع هذا أيضاً ويختص بما يفتقر إليه من معرفة المخاطبات وفنون المكاتبات والتوقيعات ورسوم التقليدات مع الاطلاع على كتاب الله تعالى وشريعته وحديث رسول الله ﷺ وسنته فإنه مدفوع إلى تقليد الولاة وعهود القضاة والتوقيعات في المظالم والمكاتبة في ضروب الحوادث.
وبالجملة أن مؤلف الكلام لو عرف حقيقة كل علم واطلع على كل صناعة لأثر ذلك في تأليفه ومعانيه وألفاظه لأنه يدفع إلى أشياء يصفها فإذا خبر كل شئ وتحققه كان وصفه له أسهل ونعته أمكن إلا أن المقصود في هذا الموضع بيان ما لا يسعه جهله دون ما إذا علمه أثر عنده علمه فإن ذلك لا يقف على غاية.
والوصية لهما لهما ترك التكلف والاسترسال مع الطبع وفرط التحرز وسوء الظن بالنفس ومشاورة أهل المعرفة وبغض الإكثار والإطالة وتجنب الإسهاب في فن واحد من فنون الصناعة فإن كلام الإنسان ترجمان عقله ومعيار فهمه وعنوان حسه والدليل على كل أمر لولاه لخفي منه وبحسب ذلك يحتاج إلى فضل التثقيف واجتماع اللب عند النظم والتأليف.
وإذ قد انتهى بنا القول إلى هذا الموضع فالواجب أن نختم الكتاب.