← Акыда

Акыда · id 1123

رسالة التوحيد المسمى بـ تقوية الإيمان

إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي

Полный текст (102 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يا رسول اللَّه أي الذنب أكبر عند اللَّه؟ قال: " أن تدعو لله ندا وهو خلقك» . وقد دل هذا الحديث على أن إشراك العبد أحدا لله تعالى في علمه المحيط، وقربه من كل أحد، وقدرته على كل شيء، فيستغيث به ويستصرخه أكبر الكبائر، لأنه ليس في إمكان أحد أن يسعف بحاجته مثله، وأن يكون في كل مكان لا يغيب عنه شيء. ثم إنه إذا كان الواقع أن اللَّه تعالى هو الذي خلقنا وهو ربنا - ونحن نقر بذلك - وجب علينا أن لا ننادي إلا إياه، ولا نستعين إلا به، وما لنا ولغيره (١) ؟ فمن كان من جملة عبيد ملك وصنائعه، انقطع إليه كليا، وأطبق عينه عن كل ملك ورئيس، فضلا عن وضيع أو خسيس، أيجمل بنا أن نكون أقل غيرة، وأضعف وفاء من المملوك لمولاه المجازي؟ .

стр. 37

الموحد المذنب حري بأن يتوب، وتدركه رحمة اللَّه ولطفه بخلاف المشرك العابد: وأخرج الترمذي عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «قال اللَّه تعالى: يا ابن آدم إنك لو لقيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة» . وقد دل هذا الحديث على أن الإنسان مهما أتى به من ذنوب، واقترف من آثام، وإن كانت تعدل ذنوب أكبر العصاة والمجرمين كفرعون وهامان، ولكنه سلم عن الإشراك بدَّل اللَّه سيئاته حسنات، وآتاه بقراب هذه الذنوب مغفرة، فظهر أن الذنوب تتضاءل أمام عقيدة التوحيد، وأن بركتها تغشى المذنب فتمحو خطاياه، كما أن للشرك شؤما وظلمة تطغى على جميع الحسنات، وتحبط جميع العبادات، فإنه إذا وقر في قلب المؤمن، واستقر أنه لا إله إلا هو، لا رب سواه، ولا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، وأنه لا معقب لأمره، ولا راد لقضائه، وليس له وكيل ولا شفيع إلا بإذنه، فقد تطهر من أوضاع الشرك، فما صدر عنه من ذنب، فهو من مقتضى البشرية، ونتيجة النسيان، والسهو، ويستولي على قلبه الخوف من هذه الذنوب، وينال منه كل منال، ومن الطبيعي أن يعاف هذه الذنوب ويستوحش منها، حتى تضيق

стр. 38

عليه الأرض بما رحبت، وتضيق عليه نفسه، فلا تصفو له الحياة، ولا يطيب له طعام وشراب، وكل من كان هذا شأنه أظلته رحمة اللَّه ولطفه، وكلما أكثر من الذنوب اشتدت به الكآبة وأحاطت به الوحشة، فمن رسخت، قدمه في التوحيد عملت ذنوبه ما لا تعمل عبادة غيره، فكان الفاسق الموحد خيرا من المتقي المشرك ألف مرة، كما أن الوفي المقصر من الرعية كان خيرا من الثائر المتملق، لأن الأول نادم على تقصيره، والثاني معجب بخديعته ونفاقه، مدل بنفسه، يحسب أنه يحسن صنعا.

стр. 39

الفصل الثاني في رد الإشراك في العلم الحواس الخمس الظاهرة، والعقل، منحة إلهية عامة للبشر قال اللَّه تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] ، اعلم أن اللَّه تعالى قد وهب عباده قوى ووسائل للاطلاع على أمور ظاهرة، فرزقهم العين ليبصروا، والأذن ليسمعوا، والأنف ليشموا، واللسان ليذوقوا، واليد ليجسوا، والعقل ليفهموا ويتبصروا، وقد مكنهم من هذه الطرق والوسائل، وملكهم إياها ليستخدموها في مآربهم وحاجاتهم، فكلما أراد الإنسان أن يبصر فتح عينه وإلا أطبقها، وإذا أراد أن يتذوق شيئا وضعه في فمه، إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، فكأنما أعطاهم مفاتيح لاكتشاف هذه الأشياء والاطلاع عليها، ومن كان عنده مفتاح كان القفل خاضعا له، تابعا لإرادته، إن شاء فتح، وإن لم يشأ لم يفتح، فكان الاطلاع على الأمور الظاهرة في تصرف الناس، وكانوا أحرارا فيه، يتصرفون فيه كما يشاءون. علم الغيب خاص بالله تعالى، ووراء طور البشر: وهذا شأن الاطلاع على الغيب فيما يختص بالله تعالى، فهو يملكه ويتصرف فيه كما يشاء، وهي صفته الدائمة، ولم يجعل لولي أو نبي،

стр. 40

أو جني أو ملك، أو شيخ أو شهيد، أو إمام، أو سليل إمام، ولا لعفريت ولا لجنية أن يطلعوا على الغيب متى شاءوا، إن اللَّه قد يطلع من يشاء على ما يشاء متى يشاء، لا يجاوز علمه ما أراد اللَّه إطلاعه عليه مثقال ذرة، وكان ذلك خاضعا لإرادة اللَّه تعالى، لا لهواهم. وقد وقع للنبي ﷺ مرارا أنه رغب في الاطلاع على شيء فلم يتيسر له ذلك، فلما أراد اللَّه ذلك أطلعه عليه في طرفة عين. وقصة الإفك مشهورة معلومة للجميع، وقد أشاع المنافقون عن سيدتنا عائشة ما هي منه بريئة، وقد كبر ذلك على النبي ﷺ ، وبلغ منه كل مبلغ، وقضى أياما يفحص فيها الأمر فلم تنكشف له الحقيقة، وبقي أياما مشغول الخاطر، فلما أراد اللَّه أن تنجلي عنه هذه الغمة، وتنكشف له الحقيقة أخبره بأن المنافقين هم الكاذبون، وأن عائشة ﵂ بريئة من هذه التهمة، فعلم من ذلك يقينا أن مفتاح الغيب بيد اللَّه تعالى لم يمكن منه أحدا، ولم يملكه إياه، وليس له خازن بل هو الذي يفتح هذا القفل بيده، فيهب من يشاء ما يشاء، لا يمسك يده أحد، ولا يمنعه عن ذلك أحد. من ادعى لنفسه، أو اعتقد في أحد علم الغيب بالاستقلال والدوام كان كاذبا آثما: وقد تبين من هذه الآية أن من ادعى علما يعرف به الغيب متى شاء وأن الاطلاع على الأمور المستقبلة ميسور له، وتحت تصرفه، كان كذابا، مدعيا للألوهية، ومن اعتقد ذلك في نبي أو ولي، أو جني أو ملك، أو إمام أو ابن إمام، أو شيخ أو شهيد، أو مُنِجِّم أو رمَّال، أو جفار، أو من يبحث عن الفال في كتاب (١) ، وغير ذلك، أو كاهن أو سادن، أو عفريت أو جنية كان مشركا، منكرا لهذه الآية. ومن وسوست له نفسه، وسول له الشيطان أنه قد يتحقق ما يخبر به منجم، أو رمال، أو كاهن، أو محترف بالأخبار بالسعد والنحس، فيدل ذلك على علمه للغيب، فكل ذلك باطل، فإن كثيرا ما تخطئ أخبارهم ويقع عكسها، فثبت من ذلك أنه لا صلة له بعلم الغيب، وأنه ليس في تصرفهم، وإنما يتكلمون رجما بالغيب، وقد يصيبون، وقد يخطئون، وهذا هو الشأن في الاستخارة والكشف، ومن يبحث عن الفال في

стр. 41

المصحف. وبالعكس من ذلك فإنه لا خطأ في الوحي، والوحي لا يملكون من أمره شيئا، وإنما ذلك إلى اللَّه، إذا شاء أوحى إليهم بما شاء، وإذا لم يشأ لم يوح إليهم، لا أثر لرغبتهم في ذلك، يقول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥] ، فعلم أنه لا سلطان لأحد على الغيب، ودليله أن جميع المؤمنين يؤمنون بأن الساعة آتية لا ريب فيها، ولكنهم لا يعلمون موعدها بالتحديد، يقول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا

стр. 42

تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] . الأمور المستقبلة التي لا تعلم بالقطع: فإذا كان هذا شأن الساعة التي هي من الأمور القطعية، ومن ضروريات الدين، لا يعلمها أحد، فما ظنك بغيرها من الأخبار والحوادث كالفتح والهزيمة، والمرض والصحة، فإنها لم تشتهر اشتهار القيامة، ولم تكن منزلتها من القطع واليقين كمنزلة القيامة، كذلك لا يعرف أحد متى ينزل المطر، مع أن الفصول معينة، وللأمطار فصل وإبان، تجيء فيه الأمطار في غالب الأحيان، أما الأشياء التي ليس لها فصل معين، ولا يتفق الناس على الحاجة إليه، أو الرغبة فيه، كأن يموت رجل أو يعيش، أو أن يرزق أحد ولدا، أو يغنى الإنسان أو يفتقر، أو أن ينتصر أحد في حرب أو ينهزم أحد، فلا سبيل إلى علمها لأحد، وكذلك ما كان في الأرحام من نطفة، فلا يعلم. العلم بمكنونات الضمائر وهواجس الخواطر، ليس بميسور دائما: وإذا كان هذا شأن أمور تظهر أماراتها، وتعرف مقدماتها، فكيف بما يضمره الإنسان من أفكار وخواطر، وإرادات ونيات، وإيمان ونفاق، وهي في بطون الضمائر، وطيات الصدور، وإذا لم يعلم أحد ما مصيره غدا، وما هو فاعله ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ فكيف يعلم

стр. 43

حال غيره؟ وإذا لم يعلم مكان موته ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ فكيف يعلم أين يموت فلان ومتى يموت؟ المدعون المحترفون بالإخبار عن الأمور الغيبية: وجملة القول: أن الذين يدعون الغيب، أو يدعون الكشف منهم من يستخرج الأخبار من تقويم النجوم، أو الرمل، ومنهم من يطوف في الناس، فإنهم كلهم كاذبون مزورون، ويجب على المسلم الصادق أن يبتعد عنهم، ولا يقع في شباكهم. نداء الأموات من بعيد أو قريب للدعاء إشراك في العلم: وقال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] ، وقد دلت هذه الآية على أن المشركين قد أمعنوا في السفاهة، فقد عدلوا عن اللَّه القادر العليم، إلى أناس لا يسمعون دعاءهم، وإن سمعوا ما استجابوا [لهم] ، وهم لا يقدرون على شيء، فظهر من ذلك أن الذين يستغيثون ويظنون أنهم ما أشركوا، فإنهم ما طلبوا منهم قضاء الحاجة، وإنما طلبوا منهم الدعاء، وإن لم يشركوا عن طريق طلب قضاء الحاجة، فإنهم أشركوا عن طريق النداء، فقد ظنوا أنهم يسمعون نداءهم عن بعد، كما يسمعون نداءهم عن قرب.

стр. 44

نفي القدرة المطلقة والاستقلال بعلم الغيب عن النبي ﷺ : وقال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الأعراف. وقد خاطب اللَّه في هذه الآية سيد الأنبياء، ومنه تعلم الناس الدين، وباتباعه واقتفاء آثاره نال من نال الشرف عند الناس، والمنزلة عند اللَّه، فأمره بأن يخبر الناس بخبره، حتى يقيس به الناس غيره، فإذا كان هو لا يقدر على شيء ولا يعلم الغيب، ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولو كان يعلم الغيب لعرف عواقب الأمور، فإذا عرف عن أمر أنه يؤول إلى نجاح أقدم إليه، وأقبل عليه، وإذا عرف أنه لا خير فيه، أمسك عنه وزهد فيه (١) . وقد نفى النبي ﷺ عن نفسه الشريفة القدرة المطلقة، والعلم بالغيب، إنما أكرمه اللَّه بالرسالة، وشرفه بالنبوة، والنبي مكلف بالإنذار والتبشير لا غير، ينذر السيئات بسخط اللَّه وعذابه، ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ ولا ينفع الإنذار والتبشير إلا أهل الإيمان (٢) ، وليس من شأن النبي أن يخلق الإيمان في قلوب الناس، إنما هو خلق اللَّه.

стр. 45

سر شرف الأنبياء، وكرامة الأولياء ليس في التصرف المطلق، والعلم المستقل بالغيب: وقد دلت هذه الآية على أن الأنبياء والأولياء، إنما شرفهم اللَّه على الخلق، وعلت منزلتهم عند اللَّه، لأنهم يدعون الناس إلى اللَّه، ويرشدون إلى طرائق الحق، ولأنهم يعرفون ما هو صالح الأعمال، وما هو فاسدها، فيعلمون الناس ذلك، وينفع اللَّه بكلامهم، فينفذ في القلب، ويهتدي الناس إلى الصراط المستقيم، وليس شرفهم، لأن اللَّه منحهم قدرة التصرف في العالم، فيميتون من يشاءون، أو يرزقون من يشاءون الأولاد، أو يفرجون الكرب، ويكشفون الغم، ويحققون أماني الناس، ويقضون حاجاتهم، ويجعلون من يشاءون منتصرا أو منهزما، أو غنيا أو فقيرا، أو ملكا أو أميرا، أو وزيرا، وينتزعون ممن يشاءون ملكا أو إمارة، أو يخلقون في قلب من يشاءون الإيمان، أو ينزعونه منه، أو يشفون المريض، أو يسلبون منه الصحة، قد تساوى في ذلك جميع العباد، فكلهم عاجزون ضعفاء لا يقدرون على شيء. وكذلك لا يمتازون عن الناس بأن اللَّه مكنهم من علم الغيب، وبسط لهم فيه، فيطلعون على خواطر النفوس متى شاءوا، ويطلعون على شؤون من غاب إذا شاءوا، فيعرفون هل هو حي أم مات، وفي أي مدينة هو، وما تكتنفه من أحوال، وما يتقلب فيه من نعيم أو بؤس، ويعرفون ما هو كائن غدا، فيعرفون أن فلانا سيرزق ولدا، وفلانا لا يولد له، وفلانا يربح في التجارة أو يخسر، وهل يقدر لفلان الانتصار في الحرب، أو سيلقى الهزيمة، فقد تساوى في ذلك جميع العباد كبارهم وصغارهم، هم عن ذلك في عمى، إلا ما ينقل عن بعض

стр. 46

العقلاء شيء من الحدس، أو لتقدير مصدره القرائن أو العقل السليم، فيتفق ذلك مع الواقع، كذلك هؤلاء السادة والعظماء قد يحكمون على شيء بعقل أو قرينة، فيتحقق في بعض الأحيان، ويتخلف في بعض الأحيان، أما ما كان عن طريق الوحي والإلهام، فهو لا يقاس على ذلك، ولا يتطرق إليه خطأ، ولا ترتقي إليه شبهة. استنكار النبي ﷺ لنسبة علم الغيب إليه: أخرج البخاري عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قالت: «جاء النبي ﷺ فدخل حين بُنِيَ عَلَيَّ، فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف، ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن: " وفينا نبي يعلم ما في غد " فقال: " دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين» . وقد دل هذا الحديث على أنه لا يصح أن يعتقد الإنسان في نبي أو ولي، وإمام أو شهيد، أنه يعلم الغيب، حتى لا يصح هذا الاعتقاد في حضرة الرسول صلوات اللَّه وسلامه عليه، ولا يصح أن يمدح بذلك في شعر أو كلام، أو خطبة، أما ما اعتاده الشعراء من المبالغة والإسراف في مدح الرسول ﷺ أو غيره من الأنبياء والأولياء، والصلحاء والمشايخ، أو الأساتذة، فتخطوا في ذلك حدود الشرع، ونعتوهم في بعض الأحيان بما يليق بالله تعالى، فإذا عورضوا قالوا: إن الشعر جماله المبالغة، وكل شعر تجرد عن المبالغة فهو بالنشر أشبه منه بالشعر، ولكن

стр. 47

لا يصح هذا الاعتذار، فإن النبي ﷺ نهى جواري الأنصار عن أن ينشدن شعرا نسب إليه في علم الغيب، فما ظنك بعاقل يقول مثل هذا الشعر أو يستحسنه؟ أخرج البخاري عن عائشة ﵂ قالت: «من أخبرك أن محمدا ﷺ يعلم الخمس التي قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] ، فقد أعظم الفرية» . وهذه الخمس هي التي ذكرها اللَّه في آخر سورة لقمان، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] . وأخرج البخاري عن أم العلاء قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : «والله لا أدري وأنا رسول اللَّه ما يفعل بي ولا بكم» .

стр. 48

عقيدة أهل الجاهلية في اللَّه وحقيقة شركهم: وقد تحقق من هذه الآية الكريمة أن الكفار في عهد الرسول ﷺ لم يكونوا يرون لله عديلا يساويه في الألوهية والقدرة، وفي الخلق،

стр. 49

ولكنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم والأصنام التي كانوا يعبدونها، هم وكلاؤهم عند اللَّه، وبذلك كفروا، فمن أثبت في عصرنا هذا لمخلوق التصرف في العالم، واعتقد أنه وكيله عند اللَّه، ثبت عليه الشرك، ولو لم يعدله بالله، ولم يثبت له قدرة تساوي قدرة اللَّه. التحذير للمسلمين عن تقليد المشركين في نبيهم وأولياء أمته: قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢١ - ٢٢] . وقد حذر اللَّه في هذه الآية المسلمين من أمة محمد ﷺ من أن تغرهم نفوسهم فيقولوا: " إن نبينا ﷺ له دالة عند اللَّه، يضر وينفع، ويدفع ويمنع، ويفعل ما يشاء، ونحن في أمته، فنحن نأوي إلى ركن شديد، وحرز حريز، فإن وكيلنا عند اللَّه، وشفيعنا إليه، من اللَّه بمكان ليس لأحد، فلا خوف علينا ولا خطر، وبذلك يسترسلون في الخيال، ويتوسعون في الأماني ويستخفون بالعمل، ولذلك أمر اللَّه نبيه بأن يخبر الناس أنه لا يملك لهم ضرا ولا رشدا، وأنه - وهو سيد الأنبياء - لن يجيره من اللَّه أحد، فكيف يستطيع أن يجيرهم من اللَّه، ويمنعهم من عذاب اللَّه وعقابه؟ . وبذلك ظهر ضلال أولئك العامة، والغوغاء من الناس الذين ينسون اللَّه، ويستخفون بأحكامه، معتمدين على نصرة المشايخ والشهداء، فإذا كان نبي اللَّه يخاف اللَّه، ولا يرى له ملجأ إلا رحمة اللَّه، فكيف بمن دونه من أفراد أمته، وأتباعه؟ .

стр. 50

عجز الأنبياء وخواص الأمة عن التصرف في العالم: وقال اللَّه تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] . يقول بعض العامة: إن الأنبياء، والأولياء، والأئمة، والشهداء يقدرون على التصرف في العالم، ولكنهم راضون بقضاء اللَّه وقدره، قد أدبوا نفوسهم وألجموها، فتواضعوا لعظمة اللَّه تعالى، وإلا إذا شاءوا قلبوا هذا العالم رأسا على عقب، ولكنهم أمسكوا عن ذلك تعظيما للشرع، وأدبا معه، وقد نفت هذه الآية هذا الزعم، فبينت عجزهم وضعفهم، وأنهم لا يملكون للناس رزقا من السماوات والأرض، فليس لهم سلطان على الأمطار، ولا على السحاب والريح، وليس لهم سلطان على الأرض فتخرج زهرتها، وتلفظ خزائنها، وإن كل ذلك في قدرة اللَّه وقبضته. وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] . ومن السفاهة والظلم أن يعطى الإنسان العاجز الضعيف ما كان من حق القادر القوي، ويعاملهما معاملة سواء. عادات الملوك والأمراء في قبول الشفاعة وأنواع الشفعاء، وأهل الوجاهة: وقال اللَّه تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ

стр. 51

ظَهِيرٍ﴾ ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣] . قد جرت العادة أن من يقضي حاجة من يستصرخه، ويغيثه، إما يكون صاحب الأمر، وإما شريكا له سلطان عليه، أو دالة عنده، فملوك الأرض ينزلون عند رغبة أمرائهم، ويحققون طلبهم، فإنهم أعوانهم، ودعائم ملكهم، فإذا سخطوا أو حقدوا عليهم تزلزل ملكهم، واضطرب أمرهم، وإما أن يشفع إلى الملك أحد المقربين إليه، والذين لهم حظوة عنده، فيحقق رغبتهم طوعا وكرها، وقد يفعل ذلك من غير رضى وطواعية نفس، شأن بنت الملك المدللة، أو إحدى زوجاته الحظيات، فلا يستطيع الملك أن يرفض شفاعتها فيقبلها. أما أولئك الذين يستغيث بهم هؤلاء الجهال، ويطلبون منهم قضاء حاجاتهم، فلا يملكون حبة من شعير، ولا شيئا من نقير أو قطمير في السماوات والأرض، وما لهم فيهما من شرك، وليسوا من دعائم ملك اللَّه، ولا عضده الأيمن، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، حتى يقبل شفاعتهم اضطرارا واستسلاما، إنهم لا يملكون أن يشفعوا إلا بإذنه، ولا يستطيعون أن يحققوا رغبات المستشفعين بقوة أو قهر، بل بالعكس من ذلك قد بلغ بهم العجز والفقر إلى أنه إذا توجه إليهم أمر من اللَّه أخذتهم المهابة وفقدوا رشدهم، ويمنعهم الأدب والفزع عن مراجعة اللَّه،

стр. 52

واستيضاح ما خوطبوا به وأمروا، بل أقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن الحقيقة، فإذا تبين لهم الأمر، ما زادوا على أن يقولوا: آمنا وصدقنا، فضلا عن معارضة الملك القاهر، وعن الدفاع عن أحد، أو الإدلاء بدليل أو برهان. أنواع الشفاعة التي لا مجال لها عند اللَّه: وهنا يحسن التفطن لملاحظة دقيقة، والتأمل فيها، وهي أن كثيرا من الناس قد اعتمدوا على شفاعة الأنبياء، والأولياء اعتمادا زائدا، وقد أساءوا فهم معنى الشفاعة، فأدى ذلك إلى تناسي اللَّه ، والتشاغل عنه بخلقه، فلتعرف حقيقة الشفاعة في ضوء نصوص الكتاب والسنة، وما أثبتته الشريعة الإسلامية. لقد تعود الملوك، والأمراء، ورجال الدنيا أنواعا من الشفاعة، يلجئون إليها عند الضرورة لمصالحهم الشخصية، أو مصلحة من مصالح البلاد والرعية، نذكرها أولا، حتى يعرف القارئ الفطن الفرق بين هذه الأنواع من الشفاعة، وبين الشفاعة التي أثبتها القرآن، وبضدها تتبين الأشياء. منها أن رجلا تحققت عليه السرقة، فشفع له أمير، أو وزير إلى الملك، فأطلقه الملك وصفح عنه، ولذلك أسباب: منها أن الملك يريد أن يعاقب السارق، والقانون يأمر بذلك، وهو يستحق العقوبة، ولكن الملك عدل عن رغبته، وصفح عن جريمة هذا المجرم، لأن هذا الأمير هو دعامة قوية من دعائم ملكه، فيعرف

стр. 53

الملك أن الأفضل في هذا المقام أن يملك نفسه ويقهر غضبه، ويصفح عن فرد ارتكب جريمة السرقة، فإنه إذا أسخط هذا الأمير ورفض طلبه، اختلت الأمور، واستشرى الفساد في مملكته، وفقدت الشيء الكثير من بهائها ومهابتها، وهذا النوع من الشفاعة يسمى شفاعة الوجاهة، ومعلوم أنه لا مساغ لهذا النوع من الشفاعة عند اللَّه، ولا مجال له، فمن رجا من نبي أو ولي، أو إمام أو شهيد، أو ملك أو شيخ مثل هذه الشفاعة، ونظر إليه كشفيع تقبل شفاعته لا محالة لعظم جاهه، وعلو منزلته، فقد أوغل في الشرك والجهالة، فإنه لم يقدر اللَّه حق قدره، وما شم رائحة العلم والمعرفة، فإن اللَّه هو رب الأرباب، وملك الملوك، قد وسع كرسيه السماوات والأرض، وإنه يقدر أن يخلق بمجرد الأمر، بكلمة " كن " آلافا مؤلفة من الأنبياء والأولياء، والجن والملائكة، كأول ملك، وأول نبي، فلا أفضل في الملائكة من جبريل، ولا أفضل في الأنبياء من محمد صلى اللَّه عليه وسلم، وإذا شاء قلب هذا العالم رأسا على عقب، من الثريا إلى الثرى، وأنشأ عالما جديدا مكان هذا العالم، لأن كل شيء يظهر إلى الوجود بمجرد أمره، لا يحتاج في إيجاد شيء، أو تحقيق أمر إلى الأسباب والوسائل، أو المواد الأولية، وإذا كان جميع الخلق أولهم وآخرهم، وإنسهم وجنهم على قلب أفضل ملك، أو أفضل نبي، ما زاد ذلك في ملكه، وإذا كانوا كلهم على هيئة شيطان، أو دجال لم ينقص ذلك من بهاء ملكه، فهو في كل حال أعظم من كل عظيم. وقاهر الملوك

стр. 54

والسلاطين، لا يصيبه أحد بنفع ولا ضرر، أو زيادة ونقص (١) . والنوع الثاني أن يقوم أحد من أبناء الملك، أو زوجاته، أو من أولع بحبه، بشفاعة لهذا السارق، فيضطر الملك إلى العفو عنه، بدافع من حب هذا الشافع وغرامه، وهذا يسمى شفاعة المحبة، فإن هذا الملك رأى أن كظم الغيظ في هذا المحل، والعفو عن مجرم واحد خير مما يصيبه من الكمد، والكآبة التي تحيط به، وتكدر صفو حياته، إذا سخط عليه هذا المحبوب، أو الحظي، وعاتبه، وأعرض عنه. ومن المعلوم أنه لا مجال لهذا النوع كذلك في حق اللَّه، ومن ظن بأحد أنه شفيع عند اللَّه من هذا النوع، فقد أشبه الأول في الشرك والجهالة، فإن اللَّه مهما خص عبدا من عباده بنعمه وحبه، ووصف بعض الملائكة بأنه " رسوله كريم " (٢) ، و" مكين " (٣) ،

стр. 55

و" روح القدس " (١) ، أو " الروح الأمين " (٢) ، ولكن السيد هو السيد، والعبد هو العبد، ولا يستطيع عبد أن يتخطى العبودية، ويتعالى على ما قدر له، ووسم به من ذل الرق، وسيما العبودية، فكما أنه يخضع لسيده طائعا مسرورا، وهو يعطف عليه، ويغمره برحمته، كذلك ينخلع قلبه، وتنفطر مرارة كبده من هيبته وجلاله. الشفاعة الثابتة في الإسلام: والنوع الثالث: أن السارق تحققت عليه الجريمة، ولكنه لم يتخذ السرقة ديدنا وحرفة، ولكنه ارتكب هذه الجريمة بنزوة من نزوات النفس، فهو نادم على فعلته، وهو وجل خجل يجل قانون ملكه، ويعتبر نفسه مخطئا يستحق العقوبة، إنه لا يلوذ بكنف أمير أو وزير هربا من الملك، ولا يدل بنصرة أحد، ولا يعتمد عليها، إن عينه شاخصة إلى الملك، وإن آماله منوطة به لا غير، يتطلع إلى ما يصدر من الملك في أمره، وإلى ما يأمر به، فلما رآه الملك بهذه الحال من القلق، وانقطاع الآمال، والتقلب بين الخوف والرجاء رق له قلبه، ورثى لحاله، ولكنه يعرف أنه إذا صفح عن جريمته من غير سبب، تطرق الوهن إلى قانونه، ونظام مملكته، واستخف الناس بهذا القانون، وزالت عنهم مهابته، فأوعز إلى أمير أو وزير فقام بشفاعته عنده، وأبدى الملك أنه يريد أن يكرم هذا الأمير بقبول شفاعته، فعفا عن هذا السارق وبشفاعة الأمير، والظاهر أن هذا الأمير لم يشفع لهذا السارق، لأنه يتصل به بنسب أو صداقة، أو أنه

стр. 56

تكفل بنصرته، ولكنه شفع له لأنه اطلع على رغبة الملك، وهذا النوع من الشفاعة يسمى " الشفاعة بالإذن ". فليعلم أنها هي الشفاعة المأذونة الممكنة، وكل شفاعة يتحدث عنها القرآن والحديث، فهي الشفاعة المأذون لها، فيجب على الإنسان أن يظل داعيا لله تعالى، مشفقا منه، مستغيثا به، مقرا بذنوبه بين يديه، مؤمنا بأنه ربه وناصره، لا يعرف له - إذا سرح طرفه، وأرسل خياله - ملجأ ولا ملاذا إلا اللَّه، فلا يعتمد على نصرة سواه، فإنه غفور رحيم، سيفرج الكرب، ويكشف الغم بفضله، ويغفر الذنوب جميعا برحمته، ويأمر من يشاء بشفاعته، فكما أنه يجب أن يكل إليه جميع حاجاته ومآربه، يتحتم عليه أن يكل إليه أمر نصرته وشفاعته، يختار لها من يشاء، ويأمر بها من يشاء، عوضا عن أن يبحث له عن شفيع ومدافع، فيعتمد عليه اعتمادا ينسيه الاعتماد على اللَّه، ويشغله عنه، ويستهين بأحكام الشريعة، ويتخذ ما يدعو إليه هذا الشفيع أو الوكيل من طريق، وما يسلكه من سبيل، شرعة ومنهاجا، ويفضلها على دين اللَّه، وشريعة رسوله، وسنة نبيه، فإنها سُبَّةٌ، تبرأ منها جميع الأنبياء والأولياء، ومقتوها، وهم لا يشفعون لمن تلبس بها، بل يسخطوا عليه ويعاندونه، لأن سر كرامتهم، ومناط شرفهم، أنهم كانوا يريدون مرضاة اللَّه على مرضاة أزواجهم، وأولادهم، وتلاميذهم، وأتباعهم من عبيد وخدم، وأحبة وأصحاب، فإذا عارض منهم أحد أمرا من أوامر اللَّه تعالى، أو حارب اللَّه ورسوله، عادوه وحاربهم، وما ظنك بهؤلاء العامة الذين لا يتصلون بنسب أو صداقة، أو حب، حتى يقوم هؤلاء بنصرتهم، ويحاجوا اللَّه فيهم، ويكونوا للخائنين خصيما، بل الأمر بالضد، فالحب لله، والبغض لله، قد أصبح شعارا ودثارا، فإذا قضى اللَّه

стр. 57

بإدخال هؤلاء المجرمين في النار أطاعوا اللَّه في أمره، وسعوا في سرعة وصولهم إلى قعر جهنم، وتنافسوا في الإعانة على ذلك. لا داعي إلى الاعتصام بغير اللَّه: أخرج الترمذي عن ابن عباس ﵁، قال: «كنت خلف رسول اللَّه ﷺ يوما، فقال: " يا غلام احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده تجاهك، إذا سألت فسأل اللَّه، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللَّه لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللَّه عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف» . ومعنى الحديث أن اللَّه ملك الملوك، ليس شأنه شأن الملوك، الذين يأخذهم السفه، ويميل بهم التيه، فلا يرقون لمملوك، ولا يعطفون عليه، وإن بالغ في التضرع والاستغاثة، لذلك لجأ كثير من رعية الملوك، وأهل مملكتهم إلى الأمراء، فتوسلوا بهم عند هؤلاء الملوك، وتمسكوا بأهدابهم، ولاذوا بحماهم ليميلوا إليهم، ويشملوهم بعطفهم، ويعفوا عن خطاياهم، تحقيقا لرغبة هؤلاء الشفعاء، أو وجاهة أولئك الأمراء والعظماء، بل هو في منتهى الكرم والرحمة، لا ينسى أحدا، ولا يغفل عن أحد، شفع شفيع، أو لم

стр. 58

يشفع، وليس له مجلس كمجالس الملوك، والسلاطين. بل إن اللَّه أقرب إلى عبده من حبل الوريد، فمن أقبل عليه بقلبه، أقبل عليه بعطفه، ووجده تجاه نفسه، ليس بينه وبين ربه حجاب إلا الغفلة والجهالة، فمن بعد عنه بعد بغفلته، ومن حرم رحمته حرم بجهالته ومعصيته، وهو أقرب من كل قريب، ألا يعرف من دعا شيخا، أو نبيا، وناداهما لنصرته، ليقرباه إلى اللَّه زلفى، أن الشيخ والنبي بعيدان عنه، والله قريب منه، ومثله مثل رجل جالس وحده عند الملك، وقد أقبل عليه الملك يسمع طلبه، وما يبديه من حاجة أو رغبة، فانصرف هذا الرجل الجاهل عن الملك، وبدأ ينادي أميرا أو وزيرا، وهما بعيدان، وسألهما أن يبلغا حاجته إلى هذا الملك العظيم، وهو لا يخلو عن حالين: إما أنه أعمى، وإما أنه مجنون. وقد أمر النبي ﷺ في هذا الحديث بأن العبد إذا سنحت له حاجة اضطرته إلى السؤال فليسأل اللَّه، وأنه إذا كان في حاجة إلى إعانة، أو إغاثة فليستعن بالله، وأنه قد رفعت الأقلام، وجفت الصحف، فلا ماحي لما أثبته اللَّه، ولا مثبت لما محاه اللَّه، وأن القضاء واقع، والأمر محتوم، وإن اجتمع الناس كلهم صغيرهم وكبيرهم على أن ينفعوا أحدا، أو يضروه، لم يجاوز ذلك قدر اللَّه. الصالحون من عباد اللَّه لا يملكون إلا الدعاء والسؤال من اللَّه: وقد ثبت من هذا الحديث أن ما يعتقده كثير من الجهلة والغوغاء،

стр. 59

أن اللَّه قد أذن للأولياء أن يغيروا قضاء اللَّه وقدره، فرب رجل لم يرزقه اللَّه ولدا، يرزقه هؤلاء الأولياء أولادا، ورب رجل انتهى أجله، وحضرته الوفاة، زادوا في عمره؟ وهذا كله باطل، إن الحقيقة أن اللَّه قد يقبل دعاء عبده، وقد لا يقبل، ويمتاز الأنبياء والأولياء عن عامة الناس بأن أكثر دعواتهم مقبولة، وهم مستجابو الدعاء، ولكن التوفيق بيد اللَّه فيلهمهم الدعاء ويتقبل منهم، والدعاء والاستجابة كلاهما مقدران، قد جرى بهما قلم القضاء، ولا يقع في العالم شيء إلا ومضى به علم اللَّه، وجرى به القلم، فلا يخرج شيء من دائرة القضاء والقدر، ولا يقدر أحد على عمل إلا ما قدر في علم اللَّه، ولا يملك نبي أو ولي، إلا أن يسأل اللَّه ويدعوه، لا حيلة له ولا سبيل إلا هذا السؤال والدعاء، وإذا شاء أجاب سؤله، وقضى حاجته، وإذا شاء منعه لحكمة يعلمها. المؤمن الموحد رابط الجأش ناعم البال، وضعيف العقيدة مشتت الفكر موزع النفس: من المشاهد أن الإنسان إذا تعلق قلبه بشيء واستحوذ عليه، أو ألمت به ملمة فلم تنفرج، تشتت فكره، وذهب في طلب الغوث كل مذهب، وهام في كل واد، وقد تسول له نفسه أن يستصرخ النبي الفلاني، وقد تزين له أن ينادي فلانا من الأئمة، وقد يجول بخاطره أن ينذر لفلان من المشايخ، وكذا من الشهداء، أو يخضع لجنية فلانية، أو يرجع إلى المنجم الفلاني، أو الرمال الفلاني، وقد تحدثه نفسه بأن يراجع سادنا، أو إماما من أئمة المساجد الذين اتخذوا هذه

стр. 60

الأمور حرفة، فيطلب منه أن يبحث عن الفال في كتاب، ومن هام في كل واد، واتبع كل ناعق، صرف اللَّه عنه عنايته وأخرجه من عباده الصادقين، وأخطأ طريق التربية والهداية الربانية، وظل يهيم في هذه الأودية، ويتيه في مهامه الأوهام والأحلام إلى أن يتلف ويهلك، فمنهم من تمذهب بمذهب الدهريين، ومنهم من سلك مسلك الملحدين، ومنهم من دخل في غمار المشركين، ومنهم من ابتلي بالسفسطة. وأما من توكل على اللَّه، ولم تتشعب به المذاهب عده اللَّه وفتح اللَّه عليه طريق الهداية، وهدى قلبه، فأذاقه حلاوة الإيمان، وغشيته غاشية من السكينة، ورزق من اجتماع الخاطر ورباطة الجأش، وبرد اليقين، وهدوء النفس ما لا سبيل إليه لمن تثبت فكره، وتفرق هواه، ثم إنه لا يخطئه ما قدر له وقسم، ولكن ضعيف العقيدة متشتت البال يعاني الحزن والقلق من غير جدوى، والمؤمن المتوكل، الموحد ينعم بالهدوء، والطمأنينة والسكينة. ومعنى ذلك أن اللَّه وعلا لا يقاس على ملوك الدنيا، فإنهم يباشرون الأمور الخطيرة ويتولونها بأنفسهم، أما الأمور التافهة فيكلونها إلى الخدم والموظفين، فيلجأ الناس إليهم في هذه الأمور التي ليست ذات خطر وشأن، وليس الأمر كذلك فيما يختص بالله تعالى، فإنه هو القادر المطلق الذي يقدر على أن يصلح ما دق وجل من الأمور، وإن كانت في عددها وانتشارها كنجوم السماء، ورمال الدهناء، وليس لأحد تصرف في مملكته، فيحب أن يطلب منه الأمر التافه كما يحب أن يطلب منه الأمر الجليل، والعطاء الجزيل، لأن أحدا لا يملك شيئا سواء الصغير منه والكبير، والدقيق والجليل.

стр. 61

تحذير النبي ﷺ لأهل قرابته من الاعتماد على نسبه إليه وقرابته منه والاستغناء بهما عن العمل: وأخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ، دعا النبي ﷺ قرابته، فعم وخص، فقال: «يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من اللَّه شيئا، أو قال فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئا ويا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئا، ويا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئا، ويا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئا، ويا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئا، ويا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئا، ويا فاطمة أنقذي نفسك من النار، سليني ما شئت من مالي فإني لا أغني عنك من اللَّه شيئا» . ومن المشاهد المجرب أن الذين يتصلون بأحد الصالحين أو المشايخ بنسب يعتمدون على نصرته، وقد يأمنون مكر اللَّه ثقة بهذا النسب، وتيها ودلالا بهذه الزلفى، لذلك أمر اللَّه نبيه ﷺ أن يحذر من يتصل به بنسب أو قرابة عن هذا الغرور، والاسترسال في الأماني والأحلام، وقد فعل

стр. 62

ذلك رسول اللَّه ﷺ فعم وخص، ولم يترك في هذا التحذير بنته التي هي بضعة منه، وأحب الخلق إليه، وقد أوضح ﷺ أن الإنسان يوفي حق قريبه، ويصله فيما يملكه فحكمهم في ماله، وخيرهم أن يسألوه ما شاءوا، أما أمور الآخرة أو الحساب والكتاب فإنه لا يملك منها شيئا، ولا يستطيع أن يدافع عن أحد، أو يحتج لأحد، فيجب على كل واحد أن يعنى بإصلاح شئونه، ويسعى في الخلاص من النار، وقد دل هذا الحديث على أن القرابة أو النسب لا يغنيان عن الإنسان شيئا، ولا ينفعان عند اللَّه.

стр. 63

الفصل الرابع في رد الإشراك في العبادة (١) الدعوة إلى التوحيد الخالص، ونبذ الشرك، قديمة ومتصلة: قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٥ - ٢٦] .

стр. 64

فقد دلت هذه الآية على أن الصراع بين المسلمين والكفار بدأ من عهد نوح ﵇ فما زال الصادقون من عباد اللَّه ينهون عن أن يعظم أحد من الخلق تعظيما يليق بالله تعالى، وعن أن تصرف إليه أعمال تقصد منها غاية التعظيم، والذل والتواضع، وهي مختصة بالله تعالى، وظلت الحرب قائمة بين الفريقين على قدم وساق، لم تضع أوزارها. السجود بجميع أنواعه لا يجوز إلا لله تعالى: وقال اللَّه تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] . فقد دلت هذه الآية على أن السجدة من أعظم شعائر العبادة، وهي مختصة بالخالق جل وعلا، فلا تجوز لمخلوق، وقد تساوى في هذه الصفة القمر والشمس، والنبي والولي، ومن قال إنه قد جاز السجود في الأديان القديمة لبعض المخلوقات، ونقل ذلك بالخبر الصحيح، فصح سجود الملائكة لآدم، وسجود يعقوب ليوسف، فلا بأس أن نسجد لشيخ أو ولي، وهذا باطل (١) ، فقد جازت أشياء في الأديان السابقة، وحرمت في ديننا، وقد أبيح النكاح بالأخوات الشقيقات في عهد آدم، فهل يبيح هؤلاء المحتجون بهذه الدلائل أن يتزوج الإخوة أخواتهم؟ . والأصل أن العبد مكلف بامتثال أمر ربه، فعليه أن يمتثل أمره عن رضا وطواعية نفس، لا يجد في نفسه حرجا مما أمر به، ولا يحاج ولا يتشبث بأمور الأولين وأخبارهم، لأن هذا يؤدي إلى الكفر، ومثل ذلك

стр. 65

أن ملكا أصدر مرسوما في مملكته، وبقي هذا الأمر مدة، ثم نسخ، وأبدل بمرسوم آخر، فمن قال: إني سأظل متمسكا بالمرسوم الأول، ولا أقبل المرسوم الجديد، اعتبر خارجا على الملك محاربا له. ضلال الناس فيمن يعتقدون فيهم الصلاح والفضل: وقال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨ - ٢٠] . والعادة أن الإنسان إذا أخلص في الدعاء والنداء، وصح ما بينه وبين اللَّه، اعتقد الناس أنه بلغ في الولاية والروحانية منزلة يقدر فيها على أن يعطى من شاء ما شاء، وينزع ممن شاء ما شاء، فيتهافتون عليه تهافت الفراش على النور، ويكادون يكونون عليه لبدا، فينبغي لهذا العبد الصالح أن يبين الحقيقة، ويميز الحق من الباطل، فينهى عن دعاء غير اللَّه، وينفي عن الخلق القدرة على النفع والضر، ويوضح أن من دعا غير اللَّه، ورجا منه النفع، ودفع الضر فقد أشرك، ويعلن أنه بريء من هذا الشرك، غير راض عن هذا العمل. وقد دلت هذه الآية على أن المثول بغاية الأدب والتواضع - كما كان الشأن في مجالس ملوك فارس، وكما هو الشأن في معابد الوثنيين عند الأصنام والهياكل، والسدنة والكهان - أمام شيخ صالح، أو عظيم المنزلة في الروحانية والربانية، كأنه في الصلاة، ونداؤه من قريب وبعيد، واللهج باسمه باستمرار، كأنه اسم من أسماء اللَّه الحسنى، من

стр. 66

الأعمال التي خصها اللَّه لتعظيمه، ومن أشرك فيها غيره، فقد أشرك بالله. المناسك ومظاهر التعظيم الأقصى وشعائر الحب والتفاني ، خاصة بالبيت والحرم: وقال اللَّه تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٩] . ومعنى ذلك أن اللَّه قد خصص أمكنة لتعظيمه، كالكعبة، وعرفات، والمزدلفة، ومنى، والصفا والمروة، ومقام إبراهيم، والمسجد الحرام كله، ومكة كلها، والحرم كله، وألهم الناس شوقا لزيارتها، والحنين إليها، فيتوجهون إلى هذه الأمكنة رجالا وركبانا، ويأتون إليها من كل واد عميق، ومرمى سحيق، ويتجشمون في سبيلها مشاق السفر، وعناء التنقل، يصلون إليها غبرا شعثا، متبذلين في الثياب، زاهدين في الشارات والمظاهر، فيذبحون هنالك الأنعام لله تعالى، ويوفون نذورهم، ويطوفون بالبيت، ويقضون لبانتهم من تعظيم اللَّه تعالى، الذي غمر نفوسهم وقلوبهم، ويرضون

стр. 67

هنالك عاطفة الحب والحنان، التي ملكتهم. ويذهبون في ذلك مذاهب شتى، ويتفننون فيه، فمنهم من يستلم عتبة البيت ويقبلها، ومنهم من يقف داعيا أمام الباب، ومنهم من يتضرع متشبثا بكسوة الكعبة، ومنهم من يعتكف عنده، فيصل بياض النهار بسواد الليل عاكفا على عبادة اللَّه، منصرفا إلى ذكره، إلى غير ذلك من مظاهر التعظيم، وشعائر الحب والتفاني، والله يرتضيها ويثيبهم عليها في الدين والدنيا، فلا تجوز هذه الأعمال - المختصة بهذه الأمكنة - لتعظيم شيء آخر، شخصا كان أو قبرا، أو مكان عبادة لرجل صالح، أو نصبا لصنم. الحج وأعماله لا تجوز إلا للبيت: ومن الشرك أن يقصد الإنسان هذه الأمكنة من أنحاء بعيدة، ويشد إليها الرحال، ويتجشم في سبيلها المشاق، والمصاعب، يصل إليها متبذلا متوسخا أغبر أشعث، ويذبح هنالك الأنعام، ويوفي بالنذور، أو يطوف حول قبر أو بيت، ويتأدب مع الغابة التي تحيط بهذا المكان، ولا يصطاد هناك صيدا، ولا يعضد شجرة، ولا يقتطع عشبا، ويرجو من ذلك الثواب والنفع في الدنيا والآخرة (١) ، لأن هذه الأعمال كلها مختصة بالخالق جل وعلا.

стр. 68

تخصيص الحيوانات للصالحين، والتقرب باحترامها ونذرها وذبحها إليهم حرام: قال اللَّه تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] . والمراد به دابة أو حيوان خصص لغير اللَّه، فلا يمس بسوء، ويعيش مدللا محترما، وإذا ذبح ذبح إرضاء لمن خصص به، وتقربا إليه (١) ، فإنه حرام ونجس، كالخنزير، والدم، والميتة، لا فرق بينها وبين هذا الحيوان، ولم تقيد الآية بأن يذكر عليه اسم مخلوق عند الذبح (٢) ، بل

стр. 69

إنها اقتصرت على أن كل حيوان نسب إلى مخلوق واشتهر به حرام ونجس، كالبقرة المنسوبة إلى السيد أحمد الكبير، أو التيس المنسوب للشيخ سدو (١) ، فكل حيوان دجاجة كانت أو بعيرا نسب إلى مخلوق " تقربا إليه " واشتهر بهذه النسبة، كان حراما ونجسا، سواء نسب إلى ولي أو نبي، أو أب أو جد، أو عفريت أو جنية، ومن فعل ذلك، تحقق عليه الشرك. شركاء متشاكسون، وأسماء من غير مسميات: قال اللَّه تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٣٩ - ٤٠] . من المقرر أن العبد الذي كان فيه شركاء متشاكسون في نصب وعذاب، إن العبد هو الذي كان له سيد قاهر يتكفل بقضاء حاجاته، وإصلاح شؤونه. وبصرف النظر عن ذلك، فإنه لا وجود لهؤلاء السادة الأرباب الذين يشركهم الجهال في ملك اللَّه وملكوته، إنما هم من نسج الخيال، فمن الجهال من يتخيل أن فلانا بيده إنزال الأمطار، وإرسال السحاب، وفلانا بيده الإنبات وإخراج الحب، ومنهم من يرزق الأولاد، ومنهم من

стр. 70

يمنح الصحة والشفاء، ثم يخرقون لها أسماء، فيسمون بعضها ببعض الأسماء التي يخترعونها، ثم يعكفون عليها عبادة ودعاء، ونداء، ثم يمضي على ذلك زمان فينتشر في الناس، ويتمسكون بهذه العقائد والعادات، وما هي إلا تخيلات، لا وجوب لها في الحقيقة، فليس لهذه المسميات وجود في العالم (١) ، وإذا وجد أحد بهذا الاسم فإنه لا سلطان له في هذا الكون، ومجاري الأمور، والذي يملك أزمة الأمور، هو اللَّه وحده، وليس من أسمائه محمد أو علي، أما الذين سموا بهذه الأسماء، فهم لا يملكون من هذا العالم شيئا، أما الذي ينادى بمحمد أو بعلي، ثم يملك هذا العالم، فلا وجود له البتة، إنما هي أسماء سماها الجهال، وآباؤهم ما أنزل اللَّه بها من سلطان، ومن عارض أمر اللَّه بأمره رفض ولم تكن له قيمة، وقد نهى اللَّه عن الاسترسال في أمثال هذه الأوهام والأحلام. وإن لب الدين وجوهره هو أن يمتثل العبد أوامر اللَّه، ويؤثرها على كل أمر، وعلى كل ما شاع في الناس من الأساطير والتقاليد، ولكن أكثر الناس مع الأسف لا يسلكون هذا الطريق، ويؤثرون تقاليد مشايخهم وأعرافهم على أمر اللَّه تعالى. وقد ظهر من هذه الآية أن التمسك بشرعة ومنهاج، واللجوء إلى أمر يستند إليه، هو من الأمور التي خصصها اللَّه لتعظيمه، فمن عامل

стр. 71

مخلوقا بذلك تحقق عليه الشرك، ولا طريق للعباد للاهتداء إلى شريعة اللَّه وأحكامه إلا الرسول، فمن آثر كلام إمام أو مجتهد، أو " غوت " أو " قطب " (١) ، أو عالم أو شيخ، أو أب أو جد، أو ملك أو وزير، أو قس أو سادن، وطريقتهم على قول الرسول (٢) ، واحتج بقول شيخ أو أستاذ معارضا لآية أو حديث، أو اعتقد عن النبي ﷺ أنه هو الشارع الأصلي، وأنه كان يتكلم عن الهوى، وما توحي إليه نفسه، فيفرض ذلك على أمته، فقد أشرك، إن الحكم إلا لله، والرسول هو المخبر الصادق، فما وافق إخباره من كلام الناس قبل، وما خالفه رُدَّ. غاية التعظيم في التذلل والخشوع من حق اللَّه تعالى: أخرج الترمذي عن معاوية قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» .

стр. 72

وهذا وعيد شديد لمن أحب أن يقف الناس أمامه واضعي أيمانهم على شمائلهم في غاية الأدب والتواضع، كتماثيل لا تتحرك ولا تتكلم، ولا تنظر يمينا ولا شمالا، وقد أوعده الرسول ﷺ بجهنم، فإنه أحب أن يعظمه الناس بما يعظمون به اللَّه إذا وقفوا للصلاة واضعي يمناهم على يسراهم في أدب وخشوع، فكأنه ادعى الألوهية وتشبه بالله، وقد ظهر من هذا الحديث أن المثول أمام عظيم أو كبير في أدب وتواضع لا يقصد به إلا التعظيم من الأمور التي خصصها اللَّه تعالى لتعظيمه. أتعبدون ما تنحتون ؟ أخرج الترمذي عن ثوبان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان» . ويفهم من هذا الحديث أن الشرك نوعان: النوع الأول: أن يجعل لأحد تمثال ثم يعبد، ويقال له في اللغة العربية " صنم " والنوع الثاني: أن يخصص بيت أو شجرة، أو حجر، أو خشب، أو قرطاس، وينسب إلى أحد ثم يعبد، ويجل ويعظم، ويقال له في العربية " وثن " (١) ، ويدخل فيه القبر، ومكان جلس فيه أحد

стр. 73

الصالحين، واعتكف للأربعين، أو عكف على العبادة والرياضة، ويدخل فيه اللحد، أو عود ينسب إلى أحد الصالحين والأولياء، أو ضريح مصنوع من القرطاس منسوب إلى سيدنا حسين بن علي، والعلم، و" مينهدي " فيعظمون كل ذلك، ويقدمون إليه النذور، والقرابين، ويصنعون لبعض الشهداء طاقا وعلما، ومدفعا، ويقربون إليه الأنعام، ويحلفون به، ويدعونه. وقد أخبر النبي ﷺ أن المسلمين الذين يصبحون فريسة الشرك والوثنية عند دنو الساعة، وفي آخر الزمان، يكون شركهم من نوع العكوف على أشياء تنسب إلى السابقين، فيعتقدون في هذه الأشياء النفع والضرر، ويغلون في تقديسها وتعظيمها. الذبح تقربا وتعظيما من حق اللَّه تعالى: أخرج مسلم عن أبي الطفيل أن عليا ﵁ أخرج صحيفة

стр. 74

فيها: «لعن اللَّه من ذبح لغير اللَّه» . وقد دل هذا الحديث على أن الذبح لغير اللَّه من الأعمال التي خصصها اللَّه لتعظيمه، ومن ذبح لغير اللَّه فقد أشرك. عودة الجاهلية في آخر الزمان: أخرج مسلم عن عائشة قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «لا يذهب الليل والنهار، حتى يعبد اللات والعزى، فقلت: يا رسول اللَّه: إن كنت لأظن حين أنزل اللَّه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] . أن ذلك تام، قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء اللَّه، ثم يبعث اللَّه ريحا طيبة، فتقبض من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم» . وقد دل هذا الحديث على أن للشرك القديم، والوثنية البائدة عودة

стр. 75

وانتشارا في آخر الزمان، وقد تحقق ما أخبر به الرسول ﷺ ، فقد بدأ الشرك القديم - الذي ظن كثير من الناس أنه قد انقرض - ينتشر بجوار ما يفعله المسلمون مع النبي ﷺ ، والأولياء، والأئمة، والشهداء من الأعمال الشركية، فمنهم من يؤمن بتماثيل الكفار فيقلدونهم في عاداتهم وتقاليدهم، مثل السؤال من سدنة الهياكل، وبيوت الأصنام، واللجوء إليهم في المعضلات والمبهمات، مثل " ديوالي " في الهند و" النورز " و " المهرجان " من أيام الفرس والمجوس، والاعتقاد في القمر والعقرب تحت الشعاع، وهذه كلها من عادات الهنادك والمجوس التي انتشرت في المسلمين، وقد تبين من ذلك أن الشرك يتسرب إلى المسلمين، إذا هجروا القرآن والحديث، وتمسكوا بعادات الآباء والأجداد، وتقاليدهم. فتنة الشيطان في آخر الزمان: أخرج مسلم عن عبد اللَّه بن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «يخرج الدجال فيبعث اللَّه عيسى ابن مريم فيطلبه فيهلكه، ثم يرسل اللَّه ريحا باردة من قبل الشام، لا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، فيبقى شرار الناس
следующие страницы →