والوجه الأيدي.
ومن ذلك قول النجاشي:
قلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك أسقني أن كان ماؤك ذا فضل
أراد ولكن اسقني وقال الآخر:
أو معبر الظهر ينبي عن وليته ... ما حج ربه في الدنيا ولا اعتمرا١
يريد ما حج ربه. وقال مالك بن حريم الهمداني:
فإن يك غثاً أو سميناً فانني ... سأجعل عينيه لنفسه مقنعا
يريد لنفسه. وقال أبو الطيب المتنبي:
تعثرت به في الأفواه ألسنها ... والبرد في الطرق والأقلام في الكتب٢
وقد يكون على وجه الزيادة في الكلمة مثل أن يشبع الحركة فيها فتصير حرفا كما قال:
وأنت على الغواية حين ترمى ... وعن عيب الرجال بمنتزاح٣
أي بمنتزح. وقال غيره:
стр. 72
وانني حيثما يسرى الهوى بصري ... من حيث ما نظروا أدنوا فانظور١
يريد أدنو فانظر. وقال الآخر:
تنفي يداها الحصا في كل هاجرة ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف٢
يريد الدراهم والصيارف.
وقد يكون إيراد الكلمة على الوجه الشاذ القليل وهو أردأ اللغات فيها لشذوذه.
والكثير أبداً خفيف كما يقول النحويون في خفة الأسماء لكثرتها. ومن هذا قول البحتري:
متحيرين فباهت متعجب ... مما يرى أو ناظر متأمل
فقوله باهت لغة رديئة شاذة. والعربي المستعمل بهت الرجل يبهت فهو مبهوت ومنه قول المتنبي:
وإذا الفتى طرح الكلام معرضاً ... في مجلس أخذ الكلام اللذعنا٣
فإن اللذ في الذي لغة شاذة قليلة. ومنه قوله أيضاً:
ايفطمه التوراب قبل فطامه ... ويأكله قبل البلوغ إلى الأكل٤
فالتوراب لغة في التراب شاذة غير كثيرة.
стр. 73
وقد يكون لأن الكلمة بخلاف الصيغة في الجمع أو غيره كما قال الطرماح:
وأكره أن يعيب على قومي ... هجاي الأرذلين ذوي الحنات
فجمع إحنة على غير الجمع الصحيح لأنها إحنة وإحن ولا يقال حنات.
وقد روى أبو بصير أن عبد الملك بن قريب الأصمعي قال: كنا نظن أن الطرماح شيء حتى سمعنا قوله هذا البيت. وكما قال الآخر:
من نسج داود أبي سلام
يريد أبا سليمان.
ومن هذا الفصل أيضا أن يبدل حرف من حروف الكلمة بغيره كما قال الشاعر هو رجل من بني يشكر:
لها أسارير من لحم متمرة ... من الثعالي ووخز من أرانيها١
يريد من الثعالب وأرانبها. وقال الآخر:
ومنهل ليس له حوازق ... ولضفادي جمة نقانق
يريد ولضفادع.
ومنه أيضا إظهار التضعيف في الكلمة مثل قول الشاعر: هو قعنب بن أم صاحب٢
стр. 74
مهلا أعاذل قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوام وأن ضننوا
وأما صرف ما لا ينصرف كقول حسان بن ثابت:
وجبريل أمين الله فينا ... وروح القدس ليس له كفآء
ومنع الصرف مما ينصرف كما أنشدوا قول العباس بن مرداس:
وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان كرداس في مجمع
وكما قال البحتري:
هزج الصهيل كأن في نغماته ... نبرات معبد في الثقيل الأول
فمنعا الصرف عن مرداس ومعبد.
وقصر الممدود كقول الآخر:
والقارح العدا وكل طمرة ... ما إن تنال يد الطويل قذالها١
ومد المقصور على ما روى بعضهم:
سيغنيني الذي أغناك عني ... فلا فقر يدوم ولا غناء
وحذف الأعراب للضرورة مثل قول امرىء القيس بن حجر:
فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل
وتأنيث المذكر على بعض التأويل كقول الشاعر:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم
стр. 75
وتذكير المؤنث كما قال الآخر: هو عامر بن جوين الطائي:
فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها
فإن هذا وأشباهه وما يجري مجراه وإن لم يؤثر في فصاحة الكلمة كبير تأثير فإنني أوثر صيانتها عنه لأن الفصاحة تنبىء عن اختيار الكلمة وحسنها وطلاوتها. ولها من هذه الأمور صفة نقص فيجب اطراحها. على أن ما ذكرته يختلف قبحه في بعض المواضع دون بعض على قدر التأويل فيه وحكمه.
فأما إدخال الألف واللام على الفعل في نحو قول الشاعر١:
يقول الخنا وأبغض العجم ناطقا ... إلى ربنا صوت الحمار اليجدع
وتشديد الكلمة المخففة مثل قول الشاعر:
كأن مهواها على الكلكل٢
وقول الآخر: هو رؤبة:
ضخم يحب الخلق الأضخما
وتحريك الياء التي تقع قبلها كسرة في الرفع والجر مثل قول الشاعر:
ما إن رأيت ولا أرى في مدتي ... كجواري يلعبن في الصحراء
فإن هذا كله داخل في باب الزيادة التي ذكرناها وأشرنا إليها وهي مكروهة على ما تقدم.
стр. 76
والسادس: أن لا تكون الكلمة قد عبر بها عن أمر آخر يكره ذكره فإذا أوردت وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت وأن كملت فيها الصفات التي بيناها. ومثال هذا قول عروة بن الورد العبسي:
قلت لقوم في الكنيف تروحوا ... عشية بتنا عند ما وان رزح١
والكنيف أصله الساتر ومنه قيل للترس كنيف غير أنه قد استعمل في الآبار التي تستر الحدث وشهرتها. فأنا أكرهه في شعر عروة وإن كان ورد موردا صحيحاً لموافقة هذا العرف الطارىء.
على أن لعروة عذراً وهو جواز أن يكون هذا الاستعمال حدث بعده. بل لا أشك أنه كذلك لأن العرب أهل الوبر لم يكونوا يعرفون هذه الآبار. فهو وأن كان معذوراً وغير ملوم فبيته مما يصح التمثيل به.
ومنه عندي قول الشريف الرضي ﵀:
أعزز على بان أراك وقد خلت ... من جانبيك مقاعد العواد
فإيراد مقاعد في هذا البيت صحيح لأنه موافق لما يكره ذكره في مثل هذا الشان. لا سيما وقد أضافه إلى من يحتمل اضافته إليهم وهم العواد. ولو انفرد كان الأمر فيه سهلا. فأما أضافته إلى ما ذكره ففيها قبح لاخفاء به.
ومن هذا النحو قول أبي تمام:
متفجر نادمته فكأنني ... للدلو أو للمرزمين نديم٢
стр. 77
فالدلو ها هنا أحد البروج ولا أختاره لموافقته اسم الدلو المعروف.
وأنت تجد بأقرب تأمل فرق ما بين قول القائل لمن يمدحه: أنت المرزم جودا والجنة لمن تقصده الأيام عزا. وبين قوله: أنت الدلو كرماً والكنيف لطريد الدهر سعة. والمعنيان صحيحان.
وحسن أحدهما وقبح الآخر ظاهر لإخفاء به. ولولا ما ذكرته ونبهت عليه لم يكن لذلك وجه ولا علة.
ومن هذا أيضاً قول أبي صخر الهذلي:
قد كان صرم في الممات لنا ... فعجلت قبل الموت بالصرم١
وإنما أنكرت هذا لموافقته أيراد العامة هذه اللفظة على هذه الصيغة بالصاد فيما هي بالسين فكان ايثاري تجنبها لذلك.
فأما قول عمرو: ٢
وكم من غائط من دون سلمى ... قليل الأنس ليس به كتيع
فجار هذا المجرى.
والغائط البطن من الأرض إلا أنه يستعمل الآن في الحدث على ذلك الأصل. فذكره قبيح على ما تقدم. لكن عمرو معذور كعروة لأنه على ما ذكر وعرف حدث. فلعل عمراً قبله.
ومما يوضح ما ذكرته لك ويبينه أنك تجد تصرم في قول أبي عبادة:
стр. 78
تصرم الدهر لا وصل فيطمعني ... فيما لديك ولا يأس فيسليني
مختارا مرضياً. وكذلك يتصرم في الشعر المنسوب إلى يزيد بن معاوية وهو:
خذوا بنصيب من نعيم ولذة ... فكل وإن طال المدى يتصرم
ولا يقبحان لمخالفتهما الأسم الذي ذكرته في اللفظ. وهو قبيح في بيت الهذلي للموافقة لا على غير ما أعلمتك به.
ومنه أيضاً قول أبي تمام:
وعزائماً في الروع معتصمية ... ميمونة الأدبار والإقبال
فالإدبار من الألفاظ المكروهة لما ذكرته.
وكذلك قوله:
يضحكن من أسف الشباب المدبر ... يبكين من ضحكات شيب مقمر
لأن المدبر ها هنا مثل الأدبار في البيت الأول والكلمة الفصيحة غيرهما على ما بين.
ومنه قول الشريف الرضي ﵀:
سلام على الأطلال لا عن جنابة ... ولكن بأسا حين لم يبق مطمع
فإن جنابة هنا لفظة غير مرضية للوجه الذي ذكرته وأن كانت لولا ذلك فصيحة مختارة لخلوها من العيوب غيره.
والسابع: مما قدمناه أن تكون الكلمة معتدلة غير كثيرة الحروف
стр. 79
فإنها متى زادت على الأمثلة المعتادة المعروفة قبحت وخرجت عن وجه من وجوه الفصاحة.
ومن ذلك قول أبي نصر بن نباته:
فإياكم أن تكشفوا عن رؤوسكم ... ألا أن مغناطيسهن الذوائب
فمغناطيسهن كلمة غير مرضية لما ذكرته وأن كان فيها أيضاً عيوب أخر مما قدمناه.
ومن هذا النوع أيضاً قول أبي تمام:
فلأ ذربيجان اختيال بعد ما ... كانت معرس عبرة ونكال
سمجت ونبهنا على استسماجها ... ما حولها من نضرة وجمال
فقوله: فلأذربيجان كلمة رديئة لطولها وكثرة حروفها وهي غير عربية ولكن هذا وجه قبحها.
وكذلك قوله في البيت الثاني: أستسماجها رديء لكثرة الحروف وخروج الكلمة بذلك عن المعتاد في الألفاظ إلى الشاذ النادر.
ونحو من هذا قول أبي الطيب المتنبي:
إن الكريم بلا كرام منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها
فسويدا واتها كلمة طويلة جدا فلذلك لا أختارها
ومنه أيضا قول أبي تمام:
أنله باستماعكه محلا ... يفوت علوه الطرف الطموحا
فليس بقبح قوله: باستماعكه خفاء لكثرة الحروف على ما ذكرناه لا غير.
стр. 80
وكذلك قوله أيضاً:
العيس تعلم أن حوباواتها ... ربح إذا بلغتك أن لم تنحر١
وحوباواتها كلمة طويلة.
ومنه قوله أيضاً: وليس في كل الروايات:
وإلى محمد ابتعثت قصائدي ... ورفعت للمستنشدين لوائي
فالمستنشدين كلمة كثيرة الحروف على ما تراه. وهذا قد يستدل به على غيره وأن امثاله كثيرة.
والثامن: أن تكون الكلمة مصغرة في موضع عبر بها فيه عن شيء لطيف أو خفي أو قليل أو ما يجري مجرى ذلك. فإني أراها تحسن به ويجب ذكره في الأقسام المفصلة ولعل ذلك لموقع الاحصار بالتصغير ومثال ذلك قول الشريف الرضي ﵀:
يولع الطل بردينا وقد نسمت ... رويحة الفجر بين الضال والسلم٢
فلما كانت الريح المقصودة هناك نسيما مريضاً ضعيفاً حسنت العبارة عنه بالتصغير وكان للكلمة طلاوة وعذوبة.
ومثاله أيضا قول أبي العلاء صاعد بن عيسى الكاتب:
إذا لاح من برق العقيق وميضة ... تدق على لمح العيون الشوائم
стр. 81
أفلا تراه لما أراد أنها خفية تدق على من ينظرها حسن التصغير في العبارة عنها.
وكذلك قول شيخنا أبي العلاء بن سليمان:
إذا شربت رأيت الماء فيها ... أزيرق ليس يستره الجران١
لما كان ماء قليلا يلوح ودونه حائل من أعناق الإبل وساتر على كل حال حسن وروده مصغراً.
وكذلك قول الرضى ﵀:
زال وأبقي عند ورائه ... جذيم مال عرقته الحقوق
فصغر لما أراد القلة.
وأما قول المخزومي:
وغاب قمير كنت أرجو طلوعه ... وروح رعيان ونوم سمر
فإنما جعله قميراً لأنه كان هلالا غير كامل ويمكن الدلالة على ذلك بقوله: إنه غاب في أول الليل وقت نوم السمر والقمر إذا كان هلالا غاب في ذلك الوقت بلا شك. وهذا تصغير مختار في موضعه فأما الأسماء التي لم ينطق بها إلا مصغرة كاللجين والثريا وما أشبههما فليس للتصغير فيهما حسن يذكر لأنه غير مقصود به ما قدمناه ولذلك لا أختار التصغير في قول أبي الطيب:
стр. 82
إذا عذلوا فيها أجبت بأنة ... حبيبتا قلبي فؤادي هيا جمل١
لأنه عار من الوجه الذي ذكرته. فأما ما يذهب إليه من التصغير بمعنى التعظيم في مثل قول الشاعر:
وكل أناس سوف يدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل
فقد حكى أن أبا العباس المبرد كان ينكره ويزعم أن التصغير في كلام العرب لم يدخل إلا لنفي التعظيم ويتأول دويهية وما يجري مجراها بأن يقول أراد خفاءها في الدخول فصغرها لهذا الوجه وهو ضد التعظيم المذكور ويقوى عندي ما ذهب إليه أبو العباس المبرد أنهم إذا وضعوا التصغير أمارة للتحقير والتعظيم معاً فقد زالت الفائدة به ولم يكن دليلا على واحد منهما بل يرجع إلى المقصود باللفظة ويلتمس بيان ذلك من جهة المعنى دون اللفظ فليس للتصغير تأثير. وعلى كلا القولين فليس التصغير عندي وجهاً من وجوه الفصاحة إلا في الموضع الذي ذكرته دون ما يسمونه تصغيراً في التعظيم وعلى هذا أحمل قول المتنبي:
أحاد أم سداس في أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتناد
فلا أختار التصغير في لييلتنا لأنه تصغير تعظيم وليس على الوجه الذي ذكرته.
فأما قول أبي نصر بن نباتة يصف الحية:
ففي الهضبة الحمراء إن كنت ساريا ... أغيبر يأوي في صدوع الشواهق
فإن تصغيره ها هنا مرضى على ما ذكرته لأن الحية توصف بأنها لا تغتذي إلا بالتراب قد جف لحمها وذهبت الرطوبة منها ألا ترى إلى قول النابغة:
стр. 83
فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع
فوصفها بأنها ضئيلة لما ذكرته:
وأما قول أبي الطيب:
ظللت بين أصيحابي أكفكفه ... وظل يسفح بين العذر والعذل ١
فالتصغير فيه مختار لأن العادة جارية في قلة عدد من يصحب الإنسان في مثل هذه المواضع ولهذا كانوا في الأكثر ثلاثة. وجرى ذكر الصاحبين والخليلين في الشعر كثيراً لهذا السبب كما قال امرؤ القيس:
خليلي مر أبي على أم جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذب
وقال أبو نصر بن نباتة:
قفا قاقضياني لذة من حديثه ... علانية إن السرار مريب
وأمثال هذا يعرفها كل أحد وهي أكثر من أن يحاط بها أو تحصى.
فهذه الأقسام الثمانية هي جملة ما يحتاج إلى معرفته في اللفظة لمفردة بغير تأليف فتأملها وقس عليها ما يرد عليك من الألفاظ فإنك تعلم الفصيح منها من غيره إن شاء الله تعالى.
стр. 84
الكلام في الألفاظ المؤلفة .
وإذ كنا قد تكلمنا على الكلمة المفردة وقلنا فيها ما يستدل به على غيره فلنذكر الآن ما يحضرنا من القول في الكلام المؤلف وهم القسم الثاني ما ابتدأنا بذكره أولاً ونقول قبل ذلك:
стр. 85
إن كل صناعة من الصناعات فكمالها بخمسة أشياء على ما ذكره الحكماء الموضوع وهو الخشب في صناعة النجارة والصانع وهو النجار والصورة وهي كالتربيع المخصوص إن كان المصنوع كرسياً والآلة مثل الميشار والقدوم وما يجري مجراهما والغرض وهو أن يقصد على هذا المثال الجلوس فوق ما يصنعه.
وإذا كان الأمر على هذا ولا تمكن المنازعة فيه وكان تأليف الكلام المخصوص صناعة وجب أن نعتبر فيها هذه الأقسام. فنقول:
إن الموضوع هو الكلام المؤلف من الأصوات على ما قدمته. وقد ذكرت فيه ما يقنع طالب هذا العلم وشرحت من حال اللفظة بانفرادها وما يحسن فيها ويقبح ما اعتمدت في تلخيصه وإيضاحه على أنني لم أرجع فيه إلى كتاب مؤلف ولا قول يروى ولا وجدت ما ذكرته مجموعا في مكان وإنما عرفته بالدربة وتأمل أشعار الناس وما نبه أهل العلم في أثباتها ولهذا لست أدعي السلامة من الخلل ولا العصمة من الزلل وأعترف بالتقصير وأسأل من ينظر في كتابي هذا بسط عذري والصفح عما لعله يثيره مسلكا صعبا وألفت منه تأليفاً مقتضباً يجب على المنصف الإعراض عما يجدني أشير إلى التجاوز عنه والتغمد له١.
فأما الصانع المؤلف فهو الذي ينظم الكلام بعضه مع بعض كالشاعر والكاتب وغيرهما وسأذكر بعون الله في موضع من هذا الكتاب ما يفتقر المؤلف إلى معرفته ويحتاج إلى علمه.
وأما الصورة فهي كالفصل للكاتب والبيت للشاعر وما جرى مجراهما.
стр. 86
وأما الآلة فأقرب ما قيل فيها إنها طبع هذا الناظم والعلوم التي اكتسبها بعد ذلك ولهذا لا يمكن أحداً أن يعلم الشعر من لا طبع له وإن جهد في ذلك لأن الآلة التي يتوصل بها غير مقدورة لمخلوق. ويمكن تعلم سائر الصناعات لوجود كل ما يحتاج إليه من آلاتها.
وأما الغرض فبحسب الكلام المؤلف فإن كان مدحاً كان الغرض به قولا ينبئ عن عظم حال الممدوح وإن كان هجوا فبالضد وعلى هذا القياس كل ما يؤلف وإن تألمته وجدته كذلك.
وقد ذهب أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب١ إلى أن المعاني في صناعة تعلم الكلام موضوع لهل وذكر ذلك في كتابه الموسوم بنقد الشعر وقال في كتابه في الخراج وصناعة الكتابة عند كلامه على البلاغة إن اللغة تجرى مجرى الموضوع لصناعة البلاغة وهذان القولان على ما تراه مختلفان والصحيح منهما ما قدمناه وذكره في كتاب الخراج. ويجب أن يقال له إذا ذهب إلى أن المعاني هي الموضوع خبرنا عن الألفاظ التي أخذها هذا الصانع المؤلف فألفها إذا لم تكن عندك موضوعاً لصناعة فما منزلتها من الأقسام التي اعتبرها الحكماء في كل صناعة والتأمل قاض بصحتها ونحن نرى الألفاظ تأثيرها في هذه الصناعة التي كلامنا عليها تأثير بين الحسن والقبح ولا يجوز أن تكون مع هذه العلقة الوكيدة عرية منها فإن قلت إنها الآلة قلنا لك وأي صناعة من الصناعات تصاحبها الآلة بعد فراغ الصانع منها حتى تصير أصلا والمصنوع تابعاً لها فإنا نجد الألفاظ على هذه الصفة فبطل هذا الوجه أن يكون آلة وفساد أن تكون الألفاظ هي الصانع المؤلف أو
стр. 87
الصورة المصنوعة أو العرض المقصود ظاهر لا يخفى على أحد فمتى أخرجت الألفاظ من أن تكون موضوعاً لصناعة التأليف أخرجتها من جملة الأقسام المعتبرة في كل صناعة ونحن نجد تعلقها ظاهراً. فإن قال لنا ما تقول انتم في المعاني مع أن علقتها أيضاً وكيدة قلنا المعاني وتأليف الألفاظ هي صناعة هذا الصانع التي أظهرها في الموضوع وهي التي تكمل الأقسام المذكورة فأما الألفاظ فليست من عمله وإنما له منها تأليف بعضها مع بعض حسب وقد وقفت في بعض المواضع على كلام في هذه الصناعة لا أعلم الآن صاحبه قدامة أو غيره - لأني قد أنسيت الكتاب الذي وجدته فيه - يدل على أن الألفاظ موضوع كما قلنا إلا أنه يدعي أن الناظم متى ألف لفظة رديئة فليس ذلك بعيب عليه كما أن النجار إذا صنع كرسياً من خشب رديء فليس بعيب في صناعته وقد أحكمها كون الموضع الذي هو الخشب رديئاً. وهذا الذي ذكره هذا القائل فاسد وذلك أن النجار يعاب إذا كان قليل البصيرة بموضوع صناعته ولو تمكن من عمل ذلك الكرسي الذي مثل به من خشب مرضى فعدل عنه إلى خشب رديء جهلا منه بالمختار من هذا الجنس كان معيباً عند أهل صناعته. وإنما يتوجه له العذر إذا سلم إليه خشب رديء لتظهر صناعته فيه فإنه عند ذلك لا يعاب لأجل الخشب فأما ناظم الكلام فقادر على اختيار موضوعه غير محظور عليه تأليف ما يؤثره منه فمتى عدل عن ذلك جهلا أو تسمحاً توجه الإنكار واللوم عليه وكان أهلاً له وجديراً به: على أن كلامنا في الصورة نفسها ولا شبهة في قبح صورة الكرسي المصنوع من رديء الخشب وإن كان النجار قد أحكم عمله.
ومع هذا البيان كله فالفصاحة عبارة عن حسن التأليف في الموضوع المختار فإذا كنت قد ذكرت الموضع والوجه في اختياره وعلى أي
стр. 88
صفة يكون المرضى منه والمكروه بما فيه مقنع وكفاية ثم شرعت الآن في الكلام على التأليف بحسب ذلك وبينت منه الوجوه التي بها يحسن أو يقبح كان الكلام على التأليف بحسب ذلك وبينت منه الوجوه التي بها يحسن أو يقبح كان الكلام في معرفة الفصاحة وحقيقتها واضحاً جلياً وأمكن من لم تكن له بهادرية ولا معرفة الفرق بين فصيح الكلام وغيره باعتبار الصفات التي ذكرتها وكانت منزلة هذا الكتاب لمن لا يعرف البلاغة وطلاوة الكلام منزلة العروض لمن لا ذوق له يميز به بين صحيح النظم من فاسده والنحو لمن لا يعرف طبعاً وعادة وإنما يتكلف ويتصنع وليس يمكن إيضاح الفصاحة لمن يجهلها إلا بهذا السبب وعلى هذا النحو لأن من له بها معرفة وسابق علم إنما حصل له ذلك بالمخالطة والمناشدة وتأمل الأشعار الكثيرة والكلام المؤلف على طول الوقت وتراخى الأزمنة وليس يمكنه أن يحضر لمن أراد تعليمه كل بيت سمعه وفصل تأمله ولفظة كرهها ومعنى حكم بفساده أو بصحته لأن هذا يحتاج إلى الزمان الطويل والأيام الكثيرة بل لا يمكن حصوله البتة فلا طريق إلى العلم بما شرحته إلا من هذا النحو الذي قصدته والطريق الذي سلكت فيه.
فأما من يفرق بين الكلام المختار وغيره فإنه وإن كان غير مفتقر إلى كتابي هذا كافتقار العاري من هذه الصناعة الراغب في اقتباسها فهو محتاج إليه من وجه آخر منزلته أيضاً منزلة العروض والنحو لصاحبي الذوق والطبع لأن العالم بالفصاحة إذا قطع على فصاحة بيت من قصيدة أو فصل من رسالة أو كلمة أو ما أشبه ذلك وفضله على غيره لم يمكنه أن يبين من أين حكم ولا لأي وجه فضل بل إنما يفزع إلى مجرد دعواه ومحض قوله فإذا عرف ما بينته وفصلته في هذا الكتاب علل واستدل وذكر الوجوه والأسباب كما أن العارف صحيح النظم بذوقه والمعرب بطبعه وعادته فإذا وقف على علم العروض والنحو علل
стр. 89
في البيت الموزون والكلمة المعربة وقال هذا إنما كان صحيح الوزن لأنه من الدائرة الفلانية والبحر الفلاني وضربه كذا وعروضه كذا وعدد أجزائه كذا وذكر ما يحسن فيه من الزحاف ويقبح وفصل ما يفصله العروضيون. وقال في الكلمة المعربة إنما كانت مثلا مرفوعة لأنها فاعلة والفاعل في كلام العرب مرفوع وما يجرى هذا المجرى. وعلى مثل هذا النحو يقول في الفاسد الذي ينفر منه ذوقه أو يكرهه طبعه ويعلله على حد هذا التعليل الذي ذكرته.
ونبتدئ الآن بالقول في تأليف الكلام على ما قدمناه من أن القسم الثاني من الفصاحة صفات توجد في التأليف وتعتبر ما يتفق فيه من الأقسام الثمانية المذكورة في اللفظة المفردة فنقول:
إن الأول منها أن يكون تأليف اللفظة من حروف متباعدة المخارج وهذا بعينه في التأليف وبيانه أن يجتنب الناظم تكرر الحروف المتقاربة في تأليف الكلام كما أمرناه بتجنب ذلك في اللفظة الواحدة بل هذا في التأليف أقبح وذلك أن اللفظة المفردة لا يستمر فيها من تكرار الحرف الواحد أو تقارب الحرف مثل ما يستمر في الكلام المؤلف إذا طال واتسع.
وما زال أصحابنا يعجبون من هذا البيت:
لو كنت كنت كتمت الحب كنت كما ... كنا نكون ولكن ذاك لم يكن
وليس يحتاج إلى دليل على قبحه للتكرار أكثر من سماعه.
وقد روى أن أبا تمام لما أنشد أحمد بن أبي داود قوله:
стр. 90
فالمجد لا يرضى بأن ترضى بأن ... يرضى المؤمل منك إلا بالرضى
قال له إسحاق بن إبراهيم الموصلي: لقد شققت على نفسك يا أبا تمام والشعر أسهل من هذا.
وكنت حاضراً عند شيخنا أبي العلاء وقد قرئت عليه قصيدة لأبي الطيب فلما وصل القارئ إلى هذا البيت:
ولا الضعف حتى يبلغ الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف
قال هذا والله شعر مدبر١ وكان من العصيبة لأبي الطيب على الصفة التي اشتهرت عنه.
فأما قول الآخر:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر٢
فمبنى من حروف متقاربة ومكررة ولهذا يثقل النطق به حتى يزعم بعض الناس أنه من شعر الجن ويختبر المتكلم بإنشاده ثلاث مرات من غير غلط ولا توقف.
وكذلك قول الآخر:
لم يضرها والحمد لله شئ ... وانثنت نحو عزف نفس ذهول
فإن المصراع الثاني من هذا البيت يثقل التلفظ به وسماعه لما فيه من تكرر حروف الحلق.
стр. 91
وقد ذهب أبو الحسن على بن عيسى الرماني١ إلى أن التأليف على ثلاثة أضرب متنافر ومتلائم في الطبقة الوسطى ومتلائم في الطبقة العليا. قال والمتلائم في الطبقة الوسطي كقول الشاعر:
رمتني وستر الله بيني وبينها ... عشية آرام الكناس٢ رميم
ألا رب يوم لو رمتني رميتها ... ولكن عهدي بالنضال قديم
قال: والمتلائم في الطبقة العليا القرآن كله وذلك بين لمن تأمله والفرق بينه وبين غيره من الكلام في تلاوم الحروف على نحو الفرق بين المتنافر والمتلائم في الطبقة الوسطى. وهذا الذي ذكره غير صحيح والقسمة فاسدة وذلك أن التأليف على ضربين متنافر ومتلائم وقد يقع في المتلائم ما بعضه أشد تلاوماً من بعض على حسب ما يقع التأليف عليه ولا يحتاج أن يجعل ذلك قسما ثالثاً كما يكون من المتنافرة ما بعضه أشد في التنافر أكثر من بعض ولم يجعل الرماني ذلك قسماً رابعاً. فأما البيتان فليسا في هذا الموضع بأحق من غيرهما. وأما قوله إن القرآن من المتلائم في الطبقة العليا وغيره في الطبقة الوسطى وهو يعنى بذلك جميع كلام العرب فليس الأمر على ذلك ولا فرق بين القرآن وبين فصيح الكلام المختار في هذه القضية ومتى رجع الإنسان إلى نفسه وكان معه أدني معرفة بالتأليف المختار وجد في كلام العرب هي ما يضاهى القرآن في تأليفه ولعل أبا الحسن يتخيل أن الإعجاز في القرآن لا يتم إلا بمثل هذه الدعوى الفاسدة والأمر بحمد الله أظهر
стр. 92
من أن يعضده بمثل هذا القول الذي ينفر عنه كل من علق من الأدب بشيء أو عرف من نقد الكلام طرفا.
وإذا عدنا إلى التحقيق وجدنا وجه إعجاز القرآن صرف العرب عن معارضته بأن سلبوا العلوم التي بها كانوا يتمكنون من المعارضة في وقت مرامهم ذلك. وإذا كان الأمر على هذا فنحن بمعزل عن ادعاء ما ذهب إليه من أن بين تأليف حروف القرآن وبين غيره من كلام العرب كما بين المتنافر والمتلائم ثم لو ذهبنا إلى أن وجه إعجاز القرآن الفصاحة وادعينا أنه أفصح من جميع كلام العرب بدرجة ما بين المعجز والممكن لم يفتقر في ذلك ادعاء ما قاله من مخالفة تأليف حروفه لتأليف الحروف الواقعة في الفصيح من كلام العرب وذلك أنه لم يكن بنفس هذا التأليف فقط فصيحا وإنما الفصاحة لأمور عدة تقع في الكلام من جملتها التلاؤم في الحروف وغيره. وقد بينا بعضها وسنذكر الباقي فيم ينكر على هذا أن يكون تأليف الحروف في القرآن وفصيح كلام العرب واحداً ويكون القرآن في الطبقة العليا لما ضام تأليف حروفه من شروط الفصاحة التي التأليف جزء يسير منها فقد بان أن على كلا القولين لا حاجة بنا إلى ادعاء ما ادعاه مع وضوح بطلانه وعدم الشبهة فيه ثم يقال له أليس التلاؤم معتبراً في تأليف حروف الكلمة المفردة على ما ذكرناه فيما تقدم فلا بد من نعم! فيقال له فما عندك في تأليف كل لفظة من ألفاظ القرآن بانفرادها أهو متلائم في الطبقة العليا أم في الطبقة الوسطى فإن قال في الطبقة العليا قيل له أو ليس هذه اللفظة قد تكلمت بها العرب قبل القرآن وبعده ولولا ذلك لم يكن القرآن عربيا ولا كانت العرب فهمته فقد أقررت الآن أن في كلام العرب ما هو متلائم في الطبقة العليا وهو الألفاظ المفردة ولم يتوجه عليك في ذلك ما يفسد وجه إعجاز القرآن
стр. 93
هلا قلت إن في كلامهم المؤلف من الألفاظ ما هو أيضاً كذلك فإن علم الناظر بأحدهما كالعلم بالآخر وإن قال إن كل لفظة من ألفاظ القرآن متلائمة في الطبقة الوسطى قيل له أولاً إن مشاركة القرآن لطبقة ألفاظهم على هذا الوجه أيضاً باقية ثم ما الفرق بينك وبين من ادعى أن التلائم من ألفاظ القرآن في الطبقة الوسطي فإن أحد الموضعين كالآخر على أن اللفظة المفردة يظهر فيها التلاؤم ظهورا بينا بقلة عدد حروفها واعتبار المخارج وإن كانت متباعدة كان تأليفها متلائماً وإن تقاربت كان متنافراً ويلتمس ذلك بما يذهب إليه من اعتبار التوسط دون البعد الشديد والقرب المفرط فعلى القولين معاً اعتبار التلاؤم مفهوم وليس ينازعنا في كلمة من كلم القرآن إذا أوضحنا لك تأليفها وتقول ليس هذا في الطبقة العليا إلا ونقول مثله في تأليف الألفاظ بعضها مع بعض لأن الدليل على الموضعين واحد فقد بان أن الذي يجب اعتماده أن التأليف على ضربين متلائم ومتنافر وتأليف القرآن وفصيح كلام العرب من المتلائم ولا يقدح هذا في وجه من وجوه إعجاز القرآن والحمد لله. وقد ذهب على بن عيسى أيضاً إلى أن التنافر أن تتقارب الحروف في المخارج أو تتباعد بعداً شديداً وحكى ذلك عن الخليل بن أحمد. ويقال إنه إذا بعد البعد الشديد كان بمنزلة الطفر وإذا قرب القرب الشديد كان بمنزلة مشى المقيد لأنه بمنزلة رفع اللسان ورده إلى مكانه وكلاهما صعب على اللسان والسهولة من ذلك في الاعتدال ولذلك وقع في الكلام الإدغام والإبدال والذي أذهب أنا إليه في هذا ما قدمت ذكره ولا أرى التنافر في بعد ما بين مخارج الحروف وإنما هو في القرب ويدل على صحة ذلك الاعتبار فإن هذه الكلمة الم غير متنافرة وهي مع ذلك مبنية من حروف متباعدة المخارج لأن الهمزة
стр. 94
من أقصى الحلق والميم من الشفتين واللام متوسطة بينهما وعلى مذهبه كان يجب أن يكون هذا التأليف متنافراً لأنه على غاية ما يمكن من البعد وكذلك أم وأو لأن الواو من أبعد الحروف من الهمزة. وليس هذان المثالان مثل عح ولا سز لما يوجد فيهما من التنافر لقرب ما بين الحرفين في كل كلمة ومتى اعتبرت جميع الأمثلة لم تر للبعد الشديد وجها في التنافر على ما ذكره فأما الإدغام والإبدال فشاهدان على أت التنافر في قرب الحروف دون بعدها لأنهما لا يكادان يردان في الكلام إلا فراراً من تقارب الحروف وهذا الذي يجب عندي اعتماده لأن التتبع والتأمل قاضيان بحضته وإذا ثبت ما ذكرناه فقد بان أن تكرر الحروف والكلام يذهب بشطر من الفصاحة وقد كان بعض العلماء بالشعر يعيب في قول أبي تمام:
كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي ومتى ما لمته لمته وحدى
تكرر حروف الحلق على سلامة المعنى واختيار الألفاظ.
فأما قول أبي الطيب:
العارض الهتن بن العارض الهتن بن ... العارض الهتن بن العارض الهتن١
فمن أقبح ما يكون من التكرار وأشنعه وإذا كان يقبح تكرار الحروف المتقاربة المخارج فتكرار الكلمة بعينها أقبح وأشنع
وأما قوله أيضاً:
وأنت أبو الهيجا بن حمدان يابنه ... تشابه مولود كريم ووالد
وحمدان حمدون وحمدون حارث ... وحارث لقمان ولقمان راشد٢
стр. 95
فليس هذا التكرار عندي قبيحاً لأن المعنى المقصود لا يتم إلا به. وقد اتفق له أن ذكر أجداد الممدوح على نسق واحد من غير حشو ولا تكلف لأن أبا الهيجاء هو عبد الله بن حمدان بن حمدون بن الحارث بن لقمان بن راشد. ولو ورد هذا الكلام نثراً لم يزد على هذه الصفة فلما عرض في هذا التكرار معنى لا يتم إلا به سهل الأمر فيه وكان البيت مرضياً غير مكروه.
وعلى ذلك يجب أن يحمل كل تكرار يجرى هذا المجرى.
وقيل أذن أبو مهدية الأعرابي يوماً فقال أشهد أن لا إله إلى الله مرة فقيل له: خالفت السنة إنما هو أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله فقال أو ليس المعنى واحداً ونربح التكرار١ الذي هو عي.
وأجاز لنا في بعض الأيام شيخنا أبو العلاء بن سليمان قول الشاعر:
ألا طرقتنا بعد ما هجعوا هند ... وقد سرن خمسا واتلأب بنا نجد
ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأى والبعد٢
وقال: من حبه لهذه المرأة لم ير تكرير اسمها عيباً ولأنه يجد للتلفظ باسمها حلاوة فلم يرمن الاعتذار للتكرير إلا هذا العذر
فأما قول أبي الطيب:
لك الخير غيري رام من غيرك الغنى ... وغيري بغير اللاذقية لاحق٣
стр. 96
فلا خفاء بقبحه للتكرار وكذلك قوله:
ومن جاهل بي وهو يجهل جهله ... ويجهل علمي أنه بي جاهل
لأنه ذكر الجهل خمس مرات وكرر بي فلم يبق من ألفاظ البيت ما لم يعده إلا اليسير.
وأما قوله أيضاً:
فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيش كلهن قلاقل١
غثاثة عيشى أن تغث كرامتي ... وليس بغث أن تغث المآكل
فقد اتفق له أن كرر في البيت الأول لفظة مكررة الحروف فجمع القبح بأسره في صيغة اللفظة نفسها ثم في إعادتها وتكرارها واتبع ذلك بغثاثة في البيت الثاني وتكرار تغث فلست تجد ما تزيد على هذين البيتين في القبح.
ولم يزل الناس على وجه الدهر منكرين قول امرئ القيس بن حجر:
ألا إنني بال على جمل بال ... يقود بنا بال ويتبعنا بال
وهو لعمري قبيح وإن كان بيت هذا الفن الذي لا غاية وراءه في القبح قول مسلم بن الوليد الأنصاري:
سلت وسلت ثم سل سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا٢
ولولا أن هذا البيت مروي لمسلم وموجود في ديوانه لكنت أقطع على أن قائله أبعد الناس ذهناً وأقلهم فهماً وممن لا يعد في عقلاء العامة فضلاً عن عقلاء الخاصة ولكنى أخال خطرة من الوسواس أو شعبة من البرسام عرضت له وقت نظم هذا البيت فليته لما عاد إلى صحة مزاجه
стр. 97
وسلامة طباعه جحده فلم يعترف به ونفاه فلم ينسبه إليه وما أضيف هذا وأمثاله إلا إلى عوز الكمال في الخلقة وعموم النقص لهذه الفطرة.
وأما قول أبي الطيب:
قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام
فقبيح للتكرار وقد زاده قبحا وقوعه بغير فصل.
والحروف التي تربط بعض الكلام ببعض وتدل على معنى في غيرها كما يقول النحويون يبقح تكررها في الكلام وإن اختلفت ألفاظها وذلك لأنها جنس واحد ومشتركة في المعنى وإن تميزت فائدة بعضها من بعض. ومما يسهل الأمر فيها قليلاً وقوع الفصل بينها بكلمة من غيرها فأما أن ترد على نحو ما قال أبو الطيب:
وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد١
فذلك العيب الذي لا يتوجه عذر فيه
وقد أنكر أبو الفرج قدامة ابن جعفر الكاتب ما ذكرناه من قبح تكرر حروف الرباطات وقال في كتابه في الخراج وصناعة الكتابة فأما له منه أو منه عليه أو به له أو ما جرى هذا المجرى ففيه قبح وسبيل ذلك إذا وقع أن يحتال في فصل ما بين الحرفين بكلمة مثل أن يأتي ما يحتاج إلى أن يقال فيه أقمت شهيداً به عليه.
فيقال أقمت عليه شهيداً به ثم قال بعد أوراق يسيرة: وبلغني أن المأمون أمر عمرو بن مسعدة يوما أن يكتب لرجل له به عناية فأنسي أبو الفرج ما قدمه وسها عما أنكره وقد كان يمكنه أن يعبر عما قاله أولا فيقول لرجل له عناية به ويجب أن يجعل هذا الزلل عذرنا فيما
стр. 98
لعلنا أن نأتي به في هذا الكتاب من لفظة قد أنكرناها وأمرنا بتجنبها فإن الإنسان عم عن عيبه.
ولنا بمن ذكرناه أسوة.
وهذا الذي أنكرناه من تكرار الألفاظ فن قد أولع به الشعراء والكتاب من أهل زماننا هذا حتى لا يكاد الواحد منهم يغفل عن كلمة واحدة فلا يعيدها في نظمه أو نثره ومتى اعتبرت كلامهم وجدته على هذه الصفة. وما أعرف شيئاً يقدح في الفصاحة ويغض من طلاوتها أظهر من التكرار لمن يؤثر تجنبه وصيانة نسجه عنه. إذ كان لا يحتاج إلى كبير تأمل لا دقيق نظر.
وقلما يخلو واحد من الشعراء المجيدين أو الكتاب من استعمال ألفاظ يديرها في شعره حتى لا يخل في بعض قصائده بها. فربما كانت تلك الألفاظ مختارة يسهل الأمر في إعادتها وتكريرها إذا لم تقع إلا موقعها. وربما كانت على خلاف ذلك.
وقد كان أبو الحسن مهيار بن مرزويه١ ممن غرى بلفظة طين وطينة فما وجدت له قصيدة تخلو من ذلك إلا اليسير حتى وضع هذه اللفظة تارة في غير موضعها ومستعارة لما لا يليق بها وأقرها مقرها في بعض الأماكن ووافق بينها وبين ما ألفت معها. وذلك موجود في شعره لم يتتبعه.
فهذا وإن لم يكن محموداً عندي فهو أصلح من التكرار في القصيدة الواحدة أو البيت الواحد.
فأما قول بعضهم:
ولولا دموعي كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم تكن لي دموع
стр. 99
فليس من التكرار المكروه لما قدمته في بيت أبي الطيب١ وذلك أن المعنى مبنى عليه ومقصور على إعادة اللفظ بعينه. وهذا حد يجب أن تراعيه في التكرار فمتى وجدت المعنى عليه ولا يتم إلا به لم يحكم بقبحه وما خالف ذلك قضيت عليه بالاطراح ونسبته إلى سوء الصناعة.
وقال أبو الفتح بن جنى. قلت لأبي الطيب المتنبي: إنك تكرر في شعرك ذا وذي كثيراً ففكر ساعة ثم قال: إن هذا الشعر لم يعمل كله في وقت واحد. فقلت: صدقت إلا أن المادة واحدة فأمسك.
وأما القسم الثاني من الثمانية المذكورة أولاً وهو أن تجد للفظة في السمع حسناً ومزية على غيرها لا من أجل تباعد الحروف فقط بل لأمر يقع في التأليف ويعرض في المزاج كما يتفق في بعض النقوش على ما بيناه فيما تقدم فإن هذا إنما يكون في التأليف إذا ترادفت الكلمات المختارة فيوجد الحسن فيه أكثر وتزيد طلاوته على ما لا يجمع من تلك الكلمات إلا القليل.
وهذا لعمري إنما يرجع إلى اللفظة بانفرادها وليس للتأليف فيه إلا ما أثاره التواتر والترادف.
وكذلك الثالث والرابع من الأقسام وهما أن تكون الكلمة غير وحشية ولا عامية لأن هذين القسمين أيضاً لا علقة للتأليف بهما. وإنما يقبح إذا كثر فيه الكلام الوحشي أو العامي على حد ما يحسن إذا كثر فيه الكلام المختار فهو يرجع إلى اللفظة المفردة كما قلناه. وعلقة التأليف ما قدمناه من حكم الإسهاب في إيراد المحمود والمذموم إلا
стр. 100
أن يتفق لفظة لم تبتذ لها العامة بانفرادها وإنما تستعملها مضافة إلى غيرها فيكون التأليف على هذا الغرض عامياً بحكم ما أفادته الضافة لتلك اللفظة وإذا اتفق هذا وجب تجنبها مضافة والاحتراز من الصيغة التي تعرض فيها بعض الوجوه المذمومة.
وأما الخامس وهو أن تكون الكلمة جارية على العرف العربي الصحيح وللتأليف بهذا القسم علقة وكيدة لأن إعراب اللفظة تبع لتأليفها من الكلام وعلى حكم الموضع الذي وردت فيه.
ولهذه الجملة تفصيل طويل إذا ذكرناه عدلنا عن الغرض المقصود بهذا الكتاب وشرعنا في صريح النحو ومحض علم الإعراب. ولذلك كتب موضوعة له ومقصورة عليه تغنى الناظر فيها عما نذكره في كتابنا هذا ويجد ما يبتغيه هناك مستوفى مستقصى فإن قال لنا قائل: إني إذا أنعمت النظر وأحسنت الفكر واعتبرت قول حسان:
يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
وغيرت الإعرابي عن وجهه فرفعت المخفوض وخفضت المرفوع وأتيت بما لا يسيغه تأويل ولا يتوجه في مثله عذر ووجدت فصاحة هذا البيت على ما كانت عليه وهو جار على القانون العربي ومتى اعتبرت باقي الأقسام وجدت الأمر فيه على ما ذكرتموه ومخالفة لحكم هذا النوع لتأثيرها في الفصاحة ورونق الكلام وهذا يوجب عليكم الامتناع من إيراد هذا القسم في الجملة والاقتصار على ما تشهد النفوس بصحته ويقضي التأمل بتقبله. وقيل له: إننا لا ننكر أن يكون بعض ما ذكرناه من الأقسام أظهر من بعض وتأثيرها في الفصاحة أوضح وأجلى ن غيره.
لكنا على كل حال لا نرضى بالقطع على اختيار الكلام العربي المؤلف والشهادة بحسنه وهو مخالف لما تلفظت به العرب وتواضعت عليه
стр. 101
إن كان مواضعه وفيه وجه آخر من وجوه القبح عندهم. ولا يكون حسناً حتى تنتفى عنه وجوه القبح في مثله على أننا نجد في تغير الكنايات وعدول الضمائر عن السبق في إيرادها ما يزيل شطراً من الفصاحة وطرفاً من الرونق ومن تأمل قول عبيد الله بن قيس الرقيات:
فتاتان أما منهما فشبيهة اله ... لال وأخرى منهما تشبه الشمسا
فتانا بالنجم السعيد ولدتما ... ولم تلقيا يوماً هواناً ولا نحسا
علم أن بين قوله: ولدتما وولدتا فرقاً واضحاً ومزية بينة١ ووجد الكلام الثاني كالمنقطع من الأول.
وكذلك قول المتنبي:
قوم تفرست المنايا فيكم ... فرأت لكم في الحرب صبر كرام
لأن وجه الكلام قوم تفرست المنايا فيهم فرأت لهم.
فهذا وما يجرى مجراه في جانب التأليف مذكور وفي شعبه معدود واتباع العرف في إيراد الظاهر المعروف دون الشاذ النادر واجب لمن آثر مشاركتهم في فصاحة النظم وسلامة النسج فإنما بهم يقتدي وعلى منارهم يهتدي ثم يقال لمن عساه يمنع أن يكون إعراب الكلام شرطا في فصاحته: هل يجوز عندك أن يكون عربياً وأن استعمل كل اسم منه لغير ما وضعته له العرب فإن قال: نعم لزمه أن يكون متكلماً باللغة العربية إذا سمى الفرس إنساناً والسواد بياضاً والموجود معدوماً وغير ذلك من الكلام وهذا حد لا يذهب إليه محصل وإن قال: لا يكون عربياً حتى يضع كل اسم في موضعه ويلفظ به على حد ما يلفظ به أهله قلنا: فقد دخل في هذا إعراب الكلام لأن
стр. 102
معانيه تتعلق به وهو الدليل على المقصود منها وبه يزول اللبس والجواز فيها وإذا ثبت أنه لا يكون عربياً حتى يجرى على ما نطقت العرب به وجب أن يشترط في فصاحته تبعهم فيما تكلموا به ولا نجيز العدول عنه لأن كلامنا إنما هو في فصاحة اللغة العربية ومتى خرج الكلام عن كونه عربياً لم يتعلق قولنا به كما لا يتعلق بغيره من اللغات فقد بان أن اشتراطنا ما ذكرناه في الفصاحة صحيح لازم وتفصيل هذه الجملة يوجد في كتب النحو ولا يليق بكتابنا هذا ذكره لأنه علم مفرد وصناعة متميزة.
وأما السادس مما ذكرناه وهو أن تكون الكلمة قد عبر بها عن أمر آخر يكره ذكره فللتأليف فيه تعلق بحسب إضافة الكلمة إلى غيرها فإن القبح يختلف بحسب ذلك كما قلنا في قول الشريف الرضى:
أعزز علي بأن أراك وقد خلت ... من جانبيك مقاعد العواد
لأن مقاعد لما أضيف إلى العواد زاد قبح الكلام ولو قال قائل: مقاعد الجبال على وجه الاستعارة أو غير ذلك لكان الأمر أسهل وأيسر فبهذا ونحوه يتعلق التأليف بهذا القسم.
وأما السابع وهو اجتناب الكلمة الكثيرة الحروف فلا علقة للتأليف بهذا إلا أن ظهور قبحه أجلى إذا ترادفت فيه الكلمات الطوال على حد ما قلناه في الكلمة الوحشية.
وأما الثامن وهو التصغير فلا علقة للتأليف به إذ كان لا يتعدى الكلمة بانفرادها لكني أقول أن تكرار التصغير والنداء والترخيم والنعت والعطف والتوكيد وغير ذلك من الأقسام والإسهاب في إيرادها معدود في جملة التكرار ويجب التوسط فيه فإن لكل شئ حداً ومقداراً لا يحسن تجاوزه لا يحمد تعديه.
стр. 103
فإن قيل: كيف تحمدون التصغير في الكلمة على ما قدمتموه فإذا انضاف إليه تصغير آخر قبح.
وكل واحد منهما حسن في نفسه قلنا: إن التصغير المحمود معنى واحد وغير مختلف ولا متباين فنحن نكره تكراره كما نذم تكرار الكلمة الواحدة بعينها وإن كانت مرضية غير ذميمة والعلة في الجميع واحدة.
فهذا ما يتعلق بالأقسام المذكورة في الكلمة بانفرادها قد أوضحناه وبيناه. ونعود إلى ما يختص بالتأليف وينفرد له. ونقول:
إن أحد الأصول في حسنه وضع الألفاظ موضعها حقيقة أو مجازاً لا ينكره الاستعمال ولا يبعد فيه وهذه الجملة تحتاج إلى تفصيل نحن نذكره ونشرحه ونبين أمثلته ليقع فهمه والعلم به.
فمن وضع الألفاظ موضعها أن لا يكون في الكلام تقديم وتأخير حتى يؤدي ذلك إلى فساد معناه وإعرابه في بعض المواضع أو سلوك الضرورات حتى يفصل فيه بين ما يقبح فصله في لغة العرب كالصلة والموصول وما أشبههما ولهذا أمثلة:
منها قول الفرزدق يمدح إبراهيم بن إسماعيل خال هشام بن عبد الملك:
وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
ففي هذا البيت من التقديم والتأخير ما قد أحال معناه وأفسد إعرابه لأن مقصوده وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه يعني هشاماً لأن أبا أمه أبو الممدوح.
ومن هذا أيضاً قول عروة بن الورد العبسى:
قلت لقوم في الكنيف تروحوا ... عشية بتنا عند ما وان رزح
стр. 104
تنالوا الغنى أو تبلغوا بنفوسكم ... إلى مستراح من حمام مبرح١
لأن تقديره: قلت لقوم رزح في الكنيف عشية بتنا عند ما وان تروحوا تنالوا الغنى - ففصل بين الصفة والموصوف والأمر وجوابه.
فأما قول أبي الطيب:
المجد أخسر والمكارم صفقة ... من أن يعيش لها الهمام الأروع٢
فجار هذا المجرى وفيه تقديم وتأخير وفصل بين الصلة والموصول وتقديره: المجد والمكارم أخسر صفقة.
أما قول الفرزدق:
فليست خراسان التي كان خالد ... بها أسد إذ كان سيفاً أميرها
فإن جماعة من النحويين قالوا: أنه يمدح خالداً ويذم أسداً وكانا واليين بخراسان وخالد قبل أسد. وتقدير البيت فليست خراسان بالبلدة التي كان خالد فيها سيفاً إذ كان أسد أميرها ويكون رفع أسد مكان الثانية وأميرهما نعت له وكان في معنى وقع أو يكون في كان ضمير الشان والقصة ويكون أسد وأميرها مبتدأ وخبراً في موضع خبر الضمير وقال أبو سعيد السيرافي: إن تقدير البيت عنده أن يجعل أسداً بدلاً من خالد ويجعله هو خالد على سبيل التشبيه له بالأسد فكأنه قال فليست خراسان التي كان بها أسد إذ كان سيفاً أميرها ويجعل سيفاً خبراً لكان الثانية ويجعل أميرها الاسم. وعلى التأويلين معاً فلا خفاء بقبح البيت والتعسف فيه ووضع الألفاظ في غير موضعها والفرزدق أكثر
стр. 105
الشعراء استعمالاً لهذا الفن حتى كأنه يعتمده ويقصده ويعتقد حسنه. ومن ذلك قوله أيضاً:
وترى عطية ضارباً بفنائه ... ربقين بين حظائر الأغنام
متقلداً لأبيه كانت عنده ... أرباق صاحب ثلة وبهام١
يريد: متقلداً أرباق ثلة وبهام كانت لأبيه عنده.
ومن التقديم والتأخير أيضاً قول الشاعر:
صددت فأطولت الصدود وقلما ... وصال على طول الصدود يدوم٢
يريد: وقلما يدوم وصال على طول الصدود.
وكذا قول الآخر:
لما رأت ساتيد ما استعبرت ... لله در اليوم من لامها٣
أي لله در من لامها اليوم.
وعلى هذا قول المتنبي:
جفخت وهم لا لايجخفون بها بهم ... شيم على الحسب الأغر دليل٤
يريد: جفخت وهم لا يجفخون بها.
وكذلك قوله:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
стр. 106
لأن تقدير: وفاؤكما بان تسعدا كالربع أشجاه طاسمه ففصل وقدم وأخر.
وكذلك قول أبي عدى القرشي:
خير راعى رعية سره الله ... هشام وخير مأوى طريد
أي خير راعى رعية هشام سره الله
وقول الآخر:
لعمر أبيها لا تقول خليلتي ... ألافر عني مالك بن أبي كعب
يريد: لعمر أبي خليلتي.
ومن وضع الألفاظ موضعها أن لا يكون الكلام مقلوباً فيفسد المعنى ويصرفه عن وجهه ولذلك أمثلة مذكورة.
منها قول عروة بن الورد العبسي:
فلو أني شهدت أبا سعاد ... غداة غد لمهجته يفوق
فديت بنفسه نفسي ومالي ... وما آلوك إلا ما أطيق
يريد أن يقول: فديت نفسه بنفسي.
ومنه قول خداش بن زهير:
وتركت خيل الهوادة بينها ... وتعصى الرماح بالضياطرة الحمر
والضياطرة هي التي تشقى بالرماح.
وكذلك قول الفررزدق:
وأطلس عسال وما كان صاحباً ... رفعت لناري موهناً فأتاني
وإنما النار هي المرفوعة للذئب
ومن المقلوب أيضاً قول الآخر: ١
стр. 107
كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزناء فريضة الرجم١
وإنما الرجم فريضة الزناء.
وعلى هذا حمل أبو القاسم الآمدي قول الطائي الكبير:
طلل الجميع لقد عفوت حميدا ... وكفى على رزئي بذاك شهيدا٢
قلل: لأنه يقول مضى حميداً شاهداً على أني رزئت ووجه الكلام أن يكون: وكفى برزءى شاهداً على أنه مضى حميداً لأن حميداً من الطلل قد مضى وليس بمشاهد معلوم وزرءه بما يظهر من تفجعه مشاهد معلوم فلأن يكون الحاضر شاهداً على الغائب أولى من أن يكون الغائب شاهداً على الحاضر. وهذا الذي ذكره الشيخ أبو القاسم ﵀ قول مثله من يتقدم الناس في هذا العلم ودقيق النظر فيه وكشف سرائره.
وقد حمل بعضهم قول أبي الطيب:
وعذلت أهل العشق حتى ذقته ... فعجبت كيف يموت من لا يعشق
على المقلوب وتقديره عنده: كيف لا يموت من يعشق.
وقال غيره: إن الكلام جار على طريقته والمراد به كيف تكون المنية غير العشق أي أن الأمر الذي يقدر في النفوس أنه في أعلى مراتب الشدة هو الموت ولما ذقت العشق فعرفت شدته عجبت كيف يكون هذا الأمر الصعب المتفق على شدته غير العشق وكيف يجوز أن لا تعم علته حتى تكون منايا الناس كلهم به - وكان هذا أشبه بمراد أبي الطيب من حمل الكلام على القلب.
стр. 108
فأما قول الله تعالى: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ ١ ليس من هذا بشئ وإنما المراد والله أعلم أن المفاتح تنوء بالعصبة أي تميلها من ثقلها وقد ذكر هذا الفراء وغيره وكذلك قوله عز اسمه: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ليس على ما يزعم بعضهم المراد به وأن حبه للخير لشديد بل المقصود به أنه لحب المال لبخيل - والشدة - البخل أي من حبه للمال يبخل.
فأما قول الحطيئة:
فلما خشيت الهون والعير ممسك ... على رغمه ما أمسك الحبل حافره٢
فقد قيل فيه إن الحبل إذا أمسك الحافر فالحافر أيضاً قد شغل الحبل فعلى هذا ليس بمقلوب.
وكذلك قول أبي النجم:
قبل دنو الأفق من جوزائه
لأن الجوزاء إذا دنت من الأفق فقد دنا منها.
وقد حمل أبو الفتح عثمان بن جني قول أبي الطيب:
نحن ركب ملجن في زي ناس ... فوق طيرلها شخوص الجمال
على المقلوب وقال تقديره: نحن ركب من الأنس في زي الجن فوق جمال لها شخوص طير وهذا عندي تعسف من أبي الفتح لا تقود إليه ضرورة. ومراد أبي الطيب المبالغة على حسب ما جرت به عادة الشعراء.
стр. 109
فيقول نحن قوم من الجن لجوبنا الفلاة والمهامه والقفار التي لا تسلك وقلة فرقنا فيها إلام أننا في زي الإنس - وهم على الحقيقة كذلك ونحن فوق طير من سرعة إبلنا إلا أن شخوصها شخوص الجمال ولا شك أيضاً في ذلك.
فأما قول قطري بن الفجاءة المازني:
ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام
فقد حملوه على المقلوب. وقالوا: يريد قارح البصيرة جذع الإقدام. كما يقال: إقدام غرور أي مجرب وقد كان أبو العلاء صاعدين عيسى الكاتب جاراني في بعض الأيام هذا البيت وقال: ما المانع من أن يكون مقصوده لم أصب أي لم ألف على هذه الحال بل وجدت على خلافها جذع الإقدام قارح البصيرة ويكون الكلام على جهته غير مقلوب وتمكن الدلالة على أن قوله: لم أصب في البيت بمعنى لم ألف دون ما يقولون من أن مراده به لم أجرح قوله قبله:
لا يركنن أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى متخوفاً لحمام
فلقد أراني للرماح رديئة ... من عن يميني تارة وأمامي
حتى خضبت بما تحدر من دمى ... أكناف سرجى أو عنان لجامى
فكيف يكون لم يصب وقد خضب هذا بدمه فأما قولهم إنه أراد من دمي أي من دم قومي وبني عمي فمبالغة منهم في التعسف والعدول عن وجه الكلام ليستمر لهم أن يكون فاسداً غير صحيح وهذا الذي ذكره أبو العلاء وسبق إليه له وجه يجب تقبله واتباعه فيه وفحوى كلام قطري يدل على أنه أراد جرح ولم يمت إعلاماً أن الإقدام غير علة في الحمام وحثاً على الشجاعة ونيها عن الفرار.
стр. 110
ومن طريف التفسير للشعر أن يتأول ليقع الفساد فيه ولو حمل على ظاهره كان صواباً صحيحاً وما أعرف أعجب من حمل كافة المفسرين قول الفرزدق:
أن الذي سمك السماء بنا لنا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول
على وجهين أحدهما أن يكون أعز وأطول بمعنى عزيزة طويلة والثاني أعز وأطول من بيتك يا جرير. فيتعسفون في التأويل ومراد الشاعر أوضح من أن يخفى وأشهر من أن يجهل وهو أعز وأطول من السماء التي ذكرها في أول البيت وإنما جاء بها لهذا الغرض وهذا مبالغة في العشر معروفة مستعملة وليست بالمكروهة ولا الغريبة.
ومن وضع الألفاظ في موضعها حسن الاستعارة وقد حدها أبو الحسن على بن عيسى الرماني فقال: هي تعليق العبارة على غير ما وضعت في أصل اللغة على جهة النقل للإبانة وتفسير هذه الجملة أن قوله ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ ١ استعارة لأن الاشتعال للنار ولم يوضع في أصل اللغة للشيب فلما نقل إليه بان المعنى لما اكتسبه من التشبيه لأن الشيب لما كان يأخذ في الرأس ويسعى فيه شيئاً فشيئاً حتى يحيله إلى غير لو نه الأول كان بمنزلة النار التي تشتعل في الخشب وتسرى حتى تحيله إلى غير حاله المتقدمة فهذا هو نقل العبارة عن الحقيقة في الوضع للبيان ولا بد من أن تكون أوضح من الحقيقة لأجل التشبيه العارض فيها لأن الحقيقة لو قامت مقامها كانت أولى لأنها الأصل والاستعارة الفرع وليس يخفى على المتأمل أن قوله عز اسمه: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾